Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبان «١» من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنة وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب؛ وقد قال الله تبارك اسمه لنبيه ﷺ : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
فوصف نفسه تعالى جدّه بأن علّم بالقلم، كما وصف به نفسه بالكرم، واعتد بذلك من نعمه العظام، وفى أياديه الجسام.
ذكر شىء مما قيل فى آلات الكتابة
قال ابراهيم بن محمد الشّيبانىّ فيما يحتاج إليه الكاتب:
من ذلك أن يصلح الكاتب آلته التى لا بدّ منها، وأداته التى لا تتمّ صناعته إلا بها، وهى دواته، فلينعم «٢» ربّها وإصلاحها، ثم يتخير من أنابيب «٣» القصب أقلّه عقدا وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواءا، ويجعل لقرطاسه سكّينا حادّا لتكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من جهة نبات القصبة، فان محلّ القلم من الكاتب كمحلّ الرمح من الفارس. وقد خصّ الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة، ومزايا خطيرة فلنذكر منها طرفا.
стр. 2242
ذكر شىء مما قيل فى القلم
قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
وقال: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
وقال الحكماء: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرّ القلوب.
وقالوا: عقول الرجال تحت أسنّة أقلامها. بنوء «١» الأقلام يصوب غيث الحكمة.
القلم صائغ الكلام، يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسبكه «٢» اللّب.
وقال جعفر بن يحيى: لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم.
وقال المأمون: لله درّ القلم كيف يحوك وشى المملكة!.
وقال ثمامة بن أشرس: ما أثّرته الأقلام، لم تطمع فى درسه الأيام. بالأقلام تدبّر الأقاليم. كتاب المرء عنوان عقله، ولسان فضله. عقل الكاتب فى قلمه.
وقال ابن المعتزّ: القلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة كأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتّح نوّار بستان.
وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: منها جودة برى القلم وإطالة جلفته «٣» ، وتحريف قطّته، وحسن التأتّى لامتطاء الأنامل، وإرسال المدّة بعد إشباع الحروف، والتحرّز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطإ والإعجام على التصحيف.
стр. 2243
وقال العتّابىّ: سألنى الأصمعىّ فى دار الرشيد: أىّ الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف «١» بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ من التّبريّة القشور، الدّرّيّة الظهور، الفضّيّة الكسور؛ قال: فأى نوع من البرى أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطّة التى عن يمين سنها برية تؤمن معها المحبّة عند المدة والمطّة، للهواء فى شقّها فتيق، والريح فى جوفها خريق «٢» ، والمداد فى خرطومها رقيق. قال العتابىّ: فبقى الأصمعى شاخصا إلىّ ضاحكا، لا يحير مسألة ولا جوابا.
وكتب على بن الأزهر إلى صديق له يستدعى منه أقلاما: أما بعد: فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم «٣» ؛ فحلّت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب؛ وجدنا الأقلام الصّحريّة «٤» أجرى فى الكواغد «٥» وأمرّ فى الجلود، كما أنّ البحريّة منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف وأشد لتعريف «٦» الخط فيها، ونحن فى بلد قليل القصب رديئه، وقد أحببت فى أن تتقدّم فى اختيار «٧» أقلام صحريّة، وتتنوّق «٨» فى اقتنائها قبلك، وتطلبها من مظانّها ومنابتها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّن «٩» باختيارك منها الشديدة الصّلبة
стр. 2244
النقيّة الجلود، القليلة الشحوم، الكثيرة اللحوم، الضيقة الأجواف «١» ، الرزينة المحمل فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفا، وأن تقصد بانتقائك للرقاق القضبان المقوّمات المتون، الملس المعاقد «٢» ، الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبسا وهى قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبّان ينعها، ولم تأخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر «٣» الشتاء وعفن الأنداء؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا قطعا رقيقا، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، «٤» [ووجّهتها مع من يؤدّى الأمانة فى حراستها وحفظها وإيصالها] وتكتب معها بعدّتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان، إن شاء الله تعالى.
وأهدى ابن الحرون «٥» إلى بعض إخوانه أقلاما وكتب إليه:
إنه لما كانت الكتابة- أبقاك الله- أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة أتحفتك من آلتها بما يخفف حمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويجلّ خطره، وهى أقلام من القصب النابت فى الصحراء الذى نشف بحرّ الهجير [فى قشره «٦» ] ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ فهى كاللآلئ المكنونة فى الصدف، والأنوار المحجوبة فى السدف «٧» ؛ تبريّة القشور، درّية الظهور، فضية الكسور؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشى المحبّر، ورونقا «٨» كاالديباج «٩» المنيّر.
стр. 2245
ومن كتاب لأبى الخطاب الصابى- يصف فيه أقلاما أهداها فى جملة أصناف- جاء منه:
وأضفت إليها أقلاما سليمة من المعايب، مبرّأة من المثالب؛ جمّة المحاسن بعيدة عن المطاعن؛ لم يربها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور؛ ولم يشنهالين ولا رخاوة، ولم يعبها كزازة «١» ولا قساوة؛ فهذه «٢» آخذة بالفضائل من جميع جهاتها، مستوفية للمادح بسائر صفاتها؛ صلبة المعاجم، ليّنة المقاطع؛ موفية القدود والألوان، محمودة المخبر والعيان؛ قد استوى فى الملاسة خارجها وداخلها، وتناسب فى السلاسة عاليها وسافلها؛ نبتت بين الشمس والظلّ، واختلف عليها الحرّ والقر؛ فلفحها «٣» وقدان الهواجر، وسفعتها [سمائم «٤» ] شهر ناجر «٥» ؛ ووقذها الشّفّان «٦» بصرده، وقذفها الغمام ببرده؛ وصابتها الأنواء بصيّبها، واستهلّت عليها السحائب بشآبيبها «٧» ؛ فاستمرّت مرائرها «٨» على إحكام، واستحصد سحلها «٩» بالإبرام؛ جاءت شتّى «١٠» الشيات، متغايرة الهيئات، متباينة المحالّ والبلدان؛ تختلف بتباعد ديارها، وتأتلف بكرم نجارها؛ فمن أنابيب ناسبت رماح الخط فى أجناسها، وشاكلت الذهب فى ألوانها، وضاهت
стр. 2246
الحرير فى لمعانها؛ بطيئة «١» الحفا، نمرة «٢» القوى؛ لا يشظيها «٣» القطّ، ولا يشعّث «٤» بها الخط؛ ومن مصريّة بيض، كأنها [قباطىّ «٥» مصر نقاء، وغرقئ البيض صفاء؛ غذاها الصعيد من ثراه بلبّه] وسقاها النيل من نميره وعذبه؛ فجاءت ملتئمة الأجزاء، سليمة من الالتواء؛ تستقيم شقوقها فى أطوالها، ولا تنكّب عن يمينها ولا شمالها؛ تقترن بها صفراء كأنها معها عقيان «٦» قرن بلجين، أو ورق خلط بعين؛ تختال فى صفر ملاحفها، وتميس فى مذهب مطارفها «٧» ؛ بلون غياب الشمس، وصبغ ثياب الورس «٨» ، ومن منقوشة تروق العين، وتونق النّفس؛ ويهدى حسنها الأريحيّة إلى القلوب، ويحلّ الطرب لها حبوة الحكيم اللبيب؛ كأنها اختلاف الزهر اللامع، وأصناف الثمر اليانع؛ [ومن بحريّة موشيّة الليط «٩» ] رائقة التخليط «١٠» ؛ كأنّ داخلها قطرة دم، أو حاشية رداء
стр. 2247
معلم، وكأنّ خارجها أرقم، أو متن واد مفعم، نثرت ألوانا تزرى بورد الخدود، وأبدت قامات تفصح بأود القدود.
وقد أكثر الشعراء القول فى وصف القلم، فمن ذلك قول أبى تمّام الطائىّ:
لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى «١» الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره فى الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس الّلطاف وأفرغت ... عليه شعاب «٢» الفكر وهى حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام والجحافل
إذا استغزر الذهن الجلىّ «٣» وأقبلت ... أعاليه فى القرطاس وهى أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنّى وسمينا خطبه وهو ناحل
وقال آخر:
قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب ... ثم استمدّوا بها ماء المنيّات
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحدّ المشرفيّات
وقال ابن المعتزّ:
قلم ما أراه أم فلك يجرى ... بما شاء قاسم ويسير «٤»
خاشع فى يديه يلثم قرطا ... سا كما قبّل البساط شكور
стр. 2248
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدجى نهارا فما أدرى ... أخطّ فيهن أم تصوير
وقال محمد «١» بن علىّ:
فى كفه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا
السيف والرمح خدّام له أبدا ... لا يبلغان له جدّا ولا لعبا
تجرى دماء الأعادى بين أسطره ... ولا يحس له صوت إذا ضربا
فما رأيت مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأيت حساما قبل ذا قصبا
وقال ابن الرومىّ:
لعمرك ما السيف سيف الكمىّ ... بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلته ... ظهرت على سره الغائب
أداة المنيّة فى جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر فى صدره كالسنان ... وفى الردف كالمرهف القاضب؟
وقال الرفّاء «٢» :
أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعه ... يبدى لنا السرّ وما يدرى
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجرى
تبصره فى كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعرى
يرى أسيرا فى دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر
стр. 2249
وقال آخر:
وذى عفاف راكع ساجد ... أخو صلاح دمعه جارى
ملازم الخمس لأوقاتها ... مجتهد فى خدمة البارى
وقال ابن الرومىّ:
إن يخدم القلم «١» السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شىء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وقال أبو الطيّب الأزدىّ:
قلم قلّم أظفار العدى ... وهو كالإصبع مقصوص الظّفر
أشبه الحيّة حتى أنه ... كلما عمّر فى الأيدى قصر
وقال أبو الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمىّ:
وأسمر طاوى الكشح أخرس ناطق ... له زملان «٢» فى بطون المهارق.
[ «٣» ذكر ما يحتاج الكاتب الى معرفته من الأمور الكلية [من كتاب حسن التوسل]
قال شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبىّ فى كتابه «حسن التوسل»
فأوّل ما يبدأ به من ذلك حفظ كتاب الله تعالى ،
ومداومة قراءته، وملازمة درسه
стр. 2250
وتدبّر معانيه حتى لا يزال مصوّرا فى فكره، دائرا على لسانه، ممثّلا فى قلبه، ذاكرا له فى كل ما يرد عليه من الوقائع التى يحتاج الى الاستشهاد به فيها، ويفتقر الى اقامة الأدلّة القاطعة به عليها؛ وكفى بذلك معينا له فى قصده، ومغنيا له عن غيره، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
؛ وقد أخرج من الكتاب العزيز شواهد لكل ما يدور بين الناس فى محاوراتهم ومخاطباتهم مع قصور كل لفظ ومعنى عنه، وعجز الإنس والجنّ عن الاتيان بسورة من مثله؛ ومن ذلك أن سائلا قال لبعض العلماء: أين تجد فى كتاب الله تعالى قولهم:
الجار قبل الدار؟ قال: فى قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
فطلبت الجار قبل الدار، ونظائر ذلك كثيرة. وأين قول العرب: «القتل أنفى للقتل» لمن أراد الاستشهاد فى هذا المعنى من قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
. وأكثر الناس على جواز الاستشهاد بذلك ما لم يحوّل عن لفظه، ولم يغيّر معناه.
فمن ذلك ما روى فى عهد أبى بكر رضى الله عنه: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ آخر عهده بالدنيا، وأوّل عهده بالآخرة، إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب، فإن برّ وعدل فذلك ظنّى به، وان جار وبدّل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت بكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
وروى أن عليا رضى الله عنه قال للمغيرة بن شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية:
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.
стр. 2251
وكتب فى آخر كتاب الى معاوية: وقد علمت مواقع سيوفنا فى جدّك وخالك وأخيك وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
وقول الحسن بن على ﵇ لمعاوية: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
وروى مثل ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما.-
وكتب الحسن الى معاوية: أما بعد، فان الله بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين، ورسولا الى الناس أجمعين لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ.
وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على الى المنصور فى صدر كتاب لمّا حاربه: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ
الى قوله: مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
. ونقض عليه المنصور فى جوابه عن قوله: «إنه ابن رسول الله ﷺ » بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.
ونقل عن الحسن البصرىّ ﵀ ما يدل على كراهية ذلك، فقال حين بلغه أن الحجاج أنكر على رجل استشهد بآية: أنسى نفسه حين كتب الى عبد الملك ابن مروان: بلغنى أن أمير المؤمنين عطس فشمّته من حضر فردّ عليهم يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
؟ واذا صحت هذه الرواية عن الحسن فيمكن أن يكون انكاره على الحجاج لأنه أنكر على غيره ما فعله هو. وذهب بعضهم الى أن كل ما أراد الله به نفسه لا يجوز أن يستشهد به إلا فيما يضاف الى الله مثل قوله تعالى:
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
. وقوله تعالى: بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
ونحو ذلك مما يقتضيه الأدب مع الله .
ومن شرف الاستشهاد بالكتاب العزيز إقامة الحجة، وقطع النزاع، وارغام الخصم كما روى أن الحجاج قال لبعض العلماء: أنت تزعم أن الحسين رضى الله عنه من ذرية
стр. 2252
رسول الله ﷺ ، فأتنى على ذلك بشاهد من كتاب الله ، وإلا قتلتك؛ فقرأ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ
الى قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى
وعيسى هو ابن بنته؛ فأسكت الحجاج. وقد تقوم الآية الواحدة المستشهد بها فى بلوغ الغرض وتوفية المقاصد ما لا تقوم به الكتب المطوّلة، والأدلّة القاطعة؛ وأقرب ما اتفق من ذلك أن صلاح الدين ﵀ كتب الى بغداد كتابا يعدّد فيه مواقفه فى إقامة دعوة بنى العباس بمصر، فكتب جوابه بهذه الآية: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
] وكتب أمير المسلمين يعقوب بن عبد المؤمن الى الأذفونش «١» ملك الفرنج جوابا عن كتابه اليه- وكان قد أبرق وأرعد فكتب فى أعلاه-:
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
ومما جوّزوا الاستشهاد به ما لا يقصد به إلا التلويح الى الآية دون اطّراد الكلام نحو قول القاضى الفاضل مما كتب به الى الخليفة عن الملك الناصر صلاح الدين فى الاستصراخ [وتهويل أمر «٢» الفرنج] : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
وها هى فى سبيلك مبذوله، وأخى وقد هاجر اليك هجرة يرجوها مقبوله. وأما تغيير شىء من اللفظ أو إحالة معنى عما أريد به فلا يجوز، وينبغى العدل عنه ما أمكن.
ويتلو ذلك الاستكثار من حفظ الأحاديث النبوية- صلوات الله وسلامه على قائلها
- وخصوصا فى السير والمغازى والأحكام، والنظر فى معانيها وغريبها وفصاحتها
стр. 2253
وقفه ما لا بدّ من معرفته من أحكامها، ليحتج بها فى «١» مكان الحجة، ويستدل بموضع الدليل، فإن الدليل على المقصد إذا استند الى النص سلّم له، والفصاحة اذا طلبت غايتها فإنها بعد كتاب الله فى كلام من أوتى جوامع الكلم. وينبغى أن يراعى فى الحلّ لفظ الحديث ما أمكن، وإلا فمعناه.
ويتلو ذلك قراءة ما يتفق من كتب النحو
التى يحصل بها المقصود من معرفته العربية، فإنه لو أتى الكاتب من البلاغة بأتمّ ما يكون ولحن ذهبت محاسن ما أتى به وانهدمت طبقة كلامه، وألغى جميع [ما حسّنه «٢» ] ، ووقف به عند ما جهله.
ويتعلق بذلك [قراءة «٣» ] ما يتهيأ من مختصرات اللغة،
كالفصيح، وكفاية المتحفظ وغير ذلك من كتب الألفاظ ليتسع عليه مجال العبارة، وينفتح له باب الأوصاف فيما «٤» يحتاج الى وصفه، ويضطر الى نعته.
ويتصل بذلك حفظ خطب البلغاء من الصحابة وغيرهم ،
ومخاطباتهم ومحاوراتهم ومراجعاتهم ومكاتباتهم، وما ادّعاه كلّ منهم لنفسه أو لقومه، وما نقضه عليه خصمه، لما فى ذلك من معرفة الوقائع بنظائرها، وتلقّى الحوادث بما شاكلها والاقتداء بطريقة من فلج «٥» على خصمه، واقتفاء آثار من اضطر الى عذر، أو إبطال دعوى أو اثباتها، والأجوبة الدامغة؛ فتأمله فى موضعه فإنك ستقف منه على ما استغنى به عن ذلك.
стр. 2254
ثم النظر فى أيام العرب ووقائعهم وحروبهم ،
وتسمية الأيام التى كانت بينهم، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى، وما جرى بينهم فى ذلك من الأشعار والمنافسات، لما فى ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه فى مكاتبة من ذكر يوما مشهورا، أو فارسا معيّنا. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى فنّ التاريخ على ما ستقف عليه؛ فإن صاحب هذه الصناعة إذا لم يكن عارفا بأيام العرب، عالما بما جرى فيها لم يدر كيف يجيب عمّا «١» يرد عليه من مثلها، ولا ما يقول إذا سئل عنها، وحسبه ذلك نقصا فى صناعته وقصورا.
ثم النظر فى التواريخ ومعرفة أخبار الدول ،
لما فى ذلك من الاطلاع على سير الملوك وسياساتهم، وذكر وقائعهم ومكايدهم فى حروبهم، وما اتفق لهم من التجارب؛ فإن الكاتب قد يضطرّ إلى السؤال عن أحوال من سلف، أو يرد عليه فى كتاب ذكر واقعة بعينها، أو يحتجّ عليه بصورة قديمة فلا يعرف حقيقتها من مجازها؛ وقد أوردنا فى فن التاريخ ما لا يحتاج الكاتب معه إلى غيره من هذا الفن.
ثم حفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها ،
واستكشاف غوامضها والتوفّر على ما اختاره العلماء بها «٢» منها، كالحماسة، والمفضّليّات، والأصمعيّات، وديوان الهذليّين، وما أشبه ذلك، لما فى ذلك من غزارة الموادّ، وصحّة الاستشهاد، والاطلاع على أصول اللّغة، ونوادر العربيّة؛ وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء، وقد حكى أن الإمام الشافعىّ ﵀ كان يحفظ ديوان هذيل؛ فإذا أكثر المترشّح للكتابة من حفظ ذلك وتدبّر معانيه سهل عليه حلّه، وظهرت له مواضع
стр. 2255
الاستشهاد به، وساقه الكلام إلى إبراز ما فى ذخيرة حفظه منه، ووضعه فى مكانه ونقله فى الاستشهاد والتضمين الى ما كأنه وضع له، كما اتفق للقاضى أبى بكر «١» الأرّجانىّ فى تضمين أنصاف أبيات العرب فى بعض قصائده، فقال:
وأهد الى الوزير المدح يجعل ... «لك المرباع «٢» منها والصفايا»
ورافق رفقة حلّوا إليه ... «فآبوا «٣» بالنهاب وبالسبايا»
وقل للراحلين الى ذراه ... «ألستم «٤» خير من ركب المطايا»
ولا تسلك سوى طرقى فإنّى ... «أنا «٥» ابن جلا وطلّاع الثّنايا»
وقال بديع الزمان الهمذانىّ:
أنا لقرب دار مولاى «كما طرب التشوان مالت به الخمر» ومن الارتياح إلى لقائه كما انتفض العصفور بلله القطر» ومن الامتزاج بولائه «كما التقت الصهباء والبارد العذب» ومن الابتهاج بمزاره «كما اهتزّ تحت البارح «٦» الغصن الرطب» .
وكما قال ابن القرطبىّ وغيره فى رسائلهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 2256
وكذلك حفظ جانب جيّد من شعر المحدثين ،
كأبى تمّام ومسلم ابن الوليد والبحترىّ وابن الرومىّ والمتنبىّ، للطف مأخذهم، ودوران الصناعة فى كلامهم، ودقّة توليد المعانى فى أشعارهم، وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة والكتابة.
وكذلك النظر فى رسائل المتقدّمتين دون حفظها
لما فى النظر فيها من تنقيح القريحة، وإرشاد الخاطر، وتسهيل الطرق، والنسج على منوال المجيد، والاقتداء بطريقة المحسن، واستدراك ما فات «١» القاصر، والاحتراز مما أظهره النقد، وردّ ما بهرجه السبك؛ فأمّا النهى عن حفظ ذلك فلئلا يتّكل الخاطر على ما فى حاصله، ويستند الفكر إلى ما فى مودعه، ويكتفى بما ليس له، ويتلبّس بما لم يعط «كلابس ثوبى زور» ؛ وأمّا من قصد المحاضرة بذلك دون الإنشاء فالأحسن به حفظ ذلك وأمثاله.
وكذلك النّظر فى كتب الأمثال الواردة عن العرب نظما ونثرا
كأمثال الميدانىّ والمفضّل بن سلمة الضبىّ وحمزة الأصبهانىّ وغيرهم، وأمثال المحدثين الواردة فى أشعارهم، كأبى العتاهية وأبى تمّام والمتنبىّ، وأمثال المولّدين؛ وقد أوردنا من ذلك فى باب الأمثال جملا.
وكذلك النّظر فى الأحكام السّلطانيّة ،
فإنه قد يأمر بأمر فيعرف منها كيف يخلص قلمه على حكم الشريعة المطهّرة من تولية القضاء والحسبة وغير ذلك؛ وقد قدّمنا فى هذا الكتاب من ذلك طرفا جيّدا. قال: فهذه أمور كليّة لا بدّ للمترشّح لهذه الصناعة من التصدّى للاطلاع عليها، والإكباب على مطالعتها، والاستكثار منها
стр. 2257
لينفق من تلك الموادّ، وليسلك فى الوصول إلى صناعته تلك الجواد «١» ، وإلا فليعلم أنه فى واد والكتابة فى واد.
قال: وأمّا الأمور الخاصّة التى تزيد معرفتها قدره، ويزين العلم بها نظمه ونثره ،
فإنّها من المكمّلات لهذا الفنّ وإن لم يضطرّ إليها ذو الذهن الثاقب، والطبع السليم، والقريحة المطاوعة، والفكرة المنقّحة، والبديهة المجيبة، والرويّة المتصرّفة، لكنّ العالم بها متمكّن من أزمّة المعانى، يقول عن علم، ويتصرّف عن معرفة، وينتقد بحجّة، ويتخيّر بدليل، ويستحسن ببرهان، ويصوغ الكلام بترتيب؛ فمن ذلك علم المعانى والبيان والبديع، والكتب المؤلّفة فى إعجاز الكتاب العزيز، ككتب الجرجانىّ والرمّانىّ والإمام فخر الدين السكّاكىّ والخفاجىّ وابن الاثير وغيرهم؛ وذكر فى كتابه جملا بهذه المعانى [وأورد أيضا أمورا أخرى تتصل بذلك «٢» من خصائص] الكتابة وهى الاقتباس والاستشهاد والحلّ، وأتى على ذلك بشواهد وأمثلة، وسأذكر فى هذا الكتاب ملخّص ما اورده فى ذلك باختصار «٣» وزيادة عليه.
فأمّا علوم المعانى والبيان والبديع ،
فمنها: ذكر الفصاحة، والبلاغة والحقيقة والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والخبر وأحكامه، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والإضمار، ومباحث إنّ وإنّما، والنظم والتجنيس، والطباق، والمقابلة، والسجع، وردّ العجز على «٤» الصدر، والإعنات «٥»
стр. 2258
والمذهب الكلامىّ، وحسن التعليل، والالتفات، والتمام، والاستطراد، وتأكيد المدح بما يشبه الذّم، وتأكيد الذّم بما يشبه المدح، وتجاهل العارف، والهزل الذى يراد به الجدّ، والكنايات، والمبالغة، وإعتاب المرء نفسه، وحسن التضمين والتلميح، وإرسال المثل، وإرسال مثلين، والكلام الجامع، واللّفّ والنشر والتفسير، والتعديد- ويسمّى سياقة الأعداد- وتنسيق الصفات، والإيهام- ويقال له: التورية- والتخييل، وحسن الأبتداءات، وبراعة التخليص، وبراعة الطلب وبراعة المقطع، والسؤال والجواب، وصحة الأقسام، والتوشيح، والإيغال، والإشارة والتذييل، والترديد، والتفويف، والتسهيم، والاستخدام، والعكس، والتبديل والرجوع، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والتشطير، والتطريز، والتوشيع والإغراق، والغلوّ، والقسم، والأستدراك، والمؤتلفة والمختلفة، والتفريق المفرد والجمع مع التفريق، والتقسيم المفرد، والجمع مع التقسيم، والتزاوج، والسّلب والإيجاب والاطّراد، والتجريد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، ونفى الشىء بإيجابه والإيداع «١» ، والإدماج، وسلامة الاختراع، وحسن الاتّباع، والذّمّ فى معرض المدح والعنوان، والإيضاح، والتشكيك، والقول بالموجب، والقلب، والتندير، والإسجال بعد المغالطة، والافتنان، والإبهام، وحصر الجزئى وإلحاقه بالكلّى، والمقارنة والإبداع، والانفصال، والتصرّف، والاشتراك، والتهكّم، والتدبيج، والموجّه وتشابه الأطراف. هذا مجموع ما أورده منها، واستشهد «٢» عليه بأدلّة، وأورد أمثلة سنشرح منها ما يكتفى به اللّبيب، ويستغنى به اللّبيب «٣» .
стр. 2259
أما الفصاحة والبلاغة ،
فقد تقدّم الكلام فيهما فى أوّل الباب، فلا فائدة فى إعادته.
وأما الحقيقة والمجاز -
فالحقيقة فى اللّغة فعيلة بمعنى مفعولة، من حقّ الأمر يحقّه بمعنى أثبته، أو من حققته إذا كنت منه على يقين. والمجاز من جاز الشىء يجوزه إذا تعدّاه، فإذا عدل بالّلفظ عما يوجبه أصل اللّغة وصف بأنه مجاز على أنهم قد جازوا به موضعه الأصلىّ، أو جاز هو مكانه الذى وضع فيه أوّلا، لأنه ليس بموضع أصلىّ لهذا الّلفظ ولكنّه مجازه ومتعدّاه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعدّاه [إلى] مكانه الأصلىّ. ولهما حدود فى المفرد والجملة، فحدّهما فى لامفرد: أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهى حقيقة، كالأسد للحيوان المفترس، ولايد للجارحة ونحو ذلك. وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهى مجاز، كالأسد للرّجل الشجاع واليد للنّعمة أو للقوّة، فإن النعمة تعطى باليد، والقوّة تظهر بكمالها فى اليد. وحدّهما فى الجملة: أن كلّ جملة كان الحكم الذى دلّت عليه كما هو فى العقل «١» فهى حقيقة كقولنا: خلق الله الخلق؛ وكلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه فى العقل بضرب من التأويل فهى مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شىء يضاهى الفاعل، كالمفعول به فى قوله : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ*
ومِنْ ماءٍ دافِقٍ
؛ أو المصدر، كقولهم:
شعر شاعر؛ أو الزمان، كقول النعمان بن بشير لمعاوية:
وليلك عمّا ناب قومك نائم؛
أو المكان، كقولك: طريق سائر؛ أو المسبّب، كقولهم: بنى الأمير المدينة؛ أو السبب، كقوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
. فمجاز المفرد
стр. 2260
لغوىّ، ويسمّى مجازا فى المثبت، ومجاز الجملة عقلىّ، ويسمّى مجازا فى الإثبات.
قال: فالمجاز قد يكون فى الإثبات وحده، وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقىّ كما ذكرناه، وقد يكون فى المثبت وحده، كقوله تعالى: فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
جعل خضرة الأرض ونضرتها حياة، وقد يكون فيهما جميعا، كقولك:
أحيتنى رؤيتك، تريد سرّتنى، فقد جعلت المسرّة حياة «١» وهو مجاز فى المثبت وأسندتها إلى الرؤية وهو مجاز فى الإثبات.
قال: واعلم أنهم تعرّضوا فى اعتبار كون اللّفظ مجازا إلى اعتبار شيئين:
الأوّل أن يكون منقولا عن معنى وضع اللّفظ بإزائه، وبهذا يتميّز عن اللّفظ المشترك.
الثانى أن يكون هذا النقل لمناسبة بينهما، فلا توصف الأعلام المنقولة بأنّها مجاز إذ ليس نقلها لتعلّق نسبة [بين «٢» ] المنقول عنه ومن له العلم، وإذا تحقّق الشرطان سمى مجازا، وذلك مثل تسمية النعمة والقوّة باليد، لما بين اليد وبينهما من التعلّق وكما قالوا: رعينا الغيث، يريدون النبت الذى الغيث سببه، وصابتنا السّماء، يريدون المطر، وأشباه ذلك ونظائره.
وأما التشبيه
- فهو الدّلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء فى نفسه، كالشجاعة فى الأسد، والنّور فى الشمس. وهو ركن من أركان البلاغة لإخراجه الخفىّ الى الجلىّ، وإدنائه البعيد من القريب. وهو حكم إضافىّ لا يوجد إلا بين الشيئين بخلاف الاستعارة.
стр. 2261
ثم التّشبيه على أربعة أقسام: تشبيه محسوس [بمحسوس «١» ] ، وتشبيه معقول [بمعقول «٢» ] ، وتشبيه معقول بمحسوس، وتشبيه محسوس بمعقول.
فأما تشبيه محسوس بمحسوس فلاشتراكهما إمّا فى المحسوسات الأولى: وهى مدركات السمع والبصر والذّوق والشمّ واللّمس، كتشبيه الخدّ بالورد والوجه بالنهار، [وأطيط الرّحل «٣» بأصوات الفراريح] والفواكه الحلوة بالسكّر والعسل ورائحة بعض الرياحين بالمسك والكافور، والّليّن الناعم بالحرير، والخشن بالمسح» .
أو فى المحسوسات الثانية «٥» : وهى الأشكال المستقيمة والمستديرة، والمقادير، والحركات كتشبيه المستوى المنتصب بالرّمح، والقدّ اللّطيف بالغصن، والشّىء المستدير بالكرة والحلقة، والعظم بالجبل، والذاهب على الاستقامة بنفوذ السهم. أو فى الكيفيّات الجسمانيّة، كالصلابة والرخاوة. أو فى الكيفيّات النفسانيّة، كالغرائز والأخلاق.
أو فى حالة إضافية، كقولك: هذه حجّة كالشّمس، وألفاظ كالماء فى السّلاسة وكالنّسييم فى الرقّة، وكالعسل فى الحلاوة. وربّما كان التشبيه بوجه عقلىّ، كقول فاطمة بنت الخرشب الأنماريّة حين وصفت بنيها الكملة فقالت: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.
وأما تشبيه المعقول بالمعقول فهو كتشبيه الوجود العارى عن الفوائد بالعدم، وتشبيه الفوائد التى تبقى بعد عدم الشّىء بالوجود، كقول الشاعر:
رب حىّ كميّت ليس فيه ... أمل يرتجى لنفع وضرّ
وعظام تحت التراب وفوق ... الأرض منها آثار «٦» حمد وشكر
стр. 2262
وأمّا تشبيه المعقول بالمحسوس فهو كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ.
وأما تشبيه المحسوس بالمعقول فهو غير جائز، لأن العلوم العقليّة مستفادة من الحواسّ ومنتهية إليها، ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد علما، فإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيه به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعا ولذلك لو حاول محاول المبالغة فى وصف الشمس بالظهور والمسك بالثناء «١» فقال:
الشمس كالحجّة فى الظّهور، والمسك كالثّناء فى الطّيب، كان ذلك سخفا من القول فأمّا ما جاء فى الشعر من تشبيه المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدّر المعقول محسوسا، ويجعل كالأصل «٢» المحسوس على طريق المبالغة، فيصحّ التشبيه حينئذ وذلك كما قال الشاعر:
وكأنّ النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع
فإنّه لما شاع وصف السنّة بالبياض والإشراق، واشتهرت البدعة وكلّ ما ليس بحقّ بالظلمة «٣» تخيّل الشاعر أن السنن كأنها من الأجناس التى لها إشراق ونور، وأن البدع نوع من الأنواع الّتى لها اختصاص بالسواد والظلمة، فصار ذلك كتشبيه محسوس بمحسوس، فجاز له التشبيه، وهو لا يتمّ إلا بتخييل ما ليس بمتلوّن [متلوّنا «٤» ] ثم يتخيّله أصلا فيشبّه به، وهذا هو الّذى تؤوّل فى قول أبى طالب الرّقّىّ:
стр. 2263
ولقد ذكرتك والظلام كانّه ... يوم النّوى وفؤاد من لم يعشق
فإنّه لمّا كانت الأوقات التى تحدث فيها المكاره توصف بالسواد كما يقال:
اسودّت الدنيا فى عينه، جعل يوم النوى كأنه أشهر بالسواد من الظلام، فعرّفه به وشبّه، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق لأنّ من لم يعشق عندهم قاسى القلب والقلب القاسى يوصف بشدّة السواد، فأقامه أصلا، فقس على هذا المثال. قال:
واعلم أنّ ما به المشابهة قد يكون مقيّدا بالانتساب إلى شىء، وذلك إما الى المفعول به كقولهم: «أخذ القوس باريها» وإلى ما يجرى مجرى المفعول به وهو الجارّ والمجرور كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد: «كالراقم على الماء» وإمّا الى الحال، كقولهم:
«كالحادى وليس له بعير» وإما الى المفعول والجارّ والمجرور معا، كقولهم: «هو كمن يجمع السيفين فى غمد» و «كمبتغى الصيد فى عرينة الأسد» ، ومن ذلك قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
فإنّ التشبيه لم يحصل من مجرد الحمل، بل لأمرين آخرين، لأن الغرض توجيه الذّم إلى من أتعب نفسه فى حمل ما يتضمّن المنافع العظيمة ثم لا ينتفع به لجهله، وكقول لبيد:
وما النّاس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا «١» بلاقع
فإنّه لم يشبّه الناس بالديار، وإنّما شبّه وجودهم فى الدنيا وسرعة زوالهم بحلول أهل الدّيار فيها، ووشك رحيلهم منها. قال: وكلّما كانت التقييدات أكثر كان التشبيه أو غل فى كونه عقليّا، كقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
. فإن التشبيه منتزع من مجموع هذه الجمل من غير أن يمكن
стр. 2264
فصل بعضها عن بعض، فإنّك لو حذفت منها جملة واحدة من أىّ موضع كان أخلّ ذلك بالمغزى من التشبيه. قال:
ثم ما به المشابهة إن كان مركّبا فإنّه على قسمين:
الأوّل ما لا يمكن إفراد أحد أجزائه بالذّكر، كقول القاضى التنوخىّ:
كأنّما المرّيخ والمشترى ... قدّامه فى شامخ الرّفعه
منصرف باللّيل من دعوة ... قد أسرجت قدّامه شمعه
فإنّك لو اقتصرت على قوله: كأنّ المرّيخ منصرف من دعوة، أو كأن المشترى شمعة لم يحصل ما قصده الشاعر، فإنّه إنّما قصد الهيئة التى يلبسها المرّيخ من كون المشترى أمامه.
الثانى ما يمكن إفراده بالذّكر ويكون إذا أزيل منه التركيب صحيح التشبيه فى طرفيه إلّا أن المعنى يتغيّر، كقول أبى طالب الرقىّ:
وكأنّ أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فلو قلت: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، وجدت التشبيه مقبولا ولكن المقصود من الهيئة المشبّه بها قد زال. قال: وربّما كان التشبيه فى أمور كثيرة لا يتقيّد بعضها عنها ببعض، وإنّما يكون مضموما بعضها إلى بعض وكلّ واحد منها منفرد بنفسه، كقولك: زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء والبدر بهاء؛ وله خاصيتان: إحداهما أنه لا يجب فيه الترتيب، والثانية أنّه إذا سقط البعض لم يتغيّر حكم الباقى.
ومن المتأخرين من ذكر فى التشبيه سبعة أنواع:
الأوّل التشبيه المطلق ،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء من غير عكس ولا تبديل كقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
وقوله تعالى:
стр. 2265
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ.
وقول النّبى ﷺ : «الناس كأسنان المشط» .
الثّانى التّشبيه المشروط ،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء لو كان بصفة كذا، ولولا أنّه بصفة كذا، كقوله: اشبّه وجه ملوانا بالعيد المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه وتدوم محاسنه، وكقوله: وجه هو كالشمس لولا كسوفها، والقمر لولا خسوفه وكقول البديع:
قد كان يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وكقول الآخر «١» :
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثّاقبات أفول.
الثالث تشبيه الكناية ،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء من غير أداة التشبيه، كقول المتنبّى:
بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وقول الواوا «٢» الدّمشقىّ:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد.
الرابع تشبيه التسوية ،
وهو أن يأخذ صفة من صفات نفسه، وصفة من الصفات المقصودة، ويشبّههما بشىء واحد، كقوله:
стр. 2266
صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالّليالى
و «١» ثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى.
الخامس التشبيه المعكوس ،
وهو أن تشبّه شيئين كلّ واحد منهما بالآخر كقول الشاعر:
الخمر تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح خمر جمّد
فاشرب على جامد ذوبه «٢» ... ولا تبع لذّة يوم بغد
وكقول الصّاحب بن عبّاد:
رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنّه خمر ولا قدح ... وكأنّه قدح ولا خمر
وكقول بعضهم فى النثر: كم من دم أهرقناه فى البرّ، وشخص أغرقناه فى البحر؛ فأصبح البرّ بحرا من دمائهم، والبحر برّا بأشلائهم.
السادس تشبيه الإضمار ،
وهو أن يكون مقصوده التّشبيه بشىء فدلّ ظاهر لفظه أنّ مقصوده غيره، كقول المتنبّى:
ومن كنت جارا له يا علىّ ... لم يقبل الدرّ إلّا كبارا
فيدلّ ظاهره على أنّ مقصوده الدرّ، وإنّما غرضه تشبيه الممدوح بالبحر.
السابع تشبيه التفضيل ،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء ثمّ يرجع فيرجّح المشبّه على المشبّه به، كقوله:
حسبت جماله بدرا مضيئا ... وأين البدر من ذاك الجمال
стр. 2267
وكقول ابن هندو «١» :
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف فى الحكم بين شيئين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وذاك إن «٢» جاد دامع العين.
قال: وقد تقدّم تشبيه شىء بشىء.
فأمّا تشبيه شىء بشيئين فكقول امرئ القيس:
وتعطو «٣» برخص غير شثن كأنّه ... أساريع رمل «٤» أو مساويك إسحل.
وأمّا تشبيه شىء بثلاثة أشياء فكقول البحترىّ:
كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح.
وأمّا تشبيه شىء بأربعة أشياء
فكما قال المولى شهاب الدّين أبو الثناء محمود الحلبىّ الكاتب:
يفترّ طرسك عن سطور جادها ال ... فكر السليم بصوب مسك أذفر
فكأنّما هو روضة أو جدول ... أو سمط درّ أو قلادة عنبر.
وأمّا تشبيه شىء بخمسة أشياء فكقول الحريرىّ:
يفترّ عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب.
وأمّا تشبيه شيئين بشيئين
فكقول امرئ القيس:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
стр. 2268
وأمّا تشبيه ثلاثة بثلاثة
فكقول الآخر:
ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقدّ
خمر ودرّ وورد ... ريق وثغر وخد.
وأمّا تشبيه أربعة بأربعة
فكقول امرئ القيس:
له أيطلا «١» ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وكقول أبى نواس:
تبكى فتذرى الدّر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب،
وأمّا تشبيه خمسة بخمسة
فكقول أبى الفرج الواوا الدمشقى «٢» :
قالت متى البين يا هذا فقلت لها ... إمّا غدا زعموا أولا فبعد غد
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
وشبّه قاضى القضاة نجم الدين بن البارزىّ سبعة أشياء بسبعة أشياء وهى:
يقطّع بالسّكين بطّيخة ضحى ... على طبق فى نجلس لان صاحبخ
كشمس ببرق قدّ بدر أهلة ... لدى هالة فى الأفق شتّى كواكبه.
قال: والغرض من التشبيه قد يكون بيان إمكان وجود الشىء عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بيّنا، كقول ابن الرّومىّ:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
وكقول المتنبى:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
стр. 2269
أو بيان مقداره، كما إذا حاولت نفى الفائدة عن فعل إنسان قلت: هذا كالقابض على الماء، لأن لخلوّ الفعل عن الفائدة مراتب مختلفة فى الإفراط والتفريط والوسط، فإذا مثّل بالمحسوس عرفت مرتبته، ولذلك لو أردت الإشارة إلى تنافى الشيئين فأشرت إلى ماء ونار فقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثيره زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك إذا قلت فى وصف طول يوم: كأطول ما يتوهّم، أو لا آخر له، أو أنشدت «١» قوله:
فى ليل «٢» صول تناهى العرض والطول ... كأنّما ليله بالليل موصول
لم تجد فيه «٣» من الأنس ما تجده فى قوله:
ويوم كظلّ الرمح قصّر طوله ... دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
وما ذاك إلّا للتشبيه بالمحسوس، وإلّا فالأوّل أبلغ، لأن طول الرمح متناه وفى الأوّل حكمت أنّ ليله موصول باللّيل، وكذلك لو قلت فى قصر اليوم: كأنّه ساعة، أو كلمح البصر، لوجدته دون قوله:
ظللنا عند دار أبى أنيس ... بيوم مثل سالفة «٤» الذّباب
وقوله:
ويوم كإبهام القطاة مزيّن ... إلىّ صباه غالب لى باطله.
قال: وقد يكون غرض التشبيه عائدا على المشبه به، وذلك أن تقصد على عادة التخييل أن توهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد، فتشبّه الزائد به، كقوله:
стр. 2270
وبدا «١» الصباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح
وهذا أبلغ وأحسن وأمدح من تشبيه الوجه بالصباح، لأن تشبيه الوجه بالصباح أصل متّفق عليه لا ينكر ولا يستكثر، وإنما الذى يستكثر تشبيه الصباح بالوجه.
قال: ثم الغرض بالتشبيه إن كان الحاق الناقص بالزائد امتنع «٢» عكسه مع بقاء هذا الغرض، وإن كان الجمع بين شيئين فى مطلق الصورة والشكل واللون صحّ العكس كتشبيه الصبح بغرّة الفرس الأدهم لا للمبالغة فى الضياء، بل لوقوع منير فى مظلم وحصول بياض قليل فى [سواد] كثير.
قال: والتشبيه قد يجىء غريبا يحتاج فى إدراكه الى دقّة نظر، كقول ابن المعتزّ:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
والجامع الاستدارة والإشراق مع تواصل الحركة التى تراها للشمس إذا أنعمت التأمّل فى اضطراب نور الشمس، ويقرب منه قول الآخر:
كأن شعاع الشمس فى كلّ غدوة ... على ورق الأشجار أوّل طالع
دنانير فى كفّ الأشلّ يضمّها ... لقبض «٣» وتهوى [من «٤» ] فروج الأصابع
وكقول المتنبىّ:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بودقة «٥» أليت ... يجول فيها ذهب ذائب
стр. 2271
ومن لطيف ما جاء فى هذا المعنى من التشبيه قول الأخطل فى مصلوب:
أو قائم من نعاس فيه لوثته «١» ... مواصل لتمطّيه من الكسل
شبّهه بالمتمطّى «٢» ، لأنّ المتمطّى يمدّ يديه وظهره ثم يعود إلى حالته الأولى، فزاد فيه أنّه مواصل لذلك، وعلّله بالقيام من النعاس لما فى ذلك من الّلوثة والكسل.
قال: والتشبيه ليس من المجاز، لأنه معنى من المعانى، وله ألفاظ تدلّ عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه، وإنّما هو توطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما وهما كالفرع له، والذى يقع منه فى حيّز المجاز عند أهل هذا الفنّ هو الذى يجىء على حدّ الاستعارة، كقولك لمن يتردّد فى الأمر [بين «٣» ] أن يفعله أو يتركه: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى» والأصل فيه أراك فى تردّدك كمن يقدّم رجلا ويؤخر أخرى.
وأما الاستعارة
- فهى ادعاء معنى الحقيقة فى الشىء للمبالغة فى التشبيه مع طرح ذكر المشبّه من البيّن «٤» لفظا وتقديرا. وإن شئت قلت: هو جعل الشّىء الشّىء [أو جعل «٥» الشىء للشىء] لأجل المبالغة فى التشبيه.
فالأوّل كقولك: لقيت أسدا وأنت تعنى الرجل الشجاع.
والثانى كقول لبيد:
إذ «٦» أصبحت بيد الشمال زمامها
أثبت اليد للشمال مبالغة فى تشبيهها بالقادر فى التصرف فيه على ما يأتى بيان ذلك.
стр. 2272
وحدّ الرّمانىّ الاستعارة فقال: هى تعليق العبارة على غير ما وضعت له فى أصل الّلغة على سبيل النقل للإبانة.
وقال ابن المعتزّ: هى استعارة الكلمة من شىء قد عرف بها إلى شىء لم يعرف بها. وذكر الخفاجىّ كلام الرّمانىّ وقال: وتفسير هذه الجملة أن قوله :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
استعارة، لأن الاشتعال «١» للنار، ولم يوضع فى أصل اللغة للشيب فلما نقل اليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه، لأن الشيب لما كان يأخذ فى الرأس شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار التى تسرى فى الخشب حتى تحيله إلى غير [حالته «٢» ] المتقدّمة؛ فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة فى الوضع للبيان، ولا بدّ من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها «٣» ، لأنها الأصل، وليس يخفى على المتأمّل أن قوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
أبلغ من كثر شيب الرأس، وهو حقيقة هذا المعنى.
ولا بدّ للاستعارة من حقيقة هى أصلها، وهى مستعار منه، ومستعار، ومستعار له، فالنار مستعار منها، والاشتعال مستعار، والشيب مستعار له. قال: وأمّا قولنا مع طرح ذكر المشبّه، فاعلم أننا اذا طرحناه كقولنا: رأيت أسدا، وأردنا الرجل الشجاع فهو استعارة بالاتفاق، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالّة على المشابهة كقولنا:
زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا: زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ فى اللفظ ما يدلّ على أنّه ليس بأسد فلم تحصل
стр. 2273
المبالغة، فاذا قلت: زيد الأسد فهو أبعد عن الاستعارة، فإنّ الأوّل خرج بالتنكير عن أن يحسن فيه كاف التشبيه، فإنّ قولك: زيد كأسد كلام نازل بخلاف الثانى.
قال ضياء الدين بن الأثير: وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ولم يفرّقوا بينهما، وذلك خطأ محض.
قال: وسأوضح وجه الخطإ فيه وأحقق القول فى الفرق بينهما فأقول: أمّا التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره لأنّه لا خلاف فيه، ولكن نذكر التشبيه المضمر الأداة فنقول: إذا ذكر المنقول والمنقول اليه على أنّه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أى كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة مقدرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح فى الكلام الذى أظهرت فيه، ولم تزل عنه فصاحته؛ وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه «١» دون المنقول فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، وإذا ظهرت زال عن ذلك الكلام ما كان متّصفا به من الحسن والفصاحة.
قال: ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء وهو:
فرعاء «٢» إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص
وهذا لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، فلا يقال: عجل [قدّ «٣» ] كالقضيب وأبطأ [ردف] كالدّعص؛ فالفرق إذن بين التشبيه المضمر أداة التشبيه فيه وبين
стр. 2274
الاستعارة أن التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها. والاستعارة أخصّ من المجاز إذ قصد المبالغة شرط فى الاستعارة دون المجاز، وأيضا فكلّ استعارة من البديع وليس كلّ مجاز منه. والحقّ أن المعنى يعار أوّلا ثم بواسطته يعار اللّفظ؛ ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان التشبيه مقرّرا بينهما ظاهرا، وإلا فلا بدّ من التصريح بالتشبيه، فلو قلت: رأيت نخلة أو خامة وأنت تريد مؤمنا إشارة إلى قول النّبى ﷺ : «مثل المؤمن كمثل النخلة «١» » أو «كمثل «٢» الخامة» لكنت كالملغز التارك لما «٣» يفهم. وكلّما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسنا بحيث تكون ألطف من التصريح بالتشبيه، فإنّك لو رمت أن تظهر التشبيه فى قول ابن المعتزّ:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنّابا
احتجت أن تقول: أثمرت أصابع راحته التى هى كالأغصان لطالب الحسن.
شبه العنّاب من أطرافها المخضوبة، وهذا ممّا لا خفاء بغثاثته.
وربّما جمع بين عدّة استعارات إلحاقا للشكل بالشكل لإتمام التشبيه فتريد الاستعارة به حسنا، كقول امرئ القيس فى صفة اللّيل:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله
قال: الأعلام لا تدخلها الاستعارة لما تقدّم فى المجاز. وأما الفعل فالاستعارة تقع أوّلا فى المصدر، ثم تقع بواسطة ذلك فى الفعل، فإذا قلت: نطقت الحال بكذا
стр. 2275
فهذا إنّما يصحّ لأنّك وجدت الحال مشابهة للنطق فى الدلالة على الشىء، فلا جرم [أنك «١» ] استعرت النطق لتلك الحالة ثم نقلته إلى الفعل. والأسماء المشتقّة فى ذلك كالفعل؛ فظهر أنّ الاستعارة إنّما تقع وقوعا أوّليّا فى أسماء الأجناس. ثم الفعل إذا كان مستعارا فاستعارته إمّا من جهة فاعله، كقوله: نطقت الحال بكذا ولعبت بى الهموم، وقول جرير:
تحيى الروامس «٢» ربعها فتجدّه ... بعد البلى وتميته الأمطار
وقول أبى حيّة:
وليلة مرضت من كل ناحية ... فما تضىء لها شمس ولا قمر
أو من جهة مفعوله، كقول ابن المعتز:
جمع الحقّ لنا فى إمام ... قتل الجوع «٣» وأحيى السماحا
أو من جهة مفعوليه، كقول الحريرى:
وأقرى المسامع إمّا نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
أو من جهة أحد مفعوليه، كقول الشاعر «٤» :
نقريهم لهذميّات نقدّ بها ... ما كان خاط عليهم كلّ زرّاد
أو من جهة الفاعل والمفعول، كقوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ.
стр. 2276
قال: ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها، أما ترشيحها فهو أن ينظر فيها إلى المستعار، ويراعى جانبه، ويوليه ما يستدعيه، ويضمّ إليه ما يقتضيه، كقول كثير:
رمتنى بسهم ريشه الهدب لم يصب ... بظاهر «١» جسمى وهو فى القلب جارح
وكقول النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
فالمستعار فى كل واحد منهما وهو الرمى والإراحة منظور اليهما فى لفظ السهم والعازب، وكما أنشد صاحب الكشّاف «٢» :
ينازعنى ردائى عند عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لى الشطر الذى ملكت يمينى ... ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه، ثم نظر إلى المستعار فى لفظ الاعتجار. وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظورا إليه، كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
فإن الإذاقة لمّا وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر «٣» والألم تشبيها له بما يدرك من الطعم المرّ البشع، واللباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال: فأذاقها الله ما غشيها من ألم الجوع والخوف، وكقول زهير:
لدى أسد شاكى «٤» السلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم
فلو نظر الى المستعار لقال: أسد دامى المخالب أو دامى البراثن، ونظر زهير فى آخر البيت الى المستعار أيضا، ومنه قول كثّير:
غمر الرداء اذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال
стр. 2277
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه «١» بالغمر الذى هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء.
قال: ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية، وهى أن لا يصرّح بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه، كقولهم: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس.
وكقول أبى ذؤيب:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
تنبيها على أنّ الشجاع أسد، والمنيّة سبع، والعالم «٢» بحر، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجرّدة إلّا أنّه أغرب وأعجب، ويقرب منه قول زهير:
ومن يعص أطراف الزجاج «٣» فإنه ... يطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم
أراد أن يقول: من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب، وذلك أنهم كانوا اذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدّامها مكان الأسنّة، واذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنّة؛ وقد يسمّى هذا النوع المماثلة أيضا.
قال: وقد ينزلون الاستعارة منزلة الحقيقة، وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس للشىء المعقول ويجعلون كأنّ تلك الصفة ثابتة لذلك الشىء فى الحقيقة، وأنّ الاستعارة لم توجد أصلا، مثاله استعارتهم العلوّ لزيادة الرجل على غيره فى الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوّا مكانيّا «٤» ، كقول أبى تمّام:
стр. 2278
ويصعد حتى يظنّ الحسود ... بأنّ له حاجة فى السماء
وكقوله أيضا:
مكارم لجت فى علوّ كأنّما ... تحاول ثأرا «١» عند بعض الكواكب
ولذلك يستعيرون اسم شىء لشىء من نحو شمس أو بدر أو أسد ويبلغون الى حيث يعتقد أنه ليس هناك استعارة، كقول ابن العميد:
قامت تظلّلنى من الشمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى
قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس
وكقول آخر:
أيا شمعا يضىء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر ما معنى انتقاصى؟ ... وأنت الشمع ما معنى احتراقى «٢» ؟
[ «٣» فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة لما كان لهذا التعجب معنى، ومدار هذا النوع على التعجب] وقد يجئ على عكسه، كقول الشاعر «٤» :
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر.
فصل فى أقسام الاستعارة
قال: وهى على نوعين:
الأوّل أن تعتمد نفس التشبيه ،
وهو أن يشترك شيئان فى وصف وأحدهما أنقص من الآخر، فتعطى الناقص اسم الزائد مبالغة فى تحقّق ذلك الوصف له
стр. 2279
كقولك: رأيت أسدا وأنت تعنى رجلا شجاعا، وعنّت لنا ظبية وأنت تريد امرأة.
والثانى أن تعتمد لوازمه عند ما تكون جهة الاشتراك وصفا ،
وإنما ثبت كماله فى المستعار منه بواسطة شىء آخر فتثبت ذلك الشىء للمستعار له مبالغة فى إثبات المشترك، كقول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرّة «١» ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
وليس هناك مشار اليه يمكن أن يجرى اسم اليد عليه كما جرى الأسد على الرجل لكنّه خيّل الى نفسه أن الشمال فى تصريف الغداة على حكم طبيعة الإنسان المتصرّف فيما زمامه ومقادته بيده، لأن تصرف الإنسان إنما يكون باليد فى أكثر الأمور فاليد كالآلة التى تكمل بها القوّة على التصرف، ولما كان الغرض إثبات التصرف- وذلك مما لا يكمل إلا عند ثبوت اليد- أثبت اليد «٢» للشمال تحقيقا للغرض، وحكم الزمام فى استعارته للغداة حكم اليد فى استعارتها للشمال، وكذلك قول تأبّط شرّا:
اذا هزّه فى عظم قرن تهلّلت ... نواجذ «٣» أفواه المنايا الضواحك
لمّا شبّه المنايا عند هزّة السيف بالمسرور- وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذى تتهلّل فيه النواجذ- أثبته تحقيقا للوصف المقصود، وإلّا فليس للمنايا ما ينقل اليه اسم النواجذ، وهكذا الكلام فى قول الحماسىّ:
سقاه الردى سيف إذا سلّ أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كلّ مرقب
стр. 2280
ومن هذا الباب قولهم: فلان مرخى العنان، وملقى الزمام.
قال: ويسمّى هذا النوع استعارة تخييليّة، وهو كإثبات الجناح للذلّ فى قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
قال: اذا عرف هذا فالنوع الأوّل على أربعة أقسام:
الأوّل- أن يستعار المحسوس للمحسوس ،
وذلك إما بأن يشتركا فى الذات ويختلفا فى الصفات، كاستعارة الطيران لغير ذى جناح فى السرعة، فإن الطيران والعدو يشتركان فى [الحقيقة «١» وهى] الحركة الكائنة»
إلّا أن الطيران أسرع. أو بأن يختلفا فى الذات ويشتركا فى صفة إما محسوسة كقولهم: رأيت شمسا ويريدون إنسانا يتهلّل وجهه، وكقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
فالمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع الانبساط، ولكنّه فى النار أقوى؛ وإمّا غير محسوسة كقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
المستعار له الريح، والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة.
الثانى- أن يستعار شىء معقول لشىء معقول
لاشتراكهما فى وصف عدمىّ أو ثبوتىّ وأحدهما أكمل فى ذلك الوصف، فيتنزّل الناقص منزلة الكامل كاستعارة اسم العدم للوجود إذا اشتركا فى عدم الفائدة، أو استعارة اسم الوجود للعدم اذا بقيت آثاره المطلوبة منه، كتشبيه الجهل بالموت لاشتراك الموصوف «٣» بهما فى عدم الإدراك والعقل، وكقولهم: فلان لقى الموت اذا لقى الشدائد، لاشتراكهما فى المكروهيّة، وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
والسكوت والزوال أمران معقولان.
следующие страницы →