← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الثانى: أن تكون الجمل المذكورة يتعلّق بعضها ببعض، وهناك تظهر قوّة الطبع، وجودة القريحة، واستقامة الذّهن. ثم [ليس] «١» لهذا الباب قانون يحفظ، فإنه يجىء على وجوه شتّى: منها الإيجاز، وهو العبارة عن الغرض بأقلّ ما يمكن من الحروف، وهو على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف، وقد تقدّم الكلام على ذلك وذكر أمثلته عند ذكر الفصاحة. ومنها التأكيد- وهو تقوية المعنى وتقريره، إما بإظهار البرهان، كقول قابوس: يا ذا الذى بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر وفى السماء نجوم ما لها «٢» عدد ... وليس يخسف إلا الشمس والقمر وإما بالعزيمة، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وكقول الأشتر النّخعىّ: بقّيت وفرى وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس يريد معاوية بن أبى سفيان، وكقول أبى نواس. لا فرّج الله عنّى إن مددت يدى ... إليه أسأله من حبّك الفرجا

стр. 2312

وكقول أبى تمّام: حرمت مناى منك إن كان ذا الذى ... تقوّله الواشون حقّا كما قالوا. أو بالتّكرار، كقولهم: الله الله، والأسد الأسد، وكقول الحادرة «١» : أظاعنة وما تودّعنا هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد وهذا فى التنزيل كثير، والعلم فيه سورة الرحمن. وأما التجنيس - فهو يتشعّب منه شعب كثيرة: فمنه المستوفى التامّ - وهو أن يجىء المتكلّم بكلمتين متفقتين لفظا، مختلفتين معنى، لا تفاوت فى تركيبهما، ولا اختلاف فى حركاتهما، كقول الغزّىّ: لم يبق غيرك إنسان يلاذبه ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا وقول عبد الله بن طاهر: وإنّى للثّغر المخوف لكالئ ... وللثغر يجرى ظلمه «٢» لرشوف وكقول البستىّ: سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحامى وذكر التّبريزىّ أن التجنيس المستوفى كقول أبى تمّام: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله وقال: وإنما عدّ من هذا الباب لاختلاف المعنين، لأن احدهما فعل، والآخر اسم.

стр. 2313

ومنه المختلف - ويسمّى التجنيس الناقص- وهو مثل الأوّل فى اتفاق حروف الكلمتين إلا أنه يخالفه: إما فى هيئة الحركة، كقوله ﷺ «اللهم كما حسّنت خلقى فحسّن خلقى» ؛ وكقول معاذ رضى الله عنه: الدّين يهدم الدّين؛ وكقولهم: جبّة البرد جنّة البرد؛ وكقولهم: الصديق الصدوق أوّل العقد وواسطة العقد؛ وكقول المعرّى: لغيرى زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكرى ابن سبيل أو بالحركة والسكون، كقولهم: البدعة شرك الشّرك. أو بالتخفيف والتشديد كقولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرّط. ومنه المذيّل - ويقال له: التجنيس الزائد والناقص أيضا- وهو أن تجىء بكلمتين متجانستى اللفظ متّفقتى الحركات، غير أنهما يختلفان بحرف، إما فى آخرهما كقولك: فلان حام حامل لأعباء الأمور، كاف كافل لمصالح الجمهور؛ وقولهم: أنا من زمانى فى زمانه، ومن إخوانى فى خيانه «١» ؛ وقولهم: فلان سال عن إخوانه «٢» ، سالم من زمانه؛ ومن النظم قول أبى تمّام: يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقول البحترىّ: لئن صدفت عنّا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصوادف وإما من أوّلهما، كقوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) ومن النظم ما أنشده عبد القاهر: وكم سبقت منه إلىّ عوارف ... ثنائى من تلك العوارف وارف وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكرى على تلك اللطائف طائف.

стр. 2314

ومنه المركب وهو على ضربين: الأوّل: ما هو متشابه لفظا وخطا ، كقولهم: همّتك الهمّة الفاتره، وفى صميم قلبك ألفاتره، ومن النظم قول البستىّ: إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه وقول الآخر: عضّنا الدهر بنابه ... ليت ما حلّ بنابه وقول طاهر البصرى: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعانى رهنا بما أودعانى. الثانى: ما هو متشابه لفظا لا خطا ويسمّى التجنيس [المفروق] «١» ، كقوله: كنت أطمع فى تجريبك، ومطايا الجهل تجرى بك؛ ومن النظم قول الشاعر: لا تعرضنّ على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت فى تهذيبها فإذا عرضت القول غير مهذّب ... عدّوه منك وساوسا تهذى بها وأمثال ذلك كثيرة. ومن أنواع المركّب المرفوّ، وهو أن تجمع بين كلمتين إحداهما أقصر من الأخرى، فتضمّ الى القصيرة حرفا من حروف المعانى أو من حروف الكلمة المجاورة لها حتى يعتدل ركنا التجنيس، كقولهم: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك؛ ويقرب منه قول الهمذانىّ: إن لم يكن لنا حظّ فى درك درّك، فخلّصنا من شرك شرّك؛

стр. 2315

وقول الحريرىّ: إن أخليت منّا مبارك مبارّك، فخلّصنا من معارك معارّك؛ ومن النظم قول البستىّ: فهمت كتابك يا سيّدى ... فهمت ولا عجب أن أهيما ومنه قول الآخر: ذو راحة وكفت ندى وكفت ردى ... وقضت بهلك عداته وعداته كالغيث فى إروائه وروائه ... والليث فى وثباته وثباته. ومنه المزدوج - ويقال له التجنيس المردّد والمكرر أيضا- وهو أن يأتى فى أواخر الأسجاع وقوافى الأبيات بلفظتين متجانستين إحداهما نميمة الأخرى وبعضها، كقولهم: الشراب بغير النّغم غمّ، وبغير الدّسم سمّ؛ وقول البستىّ: أبا العباس لا تحسب لشينى «١» ... بأنّى من حلى الأشعار عارى فلى طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جارى اذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى. ومن أجناس التجنيس المصحّف - ويقال له تجنيس الخط أيضا- وهو أن تأتى بكلمتين متشابهتين خطّا لا لفظا، كقوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ وقوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وقوله ﷺ : «عليكم بالأبكار فإنهنّ أشدّ حبّا وأقلّ خبّا» وقول [النبىّ صلّى الله عليه «٢» وسلم] لعلىّ رضى الله عنه: قصّر من ثيابك فإنه أبقى وأنقى وأتقى.

стр. 2316

وكقول أبى فراس: من بحر شعرك أغترف ... وبفضل علمك أعترف. ومنه المضارع - ويسمّى المطمّع- وهو أن يجاء بالكلمة ويبدأ بأختها على مثل أكثر حروفها، فتطمع فى أنها مثلها، فتخالفها بحرف؛ ويسمى المطرّف وهو أن تجمع بين كلمتين متجانستين لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد من الحروف المتقاربة، سواء وقع آخرا أوحشوا، كقوله ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير» ومنه قول الحطيئة: مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى الدّجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجدّ وقول البحترىّ: ظللت أرجّم فيك الظنون ... أحاجمه أنت أم حاجبه؟ وإن كان التفاوت «١» بغير المتقاربة سمّى التجنيس اللاحق، كقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ وقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وقول البحترىّ: هل لما فات من تلاق تلافى ... أم لشاك من الصبابة شافى. ومنه المشوّش - وهو كل تجنيس يتجاذبه طرفان من الصنعة «٢» فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه، كقولهم: فلان مليح البلاغة، صحيح البراعة «٣»

стр. 2317

ومنه تجنيس الاشتقاق - ويسمّى الاقتضاب أيضا، ومنهم من عدّه أصلا برأسه، ومنهم من عدّه أصلا فى التجنيس- وهو أن يجىء بألفاظ يجمعها أصل واحد فى اللغة، كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وقوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وقول النبى ﷺ : «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة» ومن النظم قول أبى تمّام: عممت الخلق بالنّعماء حتى ... غدا الثقلان منها مثقلين وقول المطرّزى: وإنى لأستحيى من المجد أن أرى ... حليف غوان أو أليف أغانى «١» وقول الصاحب بن عبّاد: وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل فى الأمم فقلت ذرينى على غصّتى ... فإن الهموم بقدر الهمم وقول آخر: إن ترى الدنيا أغارت ... ونجوم السعد غارت فصروف الدهر شتّى ... كلّما جارت أجارت ومما يشبه المشتقّ «٢» - ويسمّيه بعضهم المشابه «٣» ، وبعضهم المغاير - قوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ وقوله تعالى: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ

стр. 2318

وقوله تعالى: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وقوله تعالى: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ ومن النظم قول البحترىّ: واذا ما رياح «١» جودك هبّت ... صار قول العذّال فيها هباء. ومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف - وهو ما كان كالمصحّف [إلا] «٢» فى اتحاد الكتابة، ثم لا يخلو من أن تتقارب «٣» فيه الحروف باعتبار المخارج أو لا تتقارب فإن تقاربت سمّى مضارعا، وإن لم تتقارب سمّى لاحقا. مثال الأوّل قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وقوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ وقول قسّ بن ساعدة الإيادىّ: «من مات فات» وقول الشاعر: فيالك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح وهذا البيت يشتمل على المضارع والمتمّم؛ ومثال الثانى قول على رضى الله عنه: الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ، وقول عبد الله بن صالح وقد وصف اليمن: ليس فيه إلا ناسج برد، أو سائس «٤» قرد.

стр. 2319

ومنها التجنيس المخالف - وهو أن تشتمل كلّ واحدة من الكلمتين على حروف الأخرى دون ترتيبها، كقول أبى تمّام: بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشك والريب وقول البحترىّ: شواجر أرماح تقطّع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها وقول المتنبىّ: ممنّعة منعّمة رداح ... يكلّف لفظها الطير الوقوعا فإن اشتملت كل كلمة على حروف الأخرى، وكان بعض هذه قلب حروف هذه خصّ باسم جناس العكس، كقول النبى ﷺ : «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارق» وقول عبد الله بن رواحة يمدح [النبى «١» ] ﷺ : تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلّى نوره الظّلما. ومنها تجنيس المعنى - وهو أن تكون إحدى الكلمتين دالّة على الجناس بمعناها دون لفظها، وسبب استعمال هذا النوع أن يقصد الشاعر المجانسة لفظا ولا يوافقه الوزن على الإتيان باللفظ المجانس فيعدل إلى مرادفه، كقول الشاعر يمدح المهلّب ويذكر فعله بقطرىّ بن الفجاءة، وكان قطرىّ يكنى أبا نعامة: حدا بأبى أم الرّئال فأجفلت ... نعامته من عارض متلّبب «٢» أراد أن يقول: حدا بأبى نعامة فأجفلت نعامته أى روحه، فلم يستقم له فقال: بأبى أمّ الرّئال، وأمّ الرّئال هى النعامة، وكقول الشّماخ:

стр. 2320

وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة «١» حرون أروى: اسم امرأة. والموقّفة الحرون من الوحش: أروى، وبها سميت المرأة فلم يمكنه أن يأتى باسمها فأنى بصفتها، وقد صرح بذلك المعرّى فى قوله: أروى النّياق كأروى النّيق «٢» يعصمها ... ضرب يظلّ له السّرحان مبهوتا وبعضهم لا يدخل هذا فى باب التجنيس. قال: وإنما يحسن التجنيس إذا قلّ، وأتى فى الكلام عفوا من غير كدّ «٣» ولا استكراه، ولا بعد ولا ميل إلى جانب الرّكّة ولا يكون كقول الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو «٤» مشلّ شلول شلشل شول ولا كقول مسلم بن الوليد: سلّت وسلّت ثم سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا ولا كقول المتنبىّ: فقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهن قلاقل. وأما الطّباق - قال: المطابقة أن تجمع بين ضدّين مختلفين، كالإيراد والإصدار والليل والنهار، والسواد والبياض؛ قال الأخفش وقد سئل عنه: أجد قوما يختلفون

стр. 2321

فيه، فطائفة- وهم الأكثر- يزعمون أنه الشىء وضدّه، وطائفة تزعم أنه اشتراك المعنيين فى لفظ واحد، كقول زياد الأعجم: ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّؤم فيهم كاهل وسنام ثم قال: وهذا هو التجنيس بعينه، ومن ادعى أنه طباق فقد خالف الأصمعىّ والخليل، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال: سبحان الله! وهل أعلم منهما بالشعر وتمييز خبيثه من طيّبه؟. ويسمونه المطابقة والطّباق والتضادّ والتكافؤ وهو أن تجمع بين المتضادّين مع مراعاة التقابل، فلا تجىء باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم، مثاله قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً وقوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ إلى قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ* وقوله ﷺ للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع» ومن النظم قول جرير: وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شرّ عنكم بشماليا وقول البحترىّ: وأمّة كان قبح الجور يسخطها ... حينا فأصبح حسن العدل يرضيها وقوله أيضا: تبسّم وقطوب فى ندى ووغى ... كالبرق والرعد وسط العارض البرد وقول دعبل: لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى وقول ابن المعتز: مها الوحش إلا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلا أنّ تلك ذوابل

стр. 2322

فإنّ هاتا للحاضر، وتلك للغائب، فكانتا متقابلتين؛ وقد تجىء المطابقة بالنفى [والإثبات «١» ] كقول البحترىّ: تقيّض «٢» لى من حيث لا أعلم النوى ... ويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم. وقال الزكىّ بن أبى الإصبع المصرىّ فى الطباق: وهو على ضربين: ضرب يأتى بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتى بألفاظ المجاز، فما كان بلفظ [الحقيقة «٣» ] سمّى طباقا وما كان بلفظ المجاز سمّى تكافؤا، فمثال التكافؤ قول أبى الأشعث العبسىّ من إنشادات قدامة: حلو الشمائل وهو مرّ باسل ... يحمى الذّمار صبيحة الإرهاق لأن «٤» قوله: حلو ومرّ خارج مخرج الاستعارة، إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسّة الذوق. ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق: وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالى فى سماء عجاج وقد جمع دعبل فى بيته المتقدّم بين الطباق والتكافؤ، وهو: لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة. قال: هكذا قال ابن أبى الإصبع، وفيه نظر، لأنه إذا كان الطباق عنده هو التضادّ من حقيقتين، والتكافؤ التضادّ من مجازين، فليس فى البيت ما شرطه.

стр. 2323

قال: ومما جمع بين طباقى السلب والإيجاب قول الفرزدق من إنشادات ابن المعتزّ: لعن الإله بنى كليب إنّهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار. وذكر فى آخر الباب طباق الترديد، وهو أن يردّ آخر الكلام المطابق إلى أوّله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو ردّ الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى: لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا. وأما «١» المقابلة - وهى أعم من الطباق، وذكر بعضهم أنها أخص، وذلك أن تضع معانى تريد الموافقة بينها وبين غيرها أو المخالفة، فتأتى فى الموافق بما وافق، وفى المخالف بما خالف أو تشرط شروطا وتعدّ أحوالا فى أحد المعنيين فيجب أن تأتى فى الثانى بمثل ما شرطت وعددت [فى الأوّل «٢» ] ، كقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى وقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ومثاله من النظم قول الشاعر: فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفىّ ومطوىّ على الغلّ غادر! وقول آخر: تقاصرن واحلولين لى ثم إنه ... أتت بعد أيام طوال أمرّت

стр. 2324

وقول زهير بن أبى سلمى: حلماء فى النادى إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء. ومن فساد ذلك أن يقابل الشىء بما لا يوافقه ولا يخالفه، كقول أبى عدىّ القرشىّ: يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث لجود فليس قوله: غيث لجود موافقا لقوله: زين الدنيا ولا مخالفا له وكقول الكميت: وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشّنب فالشنب لا يشاكل الدّلّ. وقول آخر: رحماء بذى الصلاح وضرّا ... بون قدما لهامة الصّنديد. قال: وقد ذكر بعض أئمة هذا الفن تفصيلا فى المقابلة فقال: فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ؛ وقول النابغة: فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا؛ ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر «١» : ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل وقول أبى نواس: أنا استدعيت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد؛

стр. 2325

ومن مقابلة أربع بأربعة قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى المقابل بقوله تعالى: «اسْتَغْنَى» * قوله تعالى: «وَاتَّقى» * لأن معناه: زهد فيما عند الله واستغنى بشهوات الدنيا عن نعم الآخرة، وذلك يتضمّن عدم التقوى، ومنه قول النابغة: إذا وطئا سهلا أثارا عجاجة ... وإن وطئا حزنا تشظّى الجنادل؛ ومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبّى: أزورهم وسواد الليل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصبح يغرى بى قابل أزور بأنثنى، وسواد ببياض، والليل بالصبح، ويشفع بيغرى، ولى بقوله: بى. وأما السجع - فهو أن كلمات الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة «١» الأعجاز موقوفا عليها، لأن الغرض أن يجانس بين قرائن، ويزاوج بينها، ولا يتمّ ذلك إلا بالوقف، ألا ترى الى قولهم: «ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت» فلو ذهبت تصل لم يكن بدّ من إعطاء أواخر القرائن ما يقتضيه حكم الإعراب، فتختلف أواخر القرائن، ويفوت الساجع غرضه، واذ رأيناهم يخرجون الكلمة عن أوضاعها للازدواج فيقولون: أتيتك بالغدايا والعشايا، وهنأنى الطعام ومرأنى، وأخذه ما قدم وما حدث، «وانصرفن مأزورات غير مأجورات» ، يريد الغدوات، وأمرأنى وحدث، وموزورات، مع أن فيه ارتكابا لمخالفة اللّغة [فما الظنّ بأواخر «٢» الكلم المشبّهة بالقوافى] .

стр. 2326

قال: والسجع أربعة أنواع وهى: الترصيع والمتوازى والمطرّف والمتوازن . أما الترصيع - فهو أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان متّفقة الأعجاز، كقوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وقول النبى ﷺ : «اللهم اقبل توبتى، واغسل حوبتى» وقولهم: فلان يفتخر بالهمم العالية، لا بالرمم الباليه؛ وقولهم: عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا؛ ومن النظم قول الخنساء: حامى الحقيقة محمود الخليقة مهدىّ ... الطريقة نفّاع وضرّار جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار وقد يجىء مع التجنيس، كقولهم: اذا قلّت الأنصار، كلّت الأبصار؛ وما وراء الخلق الدّميم، إلا الخلق الذميم؛ ومن النظم قول المطرّزى «١» : وزند ندى فواضله ورىّ ... ورند ربا فضائله نضير ودرّ جلاله أبدا ثمين ... ودرّ نواله أبدا غزير. وأما المتوازى - فهو أن يراعى فى الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اتفاق الحرف الأخير منهما، كقوله : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ.

стр. 2327

وقول الحريرىّ: ألجأنى حكم دهر قاسط، الى أن أنتجع أرض واسط «١» . وقوله: وأودى الناطق والصامت، ورثى لنا الحاسد والشامت. وأما المطرّف - فهو أن يراعى الحرف الأخير فى كلمتى قرينتيه من غير مراعاة الوزن، كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً وقولهم: جنابه محطّ الرحال، ومخيّم الآمال. وأما المتوازن - فهو أن يراعى فى الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اختلاف الحرف الأخير منهما، كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ وقولهم: اصبر على حرّ القتال، ومضض النّزال «٢» ، وشدّة المصاع، ومداومة المراس؛ فإن راعى الوزن فى جميع كلمات القرائن أو أكثرها، وقابل الكلمة منها بما يعادلها وزنا كان أحسن، كقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ، وقول الحريرىّ: اسودّ يومى الأبيض، وابيضّ فودى الأسود؛ ويسمّى هذا فى الشعر الموازنة، كقول البحترىّ: فقف مسعدا فيهنّ إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهنّ إن كنت عاذلا

стр. 2328

قال: ومما هو شرط الحسن فى هذا المحافظة على التشابه، وهو اسم جامع للملاءمة والتناسب. فالملاءمة: تأليف الألفاظ الموافية بعضها لبعض على ضرب من الاعتدال كقول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يعود رمادا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع وبعضهم يعدّ التلفيق من باب الملاءمة، وهو أن تضمّ الى ذكر الشىء ما يليق به ويجرى مجراه، أى تجمع الأمور المناسبة، ويقال له: مراعاة النظير أيضا، كقول ابن سمعون للمهلّبىّ «١» : أنت أيها الوزير إبراهيمىّ الجود، إسماعيلىّ الوعد، شعيبىّ التوفيق، يوسفىّ العفو، محمدىّ الخلق. وكقول أبى الفوارس «٢» الحمدانىّ: أأخا «٣» الفوارس لو رأيت مواقفى ... والخيل من تحت الفوارس تنحط «٤» لقرأت منها ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط

стр. 2329

وكقول آخر: وكم سائل بالغيب عنك أجبته ... هناك الأيادى الشّفع والسّودد الوتر عطاء ولا منّ وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وعزّ ولا كبر وقول ابن حيّوس «١» : يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر والتناسب: هو ترتيب المعانى المتآخية التى تتلاءم ولا تتنافر، كقول النابغة: والرفق «٢» يمن والأناة سعادة ... فاستأن فى رزق تنال نجاحا واليأس عمّا فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا ويسمّى التشابه أيضا، وقيل: التشابه أن تكون الألفاظ غير متباينة بل متقاربة فى الجزالة والرّقة والسّلاسة، وتكون المعانى مناسبة لألفاظها من غير أن يكسو «٣» اللفظ الشريف المعنى السخيف، أو على الضدّ، بل يصاغان معا صياغة تناسب وتلائم. فصل فى الفقر المسجوعة ومقاديرها قال: قصر الفقرات يدلّ على قوّة التمكّن وإحكام الصناعة، وأقلّ ما تكون كلمتان، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وأمثال ذلك فى الكتاب العزيز كثيرة، لكن الزائد على ذلك هو الأكثر، وكان بديع الزمان يكثر من

стр. 2330

ذلك فى رسائله، كقوله: كميت «١» نهد، كأنّ راكبه فى مهد؛ يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر. قالوا: لكن التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر، لتشوقه الى ما يرد متزايدا على سمعه. فأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى ولكن لا بقدر كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فيقلّ الالتذاذ بسماعها، فإن زادت القرائن على اثنين فلا يضرّ تساوى القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية عن الأولى يسيرا، [والثالثة «٢» على الثانية] فلا بأس، لكن لا يكون أكثر من المثل، ولا بدّ من الزيادة فى آخر القرائن، مثاله فى القرينتين: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ومثاله فى الثالثة قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً وأقصر الطّوال ما كان من «٣» إحدى عشرة لفظة وأكثرها غير مضبوط، مثاله من إحدى عشرة لفظة: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ والتى «٤» بعدها من ثلاث عشرة كلمة؛ ومثاله من عشرين لفظة قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

стр. 2331

وأما ردّ العجز على الصدر - فهو كل كلام منثور أو منظوم يلاقى آخره أوّله بوجه من الوجوه، كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى وقولهم: «القتل أنفى للقتل» و «الحيلة ترك الحيلة» وقولهم: طلب ملكهم فسلب ما طلب، ونهب ما لهم فوهب ما نهب. وهو فى النّظم على أربعة أنواع: الأوّل: أن يقعا طرفين ، إما متفقين صورة ومعنى، كقوله: سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعى الندى بسريع وقوله: سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنّى يفيق فتى به سكران؛ أو متفقين صورة لا معنى، وهو أحسن من الأوّل، كقول السّرىّ: يسار من سجيّتها المنايا ... ويمنى من عطيّتها اليسار وقول الآخر: ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منّا النفوس ذوائب؛ أو معنى لا صورة «١» ، كقول عمر بن أبى ربيعة: واستبدّت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد وقول السّرىّ: ضرائب أبدعتها فى السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا

стр. 2332

وقول الآخر: ثلبك أهل الفضل قد دلّنى ... أنك منقوص ومثلوب أولا صورة ولا معنى ولكن بينهما مشابهة اشتقاق، كقول الحريرى: ولاح يلحى على جرى العنان الى ... ملها فسحقا له من لائح لاحى الثانى: أن يقعا فى حشو المصراع الأوّل وعجز الثانى ، إما متفقين صورة ومعنى كقول أبى تمّام: ولم يحفظ مضاع المجد شىء ... من الأشياء كالمال المضاع وقول آخر: أمّا القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور أو صورة لا معنى، كقول الثعالبىّ: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل فالأوّل جمع بلبل، والثانى جمع بلبلة وهى الهمّ [والثالث «١» جمع بلبلة الإبريق] وقول الزمخشرىّ: وأخّرنى دهرى وقدّم معشرا ... لأنهم «٢» لا يعلمون وأعلم فمذ أفلح الجهّال أعلم «٣» أننى ... أنا الميم والأيام أفلح «٤» أعلم

стр. 2333

أو معنى لا صورة، كقول امرئ الفيس: إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان وقول أبى تمّام: دمن ألّم بها فقال سلام ... كم حلّ عقدة صبره الإلمام وقول أبى فراس: وما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبّة ما أشابا؛ أو فى الاشتقاق فقط، كقول أبى فراس: منحناها الحرائب «١» غير أنا ... إذا جرنا منحناها الحرابا؛ الثالث: أن يقعا فى آخر المصراع الأوّل وعجز الثانى ، إما متّفقين صورة ومعنى كقول أبى تمّام: ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما؛ أو صورة لا معنى، كقول الحريرىّ: فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى؛ أو معنى لا صورة، كقول البحترىّ: ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع؛ الرابع: أن «٢» يقعا فى أوّل المصراع الثانى والعجز، إما متّفقين صورة ومعنى كقول الحماسىّ:

стр. 2334

فإلّا يكن إلا معلّل «١» ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها أو صورة لا معنى، كقول أبى دؤاد: عهدت «٢» لها منزلا داثرا ... وآلا على الماء يحملن آلا فالأوّل الأتباع «٣» ، والثانى أعمدة الخيام، وكقول آخر: رماك زمان السّوء من حيث لا ترى ... فرامى ولم يظفر بما هو راما أو معنى لا صورة، كقول أبى تمّام: ثوى فى الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر «٤» صرف الدهر نائله الغمر وقد كانت البيض البواتر فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر قال: ومن نوادر هذا الباب بيتا الحريرىّ اللذان سمّاهما المطرّفين، وهما: سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه والمكرمهما اسطعت لا تأته ... لتبتغى السّودد والمكرمه. قال: فإن لم يقع فى العجز فليس من هذا الباب، كقوله: ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّؤم فيهم كاهل وسنام

стр. 2335

وكقول الأفوه الأودىّ: وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة «١» عنتريس فالهوجل الأوّل: الفلاة، والثانى: الناقة السريعة. وأما الإعنات - ويقال له التضييق والتشديد ولزوم ما لا يلزم- فهو أن يعنت نفسه فى التزام ردف أو دخيل أو حرف مخصوص قبل حرف الروىّ، أو حركة مخصوصة، كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ، وقول النبىّ ﷺ : «اللهم بك أحاول، وبك أصاول» وقوله ﵊ «شرّ ما فى المرء شحّ هالع، أو جبن خالع «٢» » وقوله ﵊: «زرغبّا تزدد حبّا» وقول عمر رضى الله عنه: لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك تلفا؛ وقول المعرّى: ضحكنا وكان الضّحك منا سفاهة ... وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا يحطّمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له السّبك وقول آخر: يقولون فى البستان للعين لذّة ... وفى الخمر والماء الذى غير آسن إذا شئت أن تلقى المحاسن كلّها ... ففى وجه من تهوى جميع المحاسن وقد التزم ابن الرومىّ الفتح قبل حرف الروىّ- وكان أولع الناس بذلك- فقال: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد

стр. 2336

وإلا فما يبكيه فيها «١» وإنّها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سيلاقى من أذاها يهدّد وأمثال ذلك فى الشعر كثيرة. وأما المذهب الكلامىّ - فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام نحو قوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ومنه قول النابغة يعتذر إلى النّعمان: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلّغت عنّى جناية ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب ولكنّنى كنت امرءا لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وإخوان اذا ما مدحتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا يقول: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلىّ قوم فمدحتهم، فكما أنّ مدح من أحسنت إليه لا يعدّ ذنبا فكذا مدحى لمن أحسن إلىّ لا يعدّ ذنبا. قال ابن أبى الإصبع، ومن شواهد هذا الباب قول الفرزدق: لكلّ امرئ نفسان نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للنّدى ... إذا قلّ من أحرارهنّ شفيعها يقول: لكلّ إنسان نفسان: نفس مطمئنة تأمره بالخير، ونفس أمّارة تأمره بالشرّ، والإنسان يعاصى الأمارة مرّة ويطيعها أخرى، وأنت إذا أمرتك الأمّارة

стр. 2337

بترك النّدى شفعت المطمئنة إليها فى النّدى فى الحالة التى يقلّ فيها الشفيع فى النّدى من النفوس، فأنت أكرم الناس. وأما حسن التعليل - فهو أن يدّعى لوصف علّة مناسبة له باعتبار لطيف وهو أربعة أضرب: لأنّ الصفة إمّا ثابتة قصد بيان علّتها، أو غير ثابتة أريد إثباتها فالأولى إمّا لا يظهر لها فى العادة علّة، كقوله: لم يحك نائلك السحاب وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء «١» أو يظهر لها علّة، كقوله: ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذئاب «٢» فإنّ قتل الأعداء فى العادة لدفع مضرّتهم لا لما ذكره. والثانية إما ممكنة «٣» ، كقوله: يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك «٤» إنسانى من الغرق فإن استحسان إساءة الواشى ممكن، لكن لمّا خالف الناس فيه عقّبه بما ذكر. أو غير ممكنة، كقوله: لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما أتت وعليها عقد منتطق. «٥»

стр. 2338

قال: وألحق به ما بنى على الشكّ، كقول أبى تمّام: ربّا شفعت ريح الصّبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع كأنّ السحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهنّ مدامع وقد أحسن ابن رشيق فى قوله: سألت الأرض لم كانت مصلّى ... ولم كانت لنا طهرا وطيبا فقالت غير ناطقة لأنى ... حويت لكلّ إنسان حبيبا. وأما الالتفات - فقد فسّره قدامة بأن قال: هو أن يكون المتكلّم «١» آخذا فى معنى فيعترضه إما شكّ فيه وإما ظنّ أنّ رادّا يردّه عليه، أو سائلا له عن سببه فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلّى الشكّ، أو يؤكّده، أو يذكر سببه، كقول الرمّاح بن ميّادة: فلا صرمه يبدو ففى اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه كأنه توهّم أن فلانا يقول: ما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن فى اليأس راحة. وأما ابن المعتزّ فقال: الالتفات انصراف المتكلّم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله فى القرآن العزيز الإخبار بأنّ الحمد لله رب العالمين، [ثم قال «٢» ] : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ومثاله فى الشعر قول جرير: متى كان الخيام بذى «٣» طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام؛

стр. 2339

أو انصراف المتكلّم عن المخاطبة [الى الإخبار «١» ] ، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ومثال ذلك فى الشعر قول عنترة: ولقد نزلت فلا تظنّى غيره ... منّى بمنزلة المحبّ المكرم ثم قال مخبرا عنها: كيف المزار وقد تربّع أهلها، بعنيزتين ... «٢» وأهلنا بالغيلم؛ أو انصراف المتكلّم من الإخبار إلى التكلّم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ ؛ أو انصراف المتكلّم من التكلّم إلى الإخبار، كقوله تعالى: إِنْ يَشَأْ «٣» يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ* وقد جمع امرؤ لاقيس لاالتفاتات الثلاثة فى ثلاثة أبيات متواليات، وهى قوله: تطاول ليلك بالإثمد «٤» ... ونام الخلىّ ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر «٥» الأرمد وذلك من نبإ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود

стр. 2340

يخاطب فى البيت الأوّل، وانصرف إلى الإخبار فى البيت الثانى، وانصرف عن الإخبار الى التكلّم فى البيت الثالث على الترتيب. وأما التمام - وهو الذى سماه الحاتمىّ التتميم، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام فى كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمّمه، وشرح حدّه بأنه الكلمة التى إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه ومبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تامّ؛ وهو على ضربين: ضرب فى المعانى وضرب فى الألفاظ، فالذى فى المعانى هو تتميم المعنى والذى فى الألفاظ هو تتميم الأوزان، والأوّل هو الذى قدّم حدّه، ومثاله قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً فقوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى * [تتميم، وقوله «١» : وَهُوَ مُؤْمِنٌ* ] تتميم ثان فى غاية البلاغة، ومن هذا القسم قول النبى ﷺ : «ما من عبد مسلم يصلى لله كل يوم اثنتى عشرة ركعة من غير الفريضة إلا ابتنى الله له بيتا فى الجنة» فوقع التتميم فى هذا الحديث فى ثلاثة مواضع: قوله ﵇: مسلم، ولله، ومن غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر «٢» : أناس إذا لم يقبل الحقّ منهم ... ويعطوه عادوا «٣» بالسيوف القواضب. وأما الذى فى الألفاظ فهو الذى يؤتى به لإقامة الوزن بحيث لو طرحت الكلمة استقلّ معنى البيت بدونها؛ وهو على ضربين: أحدهما مجىء الكلمة لا تفيد غير إقامة

стр. 2341

الوزن فقط، والثانى: مجيئها تفيد مع إقامة الوزن نوعا من الحسن، فالأوّل من العيوب والثانى من المحاسن؛ قال: والكلام هنا فى الثانى، ومثاله قول المتنبىّ: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنّتى لظننت فيه جهنّما فإنه جاء بقوله يا جنتى لإقامة الوزن، وقصد بها دون غيرها مما يسدّ مسدّها أن يكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لا تحصل بغيرها. وأما الاستطراد - وهذه التسمية ذكر الحاتمىّ فى حلية المحاضرة أنه نقلها عن البحترىّ، وقيل: أن البحترىّ نقلها عن أبى تمّام، وسماه ابن المعتز: الخروج من معنى إلى معنى، وفسّره بأن قال: هو أن يكون المتكلّم فى معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمّن مدحا أو قدحا أو وصفا ما، وغالب وقوعه فى الهجاء، ولا بد من [ذكر «١» ] المستطرد به باسمه بشرط أن لا يكون تقدّم له ذكر. فمن أوّل «٢» ما ورد فى ذلك من النظم قول السموءل بن عادياء: وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول ومنه قول حسّان: إن كنت كاذبة الذى حدّثتنى ... فنجوت منجا الحارث بن هشام ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة «٣» ولجام

стр. 2342

وقول أبى تمّام فى وصف حافر «١» الفرس بالصلابة: أيقنت «٢» إن لم تثبّت أنّ حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان ومن أحسن ما قيل فى ذلك قول ابن الزّمكدم أربعة استطرادات متوالية: وليل كوجه البرقعيدىّ «٣» ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومى فيه نوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد «٤» ودينه على أولق «٥» فيه التفات «٦» كأنه ... أبو صالح «٧» فى خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش «٨» وضوء جبينه وقول البحترىّ فى الفرس أيضا: ما إن يعاف قذّى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول ومما جمع المدح والهجاء قول بكر بن النّطّاح: فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب

стр. 2343

ومما جاء «١» به على وجه المجون قول بعضهم: اكشفى وجهك الذى أوحلتنى ... فيه من قبل كشفه عيناك غلطى فى هواك يشبه عندى ... غلطى فى أبى علىّ بن زاكى ومما جاء فى النسيب «٢» على وجه التشبيه قول امرئ القيس: عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حمام «٣» . وأما تأكيد المدح بما يشبه الذمّ - فهو ضربان: أفضلهما أن يستثنى من صفة ذمّ منفيّة عن الشىء صفة مدح «٤» بتقدير دخولها فيها، نحو قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشىء ببيّنة، وأن الأصل فى الاستثناء الاتصال، فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج الشىء ممّا قبلها، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد. والثانى: أن يثبت لشىء صفة مدح ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له، كقوله ﷺ : «أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش» وأصل الاستثناء فى هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا، لكنه باق على حاله لم يقدّر

стр. 2344

متصلا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثانى من الوجهين المذكورين، ولهذا كان الأوّل أفضل. ومن أمثلة الأوّل قول النابغة الذّبيانى: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب ومن أحسن ما قيل فى ذلك قول حاتم الطائىّ: ولا تشتكينى جارتى غير أننى ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها ومن الثانى قول النابغة الجعدىّ: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا ومن أحسن ما ورد فى هذا الباب قول بعضهم «١» : ولا عيب فينا غير أنّ سماحنا ... أضرّ بنا والبأس «٢» من كلّ جانب فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عاتب. وأما تأكيد الذمّ بما يشبه المدح - فهو ضربان: أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفيّة عن الشىء صفة ذمّ بتقدير دخولها فيها كقولك: فلان لا خير فيه إلّا أنه يسىء «٣» إلى من أحسن اليه. والثانى: أن تثبت للشىء صفة ذمّ وتعقّب بأداة استثناء تليه صفة ذمّ له أخرى كقولك: فلان فاسق إلّا أنه جاهل، وتحقيق القول فيها على قياس ما تقدّم.

стр. 2345

وأما تجاهل العارف - فهو سؤال المتكلّم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذمّ، أو ليدلّ على شدّة التدلّه فى الحبّ، أو لقصد التعجّب أو التوبيخ أو التقرير؛ وقال السكاكىّ: هو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة «١» كالتوبيخ، كما فى قول الخارجيّة وهى ليلى بنت طريف: أيا شجر الخابور «٢» مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف والمبالغة فى المدح، كقول البحترىّ: ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحى أو الذمّ، كما قال زهير: وما أدرى ولست «٣» إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء أو التدلّه فى الحبّ، كقوله: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر «٤» وقول البحترىّ: بدا فراع فؤادى حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك.

стр. 2346

وأما الهزل الذى يراد به الجدّ - فهو أن يقصد المتكلّم ذمّ إنسان أو مدحه فيخرج ذلك مخرج المجون، كقول الشاعر «١» : إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضبّ. وأما الكنايات - فهى أن يعبّر المتكلّم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن وعن الفاحش بالطاهر، وقد تقدّم الكلام على ذلك فى باب الكناية والتعريض وهو الباب الرابع من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث من كتابنا هذا. وأما المبالغة - وتسمّى التبليغ والإفراط فى الصفة- فقد حدّها قدامة بأن قال: هى أن يذكر المتكلّم حالا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف حتى يزيد فى معنى ما ذكره ما يكون أبلغ فى معنى قصده، كقول عمير «٢» بن كريم التغلبىّ: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا ومن أمثلة المبالغة المقبولة قول امرئ القيس يصف فرسا: فعادى عداء «٣» بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل يقول: إنه أدرك ثورا وبقرة فى مضمار واحد ولم يعرق. وقول المتنبى: وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب

стр. 2347

ولا يعاب فى المبالغة إلا ما خرج عن حدّ الإمكان، كقوله: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق «١» وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ملكت بها كفّى فأنهرت «٢» فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها فإنّ ذلك من جيّد المبالغة إذ لم يكن قد خرج مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية فى وصف الطعنة، ومن أحسن ذلك وأبلغه قول أحد شعراء الحماسة: رهنت يدى بالعجز عن شكر برّه ... وما بعد «٣» شكرى للشكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد. وأما عتاب المرء نفسه - فهو من أفراد ابن المعتزّ، ولم ينشد عليه سوى بيتين ذكر أن الآمدىّ «٤» أنشدهما عن الجاحظ وهما: عصانى قومى فى الرشاد الذى به ... أمرت ومن يعص المجرّب يندم فصبرا بنى بكر على الموت إننى ... أرى عارضا ينهلّ بالموت والدم قال: ولا يصلح أن يكون شاهدا لهذا الباب إلا قول أحد شعراء الحماسة: أقول لنفسى فى الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلّد والصبر

стр. 2348

وقول الآخر: فقدتك من نفس شعاع «١» فإننى ... نهيتك عن هذا وأنت جميع وما ناسب ذلك من الأمثلة. وأما حسن التضمين - فهو أن يضمّن المتكلّم كلامه كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر؛ ومن إنشادات ابن المعتزّ عليه: عوّذ لما بتّ ضيفا له ... أقراصه منّى بياسين فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت قفا نبك مصارينى فضمّن بيته الأوّل كلمة من السورة بتوطئة حسنة، وبيته الثانى مطلع قصيدة امرئ القيس. ومما ضمّن معنى حديث النبىّ ﷺ قول الآخر: وأخ «٢» مسّه نزولى بقرح ... مثلما مسّنى من الجوع قرح بتّ ضيفا له كما حكم الدهر ... وفى حكمه على الحرّ قبح قال لى مذ نزلت وهو من السكرة ... بالهمّ طافح ليس يصحو: لم تغرّبت؟ قلت: قال رسول الل ... هـ والقول منه نصح ونجح: «سافروا تغنموا» فقال: وقد قال ... تمام الحديث: «صوموا تصحّوا» ومن تضمين الشعر قول بعضهم: وقفنا بأنضاء حكتنا «٣» لواغب ... «على مثلها من أربع وملاعب» وهو مطلع قصيدة لأبى تمام،

стр. 2349

ومنه قول الغزّى: طول حياة ما لها طائل ... نغّص عندى كلّ ما يشتهى أصبحت مثل الطفل فى ضعفه ... تشابه المبدأ والمنتهى فلا تلم سمعى إذا خاننى ... «إنّ الثمانين وبلّغتها» المراد من التضمين هاهنا تمام البيت: ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان وإنما تركه لأن أوّل البيت يدلّ عليه لاشتهاره، وهذا قد أكثر المتأخرون من استعماله فى أشعارهم، وضمّنوا البيت الكامل بعد التوطئة له. وأما التلميح - وهو من التضمين، وإنما بعضهم أفرده- فهو أن يشير فى فحوى الكلام إلى مثل سائر، أو بيت مشهور، أو قضية معروفة من غير أن يذكره، كقول الشاعر: المستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار أشار إلى قضيّة كليب حين استغاث بعمرو بن الحارث؛ ومنهم من يسمّى ذلك اقتباسا، وإيراد المثل كما هو تضمينا. وأما إرسال المثل - فهو كقول أبى فراس: تهون علينا فى المعالى نفوسنا ... ومن يخطب العلياء لم يغله «١» المهر وكقول المتنبىّ: تبكّى عليهنّ البطاريق فى الدجى ... وهنّ لدينا ملقيات كواسد بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد.

стр. 2350

وأما إرسال مثلين - فهو الجمع بين مثلين، كقول لبيد: ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل وابيات زهير بن أبى سلمى التى فيها ومن ومن، وقد تقدّم ذكر ذلك مستوفى فى باب الأمثال، وهو الباب الأوّل من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث. وأما الكلام الجامع فهو أن يكون البيت كلّه جار يا مجرى مثل واحد كقول زهير: ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لا يصانع فى أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم «١» ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكقول أبى فراس: إذا كان غير الله فى عدّة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد وكقول المتنبىّ: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم وقوله: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ وقوله: ومن البليّة عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم وقوله: إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.
следующие страницы →