وكان أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدعوة يقول لقوّاده: أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظّفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
وقالت الحكماء: لا تستصغرنّ أمر عدوّك اذا حاربته، لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر؛ والضعيف المحترس من العدوّ القوىّ أقرب الى السلامة من القوىّ المغترّ بالضعيف.
ذكر ما يقوله قائد الجيش وجنده من حين [١] يشاهد العدوّ الى انفصال الحرب والظفر بعدوّهم
قال الشيخ أبو عبد الله الحسين الحليمىّ فى منهاجه: اذا مضى الجيش باسم الله فلقوا العدوّ فليتعوّذوا بالله تعالى، وليقولوا: اللهم إنا ندرأ بك [٢] فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. فإذا قاتلوا فليقولوا: اللهم بك نصول ونجول. وليقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. وليقولوا: اللهم منزّل الكتاب وسريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. وإن حصبوهم فليقولوا: «شاهت الوجوه» . وإن رموهم فليقولوا: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً.
وإن بيّتهم العدوّ فليكن شعارهم (حم) *
لا ينصرون (حم عسق)
يفرّق أعداء الله، وبلغت حجة الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وليقولوا إذا دخل العدوّ ديارهم:
ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا
. وليقولوا اذا صافّوهم: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
. وليقولوا:
ويقولوا: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» ، ويقولوا: اللهم إنا نسألك من خير ما تأتى به الرياح، ونعوذ بك من شر المساء والصباح. وإن بارز مسلم مشركا فليقرأ عليه: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
. وليقل: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ.
وليقل: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
. وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
. وإذا التقى الصفّان فليدع أمير السريّة ويسأل الله النصر والفتح ويؤمّن الناس على دعائه؛ فإنها من ساعات الإجابة.
ذكر ما قيل فى المكيدة والخداع فى الحروب وغيرها
روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «الحرب خدعة [١] »
. وكان ﷺ إذا غزا أخذ طريقا وهو يريد أخرى، ويقول: «الحرب خدعة» .
وكان مالك بن عبد الله الخثعمىّ وهو على الصافّة [٢] يقوم فى الناس، اذا أراد أن يرحل، فيحمد الله ويثنى عليه، ثم يقول: إنى دارب بالغداة درب كذا؛ فتتفرّق الجواسيس عنه بذلك، فإذا أصبح سلك بالناس طريقا غيرها. فكانت الروم تسميّه الثعلب.
وقال المهلّب لبنيه: عليكم فى الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة.
وسئل بعض أهل التمرّس بالحروب: أىّ المكايد فيها أحزم؟ فقال: إذ كاء العيون [٣] ، وإفشاء الغلبة، واستطلاع الأخبار، وإظهار السرور، وإماتة الفرق،
стр. 2072
والاحتراس من البطانة، من غير إقصاء [١] لمستنصح ولا استنصاح لمستغشّ، وإشغال [٢] الناس عما هم فيه من الحرب بغيره.
وقال حكيم: اللّطف فى الحيلة، أجدى للوسيلة. وقيل: من لم يتأمّل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله، والتّثبّت يسهّل طريق الرأى إلى الإصابة، والعجلة تضمن العثرة.
ويقال: إن سعيد بن العاص صالح أهل حصن من حصون فارس على ألّا يقتل منهم رجلا واحدا، فقتلهم كلّهم إلا رجلا واحدا.
وقيل: لما أتى بالهرمزان أسيرا الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قيل له:
يا أمير المؤمنين، هذا زعيم العجم وصاحب رستم [٣] ؛ فقال له عمر رضى الله عنه:
أعرض عليك الإسلام نصحا لك فى عاجلك وآجلك؛ فقال: إنما أعتقد ما أنا عليه ولا أرغب فى الإسلام رهبة؛ فدعا عمر بالسيف، فلما همّ بقتله، قال: يا أمير المؤمنين، شربة من ماء هى أفضل من قتلى على الظمأ؛ فأمر له بشربة من ماء؛ فلما أخذها الهرمزان قال: يا أمير المؤمنين، أنا آمن حتى أشربها؟ قال: نعم؛ فرمى بها وقال:
الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج؛ قال: صدقت، لك التوقّف عنك والنظر فيك، ارفعا عنه السيف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، الآن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وما جاء به حق من عنده؛ فقال عمر: أسلمت خير إسلام، فما أخّرك؟
قال: كرهت أن يظنّ بى أنى إنما أسلمت خوفا من السيف؛ فقال عمر: ألا إنّ لأهل فارس عقولا استحقّوا بها ما كانوا فيه من الملك، ثم أمر ببرّه وإكرامه.
стр. 2073
ونظير هذه القصة ما فعل الأسير الذى أتى به الى معن بن زائدة فى جملة الأسرى فأمر بقتلهم؛ فقال: أتقتل الأسرى عطاشا يا معن؟ فأمر بهم فسقوا، فلما شربوا قال: أتقتل أضيافك يا معن؟ فخلّى عنهم.
ومن المكايد المشهورة حكاية قصير مع الزّبّاء، وسنذكرها إن شاء الله فى التاريخ فى أخبار ملوك العرب، وواقعة ملك الهياطلة مع فيروز بن يزدجرد، ونذكرها أيضا فى أخبار ملوك الفرس.
ومن المكايد خبر عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة مع معاوية بن أبى سفيان، وكان معاوية قد كتب اليهما واستقدم عمرا من مصر والمغيرة من الكوفة؛ فقال عمرو للمغيرة: ما جمعنا إلا ليعزلنا، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه أن تأتى الطائف أو المدينة، وأنا اذا دخلت عليه سأسأله ذلك فإنه يظن أنّا نريد أن نفسد عليه. فدخل المغيرة على معاوية فسأله أن يعفيه فأذن له؛ ودخل عليه عمرو وسأله ذلك؛ فقال معاوية: قد تواطأتما على أمر وإنكما لتريدان شرّا، ارجعا الى عمليكما.
وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف العزل: أما بعد، فإنه قد كبرت سنّى، ودقّ عظمى، وقرب أجلى، وسفّهنى رجال قريش، فرأى أمير المؤمنين فى عمله موفّق. فكتب اليه معاوية: أمّا ما ذكرت من كبر سنّك، فإن سنّك أكلت عمرك. وأما اقتراب أجلك، فإنى لو كنت أستطيع أن أدفع المنيّة عن أحد لدفعتها عن آل أبى سفيان. وأما ما ذكرت من العمل ف
ضحّ قليلا يدرك الهيجا [١] حمل
وأمّا ما ذكرت من سفهاء قريش، فإنّ حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل. فاستأذن معاوية
стр. 2074
فى القدوم فأذن له؛ فلما وصل اليه قال له معاوية: كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم يبق منك شىء، ولا أظنّنى إلا مستبدلا بك. قال: فانصرف والكآبة تعرف فى وجهه؛ فقيل له: ما تريد أن تفعل [١] ؟ فقال: ستعلمون ذلك. ثم أتى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح، ولست فى زمن أبى بكر ولا عمر، وقد اجترح الناس، ولو نصبت لنا علما من بعدك نصير اليه! مع أنى كنت قد دعوت أهل العراق الى يزيد فركنوا اليه حتى جاءنى كتابك؛ قال: يا أبا محمد، انصرف الى عملك فأحكم هذا الأمر لابن أخيك، وأعاده على البريد يركض.
وقيل: جاء بازيار [٢] لعبد الله بن طاهر فأعلمه أن بازيا له انحط على عقاب له فقتلها؛ فقال: اذهب فاقطف رأسه، فإنى لا أحبّ الشىء أن يجترئ على ما فوقه.
وأراد أن يبلغ ذلك المأمون فيسكن الى جانبه.
قال الشعبىّ: وجّهنى عبد الملك بن مروان الى ملك الروم، فلما قدمت عليه ودفعت اليه كتاب عبد الملك، جعل يسألنى عن أشياء فأخبره بها، فأقمت عنده أياما، ثم كتب جواب كتابى، فلما انصرفت دفعته الى عبد الملك، فجعل يقرؤه ويتغيّر لونه، ثم قال: يا شعبىّ، علمت ما كتب به إلىّ الطاغية؟ قلت: يا أمير المؤمنين، كانت الكتب مختومة ما قرأتها وهى اليك؛ فقال: إنه كتب إلىّ: إنّ العجب من قوم يكون فيهم مثل من أرسلت به إلىّ فيملّكون غيره؛ فقال: قلت يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك؛ قال: فسرّى عنه، ثم قال: إنه حسدنى عليك فأراد أن أقتلك.
قال: ولمّا ظفر الجنيد بن عبد الرحمن- وهو يلى خراسان فى أيام هشام- بصبيح الخارجىّ وبعدّة من أصحابه فقتلهم جميعا إلا رجلا أعمى [قال هذا الرجل [٣]] أنا أدلّك
стр. 2075
على أصحاب صبيح وأجازيك على ما صنعت، وكتب له قوما؛ فأمر الجنيد بقتلهم حتى قتل مائة؛ فقال الأعمى عند ذلك: لعنك الله باجنيد! أتزعم أنه يحلّ لك دمى وأنّى ضالّ ثم تقبل قولى فى مائة قتلتهم! لا! والله ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلا، وما هم إلا منكم. فقدّمه الجنيد وقتله.
وكان معاوية بن أبى سفيان من الدّهاة؛ وله أخبار فى الدّهاء تدلّ على بعد غوره وحدّة ذهنه. فمنها [١] أن يزيد ابنه سمع بجمال زينب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلّام القرشىّ، وكانت من أجمل النساء فى وقتها وأحسنهنّ أدبا وأكثرهنّ مالا، ففتن بها يزيد؛ فلما عيل صبره ذكر ذلك لبعض خصيان أبيه، وكان ذلك الخصىّ خاصّا بمعاوية واسمه رفيق، فذكر رفيق ذلك لمعاوية وقال له: إنّ يزيد قد ضاق ذرعه بها. فبعث معاوية الى يزيد فاستفسره عن أمره؛ فبثّ له شأنه؛ فقال: مهلا يا يزيد؛ فقال له:
علام تأمرنى بالمهل وقد انقطع منها الأمل؟ فقال له معاوية: فأين مروءتك وحجاك [وتقاك] ؟ فقال: قد عيل الصبر، ولو كان أحد [ينتفع فيما يبتلى] به من الهوى [بتقاه، أو يدفع ما أقصده بحجاه] لكان أولى الناس به داود حين ابتلى به؛ فقال: اكتم يا بنىّ أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره فيك، ولا بدّ مما هو كائن.
وأخذ معاوية فى الاحتيال فى تبليغ يزيد مناه، فكتب الى زوجها عبد الله بن سلّام، وكان قد استعمله على العراق: أن أقبل حين تنظر كتابى لأمر [٢] فيه حظّك إن شاء الله تعالى فلا تتأخر عنه. فأغذّ السير وقدم، فأنزله معاوية منزلا كان قد هيّىء له وأعدّ فيه نزله؛ وكان عند معاوية يومئذ بالشأم أبو هريرة وأبو الدّرداء، فقال لهما معاوية: إنّ الله قد قسم بين عباده قسما [ووهبهم نعما] أوجب عليهم فيها شكره وحتّم عليهم حفظها، فحبانى
стр. 2076
منها بأتمّ الشرف وأفضل الذكر، وأوسع علىّ الرزق، وجعلنى راعى خلقه، وأمينه فى بلاده، والحاكم فى أمر عباده، ليبلونى أأشكرأم أكفر. وأوّل ما ينبغى للمرء أن يتفقّد وينظر من استرعاه الله أمره، ومن لا غنى به عنه. وقد بلغت لى ابنة أريد إنكاحها والنظر فى اختيار من يباعلها، لعل من يكون بعدى يقتدى فيه بهديى ويتبع فيه أثرى. فإنه [١] قد يلى هذا الملك بعدى من يغلب عليه الشيطان ويرقيه الى تعضيل [٢] بناتهم فلا يرون لهم كفؤا ولا نظيرا، وقد رضيت لها ابن سلّام القرشىّ، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه؛ فقالا له: إن أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصّه منها لأنت؛ فقال لهما معاوية: فاذكرا له ذلك عنى، وقد كنت جعلت لها فى نفسها شورى، غير أنى أرجو ألّا تخرج من رأيى إن شاء الله. فخرجا من عنده وأتيا عبد الله بن سلّام وذكرا له القصة. ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها: اذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلّام وحضّاك على المسارعة الى اتباع رأيى فيه، فقولى لهما: إنه كفء كريم وقريب حميم، غير أنّ تحته زينب بنت إسحاق، وأخاف أن يعرض لى من الغيرة ما يعرض للنساء فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه فيعذّبنى عليه، ولست بفاعلة حتى يفارقها. فلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد الله وأعلماه بقول معاوية، ردّهما اليه يخطبان له منه، فأتياه؛ فقال: قد علمتما رضائى به وحرصى عليه، وكنت قد أعلمتكما الذى جعلت لها فى نفسها من الشّورى، فادخلا عليها واعرضا عليها الذى رأيت لها. فدخلا عليها وأعلماها؛ فقالت لهما ما قاله معاوية لها. فرجعا الى ابن سلّام وأعلماه بما قالته.
فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب أشهدهما بطلاقها وأعادهما الى ابنة معاوية.
стр. 2077
فأتيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبد الله زوجته رغبة فى الاتصال با بنته؛ فأظهر معاوية كراهة فعله وفراقه لزينب وقال: ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته، فانصرفا فى عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها. فقاما ثم عادا اليه، فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها [١] عن رضاها تبرّيّا من الأمر، وقال: لم يكن لى أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى فى نفسها. فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله بن سلّام امرأته ليسرّها، وذكرا من فضله وكمال مروءته وكرم محتده؛ فقالت لهما: إنه فى قريش لرفيع القدر، وقد تعرفان أن الأناة فى الأمور أرفق لما يخاف من المحذور، وإنى سائلة عنه حتى أعرف دخلة أمره وأعلمكما بالذى يزيّنه الله لى، ولا قوّة إلا بالله؛ فقالا: وفّقك الله وخار لك. وانصرفا عنها، وأعلما عبد الله بقولها؛ فأنشد:
فإن يك صدر هذا اليوم ولّى ... فإنّ غدا لناظره قريب
وتحدّث الناس بما كان من طلاق عبد الله زينب وخطبته ابنة معاوية، ولا موه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه. ثم استحثّ عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء؛ فأتياها وقالا لها: اصنعى ما أنت صانعة واستخيرى الله، فإنه يهدى من استهداه؛ فقالت: أرجو، والحمد لله، أن يكون [٢] الله قد خار [لى] ، وقد استبرأت [٣] أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسى، ولقد اختلف من استشرته فيه، فمنهم الناهى عنه و [منهم] الآمر به، واختلافهم أوّل ما كرهت.
فلما بلّغاه كلامها علم أنه مخدوع، وقال: ليس لأمر الله رادّ، ولا لما لا بدّ [٤] منه
стр. 2078
صادّ؛ فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستدّ رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا برأى ولا كيد. ولعل ما سرّوا به واستجذلوا [١] [له] لا يدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره. وذاع أمره وفشا فى الناس، وقالوا: خدعه معاوية حتى طلّق امرأته، وإنما أرادها لابنه، وقبّحوا فعله. فتمّت مكيدته هذه؛ لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضدّ تقديره. وذلك أنه لما انقضت أقراء زينب، وجّه معاوية أبا الدرداء الى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد؛ فخرج حتى قدم الكوفة، وبها يومئذ الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، فبدأ أبو الدرداء بزيارته، فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه؛ فقال: وجّهنى معاوية خاطبا على ابنه يزيد زينب بنت إسحاق؛ فقال له الحسين: لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال اليها اذا انقضت أقراؤها، فلم يمنعنى من ذلك إلا تخيّر مثلك [٢] ، فقد أتى الله بك، فاخطب- رحمك الله- علىّ وعليه، لتتخيّر من اختاره الله لها، وهى أمانة فى عنقك حتى تؤدّيها اليها، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه؛ فقال: أفعل إن شاء الله. فلما دخل عليها أبو الدرداء قال: أيتها المرأة، إنّ الله خلق الأمور بقدرته، وكوّنها بعزته، فجعل لكل أمر قدرا، ولكل قدر سببا، فليس لأحد عن قدر الله مستحاص، ولا للخروج عن أمره مستناص؛ فكان مما [٣] سبق لك وقدّر عليك الذى كان من فراق عبد الله بن سلّام إيّاك، ولعل ذلك لا يضرّك ويجعل الله فيه خيرا كثيرا؛ وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولىّ عهده والخليفة من بعده
стр. 2079
يزيد بن معاوية، والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وسيّد شباب أهل الجنة، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما، وقد جئتك خاطبا عليهما، فاختارى أيّهما شئت؛ فسكتت طويلا ثم قالت: يا أبا الدرداء، لو أن هذا الأمر جاءنى وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك واتّبعت فيه رأيك ولم أقتطعه دونك، فأمّا إذ كنت أنت المرسل فقد فوّضت أمرى بعد الله إليك وجعلته فى يديك، فاخترلى أرضاهما لديك، والله شاهد عليك، فاقض فى أمرى بالتحرّى ولا يصدّنّك عن ذلك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيّا، ولا أنت عما طوّقتك غبيّا؛ فقال: أيتها المرأة، إنما علىّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك؛ قالت: عفا الله عنك! إنما أنا ابنة أخيك، ولا غنى لى عنك، فلا تمنعك رهبة أحد عن قول الحق فيما طوّقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حمّلتك؛ والله خير من روعى وخيف، إنه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدّا من القول والإشارة قال: أى بنيّة، إن ابن بنت رسول الله ﷺ أحبّ إلىّ وأرضى عندى، والله أعلم بخيرهما لك، وقد رأيت رسول الله ﷺ وقد وضع شفتيه على شفتى حسين، فضعى شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه؛ قالت: قد اخترته وأردته ورضيته. فتزوّجها الحسين وساق لها مهرا عظيما. فبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء شديدا، وقال: من يرسل ذا بله وعمى يركب خلاف ما يهوى. وأما عبد الله ابن سلّام فإنّ معاوية اطّرحه وقطع عنه جميع روافده، لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه، ولم يزل يجفوه حتى عيل صبره وقلّ ما فى يديه. فرجع الى العراق، وكان قد استودع زينب قبل طلاقه لها مالا عظيما ودرّا كثيرا، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها وطلاقها من غير شىء كان منها، فلقى حسينا فسلّم عليه، ثم قال: قد علمت ما كان من خبرى وخبر زينب، وكنت قد استودعتها مالا ولم أقبضه، وأثنى عليها وقال له:
стр. 2080
ذاكرها أمرى واحضضها على ردّ مالى. فلما انصرف الحسين إليها قال لها: قد قدم عبد الله بن سلّام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك فى حسن صحبتك وما آنسه قديما من أمانتك، فسرّنى ذلك وأعجبنى، وذكر أنه كان قد استودعك مالا، فأدّى إليه أمانته وردّى عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقا ولم يطلب إلا حقا؛ فقالت:
صدق، استودعنى مالا لا أدرى ما هو، فادفعه اليه بطابعه؛ فأثنى عليها حسين خيرا وقال: ألا أدخله عليك حتى تتبرّئى إليه منه كما دفعه اليك؟ ثم لقى عبد الله وقال:
ما أنكرت مالك، وإنها زعمت أنه بطابعك، فادخل اليها وتسلّم مالك منها؛ فقال:
أو ما تأمر من يدفعه إلىّ؟ قال: لا! بل تقبضه منها كما دفعته إليها. ودخل عليها حسين وقال: هذا عبد الله قد جاء يطلب وديعته؛ فأخرجت اليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت: هذا مالك؛ فشكر وأثنى. وخرج حسين عنهما، وفضّ عبد الله ابن سلّام خواتم بدرة [١] وحثى لها من ذلك وقال: خذى فهو قليل منى؛ فاستعبرا جميعا حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفا على ما ابتليا به؛ فدخل الحسين عليهما وقد رقّ لهما فقال: أشهد الله أنها طالق ثلاثا، اللهم قد تعلم أنى لم أستنكحها رغبة فى مالها ولا جمالها، ولكنى أردت إحلالها لبعلها. فسألها عبد الله أن تصرف الى حسين ما كان قد ساق إليها من مهر؛ فأجابته الى ذلك؛ فلم يقبله الحسين وقال:
الذى أرجو إليه من الثواب خير لى. فلما انقضت أقراؤها تزوّجها عبد الله، وحرمها الله تعالى يزيد بن معاوية.
ومن مكايد معاوية أن رجلا من قريش أسر فحمل الى صاحب القسطنطينية، فكلّمه ملك الروم، فجاو به القرشىّ بجواب لم يوافقه؛ فقام اليه رجل من بطارقة صاحب القسطنطينية فوكزه، فقال القرشىّ: وا معاوياه! لقد أغفلت أمورنا وأضعتنا. فوصل
стр. 2081
الخبر الى معاوية فطوى عليه واحتال فى فداء الرجل. فلما وصل اليه سأله عن أمره مع صاحب القسطنطينية وعن اسم البطريق الذى وكزه؛ فلما عرفه أرسل الى رجل من قوّاد صور [١] الذين كانوا قوّاد البحر ممن عرف بالنّجدة وغزو الروم، وقال له:
أنشئ مركبا يكون له مجاديف فى جوفه، واستعمل السفر الى بلاد الروم، وأظهر أنك إنما تسافر لبلادهم على وجه السرّ والاستتار منا، وتوصّل إلى صاحب القسطنطينية ومكّنه من المال واحمل إليه الهدايا والى جميع أصحابه، ولا تعرض لفلان (يعنى الذى لطم الرجل القرشىّ) واعمل كأنك لا تعرفه، فإذا كلّمك وقال لك: لأىّ معنى تهادى أصحابى وتتركنى، فاعتذر إليه وقل له: أنا رجل أدخل الى هذه المواضع مستترا ولا أعرف [إلا [٢]] من عرّفت به، فلو عرفت أنك من وزراء الملك لهاديتك كما هاديت أصحابك، ولكنى اذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك. ففعل القائد ذلك.
ولما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه [٣] وأربى فى هديته على أصحابه، ولم يزل حتى اطمأن إليه العلج. فلما كان فى إحدى سفراته قال له البطريق: كنت أحبّ أن تجلب إلىّ من بلاد المسلمين وطاء ديباج يكون على ألوان الزهر؛ قال: نعم. فلما انصرف أخبر معاوية بما طلبه البطريق؛ فأمر له ببساط على ما وصف، وقال: اذا دخلت وادى القسطنطينية فأخرجه وابسطه على ظهر المركب وتربّص فى الوادى حتى يصل الخبر الى ذلك العلج، وابعث له فى السرّ وتحيّن خروجه الى ضيعته التى له على ضفّة وادى القسطنطينية، فإذا وصلت الى حدّ ضيعته فابتدئ بها، لعلّ يحمله الشره على الدخول إليك؛ فاذا حصل عندك فى المركب فمر الرجال بإشارة تكون بينك
стр. 2082
وبينهم أن يستعملوا المجاديف التى فى جوف المركب، وكرّبه راجعا الى الشأم. ففعل ما أمره به معاوية. وصادف وصول ذلك القائد وجود البطريق [١] فى ضيعته، فبسط ذلك البساط على ظهر المركب ووصل الى عرض ضيعة العلج؛ فلما عاين البساط حمله الشّره والحرص الى أن دخل المركب، فلما صار فى المركب أشار [القائد] الى رجاله فرجعوا بالمركب بعد أن أوثق البطريق ومن معه، وسار بهم حتى قدم على معاوية. فأحضر معاوية البطريق ووقفه بين يديه، وأحضر القرشىّ وقال: هذا صاحبك؟ قال:
نعم؛ قال: قم فاصنع به ما صنع بك ولا تزد؛ فقام القرشىّ فوكزه كما كان فعل به العلج. ثم قال معاوية للبطريق: ارجع الى ملكك وقل له: تركت ملك الإسلام يقتصّ من أصحاب بساطك، وقال للذى ساقه: انصرف به الى أوّل أرض الروم وأخرجه، واترك له البساط وكل ما سألك أن تحمله اليه من هديّة. فانصرف به الى فم وادى القسطنطينية، فوجد ملك الروم قد صنع سلسلة على فم الوادى ووكّل بها الرجال، فلا يدخل أحد الى الوادى إلا بإذنه؛ فأخرج العلج ومن معه وما معه. فلما وصل الى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال: هذا ملك كبير الحيلة. فعظم معاوية فى أعينهم وفى نفوسهم فوق ما كان. وهذه الواقعة محاسنها تستر مساوى ما تقدّمها.
وهذا الباب متّسع، ستقف إن شاء الله فى التاريخ الذى أوردناه فى كتابنا هذا [على [٢]] ما تكتفى به وتطّلع منه على المكايد.
وحيث انتهينا الى هذه الغاية فى أوصاف قادة الجيوش، فلنذكر الآن فضيلة الجهاد ووصف الجيوش والوقائع.
стр. 2083
ذكر ما ورد فى الجهاد وفضله وترتيب الجيوش وأسمائها فى القلة والكثرة، وأسماء مواضع القتال، وما قيل فى الحروب والوقائع، وما وصفت به
فأما ما ورد فى الجهاد وفضله. قال الله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
. وقال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
. وأثنى الله تعالى على المجاهدين ووعدهم الجنة فى آى كثير.
وقال رسول الله ﷺ لرجل جاءه فقال له يا رسول الله: دلّنى على عمل يعدل الجهاد قال:
«لا أجده»
. وقال أبو هريرة رضى الله عنه: إن فرس المجاهد ليستنّ فى طوله فيكتب له حسنات [١] .
وعن رسول الله ﷺ : «إن فى الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين فى سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»
. وعنه ﷺ أنه قال: «لغدوة فى سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .
وفى لفظة: «الرّوحة والغدوة فى سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها»
. وعنه ﷺ أنه قال: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسرّه أن يرجع الى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسرّه أن يرجع
стр. 2084
الى الدنيا فيقتل مرة أخرى»
. وعنه ﷺ أنه قال: «والذى نفسى بيده لولا أنّ رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة تغزو فى سبيل الله والذى نفسى بيده لوددت أنّى أقتل فى سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل»
. وعنه ﷺ أنه قال: «ما اغبرّتا [١] قدما عبد فى سبيل الله فتمسّه النار»
. وعنه ﷺ أنه قال: «الجنّة تحت ظلال السيوف»
. والأحاديث الصحيحة متضافرة بفضيلة الجهاد وما أعدّ الله للمجاهدين والشهداء. وقد ترجم على ذلك البخارىّ وغيره.
وأما ما قيل فى أسماء العساكر فى القلة والكثرة وأسماء مواضع القتال -
قالوا: الكتيبة: ما جمع فلم ينتشر. والحضيرة: العشرة فمن دونهم. والمقنب والمنسر من الثلاثين الى الأربعين. والهيضلة: جماعة غير كثيرة. والرّمّازة: التى تموج من نواحيها. والجحفل: الجيش الكثير. والمجر: أكثر ما يكون.
وقال الثعالبىّ فى فقه اللغة عن أبى بكر الخوارزمىّ عن ابن خالويه: أقلّ العساكر الجريدة؛ ثم السريّة وهى من الأربعين الى الخمسين؛ ثم الكتيبة وهى من مائة الى ألف [٢] ؛ ثم الجيش وهو من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل؛ ثم الخميس وهو من أربعة آلاف الى اثنى عشر ألفا؛ والعسكر يجمعها.
стр. 2085
ولأسماء العساكر نعوت فى الكثرة وشدّة الشوكة.
فأما نعوتها فى الكثرة- فانه يقال: كتيبة رجراجة؛ جيش لجب؛ عسكر جرّار؛ جحفل لهام؛ خميس عرمرم.
وأما نعوتها فى شدّة الشوكة مع الكثرة- فإنه يقال: كتيبة شهباء اذا كانت بيضاء من الحديد؛ وخضراء إذا كانت سوداء من صدإ الحديد؛ وململمة إذا كانت مجتمعة؛ ورمّازة إذا كانت تموج من نواحيها؛ ورجراجة إذا كانت تتمخّض ولا تكاد تسير؛ [وجرّارة إذا كانت لا تقدر على السير [١]] إلا رويدا من كثرتها.
وأما أسماء مواضع القتال- فمنها: الحومة؛ والمعركة؛ والمعترك؛ والمأقط؛ والمأزم، والمأزق.
وأما أسماء غبار الحرب- النّقع والعكوب: هو الغبار الذى يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل. الرّهج والقسطل: غبار الحرب. الخيضعة: غبار المعركة.
وأما ما قيل فى الحروب والوقائع، وشىء مما وصفت به- قالوا: أبلغ ما قيل فى صفة الحرب قول الأوّل:
كأنّ الأفق محفوف بنار ... وتحت النار آساد تزير
وقول الآخر:
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن جمر وقوف على جمر
صبرنا له حتّى تجلّى، وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصبر
стр. 2086
وقال البحترىّ يصف جيشا اتّبع مقدّمه:
حمر السيوف كأنما ضربت لهم ... أيدى القيون صفائحا من عسجد
فى فتية طلبوا غبارك إنه ... رهج ترفّع عن طريق السّودد
كالرمح فيه بضع عشرة فقرة ... منقادة خلف السّنان [١] الأصيد
وقول النابغة الجعدىّ:
تبدوكوا كبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
وقال أبو الفرج الببّغاء:
وموشيّة بالبيض والزّغف والقنا ... محبّرة الأعطاف بالضّمّر القبّ
بعيدة ما بين الجناحين فى السّرى ... قريبة ما بين الكمينين [٢] فى الضرب
من السالبات الشمس ثوب ضيائها ... بثوب تولّى نسجه عثير التّرب
يعاتب نشوان القنا صاحى الظّبا ... إذا التقيا فيها على قلّة الشّرب
أعادت علينا الليل بالنّقع فى الضّحى ... وردّت علينا الصبح فى الليل بالشهب
تبلّج عن شمسى نزار ويعرب ... وتفترّ عن [٣] طودى علا تغلب الغلب
موقّرة يقتاد ثنى زمامها ... بصير بأدواء الكريهة فى الحرب
أصحّ اعتزاما من خؤون على قلى ... وأنفذ حكما من غرام على صبّ
وقال محمد بن أحمد بن عبد ربه:
ومعترك تهزّ به المنايا ... ذكور الهند فى أيدى ذكور
لوامع يبصر الأعمى سناها ... ويعمى دونها طرف البصير
стр. 2087
وخافقة الذوائب قد أنافت ... على حمراء ذات شبا طرير [١]
تحوّم حولها عقبان موت ... تخطّفت القلوب من الصدور
بيوم راح فى سربال ليل ... فما عرف الأصيل من البكور
وعين الشمس ترنو فى قتام ... رنوّ البكر من خلف الستور
فكم قصّرت من عمر طويل ... وكم طوّلت من عمر قصير
وقال أيضا:
ومعترك ضنك تعاطت كماته ... كؤوس دماء من كلى ومفاصل
يديرونها راحا من الرّوح بينهم ... ببيض رقاق أو بسمر ذوابل
وتسمعهم أمّ المنيّة وسطها ... غناء صليل البيض تحت المناصل
وقال التّنوخىّ شاعر اليتيمة:
فى موقف وقف الحمام ولم يزغ ... عن ساحتيه وزاغت الأبصار
فقنا تسيل من الدماء على قنا [٢] ... بطوالهن تقصّر الأعمار
ورءوس أبطال تطاير بالظّبا ... فكأنها تحت الغبار غبار
وقال ابن الخيّاط الأندلسىّ:
سيوف اذا اعتلّت جهات بغورة [٣] ... فمنهنّ فى أعناقهن تمائم
وكلّ خميس طبّق الجوّ نقعه ... وضيّق مسراه الجياد الصلادم
стр. 2088
كأنّ نهار النقع إثمد عينه ... وأشفار عينيه الشّفار الصوارم
تعدّ عليه الوحش والطير قوتها ... اذا سار والتفّت عليه القشاعم
والبيت الأوّل مأخوذ من قول المتنبى:
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم
وقال الحمّانىّ:
وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سفوك
منا برهن بطون الأكفّ ... وأغمادهن رءوس الملوك
وقال حسّان:
إذا ما غضبنا بأسيافنا ... جعلنا الجماجم أغمادها
قال رجل من بنى تميم لرجل عبادىّ: لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولة فى الحرب.
فقال: لقد قلت بطلا، ونطقت خطلا؛ كانوا والله إذا أطلقوا [١] عقل الحرب رأيت فرسانا تمور كرجل الجراد [٢] ، وتدافع كتدافع الأمداد؛ فى فيلق حافتاه الأسل، يضطرب عليها الأجل؛ إذا هاجت لم تتناه دون إرادتها [٣] ، ومنتهى غايات طلباتها؛ لا يدفعها دافع، ولا يقوم لها جمع جامع؛ وقد وثقت بالظفر لعزّ أنفسها، وأيقنت بالغلبة لضراوة عادتها؛ خصّت بذلك على العرب أجمعين.
قال جرير:
لقومى أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبّار والنقع ساطع
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع [٤]
стр. 2089
ومن رسالة للفقيه الوزير أبى حفص عمر بن الحسن الهوزنى [١] قال فيها: وكتابى على حالة يشيب [٢] لشهودها مفرق الوليد، كما تغيّر [٣] لورودها وجه الصعيد؛ بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الولد والوالد؛ تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى؛ فلا أيّمة إذ لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال فى قيد الأسرى؛ بل تعمّ الجميع جمّا جمّا فلا تخصّ، وتزدلف إليهم قدما قدما فلا تنكص؛ طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانفضاض، وطمّت حتى خشى على عمود الإسلام الانقضاض، وسمت حتى توقّع لجناح الدين الانهياض.
وفى فصل منها: وكأن الجمع فى رقدة أهل الكهف، أو على وعد صادق من الصّرف والكشف.
ومنها: وإن هذا الأمر له ما بعده، إلا أن يسنّى [٤] الله على يديك دفعه وصدّه.
وكم مثلها شوهاء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدّة النّقع أرمد
فمرّت تنادى: الويل للقادح الصّفا ... لبعض القلوب الصخر أو هى أجلد [٥] !
стр. 2090
وأبقت ثناء كاللطائم [١] نشّرت، ... تبيد الليالى وهو غضّ يجدّد [٢]
وفى فصل منها فى الحرب: والحرب فى اجتلائها حسناء عروس تطّبى [٣] الأغمار بزّتها، وفى بنائها شمطاء عبوس تختلى الأعمار غرّتها [٤] ؛ فالأقلّ للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد؛ فأخلق بمجيد عن مكانها، وعزلة فى ميدانها؛ فوقودها شكّة السلاح، وقتارها متصاعد الأرواح؛ فإن عسعس ليلها مرّة لانصرام، أو انجبس وبلها ساعة لانسجام؛ فيومها غسق يردّ الطّرف كليلا، ونبلها صيّب [٥] يزيد الخوف غليلا.
وقال فيها:
أعبّاد ضاق الذّرع واتّسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
ودونك قولا طال وهو مقصّر ... وللعين معنى لا يعبّره النطق
إليك انتهت آمالنا فارم مادهى ... بعزمك يدمغ هامة الباطل الحق [٦]
وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجأ الدليل من ناط الأمور بأربابها؛ ولربّ أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب فى طىّ المكاره مدرج؛ فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبّق مضاربها فكأن قد أمكنك الحزّ؛ ولا غرو أن يستمطر الغمام فى الجدب، ويستصحب الحسام فى الحرب!.
стр. 2091
ومن إنشاء القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ من جواب كتبه وصف فيه وقعة، كتب: ورد على المملوك كتاب المولى يذكر الرّجفة التى سرى منها الى أسماع الأولياء قبله ما سرى الى عيون الأولياء بحضرته؛ وتعاظمهم الفادح الذى هم راسبون فى غماره ساهون فى غمرته؛ ووصف عظم أثرها ورائع منظرها ومطعن هدّتها [١] ، ومزعج واقعتها وفظيع روعتها؛ واضطراب الجبال وخشوعها، وانشقاق الأبنية وصدوعها؛ وسجود الحصون الشّمّ، وخضوع الصخور الصّمّ؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسّهم من الضرّ، ولياذهم بقصده لما دهاهم من الأمر؛ فوصف عظيما بعظيم، ومثّل مقاما ما عليه صبر مقيم؛ وأنذر بانتقام قائم إلا أنه كريم، وجبّار إلا أنه حليم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون نقولها واضعين الخدود تذلّلا، وإنا فى سبيل الله وإنا إليه نائبون تخلّصا ونضمّنها بالقلوب إخلاصا وتبتّلا؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه وإرفاقه، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره، بأمواله التى وقفها فى سبيل الله وهانت عليه إذ كان على يد البرّ إخراجها، وكرمت لديه إذ طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها؛ واستقرضها من الأرض خراجا ثم وفّاها ما اقترض بعمرانها، واستخرجها من بطنانها ثم أعادها الى ظهرانها؛ وأرساها للإسلام بقواعد حصونها، وأسناها فى يد المسلمين بوثائق رهونها؛ ولم يزل الله يختصّه بكل حسنة متوضحة، ويوفّقه لكل صالحة مصلحة؛ وينعم عليه بالنية الصادقة، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة؛ فإن نزلت نازلة من وقائع الأقدار، وإن [١] عرضت عارضة من عوارض الأيام، تلقّاها حامدا، وأسا جرحها جاهدا، وعوّل على ربه قاصدا، وأنفق فيما أصبح منه عادما ما أمسى له واجدا.
стр. 2092
ذكر ما ورد فى الغزو فى البحر
عن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: حدّثتنى أمّ حرام أن النبىّ ﷺ قال يوما فى بيتها، فاستيقظ وهو يضحك؛ قالت: يا رسول الله، ما يضحكك؟
قال: «عجبت من قوم من أمتى يركبون البحر كالملوك على الأسرّة» ؛ فقلت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم؛ قال: «أنت منهم» ، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثا؛ قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم، فيقول: «أنت من الأوّلين»
، فتزوّج بها عبادة بن الصّامت فخرج بها الى الغزو، فلما رجعت قرّبت دابّة لتركبها فوقعت فاندقّت عنقها.
وفى حديث آخر: «يركبون البحر الأخضر فى سبيل الله مثلهم كمثل الملوك على الأسرة» ، قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم؛ فقال: «اللهم اجعلها منهم» وأنه قال مثل ذلك ثانية؛ فقالت:
أدع الله أن يجعلنى منهم؛ قال: «أنت من الأوّلين ولست من الآخرين»
. وساق نحوه.
ومما قيل فى القتال فى البحر- قال العسكرى فى ديوان المعانى: لم يصف أحد من المتقدّمين والمتأخّرين القتال فى المراكب إلا البخترىّ، وعدّوا قصيدته هذه من عيون قصائده وفضّلوها على كثير من الشعر، وهى:
غدوت على «الميمون» صبحا وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفّر
[أطلّ بعطفيه ومرّ كأنما ... تشرّف من هادى حصان مشهّر [١]]
إذا زمجر النّوتىّ فوق علاته ... رأيت خطيبا فى ذؤابة منبر
стр. 2093
إذا عصفت [١] فيه الجنوب اعتلى له ... جناحا عقاب فى السماء مهجّر
إذا ما انكفا فى هبوة الماء خلته ... تلفّع فى أثناء برد محبّر
وحولك ركّابون للهول عاقروا ... كؤوس الرّدى من دارعين وحسّر
تميل المنايا حيث مالت أكفّهم ... إذا أصلتوا حدّ الحديد المذكّر
إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتّر
صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللّظى المتسعّر
[يسوقون أسطولا كأنّ سفينه ... سحائب صيف من جهام وممطر [٢]]
كأنّ ضجيج البحر بين رماحهم ... إذ اختلفت ترجيع عود مجرجر
تقارب من زحفيهم فكأنما ... تؤلّف من أعناق وحش منفّر
فما رمت [٣] حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطّعة فيهم وهام مطيّر
على حين لا نقع يطرّحه [٤] الصّبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطّر
وكنت ابن «كسرى» قبل ذاك وبعده ... مليئا [٥] بأن توهى صفاة ابن «قيصر»
جدحت له الموت الذّعاف فعافه ... وطار على ألواح شطب مسمّر [٦]
مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصّنيعة يشكر
وحيث ذكرنا الجهاد وفضله والوقائع والحروب، فلنذكر ما قيل فى المرابطة فى سبيل الله.
стр. 2094
ذكر ما رود فى المرابطة
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
. والمرابطة فى سبيل الله تعالى تنزل [١] من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف فى المساجد من الصلاة، لأنّ المرابط يقيم فى وجه العدوّ متأهّبا مستعدّا، حتى اذا أحسّ من العدوّ بحركة أو غفلة نهض فلا يفوته ولا يتعذّر عليه، كما أن المعتكف يكون فى موضع الصلاة مستعدّا، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام الى الصلاة.
قال الحليمىّ: ولا شك أن المرابطة أشقّ من الاعتكاف. على أن صرف الهمة إلى انتظار الصلاة قد سمّى رباطا لما جاء فى الحديث فيما يكفّر الخطايا «وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرّباط» . وقد ورد عن النبىّ ﷺ أحاديث تحثّ على الرباط، فمنها أنه
قال ﷺ : «من مات مرابطا فى سبيل الله أومن من عذاب القبر ونما له أجره الى يوم القيامة»
. وعنه ﷺ : «رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات جرى عليه أجر المرابطة ويؤمن من الفتّان ويقطع له برزق الجنة»
. وعنه ﷺ أنه قال: «من مات مرابطا فى سبيل الله مات شهيدا ووقاه الله فتانى القبر وأجرى عليه أحسن عمله وغدى عليه وريح برزق من الجنة»
. وعنه ﷺ : «إذا استشاط العدوّ فخير جهادكم الرباط»
. وسنّة المرابطة فى سبيل الله أن يعدّ من الخيل والسلاح ما يحتاج إليه، إذا كان انتظار الوقعة من غير استعداد لها يعرّض للهلاك. قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
. وجاء فى الحديث:
стр. 2095
«إن القوّة الحصن ومن رباط الخيل الحجورة [١] » الإناث.
وروى عقبة بن عامر أن النبىّ ﷺ قال: «ألا هو الرمى [٢] »
؛ وقد يجوز أن يكون اللفظ جامعا للحصن والرمى لأن كليهما قوّة. والله تعالى أعلم.
ذكر ما قيل فى السلاح وأوصافه
والسّلاح ما قوتل به. والجنّة اسم لما اتّقى به، كالدّرع والتّرس ونحوهما.
وقال العتبىّ: بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى عمرو بن معديكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف «بالصّمصامة» فبعث اليه به؛ فلما ضرب به وجده دون ما بلغه عنه، فكتب اليه فى ذلك؛ فأجابه يقول: إنما بعثت الى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث له بالساعد الذى يضرب به.
وسأله عمر يوما عن السلاح فقال: ما تقول فى الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك فانقصف؛ قال: فما تقول فى التّرس؟ قال: هو المجنّ وعليه تدور الدوائر؛ قال: فالنّبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب؛ قال: فما تقول فى الدّرع؟ قال:
مثقلة للراجل مشغلة للراكب وإنها لحصن حصين؛ قال: فما تقول فى السيف؟
стр. 2096
قال: هنالك قارعتك أمك عن الثّكل [١] ؛ قال: [بل [٢]] أمّك! [قال: [٣]] بل أمك يا أمير المؤمنين! فعلاه أمير المؤمنين بالدّرّة. وقيل: بل قال له- لما قال عمر بل أمك- قال: أمى يا أمير المؤمنين «والحمّى أضرعتنى لك» أراد أن الإسلام قيدنى، ولو كنت فى الجاهليّة لم تكلمنى بهذا الكلام. وهو مثل تضربه العرب إذا اضطرّت للخضوع.
ومثل ذلك قول الأغرّ النهشلىّ لابنه لما بعثه لحضور ما وقع بين قومه فقال:
يا بنىّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتّق الرمح فإنه رشاء المنيّة، ولا تقرب السهام فإنها رسل تعصى وتطيع. قال: فبم أقاتل؟
قال: بما قال الشاعر:
جلاميد أملاء [٤] الأكفّ كأنها ... رءوس رجال حلّقت فى المواسم
فعليك بها وألصقها بالأعقاب والسّوق.
стр. 2097
ما قيل فى السيف من الأسماء والنعوت والأوصاف
وقد أوردتها على حروف المعجم على ما أورده صاحب كتاب خزائن السلاح.
فمن ذلك «إبريق» وهو الشديد البريق «أبيض» . «أذوذ» وهو القاطع. «إصليت» وهو الصقيل. «أغلف» إذا كان فى غلافه. «أنيث» وهو الذى يتّخذ من حديد غير ذكر. «باتر» أى قاطع. «بتّار» وهو اسم لسيف كان للنبىّ ﷺ . «بصروىّ [١] » منسوب لبصرى. قال الشاعر:
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطّردا من نسج داود محكما
«بوادر [٢] » أى قواتل. «بارقة» وهى السيوف التى تبرق. «جنثىّ» ؛ قال الشاعر:
ولكنها سوق يكون بياعها ... بجنثيّة قد أخلصتها الصّياقل
«جراز» أى قاطع. «جمّاد» بمعناه؛ وفيه يقول الأزهرىّ:
لسمعتم من حرّ وقع سيوفنا ... ضربا بكلّ مهنّد جمّاد
«حسام» أى قاطع. «حدّاد» من الحديد. «حداد» من الحداد كأنه أشار الى لونه. «خشيب» أى صقيل، و [هو [٣]] من أسماء الأضداد. «خشيف» أى ماض.
«خذيم» أى قاطع. «خضعة» وهى السيوف القواطع. «ددان» أى لا يقطع [٤] .
«ذالق» أى سلس الخروج من غمده. «ذلوق» مثله. «ذكر» أى ذو ماء.
«ذو الكريهة» وهو الماضى فى الضّريبة. «ذو الفقار» سيف رسول الله صلى الله
стр. 2098
عليه وسلم. «ذو هبّة» اى ذو هزّة ومضاء. «ذرب» أى محدّد. «ذو النّون» [سيف مالك بن زهير [١]] . «ذو ذكرة» وهو الصارم. «رسوب» وهو الذى يغيب فى الضّريبة «رداء [٢] » . «سيف» وجمعه أسياف وسيوف وأسيف. قال الشاعر:
كأنهم أسيف بيض يمانية ... عضب مضاربها باق [٣] بها الأثر
«سراط» و «سراطى» أى قاطع. «سقّاط» وهو الذى يسقط من وراء الضريبة. «سريجىّ» منسوب الى قين يقال له سريج. «شلحاء» . «صقيل» .
«صارم» أى قاطع. «صفيحة» وهو العريض. «صمصام» وهو الذى لا ينثنى.
«صمصامة» مثله، وهو سيف عمرو بن معديكرب؛ وفيه يقول [٤] :
خليل لم أخنه ولم يخنّى ... على الصّمصامة السيف السلام
وقال أيضا:
خليل لم أهبه على قلاه [٥] ... ولكنّ المواهب للكرام
стр. 2099
حبوت به كريما من قريش ... فسرّ به وصين عن اللئام
«صنيع» [مجرّب مجلوّ [١]] ؛ قال الشاعر [٢] :
بأبيض من أميّة مضرحىّ ... كأنّ جبينه سيف صنيع
«طبع» وهو الصّدئ قال جرير:
وإذا هززت قطعت كلّ ضريبة ... وخرجت لا طبعا ولا مبهوزا
«عضب» أى قاطع. «عقيقة» أى صقيل؛ قال الشاعر [٣] :
حسام كالعقيقة فهو كمعى [٤] ... سلاحى لا أفلّ ولا فطارا
«عجوز» . «عراض» أى لدن المهزّة «عطاف» ؛ قال الشاعر:
ولا مال لى إلا عطاف ومدرع ... لكم طرف منه حديد ولى طرف
وجمعه عطف. «فطار» أى مشقق. «فلوع» أى قاطع. «فسفاس [٥] » أى كهام.
«قصّال» أى قطاع. «قاطع» . «قرن» . «قضيب» أى قاطع وجمعه قضب.
«قاضب» مثله. «قرضاب» أى يقطع العظام. «قرضوب» مثله. «قشيب» قريب
стр. 2100
عهد بالجلاء. «قلعىّ «منسوب الى قلعة [١] موضع بالبادية. «قساسى» منسوب الى معدن بأرمينية يقال له قساس. قال الشاعر:
إنّ القساسىّ الذى يعصى [٢] به ... يختضم الدارع فى أثوابه
«قضم» وهو الذى طال عليه الدهر فتكسّر حدّه. «كهام» أى كليل. «كليل» أى كلّ حدّه. «لهذم» هو السيف الحادّ، ويسمى به السنان أيضا. «لخيف» وكان من أسياف [٣] رسول الله ﷺ «لجّ» . «مرهف» أى محدود رقيق. «مصمّم» وهو الذى يمرّ فى العظام. «مقطع» . «مخذم» أى قاطع «مجذر» .
«مأثور» وهو الذى له أثر. «مذكّر» مثل ذكر. «محتفد» سريع القطع. «مخصل» .
«مخضل» أى مصلت من غمده. «مقصل» أى قاطع. «مخفق» أى عريض.
«مدجّل» المطلىّ بالذهب. «مهذم» قاطع. «معلوب» وهو سيف الحارث بن ظالم؛ وفيه يقول الكميت:
وسيف الحارث المعلوب أردى ... حصينا فى الجبابرة الرّدينا
«مشمل» أى صغير. «مغول» سيف رقيق يكون غمده كالسوط وهو الذى يتّخذ كالعكّاز. «مهو» . وهو الرقيق أيضا؛ قال صخر الغىّ:
стр. 2101
وصارم أخلصت خشيبته ... أبيض مهو فى متنه ربد
«مفقّر [١] » أى الذى فيه حزوز مطمئنّة عن متنه. «مهنّد» وهو الذى طبع من حديد الهند. «مشرفىّ» منسوب الى المشارف، وهى قرى من أرض العرب تدنو من الرّيف. «مطبّق» الذى يقطع المفاصل؛ قال الشاعر:
يصمّم أحيانا وحينا يطبّق
«منصل» . «مشطّب» أى الذى فى متنه طرائق. «مصلت» المسلول من غمده. «مفلع» أى قاطع. «معضد» هو الممتهن فى قطع الشجر وغيره. «معضاد» وهو الممتهن أيضا. «مذاهب» سيوف تموّه بالذهب. «نصل» . «نهيك» أى قاطع.
«نون» هو اسم سيف بعض العرب؛ قال الشاعر:
سأجعله مكان النّون منّى ... وما اعطيته عرق الخلال [٢]
معناه: سأجعل هذا السيف الذى استفدته مكان ذلك السيف، وما أعطيته عن مودّة بل أخذته عنوة. «نواحل» السيوف التى رقّت ظباتها قدما من كثرة المضاربة. «هذام» السيف القاطع. «هزهاز» هو الكثير الاهتزاز. «هندوانىّ» هو المطبوع من حديد الهند. «هندىّ» منسوب الى الهند. «وقيع» الذى شحذ بالحجر. «يمانى» منسوب الى اليمن.
стр. 2102
ومن أسماء أجزاء السيف- «أثر» أثره: إفرنده وما يرى عليه مما يشبه الغبار أو مدبّ النمل؛ قال عيسى بن عمر [١] :
جلاها الصّيقلون فأخلصوها ... خفافا كلّها يتقى بأثر
«إفرند» وشيه وأثره. «جربّان» هو حدّه. «حرف» مثله. «ذباب» حدّ طرفه وقيل: حدّه مطلقا. «رئاس» قائمه؛ قال الشاعر:
ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا
«ربد» ما تراه عليه شبه غبار أو مدب نمل؛ قال الشاعر:
أبيض مهو فى متنه ربد
«زرّ» قال مجرّس [٢] بن كليب فى بعض كلامه: أما وسيفى وزرّيه، ورمحى ونصليه. والزرّ: الحدّ. «سطام» : حدّه. «سيلان» : هو ما يدخل منه فى النّصاب [٣] .
«سفن» : جلدة قائمه. «شطب» : طرائق فى إحدى متنيه. «شفرة» : حدّه، وشفرتاه: حدّاه. «صفح» : عرضه. «ظبة» : حدّه. وظبتاه: حدّاه.
«عجوز» : نصل السيف؛ قال أبو المقدام:
وعجوز رأيت فى فم كلب ... جعل الكلب للأمير جمالا
والكلب من أجزاء السيف وهو البرجق [٤] . «عير» هو الناشز فى وسط السيف.
«غرار» : ما بين ظبتيه وبين العير من وجهى السيف جميعا، وجمعه: أغرّة. وقيل:
стр. 2103
الغراران: شفرتا السيف. «غرب» غربه: حدّه. «فرند» : مثل «إفرند» .
«فلول» الفلول فى حدّه، والواحد منها فلّ. «قيعة» هى التى على طرف قائمه من حديد أو فضة. «مضرب» : الذى يضرب به منه، وهو نحو شبر من طرفه.
«مقبض» المقبض: حيث تقبض عليه الأكف. «نون» والنون: شفرة السيف.
قال الشاعر:
بذى نونين قصّال مقطّ
«وشى» وهو فرنده وأثره، وقد تقدّم بيانه.
ومما يضاف الى السيف- فأما اذا احتاج الى الشّحذ- يقال: «استوقع» واذا ضرب به فلم يعمل يقال: «أحاك» . واذا سلّ من قرابه يقال: «استلّ» .
«اصلت» . «امتشن» . «امتعط» . «امتحط [١] » . «انتضى» . «اخترط» «جلط» . «جرّد» . «سلّ» . «شهر» «معط» . «نضى» . «شمت» : اذا سللت وأغمدت [٢] . واذا خرج السيف من غير سلّ يقال: «اندلق» . واذا أغمض السيف من غير سلّ [٣] يقال: «أغمدت» السيف. «أقربت» . «شمت» «قربت» .
وأما اذا تقلّد به الرجل يقال: اعتطف؛ وفيه يقول الشاعر:
من يعتطفه على مئزر ... فنعم الرّداء على المئزر
ويقال: «تقلّد» .
стр. 2104
ومن أسماء قرابه وآلته- يقال: «جفن» . «جربّان» . «جلبّان» «خلل» وهى بطائن كانت تغشّى بها أجفان السيوف. «غمد» .
حمائله- يقال فيها «حمائل» واحدتها «حميلة» . «قراب» «محمل» .
«نجاد» .
حليته- يقال «رصائع» وهى حلق مستديرات تحلّى بها السيوف.
«قبيعة» وقد تقدّم ذكرها. «نعل» وهو ما يكون أسفل القراب من فضّة أو حديد [١] .
والنعل مؤنثة؛ قال الشاعر:
ترى سيفه لا تنصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله
وأما ما وصفته به الشعراء- فمن ذلك ما قاله أبو عبادة البحترىّ:
يتناول الرّوح [٢] البعيد مناله ... عفوا، ويفنح فى القضاء المقفل
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل، ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى [٣] فالتّرس ليس بجنّة ... من حدّه والدّرع ليس بمعقل
مصغ الى حكم الرّدى، فاذا مضى ... لم يلتفت، واذا قضى لم يعدل
متوقّد يبرى [٤] بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو انّها فى يذبل
стр. 2105
واذا أصاب فكلّ شىء مقتل ... واذا أصيب فما له من مقتل
وقال أبو الهول:
حسام غداة الرّوع ماض كانه ... من الله فى قبض النفوس رسول
كأنّ جنود الذّرّ كسّرن فوقه ... عيون جراد بينهنّ ذحول
كأنّ على إفرنده موج لجّة ... تقاصر فى صحصاحه وتطول
اذا ما تمطّى الموت فى يقظاته ... فلا بدّ من نفس هناك تسيل
وإن لا حظ الأبطال أو صافح الطّلى ... تشحّط يوما بينهن قتيل
وقال عبد الله بن المعتزّ:
ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقيّة غيم رقّ دون سماء
وقال أيضا:
وسط الخميس بكفّه ذكر ... عضب كأنّ بمتنه نمشا
ضافى الحديد كأنّ صيقله ... كتب الفرند عليه أو نقشا
وقال ابن الرومىّ:
خير ما استعصمت به الكفّ عضب ... ذكر هزّه أنيث المهزّ
ما تأمّلته بعينك إلّا ... أرعدت صفحتاه من غير هزّ
مثله أفزع الشّجاع الى الدّر ... ع فغالى بها على كلّ بزّ
ما يبالى أصمّت شفرتاه ... فى محزّ أم حادتا عن محزّ
وقال ابن المعتزّ:
ولقد هززت مهنّدا ... عضب المضارب مرهفا