← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال: ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها، أما ترشيحها فهو أن ينظر فيها إلى المستعار، ويراعى جانبه، ويوليه ما يستدعيه، ويضمّ إليه ما يقتضيه، كقول كثير: رمتنى بسهم ريشه الهدب لم يصب ... بظاهر «١» جسمى وهو فى القلب جارح وكقول النابغة: وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب فالمستعار فى كل واحد منهما وهو الرمى والإراحة منظور اليهما فى لفظ السهم والعازب، وكما أنشد صاحب الكشّاف «٢» : ينازعنى ردائى عند عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لى الشطر الذى ملكت يمينى ... ودونك فاعتجر منه بشطر أراد بردائه سيفه، ثم نظر إلى المستعار فى لفظ الاعتجار. وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظورا إليه، كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فإن الإذاقة لمّا وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر «٣» والألم تشبيها له بما يدرك من الطعم المرّ البشع، واللباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال: فأذاقها الله ما غشيها من ألم الجوع والخوف، وكقول زهير: لدى أسد شاكى «٤» السلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم فلو نظر الى المستعار لقال: أسد دامى المخالب أو دامى البراثن، ونظر زهير فى آخر البيت الى المستعار أيضا، ومنه قول كثّير: غمر الرداء اذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال

стр. 2277

استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه «١» بالغمر الذى هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء. قال: ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية، وهى أن لا يصرّح بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه، كقولهم: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس. وكقول أبى ذؤيب: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع تنبيها على أنّ الشجاع أسد، والمنيّة سبع، والعالم «٢» بحر، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجرّدة إلّا أنّه أغرب وأعجب، ويقرب منه قول زهير: ومن يعص أطراف الزجاج «٣» فإنه ... يطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم أراد أن يقول: من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب، وذلك أنهم كانوا اذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدّامها مكان الأسنّة، واذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنّة؛ وقد يسمّى هذا النوع المماثلة أيضا. قال: وقد ينزلون الاستعارة منزلة الحقيقة، وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس للشىء المعقول ويجعلون كأنّ تلك الصفة ثابتة لذلك الشىء فى الحقيقة، وأنّ الاستعارة لم توجد أصلا، مثاله استعارتهم العلوّ لزيادة الرجل على غيره فى الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوّا مكانيّا «٤» ، كقول أبى تمّام:

стр. 2278

ويصعد حتى يظنّ الحسود ... بأنّ له حاجة فى السماء وكقوله أيضا: مكارم لجت فى علوّ كأنّما ... تحاول ثأرا «١» عند بعض الكواكب ولذلك يستعيرون اسم شىء لشىء من نحو شمس أو بدر أو أسد ويبلغون الى حيث يعتقد أنه ليس هناك استعارة، كقول ابن العميد: قامت تظلّلنى من الشمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس وكقول آخر: أيا شمعا يضىء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق فأنت البدر ما معنى انتقاصى؟ ... وأنت الشمع ما معنى احتراقى «٢» ؟ [ «٣» فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة لما كان لهذا التعجب معنى، ومدار هذا النوع على التعجب] وقد يجئ على عكسه، كقول الشاعر «٤» : لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر. فصل فى أقسام الاستعارة قال: وهى على نوعين: الأوّل أن تعتمد نفس التشبيه ، وهو أن يشترك شيئان فى وصف وأحدهما أنقص من الآخر، فتعطى الناقص اسم الزائد مبالغة فى تحقّق ذلك الوصف له

стр. 2279

كقولك: رأيت أسدا وأنت تعنى رجلا شجاعا، وعنّت لنا ظبية وأنت تريد امرأة. والثانى أن تعتمد لوازمه عند ما تكون جهة الاشتراك وصفا ، وإنما ثبت كماله فى المستعار منه بواسطة شىء آخر فتثبت ذلك الشىء للمستعار له مبالغة فى إثبات المشترك، كقول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقرّة «١» ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها وليس هناك مشار اليه يمكن أن يجرى اسم اليد عليه كما جرى الأسد على الرجل لكنّه خيّل الى نفسه أن الشمال فى تصريف الغداة على حكم طبيعة الإنسان المتصرّف فيما زمامه ومقادته بيده، لأن تصرف الإنسان إنما يكون باليد فى أكثر الأمور فاليد كالآلة التى تكمل بها القوّة على التصرف، ولما كان الغرض إثبات التصرف- وذلك مما لا يكمل إلا عند ثبوت اليد- أثبت اليد «٢» للشمال تحقيقا للغرض، وحكم الزمام فى استعارته للغداة حكم اليد فى استعارتها للشمال، وكذلك قول تأبّط شرّا: اذا هزّه فى عظم قرن تهلّلت ... نواجذ «٣» أفواه المنايا الضواحك لمّا شبّه المنايا عند هزّة السيف بالمسرور- وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذى تتهلّل فيه النواجذ- أثبته تحقيقا للوصف المقصود، وإلّا فليس للمنايا ما ينقل اليه اسم النواجذ، وهكذا الكلام فى قول الحماسىّ: سقاه الردى سيف إذا سلّ أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كلّ مرقب

стр. 2280

ومن هذا الباب قولهم: فلان مرخى العنان، وملقى الزمام. قال: ويسمّى هذا النوع استعارة تخييليّة، وهو كإثبات الجناح للذلّ فى قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ. قال: اذا عرف هذا فالنوع الأوّل على أربعة أقسام: الأوّل- أن يستعار المحسوس للمحسوس ، وذلك إما بأن يشتركا فى الذات ويختلفا فى الصفات، كاستعارة الطيران لغير ذى جناح فى السرعة، فإن الطيران والعدو يشتركان فى [الحقيقة «١» وهى] الحركة الكائنة» إلّا أن الطيران أسرع. أو بأن يختلفا فى الذات ويشتركا فى صفة إما محسوسة كقولهم: رأيت شمسا ويريدون إنسانا يتهلّل وجهه، وكقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع الانبساط، ولكنّه فى النار أقوى؛ وإمّا غير محسوسة كقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ المستعار له الريح، والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة. الثانى- أن يستعار شىء معقول لشىء معقول لاشتراكهما فى وصف عدمىّ أو ثبوتىّ وأحدهما أكمل فى ذلك الوصف، فيتنزّل الناقص منزلة الكامل كاستعارة اسم العدم للوجود إذا اشتركا فى عدم الفائدة، أو استعارة اسم الوجود للعدم اذا بقيت آثاره المطلوبة منه، كتشبيه الجهل بالموت لاشتراك الموصوف «٣» بهما فى عدم الإدراك والعقل، وكقولهم: فلان لقى الموت اذا لقى الشدائد، لاشتراكهما فى المكروهيّة، وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ والسكوت والزوال أمران معقولان.

стр. 2281

الثالث- أن يستعار المحسوس للمعقول كاستعارة النور الذى هو محسوس للحجّة، واستعارة القسطاس للعدل، وكقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فالقذف والدمغ مستعاران، وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ استعارة لبيانه عما أوحى اليه كظهور ما فى الزجاجة عند انصداعها، وكلّ خوض فى القرآن العزيز فهو مستعار من الخوض فى الماء، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ جعل لهما طاعة وقولا. الرابع- أن يستعار اسم المعقول للمحسوس على ما تقدّم ذكره فى التشبيه كقوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ فالشهيق والغيظ مستعاران، وقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها والأقوال فى الاستعارة كثيرة، وقد أوردنا فيها ما يستدلّ به عليها. وأما الكناية قال: اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلىّ غير معناها فلا يخلو: إما أن يكون معناها مقصودا أيضا ليكون دالّا على ذلك الغرض الأصلىّ وإما أن لا يكون كذلك. فالأوّل هو الكناية، ويقال له: الإرداف أيضا. والثانى المجاز. فالكناية عند علماء البيان أن يريد المتكلّم إثبات معنى من المعانى لا يذكره باللفظ الموضوع له فى اللغة، ولكن يجىء الى معنى هو تاليه «١» وردفه فى الوجود فيومى به اليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: طويل النجاد وكثير رماد القدر، يعنون به أنه طويل القامة، كثير القرى، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ كنى بنفى قبول التوبة عن الموت على الكفر.

стр. 2282

وقول الشاعر «١» : بعيدة مهوى الفرط إما لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم أراد يذكر طول جيدها [فأتى بتابعه «٢» وهو بعد مهوى القرط] ، وكقول ليلى الأخيليّة: ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما كنت عن جوده بخرق القميص من جذب العفاة له عند ازدحامهم لأخذ العطاء، وأمثال ذلك. قال: والكناية تكون فى المثبت كما ذكرنا، وقد تكون فى الإثبات وهى ما إذا حاولوا إثبات معنى من المعانى لشىء فيتركون التصريح بإثباته له، ويثبتونه لما له به تعلّق، كقولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه، وقول الشاعر «٣» : إن المروءة والسماحة والندى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج. قال: واعلم أن الكناية ليست من المجاز لأنك تعتبر فى ألفاظ الكناية معانيها «٤» الأصلية، وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود، فتريد بقولك: كثير الرماد حقيقته «٥» وتجعل ذلك دليلا على كونه جوادا، فالكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف. وأما التعريض - فهو تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر، كقولك: ما أقبح البخل! لمن تعرّض ببخله، وكقول محمد بن عبد الله بن الحسن: لم يعرق فى أمّهات الأولاد، يعرّض بالمنصور بأنه ابن أمة، وأمثال ذلك. وأما التمثيل - فإنما يكون من باب المجاز اذا جاء على حدّ الاستعارة، مثاله قولك للمتحيّر «٦» : فلان يقدّم رجلا ويؤخر أخرى، فلو قلت: إنه فى تحيّره كمن يقدّم

стр. 2283

رجلا ويؤخر أخرى لم يكن من باب المجاز، وكذلك قولك لمن أخذ فى عمل لا يتحصّل منه مقصود: أراك تنفخ فى غير ضرم، وتخطّ على الماء. قال: وأجمعوا على أن للكناية مزيّة على التصريح لأنك اذا أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها فهو كالدعوى التى [معها «١» ] شاهد ودليل، وذلك أبلغ من إثباتها بنفسها. وأما الخبر وأحكامه - فقد قال: الخبر هو القول المقتضى تصريحه نسبة معلوم الى معلوم بالنفى أو الإثبات. وتسمية أحد جزئيه بالخبر مجازيّة. ثم المقصود من الخبر إن كان هو الإثبات المطلق فيكون بالاسم، كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وإن لم يتمّ ذلك إلا بإشعار زمانه فيكون بالفعل، كقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فإن المقصود لا يتمّ بكونه معطيا للرزق [بل بكونه معطيا للرزق «٢» ] فى كل حين وأوان، والإخبار بالفعل أخصّ من الإخبار بالاسم، واذا أنعمت النظر وجدت الاسم موضوعا على أن تثبت به المعنى للشىء من غير إشعار بتجدّده شيئا فشيئا، بل جعل الانطلاق أو البسط مثلا صفة ثابتة ثبوت «٣» الطول أو القصر فى قولك: زيد طويل أو قصير، بخلاف ما إذا أخبرت بالفعل فإنه يشعر بالتجدّد وأنه يقع جزءا فجزءا، وإذا أردت شاهدا على ذلك فتأمّل هذا البيت: لا يألف «٤» الدرهم المضروب صرّتنا ... إلا «٥» يمرّ عليها وهو منطلق

стр. 2284

فجاء بالاسم، ولو أتى بالفعل لم يحسن هذا الحسن. والفعل المتعدى الى جميع مفعولاته خبر واحد، حتى اذا قلت: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة خلف المسجد ضربا شديدا تأديبا له كان الخبر «١» شيئا واحدا وهو إسناد الضرب المقيّد بهذه القيود الى زيد، فظهر من ذلك [أن «٢» ] قولك: جاءنى رجل مغاير لما دلّ عليه قولك: جاءنى رجل ظريف، وإنك لست فى ذلك [إلا «٣» ] كمن يضمّ معنى الى معنى. وحكم المبتدإ «٤» والخبر أيضا كذلك، فقول بشّار: كأن مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه خبر واحد. وإذا قلت: الرجل خير من المرأة فاللام فيه قد تكون للعموم أو للخصوص بأن ترجع الى معهود، أو لتعريف الحقيقة مع قطع النظر عن عمومها وخصوصها. واذا قلت: زيد المنطلق، أو زيد هو المنطلق أفاد انحصار المخبر به فى المخبر عنه، فان أمكن الحصر ترك على حقيقته، وإلّا فعلى المبالغة. واذا قلت: المنطلق زيد فهو إخبار عما عرف بما لم يعرف، فكأن المخاطب عرف أن انسانا انطلق ولم يعرف صاحبه، فقلت: الذى تعتقد انه منطلق زيد. وأما الذى «٥» - فهو للإشارة الى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذى أبوه منطلق، وهو تحقيق قولهم: إنه يستعمل لوصف المعارف بالجمل. والتصديق والتكذيب يتوجهان الى خبر المبتدا لا إلى صفته، فاذا

стр. 2285

كذّبت القائل فى قوله: زيد بن عمرو كريم، فالتكذيب لم يتوجه الى كونه ابن عمرو بل الى كونه كريما. وأما التقديم والتأخير - قال: اذا قدّم الشىء على غيره فإما أن يكون فى نيّة التأخير، كما اذا قدّم الخبر على المبتدإ؛ وإما أن يكون فى نية التأخير ولكن انتقل الشىء من حكم الى آخر، كما اذا جئت الى اسمين جاز أن يكون كلّ واحد منهما مبتدأ فجعلت أحدهما مبتدأ، كقولك: زيد المنطلق، والمنطلق زيد. قال الجرجانىّ: قال صاحب الكتاب: كأنهم يقدّمون الذى بيانه أهمّ لهم وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم، مثاله: أن الناس اذا تعلق غرضهم بقتل خارجىّ مفسد ولا يبالون من صدر القتل منه، وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدّم ذكر الخارجىّ [فيقول «١» ] قتل الخارجىّ زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجىّ لأنه يعلم أن قتل الخارجىّ هو الذى يعنيهم، وإن كان قد وقع قتل من رجل يبعد فى اعتقاد الناس وقوع القتل من مثله قدّم المخبر ذكر الفاعل فيقول: قتل زيد رجلا لاعتقاد الناس فى المذكور خلاف ذلك. انتهى كلام الجرجانىّ. قال: ولنذكر ثلاثة مواضع يعرف بها ما «٢» لم يذكر: الأوّل الاستفهام - فإذا أدخلته على الفعل وقلت: أضربت زيدا؟ كان الشكّ فى وجود الفعل، وإذا أدخلته على الاسم وقلت: أأنت ضربت زيدا؟ كان الفعل محقّقا والشكّ فى تعيين الفاعل. وهكذا حكم النكرة، فإذا قلت: أجاءك رجل؟ كان المقصود: هل وجد المجىء من رجل؟ فإذا قلت: أرجل جاءك؟ كان ذلك سؤالا عن جنس من جاء بعد الحكم بوجود المجىء من إنسان؛ وقس عليه

стр. 2286

الخبر فى قولك: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وجاءنى رجل، ورجل جاءنى؛ ثم الاستفهام قد يجىء للانكار، فإن كان [فى «١» ] الكلام فعل ماض وأدخلت الاستفهام عليه كان لانكاره، كقوله تعالى: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ وإن أدخلته على الاسم فإن لم يكن الفعل مترددا بينه وبين غيره كان لانكار أنه الفاعل، ويلزم منه نفى ذلك الفعل، كقوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أى لو كان إذن لكان من الله، فلمّا لم يوجد منه دلّ على أن لا إذن، كما تقول: متى كان هذا، فى ليل أم «٢» نهار؟ أى لو كان لكان فى ليل أو نهار، فلما لم يوجد فى واحد منهما لم يوجد أصلا، وعليه قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ* . وإن كان مردّدا بينه وبين غيره كان إما للتقرير والتوبيخ، وعليه قوله تعالى حكاية عن قول نمرود: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ . وإمّا لانكار أنه الفاعل مع تحقيق الفعل، كقولك لمن انتحل شعرا: أأنت قلت هذا؟. وان كان الفعل مضارعا، فإن أدخلت حرف الاستفهام عليه كان إمّا لانكار وجوده، كقوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ . أو لانكار أنه يقدر على الفعل، كقول امرئ القيس: أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال. أو لإزالة طمع من طمع فى أمر لا يكون، فيجهّله فى طمعه، كقولك: أيرضى عنك فلان وأنت على ما يكره؟. أو لتعنيف من يضيّع الحق، كقول الشاعر: أتترك «٣» إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنى إذن للئيم

стр. 2287

أو لتنديم الفاعل، كما تقول لمن يركب الخطر: أتخرج فى هذا الوقت؟. وإن أدخلته على الاسم فهو لإنكار صدور الفعل من ذلك الفاعل إما للاستحقار كقولك: أأنت تمنعنى؟. أو للتعظيم كقولك: أهو يسأل الناس؟. أو للمبالغة إما فى كرمه، كقولك: أهو يمنع سائله؟؛ وإما فى خساسته، كقولك: أهو يسمح بمثل هذا؟. وقد يكون لبيان استحالة فعل ظنّ ممكنا، كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وكذلك إذا أدخلته على المفعول، كقوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا وأَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ وأَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ. الثانى فى التقديم والتأخير فى النفى - إذا أدخلت النفى على الفعل فقلت: ما ضربت زيدا فقد نفيت عن نفسك ضربا واقعا بزيد، وهذا لا يقتضى كون زيد مضروبا. وإذا أدخلته على الاسم فقلت: ما أنا ضربت زيدا اقتضى من باب دليل الخطاب كون زيد مضروبا، وعليه قول المتنبى: وما أنا وحدى قلت ذا الشعر كلّه ... ولكن لشعرى فيك من نفسه شعر ولهذا يصح أن تقول: ما ضربت إلا زيدا، وما ضربت زيدا ولا ضربه أحد من الناس، ولا يصح أن تقول: ما أنا ضربت إلا زيدا، وما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد من الناس. أما الأوّل فلأنّ نقض النفى بإلّا يقتضى أن تكون ضربته، [وتقديمك «١» ضميرك وإيلاءه حرف النفى يقتضى ألا «٢» تكون ضربته] فيتدافعان.]

стр. 2288

وأما الثانى فلأن أوّل الكلام يقتضى أن يكون زيد مضروبا، وآخره يقتضى ألا يكون مضروبا فيتناقضان. إذا عرف هذا فى جانب الفاعل فإنه مثله فى جانب المفعول، فإذا قلت: ما ضربت زيدا لم يقتض أن تكون ضاربا لغيره، وإذا قلت: ما زيدا ضربت اقتضى ذلك، ولهذا صحّ ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس ولا يصح [ما «١» ] زيدا ضربت ولا أحدا من الناس. وحكم الجار والمجرور حكم المفعول، فإذا قلت: ما أمرتك بهذا لم يقتض أن تكون قد أمرته بشىء غير هذا، وإذا قلت: ما بهذا أمرتك اقتضاه. وإذا قدّمت صيغة العموم على السلب وقلت: كلّ ذا لم أفعله، برفع كلّ كان نفيا عامّا، ويناقضه الإثبات الخاصّ، فلو فعلت بعضه كنت كاذبا. وإن قدّمت السلب وقلت: لم أفعل كلّ ذا كان نفيا للعموم ولا ينافى الإثبات الخاصّ، فلو فعلت بعضه لم تكن كاذبا، ومن هذا ظهر الفرق بين رفع كلّ ونصبه فى قول أبى النجم: قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع فإن رفعته كان النفى عامّا، واستقام غرض الشاعر فى تبرئة نفسه من جملة الذنوب، وإن نصبته كان النفى نفيا للعموم، وهو لا ينافى إتيان بعض الذنب فلا يتم غرضه. الثالث فى التقديم والتأخير فى الخبر المثبت - ما تقدّم فى الاستفهام والنفى قائم هنا، فإذا قدّمت الاسم وقلت: زيد فعل وأنا فعلت فالقصد الى الفاعل، إما لتخصيص ذلك الفعل به، كقولك: أنا شفعت فى شأنه مدّعيا الانفراد بذلك

стр. 2289

أو لتأكيد إثبات الفعل له لا للحصر، كقولك: هو يعطى الجزيل، لتمكّن فى نفس السامع أن ذلك دأبه دون نفيه عن غيره، ومنه قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ فإنه ليس المراد تخصيص المخلوقية بهم، وقوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وكقول درنى بنت عبعبة «١» : هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما وقول الآخر: همو يفرشون اللّبد كلّ طمرّة «٢» ... وأجرد سبّاح يبذ «٣» المغالبا قال: والسبب فى هذا التأكيد أنك إذا قلت مثلا: زيد، فقد أشعرت بأنك تريد الحديث عنه فيحصل للسامعه تشوّق إلى معرفته، فإذا ذكرته قبلته النفس [قبول العاشق معشوقه «٤» ] فيكون ذلك أبلغ فى التحقيق ونفى الشكّ والشبهة، ولهذا تقول لمن تعده: أنا أعطيك أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر، وذلك إذا كان من شأن من يسبق له وعد أن يعترضه الشك فى وفائه، ولذلك يقال فى المدح: أنت تعطى الجزيل، أنت تجود حين لا يجود أحد، ومن هاهنا تعرف الفخامة فى الجمل التى فيها ضمير الشأن والقصّة كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ* وأن فيها ما ليس فى قولك: فإن الأبصار لا تعمى، وإن الكافرين لا يفلحون؛ وهكذا

стр. 2290

فى الخبر المنفىّ، فإذا قلت: أنت لا تحسن هذا، كان أبلغ من قولك لا تحسن هذا، فالأوّل لمن هو أشدّ إعجابا بنفسه وأكثر دعوى بأنه يحسن. قال: واعلم أنه قد يكون تقديم الاسم كاللازم نحو قوله: يا عاذلى دعنى من عذلكا ... مثلى لا يقبل من مثلكا وقول المتنبى: مثلك يثنى الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدمع عن غربه وقول الناس «١» : مثلك يرعى الحق والحرمة، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه إلى إنسان سوى الذى أضيف اليه وجىء به للمبالغة، وقد عبّر المتنبى عن هذا المعنى فقال: ولم أقل مثلك أعنى به ... سواك يا فردا بلا مشبه. وكذلك حكم «غير» اذا سلك فيه هذا المسلك، كقول المتنبى: غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا أى لست ممن ينخدع ويغترّ، ولو لم يقدّم «٢» مثلا وغيرا فى هذه الصور لم يؤدّ هذا المعنى. قال: ويقرب من هذا المعنى تقديم بعض المفعولات على بعض فى نحو قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ فإن تقديم شركاء على الجن أفاد أنه ما ينبغى لله شركاء لا من الجنّ ولا من غيرهم، لأن شركاء مفعول ثان لجعلوا، ولله متعلّق به والجنّ مفعوله الأوّل، فقد جعل الإنكار على جعل الشريك لله على الإطلاق من غير اختصاص بشىء دون شىء، لأن الصفة إذا ذكرت مجرّدة عن مجراها على شىء كان

стр. 2291

الذى تعلق بها من المنفىّ «١» عاما فى كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة، فإذا قلت: ما فى الدار كريم، كنت نفيت الكينونة فى الدار عن كل شىء يكون الكرم صفة له، وحكم الإنكار «٢» أبدا حكم النفى، فأما إذا أخرت شركاء فقلت: وجعلوا الجنّ شركاء [لله «٣» فيكون جعل الشركاء مخصوصا غير مطلق فيحتمل أن يكون المقصود بالإنكار جعل الجنّ شركاء] لا جعل غيرهم، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فقدّم شركاء نفيا لهذا الاحتمال. فصل فى مواضع التقديم والتأخير قال: أما التقديم فيحسن فى مواضع: الأول أن تكون الحاجة إلى ذكره أشدّ ، كقولك: قطع اللّصّ الأمير. الثانى: أن يكون ذلك أليق بما قبله من الكلام أو بما بعده ، كقوله تعالى: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ فإنه أشكل بما بعده وهو قوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ* وبما قبله وهو: مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ*. الثالث: أن يكون من الحروف التى لها صدر الكلام ، كحروف الاستفهام والنفى، فإنّ الاستفهام طلب فهم الشىء، وهو حالة إضافية فلا تستقلّ بالمفهومية فيشتدّ اتصاله بما بعده. الرابع: تقديم الكلىّ على جزئياته ، فإن الشىء كلما كان أكثر عموما كان أعرف فإن الوجود لما كان «٤» أعمّ الأمور كان أعرفها عند العقل. الخامس: تقديم الدليل على المدلول .

стр. 2292

وأما التأخير فيحسن «١» فى مواضع: الأوّل: تمام الاسم كالصلة والمضاف اليه. الثانى: توابع الأسماء. الثالث: الفاعل. الرابع: المضمر ، وهو أن يكون متأخرا لفظا وتقديرا، كقولك: ضرب زيد غلامه أو مؤخرا فى اللفظ مقدّما فى المعنى كقوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ أو بالعكس كقولك: ضرب غلامه زيد؛ وإن تقدّم لفظا ومعنى لم يجز كقولك: ضرب غلامه زيدا. الخامس: ما يفضى إلى اللّبس ، كقولك: ضرب موسى عيسى، أو أكرم هذا هذا، فيجيب فيه تقديم الفاعل. السادس: العامل الذى هو ضعيف عمله ، كالصفة المشبّهة والتمييز وما عمل فيه حرف أو معنى، كقولك: هو حسن وجها، وكريم أبا، وتصبب عرقا، وخمسة وعشرون درهما، وإن زيدا قائم، وفى الدار سعد جالسا. ولا يجوز الفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه، فلا تقول: كانت زيدا الحمّى تأخذ إذا رفعت اخمّى بكانت «٢» للفصل بين العامل وما عمل فيه، فإن أضمرت الحمّى فى كانت صحت المسألة. وأما الفصل والوصل - فهو العلم بمواضع العطف والاستئناف، والتهدّى إلى كيفيّة إيقاع حروف العطف فى مواقعها، وهو من أعظم أركان البلاغة، حتى إن

стр. 2293

بعضهم حدّ البلاغة بأنها معرفة الفصل والوصل. وقال عبد القاهر: إنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معانى البلاغة. قال: اعلم أن فائدة [العطف «١» ] التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ثم من الحروف العاطفة ما لا يفيد إلا هذا القدر وهو الواو، ومنها ما يفيد «٢» فائدة زائدة كالفاء وثمّ وأو، وغرضنا هاهنا متعلق بما لا يفيد إلا الاشتراك فنقول: العطف إما أن يكون فى المفردات، وهو يقتضى التشريك فى الإعراب، وإما أن يكون فى الجمل، وتلك الجملة إن كانت فى قوّة المفرد كقولك: مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح، فقد أشركت بينهما فى الإعراب [والمعنى «٣» ] لاشتراكهما فى كون كل واحد منهما تقييدا للموصوف، ولا يتصور أن يكون اشتراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الاشتراك فيه، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حاله الأوّل عساه يعرف حاله الثانى، يدلك على ذلك أنك اذا عطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره لم يستقم، فلو قلت: خرجت اليوم من دارى، وأحسن الذى [يقول «٤» ] بيت كذا قلت ما يضحك منه، ومن هاهنا عابوا على أبى تمّام قوله: لا والذى هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم. وإن لم تكن فى قوّة المفرد فهى على قسمين: الأوّل أن يكون معنى إحدى الجملتين لذاته متعلقا بمعنى الأخرى «٥» كما إذا كانت كالتوكيد لها أو كالصفة، فلا يجوز إدخال العاطف عليه، لأنّ التوكيد والصفة

стр. 2294

متعلقان بالمؤكّد والموصوف لذاتهما، والتعلق الذاتىّ يغنى عن لفظ يدل على التعلق، فمثال التوكيد قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فلا ريب فيه توكيد لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ كأنه قال: هو ذلك الكتاب، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ تأكيد ثان أبلغ من الأوّل، وكذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ولم يقل: ويخادعون، لأن المخادعة ليست شيئا غير قولهم: آمنّا مع أنهم غير مؤمنين، وكذلك قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ولم يقل تعالى: وكأن، وأمثال [ذلك] فى القرآن العزيز كثيرة. القسم الثانى ألا يكون بين الجملتين تعلق ذاتىّ، فإن لم يكن بينهما مناسبة فيجب ترك العاطف أيضا، لأن العطف للتشريك ولا تشريك، ومن هاهنا أيضا عابوا على أبى تمّام البيت المتقدّم، لا والذى هو عالم ... ، إذ لا مناسبة بين مرارة النوى وبين كرم أبى الحسين، ولذلك لم يحسن جواز العاطف. وإن كان بينهما مناسبة فيجب ذكر العاطف. ثم إن كان المحدّث عنه فى الجملتين شيئين فالمناسبة بينهما إما أن تكون بالذى أخبر بهما، أو بالذى أخبر عنهما، أو بهما كليهما؛ وهذا الأخير هو المعتبر فى العطف. قال: ونعنى بالمناسبة أن يكونا متشابهين، كقولك: زيد كاتب وعمرو [شاعر «١» ] [أو متضادّين تضادّا على الخصوص، كقولك زيد طويل وعمرو «٢» ] قصير، وكقولك: العلم حسن والجهل قبيح، فلو قلت: زيد طويل والخليفة قصير لا اختل معنى عند

стр. 2295

ما لا يكون لزيد تعلق بحديث الخليفة، ولو قلت: زيد طويل وعمرو شاعر لا اختل لفظا، إذ لا مناسبة بين الطويل القامة والشاعر. وإن كان المحدّث عنه فى الجملتين شيئا واحدا، كقولك: فلان يقول ويفعل ويضرّ وينفع، ويأمر وينهى، ويسىء ويحسن، فيجب إدخال العاطف فإن الغرض جعله فاعلا لأمرين، فلو قلت: يقول يفعل بلا عاطف لتوهّم أن الثانى رجوع عن الأوّل. وإذا أفاد العاطف الاجتماع ازداد الاشتراك «١» ، كقولك: العجب من أنك أحسنت وأسأت، والعجب من أنك تنهى عن شىء وتأتى مثله، وكقوله: لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا فإن المعنى جعل الفعلين فى حكم واحد، أى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا إيّاكم يوجد مع إهانتكم إيّانا. قال: وقد يجب إسقاط العاطف فى بعض المواضع لاختلال المعنى عند إثباته كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ كلام مستأنف، وهو إخبار من الله تعالى، فلو أتى بالواو لكان إخبارا عن اليهود بأنهم وصفوا أنفسهم بأنهم يفسدون فيختل المعنى، وكذلك قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وأمثال ذلك كثيرة؛ واذا كان كذلك فلا حاجة الى العاطف بخلاف قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فإن كل واحدة من الجملتين خبر من الله تعالى.

стр. 2296

قال: ومما يجب ذكره هاهنا الجملة اذا وقعت حالا فإنها تجىء مع الواو تارة وبدونها أخرى فنقول: الجملة اذا وقعت حالا فلا بدّ أن تكون خبريّة تحتمل الصدق والكذب، وهو «١» على قسمين: الأوّل وله أحوال: الأولى: أن يجمع لها بين الواو وضمير صاحب الحال، كقولك: جاء زيد ويده على غلامه، ولقيت زيدا وفرسه سابقه، وهذه الواو تسمّى واو الحال. الثانية: أن تجىء بالضمير من غير واو، كقولك: كلمته فوه الى فىّ، وهو فى معنى مشافها، والرابط الضمير، فلو قلت: كلّمته الى فىّ فوه، ولقيته عليه جبّة وشى لم يكن من باب وقوع الجملة حالا، لأنه يمكننا أن نرفع فوه وجبة بالجارّ والمجرور فيرجع الكلام الى وقوع المفرد حالا، والتقدير كلّمته كائنا الى فىّ فوه، ولقيته مستقرّة عليه جبّة وشى، وعليه قول بشّار: اذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها ... غدوت مع البازى علىّ سواد. الثالثة: أن تجىء الواو من غير ضمير وهو كثير، كقولك: لقيتك والجيش قادم وزرتنا والشتاء خارج. ويجوز أن يجمع بين حالين مفرد وجملة اذا أجزنا وقوع حالين كقولك: لقيتك راكبا والجيش قادم، فالجملة حال من التاء أو من الكاف، والعامل فيها لقيت، أو من ضمير «راكبا» و «راكبا» هو العامل فيها. القسم الثانى الجملة الفعلية، ولا بدّ أن تكون ماضيا أو مضارعا أما الماضى فلا بدّ معه من الإتيان بالواو وقد أو بأحدهما، كقولك: تكلمت وقد

стр. 2297

عجلت، وجاء زيد قد ضرب عمرا، وجئت وأسرعت فى المجىء، قال الله تعالى: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ولم يجز البصريّون خلوّه عنهما، وقالوا فى قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وفى قول أبى صخر الهذلىّ: وإنى لتعرونى لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر: إن قد مقدّرة فيهما، فإنّ الشىء اذا عرف موضعه جاز حذفه. وأما المضارع فإن كان موجبا فلا يؤتى معه بالواو «١» ، فتقول: جاءنى زيد يضحك، ويجىء عمرو يسرع، واجلس تحدّثنا بالرفع أى محدّثا لنا، لأنه بتجرّده عما يغير معناه أشبه اسم الفاعل اذا وقع حالا. وإن كان منفيا جاز حذف الواو مراعاة لأصل الفعل الذى هو الإيجاب وجاز إثباتها، لأن الفعل ليس هو الحال، فإن معنى قولك: جلس زيد ولم يتكلّم جلس زيد غير متكلّم، فجرى مجرى الجملة الإسمية، فالحذف كقولك: جاء زيد ما يفوه ببنت شفة، قال الله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ فقوله: لا يمسّنا فى موضع نصب على الحال من ضمير المرفوع فى أحلّنا، والإثبات كقولك: جلس زيد ولم يتكلّم، قال الله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً . قال: وشبهوا به الفعل الماضى فقالوا: جاء زيد ما ضرب عمرا، وجاء زيد وما ضرب عمرا. وأما الحذف والإضمار - فقد قال: الأفعال المتعدّية التى ترك ذكر مفعولاتها على قسمين: الأوّل: ألا يكون له مفعول معيّن، فقد يترك مفعوله لفظا وتقديرا ويجعل حاله كحال غير المتعدّى، كقولهم: فلان يحلّ ويعقد، ويأمر وينهى، ويضرّ وينفع

стр. 2298

والمقصود إثبات المعنى فى نفسه للشىء من غير التعرّض لحديث المفعول، فكأنك قلت: بحيث يكون منه حلّ وعقد وأمر ونهى ونفع وضرّ، وعليه قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أى هل يستوى من له علم ومن لا علم له من غير أن ينص على معلوم، وكذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى الى قوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وبالجملة فمتى كان الغرض بيان حال الفاعل فقط فلا تعدّ الفعل، فإنّ تعديته تنقض الغرض. ألا ترى أنك اذا قلت: فلان يعطى الدنانير كان المقصود بيان جنس ما يتناوله الإعطاء لا بيان حال كونه معطيا؟. الثانى: أن يكون له مفعول معلوم إلا أنه يحذف فى اللفظ لأغراض: الأوّل: أن يكون المراد بيان حال الفاعل وأنّ ذلك الحال «١» دأبه لا بيان المفعول كقول طفيل: جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا فى الواطئين فزلّت أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمنا ... تلاقى الّذى لاقوه منّا لملّت هم خلطونا بالنفوس «٢» وألجؤا ... الى حجرات أدفأت وأظلّت والأصل أن تقول: لملّتنا وألجؤونا وأدفأتنا وأظلّتنا، فحذف المفعول المعيّن من هذه المواضع الأربعة، وكأنه «٣» قد أبهم ولم يقصد قصد شىء يقع عليه، كما تقول: قد ملّ فلان، تريد قد دخل عليه الملال من غير أن تخصّ شيئا بل لا تزيد على أن تجعل

стр. 2299

الملال من صفته، فلذلك الشاعر جعل هذه الأوصاف من دأبهم، ولو أضاف الى مفعول معيّن لبطل هذا الغرض، وعليه قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ الى قوله تعالى: فَسَقى لَهُما فقد حذف المفعول فى أربعة مواضع، فإن ذكره ربما يخلّ بالمقصود، فلو قال تعالى مثلا: تذودان غنمهما لتوهّم أنّ الإنكار إنما جاء من ذودهما الغنم لا من مطلق الذّود، كقولك: ما لك تمنع أخاك؟ فإنّ الإنكار من منع الأخ لا من مطلق المنع. الثانى: أن يكون المقصود ذكره إلا أنك لا تذكره إيهاما بأنك لا تقصد ذكره كقول البحترىّ: شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى أن يرى مبصر محاسنه، أو يسمع واع المعنى أن يرى مبصر محاسنه، أو يسمع واع أخباره، ولكنه تغافل عن ذلك إيذانا بأن فضائله يكفى فيها أن يقع عليها بصر أو يعيها سمع حتى يعلم أنه المتفرّد بالفضائل، فليس لحسّاده وعداه أشجى من علم بأن هنا مبصرا وسامعا. الثالث: أن يحذف لكونه بيّنا، كقولهم: أصغيت اليك، أى أذنى، وأغضيت عليك، أى جفنى. فصل فى حذف المبتداء والخبر قال: قد يحسن حذف المبتدإ حيث يكون الغرض أنه قد بلغ فى استحقاق الوصف بما جعل وصفا له الى حيث يعلم بالضرورة أن ذلك الوصف ليس إلا له سواء كان فى نفسه كذلك، أم «١» بحسب دعوى الشاعر على طريق المبالغة، فذكره

стр. 2300

يبطل هذا الغرض، ولهذا قال الإمام عبد القاهر: ما من اسم يحذف فى الحالة التى ينبغى أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره، فمن حذف المبتدإ قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها أى هذه سورة، وقول الشاعر: لا يبعد الله التلبّب «١» والغارات ... إذ قال الخميس نعم أى هذه نعم، قال عبد القاهر: ومن المواضع التى يطّرد فيها حذف المبتدإ بالقطع «٢» والاستئناف أنهم يبدعون بذكر الرجل ويقدّمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأوّل ويستأنفون كلاما [آخر «٣» ] واذا فعلوا ذلك «٤» أتوا فى أكثر الأمر بخبر من غير مبتدإ، مثال ذلك قوله: وعلمت أنّى يوم ذاك ... منازل كعبا ونهدا قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمرّوا خلقا «٥» وقدا وقال الحطيئة: هم حلوا من الشرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب «٦» الشفاء وأمثلة ذلك كثيرة.

стр. 2301

ومن حذف الخبر قوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ أى لولا أنتم مضلونا وقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لولا علىّ لهلك عمر، أى لولا علىّ حاضر أو مفت. فصل الإضمار على شريطة التفسير كقولهم: أكرمنى وأكرمت عبد الله أى أكرمنى عبد الله وأكرمت عبد الله، ومما يشبه ذلك مفعول المشيئة اذا جاءت بعد لو، فإن كان مفعولها أمرا عظيما أو غريبا فالأولى ذكره، كقوله: ولو «١» شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع فإن بكاء الإنسان دما عجيب، وإن لم يكن كذلك فالأولى حذفه، كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى والتقدير لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، وكذلك قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ومَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. قال: واعلم أنه قد تترك الكناية الى التصريح لما فيه من زيادة الفخامة كقول البحترىّ: قد طلبنا فلم نجد لك فى السّو ... دد والمجد والمكارم مثلا المعنى قد طلبنا لك مثلا، ثم حذف، لأن هذا المدح إنما يتم بنفى المثل، فلو قال: قد طلبنا لك مثلا فى السّودد والمجد فلم نجده لكان قد أوقع نفى الوجود على ضمير المثل، فلم يكن فيه من المبالغة ما اذا أوقعه على صريح المثل، فإن الكناية لا تبلغ مبلغ

стр. 2302

الصريح، ولهذا لو قلت: وبالحق أنزلناه وبه نزل، وقل هو الله أحد وهو الصمد لا تجد من الفخامة ما تجده فى قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ وعلى ذلك قول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شىء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا. وأما مباحث إنّ وإنما - فإنه قال: أما إنّ فلها فوائد: الأولى أن تربط الجملة الثانية بالأولى ، وبسببها يحصل التأليف بينهما حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغا واحدا، ولو أسقطتها كان الثانى نائيا عن الأوّل، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقد تتكرر فى كلام واحد، كقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . ثم متى أسقطت «إنّ» من الجملة التى أدخلتها عليها، فإن كانت الجملة الثانية إنما تذكر لإظهار فائدة ما قبلها كما فى الآيات المذكورة احتجت إلى الفاء، وإلا فلا، كما فى قوله تعالى: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فلو قلت: فالمتقون لم يكن كلاما، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ فى موضع خبر إنّ، فدخول الفاء يوجب عطف الخبر على المبتدإ، وهو غير جائز عند أكثر النحويين.

стр. 2303

الثانية: أنك ترى لضمير الشأن والقصة فى الجملة الشرطيّة مع «إنّ» من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هى لم تدخل عليها ، كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. الثالثة: أنها تهيّئ النكرة وتصلحها لأن يحدّث عنها، كقوله «١» : إنّ شواء ونشوة ... وخبب «٢» البازل الأمون فلولا هى لم يكن كلاما؛ وإن كانت النكرة موصوفة جاز حذفها ولكن دخولها أصلح، كقول حسّان: إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان. الرابعة: أنها قد تغنى عن الخبر ، كما اذا قيل لك: الناس «٣» إلب عليكم فهل لكم أحد؟ فقلت: إنّ زيدا وإنّ عمرا، أى لنا، قال الأعشى» : إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السّفر «٥» إذ مضوا مهلا.

стр. 2304

الخامسة: قال المبرّد: اذا قلت عبد الله قائم، فهو إخبار عن قيامه ، فاذا قلت: إنّ عبد الله قائم، فهو جواب عن إنكار منكر لقيامه، سواء كان المنكر هو السائل أو الحاضرين؛ والدليل على أنّ إنّ «١» إنما تذكر لجواب السائل أنهم ألزموها الجملة من المبتدإ والخبر، نحو: والله إنّ زيدا لمنطلق، فالحاجة إنما تدعو الى «إنّ» اذا كان للسامع ظنّ يخالف ذلك، ولذلك تراها تزداد حسنا اذا كان الخبر بأمر يبعد «٢» ، كقول أبى نواس: عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى نفسك فى الياس. ومن لطيف مواقعها أن يدّعى على المخاطب ظنّ لم يظنّه ولكن [صدر «٣» ] منه فعل يقتضى ذلك الظنّ، فيقال له: حالك تقتضى أن تكون قد ظننت ذلك، كقول الشاعر «٤» : جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عمّك فيهم رماح أى مجيئك هذا مدلّا بنفسك مجىء من يعتقد أنه ليس مع أحد رمح غيره. وقد تجىء اذا وجد أمر كان المتكلّم يظنّ أنه لا يوجد، كقولك للشىء الذى يراه المخاطب ويسمعه: إنه كان من الأمر ما ترى، إنه كان منى إليه «٥» إحسان فقابلنى بالسوء كأنك تردّ على نفسك ظنّك الذى ظننت، وعليه قوله حكاية عن أمّ مريم: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وحكاية عن نوح: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ.

стр. 2305

وأما إنما - فتارة تجىء للحصر بمعنى أنّ هذا الحكم لا يوجد فى غير المذكور وهى بمنزلة ليس إلا، كقوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وقوله: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. وتارة تجىء لبيان أن هذا الأمر ظاهر عند كلّ حدّ، سواء كان كذلك أم «١» فى زعم المتكلّم، ومنه قول الشاعر «٢» : إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء مدّعيا أن ذلك مما لا ينكره أحد من الناس. قال: واعلم أنه يستعمل للتخصيص ثلاث عبارات: الأولى: إنما جاء زيد؛ الثانية: جاءنى زيد لا عمرو، والفرق أنّ فى الأولى يفهم إيجاب الفعل من زيد ونفيه عن غيره دفعة واحدة، ومن الثانية دفعتين، ثم إنهما كلتيهما «٣» يستعملان لإثبات التخصيص لا لنفى التشريك؛ وفيه نظر. الثالثة: ما جاءنى إلا زيد، وهى بأصل الوضع تفيد نفى التشريك، ولهذا لا يصحّ ما زيد إلّا قائم لا قاعد، لأنك بقولك: إلا قائم نفيت عنه كلّ صفة تنافى القيام، فيندرج فيه نفى القعود، فاذا قلت بعده: لا قاعد كان تكرارا لأن لفظة «لا» موضوعة لأن ينفى بها ما أوجب الأوّل لا لأن يعاد «٤» بها نفى ما نفى أوّلا، ويصح إنما زيد قاعد لا قائم، لأن صيغة «إنما» بأصل وضعها تدلّ على تخصيص الحكم بالمذكور،

стр. 2306

وأما نفى الشّركة فهو لازم من لوازمها، فليس له من القوّة ما لما يدلّ عليه بوضعه، ولهذا يصحّ: زيد هو الجائى «١» لا عمرو، فثبت أنّ دلالة الأوّليّين على التخصيص أقوى، ودلالة الثالثة على نفى التشريك [أقوى «٢» ] ، لكن الثالثة قد تقام مقام الأوّليّين فى إفادة التخصيص، كما اذا ادعى واحد أنك قلت قولا ثم قلت بخلافه، فقلت له: ما قلت الآن إلا ما قلته قبل، وعليه قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ليس المعنى أنى لم أزد على ما أمرتنى به شيئا، ولكن المعنى أنّى لم أدع مما أمرتنى به [أن «٣» ] أقوله شيئا. قال: وحكم «غير» حكم «إلّا» فاذا قلت: ما جاءنى غير زيد احتمل أن يكون المراد نفى أن يكون جاء معه إنسان آخر، وأن يكون المراد تخصيص الحكم بالمذكور لا نفيه عما عداه. فصل إذا دخل ما وإلّا على الجملة المشتملة على المنصوب كان المقصود بالذكر «٤» ما اتصل بإلّا متأخّرا عنها، فاذا قلت: ما ضرب عمرا إلا زيد، فالمقصود المرفوع، واذا قلت: ما ضرب زيد إلا عمرا، فالمقصود المنصوب، واذا قلت: ما ضرب [إلا «٥» ] زيد عمرا، فالاختصاص للضارب، واذا قلت: ما ضرب إلا زيدا عمرو، فالاختصاص للمضروب، فاذا قلت: لم أكس إلا زيدا جبّة، فالمعنى تخصيص

стр. 2307

زيد من بين الناس بكسوة الجبّة، وإن قلت: لم أكس إلا جبّة زيدا، فالمعنى تختصّ كسوة الجبّة من بين الناس بزيد؛ وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جارّ ومجرور، كقول السيد الحميرىّ: لو خيّر المنبر فرسانه ... ما اختار إلّا منكم فارسا. وكذلك حكم المبتدإ والخبر والفعل والفاعل، كقولك: ما زيد إلا قائم، وما قام إلا زيد. وأما إنما فالاختصاص فيها يقع مع المتأخر، فاذا قلت: إنما ضرب زيدا عمرو فالاختصاص فى الضارب، وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فالغرض بيان المرفوع وهو أن الخاشين هم العلماء، ولو قدّم المرفوع لصار المقصود بيان المخشىّ منه، والأوّل أتمّ، ومنه قول الفرزدق: أنا الذائد الحامى الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابكم أنا أو مثلى فإن غرضه أن يحصر المدافع بأنه هو لا المدافع عنه؛ ولو قال: إنما أنا أدافع عن أحسابكم، توجّه التخصيص الى المدافع عنه؛ [وحكم المبتدا والخبر «١» ] اذا أدخلت عليهما إنما، فإن قدّمت الخبر فالاختصاص للمبتدا، وإن لم تقدّمه فللخبر، فاذا قلت: إنما هذا لك فالاختصاص فى «لك «٢» » ، بدليل أنك بعده تقول: لا لغيرك، فاذا قلت إنما لك هذا فالاختصاص فى «هذا» ، بدليل أنك بعده تقول: لا ذاك، وعليه قوله تعالى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ وقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ فالاختصاص فى الآية الأولى للبلاغ والحساب، وفى الثانية فى الخبر الذى هو على الذين دون المبتدإ الذى هو السبيل.

стр. 2308

وإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور، كقوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* ؛ ثم قد يجتمع معه حرف النفى، إما متأخرا عنه كقولك، إنما يجىء زيد لا عمرو: قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ وقال لبيد: فإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل «١» وإما مقدّما «٢» عليه، كقولك: ما جاءنى زيد وإنما جاءنى عمرو، فها هنا لو لم تقل: إنما، وقلت: ما جاءنى زيد وجاءنى عمرو لكان الكلام مع من ظنّ أنهما جاءاك جميعا، وإذا أدخلتها فإن الكلام مع من غلط فى الجائى أنه زيد لا عمرو. قال: واعلم أنّ أقوى ما تكون «إنّما» اذا كان لا يراد بالكلام الذى بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، فإنا نعلم أنه ليس الغرض من قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذمّ الكفّار ويقال لهم: إنهم من فرط العناد فى حكم من ليس بذى عقل، وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها وإِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ والتقدير إنّ من لم تكن له هذه الخشية، فهو كمن لم تكن له أذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار، وهذا الغرض لا يحصل دون «إنما» لأن من شأنها تضمين الكلام معنى النفى بعد الإثبات، فإذا أسقطت لم يبق إلا إثبات الحكم للمذكورين، فلا يدلّ على نفيه [عن «٣» ] غيرهم إلا أن يذكر فى معرض مدح الإنسان بالتيقّظ والكرم وأمثالهما، كما يقال: كذلك يفعل العاقل، هكذا يفعل الكريم.

стр. 2309

تنبيه قال: كاد تقرّب الفعل من الوقوع، فنفيها ينفى القرب، فإن لم يكن فى الكلام دليل على الوقوع فيفيد نفى الوقوع ونفى القرب منه، كقوله تعالى: لَمْ يَكَدْ يَراها [أى لم «١» يراها] ولم يقارب وأيتها، وكقول ذى الرمد: إذا عير النأى المحبين لم يكد «٢» ... رسيس الهوى من حب مية يبرح المعنى أن براح حبّها «٣» لم يقارب الكون فلا عن أن يكون. وأما النظم - فهو عبارة عن توخى معانى النحو فيما بين الكلم، وذلك أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو بأن تنظر فى كل باب إلى قوانينه والفروق التى بين معانى اختلاف صيغه «٤» ، وتضع الحروف مواضعها وتراعى شرائط التقديم والتأخير، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع حروف العطف على اختلاف معانيها، وتعتبر الإصابة فى طريق التشبيه والتمثيل. وقد أطبق العلماء على تعظيم شأن النظم، وأن لا فضل مع عدمه ولو بلغ الكلام فى غرابة معناه إلى ما بلغ، وأنّ سبب فساده [ترك «٥» ] العمل بقوانين النحو واستعمال الشىء فى غير موضعه. ثم قال: الجمل الكثيرة إذا نظمت نظما واحدا فهى على قسمين: الأوّل: أن لا يتعلّق البعض بالبعض ولا يحتاج واضعه إلى فكر ورويّد فى استخراجه، بل هو كمن عمد إلى اللآلئ ينظمها فى سلك، ومثاله قول الجاحظ

стр. 2310

فى مصنّفاته: جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعروف نسبا، وبين الصدق سببا، وحبّب اليك التثبّت، وزيّن فى عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحقّ، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ الطمع، وعرّفك ما فى الباطل من الذّلة، وما فى الجهل من القلّة. وكقول النابغة للنّعمان وتفضيله إياه على ذى فائش يزيد «١» بن أبى جفنة، وكقول حسّان ابن ثابت للحارث الجفنّى يفضّله على النعمان بن المنذر، وكقول ضرار بن ضمرة لمعاوية فى وصف علىّ؛ وقد تقدّم شرح أقوالهم فى الباب الأوّل من القسم الثالث من هذا الفن فى المدح، وهو فى السفر الثالث فلا حاجة بنا الى إعادته. وهذا النظم لا يستحق الفضل إلا بسلامة معناه وسلامة «٢» ألفاظه، إذ ليس فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الفكر. قال: وربما ظنّ بالكلام أنه من هذا الجنس ولا يكون منه، كقول الشاعر: سالت عليه شعاب الحىّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير فإن الحسن فيه ليس مجرّد الاستعارة، بل لما فى الكلام «٣» من التقديم والتأخير، ولهذا لو أزلت ذلك وقلت: سالت شعاب الحىّ بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، فإنه يذهب بالحسن والحلاوة.

стр. 2311

الثانى: أن تكون الجمل المذكورة يتعلّق بعضها ببعض، وهناك تظهر قوّة الطبع، وجودة القريحة، واستقامة الذّهن. ثم [ليس] «١» لهذا الباب قانون يحفظ، فإنه يجىء على وجوه شتّى: منها الإيجاز، وهو العبارة عن الغرض بأقلّ ما يمكن من الحروف، وهو على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف، وقد تقدّم الكلام على ذلك وذكر أمثلته عند ذكر الفصاحة. ومنها التأكيد- وهو تقوية المعنى وتقريره، إما بإظهار البرهان، كقول قابوس: يا ذا الذى بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر وفى السماء نجوم ما لها «٢» عدد ... وليس يخسف إلا الشمس والقمر وإما بالعزيمة، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وكقول الأشتر النّخعىّ: بقّيت وفرى وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس يريد معاوية بن أبى سفيان، وكقول أبى نواس. لا فرّج الله عنّى إن مددت يدى ... إليه أسأله من حبّك الفرجا

стр. 2312

وكقول أبى تمّام: حرمت مناى منك إن كان ذا الذى ... تقوّله الواشون حقّا كما قالوا. أو بالتّكرار، كقولهم: الله الله، والأسد الأسد، وكقول الحادرة «١» : أظاعنة وما تودّعنا هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد وهذا فى التنزيل كثير، والعلم فيه سورة الرحمن. وأما التجنيس - فهو يتشعّب منه شعب كثيرة: فمنه المستوفى التامّ - وهو أن يجىء المتكلّم بكلمتين متفقتين لفظا، مختلفتين معنى، لا تفاوت فى تركيبهما، ولا اختلاف فى حركاتهما، كقول الغزّىّ: لم يبق غيرك إنسان يلاذبه ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا وقول عبد الله بن طاهر: وإنّى للثّغر المخوف لكالئ ... وللثغر يجرى ظلمه «٢» لرشوف وكقول البستىّ: سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحامى وذكر التّبريزىّ أن التجنيس المستوفى كقول أبى تمّام: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله وقال: وإنما عدّ من هذا الباب لاختلاف المعنين، لأن احدهما فعل، والآخر اسم.

стр. 2313

ومنه المختلف - ويسمّى التجنيس الناقص- وهو مثل الأوّل فى اتفاق حروف الكلمتين إلا أنه يخالفه: إما فى هيئة الحركة، كقوله ﷺ «اللهم كما حسّنت خلقى فحسّن خلقى» ؛ وكقول معاذ رضى الله عنه: الدّين يهدم الدّين؛ وكقولهم: جبّة البرد جنّة البرد؛ وكقولهم: الصديق الصدوق أوّل العقد وواسطة العقد؛ وكقول المعرّى: لغيرى زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكرى ابن سبيل أو بالحركة والسكون، كقولهم: البدعة شرك الشّرك. أو بالتخفيف والتشديد كقولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرّط. ومنه المذيّل - ويقال له: التجنيس الزائد والناقص أيضا- وهو أن تجىء بكلمتين متجانستى اللفظ متّفقتى الحركات، غير أنهما يختلفان بحرف، إما فى آخرهما كقولك: فلان حام حامل لأعباء الأمور، كاف كافل لمصالح الجمهور؛ وقولهم: أنا من زمانى فى زمانه، ومن إخوانى فى خيانه «١» ؛ وقولهم: فلان سال عن إخوانه «٢» ، سالم من زمانه؛ ومن النظم قول أبى تمّام: يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقول البحترىّ: لئن صدفت عنّا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصوادف وإما من أوّلهما، كقوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) ومن النظم ما أنشده عبد القاهر: وكم سبقت منه إلىّ عوارف ... ثنائى من تلك العوارف وارف وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكرى على تلك اللطائف طائف.

стр. 2314

ومنه المركب وهو على ضربين: الأوّل: ما هو متشابه لفظا وخطا ، كقولهم: همّتك الهمّة الفاتره، وفى صميم قلبك ألفاتره، ومن النظم قول البستىّ: إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه وقول الآخر: عضّنا الدهر بنابه ... ليت ما حلّ بنابه وقول طاهر البصرى: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعانى رهنا بما أودعانى. الثانى: ما هو متشابه لفظا لا خطا ويسمّى التجنيس [المفروق] «١» ، كقوله: كنت أطمع فى تجريبك، ومطايا الجهل تجرى بك؛ ومن النظم قول الشاعر: لا تعرضنّ على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت فى تهذيبها فإذا عرضت القول غير مهذّب ... عدّوه منك وساوسا تهذى بها وأمثال ذلك كثيرة. ومن أنواع المركّب المرفوّ، وهو أن تجمع بين كلمتين إحداهما أقصر من الأخرى، فتضمّ الى القصيرة حرفا من حروف المعانى أو من حروف الكلمة المجاورة لها حتى يعتدل ركنا التجنيس، كقولهم: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك؛ ويقرب منه قول الهمذانىّ: إن لم يكن لنا حظّ فى درك درّك، فخلّصنا من شرك شرّك؛

стр. 2315

وقول الحريرىّ: إن أخليت منّا مبارك مبارّك، فخلّصنا من معارك معارّك؛ ومن النظم قول البستىّ: فهمت كتابك يا سيّدى ... فهمت ولا عجب أن أهيما ومنه قول الآخر: ذو راحة وكفت ندى وكفت ردى ... وقضت بهلك عداته وعداته كالغيث فى إروائه وروائه ... والليث فى وثباته وثباته. ومنه المزدوج - ويقال له التجنيس المردّد والمكرر أيضا- وهو أن يأتى فى أواخر الأسجاع وقوافى الأبيات بلفظتين متجانستين إحداهما نميمة الأخرى وبعضها، كقولهم: الشراب بغير النّغم غمّ، وبغير الدّسم سمّ؛ وقول البستىّ: أبا العباس لا تحسب لشينى «١» ... بأنّى من حلى الأشعار عارى فلى طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جارى اذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى. ومن أجناس التجنيس المصحّف - ويقال له تجنيس الخط أيضا- وهو أن تأتى بكلمتين متشابهتين خطّا لا لفظا، كقوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ وقوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وقوله ﷺ : «عليكم بالأبكار فإنهنّ أشدّ حبّا وأقلّ خبّا» وقول [النبىّ صلّى الله عليه «٢» وسلم] لعلىّ رضى الله عنه: قصّر من ثيابك فإنه أبقى وأنقى وأتقى.
следующие страницы →