القلوب أصدق، ودلائل النفوس أوثق. فإن وقفت بك الحال على الارتياب، اعتقدت المودّة فى ظاهره، وأخذت بالحزم فى باطنه. وإذا أقنعك الإغضاء عن الاختبار فلا تتخطّه، فأكثر الأمور تمشى على التغافل والإغضاء. فقد قال أكثم بن صيفىّ:
من تشدّد نفرّ، ومن تراخى تألّف، والسّرو [١] فى التغافل. ولقلما جوهر المغضى وقوطع المتغافل، مع انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه. وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق.
شاور فى أمورك من تثق منه بثلاث خصال: صواب الرأى، وخلوص النية، وكتمان السرّ. فلا عار عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيرا؛ فإن لكل ذى عقل ذخيرة من الرأى وحظّا من الصواب، فتزداد برأى غيرك [وإن كان رأيك [٢]] جزلا، كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار وإن كان غزيرا. وقد يفضل المستشير على المشير؛ ويظفر المشير بالرأى، لأنها ضالّة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول. وعوّل على استشارة من جرّب الأمور وخبرها، وتقلّب فيها وباشرها، حتى عرف مواردها ومصادرها، فلن يخفى عليه خيرها وشرها، ما لم يوهنه ضعف الهرم.
واعدل عن استشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك، أو اعتمد مخالفتك انحرافا عنك، وعوّل على من توخّى الحق لك وعليك. فقد قيل فى قديم الحكم: من التمس الرّخص من الإخوان فى الرأى، ومن الأطبّاء فى المرض، ومن الفقهاء فى الشّبه، أخطأ الرأى، وزاد فى المرض، واحتمل الوزر. ولا تؤاخذ من استشرت بدرك [٣] الرأى
стр. 2032
إن زلّ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن حجزته الأقدار عن الظّفر. فقد قيل فى منثور الحكم: من كثر صوابه لم يطّرح لقليل الخطأ.
اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه، وتسلم من إذاعته وإدلاله، ولو قدرت ألّا تودع سرك غيرك، كان أولى بك وأسلم لك؛ لأنك فيها بين خطر أو حذر.
وقد قيل فى منثور الحكم: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزلّ، ولا جاهلا فيخون.
تثبّت فيما لا تقدر على استدراكه؛ فقلّما تعقب العجلة إلا ندما.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من تأنّى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد»
. وقيل فى حكمة آل داود: من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة.
وقدّم ما قدرت عليه من المعروف، فقلما يعقب الريث إلا فواتا؛ فإن للقدرة غاية، ولنفوذ الأمر نهاية [١] ، فاغتنمها فى مكنتك تسعد بما قدّمته، ويسعد بك من أعنته.
قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: انتهزوا الفرصة فإنها تمرّ مرّ السحاب.
وقال بعض الحكماء: من أخّر الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقة من فوتها.
واحذر قبول المدح من المتملّقين، فإن النّفاق مركوز فى طباعهم، ويداجونك بهيّن عليهم [٢] ؛ فإن نفّقوا عليك غششت نفسك، وداهنت حسّك؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمدا أو ذمّا. فناصح نفسك بما فيها، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها. فقد قيل فيما أنزل الله تعالى من الكتب السالفة: «عجب لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! وعجب لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف
стр. 2033
يغضب!» . وقال بعض البلغاء: من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه. ففوّض مدحك إلى أفعالك، فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت، وتذمّك بحقّ إن أسأت. ولا تغترّ بمخادعة اللسان الكذوب. فقد قيل: أبصر الناس من أحاط بذنوبه، ووقف على عيوبه. وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: لا ترغب فى الكرامة التى تنالها من الناس كرها، ولكن فى التى تستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير.
اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك، تكن أيّامك سعيدة، وأفعالك محمودة، والناس بك مسرورين، ولك أعوانا مساعدين؛ ويبقى بعدك [فى الدنيا [١]] جميل أثرك، وفى الآخرة جزيل أجرك. واستعذ بالله من صدّها فتعدل بك إلى ضدّها، فإن الولايات كالمحكّ تظهر جواهر أربابها، فمنهم نازل مرذول ومنهم صاعد مقبول.
فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحسنوا جوار نعم الله فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم»
. وتعرّض رجل ليحيى بن خالد وهو على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه؛ فقال: يا غلام اختم كتابه ما دام الطين رطبا، ثم أنشد:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... وجد فلكلّ [٢] خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدرى السكون متى يكون
إذا نلت من سلطانك حظّا، وأوجبت عليه بخدمتك حقّا، فلا تستوفه، ودع لنفسك بقيّة يدّخرها لك ويراها حقا من حقوقك، ويكون كفيل أدائها إليك. فإن استوفيتها برئ وصرت إلى غاية ليس بعدها إلا النقصان. قال الشاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
стр. 2034
واعلم أنك مرصد لحوائج الناس، لأنّ بيدك أزمّة الأمور وإليك غاية الطلب، فكن عليها صبورا، تكن بقضائها مشكورا؛ ولا تضجر على طالبها وقد أمّلك، ولا تنفر عليه إذا راجعك؛ فما يجد الناس من سؤالك بدّا. ولخير دهرك أن ترى مرجوّا.
قال أبو بكر بن دريد:
لا تدخلنّك ضجرة من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسئولا
لا تجهن بالردّ وجه مؤمّل ... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا
واعلم بأنك عن قليل صائر ... خبرا فكن خبرا يروق جميلا
وقد قيل فى الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل اللئيم لا يحسن به الغنى. ولئن كانت الحوائج كالمغارم لمن استثقلها فهى مغانم لمن وفّق لها.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما عظمت [١] نعمة الله على عبد إلا عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل مؤنة الناس عرّض تلك النعمة للزوال»
. واذا جعلت الوزارة غايات الأمور إليك، وحوائج الناس واقفة عليك، والقدرة لك مساعدة، لانبساط يدك ونفوذ أمرك، صرت بالتوقّف والإعراض مخلّا بحقوق نظرك، وآسفا على فوات مكنتك. فقد قال بهرام جور فى عهده الى ملوك فارس: إنكم بمكان لا مصرف للناس عن حوائجهم إليكم، فلتتّسع صدوركم كاتّساع سلطانكم. قال علىّ بن الجهم:
إذا جدّد الله لى نعمة ... شكرت ولم يرنى جاحدا
стр. 2035
ولم يزل الله بالعائدات ... على من يعود [١] بها عائدا
أيا جامع المال وفّرته ... لغيرك إذ لم تكن خالدا!
فإن قلت أجمعه للبنين ... فقد يسبق الولد الوالدا
وإن قلت أخشى صروف الزمان ... فكن فى تصاريفه واحدا
فاجعل يومك أسعد من أمسك، وصلاح الناس عندك كصلاح نفسك. ومل إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف، تجدهم كنزا فى شدائدك، وحرزا فى نوائبك.
احذر دعوة المظلوم وتوقّها، ورقّ لها إن واجهك بها، ولا تبعثك العزّة على البطش فتزداد ببطشك ظلما، وبعزتك بغيا. وحسبك بمنصور عليك الله ناصره منك.
كن عن الشهوات [٢] عزوفا تنفكّ من أسرها، فإنّ من قهرته الشهوة كان لها عبدا، ومن استعبدته ذلّ بها.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لها عن الشهوات»
. وقيل لبعض حكماء الروم: ما الملك الأعظم؟ قال: أن يغلب الإنسان شهوته.
وكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته؛ فإنّ الاغترار به مرد. وقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته، فلن تجد إلا ما قدّمته؛ وإنك لتجازى بما صنعت. واستقلّ الدنيا تجد فى نفسك عزّا، فترضى اذا سخطت، وتسرّ اذا حزنت؛ فلن يذلّ إلا طالبها، ولن يحزن إلا صاحبها. فقد قال بعض الحكماء: ليكن طلبك الدنيا اضطرارا،
стр. 2036
وفكرك فيها اعتبارا، وسعيك لمعادك ابتدارا. وقال عبد الحميد: طالب الدنيا عليل، ليس يروى له غليل.
اجعل صالح عملك ذخرا لك عند ربك، وجميل سيرتك أثرا مشكورا فى الناس بعدك، ليقتدى بك الأخيار، ويزدجر بك الأشرار، تكن بالثواب حقيقا، وبالحمد جديرا. فقد قيل: الاغترار بالأعمار من شيم الأغمار. فلن يبقى بعدك إلا ذكرك فى الدنيا، وثوابك فى الآخرة؛ فاظفر بهما تكن سعيدا فيهما؛ فإنّ الدنيا كأحلام النائم يستحليها فى غفوته، ويلفظها بعد يقظته. وقد قيل فى بعض الصحف الأولى:
احرص على العمل الصالح لأنه لا يصحبك غيره.
انتهى كلام الماوردىّ. وقد بالغ- ﵀ فى عهده، وجاد بعظيم برّه وجزيل رفده؛ وأوضح ما إن استمسك به الوزير كفاه، وإن حذا على مثاله كان ذخيرة لدينه ومعونة لدنياه. فليتمسّك به من رفل من الوزارة فى حللها، وارتقى من الرياسة الى شواهقها المنيعة وقللها؛ وأفاضت عليه السياسة برودها، وطوّقته السعادة عقودها.
وليأخذ نفسه به ويرضها عليه؛ وليجعله نصب عينه فيما فوّض من أمور العالم اليه؛ ليفوز بسعادة الدنيا وثواب الآخرة، ويلتحق غدا بذوى الوجوه الناضرة، التى هى إلى ربها ناظرة. وإن عدل عنه وعمل بضدّه فوا خيبة مسعاه، وسوء منقلبه ومثواه، وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ.
ذكر ما قيل فى وصايا أصحاب السلطان وصفاتهم
أما صفاتهم فقد ذكر «الحمدونىّ» فى «تذكرته» ما لا بدّ منه لصاحب السلطان وجليسه، ومحادثه وأنيسه؛ ولا يستغنى عنه وزراؤه وندماؤه، وخواصّه وأولياؤه؛ فقال:
من صحب الملوك وقرب منهم فينبغى أن يكون جامعا للخلال المحمودة. فأوّلها العقل،
стр. 2037
فإنه رأس الفضائل. والعلم، فإنه من ثمار العقل ولا تليق صحبة الملوك بأهل الجهل.
والودّ، فإنه خلق من أخلاق الناس يولّده العقل فى الإنسان لذوى ودّه. والنصيحة، وهى تابعة للودّ وهو الذى يبعث عليها. والوفاء، فلا تتم الصحبة إلا به. وحفظ السرّ، وهو من صدق الوفاء. والعفّة عن الشهوات والأموال. والصرامة، وهى شدّة القلب فإن الملوك لا يجوز أن يصحبهم أولو النّكول، ولا ينال الجسيم من الأمور إلا الشجاع النّدب [١] النجد. والصدق، فإنه من لا يصدق يكذب، ومضّرة الكذب لا تتلافى. وحسن الزىّ والهيئة، فإن ذلك يزيد فى بهاء الملك. والبشر فى اللقاء، فإنه يتألّف به قلب من يلاقيه، وفى الكلوح تنفير عن غير ريبة. والأمانة فيما يستحفظ. ورعاية الحق فيما يستودع. والعدل والإنصاف، فإن العدل يصلح السرائر ويجمّل الظواهر، وبه يخاصم الإنسان نفسه اذا دعته الى أمر لا يحسن ركوبه. وينبغى له أن يجانب أضداد هذه الخلال؛ وألّا يكون حسودا فإنّ الحسد يفسد ما بينه وبين الناس؛ وليفرّق بين الحسد والمنافسة فإنهما يشتبهان على من لا يعقل؛ وأن يخلو من اللّجاج والمحال فإن ذلك يضرّ بالأفعال اذا وقع فيها اشتراك؛ وألّا يكون بذّاخا ولا متكبرا، فإن البذخ من دلائل سقوط النفس، والكبر من دواعى المقت؛ وألّا يكون حريصا، فإن الحرص من ضيق النفس وشدّة البطش والبعد عن الصبر. وينبغى ألّا يكون فدما [٢] وخما [٣] ولا ثقيل الروح، فإنها صفة لا تليق بمن يلاقى الملوك، وأبدا تكون صفة للمقت من غير جرم. وينبغى لمن صحب السلطان أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه، لا كما يفعل الأعمار الجهّال بخدمة الملوك، فإن
стр. 2038
أحدهم كلما ازداد عملا نقص من ساعات نصبه [١] وعمله فزادها فى ساعات شهوته وعبثه.
فهذه الصفات، فلنذكر الوصايا.
وأما وصايا أصحاب السلطان- فهى متقاربة من وصايا الوزراء غير متفاوتة. وفيها ما يضطرّ الوزير إليه، على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه.
قالت الحكماء: إذا نزلت من الملك بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر من الدعاء له فى كلّ كلمة، فإن ذلك يشبه حال الوحشة والغربة، إلا أن تكلّمه على رءوس الناس فلا تأل عما وقّره وعظّمه. وإذا أردت أن يقبل قولك فصحّح رأيك ولا تشوبنّه بشىء من الهوى، فإن الرأى يقبله منك العدوّ، والهوى يردّه عليك الصديق.
وتبصّر ما فى الملك من الأخلاق التى يحبّ ويكره، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحبّ ويكره إلى ما تحب وتكره [٢] ، فإنها رياضة صعبة قد تحمل على التنائى [٣] والقلى.
فقلما تقدر على ردّ رجل عن المكابرة والمناقضة وإن لم يكن جمع به عزّ السلطان، فكيف إذا جمح به! ولكن تعينه على أحسن رأيه وتزيّنه له وتقوّيه عليه؛ فإذا قويت المحاسن كانت هى التى تكفيك المساوى. وإذا استحكمت منه ناحية [٤] من الصواب
стр. 2039
كان ذلك الصواب هو الذى يبصّره [مواقع الخطإ [١]] بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك فى نفسه؛ فإنّ الصواب يؤيّد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض. وإذا كنت له مكابرا لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد.
ولا يكونن طلبك ما عند السلطان بالمسألة! ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له والاستيناء به وإن طالت الأناة، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له.
ولا تخبرنّ الملك أنّ لك عليه حقا، وأنك تعتدّ [٢] عليه بلاء. وإن استطعت ألّا ينسى حقك وبلاءك فافعل. وليكن ما تذكّره به تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألّا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره الأوّل؛ فإنّ السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسى الأوّل؛ فإنّ أرحامهم منقطعة وحبالهم منصرمة إلا عمن رضوا عنه فى يومهم وساعتهم.
واعلم أن أكثر الناس عدوّ لصاحب السلطان ووزيره وذوى المكانة عنده، لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس [٣] على الملك ملكه، ومحسود كما يحسد عليه؛ غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك، لأن حسّاده أحباء [٤] الملك الذين يشاركونه فى المنزلة والدخول، وهم حضور، وليسوا كعدوّ الملك النائى عنه الكاتم لعداوته؛ فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له. فالبس لهؤلاء الاعداء كلهم سلاح الصحّة والاستقامة ولزوم المحجّة [٥] فيما تسرّ وتعلن. ثم روّح عن قلبك حتى كأنك لا عدوّ لك ولا حاسد. جانب
стр. 2040
المسخوط عليه والمظنون به عند السلطان، ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرنّ له عذرا ولا تثنينّ عليه خيرا. فإذا رأيته قد بلغ فى الإعتاب مما [١] سخط عليه [فيه [٢]] ما ترجو أن يلين له الملك، واستيقنت أن الملك قد تحقق مباعدتك إياه وشدّتك عليه، فضع عند ذلك عذره عند الملك، واعمل فى إرضائه بالرفق واللطف.
وإذا أصبت الجاه عند الملك وكانت لك خاصة منزلة، فلا يحدثن لك ذلك تغيّرا على أهله وأعوانه واستغناء عنهم، فإنك لا تدرى متى [٣] ترى أدنى جفوة فتذلّ لهم [٤] . وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلا عن صوابه فتسند ذلك إليه وتزينه به، فإن الذى أنت بذلك آخذ أفضل من الذى أنت به معط.
(واعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعدّه منهم شفقة ونظرا ويحمدهم عليه وإن كان جوادا. فإن كنت مبخّلا فقد غششت [٥] صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخّيا لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك. فالرأى لك تصحيح النصيحة والتماس المخرج، بألا يعرف منك ميلا إلى شىء من هواك [٦] ) .
فهذه نبذة من وصايا أصحاب السلطان يكتفى بها اللبيب، ويتمسك بها الأريب.
وقد قدّمنا فى شروط الوزارة ما يحتاج صاحب السلطان إلى استعما فى خدمته.
فلنذكر ما يحتاج إليه نديم الملك ومؤاكله.
стр. 2041
ذكر ما يحتاج إليه نديم الملك، وما يأخذ به نفسه، وما يلزمه .
قالوا: مما يزيد النديم فى المحلّ تقدّما، وعند ملكه تمكّنا، أن يكون عالما بكل ما يتنافس الملوك ويتغالون فيه، من الرقيق المثمّن، وقيمة الجوهر النفيس، والآلات المحكمة، وأنواع الطيب والفرش، إلى غير ذلك من معرفة الخيل والسلاح. ولذلك قال الواصف نفسه [١] للفضل بن يحيى بن خالد يرغّبه فى اختصاصه بمنادمته فى شعر طويل:
لست بالناسك المشمّر ثوبي ... هـ ولا الفاتك الخليع الوقاح
أبصر الناس بالجواهر [٢] والخي ... ل وبالخرّد الحسان الملاح
قالوا: ومن أبرد من النديم مجلسا وأكسف منه بالا إذا عرض على الملوك شىء من هذه الأعلاق فلم يحر جوابا ولا وجد عنده منه علما!.
ويستظرف من نديم السلطان أن يصف اللون الغريب من الطعام، والصوت البديع من الشعر، واللحن الشجى من الغناء. وقالوا: من لم يدر عشرة أصوات من الغناء ويحسن من غرائب الطبيخ عشرة ألوان، لم يكن عندهم ظريفا [٣] كاملا، ولا نديما جامعا [٤] .
وأما ما يأخذ به نفسه- فقد قالوا: ينبغى أن يكون نديم السلطان معتدل الأخلاق، سليم الجوارح، طيّب المفاكهة والمحادثة، عالما بأيام الناس ومكارم
стр. 2042
أخلاقهم، راوية للنادر من الشعر والمثل السائر، متصرّفا فى كل فنّ، قد أخذ من الخير والشر بنصيب؛ فإن مالت شهوة الملك إلى ضرب ما وجد عنده منه علما.
ويلزمه أيضا أن يحضر فى الزىّ الظاهر الذى يعرف به، ويشهد فيه المجالس الحافلة من غير أن يتشهر [١] . فإن شاء الملك أن يغيّر حاله وزيّه ويكرمه بشىء من ثيابه، حسن أن يلبس ذلك من وقته حتى ينقضى المجلس، ولم يحسن أن يجلس فيه ظاهرا فى مجلس ثان؛ لأنه شىء اختاره الملك فى ساعة بعينها لا فى كل أوقاته. وأما العمامة والخفّ فلا يخلو منهما. والغرض من ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبدّل والتخيّر فى الزىّ الذى لا ثقل عليه منه، والانفراد به عمن هو دونه. وهذه كانت عادة ملوك الأعاجم؛ لأنهم رسموا لكل طبقة من طبقات أهل مملكتهم برسم من الزىّ ليتميزوا به، ولا يتشبه سوقة بملك، ولا مشروف بذى الشرف، ولا تابع برئيس [٢] .
ومما يجب أن يأخذ به نفسه الإسراع فى الخطو إذا كان بحيث يراه الملك، ليكون مشيه إرقالا ولا يكون اختيالا.
ومما يلزمه أن يتحفّظ منه ويروض به نفسه ألّا يصبّحه ولا يمسّيه ولا يشمّته ولا يستخبره. وإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلّف الجواب. وأوّل من سنّ ذلك وحمل الناس عليه الفضل بن الربيع.
стр. 2043
وأما الآداب فى محادثة السلطان- فقد قالوا: من حق الملك إذا حضر سمّاره ومحدّثوه ألّا يبتدئه أحد حديثا. فإن بدأ هو بالحديث صرف من حضره ذهنه وفكره نحوه. فإن كان يعرف الحديث الذى حدّث به الملك استمعه استماع من لم يدره [١] ولم يعرفه، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه؛ فإن فى ذلك أمرين:
أحدهما ما يظهر من حسن أدبه. والآخر أن يعطى الملك حقه بحسن الاستماع. وإن كان لم يعرفه فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أتوق [٢] منها إلى فوائد السّوقة ومن أشبهها. وقد كان روح بن زنباع يقول: إذا أردت أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدّث. وكان أسماء بن خارجة يقول: ما غلبنى أحد قطّ غلبة رجل يصغى إلى حديثى.
ومن حق الملك إذا قرّب إنسانا أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه، ثم دخل عليه، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط، وأن يظهر من الإجلال والتعظيم أكثر مما كان عليه؛ فإن أخلاق الملوك ليست على نظام. ومجالستهم ومحادثتهم تحتاج إلى سياسة وتحفّظ من [٣] وضع الحديث والمثل والشعر فى موضعه. وإذا حدّث الملك بحديث وفرغ منه فنظر إلى بعض جلسائه، فقد أذن له أن يحدّثه بنظير ذلك الجنس من الحديث، وليس له أن يأخذ فى غير جنس حديثه. فإذا فرغ من ذلك الحديث فليس له أن يصله بحديث آخر وإن كان شبيها للحديث الأوّل. فإن رأى الملك قد
стр. 2044
أقبل عليه بوجهه وأصغى إلى حديثه فليمض فيه حتى يكمله ويأتى على آخره. وليس له- إن قطع الملك استماع حديثه بشغل يعرض له- أن يمرّ على كلامه، ولكن ينصت مطرقا. فإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث. فإن فرغ ونظر إليه، فقد أذن له فى إتمامه وإعادته، وإلّا فلا.
ومن حق الملك ألّا يضحك بحضرته، لأن الضحك جرأة عليه؛ وألّا يعاد عليه الحديث مرتين وإن طال بينهما الدهر، إلا أن يذكره الملك، فإن ذكره فقد أذن له فى إعادته. وكان روح بن زنباع يقول: أقمت مع عبد الملك بن مروان سبع عشرة سنة من أيامه ما أعدت عليه حديثا. وكان الشّعبىّ يقول: ما حدّثت بحديث مرتين لرجل بعينه قط. وكان أبو العبّاس السفّاح يقول: ما رأيت رجلا أغزر علما من أبى بكر الهذلىّ لم يعد علىّ حديثا قط. وكان أبو بكر الهذلىّ يقول:
حدّثت المنصور بأكثر من عشرة آلاف حديث، فقال لى ليلة- وقد حدّثته عن يوم ذى قار وقد اضطررت إلى التكرار-: أتعيد الحديث؟ فقلت: ما هذا مما مر يا أمير المؤمنين؛ فقال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار وأنت تحدّث بحديث يوم ذى قار فقلت لك: ما يوم ذى قار بأصعب من هذه الليلة؟
ومن حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء؛ هذا مع الأكفاء فكيف مع الملوك والرؤساء! وقالوا: المماراة تفسد الصداقة القديمة، وتحلّ العقدة الوثيقة وتكسب الإحنة والبغضاء. وقال الصاحب بن عبّاد: للمحدّث على السامع ثلاث:
كتمان السر، وإصغاء الذهن، وترك التحفّظ. هذا ما يلزم نديم الملك.
وأما مؤاكله، فقد اصطلح الناس على إجلال رؤسائهم وملوكهم عن غسل أيديهم بحضورهم، واستجازوا ذلك مع نظرائهم ومن يسقط التحفّظ بينهم وبينهم.
стр. 2045
وربما تجمّل الرئيس فقال لمؤاكله: اغسل يدك مكانك ولا تبرح. فالغبىّ يغتنم ذلك ويفعل، والفطن يأباه ويسلك سبيل الأدب، فيخفّ على القلب. هذا بعد الطعام.
وأما قبله فجائز أن يغسل اليد بحضرة الرئيس. وأما الخلال فلا يستعمل بحضرته البتة.
وأما آداب الأكل بين يدى الرئيس- ألّا يخلط طعاما بطعام، ولا يغمس اللقمة بالخل ثم يضعها فى الطعام، ونحو ذلك. هذا ما يلزم نديم الملك ومؤاكله. وقد ذكرنا مما يجب للملك على رعيته من المناصحة والأدب والتوقير والتعظيم فيما تقدّم ما يدخل فى هذا الباب، فلا فائدة فى تكراره. فلنذكر ما ورد فى النهى عن صحبة الملوك.
ذكر ما ورد فى النهى عن صحبة الملوك والقرب منهم
قد نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا: إن الملوك إذا خدمتهم ملّوك، وإن لم تخدمهم أذلّوك. وإنهم يستعظمون فى الثواب ردّ الجواب، ويستقلّون فى العقاب ضرب الرقاب. وإنهم ليعثرون على العثرة اليسيرة من خدمهم فيبنون لها منارا، ثم يوقدون لها نارا، ويعتقدونها ثارا. وقال ابن المقفّع: إن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فصن عنه نفسك، واعتزله جهدك؛ فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذّة الدنيا وعمل الآخرة. وقال العتّابىّ وقد قيل له: لم لا تقصد الأمير فتخدمه؟ فقال: لأنى أراه يعطى الواحد لغير حسنة ولا يد، ويقتل الآخر بلا سيئة ولا ذنب، ولست أدرى أىّ الرجلين أكون، ولست [١] أرجو منه مقدار ما أخاطر به. وقال لامرأته:
стр. 2046
أسرّك أنى نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
فقالت: بلى والله! فقال:
وأن أمير المؤمنين أغصّنى ... مغصّهما بالمرهفات البوارد
فقالت: لا والله! فقال:
ذرينى تجئنى ميتتى مطمئنّة ... ولم أتجشّم هول تلك الموارد
فإنّ جسيمات الأمور منوطة ... بمستودعات فى بطون الأساود
الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الثانى
فى قادة الجيوش، والجهاد، ومكايد الحروب، ووصف الوقائع، والرباط، وما قيل فى أوصاف السلاح.
ذكر ما قيل فى قادة الجيوش وشروطهم وأوصافهم ووصاياهم وما يلزمهم
قال الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن محمد بن حليم الحليمىّ الجرجانىّ الشافعىّ فى كتابه المترجم ب «المنهاج» ما مختصره ومعناه: إذا أنفذ الإمام جيشا أو سريّة فينبغى أن يؤمّر عليهم رجلا صالحا أمينا محتسبا، لأن القوم إليه ينظرون.
فإذا لم يكن خيّرا فى نفسه كانت أعماله بحسب سريرته وكانت أعمال القوم بحسبها مضاهية لها، فإن رأوا منه كسلا كسلوا، وإن رأوا منه فشلا فشلوا، وإن ثبت ثبتوا، وإن رجع رجعوا، وإن جنح إلى السلّم جنحوا، وإن جدّ جدّوا؛ فهم
стр. 2047
فى تبعه كالمأموم مع الإمام. والعدوّ إنما يفرق من رئيس القوم، فإذا سمع بذى ذكر كان ذلك أهيب له من أن يسمع بخامل لا صيت له. واذا سمع بشجاع غير فرّار كان آيس من مقاومته، منه إذا سمع بفشئل جبان. وإذا سمع بليّن يطمع فى خداع مثله كان أجرأ [١] على استقباله، منه إذا سمع بصلب فى الدّين شديد فى البأس. فيكون [٢] ما يكون من العدوّ من الإقدام والإحجام بحسب ما يبلغه من حال رأس المسلمين.
فلهذين السببين وجب أن يكون الرأس مستصلحا جامعا لأسباب الغناء والكفاية.
والله تعالى أعلم.
واما ما يلزم قائد الجيش- قال أبو الحسن الماوردىّ فى كتابه المترجم ب «الأحكام السلطانية» ما معناه: إن أمير الجيش يلزمه ستة أحكام:
الأوّل منها- مسيره بالجيش. وعليه فى السير بهم سبعة حقوق: أحدها الرّفق بهم فى السير الذى يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوّة أقواهم. ولا يجدّ السير فيهلك الضعيف ويستفرغ جلد القوىّ.
فقد قال النبى ﷺ : «إن هذا الدين متين فأوغلوا [٣] فيه برفق فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»
. والثانى أن يتفقّد خيلهم التى يجاهدون عليها وظهورهم التى يمتطونها، فلا يدخل فى خيل الجهاد قحما [٤] كبيرا، ولا ضرعا [٥] صغيرا، ولا حطما [٦] كسيرا، ولا أعجف رازحا [٧] هزيلا؛ لأنها لا تغنى، وربما
стр. 2048
كان ضعفها وهنا. ويتفقّد ظهور المطايا والركوب، فيخرج منها ما لا يقدر على المسير ويمنع من أن تحمّل زيادة على طاقتها. والثالث أن يراعى من معه من المقاتلة. وهم صنفان: مسترزقة، وهم أصحاب الديوان من أهل الفىء بحسب الغناء والحاجة؛ ومتطوّعة، وهم الخارجون عن الديوان من البوادى والأعراب وسكّان القرى والأمصار الذين خرجوا فى النّفير الذى ندب الله اليه بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
قيل معناه:
شبّانا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل ركبانا ومشاة، وقيل ذا عيال وغير [ذى [١]] عيال. وهؤلاء يعطون من الصدقات دون الفىء. والرابع أن يعرّف على الفريقين العرفاء وينقّب عليهم النقباء، ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربوا [٢] عليه اذا دعاهم. وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك فى مغازيه. والخامس أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا به مميّزين. فقد جعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين: «يا بنى عبد الرحمن» وشعار الخزرج: «يا بنى عبد الله» وشعار الأوس: «يا بنى عبيد الله» وسمّى خيله: «خيل الله» . والسادس أن يتصفّح الجيش ومن فيه، فيخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين وإرجاف بالمسلمين أو عينا عليهم للمشركين. فقد ردّ رسول الله ﷺ عبد الله بن أبىّ بن سلول فى بعض غزواته لتخذيله المسلمين. قال الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
أى لا يفتن بعضكم [٣] بعضا. والسابع ألّا يمايل [٤] من ناسبه
стр. 2049
أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه فى النسب أو خالفه فى رأى ومذهب، فيظهر من المباينة ما تفرّق به الكلمة الجامعة تشاغلا بالتقاطع والاختلاف. فقد أغضى رسول الله ﷺ عن المنافقين وهم أضداد فى الدين، وأجرى عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم العدّة، ووكلهم فيما أضمروه من النفاق إلى الله تعالى. قال الله تعالى: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
قيل فيه: الدولة، وقيل: القوّة.
والثانى- تدبير الحرب. قال الماوردىّ: والمشركون فى دار الحرب صنفان، صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتأبّوا [١] عليها. فأمير الجيش مخيّر فى قتالهم بين أن يبيّتهم ليلا ونهارا بالقتل والتحريق، وبين أن ينذرهم الحرب ويصافّهم فى القتال. والصنف الثانى لم تبلغهم دعوة الإسلام وهم قليل جدّا، إلا أن يكونوا وراء من يلى هذه البلاد الإسلامية من الترك والروم فى مبادئ بلاد المشرق وأقاصى المغرب، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرّة وبياتا، وأن يبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوّة وظهور الحجة ما يقودهم إلى الإجابة. فإن أقاموا على الكفر بعد ظهورها لهم، حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة. قال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
معناه إلى دين ربّك بالنبوّة والقرآن. فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بحججه وقتلهم غرّة وبياتا، ضمن ديات نفوسهم. وهى على الأصح من مذهب الشافعى كديات المسلمين. وقيل: بل تكون كديات الكفار على اختلافها. وإذا تقابلت الصفوف فى الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلّم بما
стр. 2050
يشتهر به فى الصفوف ويتميّز به من بين الجيش، وأن يركب الأبلق إن كانت خيول الناس دهما أو شقرا.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم بدر: «سوّموا فإنّ الملائكة قد سوّمت [١] »
. ويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعى إليه؛ فقد دعا أبىّ بن خلف رسول الله ﷺ إلى البراز يوم أحد فبرز اليه فقتله النبى ﷺ . ويجوز أيضا للمقاتل من المسلمين أن يدعو إلى البراز [٢] لما فيه من إظهار القوّة فى دين الله تعالى بعد أن يعلم من نفسه أن لن يعجز عن مقاومة خصمه ويقدر على دفع عدوّه. ولا يجوز ذلك لزعيم الجيش، فإنه إذا طلب البراز وفقد، أثّر ذلك فى المسلمين؛ وربما يفضى بهم عدمه إلى الهزيمة. ورسول الله ﷺ إنما برز لثقته بنصر الله وإنجاز وعده، وليس ذلك لغيره. ويجوز لأمير الجيش إذا حضّ على الجهاد أن يعرّض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أنّ قتله فى المعركة مما يحرّض المسلمين على القتال حميّة له.
حكى موسى بن إسحاق أن النبىّ ﷺ خرج من العريش يوم بدر فحرّض الناس على الجهاد ونفّل كلّ امرئ [منهم [٣]] ما أصاب، وقال: «والذى نفسى بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة»
؛ فقال عمير بن الحمام من بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن: نج نج! ما بقى
стр. 2051
بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء القوم، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وتقدّم وقاتل القوم حتى قتل- ﵀ وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا [١] التّقى وعمل المعاد
والصبر فى الله على الجهاد ... وكلّ زاد عرضة النّفاد
غير التّقى والبرّ والرشاد
ويجوز للمسلم أن يقتل من ظفر به من مقاتلة المشركين محاربا وغير محارب.
واختلف فى قتل شيوخهم ورهبانهم من سكان الصوامع والديارات. فمن منع من قتلهم قال: إنهم موادعون. ومن قال بقتلهم وإن لم يقاتلوا [قال [٢]] : لأنهم ربما أشاروا برأى يكون فيه إنكاء للمسلمين. وقد قتل دريد بن الصّمّة فى حرب هوازن- وهو يوم حنين- وقد جاوز مائة سنة، ورسول الله ﷺ يراه فلم ينكر قتله؛ وكان يقول حين قتل:
أمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلمّا عصونى كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم لا أننى غير مهتدى [٣]
ولا يجوز قتل النساء والولدان فى حرب ولا غيرها ما لم يقاتلوا؛ لنهى رسول الله ﷺ عن قتلهم. وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل العسفاء والوصفاء- والعسفاء: المستخدمون، والوصفاء: المماليك-. فإن قاتل النساء والولدان قوتلوا مقبلين ولم يقتلوا مدبرين. وإذا تترّسوا فى الحرب بنسائهم وأطفالهم عمد قتلهم
стр. 2052
وتوقّى قتل النساء والأطفال، [فان لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النّساء والأطفال [١]] جاز، ولو تترّسوا بأسرى المسلمين ولم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسارى لم يجز قتلهم، فإن أفضى الكفّ عنهم إلى الإحاطة بالمسلمين، توصّلوا إلى الخلاص منهم كيف أمكنهم وتحرّزوا أن يعمدوا قتل مسلم؛ ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا عليها؛ ومنع بعض الفقهاء من عقرها. وليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرس نفسه، لأن الخيل من القوّة التى أمر الله تعالى بإعدادها فى جهاد عدوّه. قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.
ولا احتجاج بعقر جعفر بن أبى طالب فرسه يوم مؤتة، فإنه اقتحم بفرس له شقراء حتى التحم القتال ثم نزل عنها وعقرها وقاتل حتى قتل رضى الله عنه، وهو أوّل رجل من المسلمين عقر فرسه فى الإسلام، وهو إنما عقر فرسه بعد أن أحيط به، فعقره لها خشية أن يتقوّى بها المشركون على المسلمين، فصار عقرها كعقر خيولهم.
والثالث- ما يلزم أمير الجيش فى سياستهم. والذى يلزمه فيها عشرة أشياء:
أحدها: حراستهم من غرّة يظفر بها العدوّ منهم، وذلك بأن يتتبّع المكامن فيحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على نفوسهم ورحالهم [٢] ، ليسكنوا فى وقت الدّعة ويأمنوا ماوراءهم فى وقت المحاربة. والثانى: أن يتخيّر لهم موضع نزولهم لمحاربة العدوّ، وذلك أن يكون أوطأ الأرض مكانا وأكثرها مرعى وماء [٣] وأحرسها أكنافا وأطرافا، ليكون أعون لهم على المنازلة وأقوى لهم على المرابطة. والثالث: إعداد ما يحتاج الجيش [إليه [٤]] من زاد وعلوفة تفرّق عليهم فى وقت الحاجة، لتسكن نفوسهم
стр. 2053
إلى مادة يستغنون بها عن السعى فى تحصيلها، وتتوفّر دواعيهم على منازلة العدوّ. والرابع:
أن يعرف أخبار عدوّه حتى يقف عليها، ويتصفّح أحوالهم [حتى يخبرها [١]] ليسلم من مكرهم ويلتمس الغرّة فى الهجوم عليهم. والخامس: ترتيب الجيش فى مصافّ الحرب، والتعويل فى كل جهة على من يراه كفئا [لها، ويتفقد الصفوف من الخلل فيها، ويراعى كل جهة [٢]] يميل العدوّ عليها بمدد يكون عونا لها. والسادس: أن يقوّى نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويخيّل إليهم من أسباب النصر، ليقلّ العدوّ فى أعينهم فيكونوا عليه أجرأ. قال الله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
. والسابع: أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله إن كانوا من أهل الآخرة، وبالجزاء والنّفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا.
والثامن: أن يشاور ذوى الرأى فيما أعضل، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل؛ ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل. وقد تقدّم ذكر ما فى المشورة من البركة والخير.
والتاسع: أن يأخذ جيشه بما أوجب الله تعالى من حقوقه وأمر به من حدوده، حتى لا يكون منهم تجوّز فى دين الله [ولا تحيف [٣] فى حق] ، فإن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بالتزام أحكامه.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قطّ إلا قذف الله فى قلوبهم الرّعب وانهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زنى جيش قط إلا سلّط الله عليهم الموتان [٤]
стр. 2054
وانهوا جيوشكم عن الغلول [١] فإنه ما غلّ جيش قطّ إلا قذف الله الرعب فى قلوبهم»
. وقال أبو الدرداء: يأيها الناس، عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.
والعاشر: ألّا يمكّن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة ليصرفه [٢] الاهتمام بها عن مصابرة العدوّ وصدق الجهاد.
روى عن نبىّ من أنبياء الله تعالى أنه قال: «لا يغزون معى من بنى بناء لم يكمله ولا رجل تزوّج امرأة لم يدخل بها ولا رجل زرع زرعا لم يحصده [٣] »
. والرابع- ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد. وهو ضربان: أحدهما ما يلزمهم فى حق الله تعالى؛ والثانى ما يلزمهم فى حق الأمير عليهم.
فأما اللازم لهم فى حق الله تعالى فأربعة أشياء. أحدها: مصابرة العدوّ عند التقاء الجمعين بألّا ينهزم عنه من مثليه فما دون ذلك. وقد كان الله فرض فى أوّل الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين، فقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
. ثم خفّف الله عنهم عند قوّة الإسلام وكثرة أهله فأوجب على كل مسلم لاقى العدوّ أن يقاتل رجلين منهم، فقال تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
فحرّم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين: إما أن يتحرّف لقتال فيولّى لاستراحة أو لمكيدة ويعود الى قتالهم؛ وإما أن يتحيّز الى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم. قال الله تعالى:
стр. 2055
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
قال: وسواء قربت الفئة التى يتحيز إليها أو بعدت. فقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لفلّ [١] القادسيّة حين انهزموا اليه: أنا فئة كل مسلم. ويجوز اذا زادوا على مثليه ولم يجد الى المصابرة سبيلا أن يولّى عنهم غير متحرّف لقتال ولا متحيّز الى فئة.
هذا مذهب الإمام الشافعى ﵀. واختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه وأشرف على القتل هل يجوز انهزامه، فقالت طائفة: لا يجوز انهزامه عنهم وإن قتل، للنص. وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يولّى ناويا أن يتحرّف لقتال أو يتحيّز الى فئة ليسلم من القتل ومن إثم الخلاف؛ فإنه إن عجز عن المصابرة فلا يعجز عن هذه النية. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا التفصيل، والنصّ فيه منسوخ، وعليه أن يقاتل ما أمكنه وينهزم إذا عجز وخاف القتل. والثانى من حقوق الله تعالى: أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فيكون بهذا الاعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له فى أوامره ونصرة دينه ومستنصرا على عدوّه [ليستسهل ما لاقى [٢]] فيكون أكثر ثباتا وأبلغ نكاية. ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من المتكسّبين لا من المجاهدين. والثالث من حقوق الله تعالى: أن يؤدّى الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغلّ منها شيئا حتى تقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة وكانوا على العدوّ يدا، لأن لكل واحد منهم فيها حقا. قال الله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
. والرابع من حقوق الله تعالى: ألّا يمايل من المشركين ذا قربى ولا يحابى فى نصرة الله تعالى [ذا مودّة [٣]] ، فإن حق الله
стр. 2056
أوجب ونصرة دينه ألزم. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ
. نزلت الآية فى حاطب بن أبى بلتعة وقد كتب كتابا إلى أهل مكة حين همّ رسول الله ﷺ بغزوهم يعلمهم فيه بالخبر وأنفذه مع سارّة- مولاة لبنى المطلب- فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ذلك، فأنفذ عليّا والزبير فى أثرها، فأدركاها وأخذا الكتاب من قرون رأسها، فدعا النبىّ ﷺ حاطبا فقال: «ما حملك على ما صنعت» ؛ فقال: والله يا رسول الله إنى لمؤمن بالله ورسوله، ما كفرت ولا بدّلت ولكنى امرؤ ليس لى فى القوم أصل ولا عشيرة وكان لى بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم [١] عليهم؛ فعفا رسول الله ﷺ عنه. على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبيّنا فى أثناء السيرة النبوية عند ذكرنا لغزوة الفتح، فتأمله هناك تجده.
وأما ما يلزمهم فى حق الأمير عليهم فأربعة أشياء. أحدها: التزام طاعته والدخول فى ولايته؛ لأن ولايته عليهم انعقدت، وطاعته بالولاية وجبت. والثانى: أن يفوّضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره، حتى لا تختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم. قال الله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
فجعل تفويض الأمر إلى وليّه سببا إلى حصول العلم وسداد الأمر.
فإن ظهر لهم صواب خفى عليه بيّنوه له وأشاروا به عليه. والثالث: أن يسارعوا إلى امتثال أمره، والوقوف عند نهيه وزجره، لأنهما من لوازم طاعته. فإن توقّفوا عما أمرهم به أو أقدموا على ما نهاهم عنه ورأى تأديبهم على المخالفة بحسب أفعالهم، فعل.
стр. 2057
ولا يغلّظ فينفّر. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
. والرابع: ألّا ينازعوه فى الغنائم إذا قسمها فيهم، ويتراضوا به بعد القسمة. والخامس من أحكامها: مصابرة الأمير على قتال العدوّ ما صبر وإن تطاولت به المدّة. ولا يولّى عنهم وفيه قوّة. قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
. قيل فى تأويل هذه الآية: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدوّ، ورابطوا بملازمة [١] الثغر.
فإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد فهى لازمة حتى يظفر بخصلة من أربع خصال:
إحداهن- أن يسلموا فيصير لهم بالإسلام مالنا وعليهم ما علينا، ويقرّوا على ما ملكوا من بلاد وأموال.
قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقّها»
. وتصير بلادهم إذا أسلموا دار إسلام يجرى عليها حكم الإسلام. ولو أسلم منهم فى معركة الحرب طائفة، قلّت أو كثرت، أحرزوا بالإسلام ما ملكوا فى دار الحرب من أرض ومال. فإن ظهر على دار الحرب لم تغنم أموال من أسلم. وقال أبو حنيفة:
يغنم ما لا ينقل من أرض ودار، ولا يغنم ما ينقل من مال ومتاع.
والخصلة الثانية- أن يظفّره [٢] الله تعالى بهم مع مقامهم على شركهم، فيسبى دراريهم ويغنم أموالهم ويقتل من لم يحصل فى الأسر [٣] منهم. ويكون مخيّرا فى الأسرى
стр. 2058
فى استعمال الأصلح من أربعة أمور. أحدها: أن يقتلهم صبرا بضرب العنق. والثانى:
أن يسترقّهم ويجرى عليهم أحكام الرّقّ من بيع أو عتق. والثالث: أن يفادى بهم على مال أو أسرى. والرابع: أن يمنّ عليهم ويعفو عنهم. قال الله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ
معناه الأسر [١] . ثم قال:
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها.
والخصلة الثالثة- أن يبذلوا مالا على المسالمة والموادعة، فيجوز أن يقبله منهم ويوادغهم عليه. وهو على ضربين. أحدهما: أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجا مستمرّا. فهذا المال غنيمة لأنه مأخوذ بإيجاف خيل وركاب، فيقسم بين الغانمين، ويكون ذلك أمانا لهم فى الانكفاف [٢] عن قتالهم فى هذا الجهاد، ولا يمنع من جهادهم فيما بعد. والضرب الثانى: أن يبذلوه فى كل عام، فيكون خراجا مستمرّا، ويكون الأمان به مستقرّا. والمأخوذ منهم فى العام الأوّل غنيمة تقسم بين الغانمين، وما يؤخذ فى الأعوام المستقبلة يقسم فى أهل الفىء. ولا يجوز أن يعاود جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال، لاستقرار الموادعة عليه. وإذا دخل أحدهم إلى دار الإسلام، كان له بعقد الموادعة الأمان على نفسه وماله. فإن منعوا المال زالت الموادعة وارتفع الأمان ولزم [٣] الجهاد كغيرهم من أهل الحرب. وقال أبو حنيفة: لا يكون منعهم من مال الجزية والصلح نقضا لأمانهم، لأنه حق عليهم فلا ينتقض العهد بمنعهم منه كالديون.
стр. 2059
والخصلة الرابعة- أن يسألوا الأمان والمهادنة؛ فيجوز اذا تعذّر الظفر بهم وأخذ المال منهم أن يهادتهم على المسالمة فى مدّة مقدّرة تعقد الهدنة [عليها اذا كان الامام قد أذن له فى الهدنة [١]] أو فوّض اليه الأمر. فقد هادن رسول الله ﷺ قريشا عام الحديبية عشر سنين. ويقتصر فى مدّة الهدنة على أقلّ ما يمكن، ولا يجاوز بأكثرها عشر سنين. فإن هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد عليها، ولهم الأمان فيها الى انقضاء مدّتها لا يجاهدون فيها من غير إنذار. [فإن نقضوه صاروا حربا يجاهدون من غير إنذار [١]] فقد نقضت قريش صلح الحديبية، فسار اليهم رسول الله ﷺ عام الفتح محاربا. واذا نقضوا عهدهم فلا يجوز قتل من فى أيدينا من رهائنهم. وقد نقض الروم عهدهم فى زمان معاوية وفى يده رهائن فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم وخلّوا سبيلهم وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر.
وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب [٢] إطلاقهم ما لم يحاربوا. فإن حاربونا وجب إطلاق رهائنهم وإبلاغ الرجل منهم مأمنهم وإيصال النساء والأطفال والذرارى الى أهليهم.
ويجوز أن يشترط لهم فى عقد الهدنة ردّ من أسلم من رجالهم اليهم. فإذا أسلم أحدهم ردّ اليهم إن كانوا مأمونين على دمه، ولم يردّ إليهم [٣] إن لم يؤمنوا عليه. ولا يشترط ردّ من أسلم من نسائهم، لأنهنّ ذوات فروج محرّمة. فإن شرط ردّهن لم يجز أن يرددن [٤] ؛ ودفع الى أزواجهنّ مهورهنّ اذا طلبن.
ولا تجوز المهادنة لغير ضرورة تدعو الى عقدها، وتجوز الموادعة أربعة أشهر فما دونها ولا يزيد عليها.
стр. 2060
وأما الأمان الخاصّ فيصح أن يبذله كل مسلم من رجل وامرأة وحرّ وعبد؛
لقول النبىّ ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمّتهم أدناهم»
يعنى عبيدهم. وقال أبو حنيفة: لا يصحّ أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له فى القتال.
والسادس من أحكامها- السيرة فى نزال العدوّ وقتاله. يجوز لأمير الجيش فى حصار العدوّ أن ينصب عليهم العرّادات [١] والمجانيق. فقد نصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقا. ويجوز أن يهدم عليهم منازلهم، ويضع عليهم البيات والتحريق. واذا رأى فى قطع نخلهم وشجرهم صلاحا ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا فى السلم صلحا لما ينالهم من الضعف، فعل. ولا يفعل إن لم ير فيه صلاحا. فقد قطع النبى ﷺ كروم أهل الطائف فكان سببا لإسلامهم، وأمر فى حرب بنى النّضير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر يرى نواه من وراء اللّحاء، وكانت النخلة منها أحبّ اليهم من الوصيف [٢] ، فحزنوا لقطعها، وجاء المسلمون الى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [٣] أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ
. ويجوز أن يعوّر [٤] عليهم المياه ويقطعها عنهم وإن كان فيهم النساء والأطفال؛ لأنه من أقوى أسباب ضعفهم والظفر بهم. واذا استسقى منهم عطشان فالأمير مخيّر فى سقيه أو منعه. ومن قتل منهم واراه عن الأبصار ولم يلزم [٥] تكفينه. ولا يجوز أن يحرق بالنار منهم حيّا ولا ميتا.
روى عن النبىّ صلى الله عليه
стр. 2061
وسلم أنه قال: «لا تعذّبوا عباد الله بعذاب الله»
وقد أحرق أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه قوما من أهل الردّة. قال الماوردى: ولعل ذلك كان منه والخبر لم يبلغه.
ومن قتل من شهداء المسلمين زمّل فى ثيابه ودفن ولم يغسّل ولم يصلّ عليه.
قال رسول الله ﷺ فى شهداء أحد: «زمّلوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدّم والريح ريح المسك»
. وإنما فعل ذلك بهم مكرمة لهم وإجراء لحكم الحياة عليهم. قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
. ولا يمنع الجيش فى دار الحرب من أكل طعامهم وعلوفة دوابّهم غير محتسب به عليهم. ولا يتعدّوا القوت والعلوفة الى ما سواهما من ملبوس ومركوب. فإن دعتهم الضرورة الى ذلك، كان ما لبسوه أو ركبوه أو استعملوه، مسترجعا منهم فى المغنم إن كان باقيا، ومحتسبا عليهم من سهمهم إن كان مستهلكا. ولا يجوز لأحد منهم أن يطأ جارية من السّبى إلا بعد أن يعطاها بسهمه فيطأها بعد الاستبراء. فإن وطئها قبل القسمة عزّر ولا يحدّ، لأنّ له فيها سهما؛ ووجب عليه مهر مثلها يضاف الى الغنيمة. فإن أحبلها لحق به ولدها وصارت أمّ ولد له إن ملكها. وإن وطئ من لم تدخل فى السبى حدّ، لأن وطأها زنا؛ ولم يلحق به ولدها إن علقت.
وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة، لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها سواء غنم فيها أو لم يغنم. واذا عقدت عموما عاما بعد عام لزمه معاودة الغزو فى كل وقت يقدر على الغزو فيه، ولا يفتر عنه مع ارتفاع الموانع إلا قدر الاستراحة. و [أقل ما يجزيه أن [١]] لا يعطّل عاما من جهاد.
стр. 2062
ولهذا الأمير، اذا فوّضت اليه الإمارة على المجاهدين، أن ينظر فى أحكامهم ويقيم الحدود عليهم وسواء من ارتزق منهم أو تطوّع. ولا ينظر فى أحكام غيرهم ما كان سائرا الى ثغره. فإذا استقرّ فى الثغر الذى تقلّده، جاز أن ينظر فى أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعيّة. وإن كانت إمارته خاصة أجرى عليها حكم الخصوص.
وأما وصايا أمير الجيش- قال الحليمىّ: ويوصى الإمام أمير السريّة والجند بتقوى الله وطاعته والاحتياط والتيقّظ، ويحذّرهم الشّتات والفرقة والإهمال والغفلة، ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم ولا يختلفوا عليه وينصحوا له، ولا يخذل [١] بعضهم بعضا، وإن أظفرهم الله على العدوّ لا يغلّوا ولا يخونوا، ولا يعقروا من دوابّ المشركين التى لا تكون تحتهم، ولا يقتلوا امرأة لا تقاتلهم ولا وليدا، وأنهم إن وصلوا إلى قرية لا يدرون حالها، أمسكوا عنها وعن أهلها ولا يبيّتونهم ولا يشنّون الغارة عليهم حتى يعلموا حالهم؛ إلى غير ذلك من الآداب التى يحتاجون إلى معرفتها مما يلزم ويحلّ أو يحرم من أمر القتل والأسر والمغنم والقسم وعزل الخمس ومن يسهم له أولا يسهم ومن يرضخ [له [٢]] ، والفرق بين الفارس والراجل ونحو ذلك.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الجرّاح أنه
بلغنى أنّ رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سريّة قال: «باسم الله وفى سبيل الله تقاتلون من كفر بالله لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا»
. فإذا بعثت جيشا أو سريّة فمرهم بذلك.
стр. 2063
وقال أبو بكر الصّدّيق رضى الله عنه لخالد بن الوليد حين وجّهه لقتال أهل الرّدّة:
سر على بركة الله، فإذا دخلت أرض العدوّ فكن بعيدا من الحملة فإنى لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلّاء، ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات فإنّ فى العرب غرّة، وأقلل من الكلام فإنما لك ماوعى عنك، واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله فى سريرتهم؛ وأستودعك الله الذى لا تضيع ودائعه.
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول عند عقد الألوية: باسم الله وبالله وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله والنصر ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا فى سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين. ولا تجبنوا عند اللّقاء، ولا تمثّلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزّحفان وعند شنّ الغارات.
وكتب عمر الى سعد بن أبى وقّاص ومن معه من الأجناد: أما بعد فإنى آمرك ومن معك بتقوى الله على كلّ حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ وأقوى المكيدة فى الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصى منكم من عدوّكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا قوّة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم. فإن استوينا فى المعصية كان لهم الفضل علينا فى القوّة. وإلّا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوّتنا. واعلموا أن عليكم فى مسيركم حفظة [من [١]] الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم. ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله. ولا تقولوا إن عدوّنا شرّ منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا؛ فرب قوم قد سلّط عليهم شرّ منهم كما سلّط على بنى
стр. 2064
إسرائيل لمّا عملوا بمساخط الله كفرة المجوس (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا)
. واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم. أسأل الله ذلك لنا ولكم. وترفّق بالمسلمين فى مسيرهم، ولا تجشّمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصّر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوّهم والسفر لم ينقص [١] قوّتهم؛ فإنهم سائرون الى عدوّ مقيم حامى الأنفس والكراع [٢] . وأقم بمن معك فى كل جمعة يوما وليلة حتى تكون لهم راحة يجمّون [٣] فيها أنفسهم ويرمّون [٤] أسلحتهم وأمتعتهم. ونحّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمّة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ولا يرزأ [٥] أحدا من أهلها شيئا، فإن لهم حرمة وذمّة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فما صبروا لكم ففوا لهم [٦] .
ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. وإذا وطئت أدنى أرض العدوّ فأذك [٧] العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم. وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق فى بعضه، والغاشّ عين عليك وليس عينا لك. وليكن منك عند دنوّك من أرض العدوّ أن تكثر الطلائع وتبثّ السّرايا بينك وبينهم [فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم [٨]] . وانتق للطلائع أهل الرأى والبأس من أصحابك،
стр. 2065
وتخيّر لهم سوابق الخيل، فإن [١] لقوا عدوّا كان أوّل ما تلقاهم القوّة من رأيك. واجعل أمر [٢] السّرايا الى أهل الجهاد والصبر على الجلاد، ولا تخصّ بها أحدا بهوى، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصّتك. ولا تبعث طليعة ولا سريّة فى وجه تتخوّف عليها فيه ضيعة ونكاية. فإذا عاينت العدوّ فاضمم اليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوّتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال [٣] ، حتى تبصر عورة عدوّك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوّك كصنيعه بك. ثم أذك أحراسك على عسكرك، وتحفّظ من البيات جهدك. ولا تؤتى بأسير ليس له عهد إلا ضربت عنقه، لترهب بذلك عدوّك وعدوّ الله. والله ولىّ أمرك ومن معك، وولىّ النصر لكم على عدوّكم؛ والله المستعان.
وأوصى عبد الملك بن مروان أميرا سيّره الى أرض الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيّس الذى إن وجد ربحا تجر، وإلّا تحفّظ برأس المال؛ ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة؛ وكن من احتيالك على عدوّك أشد حذرا من احتيال عدوّك عليك.
وكان زياد بن أبيه يقول لقوّاده: تجنّبوا اثنتين لا تقاتلوا فيهما العدوّ: الشتاء، وبطون الأودية.
وكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه: اذا غزوتم فأطيلوا الأظفار، وقصّروا الشعور، والحظوا الناس شزرا، وكلّموهم رمزا، واطعنوهم وخزا.
стр. 2066
وكان أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدعوة يقول لقوّاده: أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظّفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
وقالت الحكماء: لا تستصغرنّ أمر عدوّك اذا حاربته، لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر؛ والضعيف المحترس من العدوّ القوىّ أقرب الى السلامة من القوىّ المغترّ بالضعيف.
ذكر ما يقوله قائد الجيش وجنده من حين [١] يشاهد العدوّ الى انفصال الحرب والظفر بعدوّهم
قال الشيخ أبو عبد الله الحسين الحليمىّ فى منهاجه: اذا مضى الجيش باسم الله فلقوا العدوّ فليتعوّذوا بالله تعالى، وليقولوا: اللهم إنا ندرأ بك [٢] فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. فإذا قاتلوا فليقولوا: اللهم بك نصول ونجول. وليقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. وليقولوا: اللهم منزّل الكتاب وسريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. وإن حصبوهم فليقولوا: «شاهت الوجوه» . وإن رموهم فليقولوا: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً.
وإن بيّتهم العدوّ فليكن شعارهم (حم) *
لا ينصرون (حم عسق)
يفرّق أعداء الله، وبلغت حجة الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وليقولوا إذا دخل العدوّ ديارهم:
ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا
. وليقولوا اذا صافّوهم: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
. وليقولوا: