ومن أسماء أجزائها- «سابغ» وهو الذى يستر العنق. «قونس» وهو أعلى البيضة من الحديد. قال حسين بن الضّحّاك [١] :
بمطّرد لدن صحاح كعوبه ... وذى رونق عضب [٢] يقدّ القوانسا
وأمّا ما يوصف به لابسها- يقال: «مقنّع» والمقنّع هو الذى يلبس بيضة ومغفرا. هذا ما قاله صاحب كتاب خزائن السلاح. وقال غيره: من أسمائها «التّركة» وهى المستديرة، وجمعها التّرك والترائك [٣] .
وأما ما قيل فى الدرع- وهو يؤنّث ويذكّر. وله أسماء: منها «بصيرة» ، «جارن» وجمعه جوارن. «جوشن» . «حلقة» وهى الدروع. «خدباء» وهى الدرع الليّنة؛ قال الأصمعىّ:
خدباء يحفزها نجاد مهنّد
«درع» . «دلاص» . «دلامص» . وهو الدرع البّراق. «دخاس» أى متقاربة الحلق. «درمة» . «ذائلة» وهى الطويلة الذّيل، «زغفة» . «سلوقيّة» . «سابريّة»
стр. 2137
وجمعها سابريّات، وهى الرقيقة النّسج. «سابغة» وهى الواسعة. «سكّ» ضيّقة الحلق، «سرد» اسم جامع للدروع. «سنوّر» ؛ قال لبيد يرثى قتلى هوازن:
وجاءوا به فى هودج ووراءه ... كتائب خضر فى نسيج السّنوّر
«صموت» التى إذا صبّت لم يسمع لها صوت. «فضفاضة» أى واسعة.
«قضّاء» أى خشنة المس؛ قال النابغة:
ونسج سليم كلّ قضّاء ذائل
«لأمة» وجمعها لؤم. «لبوس» . «ماذيّة» . «مضاعفة» وهى التى نسجت حلقتين حلقتين. «موضونة» أى منسوجة. «مسرّدة» و «مسرودة» أى مثقوبة.
«نثرة» وهى الواسعة. «نثلة» . «يلب» وهى الدرع اليمانية تتّخذ من الجلود؛ قال عمرو بن كلثوم:
علينا البيض واليلب اليمانى
ومن أسماء أجزاء الدرع- «الحرباء» وهى مسامير الدروع؛ قال لبيد:
أحكم الجنثىّ من عوراتها ... كلّ حرباء إذا أكره صلّ
«ريع» ريع الدرع: فضول كمّيها على أطراف الأنامل؛ قال قيس بن الخطيم الأنصارىّ:
مضاعفة يغشى الأنامل ريعها ... كأنّ قتيرها عيون الجنادب
«قتير» : رءوس المسامير فى الدروع.
وأمّا ما يوصف به لابس الدرع- يقال: «خشخاش» : جماعة عليهم سلاح ودروع؛ قال الكميت:
стр. 2138
فى حومة الفيلق الجأواء إذ ركبت ... قيس وهيضلها الخشخاش إذ نزلوا [١]
«خرساء» يقال: كتيبة خرساء، التى لا يسمع لها صوت من وقارهم [٢] فى الحرب، وقيل التى صمتت من كثرة الدروع. «دارع» هو لابس الدرع، «كافر» ، يقال:
قد كفر فوق درعه أى ستره إذا لبس فوقه [ثوبا [٣]] . «مسبغ» يقال: رجل مسبغ:
عليه درع سابغة.
وأمّا اذا لم يكن عليه درع ولا مغفر- «نثر» أى نثر درعه عنه إذا ألقاها، ولا يقال: «نثلها» . ويقال: «أحمر» أى لا سلاح معه. «أعزل» .
«حرض» . «عطل» وجمعه أعطال.
وقد وصف الشعراء الدروع فى أشعارهم، فمن ذلك ما قاله امرؤ القيس:
ومسرودة النّسج موضونة ... تضاءل فى الطّىّ كالمبرد
تفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتىّ على الجدجد [٤]
قال ثعلب:
فنهنهته حتّى لبست مفاضة ... دلاصا كلون النّهى ريح وأمطرا
وقال البحترىّ:
يمشون فى زرد [٥] كأنّ متونها ... فى كل معركة متون نهاء [٦]
стр. 2139
بيض تسيل على الكماة فضولها ... سيل السّراب بقفرة بيداء
وإذا الأسنّة خالطتها خلتها ... فبها خيال كواكب فى ماء
قال محمد بن عبد الله السلامىّ:
يا ربّ سابغة حبتنى نعمة ... كافأتها بالسّوء غير مفنّد
أضحت تصون عن المنايا مهجتى ... وظللت أبذلها لكلّ مهنّد
وقال عبد الله بن المعتزّ:
كم بطل بارزنى فى الوغى ... عليه درع خلتها تطّرد
كأنّها ماء عليه جرى ... حتى إذا ما غاب فيه جمد
وقال آخر:
وأرعن [١] ملموم الكتائب خيله ... مضرّجة أعرافها ونحورها
عليها مذالات [٢] القيون كأنّها ... عيون الأفاعى سردها وقتيرها
وقال آخر:
وزنت كتائبها الجبال وسربلت ... حلق الحديد فأظهرته عنادها
فتخال موج ابحر فى جنباتها ... والبرق لمع قتيرها وسرادها
وقال سلم الخاسر:
كأنّ حباب الغدر ما مر عليهم [٣] ... وما هو إلّا السابغات الموائر
وقال ابن المعتز:
بحيث لا غوث إلّا صارم ذكر ... وجنّة كحباب الماء تغشانى
стр. 2140
وقال محمد بن عبد الملك:
نهنهت أولاها بضرب صادق ... هتن كما شقّ الرداء المعلم
وعلىّ سابغة الذيول كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
وقال المتنبّى:
تخطّ فيها العوالى ليس تنفذها ... كأنّ كلّ سنان فوقها قلم
وقال كلثوم:
كأن سنا الماذىّ فوق متونهم ... مواقد نار لم تشب بدخان
ومن الرسائل الشاملة لأوصاف السلاح- فمن ذلك ما أجابنى به المولى الفاضل تاج الدين بن عبد المجيد اليمانى، وقد كتبت إليه ألتمس رسالة من كلامه فى أوصاف السلاح، وذلك فى شهور سنة سبع وسبعمائة. كتب:
أمرتنى- أعزك الله، وأعلى فى مراتب السعود جدودك- أن أبعث اليك بشىء من كلامى يتضمّن وصف سلاح متنوّع الأجناس، مرهوب بالسطو [١] والباس؛ فامتثلت مرسومك وبادرت الى ذلك، لما يتّجه علىّ من حقوقك الواجبة، ومن مفترضات خدمك اللازبة؛ وأنشأت لك هذه النّبذة مرتجلا فيها، ورتّبتها على التهيّؤ لمراتب القتال، وقدّمت الدرع، وتلوته بالقوس وأعقبته بالرمح، وختمته بالسيف.
فمن ذلك فى وصف درع:
خليق بمثله أن يفاض عليه مثل هذه الفضفاضه، وأن يبلغ بها من نيل الأعداء أمانيه وأغراضه؛ وأن يتّخذها جنّة تقيه سوء المزاريق فى حومة القتال، وأن
стр. 2141
يتدرّعها فتخال عليه غديرا صافحت صفحته يد الشّمال؛ إن نشرت على الجسد غطّت الكعبين، وإن طويت فكالمبرد فى يد القين؛ حميدة الملبس ميمونة المساعى، مسرودة النسج فى عيون الأفاعى؛ داووديّة النّسب تبّعيّة المعزى، قد تقاربت فى الحلق وتناسبت فى الأجزا.
وأعددت للحرب فضفاضة ... تضاءل فى الطىّ كالمبرد
دلاص ولكن كظهر النّون لا يستطيعها سنان، وموضونة ولكن يحيّر البصر فيها عند العيان: أموج بحر يتلاطم فى جوانبها أم حباب غدران. مشفوعة بقوس طلعت هلالا فى سماء المعارك، ومجرّة تنقضّ منها نجوم المهالك؛ ووكرا تسرح منه نسور المعاطب، وأمّا تفرّق أولادها لإحراز الغرض من كلّ جانب؛ تصرع بسهامها كلّ رامح ونابل، وتبكى ومن العجب أن يبكى القتيل القاتل؛ تطيعك فى أوّل النّزع وتعصيك فى آخره، وترسل سهما فلا يقنع من العدوّ إلا بسواد ناظره؛
إذا أنبض الرامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى قد أصيب وحيدها
تهابها الأقران، وتتحاماها الشجعان، ويؤمن بمرسلها كلّ شيطان من الإنس والجان.
ووصف الرمح فقال: وإنّ أولى ما اعتقل مولانا من الخطّىّ ما سلب الرّوم زرقتها، والعرب سمرتها؛ وأشبه العاشق ذبولا واصفرارا، وخالط الضّرغام فى غيله فهو يلقى من بأسه عند المطاعنة أخبارا؛ وهزّه الفارس فالتقى طرفاه، وخيّل لرائيه أنّ ثعلبه [١] قد فغرفاه؛ إن حمله الدارع قلت غصنا على غدير، وإن هزّه الفارس وألقاه قلت حيّة على وجه الأرض تسير؛ فهو كالرّشاء لكن لا يرضى قليبا غير القلب، أو كالعدوّ الذى لا يهوى إلّا إزالة ما فى شغف [٢] القلوب من حبّ.
стр. 2142
له رائد ماضى الغرار كأنّه ... هلال بدا فى ظلمة الليل ناحل
طالما رجع سوسنه عند المطاعنة شقيقا، ومزّق نجمه [١] جلا بيب ظلمة القسطل والعثير تمزيقا؛ له النّسب العالى فى المعالى والمرّان، لأن سنانه سنا لهب لم يتّصل بدخان؛ مقرونا بسيف ما تأمّله الرائى إلا وأرعدت صفحتاه من غير هزّ، أو صمّمت شفرتاه فى محزّ فلا ينبو حتى يفرى ذلك المحزّ؛ يرى فوق متنيه بقيّة غيم يستشفّ منها لون السماء، وفى صفحة فرنده نار تتأجّج فى خلال لجّة من الماء؛ كأنّ صيقله كتب على فرنده أو نقش، أو كأنّ القين تنفّس فيه وهو صقيل فألبسه حلّة من نمش؛ حلّت بساحته المنايا فهى فيه كوامن، وتبؤأت مقاعده الأمانى فلإدراكها من فعله قرائن؛ إذا توغّل [فى] هامة الجبّار سار وأوجف، ومتى استوطن جثة الجرم [٢] أوهى مبانيها وأشرف.
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى فالتّرس ليس بجنّة ... من حدّه والدّرع ليس بمعقل
متوقّد يفرى بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو انّها فى يذبل
وإذا أصاب فكلّ شىء مقتل ... وإذا أصيب فماله من مقتل
стр. 2143
الباب الحادى عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى القضاة والحكام
وحيث ذكرنا الإمام وما يجب له وعليه وقواعد المملكة، فلنذكر القضاة والحكّام.
قال الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
. وقال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ
. وقال: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
، الى غير ذلك من الآى.
ولا يجوز أن يقلّد القضاء إلا من اجتمع فيه ثمانية شروط، وهى: الذكوريّة، والبلوغ، والعقل، والحرّيّة، والإسلام، والعدالة، وسلامة السمع والبصر، والعلم بأحكام الشريعة. ولكل شرط من هذه الشروط فوائد نشرح ما تلخّص منها إن شاء الله.
أما الذكورية- فلقوله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
قيل: المراد بالتفضيل هنا العقل والرأى، ولما
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «النّساء ناقصات عقل ودين»
، ولنقص النساء عن [رتب [١]] الولايات.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضى المرأة فيما تصحّ فيه شهادتها دون ما لا تصحّ فيه.
وجوّز الطبرىّ قضاءها فى جميع الأحكام. والإجماع يردّ ذلك.
стр. 2144
وأما البلوغ- فلأن غير البالغ لا يجرى عليه قلم، ولا يتعلّق بقوله على نفسه حكم، فكان أولى ألّا يتعلّق به على غيره.
وأما العقل-[فهو مجمع على اعتباره، و [١]] لا يكتفى فيه بالعقل الذى يصحّ معه التكليف من العلم بالمدركات الضروريّة، حتى يكون صحيح التمييز جيّد الفطنة بعيدا من السهو والغفلة، ليتوصّل بذكائه الى وضوح ما أشكل، وحلّ ما أبهم وأعضل.
وأما الحرّيّة- فنقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره، ولأن الرّقّ لمّا منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية. وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حرّيته كالمدبّر والمكاتب [٢] ومن رقّ بعضه.
ولا يمنع الرقّ من الفتيا والرواية.
وأما الإسلام- فلقوله : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
. وهو شرط فى قبول الشهادة. ولا يجوز أن يقلّد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار. ورأى أبو حنيفة جواز تقليده القضاء بين أهل دينه. وقد جرى العرف فى تقليد الكافر؛ وهو تقليد زعامة ورياسة لا تدخل تحته الأحكام والإلزام بقضائه، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم. واذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه، وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ.
وأما العدالة- فهى معتبرة فى كل ولاية. ومعناها أن يكون الرجل صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقّيا للمآثم، بعيدا من الرّيب، مأمونا
стр. 2145
فى حالتى الرضا والغضب، مستعملا لمروءة مثله فى دينه ودنياه. فإذا تكاملت هذه الأوصاف فيه، فهى العدالة التى تجوز بها شهادته وولايته. وإذا لم يكن كذلك فلا تسمع شهادته و [لا [١]] تنفّذ أحكامه.
وأما سلامة السمع والبصر- فليصحّ بها إثبات الحقوق، ويفرّق بها بين الطالب والمطلوب، ويميّز المقرّ من المنكر، ليظهر له الحق من الباطل، والمحقّ من المبطل.
وأما العلم بأحكام الشريعة- فالعلم بها يشتمل على معرفة أصولها وفروعها.
وأصول الأحكام فى الشرع أربعة:
أحدها- علمه بكتاب الله على الوجه الذى يصح به معرفة ما تضمّنه من الأحكام ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وعموما وخصوصا، ومجملا ومفسّرا.
والثانى- علمه بسنّة رسول الله ﷺ الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرق مجيئها فى التواتر والآحاد، والصّحة والفساد، وما كان على سبب أو إطلاق.
والثالث- علمه بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتّبع الإجماع ويجتهد رأيه مع الاختلاف.
والرابع- علمه بالقياس الموجب لردّ الفروع المسكوت عنها الى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد طريقا الى العلم بأحكام النوازل ويميّز الحقّ من الباطل.
فاذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة فى أحكام الشريعة، صار بها من أهل الاجتهاد فى الدين، وجاز له أن يفتى ويقضى. وإن أخلّ بها أو بشىء منها، خرج من أن
стр. 2146
يكون من أهل الاجتهاد، ولم يجز أن يفتى ولا أن يقضى. فان قلّد القضاء فحكم بصواب أو خطإ كان تقليده باطلا، وحكمه وإن وافق الصواب مردودا، وتوجّه الحرج عليه وعلى من قلّده. وجوّز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، ويستفتى فى أحكامه وقضاياه.
هذا معنى ما قاله أقضى القضاة أبو الحسن على الماوردىّ.
وقال الحسين الحليمىّ فى كتابه المترجم ب «المنهاج» : وينبغى للإمام ألّا يولّى الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبّت، والى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلا أمينا نزها عن المطاعم الدنيّة، ورعا عن المطامع الرديّة؛ شديدا قويّا فى ذات الله، متيقّظا متخوّفا من سخط الله؛ ليس بالنّكس الخوّار فلا يهاب، ولا المتعظّم الجبّار فلا ينتاب؛ لكن وسطا خيارا. ولا يدع الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته، والتعرّف بحالته وطريقته؛ ويقابل منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير؛ ويرزقه من بيت المال- إن لم يجد من يعمل بغير رزق- ما يعلم أنه يكفيه؛ ولا يقصّر به عن كفايته، فيتطّلع الى أموال الناس ويشتغل عن أمورهم بطرف من الاكتساب يجبر به ما نقصه الإمام من كفايته، فتختلّ بذلك القواعد. وإذا رزق [الإمام] القاضى فلا يصيب وراء ذلك من رعيّته شيئا، لقوله ﷺ : «من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه شيئا فما أصاب بعد ذلك- أو مما سوى ذلك- فهو سحت» . وإن أهدى إليه شىء، لم يكن له قبوله. فإن كان للمهدى قبله خصومة فأهدى ليحكم له أو لئلّا يحكم عليه، فهذا هو الرّشوة، وهو سحت. وقد لعن رسول الله ﷺ الرّاشى والمرتشى والرائش؛ وهو الذى يمشى بينهما. وإن أهدى اليه المحكوم له بعد الحكم تشكّرا، لا يقبله؛ لأنّ ما فعل كان واجبا عليه.
стр. 2147
قال: ويقوّى الامام يده ويشدّ أزره، ويكفّ العمال وغيرهم عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعا بطاعته، ولا يرخص لأحد منهم فى الامتناع عليه اذا دعاه، والخروج عن أحكامه إن أمره أو نهاه، فيما يتصل بالانقياد للحكم.
ويتوقّى أن يقال فى مجلسه: هذا حكم الله، وهذا حكم الديوان؛ فإن هذا من قائله إشراك بالله؛ إذ لا حكم إلا لله. قال الله : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.
وقال تعالى: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
. وقال تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
. وقال: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
قال: وإن سمع بذلك واليه فأقرّه عليه كان مثله؛ قال الله : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
. فاذا كان هذا فى العقود معهم فكيف بإقرارهم والاستحسان لهم.
ذكر الألفاظ التى تنعقد بها ولاية القضاء، والشروط
قال الماوردىّ: وولاية القضاء تنعقد بما تنعقد به الولايات: من انعقادها مع الحضور باللفظ مشافهة، ومع الغيبة بمراسلة أو مكاتبة. لكن لا بدّ مع المكاتبة أن يقترن بها من شواهد الحال ما يدلّ عليها عند المولّى وأهل عمله.
والألفاظ التى تنعقد بها الولاية ضربان: صريح وكناية.
فالصريح أربعة ألفاظ وهى: قد وليّتك، وقلّدتك، واستخلفتك، واستنبتك.
فاذا أتى المولىّ بأحد هذه الألفاظ انعقدت الولاية بالقضاء وغيره من الولايات، ولا يحتاج مع هذا الصريح إلى قرينة أخرى، إلا أن يكون تأكيدا لا شرطا.
стр. 2148
وأما الكناية فهى سبعة ألفاظ. وهى: قد اعتمدت عليك، وعوّلت عليك، ورددت إليك، وجعلت إليك، وفوّضت اليك، ووكلت اليك، وأسندت اليك.
فهذه الألفاظ [لما تضمّنته من الاحتمال [١]] تضعف عن حكم الصريح حتى يقترن بها فى عقد الولاية ما ينفى عنها الاحتمال [٢] وتصير فى حكم الصريح، مثل قوله: فانظر فيما وكلته اليك، واحكم فيما اعتمدت فيه عليك. فتصير الولاية بهذه القرينة مع ما تقدّم من الكناية منعقدة. ثم تمامها موقوف على قبول المولّى، فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا، وإن كان بمراسلة أو مكاتبة، جاز أن يكون على التراخى.
واختلف فى صحة القبول بالشروع فى النظر، فجوّزه بعضهم وجعله كالنطق، ومنعه آخرون حتى يكون نطقا؛ لأن الشروع فى النظر فرع لعقد الولاية، فلم ينعقد قبولها به.
فهذه الألفاظ التى تنعقد بها الولاية.
وأما شروطها فأربعة
أحدها- معرفة المولّى للمولّى أنه على الصفة التى [يجوز أن يولّى معها، فان لم يعلم أنه على الصفة التى [٣]] تجوز معها تلك الولاية لم يصحّ تقليده؛ فلو عرفها بعد التقليد استأنفها، ولا يعوّل على ما تقدّمها.
والثانى- معرفة المولّى بما عليه المولّى من استحقاق تلك الولاية بصفاته التى يصير بها مستحقّا لها، وأنه قد تقلّدها وصار مستحقّا للاستنابة فيها. إلا أنّ هذا الشرط معتبر فى قبول المولّى وجواز نظره، وليس بشرط فى عقد تقليده وولايته، بخلاف الشرط المتقدّم. وليس يراعى فى هذه المعرفة المشاهدة بالنظر، وانما يراعى انتشارها بالخبر الشائع.
стр. 2149
والثالث- ذكر ما تضمّنه التقليد من ولاية القضاء بصريح التسمية.
والرابع- ذكر تقليد البلد الذى عقدت الولاية عليه ليعرف به العمل الذى يستحقّ النظر فيه، ولا تصحّ الولاية مع الجهل به.
فاذا انعقد التقليد تمّت الولاية بهذه الشروط والألفاظ. واحتاج المولّى الى شرط زائد على شروط العقد، وهو إشاعة تقليده فى أهل عمله ليدعنوا بطاعته وينقادوا الى حكمه. وهو شرط فى لزوم الطاعة وليس بشرط فى نفوذ الحكم.
فاذا صحّت عقدا ولزوما بما وصفناه، صحّ فيها نظر المولّى والمولّى [كالوكالة، لأنهما معا استنابة. ولم يلزم المقام عليها من جهة المولّى ولا من جهة المولّى. وكان للمولّى عزله [١]] عنها متى شاء، وللمولّى عزل نفسه متى شاء؛ غير أنّ الأولى بالمولّى ألّا يعزله إلا بعذر، وألّا يعتزل المولّى إلا من عذر؛ لما فى الولاية من حقوق المسلمين. واذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل كما وجب إظهار التقليد، حتى لا يقدم على إنفاذ حكم ولا يغترّ بالترافع اليه خصم. فإن حكم بعد العلم بعزله لم ينفذ حكمه، وإن حكم غير عالم بعزله كان فى نفوذ حكمه وجهان، كاختلافهما فى عقود التوكيل.
وحيث ذكرنا ما تصح به الولاية وتنعقد به من الألفاظ والشروط، فلنذكر ما يشتمل عليه النظر فى الأحكام.
ذكر ما يشتمل عليه نظر الحاكم المطلق التصرّف من الأحكام
قال الماوردىّ: اذا كانت ولاية القاضى عامّة وهو مطلق التصرّف فى جميع ما تضمّنته، فنظره يشتمل على عشرة أحكام:
стр. 2150
أحدها- فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات، إمّا صلحا عن تراض يراعى فيه الجواز، أو إجبارا بحكم باتّ يعتبر فيه الوجوب.
والثانى- استيفاء الحقوق ممن امتنع من القيام بها وإيصالها الى مستحقّها من أحد وجهين: إقرار أو بينة. واختلف فى جواز حكمه فيها بعلمه، فجوّزه مالك والشافعىّ فى أصحّ قوليه؛ وقال أبو حنيفة: يجوز أن يحكم بعلمه فيما علمه فى ولايته، ولا يحكم بما علمه قبلها.
والثالث- ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرّف بجنون أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس، حفظا للأموال على مستحقّيها، وتصحيحا لأحكام العقود فيها.
والرابع- النظر فى الوقوف بحفظ أصولها وتثمير فروعها وقبض غلّتها وصرفها فى سبلها. فإن كان عليها مستحقّ للنظر فيها راعاه، وإن لم يكن تولّاه.
والخامس- تنفيذ الوصايا على شروط الموصى فيما أباحه الشرع ولم يحظره.
فان كانت لمعيّنين كان تنفيذها بالإقباض، وإن كانت فى موصوفين كان تنفيذها أن يتعيّن مستحقّوها بالاجتهاد ويملكوا بالإقباض. فان كان فيها وصىّ راعاه، وإن لم يكن تولّاه.
والسادس- تزويج الأيامى بالأكفاء اذا عدم الأولياء ودعين [١] الى النكاح.
ولم يجعله أبو حنيفة- ﵀ من حقوق ولاية القاضى، لتجويزه تفرّد الأيّم بعقد النكاح.
стр. 2151
والسابع- إقامة الحدود على مستحقّيها، فإن كان من حقوق الله تعالى تفرّد باستيفائه من غير طالب اذا ثبت بإقرار أو بيّنة؛ وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفا على طلب مستحقّه. وقال أبو حنيفة: لا يستوفيهما معا إلا بخصم مطالب.
والثامن- النظر فى مصالح عمله من الكفّ عن التّعدّى فى الطّرقات والأفنية، وإخراج ما لا يستحقّ من الأجنحة والأبنية؛ وله أن يتفرّد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بحضور خصم مستعد. وهى من حقوق الله تعالى التى يستوى فيها المستعدى والمستعدى إليه، فكان تفرّد الولاة بها أخصّ.
التاسع- تصفّح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه فى إقرارهم والتعويل عليهم مع ظهور السّلامة والاستقامة، وصرفهم والاستبدال بهم مع ظهور الجرح والخيانة [١] . ومن ضعف منهم عمّا يعانيه، كان مولّيه بين خيارين يأتى أصلحهما:
إما أن يستبدل به من هو أقوى منه وأكفى، وإما أن يضمّ اليه من يكون اجتماعهما عليه أنفذ وأمضى.
والعاشر- التسوية فى الحكم بين القوىّ والضعيف، والعدل فى القضاء بين المشروف والشريف؛ ولا يتّبع هواه فى تقصير بحق أو ممايلة لمبطل. قال الله تعالى:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ.
стр. 2152
وقد استوفى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فى عهده الى أبى موسى الأشعرىّ شروط القضاء وبيّن أحكام التقليد حين ولّاه القضاء، قال:
أما بعد، فإنّ القضاء فريضة محكمة وسنّة متّبعة. فافهم إذا أدلى اليك. [وأنفذ اذا تبيّن لك [١]] فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له. وآس [٢] بين الناس فى وجهك وعدلك ومجلسك، حتّى لا يطمع شريف فى حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر. والصّلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا.
ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن لرجع الى الحق؛ فإنّ الحق قديم، ومراجعة الحقّ خير من التّمادى فى الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج فى صدرك مما ليس فى كتاب ولا سنّة. ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها. واجعل لمن ادّعى حقّا غائبا أو بيّنة أمدا ينتهى اليه؛ فإن أحضر بينة أخذت له بحقّه، وإلّا استحللت القضية عليه؛ فان ذلك أنفى للشكّ وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا فى حد، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب. فإن الله قد تولّى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان [٣] ؛ وإياك والغلق [٤] والضّجر والتأففّ بالخصوم، فإنّ استقرار الحق فى مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر. والسلام.
стр. 2153
ذكر ما يأتيه القاضى ويذره فى حقّ نفسه اذا دعى الى الولاية أو خطبها، وما يلزم الناس من امتثال أمره وطاعته، وما يعتمده فى أمر كاتبه وبطانته وأعوانه وجلوسه لفصل المحاكمات والأقضية
قال الحليمىّ: واذا دعا الإمام رجلا الى القضاء، فينبغى له أن ينظر فى حال نفسه وحال الناس الذين يدعى الى النظر فى مظالمهم. فإن وثق من نفسه بالاستقلال والكفاية والاقتدار على أداء الأمانة، وعلم أنه إن لم يقبل صار الأمر الى من لا يكون للمسلمين مثله، فأولى به أن يجيب الى ما يدعى اليه ويقبله ويحسن النية فى قبوله؛ ليكون عمله لوجه الله تعالى. وإن وجد من يقوم مقامه ويسدّ مسدّه فهو بالخيار؛ والتمسّك أفضل. فأمّا إن لم يعلم من نفسه الاستقلال، أو لم يأمن أن يكون منه سوء التمسّك وقلة التمالك، فلا ينبغى له أن يجيب. وهكذا إن كان هناك من هو خير منه علما وعقلا وخلقا. وإن عرض الأمر عليه فلا ينبغى له أن يتسارع الى ما يدعى اليه، لينظر ما الذى يكون من الآخر.
قال: واذا دعا الإمام رجلا الى عمل من أعماله، قضاء أو غيره، والرجل ممن يصلح له، فأبى، فإن وجد الإمام من يقوم مقامه فى ذلك أعفاه، وإن لم يجد من يقوم مقامه أجبره عليه اقتداء بعمر بن الخطّاب رضى الله عنه؛ فإنه دعا سعيد بن عامر الجمحىّ فقال: إنى مستعملك على أرض كذا وكذا؛ فقال: لا تفتنّى؛ فقال عمر: والله لا أدعك، قلّدتموها [١] عنقى وتتركونى! قال: واذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء فأراد أن يطلبه، أو دعاه الإمام إليه فأراد أن يجيبه، فلا ينبغى له أن يبادر بما فى نفسه من طلب أو إجابة حتى يسأل
стр. 2154
أهل العلم والفضل والأمانة ممن خبره وعلم حاله، ويقول: إنى أريد القضاء، فما ترون فى أمرى؟ وهل تعرفون صلاحى لذلك أولا؟ فإن ذلك من المشورة التى أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بها، فقال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
وقد قدّمنا فى باب المشورة من فضيلتها ما فيه غنية عن تكراره.
قال: وإذا سأل عن نفسه فينبغى للمسئول أن ينصح له ويصدقه،
لقول رسول الله ﷺ : «ألا إنّ الدّين النّصيحة» قيل: لمن يا رسول الله؟ قال:
«لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم»
ولأن المستشار مؤتمن، ولقوله ﷺ : «من غشّنا فليس منّا» .
واذا أراد تقلّد القضاء فليستخر الله تعالى ويسأله التوفيق والتسديد. فإذا تقلّد فينبغى أن يوكّل المتميّزين الثّقات الأمناء من إخوانه وأهل العناية بنفسه، ويسألهم أن يتفقّدوا أحواله وأموره، فإن رأوامنه عثرة نبّهوه عليها ليتداركها.
قال: وأيّما حاكم نصب بين ظهرانى قوم فينبغى لهم أن يسمعوا له ويطيعوا، ويترافعوا اليه اذا اختلفوا وتنازعوا، ليفصل بينهم؛ فإذا فصل انقادوا لفصله واستسلموا لحكمه. قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
. وقال تعالى:
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
. وذمّ الله تعالى قوما امتنعوا من الحكم فقال:
ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين
стр. 2155
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
قال: واذا ارتفع أحد الخصمين الى حاكم وسأله إحضار خصمه فدعاه الحاكم فعليه أن يجيبه؛ فإذا حضرا فلا يخرجا عن أمر الحاكم؛ فأيّهما خرج فهو عاص؛ فإنما يقضى الحاكم بحكم الله. وللحاكم أن يؤدّبه بما يؤدّيه اجتهاده. وأيّما حاكم أو وال دعا رجلا من رعيّته ولم يعلم لم يدعوه، فعليه إجابته؛ وإن علم أنه لدعوى رفعت عليه من مدّع، فإن كان ذلك المدّعى حضر مع رسول الحاكم فأرضاه، سقط عنه الذّهاب الى الحاكم، وإن كان لم يحضر [هو] ولا وكيل له، فليذهب ليجيب؛ ولا يسعه التخلّف مع ترك الدّفع إلا فى حالة واحدة وهى أن يكون المدّعى كاذبا وقد أعدّ شهودا زورا لا يقدر على دفع شهادتهم، فخشى إن حضر أقيمت الشهادة عليه فحبس وأخذ منه المال قهرا، أو يفرّق بينه وبين امرأته، فله أن يهرب أو يتوارى؛ فهذا موضع عذر وضرورة فلا يقاس عليه غيره. والله تعالى أعلم.
وأما كاتب القاضى وبطانته- قال الحليمىّ: وإذا افتتح القاضى عمله واحتاج الى أعوان يعملون له من كاتب وأصحاب مسائل وقاسم، فلا يتّخذنّ إلا كاتبا مسلما عدلا أمينا فطنا متيقّظا؛ لأنه بطانته ولا يغيب عنه من أمره وأمر المترافعين اليه شىء، وأمينه وأمين المتخاصمين على ما يثبته ويخطّه. ولا يجوز أن يكون من غير أهل الدين، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.
وكذلك القاسم ينبغى أن يكون أمينا بصيرا بالفرائض والحساب، لأنّ القاسم شعبة
стр. 2156
من شعب الحكم، فينبغى أن يكون من يتولّاه فى العدالة والأمانة والعلم الذى يحتاج اليه كمن يتولّى جميع شعبه. وكذلك أصحاب المسائل هم أمناء القاضى على الشهادات التى تتعلّق بها حقوق المسلمين، فلا ينبغى أن يأمن عليها إلا المستحقّ لأن يؤتمن، ولا يثق فيها إلا بمن يستوجب بحسن أحواله الثقة به.
وينبغى للقاضى أن ينزّه نفسه ومن حوله ويشدّد عليهم ولا يرخّص لهم فى أمر ينقمه منهم أو يخشى أن يتطرّقوا به الى غيره ويرتقوا الى ما فوقه. وقد كان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شىء، جمع أهله فقال: إنى نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنّ الناس ينظرون اليكم نظر الطير الى اللحم النّىء، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة.
قال: ولا ينبغى للإمام ولا القاضى أن يقدّم أقاربه على عامّة المسلمين، ولا يسوّغهم ما لا يسوّغ غيرهم، ولا ينظر لهم بما لا ينظر به لغيرهم، ولا يستعملهم ويولّيهم.
وأما ما يعتمده فى جلوسه- فقد قال الحليمىّ أيضا: واذا أراد الحاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب لا يهمّه إلا النظر فى أمور المتظلّمين. وإن تغيّرت حاله بغضب أو غمّ أو سرور مفرط أو وجع أو ملالة [١] أو اعتراء نوم أو جوع فليقم الى أن يزول ما به ويتمكّن من رأيه وعقله ثم يجلس.
فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يقضى [٢] القاضى بين اثنين وهو غضبان»
؛ وعنه
стр. 2157
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقضى القاضى إلّا وهو شعبان ريّان»
. هكذا نقل الحليمىّ فى «منهاجه» ، وهذه سنّة السلف.
قال: والقاضى فى جلوسه بالخيار: إن شاء أن يخرج بالغداة اذا طلعت الشمس فيقضى حوائج الناس أوّلا فأوّلا حتى لا يزد حموا على بابه، فعل؛ وإن شاء أقام فى [١] بيته يتأهّب ويستعدّ بمطالعة بعض الكتب أو بالاجتهاد والتأمّل الى أن يجتمع الخصوم ثم يخرج، فعل. وينبغى أن يكون عند الحاكم من يحفظ نوب الناس فيقدّم الأوّل فالأوّل، ويجلسهم مجالسهم.
وإن رأى القاضى أن يحضر مجلسه درّة تطرح على أعين الناس لينتهوا بها فإن استوجب أحد من الخصوم تعزيرا أقيم عليه بها، فعل. روى عن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أنّ درّته كانت تكون معه، وكذلك جماعة من قضاة السّلف ﵏.
وأمّا فى عصرنا هذا فقد كان شيخنا الإمام العلّامة القدوة مفتى الفرق بقيّة المجتهدين تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشيخ الإمام مجد الدّين أبى الحسين علىّ بن وهب ابن مطيع القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد- ﵀ منع نوّابه من أن يضربوا بالدّرّة فى أثناء ولايته قاضى القضاة بالديار المصريّة، وقال: إنه عار يلحق ولد الولد. وكان سبب منعه- ﵀ ورضى عنه- لذلك أن بعض نوّابه بالأعمال عزّر بعض أعيان البلاد التى هو ينوب بها بالدرّة فى المسجد الجامع وقال له عقيب ضربه وإسقاطه: قد ألحقتك بأبيك وجدّك، وكانت هذه الحادثة فى سنة سبع وتسعين وسمائة أو ما يقاربها، ففارق ذلك الرجل بلاده ووطنه؛ فلما اتّصل الخبر بقاضى القضاة شقّ عليه ومنع نوّابه من الضرب بها.
стр. 2158
نعود الى حال القاضى. قال: وينبغى للقاضى أن يعدل بين الخصمين من حين يقدمان عليه الى أن تنقضى خصومتهما فى مدخلهما عليه وجلوسهما عنده وقيامهما بين يديه، سواء كانا فاضلين فى أنفسهما أو ناقصين، أو أحدهما فاضلا والآخر ناقصا؛ لقوله : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
، ولما جاء
عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من ابتلى بالقضاء بين المسلمين [١] فليعدل بينهم فى لحظه ولفظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر»
. وفى رواية: «من ولى قضاء المسلمين فليعدل بينهم فى مجلسه وكلامه ولحظه»
. وفى رواية: «اذا ابتلى أحدكم بالقضاء [بين المسلمين [٢]] فليسوّ بينهم فى المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر»
. قال: واذا اختصم اثنان الى القاضى فينبغى أن يأمرهما بالاصطلاح.
وشروط القضاء كثيرة يعرفها العلماء، فلا حاجة الى الزيادة والإسهاب فى ذلك؛ وإنما أوردنا ما قدّمناه فى هذا الباب منها حتى لا يخلى كتابنا منه. ولنختم هذا الباب بما ورد من التزهيد فى القضاء.
ذكر شىء مما ورد من التزهيد فى تقلد القضاء والترغيب عنه
قد ورد فى تقلّد القضاء أحاديث وآثار تزهّد فيه، بل تكاد توجب الفرار منه:
من ذلك ما
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكّين»
؛ وعنه ﷺ : «ما من أحد حكم بين الناس إلّا جىء به يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنّم فإن أمر به
стр. 2159
هوى به فى النار سبعين خريفا»
. وعن أبى ذرّ قال: قال لى رسول الله ﷺ ستّة أيام: «اعقل أبا ذرّ ما أقول لك» فلما كان اليوم [١] السابع قال:
«أوصيك بتقوى الله فى سرّ أمرك وعلانيته واذا أسأت فأحسن ولا تسأل أحدا شيئا وإن سقط سوطك [٢] ولا تؤمّن أمانة ولا تولّين يتامى ولا تقضين بين اثنين»
. وقال عثمان بن عفّان رضى الله عنه لابن عمر: اذهب فكن قاضيا؛ قال:
أو يعفينى أمير المؤمنين؟ قال: فإنى أعزم عليك؛ قال: لا تعجل علىّ؛ [قال: [٣]] هل
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من عاذ بالله فقد عاذ معاذا»
. قال:
نعم، قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضى؟ قال:
إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان قاضيا يقضى بجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا يقضى بجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيا عالما يقضى بالعدل فبالحرى أن ينقلب كفافا»
فما أصنع بهذا!
وقال بعضهم: ذكرنا أمر القضاء عند عائشة رضى الله عنها، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالقاضى العدل يوم القيامة فيلقى من شدّة الحساب ما يتمنّى أنه لم يقض بين اثنين فى تمرة قطّ»
. وقال صعصعة بن صوحان: خطبنا علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بذى قار وعليه عمامة سوداء فقال: يأيها الناس، إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من وال ولا قاض إلّا يؤتى به يوم القيامة حتّى يوقف بين يدى الله تعالى على الصراط ثم ينشر الملك
стр. 2160
سيرته فيقرؤها على رءوس الأشهاد- الخلائق- فإن كان عادلا نجّاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كلّ عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة ثم يتخرّق به الصراط فما يلتقى قعر جهنم إلّا بوجهه وحرّ جبينه»
. وجاء فى الآثار عن الصحابة رضى الله عنهم مثل ذلك.
وفيما ذكرنا مقنع وغنية عن بسط الكلام فيه. فلنذكر ولاية المظالم.
الباب الثانى عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى ولاية المظالم وهى نيابة دار العدل
وللناظر فيها شروط ذكرها الماوردىّ فقال: من شروط الناظر فى المظالم أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفّة، قليل الطّمع، كثير الورع؛ لأنه يحتاج فى نظره الى سطوة الحماة، وتثبّت القضاة، فاحتاج الى الجمع بين صفتى الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر فى الجهتين. فان كان ممن يملك الأمور العامّة، كالخلفاء أو ممن فوّض اليه الخلفاء النظر فى الأمور العامّة كالوزراء والأمراء، لم يحتج للنّظر فيها الى تقليد وتولية وكان له بعموم ولايته النظر فيها. وإن كان ممن لم يفوّض اليه عموم النظر، احتاج الى تقليد وتولية اذا اجتمعت فيه الشروط المتقدّمة. وهذا إنما يصحّ فيمن يجوز أن يختار لولاية العهد، أو لوزارة التفويض اذا كان نظره فى المصالح عامّا. فإن اقتصر على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه، جاز أن يكون دون هذه الرّتبة فى القدر والخطر، بعد ألّا يأخذه فى الحقّ لومة لائم، ولا يستشفّه الطمع الى الرّشوة.
стр. 2161
ذكر من نظر فى المظالم فى الجاهليّة والإسلام
والنظر فى المظالم قديم، كان الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذى لا يعمّ الصّلاح إلا بمراعاته، ولا يتمّ التناصف إلا بمباشرته؛ وكانوا ينتصبون لذلك بأنفسهم فى أيّام معلومة لا يمنع عنهم من يقصدهم فيها من ذوى الحاجات وأرباب الضرورات.
وسبب تمسكهم بذلك أنّ أصل قيام دولتهم ردّ المظالم. وذلك أن كيومرث أوّل ملوكهم- وقيل: إنه أوّل ملك ملّك من بنى آدم- كان سبب ملكه أنه لمّا كثر البغى فى الناس وأكل القوىّ الضعيف وفشا الظلم بينهم، اجتمع أكابرهم ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملك يرجعون إليه، وملّكوه؛ على ما نورده- إن شاء الله- فى [فنّ] التاريخ فى أخبار ملوك الفرس.
وكانت قريش فى الجاهلية، حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت الرياسات وشاهدوا من التّغالب والتجاذب ما لم يكفّهم عنه سلطان قاهر، عقدوا بينهم حلفا على ردّ المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم. وكان سبب ذلك أنّ رجلا من اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة، فاشتراها منه رجل من بنى سهم، قيل: إنه العاص بن وائل، فلواه بحقّه؛ فسأله ماله أو متاعه، فامتنع عليه؛ فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته:
يال قصىّ لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنّفر
وأشعث محرم لم تقض حرمته ... بين المقام [١] وبين الحجر والحجر
أقائم من بنى سهم بذمّتهم ... أو ذاهب فى ضلال مال معتمر
стр. 2162
وأن قيس بن شيبة [١] السلمى باع متاعا من [٢] أبىّ بن خلف فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بنى جمح فلم يجره؛ فقال قيس:
يال قصىّ كيف هذا فى الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق [٣] الكرم
أظلم لا يمنع منّى من ظلم
فأجابه العبّاس بن مرداس:
إن كان جارك لم تنفعك [٤] ذمّته ... وقد شربت بكأس الذّلّ أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صددا [٥] ... لا تلق ناديهم فحشا ولا باسا
وثمّ كن [٦] بفناء البيت معتصما ... تلق ابن حرب وتلق المرء عبّاسا
قرمى قريش وحلّا فى ذوائبها ... بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا
ساقى الحجيج، وهذا ياسر فلج [٧] ... والمجد يورث أخماسا وأسداسا
فقام العبّاس وأبو سفيان حتى ردّا عليه ماله. واجتمعت بطون قريش فتحالفوا فى بيت عبد الله بن جدعان على ردّ المظالم بمكة، وألّا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا للمظلوم بحقه، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل النبوّة وهو ابن خمس وعشرين سنة، فعقدوا حلف الفضول؛
فقال رسول الله صلى الله عليه
стр. 2163
وسلم ذاكرا للحال: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول أما لو دعيت اليه [فى الإسلام [١]] لأجبت وما أحبّ أنّ لى به حمر النّعم وأنّى نقضته وما يزيده الإسلام إلا شدّة»
. وقال بعض قريش فى هذا الحلف:
تيم بن مرة إن سألت وهاشم ... وزهرة الخير فى دار ابن جدعان
متحالفين على النّدى ما غرّدت ... ورقاء فى فنن من الأفنان [٢]
فهذا كان أصل ذلك وسببه فى الجاهلية.
وأمّا فى الإسلام-
فقد نظر رسول الله ﷺ فى المظالم فى الشّرب الذى تنازعه الزّبير بن العوّام ورجل من الأنصار فى شراج [٣] الحرّة فحضره رسول الله ﷺ بنفسه، وقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك» ، فقال له الأنصارىّ: أن كان ابن عمتك! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال:
«اسق ثم احتبس حتى يرجع [٤] الماء الى الجدر»
، فقال الزّبير: والله إنّ هذه الآية
стр. 2164
أنزلت فى ذلك (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ)
. وقد قيل فى هذا الحديث إنّ رسول الله ﷺ ندب الزبير أوّلا الى الاقتصار على بعض حقّه على طريق التوسّط والصّلح، فلمّا لم يرض الأنصارىّ بذلك وقال ما قال، استوفى النبىّ ﷺ للزبير حقّه. ويصحّح هذا القول ما جاء فى آخر الحديث:
«فاستوعى [١] له حقّه» يعنى للزبير.
ثم لم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة رضى الله عنهم أحد، وإنما كانت المنازعات تجرى بين الناس فيفصلها حكم القضاء. فإن تجوّز من جفاة الأعراب متجوّز، ثناه الوعظ إن تدبّره، وقاده العنف إن أبى وامتنع، فاقتصروا على حكم القضاء، لانقياد الناس اليه والتزامهم بأحكامه. ثم انتشر الأمر بعد ذلك وتجاهر الناس بالظلم والتغالب، ولم يكفّهم زواجر المواعظ، فاحتاجوا فى ردع [٢] المتغلّبين وإنصاف المظلومين من الظالمين الى النظر فى المظالم؛ فكان أوّل من انفرد للمظالم وجعل لها يوما مخصوصا يجلس فيه للناس وينظر فى قصصهم ويتأمّلها عبد الملك ابن مروان، فكان اذا وقف فيها على مشكل ردّه الى قاضيه أبى إدريس الأودىّ فنفّذ فيها أحكامه، فكان عبد الملك هو الآمر وأبو إدريس هو المباشر. ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة واغتصاب الأموال فى دولة بنى أميّة، الى أن أفضت الخلافة الى عمر بن عبد العزيز- ﵀ فانتصب بنفسه للنظر فى المظالم، وراعى السنن العادلة، وردّ مظالم بنى أميّة على أهلها؛ فقيل له- وقد شدّد عليهم فيها وأغلظ-: إنا نخاف عليك، من ردّها، العواقب؛ فقال: كل ما أتقّيه وأخافه دون
стр. 2165
يوم القيامة لا وقيته. ثم جلس لها جماعة من خلفاء الدولة العبّاسيّة، فكان أوّل من جلس منهم المهدىّ، ثم الهادى، ثم الرشيد، ثم المأمون؛ وآخر من جلس لها منهم المهتدى. ثم انتصب لذلك جماعة من ملوك الإسلام أرباب الدول المشهورة بأنفسهم وأقاموا لها نوّابا، ومنهم من بنى لها مكانا مخصوصا بها سمّاه «دار العدل» على ما نورد ذلك- إن شاء الله- فى فنّ التاريخ.
ذكر ما يحتاج اليه ولاة المظالم فى جلوسهم لها
ومن يجتمع عندهم ويحضر مجلسهم، وما يختص بنظرهم وتشمله ولايتهم قال الماوردىّ: فإذا نظر فى المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوما معروفا يقصده فيه المتظلّمون، ويراجعه فيه المتنازعون؛ ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول اليه من السياسة والتدبير؛ إلا أن يكون من عمّال المظالم المتفرّدين بها، فيكون مندوبا للنظر فى جميع الأيام. وليكن سهل الحجاب، نزه الأصحاب.
ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغنى عنهم، ولا ينتظم أمره إلا بهم؛ وهم الحماة والأعوان، لجذب القوىّ وتقويم الجرىء. والصنف الثّانى:
القضاة والحكّام، لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق، ومعرفة ما يجرى فى مجالسهم بين الخصوم. والصنف الثالث: الفقهاء، ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه وأعضل. والصنف الرابع: الكتّاب، ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجّه لهم أو عليهم من الحقوق. والصنف الخامس: الشهود، ليشهدهم على ما أوجبه من حقّ وأمضاه من حكم. فاذا استكمل مجلس المظالم بهذه الأصناف الخمسة، شرع حينئذ فى نظره.
стр. 2166
وأما ما يختص بنظر متولى المظالم وتشتمل عليه ولايته فعشرة أقسام:
الأوّل- النظر فى تعدّى الولاة على الرعيّة وأخذهم بالعسف فى السّيرة، فهذا من لوازم النظر فى المظالم، فيكون لسير الولاة متصفّحا، وعن أحوالهم مستكشفا، ليقوّيهم إن أنصفوا، ويكفّهم إن عسفوا.
والثانى- جور العمال فيما يجبونه من الأموال؛ فيرجع فيه الى القوانين العادلة فى الدواوين، فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها. وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه الى بيت المال أمر بردّه، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه منهم لأربابه.
والثالث- كتّاب الدواوين، لأنهم أمناء المسلمين على بيوت أموالهم فيما يستوفونه ويوفونه منها؛ فيتصفّح أحوال ما وكل اليهم، فإن عدلوا عن حق فى دخل أو خرج الى زيادة أو نقصان، أعاده الى قوانينه، وقابل على تجاوزه. وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والى المظالم فى تصفّحها الى متظلّم.
والرابع- تظلّم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخيرها عنهم وإجحاف النّظّار بهم؛ فيرجع الى ديوانه فى فرض العطاء العادل فيجريهم عليه. وينظر فيما نقصوه أو منعوه، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه لهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال.
كتب بعض ولاة الأجناد الى المأمون أنّ الجند شغبوا ونهبوا. فكتب اليه:
لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا. وعزله عنهم وأدرّ عليهم أرزاقهم.
стр. 2167
والخامس- ردّ الغصوبات. وهى على ضربين: أحدها غصوب سلطانية قد تغلّب عليها ولاة الجور، كالأملاك المقبوضة عن أربابها، إما لرغبة فيها أو غير ذلك.
ويجوز أن يرجع فى ذلك عند تظلّمهم الى ديوان السلطنة، فإذا وجد فيه ذكر قبضها عن مالكها عمل بمقتضاه وأمر بردّها اليه، ولم يحتج فيه الى بيّنة تشهد به، وكان ما وجده فى الديوان كافيا، كالذى حكى عن عمر بن عبد العزيز أنّه خرج ذات يوم الى الصلاة فصادفه رجل ورد من اليمن متظلّما، فقال:
تدعون حيران مظلوما ببابكم ... فقد أتاكم بعيد الدار مظلوم
فقال له: وما ظلامتك؟ قال: غصبنى الوليد بن عبد الملك ضيعتى؛ فقال يا مزاحم ائتنى بدفتر الصّوافى؛ فوجد فيه: أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان؛ فقال: أخرجها من الدفتر، وليكتب بردّ ضيعته اليه ويطلق له ضعف نفقته.
والضرب الثانى، ما تغلّب عليه ذوو الأيدى القويّة وتصرّفوا فيه تصرّف الملّاك بالقهر والغلبة؛ فهذا موقوف على تظلّم أربابه. ولا ينتزع من غصّابه إلا بأحد أربعة أمور: إما باعتراف الغاصب وإقراره؛ وإما بعلم والى المظالم، فيجوز أن يحكم عليه بعلمه؛ وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه؛ وإما بتظاهر الأخبار التى ينتفى عنها التواطؤ ولا تختلج فيها الشكوك؛ لأنه لمّا جاز للشهود أن يشهدوا فى الأملاك بتظاهر الأخبار، كان حكم ولاة المظالم بذلك أحقّ.
والسادس- مشارفة الوقوف. وهى ضربان: عامة وخاصة. فأما العامة فيبدأ بتصفّحها وإن لم يكن لها متظلّم، ليجريها على سبلها ويمضيها على شروطها واقفها اذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه: إمّا من دواوين الحكّام المندوبين لحراستها، وإما من دواوين السّلطنة على ما جرى فيها من معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية،
стр. 2168
وإما من كتب قديمة تقع فى النفس صحّتها وإن لم يشهد الشهوذ بها، لأنه ليس يتعيّن الخصم فيها، فكان الحكم فيها أوسع منه فى الوقوف الخاصّة.
وأما الوقوف الخاصة، فإنّ نظره فيها موقوف على تظلّم أهلها عند التنازع فيها، لوقوفها على خصوم متعيّنين. فيعمل عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم، ولا يجوز أن يرجع فيها الى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها فى الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدّلون.
والسابع- تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة، لضعفهم عن إنفاذه وعجزهم عن المحكوم عليه، لتعزّزه وقوّة يده أو علوّ قدره وعظم خطره، لكون [١] ناظر المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا، فينفّذ الحكم على ما يوجبه عليه الحاكم [٢] بانتزاع ما فى يده، أو بإلزامه الخروج مما فى ذمّته.
والثامن- النظر فيما عجز عنه الناظرون فى الحسبة من المصالح العامّة كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه، والتعدّى فى طريق عجز عن منعه، [والتّحيفّ فى حقّ لم يقدر على ردّه [٣]] ، فيأخذهم بحق الله تعالى فى ذلك، ويأمر بحملهم على موجبه [٤] .
والتاسع- مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحجّ والجهاد من تقصير فيها أو إخلال بشروطها؛ فإنّ حقوق الله تعالى أولى أن تستوفى، وفروضه أحقّ أن تؤدّى.
стр. 2169
والعاشر- النظر بين المتشاجرين، والحكم بين المتنازعين. ولا يخرج فى النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم بما لا يحكم به الحكّام والقضاة.
ذكر الفرق بين نظر ولاة المظالم ونظر القضاة
قال الماوردىّ: والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة أوجه:
أحدها- أنّ لناظر [١] المظالم من فضل الهيبة وقوّة اليد ما ليس للقضاة بكف الخصوم عن التجاحد ومنع الظّلمة من التغالب والتجاذب.
والثانى- أنّ نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب الى سعة الجواز، فيكون الناظر فيه أفسح مجالا وأوسع مقالا.
والثالث- أنّه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب، بالآثار الدالّة أو شواهد الحال اللّائحة ما يضيق على الحكّام، فيصل به الى ظهور الحقّ، ومعرفة المبطل من المحقّ.
والرابع- أنه يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه [٢] بالتقويم والتهذيب.
والخامس- أنّ له من التأنّى فى ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام حقوقهم، ليمعن فى الكشف عن أسبابهم وأحوالهم، ما ليس للحكّام، اذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم، فلا يسوغ أن يؤخّره الحاكم، ويسوغ أن يؤخّره متولّى المظالم.
стр. 2170
والسادس- أنّ له ردّ الخصوم اذا أعضلوا [١] الى وساطة الأمناء، ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراض، وليس للقاضى ذلك إلا عن رضا الخصمين بالرّدّ.
والسابع- أنه يفسح فى ملازمة الخصمين اذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن فى إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفيل، لتنقاد الخصوم الى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب.
والثامن- أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة فى شهادة المعدّلين.
والتاسع- أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم اذا بذلوا أيمانهم طوعا، ويستكثر من عددهم، لتزول عنه الشّبهة وينتفى الارتياب، وليس ذلك للحاكم.
والعاشر- أنه يجوز له أن يبتدئ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم فى تنازع الخصوم؛ وعادة القضاة تكليف المدّعى إحضار بيّنة ولا يسمعونها إلا بعد مسألته.
فهذه عشرة أوجه يقع بها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء فى التشاجر والتنازع؛ وهما فيما عداهما متساويان.
ذكر ما ينبغى أن يعتمده ولاة المظالم عند رفعها إليهم، وما يسلكونه من الأحكام فيها، وما ورد فى مثل ذلك من أخبارهم وأحكامهم فيما سلف من الزمان
قال الماوردىّ: لم تخل حال الدّعوى عند الترافع فيها إلى والى المظالم من ثلاثة أحوال: إمّا أن يقترن بها ما يقوّيها، أو يقترن بها ما يضعفها، أو تخلو من
стр. 2171
الأمرين. فإن اقترن بها ما يقوّيها، فلما يقترن بها من القوّة ستّة أحوال تختلف بها قوّة الدّعوى على التدريج.
فأوّل أحوالها- أن يظهر معها كتاب فيه شهود معدّلون حضور. والذى يختص به نظر المظالم فى مثل هذه الدعوى شيئان. أحدهما: أن يبتدئ الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة. والثانى: الإنكار على الجاحد بحسب حاله وشواهد أحواله. فاذا حضر الشهود، فإن كان الناظر فى المظالم ممن يجلّ قدره، كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير الإقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة: من مباشرته النّظر بينهما إن جلّ قدرهما، أو ردّ ذلك الى قاضيه بمشهد منه إن كانا متوسّطين، أو على بعد منه إن كانا خاملين.
حكى أنّ المأمون كان يجلس للمظالم فى يوم الأحد، فنهض ذات يوم من مجلسه فتلقّته امرأة فى ثياب رثّة، فقالت:
يا خير منتصف يهدى له الرّشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد [١] الملك أرملة ... عدا عليها فما تقوى به أسد
فابتزّ منها ضياعا بعد منعتها ... لمّا تفرّق عنها الأهل والولد
فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال:
من دون ما قلت عيل الصّبر والجلد ... وأقرح القلب هذا الحزن والكمد
هذا أوان صلاة الظّهر فانصرفى ... وأحضرى الخصم فى اليوم الذى أعد
المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلّا المجلس الأحد
стр. 2172
فانصرفت، وحضرت فى يوم الأحد أوّل الناس؛ فقال لها المأمون: من خصمك؟
فقالت: القائم على رأسك العبّاس بن أمير المؤمنين؛ فقال المأمون لقاضيه يحيى ابن أكثم، وقيل بل قال لوزيره أحمد بن أبى خالد: أجلسها معه وانظر بينهما؛ فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون، فجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجّابه؛ فقال المأمون: دعها فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه. وأمر بردّ ضياعها اليها.
والحال الثانية فى قوّة الدعوى- أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدّلين من هو غائب. فالذى يختصّ بنظر المظالم فى مثل هذه الدّعوى أربعة أشياء [١] . أحدها:
إرهاب المدّعى عليه [فر [٢]] بّما يعجّل من إقراره بقوّة الهيبة ما يغنى عن سماع البيّنة.
والثانى: التّقدّم [٣] بإحضار الشّهود اذا عرف مكانهم ولم يدخل الضّرر الشاقّ عليهم.
والثالث: التقدّم بملازمة المدّعى عليه ثلاثا، ويجتهد رأيه فى الزيادة عليها بحسب الحال من قوّة الأمارة ودلائل الصحّة. والرابع: أن ينظر فى الدعوى، فإن كانت مالا فى الذمة كلّفه إقامة كفيل، وإن كانت عينا قائمة كالعقار، حجر عليه فيها حجرا لا يرفع به حكم يده، وردّ استغلالها الى أمين [٤] يحفظه على مستحقّه منهما. فإن تطاولت المدّة ووقع اليأس من حضور الشهود، جاز لمتولّى المظالم أن يسأل المدّعى عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه، فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه، وإلّا فصل بينهما بموجب الشّرع ومقتضاه.
стр. 2173
والحال الثالثة فى قوّة الدعوى- أن يكون فى الكتاب المقترن بها شهود حضور لكنهم غير معدّلين عند الحاكم، فيتقدّم ناظر المظالم بإحضارهم وسبر أحوالهم؛ فإن كانوا من ذوى الهيئات وأهل الصّيانات، فالثقة بشهادتهم أقوى؛ وإن كانوا أرذالا فلا يعوّل عليهم لكن يقوّى إرهاب الخصم بهم؛ وإن كانوا أوساطا فيجوز له أن يستظهر بإحلافهم، إن رأى ذلك، قبل الشهادة أو بعدها. ثم هو فى سماع شهادة هذين الصّنفين بين ثلاثة أمور: إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها، وإما أن يردّ [الى [١]] القاضى سماعها ويؤدّيها القاضى اليه، وإما أن يردّ سماعها الى الشهود المعدّلين وهم يخبرونه بما وضح عندهم.
والحال الرابعة من قوّة الدعوى- أن يكون فى الكتاب المقترن بها شهود موتى معدّلون، فالذى يختصّ بنظر المظالم فيها ثلاثة أشياء. أحدها: إرهاب المدّعى عليه بما يضطرّه الى الصّدق والاعتراف [بالحق [٢]] . والثانى: سؤاله عن دخول يده، لجواز أن يكون من جوابه ما يتّضح به الحقّ [٣] . والثالث: أن يكشف عن الحال من جيران الملك ومن جيران المتنازعين فيه، ليتوصّل بهم الى وضوح الحقّ ومعرفة المحقّ. فإن لم يصل اليه بواحد من هذه الثلاثة، ردّها الى وساطة محتشم مطاع، له بهما معرفة وبما يتنازعانه خبرة. فإن حصل تصادقهما أو صلحهما بوساطته، وإلّا فصل الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاء.
والحال الخامسة فى قوّة الدعوى- أن يكون مع المدّعى خطّ المدّعى عليه [بما تضمّنته الدعوى، فنظر المظالم فيه يقتضى سؤال المدّعى عليه [٤]] عن الخطّ وأن
стр. 2174
يقال [١] له: هذا خطّك؟ فإن اعترف به، سئل بعد اعترافه به عن صحة ما تضمّنه، فإن اعترف بصحته، صار مقرّا وألزم حكم إقراره. وإن لم يعترف بصحته [فمن ولاة المظالم من حكم عليه بخطّه اذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته [٢]] ، وجعل ذلك من شواهد الحقوق اعتبارا بالعرف. والذى عليه محقّقوهم وما يراه الفقهاء أنه لا يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرّد الخطّ حتى يعترف بصحّة ما فيه؛ فإن قال: كتبته ليقرضنى وما أقرضنى، أو ليدفع إلىّ ثمن ما بعته وما دفع، فهذا مما قد يفعله الناس أحيانا.
فنظر المظالم فى مثله أن يستعمل الإرهاب بحسب الحال ثم يردّ الى الوساطة؛ فإن أفضت الى الصلح، وإلا بتّ الحاكم [٣] بينهما بالتحالف.
وإن أنكر الخطّ، فمن ولاة المظالم من يختبر الخطّ بخطوطه التى يكتبها ويكلّفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنّع فيها، ثم يجمع بين الخطين، فإذا تشابها حكم به عليه. والذى عليه المحقّقون منهم أنهم لا يفعلون ذلك للحكم به ولكن للإرهاب. [وتكون الشّبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافه به، وترتفع الشبهة إن كان الخط منافيا لخطه ويعود الإرهاب على المدّعى، ثم يردّان الى الوساطة [٤]] فإن أفضت الى الصلح وإلّا بتّ القاضى [الحكم [٥]] بينهما بالأيمان.
والحال السادسة من قوّة الدعوى- إظهار الحساب بما تضمّنته الدعوى، وهذا يكون فى المعاملات. ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين:
стр. 2175
إمّا أن يكون حساب المدّعى أو المدّعى عليه. فإن كان حساب المدّعى فالشّبهة فيه أضعف. ونظر المظالم فى مثله أن يراعى نظم الحساب، فإن كان مخنلّا يحتمل فيه [١] الإدغال كان مطّرحا، وهو بضعف الدعوى أشبه منه بقوّتها. وإن كان نظمه متّسقا ونقله صحيحا، فالثقة به أقوى، فيقتضى من الإرهاب بحسب شواهده، ثم يردّان الى الوساطة، ثم الى الحكم الباتّ. وإن كان الحساب للمدّعى عليه، كانت الدعوى به أقوى، فلا يخلو أن يكون منسوبا الى خطه [أو خط كاتبه، فإن كان منسوبا الى خطه [٢]] فلناظر المظالم أن يسأله عنه: أهو خطه؟ فإن اعترف به، قيل:
أتعلم ما هو؟ فإن أقرّ بمعرفته، قيل: أتعلم صحته؟ فإن أقرّ بصحته، صار بهذه الثلاثة مقرّا بمضمون الحساب، فيؤخذ بما فيه. وإن اعترف أنه خطّه وأنه يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته، وجعل الثقة بهذا أقوى من الثقة بالخط المرسل، لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض [٣] ، وقد تكتب الخطوط المرسلة بقبض. والذى عليه المحققون منهم- وهو قول الفقهاء- أنه لا يحكم عليه بالحساب الذى لم يعترف بصحته، لكن يقتضى من فضل الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل.
ثم يردّان الى الوساطة ثم الى الحكم الباتّ.
وإن كان الخط منسوبا الى كاتبه، سئل المدّعى عليه قبل سؤال كاتبه، فإن اعترف بما فيه أخذ به، وإن لم يعترف، سئل عنه كاتبه وأرهب، فإن أنكره ضعفت