وجزيرة لافت. وتعرف بجزيرة بنى كاوان [١] . وطولها اثنان وخمسون ميلا، وعرضها تسعة أميال. وهى آهلة.
وهاتان الجزيرتان معدودتان فى بلاد جور من أعمال فارس.
ويقال أيضا إنه يخرج من البحر المحيط خليج ثالث فى شمال الصقالبة، ويمتدّ قرب بلد بلغار المسلمين، ويسمى بحر أدريك، منسوب إلى أمّة على ساحله فى جهة الشمال، ثم ينحرف نحو المشرق؛ وبين ساحله وبين أقصى بلاد الترك أرضون وجبال مجهولة خربة.
فهذا البحر المحيط وما يتفرّع منه.
٧- وأما بحر ما نيطش [٢]
ويسمى البحر الأسود وبحر سوداق. وهى مدينة على ساحله. هى فرضة لبلاد القفجاق مما يلى القسطنطينية. وعليه أيضا للقفجاق مدينة عظيمة تسمى قرم [٣] ،
стр. 247
مقصودة من كل الجهات. وبها علماء، وفقهاء، ورؤساء. وهى محدثة. مصّرت فيما بين الثلاثين والأربعين وستمائة للهجرة النبوية. ويسمى هذا البحر أيضا بحر الروس، لجزائر فيه يسكنها أمة تسمى الروس، نصارى. وهو بحر ضخم كثير الأخوار والتّروش [١] والجبال الجرش. وطوله من الشمال إلى الجنوب ألف ميل وثلاثمائة، وعرضه مختلف. ففى موضع ستمائة ميل، وفى موضع ثلاثمائة ميل. والناس مختلفون فيه. فمنهم من يقول إنه بحر مستقل بنفسه، يخرج منه خليج القسطنطينية ويصب فى بحر الروم أو هو مغيض لخليج القسطنطينية. وأكثرهم على أنه بحر مستقل بنفسه لطوله وعرضه وكثرة جزائره. وبعضهم يقول إنه خليج يخرج من البحر المحيط على ظهر بلاد الصقالبة، ويحيط به بلاد البطلمية، وبلاد الغامانية، وبلاد الأزكشية، وبلاد الشركسية، وبلاد العلان [٢] والعنكر والناشقرد.
وفيه ست جزائر عامرة، وهى كثيرة المدن والقرى، يسكنها الروس.
٨- وأما بحر الخزر
وهو بحر جرجان وطبرستان والديلم. وذلك بحسب ما يمرّ عليه من البلاد. وهو- على ما حكاه ابن حوقل- مدوّر الشكل، ليس له اتصال ببحر آخر.
стр. 248
قال: ولو أن إنسانا طاف به، لانتهى إلى الموضع الذى ابتدأ منه، لا يقطعه عن ذلك إلّا نهر يصب فيه [١] .
وفى شرقىّ هذا البحر بعض بلاد الديلم، وبلاد طبرستان، وجرجان، وبعض المسافة التى بين جرجان وخوارزم؛ وغربيه بلاد أرّان، وبلاد الخزر، وبعص مفازة الغزية [٢] ؛ وشماليه مفازة الطّغزغزية؛ وجنوبيه الجيل [٣] ، والديلم. وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل.
وقال صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» : طوله من جهة الخزر إلى عين الهم ألف ميل [٤] ، وعرضه من ناحية جرجان إلى مصب نهر إتل ستمائة ميل [٥] ، وخمسون ميلا وهو يقطع عرضا من طبرستان إلى مدينة باب الأبواب فى أسبوع بالريح الطيبة، وفيه أربع جزائر، وهى:
جزيرة سياكوه [٦] . وهى تجاه آبسكون، فرضة جرجان. يسكنها طائفة من الترك.
يصاد بها البزاة البيض.
وجزيرة سهلان. وطولها نحو مائة ميل، وعرضها نحو خمسين ميلا.
стр. 249
وجزيرة البركان [١] . وهى أطمة عظيمة تظهر منها نار فى الهواء، كأشمخ ما يكون من الجبال. ترى من نحو مائه فرسخ من البر.
وجزيرة تجاه باب الأبواب. كثيرة المروج والأنهار. وهذا البحر يقال إنه كثير التنانين.
وقد اختلف فيها. فمن الناس من يقول إنها دواب تعظم فى قعر البحر فتؤذى ما به من دواب، فيبعث الله عليها السحاب والملائكة فتخرجها من البحر وتقلبها فى أرض يأجوج ومأجوج، فتكون طعاما لهم. وهذا مما يحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما. ومنهم من رأى أنها ريح سوداء تكون فى قعر البحر فتظهر إلى النسيم وتلحق بالسحاب، كالزّوبعة التى تثور من الأرض وتستدير ثم تطول فى الهواء. فيتوهم الناس أنها حيّات سود.
وسائر البحار تمدّ وتجزر، خلا هذا البحر.
ويقال إن علة المدّ والجزر تكون عن وضع الملك الموكل بقاموس البحر عقبه فى أقصى بحر الصين، فيفور فيكون منه المدّ؛ ثم يرفعه فيكون من رفعه الجزر.
(ومنهم من روى مكان العقب الإبهام) .
ومنهم من قال إن العلة فيه غير هذا كله.
والله أعلم!
стр. 250
ذكر ما فى المعمور من البحيرات المالحة المشهورة وما بها من العجائب
وفى المعمور بحيرات مالحة:
فالذى اشتهر منها:
بحيرة خوارزم. وشكلها مثلث كالقلع، وليس فى المعمور بحيرة أعظم منها.
يحيط بها أربعمائة فرسخ. يصبّ فيها نهرا سيحون وجيحون، اللذان فى أرض الهياطلة، وغيرهما من الأنهار العظيمة الجارية فى بلاد الترك. وهى مع ذلك لا تزيد ولا تعذب.
وزعم صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» أن فى هذه البحيرة حيوانا يظهر على سطحها فى صورة الإنسان يتكلم ثلاث كلمات أو أربعا، بلغة لا تفهم ثم يغوص. وظهوره عندهم يدل على موت ملك من ملوك ذلك الحين.
ومنها بحيرة الطّرّيخ [١] : لسمك صغير يصاد منها ويحمل إلى سائر بلاد أرمينية وأذربيجان. وطولها أربع مراحل، وعرضها مرحلة. يجمع من أطرافها البورق.
والسمك يوجد بها فى زمان مخصوص، يأتيها فى نهر يصب إليها، ويكثر حتّى يصاد بالأيدى. فإذا انقضى ذلك الزمان، لا يوجد منه شىء البتة.
стр. 251
وفى بلاد أذربيجان بحيرة كبوذان [١] . وكبوذان قرية فى جزيرة، يسكنها ملّاحو المراكب التى يركب فيها من هذه البحيرة. وطول هذه البحيرة نحو ثلاثة أيام، وعرضها كذلك. وفيها جزائر: منها جزيرة فيها قلعة حصينة تسمّى تلا. ولا يكون بهذه البحيرة حيوان البتة، لأن ماءها منتن ردىء.
وفى بلاد البحرين بحيرة. وبها وبالبحر الكبير سميت أرض هجر: «البحرين» .
وفى الشام بأرض الغور بحيرة زغر، وتسمّى المنتنة والميتة. لأنها لا يعيش بها حيوان ولا يتكوّن فيها شىء مما يتكوّن فى المياه الجارية والراكدة من الحيوانات.
وطولها ستون ميلا، وعرضها اثنا عشر ميلا.
ويقال إنها ديار قوم لوط التى خسفهم الله بها. ويقال إنها كانت خمس مدن، أسماؤها: «ضيعه» ، و «ضعوه» ، و «عمره» ، و «دوما» ، و «سذوم» . وكانت سذوم أكبرها وأعظمها.
ويصبّ فى هذه البحيرة نهر الأردنّ وغيره من الأنهار الصغار والسيول من بلاد الكرك وغيرها، فلا تزيد. ويقال إن لها منفذا إلى بحر القلزم. وبساحلها الشرقىّ إلى حدّ أريحا معدن الكبريت الأبيض، يحفر عليه ويخرج. ويتكوّن فى هذه البحيرة شىء على شكل البقر، ويطفو على وجهها ويتفقع، فيجمع منه شىء أسود يسمونه «الحمر» وينقل إلى قلعة الكرك يدّخر بها، يدخل فى النّفط.
стр. 252
وفى أعمال مصر بحيرة تنّيس، مقدارها إقلاع يوم فى [عرض] [١] نصف يوم.
يكون ماؤها فى أكثر السنة ملحا من دخول ماء البحر الرومىّ إليها، فإذا مدّ النيل صبّ فيها فتحلو فإذا جزر ملحت.
ويقال: إنه كان فى مكانها برّ مسلوك تغلّب عليه البحر فى ليلة واحدة، فما كانت أرضه مستفلة غرق، وما كانت أرضه عالية مثل تنّيس وتونة بقى.
وفى وسط هذه البحيرة جزيرة صغيرة تسمى سنجار، يسكنها قوم صيادون.
وقال إبراهيم بن وصيف شاه فى «كتاب العجائب الكبير» : إن بحيرة تنّيس كانت أجنّة وكروما ومنازل ومنتزهات، وكانت مقسومة بين ملكين من ولد أتريب بن مصر، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا، فأنفق المؤمن ماله فى وجوه البرّ حتّى باع حصته من أخيه وفرّق مالها أيضا، فأصلحها أخوه وزاد فيها غروسا وفجّر فيها أنهارا وبنى فيها بنيانا، واحتاج أخوه إلى ما فى يده فكان يمنعه ويفتخر عليه بما فى يده من المال والأجنّة، فخاطبه أخوه فى بعض الأيام فسطا عليه، وقال: أنا أكثر منك مالا وولدا وخيرا، فقال له أخوه: فما أراك شاكرا لله تعالى على ما رزقك، ويوشك أن ينزع ذلك منك. ويقال: إنه دعا عليه فغرّق ماء البحر ما كان له فى ليلة واحدة.
وقيل: إن هذين اللذان ذكرهما الله تعالى فى كتابه العزيز، فقال: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ)
الآيات؛ والله تعالى أعلم.
وبالقرب من الإسكندرية بحيرة، طولها إقلاع يوم وعرضها كذلك، يدخل إليها الماء من بحر الروم من مكان الأشتوم، ويخرج منها إلى بحيرة أخرى دونها
стр. 253
فى خليج عليه مدينتان، إحداهما تسمّى الجدية، والأخرى تسمّى أتلو [١] كثيرة المقات والنخل، وكلها فى الرمل. ويصب فى البحيرة خليج من النيل يسمّى «الحافر» طوله نصف يوم إقلاعا، وهو كثير الطير والسمك والعشب.
وفى بلاد إفريقية بحيرة بنزرت ماؤها ملح، وطولها ستة عشر ميلا، وعرضها ثمانية أميال. وعلى عشرة أميال منها بحيرة ماؤها عذب تسمّى بحيرة متّيجة [١] .
فإذا جاء الشتاء وكثرت السيولى، غاضت بحيرة بنزرت، وفاضت بحيرة متّيجة حتّى تمدّها ستة شهور فلا يحلو ماؤها؛ فإذا انقضى زمن الشتاء وجاء الصيف، غاضت بحيرة متّيجة، وفاضت بحيرة بنزرت فلا يملح ماؤها. ويصاد فى هذه البحيرة فى كل شهرين من شهور السنة نوع من السمك لا يخالطه غيره؛ وأهل الناحية يعرفون دخول الشهور بتغيّر السمك فيها.
وحكى صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» : أن بتخوم بلاد أرمينية بحيرة يكون فيها الماء والسمك والطير ستة أشهر كوامل، ثم تجف فلا يرى فها ماء ولا سمك ولا طير سبع سنين، فإذا كانت السنة الثامنة ظهر ذلك فيها ستة أشهر ثم ينقطع.
وهذا دأبها مدى الزمان.
وبخلاط بحيرة لا يرى فيها سمك ولا ضفدع ولا سرطان عشرة أشهر من السنة، ثم يظهر ذلك كله فى الشهرين الباقيين.
стр. 254
وبقرية من ناحية پنجهير [١] من بلاد خراسان بحيرة، ما غمس فيها شىء إلا ذاب:
حديدا كان أو خشبا.
وكذلك بركة النّظرون التى بأرض مصر ما وقع فيها شىء إلا صار نطرونا حتّى العظم والحجارة.
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر البحر
(ما جاء من ذلك على لفظ أفعل) يقال: أعمق من البحر. أندى من البحر.
ويقال: حدّث عن البحر ولا حرج.
ويقال: جاء بالطّمّ والرّمّ. والطّم البحر؛ والرّم البر.
ومن أنصاف الأبيات:
وهل يملك البحر أن لا يفيضا؟
ومن ورد البحر استقلّ السّواقيا!
أنا الغريق، فما خوفى من البلل؟
ومن الأبيات:
هو البحر إلا أنّه عذب مورد، ... وذا عجب أنّ العذوبة فى البحر!
وقال ابن الرومىّ:
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا، وتعلو فوقه جيفه.
стр. 255
ومثله قول الآخر:
كمثل البحر يغرق فيه حىّ، ... ولا ينفكّ تطفو فيه جيفه.
وقال ابن الرومىّ:
ألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر: فيه الغنى والغرق!
وقال أبو نواس:
من قاس غيركم بكم، ... قاس الثّماد إلى البحور!
وقال آخر:
إذا كنت قرب البحر مالى مخلص ... إليه، فما يغنى اقترابى من البحر!
وقال آخر:
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... منه، ويرسل للبعيد سحائبا.
ذكر شىء مما قيل فى وصف البحر وتشبيهه قال ابن رشيق عفا الله عنه:
البحر مرّ المذاق صعب ... لا جعلت حاجتى إليه.
أليس ماء ونحن طين؟ ... فما عسى صبرنا عليه؟
وقال ابن حمديس:
لا أركب البحر، أخشى ... علىّ منه المعاطب!
طين أنا وهو ماء، ... والطّين فى الماء ذائب.
وقال آخر:
وزاخر ليس له صولة ... إلّا إذا ما هبّت الرّيح. فهو إذا ما سكنت ساكن
كأنما الرّيح له روح.
стр. 256
وقال أمية بن عبد العزيز بن أبى الصلت:
تناهى البحر فى عرض وطول، ... وليس له على التحقيق كنه.
وأعجب كلّما شاهدت فيه ... سلامتنا على الأهوال منه.
فحسبى أن أراه من بعيد ... وأهرب فوق ظهر الأرض عنه.
ومما وصف به البحر والسفن قول بشر بن أبى خازم:
أطاعن صفّهم ولقد أرانى ... على زوراء تسجد للرّياح.
إذا اعترضت براكبها خليجا، ... تذكّر ما عليه من جناح.
ونحن على جوانبها قعود، ... نغضّ الطّرف كالإبل القماح.
وقال ابن تولو من أبيات:
تحثّ بنا فيه قلاص كأنها ... وعال، تبدّت من جبال شواهق.
لها كافلا ماء وريح كلاهما ... يعلّمها فى الجرى سبق السّوابق
. إذا انحدرت؛ فالماء ألطف قائد، ... وإن صعدت، فالريح أعسف سائق.
وقال السلامىّ:
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّارعين ولا تقاد.
ركبت به إلى اللّذّات طرفا ... له جسم، وليس له فؤاد!
جرى فظننت أنّ الأرض وجه، ... ودجلة ناظر، وهو السّواد.
وقال محمد بن هانئ:
معطّفة الأعناق نحو متونها ... كما نبّهت أيدى الحواة الأفاعيا.
стр. 257
إذا اعملوا فيها المجاذيف سرعة، ... ترى عقربا منها على الماء ماشيا.
إذا ما وردن الماء شوقا لبرده، ... صدرن- ولم يشربن- غرثى صواديا.
وقال الرستمىّ:
لم نزل مشفقين مذقيل: سارت ... بك دهم قليلة الأوضاح.
أصلها البرّ وهى ساكنة فى ا ... لبحر سكنى إقامة لا براح.
هى فى الماء وهى صفر من الما ... ء سوى نضح موجها النّضّاح.
فإذا أوقرت، فذات وقار؛ ... وإذا أخليت، فذات جماح.
وتراها فى اللّجّ ذات جناحي ... ن وإن لم تكن بذات جناح.
من مطايا لا يغتذين ولا يس ... أمن سير البكور بعد الرّواح.
منشآت من الجوارى اللّواتى ... لسن من صنعة الجوارى الملاح.
والدات مولّدات بلا ح ... ل نكاح ولا حرام سفاح.
لا من البيض بل من السّود ألوا ... نا وذات الألواح والأرواح.
طائرات مع الرّياح، وطورا ... كاسرات بالجرى حدّ الرّياح.
سائرات لا يشتكين سرى اللي ... ل ولا يرتقبن ضوء الصّباح.
ساكنات بلا خضوع سكون، ... جامحات بلا غرام جماح.
لا يخفن الغمار يقذفن فيها، ... ويخفن المرور بالضّحضاح.
إن صدمن الحصى عطبن ولا يع ... طبن إمّا صدمن حدّ الرّماح.
ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها يسير سير القداح.
يتسبسبن كالأساود فى الخف ... ة لا فى معادة الأشباح.
فإذا ما تقابلت، قلت: ذود ... من كباش تقابلت للنّطاح.
стр. 258
شرعها البيض كالغمامات فى الصّي ... ف صحاحا منها وغير صحاح.
كم مدلّ بالجاه والمال فيها، ... وبه حاجة إلى الملّاح!
قائد جنده لهم أدوات ... نفعها ثمّ فوق نفع السّلاح.
فإذا البحر صال، صالوا عليها ... بمواض تمضى بغير جراح.
يكثرون الصّياح حتّى كأنّ الس ... فن تجرى من خوف ذاك الصّياح.
ومما وصفت به البحار والسفن نثرا قال أبو عمرو صاحب الصلاة القرطبىّ يصف شانيا [١] سافر فيه:
«فارقت مولاى حين أخذت للسّفر عدّة الحزم، وشددت عقدة العزم؛ وانتظمت مع السّفر فى سلك، وركبنا على اسم الله ظهر الفلك؛ فى شان عظيم الشان، أحدقت به النّطق إحداق الحيازم، وأمسكته إمساك الأبازم؛ ثم تتبّع خلله فسدّ، ورخوه فشدّ؛ حذرا على ألواحه من الإنخاع، واتصلت بعرانيسه اتصال الجلود بالأضلاع؛ ثم جلببت جلبابا من القار، وضمّخ فى المتنين والفقار؛ فامتاز بأغرب ميسم، وعاد كالغراب الأعصم؛ [٢] قد حسن منه المخبر، وكأنّ الكافور قد قرن فيه بالعنبر. له من التماسيح أجنابها، ومن الخطاطيف أذنابها؛ واستقلّت رجله بفراشها، استقلال السّهام برياشها؛ وقد مدّ قلعيه ذراعيه متلقيا من وفد الرياح مصافحه، ومستهديا منها منافحة. تقلّد الحكم عليها إشتيام [٣] ذو تيقظ واستبصار، واستدلال على الأعماق
стр. 259
والأقصار؛ يستدلّ باختلاف المياه إذا جرى، ويهتدى بالنجوم إذا سرى؛ قد جعل السماء مرآة ينظر فيها، ويحذر من دجن يوافيها؛ فإذا أصدأها الظلام بحنادسه، وصقلها الضياء بمداوسه؛ يسبّح الله فى مصبحه وممساه، ويبسمل فى مجراه ومرساه، ويذكر ربّا يحفظه ولا ينساه. قد اتخذ فيه مواتيه، من أنجد النّواتيه؛ مشمّرين الأثواب، مدبّرين بالصواب؛ يفهمون عنه بالإيماء، ويتصرّفون له تصرّف الأفعال للأسماء؛ ويترنّمون عند الجذب والدّفع، والحطّ والرفع: بهينمة تبعثهم على النّشاط.
والجمام [١] ، وتؤدّيهم فى عملهم بالتمام. فخرجنا ونفح الريح نسيم، ووجه البحر وسيم؛ وراحة الرّيح تصافح عبابه مصافحة الخلّ، وتطوى جناحه طىّ السّجل؛ وتجول من لججه أبرادا، وتصوغ من حبكه أزرادا: كأنما ترسم فى أديم رقشا، أو تفتح فى فصوص نقشا. فلما توسطنا ثبج البحر، وصرنا منه بين السّحر والنّحر؛ صحت الريح من سكرها، وطارت من وكرها؛ فسمعنا من دوىّ البحر زئيرا، ومن حبال الثانى صفيرا؛ ورأيناه يزبد ويضطرب، كأنّه بكأس الجنوب قد شرب؛ واستقبلنا منه وجه باسر، وطارت من أمواجه عقبان كواسر؛ يضطرب ويصطفق، ويختلف ولا يتّفق؛ كأن الجوّ يأخذ بنواصيها، ويجذبها من أقاصيها؛ والشانى تلعب به أكفّ الموج، ويفحص منها بكلكله فوجا بعد فوج؛ ويجوب منها ما بين أنجاد وأغوار، وخنادق وأسوار؛ والبحر تحتنا كأرض تميد بأهلها، وتتزلزل بوعرها وسهلها؛ ونحن قعود، دود على عود؛ قد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا؛ والرّشّ يكتنفنا من كل جانب، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب. فشممنا ريح الموت، وظننّا التلف والفوت؛ وبقينا فى همّ ناصب، وعذاب واصب؛ حتّى انتهينا
стр. 260
إلى كنف الجون، وصرنا منه فى كنّ وصون؛ وهدأ من البحر ما استشرى، وتنادينا بالبشرى؛ ووطئنا من الأرض جددا، ولبسنا أثواب الحياة جددا! ......»
ومن رسالة لأبى عامر بن عقال الأندلسىّ عفا الله عنه جاء منها:
« ... وكان جوازه، أيده الله على بحر ساكن، قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه؛ وصارحيّه ميتا، وهديره صمتا؛ وجباله لا ترى بها عوجا ولا أمتا؛ وضعف بعد تعاطيه، وعقد السلّم بين موجه وشاطيه. فعبر آمنا من لهواته، متملّكا لصهواته؛ على جواد يقطع البحر سبحا، ويكاد يسبق الريح لمحا؛ لا يحمل لجاما ولا سرجا، ولا يعرف غير اللّجّة سرجا؛ فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤاد؛ يخترق الهواء ولا يرهبه، ويركض فى الماء ولا يشربه! ......»
ومن رسالة للأستاذ ابن العميد فى مثل ذلك جاء منها:
« ... وكأن العشاريات وقد ردّيت بالقار، وحلّيت باللّجين والنّضار؛ عرائس منشورة الذوائب، مخضوبة الحواجب؛ موشحة المناكب، مقلّدة الترائب؛ متوّجة المفارق، مكلّلة العواتق، فضّية الحلل والقراطق؛ أو طواويس أبرزت رقابها، ونشرت أجنحتها وأذنابها؛ وكأنها إذا جدّت فى اللّحاق، وتنافست فى السّباق؛ نوافر نعام، أو حوافل أنعام؛ أو عقارب شالت بالإبر، أودهم الخيل واضحة الحجول والغرر؛ وكأن المجاديف طير تنفض خوافيها، أو حبائب تعانق حبائب بأيديها......»
стр. 261
الباب السابع من القسم الرابع من الفن الأوّل
فى العيون والأنهار والغدران وما وصفت به البرك والدواليب والنّواعير والجداول قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) .
قال المفسرون: هو المطر. ومعنى سلكه أدخله فى الأرض، وجعله عيونا ومسالك ومجارى كالعروق فى الجسد.
قال أبو الفرج، قدامة بن جعفر: مجموع ما فى المعمور من الأنهار فى الأقاليم السبعة مائة نهر وأربعة وثمانون نهرا، منها:
فى الإقليم الأول ثلاثة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الثانى تسعة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الثالث ستة وعشرون نهرا؛ وفى الاقليم الرابع أربعة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الخامس ثمانية وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم السادس ستة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم السابع ثمانية وعشرون نهرا.
ثم قال: وفى هذه الأنهار ما جريانه من المشرق إلى المغرب، كنهر نهاوند ونهر سجستان؛ وما جريانه من الشمال إلى الجنوب كدجلة؛ وما جريانه من الجنوب إلى الشمال، كنهر النّيل ونهر مهران؛ وما جريانه مركّب من هذه الجهات، كنهر الفرات وجيحون ونهر الكرّ.
وسنذكر المشهور منها.
стр. 262
فأما نهر النيل
فزعم قدامة بن جعفر أن انبعاثه من جبل القمر وراء خطّ الاستواء، من عين تجرى منها عشرة أنهار، كلّ خمسة منها تنصب إلى بطيحة. ثم يخرج من كل بطيحة نهران، وتجرى الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة فى الإقليم الأوّل. ومن هذه البطيحة يخرج نهر النيل.
وقال صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» : «إن هذه البحيرة تسمّى بحيرة كورى منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها، متوحّشون: يأكلون من وقع إليهم من الناس. ومن هذه البحيرة يخرج نهر غانة، ونهر الحبشة؛ فإذا خرج النّيل منها يشق بلاد كورى ثم بلاد ننه (طائفة من السودان أيضا، وهم بين كانم والنّوبة) ، فإذا بلغ دنقلة (مدينة النوبة) عطف من غربيها إلى المغرب، وانحدر الى الإقليم الثانى، فيكون على شطّيه عمارة النّوبة. وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى.
ثم يشرّق إلى الجنادل، وإليها تنتهى مراكب النوبة انحدارا، ومراكب الصعيد إقلاعا. وهناك أحجار مضرسة لا مرور للمراكب عليها إلا فى إبّان زيادة النيل.
ثم يأخذ على الشّمال فيكون على شرقيّة مدينة أسوان من بلاد الصعيد الأعلى؛ ثم يمرّ بين جبلين هما يكتنفان لأعمال مصر، أحدهما شرقىّ والآخر غربىّ حتّى يأتى مدينة مصر [١] فتكون فى شرقيه. فإذا تجاوزها بمسافة يوم، انقسم قسمين: أحدهما يمرّ حتّى يصب فى بحر الروم عند مدينة دمياط، ويسمّى بحر الشرق؛ والآخر- وهو عمود النيل ومعظمه- يمرّ إلى أن يصب فى بحر الروم أيضا عند مدينة رشيد، ويسمّى بحر الغرب.
стр. 263
قالوا: وتكون مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب فى رشيد سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا. وقيل إنه يجرى فى الخراب أربعة أشهر، وفى بلاد السودان شهرين، وفى بلاد الإسلام شهرا.»
وروى البخارى فى «صحيحه» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبىّ ﷺ فى حديث المعراج، قال: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. (قال: هذه سدرة المنتهى) وإذا أربعة أنهار نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان، فنهران فى الجنة؛ وأمّا الظاهران، فالنيل والفرات» .
وليس فى الأرض نهر يزيد حين تنقص الأنهار وتغيض، غيره. وذلك أن زيادته تكون فى الفيظ الشديد فى شمس السّرطان والأسد والسنبلة.
وقد حكى فى فضائل مصر أن الأنهار تمدّه بمائها، وذلك عن أمر الله تعالى.
وقال قوم: إن زيادته من ثلوج يذيبها الصيف على حسب مددها، كثيرة كانت أو قليلة؛ وفى مدده اختلاف كثير.
وكان منتهى زيادته قديما ستة عشر ذراعا، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، بمقياس مصر. فان زاد عن ذلك ذراعا واحدا، زاد فى الخراج مائة ألف دينار: لما يروى من الأراضى العالية.
والغاية القصوى فى الزيادة ثمانية عشر ذراعا فى مقياس مصر. [١] فإذا انتهى إلى هذا الحدّ، كان فى الصعيد الأعلى اثنين وعشرين ذراعا: لارتفاع البقاع التى يمرّ عليها.
стр. 264
فإذا انتهت زيادته، فتحت خلجانات وترع تتخرّق المياه فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل.
وللنيل ثمان خلجانات، وهى: خليج الإسكندرية؛ وخليج دمياط؛ وخليج منف؛ وخليج المنهى (حفره يوسف الصدّيق ﵇ ؛ وخليج أشموم طنّاح؛ وخليج سردوس (حفره هامان لفرعون) ؛ وخليج سخا؛ وخليج حفره عمرو بن العاص، يجرى إلى أن يصبّ فى السّباخ.
ويحصل لأهل مصر إذا وفى النيل ستة عشر ذراعا- وهى قانون الرىّ- فرح عظيم: بحيث إن السلطان يركب فى خواصّ دولته وأكابر الأمراء فى الحراريق إلى المقياس، ويمدّ فيه سماطا يأكل منه الخواصّ والعوامّ، ويخلع على القيّاس، ويصله بصلة مقرّرة له فى كلّ سنة.
وقد ذكر بعض المفسرين «للكتاب العزيز» أن يوم «وفاء النيل» هو اليوم الذى وعد فيه فرعون موسى بالاجتماع، وهو قوله تعالى إخبارا عن فرعون (قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)
. والعادة جارية أن اجتماع الناس للتخليق فى هذا الوقت.
ومتى قصّر النيل عن هذا المقدار، غلت الأسعار.
وهو إذا ابتدأ فى زيادته يكون مخضرّا، ثم محمّرا، ثم كدرا.
وإذا انتهى فى الزيادة غشّى الأرض، وتصير القرى فوق الرّوابى فلا يتوصّل إليها إلا فى المراكب أو على الجسور الممتدّة التى تنفق عليها الأموال الكثيرة وتتخذ لحفظ الماء.
стр. 265
فإذا انتهى رىّ مكان وأخذ حدّه، قطع جسر ذلك المكان من مكان معروف (يعرفه خولة البلاد ومشايخها) تروى منه الجهة التى تليها مع ما تجمع فيها من الماء المختص بها. ولولا إتقان هذه الجسور وحفر الترع لقلّ الانتفاع بالنيل.
وقد حكى أنه كان يرصد لعمارة الجسور فى كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم بها:
لما يترتب عليها من المصالح، ويحصل بها من النفع فى رىّ البلاد.
وقد وصف بعض الشعراء، النيل فى طلوعه وهبوطه، فقال:
واها لهذا النّيل، أىّ عجيبة ... بكر بمثل حديثها لا يسمع!
يلقى الثرى فى العام وهو مسلّم ... حتى إذا ما ملّ عاد يودّع.
مستقبل مثل الهلال، فدهره ... أبدا يزيد كما يزيد ويرجع.
وللشعراء فيه أوصاف وتشبيهات، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى في موضعها.
وهذا النهر مخالف فى جريه لسائر الأنهار، لأنه يجرى مما يلى الجنوب مستقبل الشمال. وكذلك نهر مهران بالسّند، ونهر الأرنط، وهو نهر حمص وحماة، ويسمّى العاصى لمخالفته للأنهار فى جريها. وما عداها من الأنهار جريها من الشمال إلى الجنوب:
لارتفاع الشمال عن الجنوب وكثرة مياهه.
وهو أخفّ المياه وأحلاها وأعمّها نفعا وأكثرها خراجا.
وقد حكى أنه جبى فى أيام كيقاوش (أحد ملوك القبط الأوّل مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار؛ وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار؛ وجباه عمرو بن العاص اثنى عشر ألف ألف دينار؛ ثم رذل إلى أن جبى أيام القائد جوهر (مولى المعزّ العبيدىّ) ثلاثة آلاف ألف ومائتى ألف دينار.
стр. 266
وسبب تقهقره أن الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق فى حفر ترعه وإتقان جسوره وإزالة ما هو شاغل للأرض عن الزراعة كالقصب والحلفاء.
وحكى ابن لهيعة أن المرتّبين لذلك كانوا مائة ألف وعشرين ألف رجل:
سبعون ألفا للصعيد، وخمسون ألفا للوجه البحرىّ.
وحكى ابن زولاق أن أحمد بن المدبر لما ولى الخراج بمصر، كشف أرضها فوجد غامرها أكثر من عامرها، فقال: والله لو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا.
وقيل إنها مسحت أيام هشام بن عبد الملك، فكان ما يركبه الماء العامر والغامر مائة ألف ألف فدان. والفدان أربعمائة قصبة، والقصبة عشرة أذرع.
واعتبر أحمد بن المدبر ما يصلح للزراعة بمصر فى وقت ولايته، فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان. والباقى استبحر وتلف.
واعتبر مدّة الحرث فوجدها ستين يوما. والحراث يحرث خمسين فدانا، فكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حرّاث.
وأما الفرات
فهو أحد الرّافدين، ويقال الوافدين، والآخر دجلة، سميا بذلك لأنهما يجريان فى جانبى بغداد: دجلة من شرقيها، والفرات من غربيها: يأتى إليها من دجلة من واسط، والبصرة، والأبلة، والأهواز، وفارس، وعمان، واليمامة، والبحرين، وسائر بلاد الهند، والسند، والصين؛ ويأتى إليها من الفرات من الموصل، وأذربيجان، وأرمينية، والجزيرة، والثغور، والشام، ومصر، والمغرب؛ وقد تقدّم ذكرنا لحديث البخارى أنه يجرى من تحت سدرة المنتهى.
стр. 267
وأما مبتدأ جريه الذى يعرفه الناس، فمن مدينة قاليقلا من نهر يسمّى أودخش، ويجرى مقدار أربعمائة وخمسين ميلا مغرّبا، ثم يخرج من جهة الجنوب حتّى يمرّ بين ثغرى ملطية، وسميساط؛ ثم إلى جسر منبج؛ ثم يعطف ويأخذ جهة الجنوب حتّى يصل إلى بالمن ويمر بنصيبين، والرّقة، وقرقيسيا، والرّحبة؛ فيلتحف على عانات؛ ثم يمتدّ حتّى يمر بهيت والأنبار. فإذا جاوزها انقسم قسمين: قسم يأخذ نحو الجنوب قليلا وهو المسمّى بالعلقم، ينتهى إلى بلاد سورا وقصر ابن هبيرة والكوفة والحلّة، إلى البطيحة التى بين البصرة وواسط؛ والقسم الآخر يسمّى نهر عيسى، منسوب لعيسى بن علىّ بن عبد الله بن عباس، وهو ينتهى إلى بغداد، ويمرّ حتّى يصبّ فى دجلة.
قال المسعودىّ: وقد كان الأكثر من ماء الفرات ينتهى إلى بلاد الحيرة؛ ثم يتجاوزها ويصب فى البحر الفارسىّ، وكان البحر يوم ذاك فى الموضع المعروف بالنّجف فى هذا الوقت، وكانت مراكب الهند والصين ترد على ملوك الحيرة فيه.
قال: والموضع الذى كان يجرى فيه بيّن إلى زمن وضعى هذا الكتاب، يعنى «كتاب مروج الذهب» وهو فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ويعرف بالعتيق، وعليه كانت وقعة القادسية.
وطول الفرات من حيث يخرج عند ملطية إلى أن يأتى ما يأتى منه إلى بغداد ستمّائة فرسخ وثلاثة وعشرون فرسخا، وفى شطّه مدن فى جزائر تعدّ من أعمال الفرات، وهى الريسة، والناووسة، والقصر، والحديثة، وعانات، والدّالية.
стр. 268
وأما نهر دجلة
ويسمى السلامة، وبه سميت بغداد دار السلام على أحد القولين، والثانى السلام على الخلفاء فيها.
وهذا النهر فارزبين العراق والجزيرة، وانبعاثه من أعين بجبال آمد، ويصب إليه نهران يخرجان من أرزن الروم وميّا فارقين وعيون أخرى من جبال السلسلة، فيمرّ ببلد، ثم بالموصل فيصب فيه نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية بين بلاد سورا وقبر سابور؛ ويصب فيه الزاب الأكبر الخارج من بلاد أذربيجان على فرسخ من الحديثة. ويسمى المجنون لحدّته وشدّة جريه، ثم تمرّ دجلة فيصب فيها الزاب الأوسط، ومخرجه من الفرات ويجرى بين إربل ودقوقاء، ويصب فى دجلة أيضا الزاب الأصغر، ومخرجه أيضا من الفرات.
وهذه الزوابى الثلاثة أنبطها زاب بن طهماسب: أحد ملوك الفرس الأول، ثمّ تمرّ دجلة بتكريت إلى أن تتجاوز سامرّا قليلا فيقع فيها نهر عيسى ويمرّ حتّى يشقّ بغداد.
فاذا تجاوزها صب فيه نهر يخرج من بلاد أرمينية يسمّى تامرّا بعد أن يمرّ بناصلو ثم بباجسرا فيسمّى النهروان، ويشق مدينة تعرف به، ثم تمرّ دجلة بجر جرايا والنّعمانية ثم بواسط، ثم إلى البطائح، ثم تخرج منها فتمرّ بالبصرة وتجرى حتّى تنتهى إلى عبّادان، وعندها تصبّ فى البحر الفارسىّ.
وما يمرّ من دجلة بالبصرة يملح إذا مدّ البحر فلا يشرب منه البتة؛ ويحلو إذا جزر.
فأهل البصرة ينتظرون بالاستقاء منه الجزر، وهو يمدّ بكرة ويجزر عشاء.
стр. 269
وكانت المراكب التى ترد من الهند والصين تدخل فى دجلة من بحر فارس إلى مدينة المداين، فاتفق أن انبثق فى أسافل كسكر بثق عظيم على عهد قباذ بن فيروز فأهمل حتّى طغى ماؤه وغرّق غمارات وضياعا فصارت بطائح.
ويسمّى هذا البثق دجلة العوراء لتحوّل الماء عنه. وصار بين دجلة الآن ودجلة العوراء مسافة بعيدة تسمّى بطن جوخى، وهو من حدّ فارس من أعمال واسط إلى نحو السّوس من أعمال خوزستان.
ويقال إن كسرى أنفق أموالا عظيمة على أن يحوّل الماء إليها فأعياه ذلك.
ورامه خالد بن عبد الله القسرى فعجز عنه.
ومقدار مسافة جرى نهر دجلة إلى أن يصب فى البحر الفارسى ثلاثمائة فرسخ؛ ومقدار البطائح ثلاثون فرسخا طولا وعرضا. وهى تفيض فى كثير من الأوقات حتى يخشى على بغداد الغرق.
وأما نهر سجستان
ويسمّى الهندمند [١] ، فيقال إن منوچهر بن أيراج [٢] بن أفريدون أنبطه.
وهو يجرى من عيون فى بلاد الهند ويمرّ ببلد الغور؛ فإذا تجاوزها، مرّ من أعالى سجستان على بررخّج، ثم على بسط [٣] ، ثم على دونج [٤] فتفرّع منه أنهار تجرى فى شوارعها. ثم يمرّ عمود النهر حتّى يصب فى بحيرة زرة.
стр. 270
وطول هذا النهر من حيث يبتدئ إلى نهايته مائة فرسخ.
وزعم قوم أنه يخرج من نهر الكنك.
وأما نهر مهران
وهو نهر السند [١] ، فهو يشبه نيل مصر فى زيادته ونقصه واصناف حيوانه وما يتفرّع منه من الخلجان.
وهو يستمدّ من أربعة أنهر: نهران يجريان من السند، ونهر من ناحية كابل، ونهر من بلاد قشمير. وتجتمع فتكون نهرا واحدا، ويجرى حتّى ينتهى إلى الدور فيمرّ بها، ومن ثم يسمّى نهر مهران، ثم يمرّ بالمولتان، ثم بالمنصورة، ثم يجرى إلى ديبل. فإذا تجاوزها صب فى بحر الهند على ستة أميال منها.
وطوله ألف فرسخ.
وأما نهر جيحون [٢]
ويسمّى بالفارسية «به روذ» وهو «نهر بلخ [٣] » .
وانبعاثه من بحيرة فى بلاد التّبّت، مقدارها طولا وعرضا أربعون ميلا، تجتمع من أنهار الختّل.
стр. 271
فإذا خرج منها مربوخّان فيسمّى نهر جرياب [١] ، ويجرى من المشرق إلى المغرب إلى أعلى حدود بلخ. ثم يعطف إلى ناحية الشمال إلى أن يصير إلى التّرمذ، ثم منها إلى زمّ وآمل من بلاد خراسان. ثم يجرى إلى أن يمرّ ببلاد خوارزم فيشق قصبتها.
فإذا تجاوزها تشعّب منه أنهار وخلجان يمينا وشمالا، تصب إلى مستنقعات وبطائح يصاد فيها السمك.
ثم تخرج منها مياه تجتمع وتصير عمودا واحدا، تجرى مقدار أربعة وعشرين فرسخا، ثم تصب فى بحيرة خوارزم.
ويكون مقدار جريه من مبدئه إلى نهايته ثلاثمائة وخمسين فرسخا. وقيل: أربعمائة.
وساحله يسمّى الرّوذبار [٢] .
ويقال إنه يخرج منه خليج يأخذ سمت المغرب حتّى يقرب من كرمان، ثم يمضى حتّى يصبّ فى بحر فارس.
ونهر جيحون ربما جمد فى الشتاء حتّى تعبر عليه القفول. قالوا: ويبتدئ جموده من ناحية خوارزم.
وأما نهر سيحون
ويسمّى نهر الشّاش، وهو فارز بين بلاد الهياطلة وبلاد تركستان.
قال ابن حوقل: مبتدؤه من أنهار تجتمع فى حدود بلاد التّرك [والإسلام] ، فتصير عمودا واحدا وتجرى حتّى تظهر فى حدود أوزكند من بلاد فرغانة فتصب فيه
стр. 272
فيعظم ويكثر ماؤه، ثم يمتدّ إلى فاراب. فإذا تجاوزها يجرى فى برّية فيكون على جانبيه الأتراك الغزّيّة، ويمرّ إلى أن يصب فى نهر جيحون [١] .
وبين موقعه فى النهر وبين بحيرة خوارزم عشرة أيام.
وأما نهر الكنك [٢]
وهو نهر تعظّمه الهند، فينبعث من بلاد قشمير ويجرى فى أعالى بلاد الهند.
وهم يزعمون أنه من الجنة فيعظّمونه غاية التعظيم.
ومن عجائبه أنه إذا ألقى فيه شىء من القاذورات، أظلم جوّه ورجفت أرجاؤه وكثرت الأمطار والرياح والصواعق.
وقد وصفه العتبىّ فى «التاريخ اليمينىّ» فقال:
«وهذا النهر الذى يتواصف الهنود قدره وشرفه، فيرون من عين الخلد التى فى السماء مغترفه؛ إذا أحرق منهم ميت ذرّوه فيه بعظامه، فيظنون أنّ ذلك طهر لآثامه؛ وربما أتاه الناسك من المكان البعيد فيغرق نفسه فيه، يرى أنّ هذا الفعل ينجيه.
والهنود يفرطون فى تعظيمه حتّى إن الرجل منهم إذا أراد الفوز، أحرق نفسه وألقى رماده فيه، أو يأتى إلى النهر (وهناك شجر القنا فى غاية الارتفاع، وقوم هناك بأيديهم سيوف مسلولة وخناجر) فيربط نفسه فى طرف قناة، ثم يحزّ رأسه بيده
стр. 273
فيبقى الرأس معلقا فى طرف القناة وتسقط الجثة، أو يلقى نفسه من شاهق على تلك السيوف والخناجر فيتقطع، ومنهم من يلقى نفسه فى النهر فيغرق» .
وأما نهر الكر
فهو نهر بأرض أرمينية.
وانبعاثه من بلاد اللّان، فيمرّ ببلاد الأنجاز [١] حتّى يأتى ثغر تفليس فيشقّه ويجرى فى بلاد الساوردية. [٢] ثم يخرج بأرض برذعة، ويحرى إلى برزنج فيصب فيه نهر الرّسّ.
وهذا النهر هو المذكور فى القرآن العزيز فى قوله تعالى (وَأَصْحابَ الرَّسِّ) *
[٣] على ما ذهب إليه بعض المفسرين. فإذا صب فيه هذا النهر، صارا نهرا واحدا يصب فى بحر الخزر.
ونهر الرّسّ يخرج من أقاصى بلاد الروم، على ما زعم المسعودى.
وأما نهر إتل
وهو نهر عظيم، فهو نهر الخزر.
ويمرّ جانبه الشرقىّ على ناحية خرخيز، ويجرى ما بين الكيماكية والغزّية. ثم يمتدّ غربا على ظهر بلغار [٤] وبرطاس والخزر. ثم ينقسم قسمين: أحدهما إلى مدينة إتل
стр. 274
يشقّها بنصفين ويجرى إلى أن يصب فى بحر الخزر، ويجرى الآخر فيمرّ ببلد الرّوس حتّى يصب فى بحرهم وهو بحر سوداق.
ويقال إنه يتشعب منه نيّف وتسعون نهرا، وإذا وقع فى البحر، يجرى فيه مسيرة يومين ثم يغلب عليه.
وقيل إنه يجمد فى الشتاء، ويتبين لونه فى لون البحر.
والله أعلم.
ذكر ما فى المعمور
من الأنهار والعيون التى يتعجّب منها قال صاحب «مباهج الفكر ومناهج العبر» فى كتابه:
«وذكر المعتنون بتدوين العجائب فى كتبهم التى وضعوها لذلك أن فى المعمور أنهارا وعيونا يتعجّب منها إذا أخبر عنها. فذكروا منها نهر الكنك (وقد تقدّم ذكره) وأن بأرض الهند مكانا يعرف بعقبة عورك فيه عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا، وإن ألقى فيها شىء من ذلك، اكفهرّت السماء وهبّت الريح وكثر الرعد والبرق والمطر. فلا تزال كذلك إلى أن يخرج منها ما طرح فيها.
«وذكروا أن فى ناحية الباميان عينا تسمّى ديواش تفور من الأرض كغليان القدر؛ متى بصق فيها إنسان أورمى فيها شيئا من القاذورات، ازداد غليانها وفورانها وفاضت. فربما أدركت من جعل ذلك فيها فغرّقته.
«وبناحية الباميان أيضا عين تجرى من جبل فى بعض الأحيان. فإذا خرج ماؤها، صار حجرا أبيض.
стр. 275
«وبقرية من أعمال فارس كهف بين جبال شاهقة فيه حفرة بقدر الصّحفة، يقطر فيها من أعلى الكهف ماء: إن شرب منه واحد لا يفضل عنه منه شىء، وإن شرب منه ألف عمّهم وأرواهم.
«وبناحية أردشير [١] جرد عين يجرى منها ماء حلو يشرب لشفية الجوف. فمن شرب منه قدحا أقامه مرة، وإن زاد فعلى قدر الزيادة.
«وبدارين من أعمال فارس نهر ماؤه شروب. إذا غطّت فيه الثياب خضّرها.
«وفى بعض رساتيق همذان عيون متى خرج منها الماء تحجّر.
«وبنواحيها أيضا ماء يخرج من تحت قلعة ويجرى فى جداول إلى بعض الرساتيق.
فما تشبّث منه فى صدع أو شقّ صار حجرا صلدا، وإذا صبّ فى خزفة وأقام فيها ثلاثة أيام ثم كسرت، وجد فى جوفها أخرى قد تحجرت من الماء.
«وبناحية تفليس عين تنبع، فإذا خرج منها الماء صار حيّات.
«وبأرض القدموس من حصون الدّعوة بربضها حمّام يجرى إليها الماء من عين هناك. فإذا كان فى أوّل شهر تمّوز ينبع فى الحمّام حيّات فى طول شبرين أوّلا، ثم فى طول شبر، وتكثر. ولا توجد فى غير الحمام. فإذا انقضى شهر تمّوز، عدمت تلك الحيّات، فلا توجد إلى العام القابل.
«وبأرض أرمينية واد لا يقدر أحد ينظر إليه ولا يقف عليه ولا يدرى ما هو.
إذا وضعت القدر على ضفّته غلت ونضج ما فيها. وفيها واد عليه الأرحاء والبساتين.
ماؤه حامض؛ فإذا نزل فى الإناء، عذب وحلا.
стр. 276
«وبالمراغة عيون اذا خرج ماؤها لم يلبث إلا قليلا حتى يتحجّر. فمنه تفرش دورهم.
«وبنواحى أرزن الروم ماء يستقى فيستحجر ويصير ملحا.
«وأكثر مياه بلاد اليمن تستحيل شبّا.
«وبنواحى واحات من أعمال مصر عيون مياهها ألوان مختلفة: من الحمرة والصّفرة والخضرة. تسيل إلى مستنقعات، فتكون ملحا بحسب ألوانها.
«وفى هذه الناحية عيون يطبخ بمائها بدلا عن الخلّ.
«وبنواحى أسوان من الصعيد الأعلى مستنقعات منها النّفط.
«وكذلك بتكريت من أرض العراق.
«وبأرض كتامة [١] من بلد إفريقيّة عين تسمّى عين الأوقات. تجرى فى أوقات الصلوات الخمس. فإذا حضر جنب أو امرأة حائض، لا تبضّ بشىء من الماء. وإذا اتّهم رجلان، أتت بالماء للصادق وشحّت على الكاذب.
«وببلد إفريقية أيضا عين تنبع بالمداد، يكتب به أهل تلك الناحية.
«وبطرطوشة من بلاد الأندلس واد يجرى رملا.
قال: وذكر بعض أصحاب المجاميع أنه كان بمدينة طحا من كورة الأشمونين من صعيد مصر بئر فيها ماء معين يشرب منها طول أيام السنة فيكون الماء كسائر المياه، حتّى إذا كان أوّل يوم من برمودة من شهور القبط فمن شرب من ذلك الماء
стр. 277
يومئذ خدمته الطبيعة مقدار ما شرب. فاذا كان وقت الزوال عاد الماء إلى حالته الاولى، ثم لا يفعل كذلك إلا فى مثل ذلك اليوم من العام القابل.
وقال: إنه كان بمدينة الأشمونين كنيسة تعرف ببوجرج إلى جانبها بئر لا نداوة فيها ولا بلل فى سائر أيام السنة، فاذا كان اليوم العاشر من طوبة من شهور القبط تمتلئ تلك البئر ماء شروبا. فلا يبقى أحد من نصارى ذلك البلد إلا ويأخذ من ذلك الماء للتبرّك به. حتّى إذا كان عند الزوال، غاض الماء فلا يبقى فى البئر منه شىء ويجفّ لوقته.
«وبأرض مرمنيثا من عمل حصن الأكراد عين تسمّى الفوّارة. تكون فى غالب الأوقات بينها وبين وجه الأرض تقدير ثلاثة أذرع. وتفور فى بعض الأيام ويخرج منها ماء يدير أرحية الطواحين ويسقى البساتين فيستمرّ كذلك بعض يوم ثم يغور.
ويتكرر ذلك فى الأسبوع مرتين وثلاثة.
«وبقلعة بعلبك من الشام بئر تعرف ببئر الرحمة لا يرى فيها الماء إلا إذا حوصرت.
فإنها عند ذلك تمتلئ حتّى تفيض. فإذا زال الحصار جفّت» .
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الماء
(ما جاء من ذلك على لفظ افعل) الأمثال:
يقال:
أسرع من الماء إلى قراره.
أرقّ من الماء.
أحمق من لاعق الماء.
стр. 278
أحمق من القابض على الماء.
أصفى من ماء المفاصل.
أعذب من ماء المفاصل.
أجرى من الماء.
أعذب من ماء الحشرج.
أعذب من ماء البارق.
ألطف من الماء.
أوجد من الماء.
ويقال:
أن ترد الماء بماء أكيس.
ماء ولا كصدّاء.
قد بلغ الماء الزّبى.
ويقال:
فلان يرقم على الماء. (إذا كان حاذقا) .
ثأطة مدّت بماء. (للامر يزداد فسادا) .
ليس الرّىّ فى التّشافّ. (فى ذم الاستقصاء) .
الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه؛ وإذا سكن متنه، تحرّك نتنه.
الكدر من رأس العين.
إذا عذبت العيون، طابت الأنهار.
هذا غيض من فيض، وبرض من عدّ. (أى قليل من كثير) .
стр. 279
ومن أنصاف الابيات:
والمرء يشرق بالزّلال البارد!
كذلك غمر الماء يروى ويغرق!
والمشرب العذب كثير الزّحام!
مواقع الماء من ذى الغلّة الصادى!
وكيف يعاف الرّنق من كان صاديا؟
ومن الابيات:
يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك سبيل غير مسدود؟
لحائم حام حتّى لا حيام به ... محلّا عن طريق الماء مصدود!
وقال آخر:
أيجوز أخذ الماء من ... متلهّب الأحشاء صادى؟
وقال آخر:
أرى ماء وبى عطش شديد، ... ولكن لا سبيل إلى الورود!
وقال آخر:
من غصّ داوى بشرب الماء غصّته، ... فكيف يصنع من قد غصّ بالماء؟
وقال آخر:
وما كنت إلّا الماء جئنا لشربه، ... فلمّا وردناه إذا الماء جامد!
وقال آخر:
وفى نظرة الصادى إلى الماء حسرة، ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد!
وقال آخر:
وإنّى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت ورّاده، لعيوف!
стр. 280
وقال آخر:
سأقنع بالثّماد، لعلّ دهرا ... يسوق الماء من حرّ كريم!
وقال آخر:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء، خانته فروج الأصابع.
وقال آخر:
وإنّى وإشرافى عليك بهمّتى ... لكالمبتغى زبدا من الماء بالمخض.
وقال آخر:
فقل فى مكرع عذب، ... وقد وافاه عطشان!
وقال آخر:
وكيف الصّبر عنك، وأىّ صبر ... لظمآن عن الماء الزّلال؟
وقال آخر:
وإنّ الماء فى العيدان يجرى، ... وربّتما تغيّر فى الحلوق!
وقال آخر:
إذا أنا عاتبت الملول فإنّما ... أخطّ بأقلام على الماء أحرفا!
وقال آخر:
والماء لس عجيبا أنّ أعذبه ... يفنى، ويمتدّ عمر الآجن الأسن.
وقال آخر:
المال يكسب أهله، ما لم يفض ... فى الراغبين إليه، سوء ثناء.
كالماء تأسن بئره إلا إذا ... خبط السّقاة جمامه بدلاء.
стр. 281
ذكر شىء مما قيل فى وصف الماء وتشبيهه
فأما ما اختص به نهر النيل من الوصف.
فمن ذلك قول ابن النّقيب:
كأنّ النّيل ذو فهم ولبّ ... لما يبدو لعين الناس منه.
فيأتى حين حاجتهم إليه، ... ويمضى حين يستغنون عنه!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
يوم لنا بالنّيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر.
والسّفن تجرى كالخيول بنا ... صعدا، وجيش الماء منحدر.
فكأنّما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر.
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى قال:
وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذّراع. فكأنما غار على الأرض فغطّاها، وعار عليها فاستقعدها وما تخطّاها. فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إيّاه.
وأما ما اختصت به دجلة من الوصف.
قال التنوخىّ:
وكأنّ دجلة إذ تغمّض موجها ... ملك يعظّم، خيفة ويبجّل.
عذبت، فما أدرى أماء ماؤها ... عند المذاقة أم رحيق سلسل؟
وكأنّها ياقوتة أو أعين ... زرق يلاءم بينها ويوصّل.
ولها بمدّ بعد جزر ذاهب ... جيشان: يدبرذا، وهذا يقبل.
стр. 282
وقال محمد بن عبد الله السلامىّ، شاعر «اليتيمة» :
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّارعين [١] ولا تقاد.
ركبت به إلى اللّذّات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد.
جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السّواد.
وقال الصنوبرىّ:
فلمّا تعالى البدر واشتدّ ضوءه ... بدجلة فى تشرين بالطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضّض نوره ... وبعض نجوم الليل يطفى سنا بعض،
توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى ظاهر الأفلاك فى باطن الأرض.
ومما وصفت به الأنهار
قال الصنوبرى:
والعوجان الذى كلفت به ... قد سوّى الحسن فيه مذعوّج.
ما أخطأ الأيم فى تعوّجه ... شيئا إذا ما استقام أو عرّج.
تدرّج الريح متنه فترى ... جوشن ماء عليه قد درّج.
إن أعنقت بالجنوب أعنق فى ... لطف، وإن هملجت به هملج.
من أين طافت شمس النهار به ... حسبت شمسا من جوفه تخرج.
وقال أبو فراس:
والماء يفصل بين زه ... ر الرّوض فى الشّطّين فصلا.
كبساط وشى جرّدت ... أيدى القيان عليه نصلا.
стр. 283
وقال الناجم:
انظر إلى الرّوض الذّك ... ى فحسنه للعين قرّه!
فكأنّ خضرته السما ... ء، ونهره فيه المجرّه.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وترى الرّياح إذا مسحن غديره ... وصفينه ونقين كلّ قذاة،
ما إن يزال عليه ظبى كارع ... كتطلّع الحسناء فى المرآة.
ومثله قول الآخر:
وغدير رقّت حواشيه حتى ... بان فى قعره الذى كان ساخا.
وكأنّ الطّيور إذ وردته ... من صفاء به، تزقّ فراخا.
وقال آخر:
والنّهر مكسوّ غلالة فضّة؛ ... فإذا جرى سيل، فثوب نضار.
وإذا استقام، رأيت صفحة منصل [١] ؛ ... وإذا استدار، رأيت عطف سوار.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
النّهر قد رقّت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز.
تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزّها الأعجاز.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسى:
لله نهر سال فى بطحاء ... أشهى ورودا من لمى الحسناء!
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب تحفّ بمقلة زرقاء.
والرّيح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء!
стр. 284
وقال أبو القاسم بن العطار:
مررنا بشاطى النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق.
وقد نسجت كفّ النّسيم مفاضة ... عليه، وما غير الحباب لها حلق!
وقال محمد بن سهل البلخى، شاعر «الذخيرة» :
راقنا النهر صفاء ... بعد تكدير صفائه.
كان مثل السيف مدمى ... فجلوه من دمائه.
أو كمثل الورد غضّا ... فهو اليوم كمائه.
وقال القاضى التنوخى، شاعر «اليتيمة» :
أحبب إلىّ بنهر معقل الذى ... فيه لقلبى من همومى معقل!
عذب إذا ما عبّ فيه ناهل ... فكأنّه من ريق حبّ ينهل.
متسلسل فكأنّه لصفائه ... دمع بخدّى كاعب يتسلسل.
فإذا الرّياح جرين فوق متونه ... فكأنّها درع جلاه الصّيقل!
وقال مؤيد الدين الطّغرائىّ فى الغدير:
عجنا إلى الجزع الذى مدّ فى ... أرجائه الغيم بساط الزّهر.
حول غدير ماؤه المنتمى ... إلى بنات المزن يشكو الخصر.
لولاذه [١] الرّيح سموما به ... لانقلبت وهى نسيم السّحر.
حصباؤه درّ ورضراضه ... سحالة العسجد حول الدّرر.
وقد كسته الرّيح من نسجها ... درعا به يلقى نبال المطر.
стр. 285
وألبسته الشّمس من صبغها ... نورا به يخطف نور البصر.
كأنّها المرآة مجلوّة ... على بساط أخضر قد نشر.
وقال أيضا:
ملنا إلى النّشر الذى ترتقى ... إليه أنفاس الصبا عاطره.
حول غدير ماؤه دارع ... والأرض من رقّته حاسره.
والشمس إن حاذته رأد الضّحى ... حسناء فى مرآتها ناظره.
والشّهب إن حاذته جنح الدّجى ... تسبح فى لجّته الزاخره.
قد ركّب الخضراء فيه، فمن ... حصبائه أنجمها زاهره.
يخضرّ [١] إن مرت بأرجائه ... لفح سموم فى لظى هاجره.
أنموذج الماء الذى جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه فى الآخره!
ومما وصفت به البرك
قال البحترىّ عفا الله عنه:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات التى لاحت مغانيها!
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا، وأطوارا تباهيها؟
كأنّ جنّ سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا فى معانيها.
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض، ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها.
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها.
كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى في مجاريها.