الأمرين. فإن اقترن بها ما يقوّيها، فلما يقترن بها من القوّة ستّة أحوال تختلف بها قوّة الدّعوى على التدريج.
فأوّل أحوالها- أن يظهر معها كتاب فيه شهود معدّلون حضور. والذى يختص به نظر المظالم فى مثل هذه الدعوى شيئان. أحدهما: أن يبتدئ الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة. والثانى: الإنكار على الجاحد بحسب حاله وشواهد أحواله. فاذا حضر الشهود، فإن كان الناظر فى المظالم ممن يجلّ قدره، كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير الإقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة: من مباشرته النّظر بينهما إن جلّ قدرهما، أو ردّ ذلك الى قاضيه بمشهد منه إن كانا متوسّطين، أو على بعد منه إن كانا خاملين.
حكى أنّ المأمون كان يجلس للمظالم فى يوم الأحد، فنهض ذات يوم من مجلسه فتلقّته امرأة فى ثياب رثّة، فقالت:
يا خير منتصف يهدى له الرّشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد [١] الملك أرملة ... عدا عليها فما تقوى به أسد
فابتزّ منها ضياعا بعد منعتها ... لمّا تفرّق عنها الأهل والولد
فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال:
من دون ما قلت عيل الصّبر والجلد ... وأقرح القلب هذا الحزن والكمد
هذا أوان صلاة الظّهر فانصرفى ... وأحضرى الخصم فى اليوم الذى أعد
المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلّا المجلس الأحد
стр. 2172
فانصرفت، وحضرت فى يوم الأحد أوّل الناس؛ فقال لها المأمون: من خصمك؟
فقالت: القائم على رأسك العبّاس بن أمير المؤمنين؛ فقال المأمون لقاضيه يحيى ابن أكثم، وقيل بل قال لوزيره أحمد بن أبى خالد: أجلسها معه وانظر بينهما؛ فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون، فجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجّابه؛ فقال المأمون: دعها فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه. وأمر بردّ ضياعها اليها.
والحال الثانية فى قوّة الدعوى- أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدّلين من هو غائب. فالذى يختصّ بنظر المظالم فى مثل هذه الدّعوى أربعة أشياء [١] . أحدها:
إرهاب المدّعى عليه [فر [٢]] بّما يعجّل من إقراره بقوّة الهيبة ما يغنى عن سماع البيّنة.
والثانى: التّقدّم [٣] بإحضار الشّهود اذا عرف مكانهم ولم يدخل الضّرر الشاقّ عليهم.
والثالث: التقدّم بملازمة المدّعى عليه ثلاثا، ويجتهد رأيه فى الزيادة عليها بحسب الحال من قوّة الأمارة ودلائل الصحّة. والرابع: أن ينظر فى الدعوى، فإن كانت مالا فى الذمة كلّفه إقامة كفيل، وإن كانت عينا قائمة كالعقار، حجر عليه فيها حجرا لا يرفع به حكم يده، وردّ استغلالها الى أمين [٤] يحفظه على مستحقّه منهما. فإن تطاولت المدّة ووقع اليأس من حضور الشهود، جاز لمتولّى المظالم أن يسأل المدّعى عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه، فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه، وإلّا فصل بينهما بموجب الشّرع ومقتضاه.
стр. 2173
والحال الثالثة فى قوّة الدعوى- أن يكون فى الكتاب المقترن بها شهود حضور لكنهم غير معدّلين عند الحاكم، فيتقدّم ناظر المظالم بإحضارهم وسبر أحوالهم؛ فإن كانوا من ذوى الهيئات وأهل الصّيانات، فالثقة بشهادتهم أقوى؛ وإن كانوا أرذالا فلا يعوّل عليهم لكن يقوّى إرهاب الخصم بهم؛ وإن كانوا أوساطا فيجوز له أن يستظهر بإحلافهم، إن رأى ذلك، قبل الشهادة أو بعدها. ثم هو فى سماع شهادة هذين الصّنفين بين ثلاثة أمور: إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها، وإما أن يردّ [الى [١]] القاضى سماعها ويؤدّيها القاضى اليه، وإما أن يردّ سماعها الى الشهود المعدّلين وهم يخبرونه بما وضح عندهم.
والحال الرابعة من قوّة الدعوى- أن يكون فى الكتاب المقترن بها شهود موتى معدّلون، فالذى يختصّ بنظر المظالم فيها ثلاثة أشياء. أحدها: إرهاب المدّعى عليه بما يضطرّه الى الصّدق والاعتراف [بالحق [٢]] . والثانى: سؤاله عن دخول يده، لجواز أن يكون من جوابه ما يتّضح به الحقّ [٣] . والثالث: أن يكشف عن الحال من جيران الملك ومن جيران المتنازعين فيه، ليتوصّل بهم الى وضوح الحقّ ومعرفة المحقّ. فإن لم يصل اليه بواحد من هذه الثلاثة، ردّها الى وساطة محتشم مطاع، له بهما معرفة وبما يتنازعانه خبرة. فإن حصل تصادقهما أو صلحهما بوساطته، وإلّا فصل الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاء.
والحال الخامسة فى قوّة الدعوى- أن يكون مع المدّعى خطّ المدّعى عليه [بما تضمّنته الدعوى، فنظر المظالم فيه يقتضى سؤال المدّعى عليه [٤]] عن الخطّ وأن
стр. 2174
يقال [١] له: هذا خطّك؟ فإن اعترف به، سئل بعد اعترافه به عن صحة ما تضمّنه، فإن اعترف بصحته، صار مقرّا وألزم حكم إقراره. وإن لم يعترف بصحته [فمن ولاة المظالم من حكم عليه بخطّه اذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته [٢]] ، وجعل ذلك من شواهد الحقوق اعتبارا بالعرف. والذى عليه محقّقوهم وما يراه الفقهاء أنه لا يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرّد الخطّ حتى يعترف بصحّة ما فيه؛ فإن قال: كتبته ليقرضنى وما أقرضنى، أو ليدفع إلىّ ثمن ما بعته وما دفع، فهذا مما قد يفعله الناس أحيانا.
فنظر المظالم فى مثله أن يستعمل الإرهاب بحسب الحال ثم يردّ الى الوساطة؛ فإن أفضت الى الصلح، وإلا بتّ الحاكم [٣] بينهما بالتحالف.
وإن أنكر الخطّ، فمن ولاة المظالم من يختبر الخطّ بخطوطه التى يكتبها ويكلّفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنّع فيها، ثم يجمع بين الخطين، فإذا تشابها حكم به عليه. والذى عليه المحقّقون منهم أنهم لا يفعلون ذلك للحكم به ولكن للإرهاب. [وتكون الشّبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافه به، وترتفع الشبهة إن كان الخط منافيا لخطه ويعود الإرهاب على المدّعى، ثم يردّان الى الوساطة [٤]] فإن أفضت الى الصلح وإلّا بتّ القاضى [الحكم [٥]] بينهما بالأيمان.
والحال السادسة من قوّة الدعوى- إظهار الحساب بما تضمّنته الدعوى، وهذا يكون فى المعاملات. ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين:
стр. 2175
إمّا أن يكون حساب المدّعى أو المدّعى عليه. فإن كان حساب المدّعى فالشّبهة فيه أضعف. ونظر المظالم فى مثله أن يراعى نظم الحساب، فإن كان مخنلّا يحتمل فيه [١] الإدغال كان مطّرحا، وهو بضعف الدعوى أشبه منه بقوّتها. وإن كان نظمه متّسقا ونقله صحيحا، فالثقة به أقوى، فيقتضى من الإرهاب بحسب شواهده، ثم يردّان الى الوساطة، ثم الى الحكم الباتّ. وإن كان الحساب للمدّعى عليه، كانت الدعوى به أقوى، فلا يخلو أن يكون منسوبا الى خطه [أو خط كاتبه، فإن كان منسوبا الى خطه [٢]] فلناظر المظالم أن يسأله عنه: أهو خطه؟ فإن اعترف به، قيل:
أتعلم ما هو؟ فإن أقرّ بمعرفته، قيل: أتعلم صحته؟ فإن أقرّ بصحته، صار بهذه الثلاثة مقرّا بمضمون الحساب، فيؤخذ بما فيه. وإن اعترف أنه خطّه وأنه يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته، وجعل الثقة بهذا أقوى من الثقة بالخط المرسل، لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض [٣] ، وقد تكتب الخطوط المرسلة بقبض. والذى عليه المحققون منهم- وهو قول الفقهاء- أنه لا يحكم عليه بالحساب الذى لم يعترف بصحته، لكن يقتضى من فضل الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل.
ثم يردّان الى الوساطة ثم الى الحكم الباتّ.
وإن كان الخط منسوبا الى كاتبه، سئل المدّعى عليه قبل سؤال كاتبه، فإن اعترف بما فيه أخذ به، وإن لم يعترف، سئل عنه كاتبه وأرهب، فإن أنكره ضعفت
стр. 2176
الشّبهة [١] ، وإن اعترف بصحته صار شهادة على المدّعى عليه، فيحكم عليه بشهادته إن كان عدلا، ويقضى بالشاهد واليمين. فهذه حال الدعوى إذا اقترن بها ما يقوّيها.
وأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها- فلما اقترن بها من الضعف ستة أحوال تنافى أحوال القوّة، فينقل الإرهاب بها من جنبة المدّعى عليه الى جنبة المدّعى.
فالحال الأولى- أن يقابل الدعوى بكتاب شهوده حضور معدّلون يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى، وذلك من أربعة أوجه. أحدها: أن يشهدوا على المدّعى ببيع ما ادّعاه. والثانى: أن يشهدوا على إقرار الذى انتقل الملك عنه للمدّعى قبل إقراره له [٢] . والثالث: أن يشهدوا على المدّعى [٣] أنه لا حقّ له فيما ادّعاه. والرابع: أن يشهدوا للمدّعى عليه بأنه مالك لما ادّعاه عليه. فتبطل دعواه بهذه الشهادة، ويؤدّبه متولّى المظالم بحسب حاله. فإن ذكر أنّ الشهادة عليه بابتياع كانت على سبيل الرهن؛ فهذا قد يفعله الناس أحيانا ويسمّونه بينهم بيع الأمانة [٤] ؛ ويقتضى ذلك الإرهاب
стр. 2177
فى الجهتين. ويرجع الى الكشف من الجيرة؛ فإن ظهر له ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل بمقتضاه، وإن لم يتبيّن وأبهم الأمر أمضى الحكم بما شهد به شهود الابتياع. فإن سأل [١] إحلاف المدّعى عليه أن ابتياعه كان حقّا ولم يكن على سبيل الرهن، فقد اختلف الفقهاء فى جواز إحلافه: فمنهم من أجازه ومنهم من منعه.
ولوالى المظالم أن يعمل من القولين بما تقتضيه شواهد الحال. وكذلك لو كانت الدعوى بدين فى الذمّة فأظهر المدّعى [عليه [٢]] كتاب براءة [منه، فذكر المدّعى أنه أشهد على نفسه [٣]] قبل القبض ولم يقبض، كان إحلاف المدّعى عليه على ما تقدّم ذكره.
والحال الثانية- أن يكون شهود الكتاب عدولا غيّبا، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتضمّن إنكاره اعترافا بالسبب كقوله: لا حقّ له فى هذا الملك، لأنى ابتعته منه ودفعت اليه الثمن، وهذا كتاب عهدتى بالإشهاد عليه. فيصير المدّعى عليه مدّعيا. وله [زيادة [٤]] يد وتصرّف، فتكون الأمارة أقوى وشاهد الحال أظهر، [فإن لم يثبت بها الملك [٥]] فيرهبهما والى المظالم بحسب ما تقتضيه شواهد أحوالهما. ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن، ويضرب لحضورهم أجلا يردّهما فيه إلى الوساطة، فإن أفضت الى صلح عن تراض، استقرّ به الحكم وعدل عن سماع الشهادة إن حضرت.
وإن لم ينبرم بينهما الصلح، أمعن فى الكشف من جيرانهما وجيران الملك. وكان لمتولّى نظر المظالم رأيه، فى زمن الكشف، فى خصلة من ثلاث، على ما يؤدّى اليه اجتهاده بحسب الأمارات وشواهد الأحوال: إمّا أن يرى انتزاع الضّيعة من يد المدّعى عليه ويسلّمها الى المدّعى الى أن تقوم البيّنة عليه بالبيع؛ وإما أن يسلّمها الى أمين تكون فى يده ويحفظ استغلالها على مستحقّه؛ وإما أن يقرّها فى يد المدّعى عليه
стр. 2178
ويحجر عليه فيها وينصب أمينا لحفظ استغلالها. فإن وقع الإياس من حضور الشهود وظهور الحقّ بالكشف، فصل الحكم بينهما على ما تقتضيه أحكام القضاء.
فلو سأل المدّعى عليه إحلاف المدّعى، أحلفه له، وكان ذلك بتّا للحكم بينهما.
والضرب الثانى: أن [لا [١]] يتضمّن إنكاره اعترافا بالسبب ويقول: هذا الملك أو الضيعة لا حق له فيها. وتكون شهادة الكتاب على المدّعى على أحد وجهين:
إما على إقراره أنه لا حق له فيها، وإما على إقراره أنها ملك للمدّعى عليه؛ فالضّيعة مقرّة فى يد المدّعى عليه لا يجوز انتزاعها منه. فأمّا الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها مدّة الكشف والوساطة فمعتبر بشواهد الحال واجتهاد والى المظالم فيما يراه بينهما، الى أن يثبت الحقّ لأحدهما.
والحال الثالثة- أنّ شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضور غير معدّلين، فيراعى والى المظالم فيهم ما قدّمناه فى جنبة المدّعى من أحوالهم الثلاث، ويراعى حال إنكاره هل تضمّن اعترافا بالسبب أم لا؛ فيعمل [والى المظالم فى ذلك [٢] ب] ما قدّمناه، تعويلا على اجتهاد رأيه فى شواهد الأحوال.
والحال الرابعة- أن يكون شهود الكتاب موتى معدّلين، فليس يتعلّق به حكم إلا فى الإرهاب المجرّد، ثم يعمل فى بتّ الحكم على ما تضمّنه الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا.
والحال الخامسة- أن يقابل المدّعى عليه بخط المدّعى بما يوجب [٣] إكذابه فى الدعوى، فيعمل فيه بما قدّمناه فى ذلك. وكذلك أيضا فى الحال السادسة من إظهار الحساب، فالعمل فيه على ما قدّمناه.
стр. 2179
وأما إن تجرّدت الدعوى من أسباب القوّة والضعف، فلم يقترن بها ما يقوّيها ولا ما يضعفها، فنظر والى المظالم فى ذلك أن يراعى أحوال المتنازعين فى غلبة الظن. ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال. أحدها: أن تكون غلبته فى جنبة المدّعى.
والثانى: أن تكون فى جنبة المدّعى عليه. والثالث: أن يعتدلا فيه. فإن كانت غلبة الظن فى جنبة المدّعى وكانت الرّيبة متوجّهة الى المدّعى عليه، فقد تكون من ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون المدّعى مع خلوّه من حجّة مضعوف اليد مستلان الجانب والمدّعى عليه ذا بأس وقدرة. فاذا ادّعى عليه غصب ملك أو ضيعة، غلب فى الظنّ أنّ مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوّز فى دعواه على من كان ذا بأس وسطوة. والثانى:
أن يكون ممن اشتهر بالصدق والأمانة والمدّعى عليه ممن اشتهر بالكذب والخيانة، فيغلب [فى الظن [١]] صدق المدّعى فى دعواه. والثالث: أن تتساوى أحوالهما، غير أنه عرف للمدّعى يد متقدّمة وليس يعرف لدخول يد المدّعى عليه سبب، فالذى يقتضيه نظر المظالم فى هذه الأحوال شيئان. أحدهما: إرهاب المدّعى عليه لتوجّه الريبة. والثانى: سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه.
وأما إن كانت غلبة الظنّ فى جنبة المدّعى عليه بانعكاس ما قدّمناه وانتقاله من جانب المدّعى الى المدّعى عليه، فمذهب مالك- ﵀ أنه إن كانت دعواه فى مثل هذه الحال لعين قائمة، لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها، وإن كانت فى مال فى الذمة، لم يسمعها إلا أن تقوم البيّنة للمدّعى أنه كان بينه وبين المدّعى عليه معاملة. والشافعىّ وأبو حنيفة- رحمهما الله- لا يريان ذلك [٢] . ونظر المظالم
стр. 2180
موضوع على فعل الجائز دون الواجب، فيسوغ فيه مثل هذا عند ظهور الريبة.
فان وقف الأمر على التحالف فهو غاية الحكم الباتّ الذى لا يجوز دفع طالب عنه فى نظر القضاء ولا نظر المظالم. فإن فرّق المدّعى دعاويه وأراد أن يحلف المدّعى عليه فى كل مجلس على بعضها قصدا لإعناته وبذلته، فالذى يوجبه حكم القضاء ألّا يمنع من تبعيض الدعاوى وتفريق الأيمان، والذى ينتجه نظر المظالم أن يؤمر المدّعى بجمع دعاويه عند ظهور الإعنات منه وإحلاف الخصم على جميعها يمينا واحدة.
فأمّا اذا اعتدلت حالة المتنازعين وتقابلت شبهة [١] المتشاجرين ولم يترجح أحدهما بأمارة ولا ظنّة، فينبغى أن يساوى بينهما فى العظة؛ وهذا مما يتّفق عليه القضاة وولاة المظالم. ثم يختصّ ولاة المظالم، بعد العظة، بالإرهاب لهما معا لتساويهما، ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال الملك. فإن ظهر بالكشف ما يعرف به المحقّ منهما من المبطل عمل بمقتضاه، وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به تنازعهما ردّهما الى وساطة من وجوه الجيران وأكابر العشائر؛ فان تحرّر [٢] ما بينهما، وإلا كان فصل القضاء بينهما هو خاتمة أمرهما.
وربما ترافع [٣] الى ولاة المظالم فى غوامض الأحكام ومشكلات الخصام ما يرشده اليه الجلساء ويفتحه [٤] عليه العلماء، فلا ينكر عليهم الابتداء به؛ ولا بأس بردّ الحكم فيه الى من يعلمه منهم.
стр. 2181
فقد حكى أنّ امرأة أتت عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجى يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله؛ فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك! فجعلت تكرّر عليه القول، وهو يكرّر عليها الجواب؛ فقال له كعب بن سور الأزدىّ [١] : يا أمير المؤمنين، هذه امرأة تشكو زوجها فى مباعدته إياها عن فراشه؛ فقال له عمر رضى الله عنه: كما فهمت كلامها فاقض بينهما؛ فقال كعب: علىّ بزوجها، فأتى به؛ فقال له: امرأتك هذه تشكوك؛ فقال الزوج:
أفى طعام أو شراب؟ قال كعب: لا فى واحد منهما؛ فقالت المرأة:
يأيّها القاضى الحكيم أرشده ... ألهى حليلى عن فراشى مسجده
زهّده فى مضجعى تعبّده ... نهاره وليله ما يرقده
فلست من أمر النّساء أحمده ... فاقض القضا يا كعب لا تردّده
فقال الزوج:
زهّدنى فى قربها وفى الحجل ... أنّى امرؤ أذهلنى ما قد نزل
فى سورة النّحل وفى السّبع الطّول ... وفى كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إنّ لها حقّا عليك يا رجل ... نصيبها فى أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
ثم قال: إنّ الله قد أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيّام ولياليهنّ تعبد فيهن ربّك، ولها يوم وليلة. فقال عمر رضى الله عنه
стр. 2182
لكعب: ما أدرى من أى أمريك أعجب! أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما! [اذهب [١]] فقد ولّيتك القضاء بالبصرة. وهذا القضاء من كعب والإمضاء من عمر إنما كان حكما بالجائز دون الواجب؛ لأن الزوج لا يلزمه أن يقسم للزوجة الواحدة ولا يجيبها الى الفراش اذا أصابها دفعة واحدة. فدلّ هذا على أن لوالى المظالم أن يحكم بالجائز دون الواجب.
ذكر توقيعات متولى المظالم وما يترتّب عليها من الأحكام
قال الماوردىّ: اذا وقّع ناظر المظالم فى قصص المتظلّمين اليه بالنظر بينهم، لم يخل حال الموقّع اليه من أحد أمرين: إما أن يكون واليا على ما وقّع به اليه أو غير وال عليه. فان كان واليا عليه، كتوقيعه الى القاضى بالنظر بينهما، فلا يخلو حال ما تضمّنه التوقيع من أحد أمرين: إمّا أن يكون إذنا بالحكم، أو إذنا بالكشف والوساطة. فإن كان إذنا بالحكم، جاز له الحكم بينهما بأصل الولاية، ويكون التوقيع تأكيدا لا يؤثّر فيه قصور معانيه. وإن كان إذنا بالكشف للصّورة أو التوسّط بين الخصمين [فإن كان فى التوقيع بذلك نهيه عن الحكم فيه لم يكن له أن يحكم بينهما [٢]] وكان هذا النهى عزلا عن الحكم بينهما، وكان على عموم ولايته فيمن عداهما [٣] . وإن لم ينهه فى التوقيع عن الحكم بينهما غير أنّه أمره بالكشف، فقد قيل: يكون نظره [٤] على عمومه فى جواز حكمه بينهما؛ لأن أمره ببعض ما اليه لا يكون منعا من غيره؛
стр. 2183
وقيل بل يكون ممنوعا من الحكم بينهما مقصورا على ما تضمّنه التوقيع من الكشف والوساطة؛ لأنّ فحوى التّوقيع دليل عليه. ثم ينظر، فإن كان التوقيع بالوساطة، لم يلزمه إنهاء الحال اليه بعد الوساطة، وإن كان بكشف الصورة، لزمه إنهاء حالها اليه؛ لأنه استخبار منه فيلزمه إجابته عنه. فهذا حكم توقيعه الى من اليه الولاية.
وأما إن وقع الى من لا ولاية له، كتوقيعه الى فقيه أو شاهد، فلا يخلو حال توقيعه من ثلاثة أحوال: أحدها أن [يكون بكشف الصورة، والثانى أن يكون بالوساطة، والثالث أن يكون بالحكم. فإن كان التوقيع [١]] بكشف الصورة، فعليه أن يكشفها وينهى منها ما يصحّ أن يشهد به، ليجوز لناظر المظالم الحكم به. فإن أنهى ما يجوز أن يشهد به، كان خبرا لا يجوز أن يحكم به، ولكن يجعله ناظر المظالم من الأمارات التى يغلّب بها [حال [٢]] أحد الخصمين فى الإرهاب وفضل الكشف.
فإن كان التوقيع بالوساطة، توسّط بينهما. فإن أفضت الوساطة الى صلح الخصمين لم يلزمه إنهاؤها، وكان شاهدا فيها، متى استدعى للشهادة أدّاها. وإن لم تفص الوساطة الى صلحهما، كان شاهدا عليهما فيما اعترفا به عنده، يؤدّيه الى الناظر فى المظالم اذا طلب للشّهادة.
وإن كان التوقيع بالحكم بينهما، فهذه ولاية يراعى فيها معانى التوقيع، ليكون نظره محمولا على موجبه. واذا كان كذلك فللتوقيع حالتان:
إحداهما- أن يحال فيه الى إجابة الخصم الى ملتمسه، فيعتبر حينئذ فيه ما سأل الخصم فى قصّته ويصير النظر مقصورا عليه، فان سأل الوساطة أو كشف الصورة، كان التوقيع [موجبا له، وكان النظر مقصورا عليه. وسواء خرج التوقيع [٣]]
стр. 2184
مخرج الأمر كقوله: «أجبه الى ملتمسه» ، أو خرج مخرج الحكاية كقوله: «رأيك فى إجابته الى ملتمسه موفّقا» ؛ لأنه لا يقتضى ولاية يلزم حكمها، فكان [١] أمرها أخف.
وإن سأل المتظلّم فى قصته الحكم بينهما، فلا بدّ أن يكون الخصم فى القصّة مسمّى والخصومة مذكورة، لتصحّ الولاية عليها. فإن لم يسمّ الخصم ولم تذكر الخصومة، لم تصح [الولاية [٢]] ، لأنها ليست ولاية عامّة فيحمل على عمومها [٣] ، ولا خاصة للجهل بها. وإن سمّى رافع القصّة خصمه وذكر خصومته، نظر فى التوقيع بإجابته الى ملتمسه: فإن خرج مخرج الأمر فوقّع «أجبه الى ملتمسه واعمل بما التمسه» صحّت ولايته فى الحكم بينهما، وإن خرج مخرج الحكاية للحال فوقّع «رأيك فى إجابته الى ملتمسه موفّقا» ، فهذا التوقيع خارج فى الأعمال السّلطانية مخرج الأمر، والعرف باستعماله فيها معتاد. وأمّا فى الأحكام الدينيّة، فقد جوّزته طائفة من الفقهاء اعتبارا بالعرف، ومنعت طائفة أخرى من جوازه وانعقاد الولاية به حتى يقترن به أمر تنعقد ولايته به [٤] ، اعتبارا بمعانى الألفاظ. فلو كان رافع القصّة سأل التوقيع بالحكم بينهما فوقّع بإجابته الى ملتمسه، فمن يعتبر العرف المعتاد، صحّت الولاية [عنده [٥]] بهذا التوقيع، ومن اعتبر معانى الألفاظ لم تصحّ [عنده [٦]] به.
والحالة الثانية من التوقيعات- ألّا [٧] يقتصر فيه على إجابة الخصم الى ما سأل، ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه، فيصير ما تضمنه التوقيع هو المعتبر فى الولاية.
стр. 2185
وإذا كان كذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كمال، وحال جواز، وحال يخرج عن الأمرين.
فأما الحال التى يكون التوقيع فيها كاملا فى صحة الولاية، فهو أن يتضمّن شيئين:
أحدهما الأمر بالنظر، والثانى الأمر بالحكم، فيذكر فيه: «انظر بين رافع هذه القصّة وبين خصمه، واحكم بينهما بالحقّ وموجب الشرع» . [فاذا كانت كذلك [١]] جاز، لأن الحكم لا يكون إلا بالحقّ الذى يوجبه حكم الشرع. وإنما يذكر ذلك فى التوقيعات وصفا لا شرطا. فإن كان التوقيع جامعا لهذين الأمرين من النظر والحكم، فهو النظر الكامل، ويصحّ به التقليد والولاية.
وأمّا الحال التى يكون بها التوقيع جائزا مع قصوره عن حال الكمال، فهو أن يتضمّن الأمر بالحكم دون النّظر، فيذكر فى توقيعه: «احكم بين رافع هذه [القصّة [٢]] وبين خصمه» ، أو يقول: «اقض بينهما» ، فتصحّ الولاية بذلك؛ لأن الحكم بينهما لا يكون الا بعد تقدّم النّظر، فصار الأمر به متضمّنا للنظر، لأنه لا يخلو منه.
وأمّا الحال التى يكون التوقيع بها خاليا من كمال وجواز، فهو أن يذكر فيه: «انظر بينهما» ؛ فلا تنعقد بهذا التوقيع ولاية، لأن النظر بينهما قد يحتمل الوساطة الجائزة ويحتمل الحكم اللازم؛ وهما فى الاحتمال سواء، فلم تنعقد به مع الاحتمال ولاية. فإن ذكر فيه: «انظر بينهما بالحق» فقد قيل: إنّ الولاية به منعقدة، لأنّ الحق مالزم؛ وقيل لا تنعقد به، لأن الصلح والوساطة حقّ وإن لم يلزم.
فهذه نبذة كافية فيما يتعلّق بنظر المظالم. وقد يقع لهم من الوقائع والمخاصمات والقرائن ما لم نذكره، فيجرى الحال فيها بحسب الوقائع والقرائن؛ وانما هذه أصول سياسية وقواعد فقهيّة فيحمل الأمر من أشباهها على منوالها، ويحذى فى أمثالها على مثالها. والله الموفّق.
стр. 2186
الباب الثالث عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى نظر الحسبة وأحكامها
قال أبو الحسن الماوردىّ- ﵀: والحسبة هى أمر بالمعروف اذا ظهر تركه، ونهى عن المنكر اذا ظهر فعله. قال الله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
[شروط ناظر الحسبة]
ومن شروط ناظر الحسبة أن يكون حرّا، عدلا، ذا رأى وصرامة وخشونة فى الدّين، وعلم [١] بالمنكرات الظاهرة. واختلف الفقهاء [من [٢]] أصحاب الشافعىّ:
هل يجوز له أن يحمل الناس، فيما ينكره من الأمور التى اختلف الفقهاء فيها، على رأيه واجتهاده، أم لا، على وجهين:
أحدهما- وهو قول أبى سعيد الإصطخرىّ- أنّ له أن يحمل ذلك [٣] على رايه واجتهاده؛ فعلى هذا يجب أن يكون المحتسب عالما من أهل الاجتهاد فى أحكام الدين، ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.
والوجه الثانى- أنه ليس له أن يحمل الناس على رأيه ولا يقودهم الى مذهبه، لتسويغ [٤] اجتهاد الكافّة فيما اختلف فيه. فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد اذا كان عارفا بالمنكرات المتّفق عليها.
стр. 2187
ذكر الفرق بين المحتسب والمتطوّع
قال: والفرق بين المحتسب والمتطوّع من تسعة أوجه:
أحدها- أنّ فرضه متعيّن على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل فى فرض الكفاية.
والثانى- أنّ قيام المحتسب به من حقوق تصرّفه الذى لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره؛ وقيام المتطوّع به من نوافل عمله الذى يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.
والثالث- أنه منسوب الى الاستعداء اليه فيما يجب إنكاره؛ وليس المتطوّع منسوبا الى الاستعداء.
والرابع- أنّ على المحتسب إجابة من استعداه؛ وليس على المتطوّع إجابته.
والخامس- أنّ عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل الى إنكارها، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته؛ وليس على المتطوّع بحث ولا فحص.
والسادس- أنّ له أنّ يتّخذ على الإنكار أعوانا، لأنه عمل هو له منصوب، واليه مندوب، ليكون له أقهر، وعليه أقدر؛ وليس للمتطوّع أن يندب لذلك عونا.
والسابع- أنّ له أن يعزّر فى المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز بها الحدود؛ وليس للمتطوّع أن يعزّر عليها.
والثامن- أنّ له أن يرزق على حسبته من بيت المال؛ ولا يجوز للمتطوّع أن يرزق على إنكار منكر.
стр. 2188
والتاسع- أنّ له اجتهاد رأيه فيما تعلّق بالعرف دون الشّرع، كالمقاعد فى الأسواق وإخراج الأجنحة، فيقرّ وينكر من ذلك ما أدّاه اليه اجتهاده؛ وليس هذا للمتطوّع.
فهذا هو الفرق بين متولّى الحسبة وبين المتطوّعة، وإن اتّفقا على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ذكر أوضاع الحسبة وموافقتها للقضاء وقصورها عنه وزيادتها عليه، وموافقتها لنظر المظالم وقصورها عنه
قال: واعلم أنّ الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم. فأمّا ما بينها وبين القضاء، فهى موافقة للقضاء من وجهين، ومقصّرة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين.
أما الوجهان فى موافقتها أحكام القضاء- فأحدهما جواز الاستعداء اليه. وسماعه دعوى المستعدى على المستعدى عليه [١] من حقوق الآدميين، وليس فى عموم الدعاوى. وإنما يختصّ بثلاثة أنواع من الدعوى:
أحدها: أن يكون فيما تعلّق ببخس وتطفيف فى كيل أو وزن.
والثانى: فيما تعلّق بغشّ أو تدليس فى مبيع أو ثمن.
والثالث: فيما تعلّق بمطل وتأخير لدين مستحقّ مع المكنة. وإنما جاز نظره فى هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها، لتعلّقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بيّن هو مندوب الى إقامته. وليس له أن يتجاوز ذلك الى الحكم الناجز والفصل الباتّ. فهذا أحد وجهى الموافقة.
стр. 2189
والوجه الثانى- أنّ له إلزام المدّعى عليه الخروج من الحقّ الذى عليه.
وليس هذا على العموم فى كل الحقوق، وإنما هو خاصّ فى الحقوق التى جاز له سماع الدعوى فيها اذا وجبت باعتراف وإقرار مع الإمكان واليسار، فيلزم المقرّ الموسر الخروج منها ودفعها الى مستحقّها، لأنّ فى تأخيره لها منكرا هو منصوب لإزالته.
وأما الوجهان فى قصورها عن أحكامه:
فأحدهما- قصورها عن سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى فى العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى ولا أن يتعرّض للحكم فيها لا فى كثير الحقوق ولا قليلها من درهم فما دونه، إلا أن يردّ ذلك اليه بنصّ صريح [يزيد على إطلاق الحسبة [١]] فيجوز له.
ويصير بهذه الزيادة جامعا بين القضاء والحسبة، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد. وإن اقتصر به على مطلق الحسبة، فالقضاة والحكّام أحقّ بالنظر فى قليل ذلك وكثيره.
والوجه الثانى- أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها. فأمّا ما تداخله جحد وإنكار، فلا يجوز له النظر فيها، لأن الحكم فيها يقف على سماع بيّنة وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بيّنة على إثبات حقّ، ولا أن يحلف يمينا على نفيه؛ والقضاة والحكّام لسماع البينات وإحلاف الخصوم أحقّ.
وأما الوجهان فى زيادتها على أحكام القضاء- فأحدهما: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرّض لتصفّح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم مستعد؛ وليس للقاضى أن يتعرّض لذلك إلا بعد حضور خصم
стр. 2190
يجوز له سماع الدعوى منه. فإن تعرّض القاضى لذلك فقد خرج عن منصب ولايته وصار متجوّزا فى قاعدة نظره.
والثانى- أنّ للناظر فى الحسبة من سلاطة السّلطنة واستطالة الحماة فيما تعلّق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأنّ الحسبة موضوعة على الرّهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسّلاطة والغلظة تجوّزا فيها ولا خرقا. والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخصّ، وخروجه عنهما الى السّلاطة تجوّز وخرق، لأنّ موضوع كلّ واحد من المنصبين مختلف، فالتجاوز فيه خروج عن حدّه.
وأمّا ما بين الحسبة والمظالم من موافقة ومخالفة
وأمّا ما بين الحسبة والمظالم- فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف. فأما الشّبه الجامع بينهما فمن وجهين:
أحدهما- أنّ موضوعهما على الرّهبة المختصّة بسلاطة السّلطنة وقوّة الصّرامة.
والثانى- جواز التعرّض فيهما لأسباب المصالح والتّطلّع الى إنكار العدوان الظّاهر.
وأمّا الفرق بينهما فمن وجهين:
أحدهما- أنّ النّظر فى المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر فى الحسبة موضوع لما رفّه عنه القضاة؛ ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالى المظالم أن يوقّع الى القضاة والمحتسبة، ولم يجز للقاضى أن يوقّع الى والى المظالم وجاز له أن يوقّع الى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقّع الى واحد منهما.
فهذا فرق.
والثانى- أنه يجوز لوالى المظالم أن يحكم، ولا يجوز ذلك للمحتسب.
وحيث قدّمنا هذه المقدّمة فى أوضاع الحسبة، فلنذكر ما تشتمل عليه ولايتها.
стр. 2191
ذكر ما تشتمل عليه ولاية نظر الحسبة وما يختص بها من الأحكام
ونظر الحسبة يشتمل على فصلين: أحدهما أمر بمعروف، والثانى نهى عن منكر. فأمّا الأمر بالمعروف فينقسم الى ثلاثة أقسام: أحدها ما تعلّق بحقوق الله . والثانى ما تعلّق بحقوق الآدمييّن. والثالث ما كان مشتركا بينهما، على ما سنوضح ذلك.
فأما المتعلق بحقوق الله تعالى فضربان:
أحدهما- ما يلزم الأمر به فى الجماعة دون الانفراد، كترك الجمعة فى وطن مسكون؛ فإن كانوا عددا قد اتّفق على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد، فواجب أن يأخذهم بإقامتها ويأمرهم بفعلها ويؤدّب على الإخلال بها. وإن كانوا عددا قد اختلف فى انعقاد الجمعة بهم، فله ولهم أربعة أحوال:
إحداها- أن يتّفق رأيه ورأى القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا الى أمره بها، ويكون فى تأديبهم على تركها ألين منه فى تأديبهم على ترك ما انعقد الإجماع عليه.
والحال الثانية- أن يتّفق رأيه ورأى القوم على أنّ الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها ولا بالنهى عنها لو أقيمت.
والحال الثالثة- أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها: فلا يأمر بإقامتها لأنه لا يراه، ولا ينهى عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم.
стр. 2192
والحال الرابعة- أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم، فهذا مما فى استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى، أم لا؟ فقد اختلف الفقهاء فى ذلك على وجهين:
أحدهما- وهو قول أبى سعيد الإصطخرىّ- أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بالمصلحة، لئلّا ينشأ الصغير على تركها فيظنّ أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه؛ فقد راعى زياد بن أبيه مثل هذا فى صلاة الناس فى جامعى البصرة والكوفة، فإنهم كانوا اذا صلّوا فى صحبه فرفعوا من السّجود مسحوا جباههم من التّراب، فأمر بإلقاء الحصى فى صحن المسجد، وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظنّ الصغير اذا نشأ أنّ مسح الجبهة من أثر السجود سنّة فى الصلاة.
والوجه الثانى- أنه لا يتعرّض لأمرهم بها، لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده [١] ، ولا أن يأخذهم فى الدين برأيه، مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنّهم يعتقدون أنّ نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة. فأمّا أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها.
وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعى فيها: هل هى مسنونة أو من فروض الكفاية. فإن قيل:
إنها مسنونة، كان الأمر بها ندبا؛ وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، كان الأمر بها حتما. فأمّا صلاة الجماعة فى المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات، فمن شعائر الإسلام وعلامات متعبّداته التى فرّق بها رسول الله ﷺ بين دار الإسلام ودار الشّرك. فإذا أجمع أهل محلّة أو بلد على تعطيل الجماعات فى مساجدهم وترك الأذان
стр. 2193
فى أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبا الى أمرهم بالأذان والجماعة فى الصلوات.
وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه، أو مستحبّ له يثاب على فعله. فأمّا من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة لصلاة، فلا اعتراض للمحتسب عليه اذا لم يجعله عادة وإلفا، لأنها من النّدب الذى يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفا وعادة، ويخاف تعدّى ذلك الى غيره فى الاقتداء به، فيراعى حكم المصلحة فى زجره عمّا استهان به من سنن عبادته. ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبرا بشواهد حاله، كالذى
روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن آمر أصحابى أن يجمعوا حطبا وآمر بالصلاة فيؤذّن لها وتقام ثم أخالف الى منازل قوم لا يحضرون الصلاة فأحرقّها عليهم»
. وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم، فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكّر بها ويؤمر بفعلها [١] . ويراعى جواب المأمور عنها، فإن قال: تركتها لنسيان، حثّه على فعلها بعد ذكره ولم يؤدّبه. وإن تركها لتوان أدّبه زجرا وأخذه بفعلها جبرا. ولا اعتراض على من أخّرها والوقت باق، لاختلاف الفقهاء فى فضل التأخير. ولكن لو اتّفق أهل بلد على تأخير صلاة الجماعات الى آخر وقتها والمحتسب يرى فضل تعجيلها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل أولا. فمن رأى أنه يأمرهم بذلك، راعى أنّ اعتياد تأخيرها وإطباق جميع الناس عليه مفض الى أن الصغير ينشأ وهو يعتقد أن هذا هو الوقت دون ما قبله؛ ولو عجّلها بعضهم ترك من أخّرها منهم وما يراه من التأخير.
стр. 2194
فأمّا الأذان والقنوت فى الصّلوات اذا خالف فيه رأى المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمر ولا نهى وإن كان يرى خلافه، اذا كان ما يفعل مسوّغا فى الاجتهاد. وكذلك الطهارة اذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه [١] رأى المحتسب: من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغيّر بالمذرورات الطاهرات، أو الاقتصار على مسح أقلّ الرأس، والعفو عن قدر الدرهم من النّجاسة، فلا اعتراض له فى شىء من ذلك بأمر ولا نهى. وفى اعتراضه عليهم فى الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء الى استباحته على كل الأحوال، وأنه ربما آل الى السكر من شربه.
ثم على نظائر هذا المثال تكون أوامره بالعرف فى حقوق الله تعالى.
وأما الأمر بالمعروف فى حقوق الآدميين فضربان: عام وخاص.
فأمّا العام- فكالبلد اذا تعطّل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوى الحاجات فكفّوا عن معونتهم، فإن كان فى بيت المال مال، لم يتوجّه عليهم فيه أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم ولا بمعونة بنى السبيل فى الاجتياز بهم؛ لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم؛ وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم. فأما اذا أعوز بيت المال، كان الأمر ببناء سورهم، وإصلاح شربهم، وعمارة مساجدهم وجوامعهم، ومراعاة بنى السبيل فيهم متوجّها الى كافّة ذوى المكنة منهم ولا يتعيّن أحدهم فى الأمر به. فإن شرع ذوو المكنة فى عمله ومراعاة بنى السبيل، وباشروا القيام به، سقط عن المحتسب حقّ الأمر به. ولا يلزمهم الاستئذان فى مراعاة بنى السبيل، ولا فى بناء ما كان مهدوما. ولكن لو أرادوا هدم ما يريدون بناءه من
стр. 2195
المسترمّ والمستهدم [١] ، لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستئذان ولىّ الأمر دون المحتسب، ليأذن لهم فى هدمه بعد تضمينهم القيام بعمارته. هذا فى السّور والجوامع.
وأمّا المساجد المختصرة فلا يستأذنون فيها. وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه. فأمّا اذا كفّ ذوو المكنة عن بناء ما استهدم، فإن كان المقام فى البلد ممكنا وكان الشّرب وإن فسد مقنعا، تاركهم وإيّاه. وإن تعذّر المقام فيه، لتعطّل شربه واندحاض سوره، نظر: فإن كان البلد ثغرا يضرّ بدار الإسلام تعطيله، لم يجز لولىّ الأمر أن يفسح فى الانتقال عنه، [وكان حكمه حكم النوازل اذا حدثت: فى قيام كافّة ذوى المكنة به [٢]] ، وكان تأثير المحتسب فى مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة فى عمله. وإن لم يكن البلد ثغرا مضرّا بدار الإسلام، كان أمره أيسر وحكمه أخفّ. ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا بعمارته، لأن السلطان أحقّ أن يقوم بعمارته. وإن أعوزه المال، فيقول لهم المحتسب:
ما دام عجز السلطان عنه أنتم مخيّرون بين الانتقال عنه أو التزام ما ينصرف فى مصالحه التى يمكن معها دوام استيطانه. فإن أجابوا الى التزام ذلك، كلّف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير إجبار، ويقول: ليخرج كلّ واحد منكم ما يسهل عليه وتطيب به نفسه، ومن أعوزه المال أعان بالعمل. حتى اذا اجتمعت كفاية المصلحة أو تعين [٣] اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة قدرا طاب به نفسا، شرع حينئذ فى عمل المصلحة وأخذ كلّ واحد من الجماعة بما التزم به. وإن عمّت هذه المصلحة،
стр. 2196
لم يكن للمحتسب أن يتقدّم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها، لئلا يصير بالتفرّد مفتاتا [عليه [١]] ، اذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته. فإن قلّت وشقّ استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضّرر لبعد استئذانه، جاز شروعه فيها من غير استئذان.
هذا أمر العامّ.
فأمّا الخاص- فكالحقوق اذا مطلت والديون اذا أخّرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة اذا استعداه أصحاب الحقوق. وليس له أن يحبس عليها، لأن الحبس حكم. وله أن يلازم عليها، لأنّ لصاحب الحقّ أن يلازم. وليس له الأخذ بنفقات الأقارب، لافتقار ذلك الى اجتهاد شرعىّ فيمن يجب له وعليه، الا أن يكون الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ بأدائها؛ وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار لا اعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم؛ ويجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقّة فيها.
فأمّا قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وآحادهم، ويجوز أن يأمر بها على العموم، حثّا على التعاون بالبرّ والتقوى. ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف فى حقوق الآدميين.
وأما الأمر بالمعروف- فيما كان مشتركا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من أكفائهن اذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد اذا فورقن. وله تأديب من خالف فى العدّة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء. ومن نفى ولدا قد ثبت فراش أمّه ولحوق نسبه، أخذه بأحكام الآباء جبرا
стр. 2197
وعزّره على النفى أدبا. ويأخذ السّادة بحقوق العبيد والإماء، وألّا يكلّفوا من الأعمال ما لا يطيقون. وكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها اذا قصّروا فيها، وألا يستعملوها فيما لا تطيق. ومن أخذ لقيطا فقصّر فى كفالته، أمره أن يقوم بحقوق التقاطه: من التزام كفالته أو تسليمه الى من يلتزمها ويقوم بها. وكذلك واجد الضّوالّ اذا قصّر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها الى من يقوم بها، ويكون ضامنا للضالّة بالتقصير ولا يكون به ضامنا للّقيط. واذا سلّم الضالّة الى غيره ضمنها، ولا يضمن اللقيط بالتسليم. ثم على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف فى الحقوق المشتركة.
وأما النهى عن المنكرات- فينقسم الى ثلاثة أقسام: أحدها ما كان من حقوق الله تعالى. والثانى ما كان من حقوق الآدميين. والثالث ما كان مشتركا بين الحقّين.
فأما النهى عنها فى حقوق الله تعالى- فعلى ثلاثة أقسام: أحدها ما تعلّق بالعبادات. والثانى ما تعلّق بالمحظورات. والثالث ما تعلّق بالمعاملات.
فأما المتعلق بالعبادات- فكالقاصد مخالفة هيئتها المشروعة، والمتعمّد تغيير أوصافها المسنونة، مثل من يقصد الجهر فى صلاة الإسرار والإسرار فى صلاة الجهر، أو يزيد فى الصلاة أو فى الأذان أذكارا غير مسنونة، فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها اذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع. وكذلك اذا أخلّ بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته، أنكره عليه اذا تحقّق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتّهم والظنون. وكذلك لو ظنّ برجل أنه يترك الغسل من الجنابة أو يترك الصلاة والصيام، لم يؤاخذه بالتّهم ولم يقابله بالإنكار. لكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذّر من عذاب الله تعالى على
стр. 2198
إسقاط حقوقه والإخلال بمفروضاته. فإن رآه يأكل فى شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله اذا التبست أحواله؛ فربما كان مريضا أو مسافرا. ويلزمه السؤال اذا ظهرت منه أمارات الرّيب. فإن ذكر من الأعذار ما تحتمله حاله، كفّ عن زجره وأمره بإخفاء أكله، لئلا يعرّض نفسه للتّهمة.
ولا يلزمه إحلافه عند الاسترابة بقوله، لأنه موكول الى أمانته. وإن لم يذكر عذرا، جاهر بالإنكار عليه وأدّبه أدب زجر. واذا علم عذره فى الأكل، أنكر عليه المجاهرة به، لتعريض نفسه للتّهمة ولئلا يقتدى به من ذوى الجهالة من لا يميّز حال عذره من غيره.
وأمّا الممتنع من إخراج زكاته، فإن كان من الأموال الظاهرة، فعامل الصّدقة بأخذها [١] منه جبرا أخصّ من المحتسب. وإن كان من الأموال الباطنة، فيحتمل أن يكون المحتسب أخصّ بالإنكار عليه من عامل الصدقة، لأنه لا اعتراض للعامل [٢] فى الأموال الباطنة؛ ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخصّ، لأنه لو دفعها اليه أجزأه. ويكون تأديبه معتبرا بشواهد حاله فى الامتناع من إخراج زكاته. وإن ذكر أنه يخرجها، سرّا وكل الى أمانته فيها. وإن رأى رجلا يتعرّض لمسألة الناس وطلب الصّدقة وعلم أنه غنىّ إما بمال أو عمل، أنكره عليه وأدّبه. ولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس، أعلمه تحريمها على المستغنى عنها، ولم ينكر عليه، لجواز أن يكون فى الباطن فقيرا. واذا تعرّض للمسألة ذو جلد وقوّة على العمل، زجره وأمره أن يتعرّض للاحتراف بعمله؛ فإن أقام على المسألة عزّره حتى يقلع عنها. واذا دعت
стр. 2199
الحال، عند إلحاح من حرّمت عليه [المسألة [١]] بمال أو عمل، أن ينفق على ذى المال جزءا من ماله، ويؤاجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته، لم يكن للمحتسب أن يفعل ذلك بنفسه؛ لأن هذا حكم، والحكّام به أحقّ، فيرفع أمره الى الحاكم ليتولّى ذلك أو يأذن فيه. واذا وجد فيمن يتصدّى للعلوم الشرعيّة من ليس من أهلها من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به فى سوء تأويل أو تحريف، أنكر عليه التّصدّى لما ليس [هو [٢]] من أهله، وأظهر أمره لئلا يغترّ به. وإن أشكل عليه أمره، لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار. وكذلك لو ابتدع بعض المنتسبين الى العلم قولا خرق به الإجماع وخالف النصّ وردّ قوله [٣] علماء عصره، أنكره عليه وزجره فإن أقلع وتاب، وإلّا فالسلطان بتهذيب الدّين أحقّ. وإذا تفرّد [٤] بعض المفسرين لكتاب الله بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل الى باطن بدعة بتكلّف له أغمض معانيه، أو انفرد بعض الرّواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها التأويل، كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه. وهذا إنما يصحّ منه إنكاره اذا تميّز عنده الصحيح من الفاسد والحقّ من الباطل. وذلك بأحد وجهين: إما أن يكون بقوّته فى العلم واجتهاده فيه، فلا يخفى ذلك عليه؛ وإمّا باتّفاق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه، فيستعدونه فيه، فيعوّل فى الإنكار على أقاويلهم، وفى المنع منه على اتّفاقهم.
وأمّا ما تعلّق بالمحظورات- فهو أن يمنع الناس من مواقف الرّيب ومظانّ لتّهم.
فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «دع ما يريبك الى
стр. 2200
ما لا يريبك»
. فيقدّم الإنكار، ولا يعجّل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقفة رجل مع امرأة فى طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الرّيب، لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد الناس بدّا من هذا. وإن كانت الوقفة فى طريق خال، فخلوّ المكان ريبة، فينكرها؛ ولا يعجّل فى التأديب عليهما حذرا من أن تكون ذات محرم.
وليقل: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الرّيب، وإن كانت أجنبيّة فخف الله تعالى من خلوة تؤدّيك الى معصية الله. وليكن زجره بحسب الأمارات. وليستخبر.
فقد حكى أنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه بينا هو يطوف بالبيت اذ رأى رجلا يطوف وعلى عنقه امرأة مثل المهاة حسناء جميلة، وهو يقول:
عدت لهذى جملا ذلولا ... موطّا أتّبع السّهولا
أعدلها بالكفّ أن تميلا ... أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجو بذاك نائلا جزيلا
فقال له عمر: يا عبد الله، من هذه التى وهبت لها حجّك؟ فقال: امرأتى يا أمير المؤمنين! وإنها حمقاء مرغامه، أكول قامّه، لا يبقى لها خامّه [١] ؛ فقال له:
مالك لا تطلّقها؟ فقال: إنها حسناء لا تفرك، وأمّ صبيان فلا تترك، قال: فشأنك بها. فلم يقدم عمر رضى الله عنه بالإنكار حتى استخبره، فلما انتفت عنه الرّيبة أقرّه على فعله.
واذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان من المسلمين، أراقها وأدّبه؛ وإن كان ذمّيّا أدّب على إظهارها، واختلف فى إراقتها عليه، فذهب أبو حنيفة الى
стр. 2201
أنها [لا [١]] تراق عليه، لأنها عنده من أموالهم المضمونة فى حقوقهم. وذهب الشافعىّ الى إراقتها عليهم، لأنها لا تضمن عنده فى حقّ المسلم ولا الكافر.
وأمّا المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبى حنيفة أنه من الأموال التى يقرّ المسلمون عليها، فمنع من إراقته [٢] ومن التأديب على إظهاره. وعند الشافعىّ أنه ليس بمال كالخمر وليس فى إراقته غرم. فيعتبر ناظر الحسبة شواهد الحال فيه فينهى فيه [٣] عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه، إلا أن يأمر بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد، لئلا يتوجّه عليه غرم إن حوكم فيه.
وأمّا السكران اذا تظاهر بسكره وسخف بهجره، ادّبه على السكر والهجر، تعزيرا لا حدّا، لقلة مراقبته وظهور سخفه.
وأما المجاهرة بإظهار الملاهى المحرّمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشبا لتخرج [٤] عن حكم الملاهى، ويؤدّب على المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهى.
وأمّا الّلعب فليس يقصد بها المعاصى، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير [تقارنه معصية، بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام؛ فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه [١]] ؛ وبحسب ما تقتضيه
стр. 2202
شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره. وقد كانت عائشة رضى الله عنها فى صغرها تلعب بالبنات بمشهد من رسول الله ﷺ فلم ينكره عليها.
وأمّا ما لم يظهر من المحظورات [١] ، فليس للمحتسب أن يبحث عنها ولا أن يهتك الأستار فيها؛
فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم حدّ الله عليه»
. فإن استتر أقوام لارتكاب محظور يخشى فواته مثل أن يخبره من يثق بصدقه أنّ رجلا خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزنى بها، فيجوز له فى مثل هذه الحال أن يتجسّس ويقدم على الكشف والبحث، حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات. وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوّعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. وأمّا ما هو دون هذه الرتبة، فلا يجوز التجسّس عليه ولا كشف الأستار عنه. وإن سمع أصوات ملاه منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم، أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليها بالدخول.
وأمّا ما تعلّق بالمعاملات المنكرة، كالرّبا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضى المتعاقدين به اذا كان متّفقا على حظره، فعلى والى الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه. وامره بالتأديب مختلف بحسب الأحوال وشدّة الحظر.
فأما ما اختلف الفقهاء فى حظره وإباحته، فلا مدخل له فى إنكاره، إلا أن يكون مما يضعف الخلاف فيه وكان ذريعة [الى محظور متّفق عليه- كربا النّقدين:
الخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة الى ربا النّساء المتّفق على تحريمه- فهل يدخل فى إنكاره، أم لا. وكذلك فى عقود الأنكحة ينكر منها ما اتّفق الفقهاء على حظرها،
стр. 2203
ولا يتعرّض لما اختلف فيه، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة الى محظور متفق عليه، كالمتعة فربما صارت ذريعة الى استباحة الزنا، ففى إنكاره لها وجهان.
ومما يتعلّق بالمعاملات غشّ المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه ويؤدّب عليه بحسب الحال فيه؛
فقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «ليس منّا من غشّ» وفى لفظ: «من غشّنا فليس منّا»
. فإن كان هذا الغشّ تدليسا على المشترى وهو مما يخفى عليه، فهو أغلظ الغشوش تحريما وأعظمها مأثما، والإنكار عليه أغلظ والتأديب أشدّ. وإن كان مما لا يخفى على المشترى، كان أخفّ مأثما وألين إنكارا.
وينظر فى المشترى: فإن كان اشتراه ليبيعه من [١] غيره، توجه الإنكار على البائع لغشّه، وعلى المشترى لابتياعه؛ لأنه قد يبيعه من لم [٢] يعلم بغشه؛ وإن كان المشترى اشتراه ليستعمله، خرج من جملة الإنكار، واختص الإنكار بالبائع وحده. وكذلك فى تدليس الأثمان.
ويمنع من تصرية [٣] المواشى وتحفيل ضروعها عند البيع، للنّهى عنه وأنه نوع من التدليس.
ومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف والبخس فى المكاييل والموازين والصّنجات [٤] ، لوعيد الله تعالى عليه بقوله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ
стр. 2204
يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
. وليكن الأدب عليه أظهر، والمعاقبة فيه أكثر. ويجوز له اذا استراب بموازين السّوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها [١] .
ولو كان على ما عايره منها طابع معروف بين العامّة لا يتعاملون إلا به، كان أحوط وأسلم. فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما طبع عليه طابعه، توجّه الإنكار عليهم إن كان مبخوسا، من وجهين: أحدهما مخالفته فى العدول عن مطبوعه؛ وإنكاره لذلك من الحقوق السلطانية. والثانى للبخس والتطفيف؛ وإنكاره من الحقوق الشرعية.
وإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليما من بخس ونقص، فإنكاره لمجرّد حق السلطنة للمخالفة. وإن زوّر قوم على طابعه، كالبهرج على طابع الدنانير والدراهم، فإن قرن التزوير بغشّ، كان التأديب مستحقّا من الوجهين، وهو أغلظ وأشدّ؛ وإن سلم من الغش كان الإنكار لحق السلطنة خاصّة.
واذا اتّسع البلد حتى احتاج أهله الى عدّة من الكيّالين والوزّانين والنّقّاد، تخيّرهم ناظر الحسبة، ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثّقات. وكانت أجورهم من بيت المال إن اتّسع لها، فإن ضاق عنها قدّرها لهم، حتى لا تجرى [بينهم فيها [٢]] استزادة أو نقصان، فيكون ذلك ذريعة الى الممايلة أو التّحيّف فى مكيل أو موزون. فإن ظهر من أحد ممن اختاره للكيل والوزن تحيّف فى تطفيف أو ممايلة فى زيادة، أدبّ وأخرج منهم ومنع من أن يتعرّض للوساطة بين الناس. وكذلك القول فى اختيار الدلّالين، يقرّ منهم الأمناء ويمنع الخونة.
واذا وقع فى تطفيف تخاصم، جاز أن ينظر المحتسب فيه إن لم يقترن به تجاحد وتناكر، فإن أفضى الى تجاحد وتناكر، كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة،
стр. 2205
لأنهم أحق بالأحكام، وكان التأديب فيه الى المحتسب. فإن ولّاه الحاكم جاز، لاتّصاله بحكمه.
ومما ينكره المحتسب فى العموم ولا ينكره فى الخصوص والآحاد، التّبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التى لا تعرف فيه وإن كانت معروفة فى غيره.
فإن تراضى بذلك اثنان، لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ويمنع من عموم التعامل بها، لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغرورا.
هذا ما يتعلّق بالنهى فى حقوق الله تعالى.
وأما النهى فى حقوق الآدميين المحضة- مثل أن يتعدّى رجل فى حد لجاره، أو حريم لداره، أو وضع أجذاع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار، لأنه حقّ يخصّه يصحّ منه العفو عنه والمطالبة به؛ فإن خاصمه فيه الى المحتسب، نظر فيه، ما لم يكن بينهما تنازع وتناكر، وأخذ المتعدّى بإزالة تعدّيه؛ وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال. فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحقّ. ولو أقرّ الجار جاره على تعدّيه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدّى فيه ثم عاد وطالب بذلك، كان ذلك له، وأخذ المتعدّى بعد العفو عنه بهدم ما بناه. وإن كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم رجع الجار فى إذنه، لم يؤخذ البانى بهدمه. وإن انتشرت أغصان شجرة الى دار جاره، كان للجار أن يستعدى المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة، ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها فى داره؛ ولا تأديب عليه لأن انتشارها ليس من فعله. ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الارض حتى دخلت فى قرار أرض الجار، لم يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرّف
стр. 2206
فى قرار أرضه وإن قطعها. واذا نصب المالك تنّورا فى داره فتأذّى الجار بدخانه، لم يعترض عليه ولم يمنع منه. وكذلك لو نصب فى داره رحى أو وضع فيها حدّادين أو قصّارين، لم يمنع منه. واذا تعدّى مستأجر على أجير فى نقصان أجره أو زيادة عمل، كفّه عن تعدّيه؛ وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله. ولو قصّر الأجير فى حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده فى الأجرة، منعه منه وأنكره عليه اذا تخاصما اليه؛ فإن اختلفا وتناكرا، كان الحاكم بالنظر بينهما أحقّ.
ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع فى الأسواق ثلاثة أصناف:
منهم من يراعى عمله فى الوفور والتقصير، ومنهم من يراعى حاله فى الأمانة والخيانة، ومنهم من يراعى عمله فى الجودة والرّداءة.
فأمّا من يراعى عمله فى الوفور والتقصير فكالطبّ والتعليم، لأن الطب إقدام على النفوس يفضى التقصير فيه الى تلف أو سقم. وللمعلمين من الطرائق التى ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيرا [١] ، فيقرّ منهم من توفّر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصّر وأساء من التّصدّى لما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب.
وأما من يراعى حاله فى الأمانة والخيانة، فمثل الصّاغة والحاكة والقصّارين والصبّاغين، لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرّهم ويبعد من ظهرت خيانته، ويشهر أمره، لئلا يغترّ به من لا يعرفه. وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بالنظر فى أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة؛ وهو الأشبه، لأن الخيانة تابعة للسّرقة.
стр. 2207
وأمّا من يراعى عمله فى الجودة والرداءة فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة. ولهم أن ينكروا عليهم فى العموم فساد العمل ورداءته وان لم يكن فيه مستعد؛ وأما فى عمل مخصوص اعتمد الصانع فيه الفساد والتدليس، فاذا استعداه الخصم، قابل عليه بالإنكار والزجر، وإن تعلّق بذلك غرم روعى حال الغرم، فإن افتقر الى تقدير أو تقويم، لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه، لافتقاره الى اجتهاد حكمىّ؛ وكان القاضى بالنظر فيه أحقّ. وإن لم يفتقر الى تقدير ولا تقويم واستحقّ فيه المثل الذى لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب.
ولا يجوز أن يسعّر على الناس الأقوات ولا غيرها فى رخص ولا غلاء؛ وأجازه مالك- ﵀ فى الأقوات مع الغلاء.
وأما النهى فى الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس. ولا يلزم من علىّ بناءه أن يستر سطحه، وإنما يلزمه ألّا يشرف على غيره. ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين. فإن ملكوا أبنية عالية أقرّوا عليها ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين وأهل الذمة.
ويأخذ أهل الذمة بما شرط فى ذمتهم [١] من لبس الغيار والمخالفة فى الهيئة وترك المجاهرة بقولهم فى عزير والمسيح. ويمنع عنهم من تعرّض لهم من المسلمين بسبّ أو أذى، ويؤدّب عليه من خالف فيه.
стр. 2208
وإذا كان فى أئمة المساجد السّابلة والجوامع الحافلة [١] من يطيل الصلاة حتى يعجز الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات، أنكر ذلك؛ فقد
قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين أطال الصلاة بقومه: «أفتّان أنت يا معاذ»
. فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها، لم يجز أن يؤدّبه عليها، ولكن يستبدل به من يخفّفها.
وإذا كان فى القضاة من يحجب الخصوم اذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم اذا تحاكموا اليه، حتى تقف الاحكام ويتضرّر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذه، مع ارتفاع الأعذار، بما ندب له من النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين، ولا يمنع علوّ رتبته من إنكار ما قصّر فيه.
واذا كان فى سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه، كان منعهم والانكار عليهم موقوفا على استعداء العبيد، فاذا استعدوه منع حينئذ وزجر.
وان كان فى أرباب المواشى من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه، أنكره المحتسب عليهم ومنعهم منه وإن لم يكن فيه مستعد اليه. فإن ادّعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه، جاز للمحتسب أن ينظر فيه، لأنه وإن افتقر الى اجتهاد فهو عرف يرجع فيه الى عرف الناس، وليس باجتهاد شرعىّ. وللمحتسب الاجتهاد فى العرف.
واذا استعداه العبد من امتناع سيّده من كسوته ونفقته، جاز له أن يأمره بهما [٢] ويأخذه بالتزامهما. ولو استعداه من تقصير سيّده فيهما، لم يكن له فى ذلك نظر ولا إلزام؛ [لأنه يحتاج فى التقدير الى اجتهاد شرعىّ، ولا يحتاج فى الزام [٣]] الأصل الى اجتهاد شرعىّ، لأن التقدير غير منصوص عليه [ولزومه منصوص عليه [٤]] .
стр. 2209
وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها.
وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح. واذا حمل فيها الرجال والنساء، حجز بينهم بحائل. واذا اتّسعت السفن، نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرّجن عند الحاجة.
واذا كان فى أهل الأسواق من يختصّ بمعاملة النساء، راعى المحتسب سيرته وأمانته، فإذا تحقّقها منه، أقرّه على معاملتهن. وإن ظهرت منه الرّيبة وبان عليه الفجور، منعه من معاملتهن، وأدّبه على التعرّض لهن. وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة، لأنه من توابع الزنا. وينظر والى الحسبة فى مقاعد الأسواق، فيقرّ منها ما لا ضرر على المارّة فيه، ويمنع ما استضرّوا به. ولا يقف منعه على الاستعداء اليه.
واذا بنى قوم فى طريق سابل، منع منه وإن اتّسع له الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنىّ مسجدا؛ لأن مرافق الطّرق للسلوك لا للأبنية. واذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية فى مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال، مكّنوا منه إن لم يستضرّ به المارّة، ومنعوا منه إن استضرّوا به. وكذلك القول فى إخراج الأجنحة والسوابيط [١] ومجارى المياه وآبار الحشوش [٢] ، يقرّ ما لم يضرّ، ويمنع ما ضرّ. ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضرّ وما لم يضر، لأنه من الاجتهاد العرفىّ [دون الشرعىّ. والفرق بين الاجتهادين أنّ الاجتهاد الشرعىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالعرف. ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من الاجتهاد [٣] فيه] .
стр. 2210
ولناظر الحسبة أن يمنع من ينقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا فى ملك أو مباح، إلا من أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنهم فيها بنقلهم منها.
واختلف فى جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى، فجوّزه الزّبيرىّ وأباه غيره. ويمنع من خصاء الآدميين وغيرهم. ويؤدّب عليه؛ وإن استحقّ فيه قود أو دية استوفاه لمستحقّه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع. ويمنع من خضاب الشّيب بالسواد إلا لمجاهد فى سبيل الله تعالى. ويؤدّب من يصبغ [١] به [للنساء] . ولا يمنع من الخضاب بالحنّاء والكتم [٢] . ويمنع من التكسّب بالكهانة، ويؤدّب عليه الآخذ والمعطى.
وهذا فصل يطول شرحه، لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفى. وفيما تقدّم منها كفاية؛ والأحوال تؤخذ بنظائرها وأشباهها، فلا نطوّل بسردها.
وفقنا الله وإياك لصالح العمل، وجنّبنا موارد الخطأ ومصادر الزلل؛ وأعان كلّ وال على ما ولّاه، وكلّ راع على ما استرعاه، بمنّه وكرمه ولطفه.