← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فى قرار أرضه وإن قطعها. واذا نصب المالك تنّورا فى داره فتأذّى الجار بدخانه، لم يعترض عليه ولم يمنع منه. وكذلك لو نصب فى داره رحى أو وضع فيها حدّادين أو قصّارين، لم يمنع منه. واذا تعدّى مستأجر على أجير فى نقصان أجره أو زيادة عمل، كفّه عن تعدّيه؛ وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله. ولو قصّر الأجير فى حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده فى الأجرة، منعه منه وأنكره عليه اذا تخاصما اليه؛ فإن اختلفا وتناكرا، كان الحاكم بالنظر بينهما أحقّ. ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع فى الأسواق ثلاثة أصناف: منهم من يراعى عمله فى الوفور والتقصير، ومنهم من يراعى حاله فى الأمانة والخيانة، ومنهم من يراعى عمله فى الجودة والرّداءة. فأمّا من يراعى عمله فى الوفور والتقصير فكالطبّ والتعليم، لأن الطب إقدام على النفوس يفضى التقصير فيه الى تلف أو سقم. وللمعلمين من الطرائق التى ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيرا [١] ، فيقرّ منهم من توفّر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصّر وأساء من التّصدّى لما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب. وأما من يراعى حاله فى الأمانة والخيانة، فمثل الصّاغة والحاكة والقصّارين والصبّاغين، لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرّهم ويبعد من ظهرت خيانته، ويشهر أمره، لئلا يغترّ به من لا يعرفه. وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بالنظر فى أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة؛ وهو الأشبه، لأن الخيانة تابعة للسّرقة.

стр. 2207

وأمّا من يراعى عمله فى الجودة والرداءة فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة. ولهم أن ينكروا عليهم فى العموم فساد العمل ورداءته وان لم يكن فيه مستعد؛ وأما فى عمل مخصوص اعتمد الصانع فيه الفساد والتدليس، فاذا استعداه الخصم، قابل عليه بالإنكار والزجر، وإن تعلّق بذلك غرم روعى حال الغرم، فإن افتقر الى تقدير أو تقويم، لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه، لافتقاره الى اجتهاد حكمىّ؛ وكان القاضى بالنظر فيه أحقّ. وإن لم يفتقر الى تقدير ولا تقويم واستحقّ فيه المثل الذى لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب. ولا يجوز أن يسعّر على الناس الأقوات ولا غيرها فى رخص ولا غلاء؛ وأجازه مالك- ﵀ فى الأقوات مع الغلاء. وأما النهى فى الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس. ولا يلزم من علىّ بناءه أن يستر سطحه، وإنما يلزمه ألّا يشرف على غيره. ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين. فإن ملكوا أبنية عالية أقرّوا عليها ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين وأهل الذمة. ويأخذ أهل الذمة بما شرط فى ذمتهم [١] من لبس الغيار والمخالفة فى الهيئة وترك المجاهرة بقولهم فى عزير والمسيح. ويمنع عنهم من تعرّض لهم من المسلمين بسبّ أو أذى، ويؤدّب عليه من خالف فيه.

стр. 2208

وإذا كان فى أئمة المساجد السّابلة والجوامع الحافلة [١] من يطيل الصلاة حتى يعجز الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات، أنكر ذلك؛ فقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين أطال الصلاة بقومه: «أفتّان أنت يا معاذ» . فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها، لم يجز أن يؤدّبه عليها، ولكن يستبدل به من يخفّفها. وإذا كان فى القضاة من يحجب الخصوم اذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم اذا تحاكموا اليه، حتى تقف الاحكام ويتضرّر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذه، مع ارتفاع الأعذار، بما ندب له من النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين، ولا يمنع علوّ رتبته من إنكار ما قصّر فيه. واذا كان فى سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه، كان منعهم والانكار عليهم موقوفا على استعداء العبيد، فاذا استعدوه منع حينئذ وزجر. وان كان فى أرباب المواشى من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه، أنكره المحتسب عليهم ومنعهم منه وإن لم يكن فيه مستعد اليه. فإن ادّعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه، جاز للمحتسب أن ينظر فيه، لأنه وإن افتقر الى اجتهاد فهو عرف يرجع فيه الى عرف الناس، وليس باجتهاد شرعىّ. وللمحتسب الاجتهاد فى العرف. واذا استعداه العبد من امتناع سيّده من كسوته ونفقته، جاز له أن يأمره بهما [٢] ويأخذه بالتزامهما. ولو استعداه من تقصير سيّده فيهما، لم يكن له فى ذلك نظر ولا إلزام؛ [لأنه يحتاج فى التقدير الى اجتهاد شرعىّ، ولا يحتاج فى الزام [٣]] الأصل الى اجتهاد شرعىّ، لأن التقدير غير منصوص عليه [ولزومه منصوص عليه [٤]] .

стр. 2209

وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها. وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح. واذا حمل فيها الرجال والنساء، حجز بينهم بحائل. واذا اتّسعت السفن، نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرّجن عند الحاجة. واذا كان فى أهل الأسواق من يختصّ بمعاملة النساء، راعى المحتسب سيرته وأمانته، فإذا تحقّقها منه، أقرّه على معاملتهن. وإن ظهرت منه الرّيبة وبان عليه الفجور، منعه من معاملتهن، وأدّبه على التعرّض لهن. وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة، لأنه من توابع الزنا. وينظر والى الحسبة فى مقاعد الأسواق، فيقرّ منها ما لا ضرر على المارّة فيه، ويمنع ما استضرّوا به. ولا يقف منعه على الاستعداء اليه. واذا بنى قوم فى طريق سابل، منع منه وإن اتّسع له الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنىّ مسجدا؛ لأن مرافق الطّرق للسلوك لا للأبنية. واذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية فى مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال، مكّنوا منه إن لم يستضرّ به المارّة، ومنعوا منه إن استضرّوا به. وكذلك القول فى إخراج الأجنحة والسوابيط [١] ومجارى المياه وآبار الحشوش [٢] ، يقرّ ما لم يضرّ، ويمنع ما ضرّ. ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضرّ وما لم يضر، لأنه من الاجتهاد العرفىّ [دون الشرعىّ. والفرق بين الاجتهادين أنّ الاجتهاد الشرعىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالعرف. ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من الاجتهاد [٣] فيه] .

стр. 2210

ولناظر الحسبة أن يمنع من ينقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا فى ملك أو مباح، إلا من أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنهم فيها بنقلهم منها. واختلف فى جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى، فجوّزه الزّبيرىّ وأباه غيره. ويمنع من خصاء الآدميين وغيرهم. ويؤدّب عليه؛ وإن استحقّ فيه قود أو دية استوفاه لمستحقّه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع. ويمنع من خضاب الشّيب بالسواد إلا لمجاهد فى سبيل الله تعالى. ويؤدّب من يصبغ [١] به [للنساء] . ولا يمنع من الخضاب بالحنّاء والكتم [٢] . ويمنع من التكسّب بالكهانة، ويؤدّب عليه الآخذ والمعطى. وهذا فصل يطول شرحه، لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفى. وفيما تقدّم منها كفاية؛ والأحوال تؤخذ بنظائرها وأشباهها، فلا نطوّل بسردها. وفقنا الله وإياك لصالح العمل، وجنّبنا موارد الخطأ ومصادر الزلل؛ وأعان كلّ وال على ما ولّاه، وكلّ راع على ما استرعاه، بمنّه وكرمه ولطفه.

стр. 2211

[مقدمة الجزء السابع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فقد تم بمعونة الله وحسن توفيقه تصحيح السفر السابع من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب. وقد بذلنا وسعنا، وغاية جهدنا، في سبيل إظهاره للقرّاء سليما من التحريف والتصحيف، اللذين ملئت بهما أصوله التي بين أيدينا، وهى نسخة واحدة، مأخوذة بالتصوير الشمسى محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٥٧٠ تاريخ- فلم ندع فيه- بحسب الطاقة- لفظا محرّفا إلا أصلحناه، ولا كلاما ناقصا غير متصل الأجزاء إلا رجعنا اليه فى مظانه وأكملناه ولا علما من الأعلام إلا عنينا بتحقيقه وضبطه، ولا لفظا غريبا إلا فسرناه، ولا عبارة غامضة المعنى إلا أوضحنا الغرض منها، ولا بيتا يستغلق فهمه على القارئ إلا شرحناه ونسبناه إلى قائله، ولا اسم مكان أو بلد إلا نقلنا باختصار ما كتبه العلماء عنه، ولا لفظا يلتبس على القارئ إلا ضبطناه بما يزيل التباسه. ومما هو جدير بالذكر والشكر هذه العناية الكبيرة التى كان يبذلها عن طيب نفس ذلك المدير الحازم، والمربى الفاضل، حضرة صاحب العزة الأستاذ محمد أسعد بك برادة مدير دار الكتب المصرية، فقد كان حفظه الله يختلف إلينا

стр. 2212

فى أكثر الأيام، ويبذل لنا من نصائحه الغالية وارشاداته القويمة ما يبعث فى نفوسنا الجدّ في العمل، والسعى فى إتقانه، ولا يفوتنا فى هذه الكلمة أن نشكر أيضا حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير السيد محمد على الببلاوى مراقب إحياء الآداب العربية بالدار لما كان يبذله لنا من الإعانة على عملنا بمعلوماته الثمينة عن البحوث ومراجعها، والكتب وأغراضها ومكان الفائدة منها، والله نسأل أن يجعل عملنا خالصا لوجهه إنه قريب مجيب. مصححه أحمد الزين.

стр. 2213

فهرس الجزء السابع من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى يتضمن ما يشتمل عليه من الأبواب والفصول ورسائل الكتاب وخطب البلغاء .... صفحة الباب الرابع عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى الكتابة وما تفرّع من أصناف الكتاب أصل الكتابة ١ وأما شرفها ١ وأما فوائدها ٢ ثم الكتابة بحسب من يحترفون بها على أقسام ٤ ذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والايجاز الخ ٤ فأما البلاغة ٤ وأما الفصاحة ٦ ذكر صفة البلاغة ٧ ومن أمثالهم فى البلاغة ٩ فصول من البلاغة ١٠ جمل من بلاغات العجم وحكمها ١١ صفة الكاتب وما ينبغى أن يأخذ به نفسه ١٢ وأما ما ينبغى للكاتب أن يأخذ به نفسه ١٣

стр. 2214

وأما ما قيل فى حسن الخط وجودة الكتابة ومدح الكتّاب والكتاب ١٤ ذكر شىء مما قيل فى آلات الكتابة ١٩ ذكر شىء مما قيل فى القلم ٢٠ ذكر ما يحتاج الكاتب الى معرفته من الأمور الكلية ٢٧ وأما الأمور الخاصة التى تزيد معرفتها قدره الخ ٣٥ فأما علوم المعانى والبيان والبديع ٣٥ وأما الحقيقة والمجاز ٣٧ وأما التشبيه ٣٨ وأما الاستعارة ٤٩ فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله ٥٢ فصل فى أقسام الاستعارة ٥٦ وأما الكناية ٥٩ وأما التعريض ٦٠ وأما التمثيل ٦٠ وأما الخبر وأحكامه ٦١ وأما التقديم والتأخير ٦٣ فصل فى مواضع التقديم والتأخير- أما التقديم ٦٩ وأما التأخير ٧٠ وأما الفصل والوصل ٧٠ وأما الحذف والاضمار ٧٥ فصل فى حذف المبتدا والخبر ٧٧ فصل- الإضمار على شريطة التفسير الخ ٧٩ وأما مباحث إن وإنما. أما إنّ ٨٠ وأما إنما ٨٣

стр. 2215

فصل- اذا دخل ما وإلا على الجملة المشتملة على المنصوب الخ ٨٤ وأما النظم ٨٧ وأما التجنيس- فمنه المستوفى التام ٩٠ ومنه المختلف ٩١ ومنه المذيّل ٩١ ومنه المركّب ٩٢ ومن أنواع المركب المرفق ٩٢ ومنه المزدوج ٩٣ ومن أجناس التجنيس المصحف ٩٣ ومنه المضارع ٩٤ ومنه المشوّش ٩٤ ومنه تجنيس الاشتقاق ٩٥ ومما يشبه المشتق ٩٥ ومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف ٩٦ ومنها التجنيس المخالف ٩٧ ومنها تجنيس المعنى ٩٧ وأما الطباق ٩٨ وأما المقابلة ١٠١ وأما السجع ١٠٣ وأما الترصيع ١٠٤ وأما المتوازى ١٠٤ وأما المطرّف ١٠٥ وأما المتوازن ١٠٥ فصل فى الفقر المسجوعة ومقاديرها ١٠٧

стр. 2216

وأما رد العجز على الصدر ١٠٩ وأما الإعنات ١١٣ وأما المذهب الكلاميّ ١١٤ وأما حسن التعليل ١١٥ وأما الالتفات ١١٦ وأما التمام ١١٨ وأما الاستطراد ١١٩ وأما تأكيد المدح بما يشبه الذم ١٢١ وأما تأكيد الذم بما يشبه المدح ١٢٢ وأما تجاهل العارف ١٢٣ وأما الهزل الذى يراد به الجدّ ١٢٤ وأما الكنايات ١٢٤ وأما المبالغة ١٢٤ وأما عتاب المرء نفسه ١٢٥ وأما حسن التضمين ١٢٦ وأما التلميح ١٢٧ وأما إرسال المثل ١٢٧ وأما ارسال مثلين ١٢٨ وأما الكلام الجامع ١٢٨ وأما اللف والنشر ١٢٩ وأما التفسير ١٢٩ وأما التعديد ١٣٠ وأما تنسيق الصفات ١٣١ وأما الإيهام ١٣١

стр. 2217

وأما حسن الابتداءات ١٣٣ وأما براعة التخليص ١٣٥ وأما براعة الطلب ١٣٥ وأما براعة المقطع ١٣٥ وأما السؤال والجواب ١٣٦ وأما صحة الأقسام ١٣٦ وأما التوشيح ١٣٧ وأما الإيغال ١٣٨ وأما الإشارة ١٤٠ وأما التذييل ١٤٠ وأما الترديد ١٤١ وأما التفويف ١٤١ وأما التسهيم ١٤٢ وأما الاستخدام ١٤٣ وأما العكس والتبديل ١٤٤ وأما الرجوع ١٤٤ وأما التغاير ١٤٥ وأما الطاعة والعصيان ١٤٦ وأما التسميط ١٤٧ وأما التشطير ١٤٧ وأما التطريز ١٤٨ وأما التوشيع ١٤٨ وأما الاغراق ١٤٩ وأما الغلوّ ١٤٩

стр. 2218

وأما القسم ١٥٠ وأما الاستدراك ١٥١ وأما المؤتلفة والمختلفة ١٥١ وأما التفريق المفرد ١٥٢ وأما الجمع مع التفريق ١٥٣ وأما التقسيم المفرد ١٥٣ وأما الجمع مع التقسيم ١٥٤ وأما التزاوج ١٥٤ وأما السلب والإيجاب ١٥٤ وأما الاطراد ١٥٥ وأما التجريد ١٥٦ وأما التكميل ١٥٧ وأما المناسبة ١٥٨ وأما التفريع ١٦٠ وأما نفى الشىء بإيجابه ١٦٣ وأما الإيداع ١٦٤ وأما الإدماج ١٦٤ وأما سلامة الاختراع ١٦٤ وأما حسن الاتباع ١٦٥ وأما الذم فى معرض المدح ١٦٦ وأما العنوان ١٦٦ وأما الإيضاح ١٦٩ وأما التشكيك ١٦٩ وأما القول بالموجب ١٧٠

стр. 2219

وأما القلب ١٧١ وأما التندير ١٧٢ وأما الإسجال بعد المغالطة ١٧٣ وأما الافتنان ١٧٣ وأما الإبهام ١٧٤ وأما حصر الجزئىّ والحاقة بالكلىّ ١٧٤ وأما المقارنة ١٧٥ وأما الإبداع ١٧٥ وأما الانفصال ١٧٧ وأما التصرف ١٧٧ وأما الاشتراك ١٧٨ وأما التهكم ١٧٩ وأما التدبيج ١٨٠ وأما الموجّه ١٨١ وأما تشابه الأطراف ١٨١ وأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة فالاقتباس الخ ١٨٢ وأما الاستشهاد بالآيات ١٨٣ وأما الحل ١٨٣ ذكر ما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسك به وما يجوز فى الكتابة وما لا يجوز ١٨٥ واذا كتب فى التهانى بالفتوح ١٩٣ وأما التقاليد والمناشير والتواقيع وما يتعلق بذلك ٢٠١ ذكر شىء من الرسائل المنسوبة الى الصحابة رضى الله عنهم والتابعين وشىء من كلام الصدر الأوّل وبلاغتهم- فمن ذلك الرسالة المنسوبة الى أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه إلى علىّ وما يتصل بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علىّ رضى الله عنهم ٢١٣

стр. 2220

ومن كلام عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها ٢٣٠ ذكر شرح غريب رسالتها رضى الله عنها ٢٣٢ ومن كلام على بن أبى طالب رضى الله عنه ٢٣٣ ومن كلام الأحنف بن قيس ٢٣٧ ومن كلام أم الخير بنت الحريش البارقية ٢٤١ خطبة الحجاج لما قدم البصرة ٢٤٤ خطبته بعد وقعة دير الجماجم ٢٤٥ ومن مكاتباته إلى المهلب بن أبى صفرة وأجوبة المهلب له ٢٤٦ ومن كلام قطرى بن الفجاءة- خطبته فى ذم الدنيا ٢٥٠ ومن كلام أبى مسلم الخراسانى ٢٥٣ ومن كلام جماعة من أمراء الدولتين- خطبة ليوسف بن عمر ٢٥٥ خطبة لخالد بن عبد الله القسرى ٢٥٥ خطبة لأبى بكر بن عبد الله لما ولى المدينة ٢٥٦ ذكر شىء من رسائل وفصول الكتاب والبلغاء المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين من المشارقة والمغاربة ٢٥٩ ذكر شىء من رسائل فضلاء المغاربة ووزرائهم وكتابهم- فمن ذلك رسالة ابن زيدون التى كتبها على لسان ولادة الى إنسان استمالها الى نفسه عنه ٢٧١ وقال أيضا فى رقعة خاطب بها ابن جهور ٢٩٠ ومن كلام أبى عبد الله محمد بن أبى الخصال ٣٠٣ ومن كلام الوزير الفقيه أبى القاسم محمد بن عبد الله بن الجد ٣٠٤ ومن كلام أبى عبد الله محمد بن الخياط ٣٠٦ ومن كلام أبى حفص عمر بن برد الأصغر الأندلسى ٣٠٦ ومن كلام أبى الوليد بن طريف ٣٠٨ ومن كلام ذى الوزارتين أبى المغيرة بن حزم ٣١٠ ومن كلام الوزير الكاتب أبى محمد بن عبد الغفور ٣١١

стр. 2221

الكتب والمصادر التى رجعنا اليها فى تصحيح هذا الجزء وقد رتبناها على حروف المعجم إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطىّ، أساس البلاغة للزمخشرى، الأمالى لأبى علىّ القالى، أقرب الموارد، أدب الكتاب للصولى، إرشاد السارى لشهاب الدين القسطلانى. البيان والتبيين للجاحظ. تحرير التحبير لابن أبى الإصبع، تاج العروس للسيد محمد مرتضى الزبيدى، تاريخ ابن جرير الطبرى، تاريخ أبى الفداء، تهذيب التهذيب فى أسماء الرجال للحافظ ابن حجر، تمام المتون فى شرح رسالة ابن زيدون للصفدى. الحماسة لأبى تمام، حسن التوسل إلى صناعة الترسل لشهاب الدين محمود الحلبي. خزانة الأدب لابن حجة الحموى، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال فى أسماء الرجال للخزرجى. دلائل الإعجاز للجرجانىّ، ديوان أبى تمام، ديوان أبى الطيب المتنبى، ديوان أبى نواس، ديوان لبيد بن ربيعة، ديوان البحترى، ديوان امرئ القيس، ديوان أبى فراس الحمدانى، ديوان حسان بن ثابت رضى الله عنه. الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة لابن بسام. رسائل بديع الزمان الهمذانى. زهر الآداب للحصرى. سرح العيون فى شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة.

стр. 2222

شذور العقود لابن الجوزى، شرح الباعونية، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد، شرح رسائل بديع الزمان الهمذانى، شروح تلخيص المفتاح، شرح ديوان أبى تمام للخطيب التبريزى، شرح شواهد المبانى. الشفاء للقاضى عياض، الشعر والشعراء لابن قتيبة، شرح ديوان امرئ القيس للبطليوسى. صبح الأعشى للقلقشندى، الصحاح للجوهرى، الصناعتين لأبى هلال العسكرى. العقد الفريد لابن عبد ربه، العمدة لابن رشيق القيروانى. فهرست ابن النديم. القاموس المحيط للفيروزبادى. لسان العرب لابن منظور. المفضليات للضبى، المعجب فى تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد بن على التميمى، المثل السائر لابن الأثير الجزرى، مجمع الأمثال للميدانى، المحاسن والأضداد للجاحظ، المشتبه فى أسماء الرجال للحافظ الذهبى، المصباح المنير للفيومى، معاهد التنصيص فى شرح شواهد التلخيص لعبد الرحيم العباسى، معجم الأدباء لياقوت، مختار الصحاح مغنى اللبيب لابن هشام، المقتضب من جمهرة النسب لياقوت، المضاف والمنسوب للثعالبى، محاضرة الأبرار لابن العربى، معلّقات العرب. نقد الشعر لقدامة بن جعفر، النهاية فى غريب الحديث لابن الأثير، نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى. وفيات الأعيان لابن خلكان، الوافى بالوفيات للصفدى. يتيمة الدهر للثعالبى.

стр. 2223

الجزء السابع من نهاية الأرب فى فنون الأدب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به] [تتمة القسم الخامس في الملك وما يشترط فيه و ... ] الباب الرابع عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى الكتابة وما تفرّع من أصناف الكتّاب ولنبدأ باشتقاق الكتابة ، ولم سمّيت الكتابة كتابة، ثم نذكر شرفها وفوائدها، ثم نذكر ما عدا ذلك من أخبار المحترفين بها، وما يحتاج كلّ منهم إليه، فنقول وبالله التوفيق والإعانة: أصل الكتابة مشتقّ من الكتب وهو الجمع، ومنه سمّى الكتاب كتابا، لأنه يجمع الحروف، وسمّيت الكتيبة كتيبة، لأنها تجمع الجيش، وقد ورد فى المعارف: أن حروف المعجم أنزلت على آدم ﵇ فى إحدى وعشرين صحيفة، وسنذكر من ذلك طرفا عند ذكرنا لأخبار آدم ﵇ فى فنّ التاريخ، فهذا اشتقاقها. وأما شرفها - فقد نص الكتاب العزيز عليه، فقال تعالى- وهو أوّل ما أنزل على رسول الله ﷺ من القرآن بغار حراء «١» فى شهر رمضان المعظّم-: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) «٢» وقال تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) وقال تعالى فى وصف الملائكة: (كِراماً كاتِبِينَ) ، الى غير ذلك من الآى.

стр. 2224

ومن شرف الكتابة نزول الكتب المتقدّمة مسطورة فى الصّحف كما ورد فى الصحف المنزلة على شيث وإدريس ونوح وابراهيم وموسى وداود وغيرهم صلّى الله عليهم كما أخبر به القرآن، قال الله تعالى: (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) وقال تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) ، وما ورد فى الأخبار الصحيحة والأحاديث الصريحة أنه مكتوب على العرش وعلى أبواب الجنة ما صورته: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكفى بذلك شرفا. وأمّا فوائدها: فمنها رسم المصحف الكريم الموجود بين الدّفّتين فى أيدى الناس، ولولا ذلك لاختلف فيه ودخل الغلط وتداخل الوهم قلوب الناس. ومنها رقم الأحاديث المرويّة عن النبي ﷺ التى عليها بنيت الأحكام، وتميّز الحلال من الحرام، وضبط كتب العلوم المنقولة عن أعلام الإسلام وتواريخ من انقرض من الأنام فيما سلف من الأيام. ومنها حفظ الحقوق، ومنع تمرّد ذوى العقوق ؛ بما يقع عليهم من الشّهادات ويسطّر عليهم من السجلّات التى أمر الله تعالى بضبطها بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) . ومنها المكاتبة بين الناس بحوائجهم من المسافات البعيدة ، إذ لا ينضبط مثل ذلك برسول «١» ، ولا تنال الحاجة «٢» به بمشافهة قاصد، ولو كان على ما عساه عليه يكون من البلاغة والحفظ لوجود المشقّة، وبعد الشقّة.

стр. 2225

ومنها ضبط أحوال الناس ، كمناشير الجند، وتواقيع العمّال، وإدرارات أرباب الصّلات فى سائر الأعمال، إلى ما يجرى هذا المجرى، فكان وجودها فى سائر الناس فضيلة، وعدمها نقيصة إلا فى رسول الله ﷺ ، فانها إحدى معجزاته لأنه ﷺ أمّىّ [أتى] «١» بما أعجز البلغاء، وأخرس الفصحاء، وفلّ حدّ المؤرّخين من غير مدارسة كتب ولا ممارسة تعليم، ولا مراجعة لمن عرف بذلك واشتهر به. والكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم يرقم بغيرها خلافا لسائر الكتب المنزّلة. وهذه الكتابة العربية أوّل «٢» من اخترعها على الوضع الكوفىّ سكّان مدينة الأنبار «٣» ، ثم نقل هذا القلم إلى مكة فعرف بها، وتعلّمه من تعلّمه، وكثر فى الناس وتداولوه، ولم تزل الكتابة به على تلك الصورة الكوفيّة إلى أيام الوزير أبى «٤» علىّ بن مقلة، فعرّبها تعريبا غير كاف، ونقلها نقلا غير شاف، فكانت كذلك إلى أن ظهر علىّ بن هلال الكاتب المعروف بابن «٥» البوّاب، فكمّل تعريبها، وأحسن تبويبها؛ وأبدع نظامها، وأكمل التئامها؛ وحلّاها بهجة وجمالا، وأولاها بل أولى بها منّة وإفضالا؛ وألبسها من رقم أنامله حللا، وجلاها للعيون فكان أوّل من أحسن فى ترصيعها وترصيفها عملا؛ ولا زال يتنوّع فى محاسنها، و «٦» يتنوّع فى ترصيع عقود

стр. 2226

ميامنها؛ حتى تقرّرت على أجمل قاعدة، وتحرّرت على أكمل فائدة؛ وسنزيد ما قدّمناه من هذه الفصول وضوحا وتبيانا، ونقيم على تفصيل مجملها وبسط مدمجها أدلّة وبرهانا. [ثم الكتابة «١» بحسب من] يحترفون بها على أقسام: وهى كتابة الإنشاء، وكتابة الديوان والتصرّف، وكتابة الحكم والشروط، وكتابة النّسخ، وكتابة التعليم؛ ومنهم من عدّ فى الكتابة كتابة الشرط «٢» ، ولم نرد ذكرها تنزيها لكتابنا عنها، ولا حكمة فى إيرادها. ولنبدأ بذكر كتابة الإنشاء وما يتعلّق بها. ذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والإيجاز والجمع فى المعنى الواحد بين الحقيقة والمجاز؛ والتلعب بالألفاظ والمعانى والتوصّل إلى بلوغ الأغراض والأمانى ولنبدأ من ذلك بوصف البلاغة وحدّها والفصاحة: فأما البلاغة - فهى أن يبلغ الرجل بعبارته كنه ما فى نفسه. ولا يسمّى البليغ بليغا إلا إذا جمع المعنى الكثير فى اللفظ القليل، وهو المسمّى إيجازا. وينقسم الإيجاز إلى قسمين: إيجاز حذف، وهو أن يحذف شىء من الكلام وتدلّ عليه القرينة، كقوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) والمراد أهل القرية وكقوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) والمراد ولكن البرّ برّ من اتقى، وكقوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) والمراد من قومه، وقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) والمراد لا يطيقونه؛ ونظائر هذا وأشباهه كثير.

стр. 2227

وإيجاز قصر، وهو تكثير المعنى وتقليل الالفاظ، كقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ مما جمع فيه شرائط الرسالة: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) وسمع أعرابىّ رجلا يتلوها فسجد وقال: سجدت لفصاحته، ذكره أبو عبيد. وقوله تعالى مما جمع فيه مكارم الأخلاق: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) وقوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فجمع فى ثلاث كلمات بين العنوان والكتاب والحاجة؛ وقوله تعالى: (قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) فجمع فى هذا على لسان النملة بين النداء والتنبيه والأمر والنهى «١» والتحذير والتخصيص والعموم والإشارة والإعذار؛ ونظير ذلك ما حكى عن الأصمعىّ أنه سمع جارية تتكلّم فقال لها: قاتلك الله، ما أفصحك! فقالت: أو يعدّ هذا فصاحة بعد قول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) فجمع فى آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبى ﷺ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) قال: والله إنّ له لحلاوة «٢» ، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق «٣» ، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر.

стр. 2228

وسمع آخر رجلا يقرأ: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) فقال: أشهد أنّ مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك من قناع المعنى، وهتك الحجاب عن الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائنا ما كان. وقيل لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون اللّفظ محيطا بمعناك كاشفا عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التّكلّف، بعيدا من سوء الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأمّل. وقال آخر: خير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقّيه، وموجزا ليخفّ على اللسان تعاهده. وقال أعرابىّ: البلاغة التقرّب من معنى البغية، والتّبعّد من وحشىّ الكلام وقرب المأخذ، وإيجاز فى صواب، وقصد إلى الحجة، وحسن الاستعارة. قال على رضى الله عنه: البلاغة الإفصاح عن حكمة مستغلقة «١» ، وإبانة علم مشكل. وقال الحسن بن على رضى الله عنهما: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف عورات الجهالات، بأحسن ما يمكن من العبارات. وأما الفصاحة - فهى مأخوذة من قولهم: أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرّغوة. وقالوا: لا يسمّى الفصيح فصيحا حتى تخلص لغته عن اللّكنة الأعجميّة ولا توجد الفصاحة إلا فى العرب. وعلماء العرب يزعمون أن الفصاحة فى الألفاظ، والبلاغة فى المعانى، ويستدلّون بقولهم: لفظ فصيح، ومعنى بليغ.

стр. 2229

ومن الناس من استعمل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد فى الألفاظ والمعانى والأكثرون عليه. ذكر صفة البلاغة قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار؛ قال السائل «١» : ليس هذا أريد؛ قال: فما بصّرك مواقع رشدك وعواقب غيّك؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: قال النبى ﷺ : «إنّا «٢» معشر النبيّين بكاء» - أى قليلوا الكلام، وهو جمع بكىء- وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: فكأنك تريد تخيّر اللفظ فى حسن إفهام؛ قال: نعم؛ قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله فى عقول المتكلمين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين المعانى فى قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة فى سرعة استجابتهم، ونفى الشّواغل عن قلوبهم بالمواعظ الناطقة عن الكتاب والسّنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب. وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: معرفة الوصل من الفصل. وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: ألّا يؤتى القائل من سوء فهم السامع، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل.

стр. 2230

وقيل للخليل بن أحمد: ما البلاغة؟ فقال: ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه. وقيل لبعض البلغاء: من البليغ؟ قال: الذى إذا قال أسرع، وإذا أسرع أبدع وإذا أبدع حرّك كلّ نفس بما أودع. وقالوا: لا يستحقّ الكلام اسم البلاغة حتى يكون معناه الى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك. وسأل معاوية صحارا «١» العبدىّ: ما هذه البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ وتصيب فلا تخطئ «٢» . وقال الفضل: قلت لأعرابىّ: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز فى غير عجز والإطناب فى غير خطل. وقال قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة وهو مطابقة اللفظ المعنى لا زائدا ولا ناقصا؛ والإشارة وهو أن يكون اللفظ كاللّمحة الدالّة؛ والدليل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه. قال بعض الشعراء: يكفى قليل كلامه وكثيره ... بيت إذا طال النّضال مصيب وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه صاحب العقد: البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدّلالة، وكل وجه منها له حظ من البلاغة والبيان، وموضع لا يجوز فيه غيره، وربّ إشارة أبلغ من لفظ.

стр. 2231

وقال رجل للعتّابىّ: ما البلاغة؟ قال: كلّ ما أبلغك حاجتك، وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ؛ قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع الكلام: إسمع منّى، وافهم عنّى، أو يمسح عثنونه «١» ، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته، أو يسعل من غير سعلة، أو ينبهر «٢» فى كلامه قال بعض الشعراء: ملىء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع ومن كلام أحمد بن اسماعيل الكاتب المعروف بنطاحة «٣» ، قال: البليغ من عرف السقيم من المعتلّ، والمقيّد من المطلق، والمشترك من المفرد، والمنصوص من المتأوّل، والإيماء من الإيحاء، والفصل من الوصل، والتلويح من التصريح. ومن أمثالهم فى البلاغة قولهم: يقلّ الحزّ «٤» ويطبّق المفصل. وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذى يقلّ الكلام ويصيب نصوص المعانى «٥» بالجزّار الرفيق الذى يقلّ حزّ اللحم ويصيب مفاصله؛ وقولهم: يضع الهناء مواضع النّقب، أى لا يتكلّم إلا فيما يجب الكلام فيه. والهناء: القطران. والنّقب: الجرب. وقولهم: قرطس «٦» فلان فأصاب الغرّة، وأصاب عين القرطاس «٧» . كلّ هذه أمثال للمصيب فى كلامه الموجز فى لفظه.

стр. 2232

فصول من البلاغة قيل: لما قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها، قال: من كان فى يده شىء من مال عبد الله بن حازم فلينبذه، ومن كان فى فيه فليلفظه، ومن كان فى صدره فلينفثه. فعجب الناس من حسن ما فصّل. وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدّده فيه: الجواب ما ترى لا ما تسمع (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ «١» لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) . وقيل لأبى «٢» السّمّال الأسدىّ أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف، وظالم لا ينتهى. وقيل لشبيب بن شبّة عند باب الرشيد: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا. وقال حسّان بن ثابت فى عبد الله بن عباس رضى الله عنهم: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلا «٣» كفى وشفى ما فى النفوس فلم يدع ... لذى إربة فى القول جدّا ولا هزلا قال سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب؛ البلاغة ما فهمته العامّة، ورضيته الخاصّة؛ أبلغ الكلام ما سابق معناه لفظه؛ خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ؛ خير الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.

стр. 2233

وقال ابن المعتزّ: البلاغة أن تبلغ المعنى ولم تطل سفر الكلام؛ خير الكلام ما أسفر عن الحاجة؛ أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس «١» مضيّعه؛ أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقلّ مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه؛ البلاغة ما أشار اليه البحترىّ حيث قال: وركبن اللّفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد جمل من بلاغات العجم وحكمها قال أبرويز لكاتبه: إذا فكّرت فلا تعجل، وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصّرن عن التحقيق فإنها هجنة فى المقالة، ولا تلبسن كلاما بكلام، ولا تباعدنّ معنى عن معنى، واجمع الكثير مما تريد فى القليل مما تقول. ووافق كلامه قول ابن المعتزّ: ما رأيت بليغا إلا رأيت له فى المعانى إطالة وفى الألفاظ تقصيرا. وهذا حثّ على الإيجاز. وقال أبرويز أيضا لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربع إن التمس إليها «٢» خامسة لم توجد، وإن نقص منها واحدة لم تتمّ وهى: سؤالك الشىء، وسؤالك عن الشىء، وأمرك بالشىء، وخبرك عن الشىء؛ فإذا طلبت فأنجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فأحكم، وإذا أخبرت فحقّق. وقال بهرام جور: الحكم ميزان الله فى الأرض. ووافق ذلك قول الله تعالى: (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ) وقال أنوشروان لابنه هرمز: لا يكون عندك لعمل البرغاية فى الكثرة، ولا لعمل الإثم غاية فى القلّة. ووافق من كلام العرب قول الأفوه: والخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلّما زاد

стр. 2234

وقال أزدشير بن بابك: من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته، وفحش حرصه، ومن فحش حرصه ذلّت نفسه، وغلب عليه الحسد، ومن غلب عليه الحسد لم يزل مغموما فيما لا ينفعه، حزينا على ما لا يناله. وقال: من شغل نفسه بالمنى لم يخل قلبه من الأسى. وقال بعضهم: الحقوق أربعة: حقّ لله، وقضاؤه الرضا بقضائه، والعمل بطاعته، وإكرام أوليائه؛ وحقّ لنفسك، وقضاؤه تعهّدها بما يصلحها ويصحّها ويحسم موادّ الأذى عنها؛ وحقّ للنّاس، وقضاؤه عمومهم بالمودّة، ثم تخصيص كلّ امرئ منهم بالتوقير والتفضيل والصّلة؛ وحقّ للسلطان، وقضاؤه تعريفه بما خفى عليه من منفعة رعيّة، وجهاد عدوّ، وعمارة بلد، وسدّ ثغر. وقال بزرجمهر: إلزام الجهول الحجّة يسير، وإقراره بها عسير. [صفة الكاتب «١» ] وما ينبغى أن يأخذ به نفسه قال إبراهيم بن محمد الشيبانىّ: من صفة الكاتب اعتدال القامة، وصغر الهامة وخفة اللهازم «٢» ، وكافة اللحية، وصدق الحسّ، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل وخطف الإشارة، وملاحة الزّىّ. وقال: من كمال آلة الكاتب أن يكون بهىّ الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحسّ حسن البيان، رقيق حواشى اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسلك مستفره «٣» المركب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثّة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية

стр. 2235

عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أن هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة. قال بعض الشعراء: وشمول كأنما اعتصروها ... من معانى شمائل الكتّاب هذا ما قيل فى صفة الكاتب. وأما ما ينبغى للكاتب أن يأخذ به نفسه ، فقد قال إبراهيم الشيبانىّ: أوّل ذلك حسن الخط الذى هو لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول، ووحى الفكر، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومحادثتهم «١» على بعد المسافة ومستودع السرّ، وديوان الأمور. وقد قيل فى قوله تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ) : إنه الخطّ الحسن. وقد اختلف الكتّاب فى نقط الخطّ وشكله، فمنهم من كرهه قال سعيد بن حميد الكاتب: لأن يشكل الحرف على القارئ أحبّ إلىّ من أن يعاب الكاتب بالشكل. وعرض خطّ على عبد الله بن طاهر فقال: ما أحسنه لولا أنه أكثر شونيزه «٢» ونظر محمد بن عبّاد إلى أبى عبيد وهو يقيّد البسملة فقال: لو عرفته ما شكلته. ومنهم من حمده فقال: حلّوا عواطل الكتب بالتقييد، وحصّنوها من شبه التصحيف والتحريف. وقيل: إعجام الكتب يمنع من استعجامها «٣» ، وشكلها يصونها عن إشكالها.

стр. 2236

قال الشاعر «١» : وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشكل فى أغصانه «٢» ثمره «٣» . وأما ما قيل فى حسن الخطّ وجودة الكتابة ومدح الكتّاب والكتاب . قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: الخط الحسن يزيد الحقّ وضوحا. وقال: حسن الخطّ إحدى البلاغتين. وقال عبيد الله بن العباس: الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط «٤» الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها؛ وقال أبو هلال العسكرىّ: الكتب عقل شوارد الكلم ... والخطّ خيط فى يد الحكم والخطّ نظّم كلّ منتثر ... منها وفصّل كلّ منتظم والسيف وهو بحيث تعرفه ... فرض عليه عبادة القلم. وقد اختلف الناس فى الخطّ واللفظ، فقال بعضهم: الخطّ أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر، والخطّ يفهم الحاضر والغائب. قالوا: ومن أعاجيب الخطّ كثرة اختلافه والأصل فيه واحد، كاختلاف صور الناس مع اجتماعهم فى الصبغة. قال الصّولى «٥» : سئل بعض الكتاب عن الخطّ متى

стр. 2237

يستحقّ أن يوصف بالجودة؟ قال: اذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه؛ واستقامت سطوره، وضاهى سعوده حدوره؛ وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه؛ وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه «١» ، ولم تختلف أجناسه؛ وأسرع الى العيون تصوّره، والى القلوب ثمره «٢» ؛ وقدّرت فصوله، [واندمجت «٣» وصوله، وتناسب دقيقه وجليله] ؛ وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه؛ وخرج عن [نمط «٤» الورّاقين] ، وبعد عن تصنّع المحرّرين؛ [وقام لكاتبه «٥» مقام النسبة والحلية] وكان حينئذ كما قلت فى صفة الخطّ: اذا ما تخلّل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش «٦» تضمّن من خطّه حلّة ... كمثل الدنانير أو أنقش حروف تكون لعين الكليل ... نشاطا ويقرؤها الأخفش «٧» وقال ابن المعتزّ: إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا وقيل لبعضهم: كيف رأيت ابراهيم الصّولىّ؟ فقال: يؤلّف اللّؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام فى الكتب

стр. 2238

وقال آخر «١» : أضحكت قرطاسك عن جنّة ... أشجارها من حكم مثمره مسودّة سطحا ومبيضّة ... أرضا «٢» كمثل الليلة المقمره وقال آخر: كتبت فلولا أن هذا محلّل ... وذاك حرام قست خطّك بالسحر فو الله ما أدرى أزهر خميلة ... بطرسك أم درّ يلوح على نحر فان كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درّا فهو من لجج البحر وقال آخر: وكاتب يرقم فى طرسه ... روضا به ترتع ألحاظه فالدرّ ما تنظم أقلامه ... والسحر ما تنثر ألفاظه وقال آخر: وشاذن من بنى الكتّاب مقتدر ... على البلاغة أحلى الناس إنشاء فلا يجاريه فى ميدانه أحد ... يريك سحبان فى الإنشاء إن شاء وقال آخر: إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كمىّ هزّ عامله «٣» وإن أمرّ على رقّ «٤» أنامله ... أقرّ بالرّق كتّاب الأنام له

стр. 2239

وقال أبو الفتح كشاجم: واذا نمنمت بنانك خطّا ... معربا عن بلاغة وسداد عجب الناس من بياض معان ... تجتنى من سواد ذاك المداد وقال الممشوق «١» الشامىّ شاعر اليتيمة: لا يخطر الفكر فى كتابته ... كأنّ أقلامه لها خاطر القول والفعل يجريان معا ... لا أوّل فيهما ولا آخر قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: الكتاب نعم الذّخر والعقدة «٢» ، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النّشرة «٣» والنّزهة، ونعم المستغلّ والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدّخيل، والوزير والنّزيل؛ والكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشى ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدّا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وناطق أخرس، وببارد حارّ ومن لك بطبيب أعرابىّ، وبرومىّ «٤» هندىّ، وفارسىّ يونانىّ، وبقديم مولّد، وبميت ممتع، ومن لك بشىء يجمع لك الأوّل والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب

стр. 2240

والرفيع والوضيع، والغثّ والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضدّه؛ وبعد: فمتى رأيت بستانا يحمل فى ردن «١» ؟ وروضة تقلّب فى حجر؟ ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحيا، ومن لك بمؤنس لا ينام إلّا بنومك، ولا ينطق إلّا بما تهوى، «آمن من الأرض» وأكتم للسر من صاحب السرّ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحضر لما استحفظ من الأمّيين، ومن الأعراب المعربين، بل من الصّبيان قبل اعتراض الأشغال، ومن العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادات وافرة لم تستعتب «٢» ، والطينة لينة فهى أقبل ما تكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرّق قواها، وكانت كقول الشاعر: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكّنا وقال ذو الرمّة لعيسى بن عمر: اكتب شعرى، فالكتاب أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة قد تعب فى طلبها يوما أو ليلة، فيضع موضعها كلمة فى وزنها «٣» لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام. قال: ولا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقلّ خيانة، ولا أقلّ إبراما وإملالا، ولا أقل خلافا وإجراما ولا أقلّ غيبة، ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقلّ صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال من كتاب؛ ولا أعلم شجرة أطول عمرا، ولا أجمع «٤» أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى

стр. 2241

ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبان «١» من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنة وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب؛ وقد قال الله تبارك اسمه لنبيه ﷺ : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ فوصف نفسه تعالى جدّه بأن علّم بالقلم، كما وصف به نفسه بالكرم، واعتد بذلك من نعمه العظام، وفى أياديه الجسام. ذكر شىء مما قيل فى آلات الكتابة قال ابراهيم بن محمد الشّيبانىّ فيما يحتاج إليه الكاتب: من ذلك أن يصلح الكاتب آلته التى لا بدّ منها، وأداته التى لا تتمّ صناعته إلا بها، وهى دواته، فلينعم «٢» ربّها وإصلاحها، ثم يتخير من أنابيب «٣» القصب أقلّه عقدا وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواءا، ويجعل لقرطاسه سكّينا حادّا لتكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من جهة نبات القصبة، فان محلّ القلم من الكاتب كمحلّ الرمح من الفارس. وقد خصّ الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة، ومزايا خطيرة فلنذكر منها طرفا.

стр. 2242

ذكر شىء مما قيل فى القلم قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ وقال: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. وقال الحكماء: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرّ القلوب. وقالوا: عقول الرجال تحت أسنّة أقلامها. بنوء «١» الأقلام يصوب غيث الحكمة. القلم صائغ الكلام، يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسبكه «٢» اللّب. وقال جعفر بن يحيى: لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم. وقال المأمون: لله درّ القلم كيف يحوك وشى المملكة!. وقال ثمامة بن أشرس: ما أثّرته الأقلام، لم تطمع فى درسه الأيام. بالأقلام تدبّر الأقاليم. كتاب المرء عنوان عقله، ولسان فضله. عقل الكاتب فى قلمه. وقال ابن المعتزّ: القلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة كأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتّح نوّار بستان. وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: منها جودة برى القلم وإطالة جلفته «٣» ، وتحريف قطّته، وحسن التأتّى لامتطاء الأنامل، وإرسال المدّة بعد إشباع الحروف، والتحرّز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطإ والإعجام على التصحيف.

стр. 2243

وقال العتّابىّ: سألنى الأصمعىّ فى دار الرشيد: أىّ الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف «١» بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ من التّبريّة القشور، الدّرّيّة الظهور، الفضّيّة الكسور؛ قال: فأى نوع من البرى أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطّة التى عن يمين سنها برية تؤمن معها المحبّة عند المدة والمطّة، للهواء فى شقّها فتيق، والريح فى جوفها خريق «٢» ، والمداد فى خرطومها رقيق. قال العتابىّ: فبقى الأصمعى شاخصا إلىّ ضاحكا، لا يحير مسألة ولا جوابا. وكتب على بن الأزهر إلى صديق له يستدعى منه أقلاما: أما بعد: فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم «٣» ؛ فحلّت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب؛ وجدنا الأقلام الصّحريّة «٤» أجرى فى الكواغد «٥» وأمرّ فى الجلود، كما أنّ البحريّة منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف وأشد لتعريف «٦» الخط فيها، ونحن فى بلد قليل القصب رديئه، وقد أحببت فى أن تتقدّم فى اختيار «٧» أقلام صحريّة، وتتنوّق «٨» فى اقتنائها قبلك، وتطلبها من مظانّها ومنابتها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّن «٩» باختيارك منها الشديدة الصّلبة

стр. 2244

النقيّة الجلود، القليلة الشحوم، الكثيرة اللحوم، الضيقة الأجواف «١» ، الرزينة المحمل فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفا، وأن تقصد بانتقائك للرقاق القضبان المقوّمات المتون، الملس المعاقد «٢» ، الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبسا وهى قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبّان ينعها، ولم تأخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر «٣» الشتاء وعفن الأنداء؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا قطعا رقيقا، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، «٤» [ووجّهتها مع من يؤدّى الأمانة فى حراستها وحفظها وإيصالها] وتكتب معها بعدّتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان، إن شاء الله تعالى. وأهدى ابن الحرون «٥» إلى بعض إخوانه أقلاما وكتب إليه: إنه لما كانت الكتابة- أبقاك الله- أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة أتحفتك من آلتها بما يخفف حمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويجلّ خطره، وهى أقلام من القصب النابت فى الصحراء الذى نشف بحرّ الهجير [فى قشره «٦» ] ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ فهى كاللآلئ المكنونة فى الصدف، والأنوار المحجوبة فى السدف «٧» ؛ تبريّة القشور، درّية الظهور، فضية الكسور؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشى المحبّر، ورونقا «٨» كاالديباج «٩» المنيّر.

стр. 2245

ومن كتاب لأبى الخطاب الصابى- يصف فيه أقلاما أهداها فى جملة أصناف- جاء منه: وأضفت إليها أقلاما سليمة من المعايب، مبرّأة من المثالب؛ جمّة المحاسن بعيدة عن المطاعن؛ لم يربها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور؛ ولم يشنهالين ولا رخاوة، ولم يعبها كزازة «١» ولا قساوة؛ فهذه «٢» آخذة بالفضائل من جميع جهاتها، مستوفية للمادح بسائر صفاتها؛ صلبة المعاجم، ليّنة المقاطع؛ موفية القدود والألوان، محمودة المخبر والعيان؛ قد استوى فى الملاسة خارجها وداخلها، وتناسب فى السلاسة عاليها وسافلها؛ نبتت بين الشمس والظلّ، واختلف عليها الحرّ والقر؛ فلفحها «٣» وقدان الهواجر، وسفعتها [سمائم «٤» ] شهر ناجر «٥» ؛ ووقذها الشّفّان «٦» بصرده، وقذفها الغمام ببرده؛ وصابتها الأنواء بصيّبها، واستهلّت عليها السحائب بشآبيبها «٧» ؛ فاستمرّت مرائرها «٨» على إحكام، واستحصد سحلها «٩» بالإبرام؛ جاءت شتّى «١٠» الشيات، متغايرة الهيئات، متباينة المحالّ والبلدان؛ تختلف بتباعد ديارها، وتأتلف بكرم نجارها؛ فمن أنابيب ناسبت رماح الخط فى أجناسها، وشاكلت الذهب فى ألوانها، وضاهت
следующие страницы →