ذكر شىء مما قيل فى وصف الماء وتشبيهه
فأما ما اختص به نهر النيل من الوصف.
فمن ذلك قول ابن النّقيب:
كأنّ النّيل ذو فهم ولبّ ... لما يبدو لعين الناس منه.
فيأتى حين حاجتهم إليه، ... ويمضى حين يستغنون عنه!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
يوم لنا بالنّيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر.
والسّفن تجرى كالخيول بنا ... صعدا، وجيش الماء منحدر.
فكأنّما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر.
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى قال:
وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذّراع. فكأنما غار على الأرض فغطّاها، وعار عليها فاستقعدها وما تخطّاها. فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إيّاه.
وأما ما اختصت به دجلة من الوصف.
قال التنوخىّ:
وكأنّ دجلة إذ تغمّض موجها ... ملك يعظّم، خيفة ويبجّل.
عذبت، فما أدرى أماء ماؤها ... عند المذاقة أم رحيق سلسل؟
وكأنّها ياقوتة أو أعين ... زرق يلاءم بينها ويوصّل.
ولها بمدّ بعد جزر ذاهب ... جيشان: يدبرذا، وهذا يقبل.
стр. 282
وقال محمد بن عبد الله السلامىّ، شاعر «اليتيمة» :
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّارعين [١] ولا تقاد.
ركبت به إلى اللّذّات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد.
جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السّواد.
وقال الصنوبرىّ:
فلمّا تعالى البدر واشتدّ ضوءه ... بدجلة فى تشرين بالطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضّض نوره ... وبعض نجوم الليل يطفى سنا بعض،
توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى ظاهر الأفلاك فى باطن الأرض.
ومما وصفت به الأنهار
قال الصنوبرى:
والعوجان الذى كلفت به ... قد سوّى الحسن فيه مذعوّج.
ما أخطأ الأيم فى تعوّجه ... شيئا إذا ما استقام أو عرّج.
تدرّج الريح متنه فترى ... جوشن ماء عليه قد درّج.
إن أعنقت بالجنوب أعنق فى ... لطف، وإن هملجت به هملج.
من أين طافت شمس النهار به ... حسبت شمسا من جوفه تخرج.
وقال أبو فراس:
والماء يفصل بين زه ... ر الرّوض فى الشّطّين فصلا.
كبساط وشى جرّدت ... أيدى القيان عليه نصلا.
стр. 283
وقال الناجم:
انظر إلى الرّوض الذّك ... ى فحسنه للعين قرّه!
فكأنّ خضرته السما ... ء، ونهره فيه المجرّه.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وترى الرّياح إذا مسحن غديره ... وصفينه ونقين كلّ قذاة،
ما إن يزال عليه ظبى كارع ... كتطلّع الحسناء فى المرآة.
ومثله قول الآخر:
وغدير رقّت حواشيه حتى ... بان فى قعره الذى كان ساخا.
وكأنّ الطّيور إذ وردته ... من صفاء به، تزقّ فراخا.
وقال آخر:
والنّهر مكسوّ غلالة فضّة؛ ... فإذا جرى سيل، فثوب نضار.
وإذا استقام، رأيت صفحة منصل [١] ؛ ... وإذا استدار، رأيت عطف سوار.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
النّهر قد رقّت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز.
تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزّها الأعجاز.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسى:
لله نهر سال فى بطحاء ... أشهى ورودا من لمى الحسناء!
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب تحفّ بمقلة زرقاء.
والرّيح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء!
стр. 284
وقال أبو القاسم بن العطار:
مررنا بشاطى النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق.
وقد نسجت كفّ النّسيم مفاضة ... عليه، وما غير الحباب لها حلق!
وقال محمد بن سهل البلخى، شاعر «الذخيرة» :
راقنا النهر صفاء ... بعد تكدير صفائه.
كان مثل السيف مدمى ... فجلوه من دمائه.
أو كمثل الورد غضّا ... فهو اليوم كمائه.
وقال القاضى التنوخى، شاعر «اليتيمة» :
أحبب إلىّ بنهر معقل الذى ... فيه لقلبى من همومى معقل!
عذب إذا ما عبّ فيه ناهل ... فكأنّه من ريق حبّ ينهل.
متسلسل فكأنّه لصفائه ... دمع بخدّى كاعب يتسلسل.
فإذا الرّياح جرين فوق متونه ... فكأنّها درع جلاه الصّيقل!
وقال مؤيد الدين الطّغرائىّ فى الغدير:
عجنا إلى الجزع الذى مدّ فى ... أرجائه الغيم بساط الزّهر.
حول غدير ماؤه المنتمى ... إلى بنات المزن يشكو الخصر.
لولاذه [١] الرّيح سموما به ... لانقلبت وهى نسيم السّحر.
حصباؤه درّ ورضراضه ... سحالة العسجد حول الدّرر.
وقد كسته الرّيح من نسجها ... درعا به يلقى نبال المطر.
стр. 285
وألبسته الشّمس من صبغها ... نورا به يخطف نور البصر.
كأنّها المرآة مجلوّة ... على بساط أخضر قد نشر.
وقال أيضا:
ملنا إلى النّشر الذى ترتقى ... إليه أنفاس الصبا عاطره.
حول غدير ماؤه دارع ... والأرض من رقّته حاسره.
والشمس إن حاذته رأد الضّحى ... حسناء فى مرآتها ناظره.
والشّهب إن حاذته جنح الدّجى ... تسبح فى لجّته الزاخره.
قد ركّب الخضراء فيه، فمن ... حصبائه أنجمها زاهره.
يخضرّ [١] إن مرت بأرجائه ... لفح سموم فى لظى هاجره.
أنموذج الماء الذى جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه فى الآخره!
ومما وصفت به البرك
قال البحترىّ عفا الله عنه:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات التى لاحت مغانيها!
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا، وأطوارا تباهيها؟
كأنّ جنّ سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا فى معانيها.
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض، ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها.
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها.
كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى في مجاريها.
стр. 286
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها.
إذا النّجوم تراءت فى جوانبها ... ليلا، حسبت سماء ركّبت فيها.
لا يبلغ السّمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها.
يعمن فيها بأوساط مجنحّة ... كالطير تنقضّ فى جوّ خوافيها.
كأنها حين لجّت فى تدفّقها ... يد الخليفة لمّا سال واديها!
وقال ابن طباطبا:
كم ليلة ساهرت أنجمها لدى ... عرصات أرض ماؤها كسمائها.
قد سيّرت فيها النجوم كأنّما ... فلك السماء يدور فى أرجائها.
أحسن بها بحرا إذا التبس الدّجى، ... كانت نجوم الليل من حصبائها!
ترنو إلى الجوزاء وهى غريقة ... تبغى النّجاء، ولات حين نجائها!
تطفو وترسب فى اصطفاق مياهها ... لا مستعان لها سوى أسمائها.
والبدر يخفق وسطها فكأنّه ... قلب لها قد ريع فى أحشائها.
وقال عبد الجبار بن حمديس، يصف بركة يجرى إليها الماء من شاذروان من أفواه طيور وزرافات وأسود، من أبيات:
والماء منه سبائك من فضّة ... ذابت على دولاب شاذروان!
فكأنّما سيف هناك مشطّب ... ألقته يوم الرّوع كفّ جبان!
كم شاخص فيه يطيل تعجّبا ... من دوحة نبتت من العقيان!
عجبا لها تسقى هناك ينائعا ... ينعت من الثّمرات والأغصان!
خصّت بطائرة على فنن لها ... حسنت، فأفرد حسنها من ثانى!
стр. 287
قسّ الطيور الساجعات بلاغة ... وفصاحة من منطق وبيان.
فإذا أتيح لها الكلام تكلّمت ... بخرير ماء دائم الهملان.
وكأنّ صانعها استبدّ بصنعة ... فخر الجماد بها على الحيوان!
أوفت على حوض لها فكأنّها ... منها إلى العجب العجاب روان.
وكأنّها ظنّت حلاوة مائها ... شهدا، فذاقته بكلّ لسان.
وزرافة فى الجوّ من أنبوبها ... ماء يريك الجرى فى الطّيران.
مركوزة كالرّمح حيث ترى له ... من طعنه الحلق انعطاف سنان.
وكأنّما ترمى السماء ببندق ... مستنبط من لؤلؤ وجمان!
لو عاد ذاك الماء نفطا، أحرقت ... فى الجوّ منه قميص كلّ عنان.
فى بركة قامت على حافاتها ... أسد تذلّ لعزّة السّلطان!
نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها، ... فلذلك انتزعت من الأبدان.
وكأنّما الحيّات من أفواهها ... يطرحن أنفسهنّ فى غدران.
وكأنّما الحيتان إذ لم تخشها، ... أخذت من المنصور عهد أمان!
وقال آخر:
ولقد رأيت، وما رأيت كبركة ... فى الحسن ذات تدفّق وخرير!
عقدت لها أيدى المياه قناطرا ... من جوهر فى لجّة من نور!
وقال علىّ بن الجهم، يصف فوّارة:
وفوّارة ثارها فى السّماء، ... فليست تقصّر عن ثارها!
تراها اذا صعدت فى السّماء ... تعود الينا بأخبارها.
تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب مدرارها!
стр. 288
وقال ابن حجاج فيها:
علمت فى دارك فوّارة، ... غرّقت الأفق بها الأنجما!
فاض على نجم السما ماؤها، ... فأصبحت أرضك تسقى السما!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
وقاذفة بالماء فى وسط بركة ... قد التحفت ظلّا من الأيك سجسجا.
إذا أينعت بالماء سلّته منصلا ... وعاد عليها ذلك النّصل هودجا.
تحاول إدراك النجوم بقذفها، ... كأنّ لها قلبا على الجوّ محرجا!
ومما وصفت به الدواليب والنواعير
قال أبو حفص بن وضّاح:
لله دولاب يطوف بسلسل ... فى روضة قد أينعت أفنانا!
قد طارحت فيه الحمائم شجوها ... بنحيبها، وترجّع الألحانا.
فكانّه دنف يطوف بمعهد، ... يبكى ويسأل فيه عمّن بانا.
ضاقت مجارى طرفه عن دمعه، ... فتفتّحت أضلاعه أجفانا!
وقال الموفقىّ، ﵀:
ناعورة تحسب من صوتها ... متيّما يشكو إلى زائر.
كأنّما كيزانها عصبة ... رموا بصرف الزّمن الواتر.
قد منعوا أن يلتقوا فاغتدوا ... أوّلهم يبكى على الآخر!
وقال آخر:
وناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحى، وأحرت مقلتىّ دموعها!
وقد ضعفت مما تئنّ، وقد غدت ... من الصّعف والشّكوى بعدّ صلوعها!
стр. 289
وقال ابن منير الطرابلسى:
لنواعيرها على الماء ألحا ... ن تهيج الشّجا لقلب المشوق.
فهى مثل الأفلاك شكلا وفعلا، ... قسمت قسم جاهل بالحقوق:
بين عال، سام، ينكّسه الح ... ظ ويعلو بسافل مرزوق.
وقال أبو الفرج الوأواء:
وكريمة سقت الرياض بدرّها، ... فغدت تنوب عن السّحاب الهامع.
بلباس محزون، ودمعة عاشق، ... وحنين مشتاق، وأنّه جازع.
فكأنّها فلك يدور، وعلوه ... يرمى القرار بكلّ نجم طالع.
وقال الصنوبرىّ:
فلك من الدّولاب فيه كواكب ... من مائه تنقضّ ساعة تطلع.
متلوّن الأصوات: يخفض صوته ... بغنائه، طورا وطورا يرفع.
ومما وصفت به نثرا
من رسالة للشيخ ضياء الدين القرطبى إلى بعض إخوانه يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليّات. جاء منها:
« ... والحاجة داعية إلى ثلاثة أسهم، كأنها هقعة الأنجم؛ ممتدّة امتداد الرّمح، مقوّمة تقويم القدح؛ غير مشعّثة الأطراف، ولا معقّدة الأعطاف؛ ولا مسوسة الأجواف؛ تحاسن الغصون بقوامها، والقدود بتمامها؛ وتخالف هيفها متلاء خصورها، وتساوى [بين] هواديها وصدورها؛ معتدله القدود، ناعمة الحدود؛
стр. 290
مع مليّات أخذت النار منها مأخذها فاسودّت، وتطاولت عليها مدّة الجفاف فاشتدّت؛ وترامت بها مدّة القدم، كأنها فى حيّز العدم؛ صلاب المكاسر، غلاظ المآزر؛ تشبه أخلاقه [١] فى هيجاء السلّم، وتحكى صلابة آرائه فى نفاذ الرأى ومضاء العزم؛ تكظم على الماء بغيظها، فتجود على الأرض بفيضها؛ تمدّ يد أيدها فى اقتضاء إرادتها، وتطلع طلوع الأنجم فى فلك إدارتها؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع، فآخر التسليم أوّل التوديع؛ على أنها تؤذن بحقائق الاعتبار، وتجرى جرى الفلك المدار فى قناة الأعمار:
تمرّ كأنفاس الفتى فى حياته ... وتسعى كسعى المرء أثناء عمره.
يفارق خلّ خلّه، وهو سائر ... على مثل حال الخلّ فى إثر سيره.
ويعلمه التّدوار، لو يعقل الفتى ... بأن مرور العمر فيه كمرّه.
فمن أدركت أفكاره سرّ أمرها، ... فقد أدركت أفكاره سرّ أمره.
ومن فاته، الإدراك أدركه الرّدى: ... إذا جرّعت أنفاسه كأس مرّه.»
ومما وصفت به الجداول
قال ابن المعتزّه عفا الله عنه:
على جدول ريّان، لا يقبل القذى: ... كأنّ سواقيه متون المبارد.
وقال الناجم:
أحاطت أزاهير الرّبيع سويّة ... سماطين مصطفّين، تستنبت المرعى.
على جدول ريّان كالسّهم مرسلا، ... أو الصارم المسلول، أو حيّة تسعى.
стр. 291
وقال المفجّع:
على جدول ريّان ينساب متنه ... صقيلا، كمتن السيف وافى مجرّدا.
إذا الرّيح ناغته، تحلّق وجهه ... دروعا وضاء، أو تحزّز مبردا.
وقال ابن الرومىّ:
على حفافى جدول مسجور ... أبيض مثل المهرق المنشور.
أو مثل متن المنصل المشهور ... ينساب مثل الحيّة المذعور.
وقال ذو الرمّة:
فما انشقّ ضوء الصّبح حتّى تبيّنت ... جداول: أمثال السّيوف القواطع.
وحيث انتهينا من ذكر المياه إلى هذه الغاية فلنذكر عباد الماء.
ذكر عبّاد الماء [١]
وعبّاد الماء طائفة من الهند يسمّون الجلهكيّة [٢] ، يزعمون أن الماء ملك، ومعه ملائكة، وأنه أصل كل شىء، وبه كلّ ولادة ونموّ ونشوء وبقاء وطهارة وعمارة، وما من عمل فى الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء.
فإذا أراد الرجل منهم عبادته، تجرّد وستر عورته. ثم دخل الماء حتى يصل إلى وسطه، فيقيم ساعتين وأكثر. ويأخذ ما أمكنه من الرّياحين فيقطّعها صغارا ويلقى فى الماء بعضها بعد بعض، وهو يسبّح ويقرأ. وإذا أراد الانصراف، حرّك الماء بيده. ثم أخذ منه فنقّط على رأسه ووجهه وسائر جسده. ثم يسجد وينصرف.
стр. 292
القسم الخامس من الفن الأوّل فى طبائع البلاد، وأخلاق سكانها، وخصائصها، والمبانى القديمة، والمعاقل، وما وصفت به القصور والمنازل
وفيه خمسة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم (فى طبائع البلاد، وأخلاق سكّانها)
روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلاد وأخلاق سكّانها، فقال: إن الله تعالى لما خلق الأشياء، جعل كل شىء لشىء.
فقال العقل: أنا لاحق بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصّحّة:
وأنا معك.
وقال محمد بن حبيب: لمّا خلق الله تعالى الخلق، خلق معهم عشرة أخلاق:
الايمان، والحياء، والنجدة، والفتنة، والكبر، والنفاق، والغنى، والفقر، والذل، والشقاء. فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك. وقالت النجدة:
أنا لاحقة بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النّفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
стр. 293
وحكى عن الحجاج انه قال: لما تبوّأت الأشياء منازلها، قال الطاعون: أنا نازل بالشأم، فقالت الطاعة: وأنا معك. وقال النّفاق: أنا نازل بالعراق، فقالت النعمة:
وأنا معك. وقال الشقاء: أنا نازل بالبادية، فقال الصبر: وأنا معك.
نوع آخر منه
روى عن عبد الله بن عباس (رضى الله تعالى عنهما) أنه قال: إن الله تعالى خلق البركة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى قريش، وواحد فى سائر الناس. وجعل الكرم عشرة أجزاء: فتسعة منها فى العرب، وواحد فى سائر الناس. وجعل الغيرة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الأكراد، وواحد فى سائر الناس. وجعل المكر عشرة أجزاء:
فتسعة منها فى القبط، وواحد فى سائر الناس. وجعل الجفاء عشرة أجزاء: فتسعة منها فى البربر، وواحد فى سائر الناس. وجعل النّجابة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الرّوم، وواحد فى سائر الناس. وجعل الصناعة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الصين، وواحد فى سائر الناس. وجعل الشهوة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى النّساء، وواحد فى سائر الناس. وجعل العمل عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الأنبياء، وواحد فى سائر الناس. وجعل الحسد عشرة أجزاء: فتسعة منها فى اليهود، وواحد فى سائر الناس.
ويقال: قسم الحقد عشرة أجزاء: فتسعة منها فى العرب، وواحد فى سائر الناس. وقسم البخل عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الفرس، وواحد في سائر الناس.
وقسم الكبر عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الروم، وواحد فى سائر الناس. وقسم
стр. 294
الطّرب عشرة أجزاء: فتسعة منها فى السّودان، وواحد فى سائر الناس. وقسم الشّبق عشرة أجزاء: فتسعة منها فى اليهود، وواحد فى سائر الناس.
ويقال: أربعة لا تعرف فى أربعة: السّخاء فى الروم، والوفاء فى التّرك، والشجاعة فى القبط، والغمّ فى الزّنج.
نوع آخر منه
حكى عن الحجاج أنه سأل أيوب بن القرّيّة عن طبائع أهل البلاد، فقال:
أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها؛ رجالها جفاة، ونساؤها كساة عراة.
وأهل اليمن أهل سمع وطاعه، ولزوم الجماعه. وأهل عمان عرب استنبطوا، وأهل البحرين نبط استعربوا. وأهل اليمامة أهل جفاء، واختلاف آراء. وأهل فارس أهل بأس شديد، وعزّ عتيد. وأهل العراق أبحث الناس عن صغيره، وأضيعهم لكبيره. وأهل الجزيرة أشجع فرسان، وأقتل للأقران. وأهل الشام أطوعهم لمخلوق وأعصاهم لخالق. وأهل مصر عبيد لمن غلب؛ أكيس الناس صغارا، وأجهلهم كبارا.
وحكى عن أبي عثمان «عمرو بن بحر الجاحظ» أنه قال: كنا نعلّم فى المكتب كما نعلّم القرآن: احذروا حماقة أهل بخارى، وغلّ أهل مرو، وشغب أهل نيسابور، وحسد أهل هراة، وحقد أهل سجستان.
وقال أبو حامد القاضى: أعيانى أن أرى خراسانيّا ذكيّا، وطبريا رزينا، وهمدانيا لبيبا، وبصريّا ركيكا، وكوفيّا رئيسا، وبغداديّا سخيّا، وموصليّا لطيفا، وشاميّا خفيفا، وحجازيا منافقا، وبدويّا ظريفا.
стр. 295
وقال بختيشوع: تسعة لا تخلو من تسعة: قمّىّ من رعونة، ويمانى من جنون، وواسطىّ من غفلة، وبصرىّ من جدل، وكوفىّ من كذب، وسوادىّ من جهل، وبغدادىّ من مخرقة، وخوزىّ من لؤم، وطبرىّ [١] من زرق.
وقيل: جاور أهل الشام الروم، فأخذوا عنهم اللؤم وقلة الغيرة. وجاور أهل الكوفة أهل السواد، فأخذوا عنهم السّخاء والغيرة. وجاور أهل البصرة الخوز، فأخذوا عنهم الزنا وقلة الوفاء.
ويقال: إن القدماء اعتبروا البلاد وما امتاز به بعضها عن بعض من الطبائع، فوجدوا أخصب بقاع الدنيا ثمانية مواضع: أرمينية، وأذربيجان، وماه دينور، وماه نهاوند، وكرمان، وأصبهان، وقومس، وطبرستان.
ووجدوا أخف بقاع الدنيا ماء، ماء ثمانية مواضع: دجلة، والفرات، وزندرود أصبهان، وماء سوران، وماء هفيجان، وماء جنديسابور، وماء بلخ، وماء سمرقند.
(وغفلوا عن نيل مصر، ولعله أحقّها بهذه الخصوصية من سائر المياه) .
ووجدوا أو بأبقاع الدنيا ستة مواضع: النّوبندجان، وسابورخواست، وجرجان، وحلوان [٢] ، وبرذعه، وزنجان. (وغفلوا عن شيزر) .
ووجدوا أعقل أهل البلاد تسعة: أهل أصبهان، والحيرة، والمداين، وماه دينور، وإصطخر، ونيسابور، والرّىّ، وطبرستان، ونشوى (وهى نقجوان) .
ووجدوا أسرى أهل بقاع الدنيا أهل سبعة مواضع: طوسفون (وهى المداين) ، وبلاشون (وهى حلوان [٢] ) ، وماسبذان، ونهاوند، والرّىّ، وأصبهان، ونيسابور.
стр. 296
ووجدوا أهل [١] بقاع الدنيا أهل عشرة مواضع: ماسبذان، ومهر جانقذق [٢] ، وسورستان، والرّىّ، والرّويان، وأذربيجان، والموصل، وأرمينية، وشهرزور، والصّامغان.
ووجدوا البخل فى أهل ثمان بقاع: مرو، وإصطخر، ودارايجرد، وخوزستان، وماسبذان، وديبل، وماه دينور، وحلوان.
ووجدوا أسفل أهل بقاع الأرض أربعة: أهل السّدجان [٣] ، وبادرايا، وماكسايا، وخوزستان.
ووجدوا أقل أهل الأرض نظرا فى العواقب أهل سبعة مواضع: طبرستان، وأرمينية، وقومس، وكرمان، وكوسان، ومكران، وشهرزور.
ويقال: إنه وفد رجل من عجم خراسان على كسرى، فقال له: أخبرنى من أحسن أهل خراسان لقاء؟ قال: أهل بخارى. قال: فمن أوسعهم بذلا للخبز والملح؟
قال: أهل جوزجان. قال: فمن أحسنهم ضيافة؟ قال: أهل سمرقند. قال:
فمن أدقّهم نظرا وتقديرا؟ قال: أهل مرو. قال: فمن أسوأهم طاعة؟ قال:
стр. 297
أهل خوارزم. قال: فمن أخبثهم طويّة؟ قال: أهل مرو الروذ، إن رضى بذلك أهل أبيورد. قال: فمن أسقطهم عقلا؟ قال: أهل طوس، إن رضى بذلك أهل نسا. قال: فمن أكثرهم شغبا وجدلا؟ قال: أهل سرخس، إن رضى بذلك أهل قوهستان. قال: فمن أضعفهم وأخبثهم؟ قال: أهل نيسابور. قال: فمن أقلّهم غيرة على النساء؟ قال: أهل هراة.
الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الأوّل فى خصائص البلاد
ولنبدأ من ذلك بمكة ويثرب، وأعرب عما أنقله من فضلهما ولا أغرب؛ وأصله بذكر البيت المقدّس والمسجد الأقصى، ولا أشترط الاستيعاب لأن فضائلها لا تحصى.
فأما مكة (شرّفها الله تعالى وعظمها)
ففضائلها مشهورة بيّنة. قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)
. وقال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) .
قال بعض المفسرين: «أمنا» من النار. وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا ولجأ إليه فى الجاهلية.
وحكى القاضى عياض فى «كتاب الشفا» أنه حدّث أن قوما أتوا سعدون الخولانى بالمنستير، وأعلموه أن كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل، فلم
стр. 298
تعمل فيه وبقى أبيض البدن، فقال: لعله حجّ ثلاث حجج؟ قالوا: نعم. قال:
حدّثت أن «من حجّ حجّة أدّى فرضه، ومن حجّ ثانية داين ربّه، ومن حجّ ثلاث حجج حرّم الله شعره وبشره على النار» .
ولما نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة قال: «مرحبا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك!»
. وجاء فى الحديث عنه ﷺ : «ما من أحد يدعو الله عند الرّكن الأسود إلا استجاب له»
. وكذلك عند الركن [١] .
وعنه ﷺ : «من صلّى خلف المقام ركعتين، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وحشر يوم القيامة مع الآمنين» .
ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض
قال أبو الوليد الأزرقىّ بسند يرفعه إلى كعب الأحبار أنه قال: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين بأربعين سنة. ومنها دحيت الأرض.
وقال يرفعه إلى مجاهد: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين.
وعنه يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث الله ريحا فصفّقت الماء فأبرزت عن حشفة فى موضع البيت كأنها قبّة. فدحا الله الأرض من تحتها فمادت ثم مادت.
فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أوّل جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أمّ القرى
стр. 299
وعنه يرفعه إلى مجاهد أنه قال: لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفى سنة، وإن قواعده لفى الأرض السابعة السّفلى.
ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل خلق آدم ﵇، ومبدإ الطواف
قال أبو الوليد الأزرقىّ، يرفعه إلى علىّ بن الحسين رضى الله عنهما إنه أتاه سائل يسأله، فقال له: عمّ تسأل؟ فقال: أسألك عن بدء الطواف بهذا البيت لم كان؟
وأنّى كان؟ وحيث كان؟ وكيف كان بالحجر؟ فقال له: نعم، من أين أنت؟
فقال: من أهل الشام. فقال: أين مسكنك؟ قال: فى بيت المقدس. قال:
فهل قرأت الكتابين؟ (يعنى التوراة والإنجيل) . قال له الرجل: نعم. فقال له: يا أخا أهل الشام احفظ، ولا تروينّ عنّى إلا حقا:
أمّا بدء هذا الطواف بهذا البيت، فإنّ الله تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
، قالت الملائكة: أى ربّ، أخليفة من غيرنا: ممن يفسد فيها ويسفك الدماء، ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتنازعون؟ أى ربّ، اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتباغض، ولا نتحاسد، ولا نتباغى؛ ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله ﵎: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)
. قال: فظنّت الملائكة أن ما قالوه ردّ على ربهم وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرّعون ويبكون إشفاقا لغضبه. فطافوا بالعرش ثلاث ساعات. فنظر الله إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتا على أربع
стр. 300
أساطين من زبرجد، وغشاه بياقوتة حمراء وسمّى البيت الضراح. ثم قال للملائكة:
طوفوا بهذا البيت، ودعوا العرش، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش، وصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذى ذكره الله : يدخله كلّ يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا. ثم إن الله سبحانه بعث ملائكة فقال:
ابنوا لى بيتا فى الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه من فى الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
فقال الرجل: صدقت يا ابن بنت رسول الله ﷺ ، هكذا كان،
ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام
قال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما: إن جبريل ﵇ وقف على رسول الله ﷺ ، وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار، فقال له النبي ﷺ : ما هذا الغبار الذى أرى على عصابتك، أيّها الرّوح الأمين؟ قال: إنى زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، وهذا الغبار الذى ترى مما تثير بأجنحتها.
وقال،
رفعه إلى ليث بن معاذ رضى الله عنه: إن رسول الله ﷺ قال: هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا، سبعة منها فى السماء إلى العرش، وسبعة منها إلى تخوم الأرض السّفلى، وأعلاها الذى يلى العرش: البيت المعمور. لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت. لو سقط منها بيت، لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السّفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره، كما يعمر هذا البيت.
стр. 301
ذكر هبوط آدم ﵇ إلى الأرض، وبنيانه الكعبة المشرفة وحجه وطوافه بالبيت
قال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله آدم ﵇ إلى الأرض من الجنة، كان رأسه فى السماء ورجلاه فى الأرض.
وهو مثل الفلك من رعدته. قال: فطأطأ الله منه إلى الأرض ستين ذراعا، فقال: يا رب مالى لا أسمع أصوات الملائكة ولا حسّهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لى بيتا تطف به واذكرنى حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى، قال: فأقبل آدم ﵇ يتخطّى، فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز، فصارت كل مفازة يمرّ بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله خطوة، ولم يقع قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتّى انتهى إلى مكة. فبنى البيت الحرام. وإن جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أسّ ثابت فى الأرض السّفلى فقذفت الملائكة فيه الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا. وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطورزيتا، وطور سينا، والجودى، وحراء [١] ، حتّى استوى على وجه الأرض.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: فكان أوّل من أسس البيت وصلّى فيه وطاف به، آدم ﵇. حتّى بعث الله سبحانه الطّوفان، فدرس موضع البيت فى الطّوفان. حتّى بعث الله ﵎ إبراهيم وإسماعيل ﵉، فرفعا قواعده وأعلامه. ثم بنته قريش بعد ذلك. وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط، ما سقط إلا عليه.
стр. 302
وقال أبو الوليد أيضا، ورفعه إلى وهب بن منبّه: إن الله ﵎ لما تاب على آدم ﵇، أمره أن يسير إلى مكة. فطوى له الأرض وقبض له المفاوز، فصارت كلّ مفازة يمرّ بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر فجعله له خطوة. فلم يضع قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتّى انتهى إلى مكة. وكان قبل ذلك قد اشتدّ بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة، حتّى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكى لبكائه. فعزّاه الله بخيمة من خيام الجنة، ووضعها له بمكة فى موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة: فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يتلهّب من نور الجنة. ونزّل معها الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة.
وكان كرسيّا لآدم ﵇، يجلس عليه. فلما صار آدم بمكة، حرسها الله تعالى، حرسه الله تعالى وحرس تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويذودون عنها ساكن الأرض، وساكنوها يومئذ الجنّ والشياطين، فلا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شىء من الجنة، لأنه من نظر إلى شىء من الجنة وجبت له. والأرض يومئذ طاهرة نقيّة لم تنجس ولم يسفك فيها الدم، ولم تعمل فيها الخطايا. فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبّحون اللّيل والنّهار، لا يفترون. وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفّا واحدا مستديرين بالحرم كلّه: الحلّ من خلفهم، والحرم كله من أمامهم. ولا يجوزهم جنىّ ولا شيطان. ومن أجل مقام الملائكة، حرّم الحرم حتّى اليوم. ووضعت أعلام حيث كان مقام الملائكة. وحرم الله على حوّاء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التى أخطأت فى الجنة. فلم تنظر إلى شىء من ذلك حتّى قبضت. وإن آدم ﵇ كان إذا أراد لقاءها ليلمّ بها
стр. 303
للولد، خرج من الحرم كله حتّى يلقاها. فلم تزل خيمة آدم مكانها حتّى قبض الله آدم ﵇ ورفعها الله. وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانا: بيتا بالطّين والحجارة.
فلم يزل معمورا، يعمرونه ومن بعدهم حتّى كان زمن نوح ﵇. فنسفه الغرق وخفى مكانه. فلما بعث الله تعالى إبراهيم ﵇ طلب الأساس، فلما وصل إليه ظلّل الله مكان البيت بغمامة. فكانت حفاف البيت الأوّل، ثم لم تزل راكزة على حفافه تظل إبراهيم ﵇ وتهديه مكان القواعد حتّى رفع الله القواعد قامة. ثم انكشفت الغمامة، فذلك قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ)
أى الغمامة التى ركزت على الحفاف لتهديه مكان القواعد.
وعن وهب بن منبه أنه قال: قرأت فى كتاب من الكتب الأول، ذكر فيه أمر الكعبة، فوجدت فيه أن ليس من ملك من الملائكة بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت. فينقضّ من عند العرش محرما ملبّيا، حتّى يستلم الحجر.
ثم يطوف بالبيت سبعا ويركع فى جوفه ركعتين، ثم يصعد.
وقال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض، أهبطه إلى موضع البيت الحرام. وهو مثل الفلك من رعدته.
ثم أنزل عليه الحجر الأسود يعنى الركن، وهو يتلألأ من شدّة بياضه. فأخذه آدم ﷺ فضمّه إليه أنسابه. ثم أنزلت عليه العصى فقيل له: تخطّ يا آدم، فتخطّى، فإذا هو بأرض الهند والسند. فمكث هنالك ما شاء الله، ثم استوحش إلى الركن فقيل له: احجج، قال فحج فلقيته الملائكة فقالوا: برّ حجّك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام.
стр. 304
قال: وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه كعب الأحبار فقال: اخبرّنى عن البيت الحرام. فقال كعب: أنزله الله من السماء ياقوتة مجوّفة مع آدم، فقال له:
يا آدم إن هذا بيتى أنزلته معك، يطاف حوله كما يطاف حول عرشى، ويصلّى حوله كما يصلّى حول عرشى. ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ثم وضع البيت عليه. فكان آدم يطوف حوله كما يطاف حول العرش، ويصلّى عنده كما يصلّى عند العرش. فلما أغرق الله تعالى قوم نوح، رفعه إلى السماء وبقيت قواعده.
وقال وهب بن منبه: كان البيت الذى بوّأه الله تعالى لآدم ﵇ يومئذ من ياقوت الجنة. وكان من ياقوتة حمراء تلتهب، لها بابان: أحدهما شرقىّ والآخر غربىّ. وكان فيه قناديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة. وهو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض. والركن يومئذ نجم من نجومه وهو يومئذ ياقوتة بيضاء.
والله أعلم.
ذكر فضل البيت الحرام، والحرم
قال أبو الوليد، يرفعه عن وهب بن منبه أنه قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها ما رأى من سعتها ولم يرفيها أحدا غيره، فقال: يا رب، أما لأرضك هذه من عامر يسبّحك فيها ويقدّس لك غيرى؟ قال: إنى سأجعل فيها من ذرّيتك من يسبّح بحمدى ويقدّس لى، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبّحنى فيها خلقى، وسأبوّئك فيها بيتا أختاره لنفسى، وأخصّه بكرامتى، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمى، فأسمّيه بيتى، وأنطعه [١] بعظمتى، وأحوزه بحرماتى، وأجعله أحق بيوت الأرض
стр. 305
كلها وأولاها بذكرى، وأضعه فى البقعة التى اخترت لنفسى، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض؛ وقبل ذلك قد كان بعينى: فهو صفوتى من البيوت، ولست أسكنه، ولبس ينبغى لى أن أسكن البيوت؛ ولا ينبغى لها أن تسعنى، ولكن على كرسىّ الكبرياء ولجبروت؛ وهو الذى استقلّ بعزتى، وعليه وضعت عظمتى وجلالى، وهنالك استقرّ قرارى؛ ثم هو بعد ضعيف عنّى لولا قوّتى؛ ثم أنا بعد ذلك ملء كل شىء، وفوق كلّ شىء، ومحيط بكلّ شىء، وأمام كلّ شىء، وخلف كلّ شىء، وليس ينبغى لشىء أن يعلم علمى ولا يقدر قدرتى، ولا يبلغ كنه شانى. أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما وأمنا، أحرّم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله. فمن حرّمه بحرمتى فقد عظّم حرماتى، ومن أحلّه فقد أباح جرماتى، ومن أمّن أهله فقد استوجب بذلك أمانى، ومن أخافهم أخفرنى فى ذمتى، ومن عظّم شأنه عظم فى عينى، ومن تهاون به صغر فى عينى؛ ولكل ملك حيازة ما حواليه مما حواليه، وبطن مكة خيرتى وحيرتى؛ وجيران بيتى وعمّارها وزوّارها، وفدى وأضيافى فى كنفى وأفنيتى، ضامنون على ذمتى وجوارى؛ فأجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض:؟؟؟ نه أفواجا شعثا غبر على كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق، يعجّون بالتكبير عجيجا، ويرجّون بالتلبية رجيجا، وينتحبون بالبكاء نحيبا. فمن اعتمره لا يريد غيره، فقد زرنى ووفد إلىّ ونزل بى؛ ومن نزل بى، فحقيق علىّ أن أتحفه بكرامتى؛ وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته. تعمره آدم من كنت حيا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء: أمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، ونبىّ بعد نبىّ، حتّى ينتهى ذلك إلى نبىّ من ولدك وهو خاتم النبيين، فأجعله من عمّاره وسكّانه وحماته، وولاته وسقاته، يكون أمينى عليه من كان حيا. فإذا انقلب إلىّ،
стр. 306
وجدنى قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة منى والوسيلة إلىّ، وأفضل المنازل فى دار المقام. وأجعل اسم ذلك البيت ودكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبىّ من ولدك يكون قبل هذا النبى وهو أبوه يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضى على يديه عمارته، وأنبط له سقايته، وأريه حلّه وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتا لى، قائما بأمرى، داعيا إلى سبيلى؛ أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم؛ أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر؛ وينذر لى فيفى؛ ويعد لى فينجز؛ أستجيب له فى ولده وذرّيته من بعده وأشفّعه فيهم، وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدّامه وخزّانه وحجّابه حتّى يبتدعوا ويغيروا؛ فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء. أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتمّ به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن؛ يطئون فيها آثاره، ويتبعون فيها سنّته، ويقتدون فيها بهديه.
فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره، واستكمل نسكه؛ ومن لم يفعل ذلك منهم ضيّع نسكه، وأخطأ بغيته. فمن سأل عنى يومئذ فى تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشّعث الغبر الموفين بنذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم الذى يعلم ما يبدون وما يكتمون. وليس هذا الخلق ولا هذا الأمر الذى قصصت عليك شأنه؛ يا آدم، بزائدى فى ملكى ولا عظمتى ولا سلطانى ولا شىء مما عندى إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت فى سبعة أبحر تمدّها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى، بل القطرة أزيد فى البحر من هذا الأمر فى شىء مما عندى. ولو لم أخلقه لم ينتقص شىء من ملكى ولا عظمتى ولا مما عندى من الغناء والسّعة، إلا كما نقصت الأرض ذرّة وقعت من جميع ترابها وجبالها وحصاها ورمالها وأشجارها، بل الذرّة أنقص للأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه. ليس مما عندى ويعدّ هذا مثلا للعزيز الحكيم.
стр. 307
ذكر ما جاء فى طواف سفينة نوح ﵇ بالبيت
قال أبو الوليد الأزرقىّ، ورفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان مع نوح ﵇ فى السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فى السفينة ماله وخمسين يوما، وإن الله جل ثناؤه وجّه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها إلى الجودىّ فاستقرّت عليه.
وقال عن مجاهد: كان موضع الكعبة قد خفى ودرس زمن الغرق فيما بين نوح وإبراهيم ﵉. فكان موضعه أكمة حمراء مدوّرة، لا تعلوها السيول. غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه. وكان يأتيه المظلوم والمبعود من أقطار الأرض، ويدعو عنده المكروب. فقلّ من دعا هنالك، إلا استجيب له. وكان الناس يحجّون إلى مكة، إلى موضع البيت، حتّى بوّأ الله تعالى مكانه لإبراهيم ﵇. فلم يزل منذ أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض معظما محرّما تتناسخه الأمم والملل أمّة بعد أمّة، وملّة بعد ملة. قال: وكانت الملائكة تحجّه قبل آدم ﵇.
ذكر ما جاء من تخير إبراهيم ﵇ موضع البيت
قال عثمان بن ساج: بلغنا (والله أعلم) أن إبراهيم خليل الله ﵇ عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض، مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة. فقالت له الملائكة: يا خليل الرحمن اخترت حرم الله فى الأرض، قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل (ويقولون خمسة) . وكانت الملائكة تأتى بالحجارة إلى إبراهيم ﵇ من تلك الجبال.
стр. 308
ذكر حج إبراهيم ﵇ وإذنه بالحج وحج الأنبياء بعده وطوافهم
قال أبو الوليد عن محمد بن إسحاق: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن من بناء البيت الحرام، جاءه جبريل ﵇ فقال: طف به سبعا، فطاف به سبعا، هو وإسماعيل.
يستلمان الأركان كلّها فى كل طواف، فلما أكملا سبعا، صلّيا خلف المقام ركعتين.
قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها: الصّفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة.
فلما دخل منى وهبط من العقبة، مثّل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل:
ارمه، فرماه بسبع حصيات، فغاب عنه؛ ثم برزله عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل:
ارمه، فرماه إبراهيم بسبع حصيات، فغاب عنه؛ ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الحذف، فغاب عنه إبليس؛ ثم مضى إبراهيم فى حجه وجبريل يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك حتّى انتهى إلى عرفة.
فلما انتهى إليها، قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال: نعم، قال: فسميت عرفات بذلك. قال: ثم أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذّن فى الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا ربّ وما يبلغ صوتى؟ قال الله جل ثناؤه: أذّن، وعلىّ البلاغ، قال:
فعلا إبراهيم على المقام فأشرف به حتّى صار أرفع الجبال وأطولها فجمعت له الأرض يومئذ: سهلها، وجبلها، وبرّها، وبحرها، وإنسها، وجنّها حتّى أسمعهم جميعا، فأدخل إصبعيه فى أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وبدأ بشق اليمين فقال:
«أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم» فأجابوه من تحت التخوم السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها:
стр. 309
(لبّيك، اللهمّ لبّيك) . قال: وكانت الحجارة على ما هى اليوم، إلا أن الله أراد أن يجعل المقام آية. فكان أثر قدميه فى المقام آية إلى اليوم. قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: (لبيك، اللهم لبيك) . فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم.
وأثر قدمى إبراهيم فى المقام آية. وذلك قوله تعالى: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) .
قال ابن إسحاق: وبلغنى أن آدم ﵇ كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم، وحجّه إسحاق وسارة من الشام. قال: وكان إبراهيم يحجّه كل سنة على البراق. قال:
وحجّت بعد ذلك الأنبياء والأمم.
وعن مجاهد، قال: حج إبراهيم وإسماعيل، ماشيين.
وعن عبد الله بن ضمرة السلولى: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، جاءوا حجّاجا فقبروا هنالك.
وفى الحديث
عن رسول الله ﷺ : كان النبىّ من الأنبياء إذا هلكت أمّته لحق بمكة فتعبّد بها النبىّ ومن معه حتّى يموت. فمات بها: نوح، وهود، وصالح، وشعيب. وقبورهم بين زمزم والحجر.
وعن مجاهد: حج موسى النبىّ ﵇ على جمل أحمر. فمرّ بالرّوحاء عليه عباءتان قطوانيّتان متّزر بإحداهما، مرتد بالأخرى. فطاف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة. فبينما هو يلبىّ بين الصفا والمروة، إذ سمع صوتا من السماء يقول: (لبّيك عبدى، أنا معك) قال: فخرّ موسى ساجدا.
стр. 310
وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما قال: بلغنى أن البيت وضع لآدم يطوف به ويعبد الله عنده؛ وأنّ نوحا قد حجّه وجاءه وعظمه قبل الغرق. فلما أصاب البيت ما أصاب الأرض من الغرق فكان ربوة حمراء معروفا مكانه؛ فبعث الله هودا إلى عاد، فتشاغل بأمر قومه حتّى هلك، ولم يحجّه. ثم بعث الله تعالى صالحا إلى ثمود، فتشاغل بهم حتّى هلك، ولم يحجّه. ثم بوّأه الله تعالى لإبراهيم ﵇ فحجّه وأعلم مناسكه ودعا إلى زيارته. ثم لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم، إلا حجه.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لقد سلك فجّ الرّوحاء سبعون نبيا، حجّاجا: عليهم لباس الصّوف. مخطّمى إبلهم بحبال اللّيف. ولقد صلّى فى مسجد الخيف سبعون نبيّا.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «لقد مرّ بفجّ الرّوحاء (أو لقد مرّ بهذا الفجّ) سبعون نبيا على نوق حمر خطمها الليف، لبوسهم العباء وتلبيتهم شتّى.
فمنهم يونس بن متّى. فكان يونس يقول: (لبّيك فرّاج الكرب، لبّيك) ؛ وكان موسى يقول: (لبّيك، أنا عبدك لديك، لبّيك) قال: وتلبية عيسى: (لبّيك، أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك، لبّيك) » .
وعن عطاء بن السائب أن إبراهيم رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله:
ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذى القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو بالأبطح.
فتلقّاه إبراهيم ﵇ فاعتنقه، فقال لذى القرنين: ألا تركب؟ قال: ما كنت لأركب، وهذا يمشى، فحجّ ماشيا.
стр. 311
ذكر ما جاء من مسئلة إبراهيم ﵇ الأمن والرزق لأهل مكة والكتب التى وجد فيها تعظيم الحرم
قال أبو الوليد الأزرقىّ، يرفعه إلى محمد بن كعب القرظى أنه قال: دعا إبراهيم ﵇ للمؤمنين، وترك الكفّار لم يدع لهم بشىء، فقال الله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
وقال عثمان بن ساج: وأخبرنى محمد بن السائب الكلبىّ قال: قال إبراهيم ﵇ (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
. فاستجاب الله له فجعله بلدا آمنا وآمن فيه الخائف ورزق أهله من الثمرات، تحمل إليهم من الآفاق.
وقال مجاهد: جعل الله هذا البلد آمنا، لا يخاف فيه من دخله.
وقال سعيد بن السائب بن يسار: لما دعا إبراهيم ﵇ لمكة أن يرزق أهلها من الثمرات، نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك: رزقا للحرم.
وروى عن محمد بن المنكدر، عن النبىّ ﷺ أنه قال: لما وضع الله الحرم نقل له الطائف من الشام.
وعن الزّهرىّ أنّ الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف، لدعوة إبراهيم خليل الله: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: جاء إبراهيم يطالع إسماعيل ﵉ فوحده غائبا، ووجد امرأته الآخرة، وهى السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى.
فوقف وسلم فردّت ﵇ واستنزلته وعرضت عليه الطعام والشراب،
стр. 312
فقال: ما طعامكم وشرابكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: هل من حبّ أو غيره من الطعام؟ قالت: لا، قال: بارك الله لكم فى اللحم والماء.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: يقول رسول الله ﷺ : «لو وجد عندها يومئذ حبّا لدعا لهم بالبركة فيه، فكانت تكون أرضا ذات زرع» .
وعن سعيد بن جبير مثله، وزاد فيه: «ولا يخلو أحد على اللحم والماء فى غير مكة إلا وجع بطنه؛ وإن خلا عليهما بمكة لم يجد لذلك أذى» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «وجد فى المقام كتاب فيه» هذا بيت الله الحرام بمكة، توكّل الله برزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله فى اللحم واللّبن» ووجد فى حجر فى الحجر كتاب من خلقة الحجر «أنا الله ذو بكّة الحرام صغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتّى يزول أخشباها مبارك لأهلها فى اللحم والماء» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما هدموا البيت وبلغوا أساس إبراهيم ﵇ وجدوا فى حجر من الأساس كتابا، فدعوا له رجلا من أهل اليمن، وآخر من الرّهبان، فإذا فيه: «أنا الله ذو بكة حرّمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر ويوم صغت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها فى الماء واللبن» .
وعن مجاهد رضى الله عنه قال: وجد فى بعض الزبور «أنا الله ذو بكّة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء
стр. 313
وجعلت رزق أهلها من ثلاث سبل فليس يوتا [١] أهل مكة إلا من ثلاثة طرق أعلى الوادى وأسفله وكدى وباركت لأهلها فى اللحم والماء» .
ذكر أسماء الكعبة ومكة
عن ابن أبى نجيح قال: إنما سمّيت «الكعبة» لأنها مكعّبة على خلقة الكعب.
قال: وكان الناس يبنون بيوتهم مدوّرة تعظيما للكعبة. فأوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، فقالت قريش: «ربّع حميد بن زهير بيتا، إمّا حياة وإمّا موتا» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: إنما سمّيت «بكة» لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء جميعا. وقالوا: «بكّة» موضع البيت، ومكّة القرية.
وقال ابن أبى أنيسة: «بكّة» موضع البيت، ومكة هو الحرم كلّه.
وكان ابن جريح يقول: إنما سميت «بكة» لتباكّ الناس بأقدامهم قدّام الكعبة.
ويقال: إنما سميت «بكة» لأنها تبكّ أعناق الجبابرة.
وعن الزهرى: أنه بلغه إنما سمّى «البيت العتيق» من أن الله تعالى أعتقه من الجبابرة.
وعن مجاهد والسدّى: إنما سمى «البيت العتيق» الكعبة، أعتقها الله من الجبابرة؛ فلا يتجبّرون فيه إذا طافوا. وكان البيت يدعى «قادسا» ويدعى «بادرا» ويدعى «القرية القديمة» ويدعى «البيت العتيق» .
وعن مجاهد قال: من أسمائها «مكّة» و «بكّة» و «أمّ رحم» و «أمّ القرى» و «صلاح» و «كوثى» و «الباسّة» .
стр. 314
وعن ابن أبى نجيح قال: بلغنى أن أسماء مكة «مكة» ؛ و «بكة» ؛ و «أم رحم» ؛ و «أم القرى» : و «الباسّة» ؛ و «البيت العتيق» ؛ و «الحاطمة» :
(تحطم من يستخفّ بها) ؛ و «الناسّة» (تنسّهم، أى تخرجهم إخراجا إذا غشموا وظلموا) .
ذكر ما جاء فى فضل الركن الأسود
عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: ليس فى الأرض من الجنة إلا الرّكن الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة؛ ولولا ما مسّهما من أهل الشّرك ما مسّهما ذو عاهة إلا شفاه الله .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه قال فى الرّكن الأسود:
لولا ما مسّه من أنجاس الجاهلية وأرجاسهم. ما مسّه ذو عاهة إلا برأ. وقال: نزل الركن، وإنه لأشدّ بياضا من الفضّة.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبىّ ﷺ قال لعائشة رضى الله عنها، وهى تطوف معه بالكعبة حين استلم الركن: «لولا ما طبع على هذا الحجر، يا عائشة، من أرجاس الجاهلية وأنجاسها، إذن لاستشفى به من كل عاهة، وإذن لألفى كهيئته يوم أنزله الله، وليعيدنه الله إلى ما خلقه أوّل مرة، وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، ولكنّ الله غيره بمعصية العاصين، وستر زينته عن الظّلمة والأثمة لأنهم لا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شىء كان بدؤه من الجنة»
. وعنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يبعث الركن الأسود، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به: يشهد لمن استلمه بحق»
.
стр. 315
وعنه رضى الله عنه: الركن يمين الله فى الأرض: يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه.
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة. فلما دخلنا الطواف، قام عند الحجر وقال: والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك، ما قبّلتك. ثم قبّله ومضى فى الطواف فقال له علىّ رضى الله عنه: بل يا أمير المؤمنين هو يضرّ وينفع، قال: وبم قلت ذلك؟ قال: بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال:
قال الله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا)
. فلما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره وأخرج ذرّيته من صلبه فقرّرهم أنه الربّ وهم العبيد، ثم كتب ميثاقهم فى رقّ، وكان هذا الحجر له عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرّقّ وجعله فى هذا الموضع، وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش فى قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.
وعن عكرمة: أنّ الحجر الأسود يمين الله فى الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله.
وعن مجاهد: يأتى الركن والمقام يوم القيامة، كلّ واحد منهما مثل أبى قبيس:
يشهدان لمن وافاهما بالموافاة.
والله أعلم.
стр. 316
ذكر ما جاء فى فضل استلام الركن الأسود، واليمانى
عن عطاء بن السائب أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضى الله عنهما: إنى أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ استلامهما يحطّ الخطايا حطّا» .
وسئل رضى الله عنه، فقيل له: إنا نراك تفعل خصالا أربعا لا يفعلها الناس:
نراك لا تستلم من الأركان إلا الحجر والركن اليمانى، ونراك لا تلبس من النّعال إلا السّبتية، ونراك تضفّر شعرك وقد يصبغ الناس بالحنّاء، ونراك لا تحرم حتّى تستوى بك راحلتك وتوجّه. فقال عبد الله: إنى رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك.
وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان لا يدع الركن الأسود والركن اليمانى أن يستلمهما فى كل طواف أتى عليهما. قال: كان لا يدعهما فى كل طواف طاف بهما حتّى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة فى شدّة الزحام حتّى رعف، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتّى رعف الثانية، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فما تركه حتّى استلم.
وعن نافع قال: لقد رأيت ابن عمر رضى الله عنهما، زاحم مرة على الركن اليمانى حتّى انبهر فتنحّى فجلس فى ناحية الطواف حتّى استراح، ثم عاد فلم يدعه حتّى استلمه.
قالوا: وليس هذا واجبا على الناس، ولكنه كان يحب أن يصنع كما صنع رسول الله ﷺ .
стр. 317
ذكر ما جاء فى فضل الطواف بالكعبة
عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من طاف بالبيت، كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ومحا عنه سيّئة» .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضى الله عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خرج المرء يريد الطّواف بالبيت، أقبل يريد الرحمة. فإذا دخله غمرته. ثم لا يرفع فدما ولا يضع قدما إلا كتب الله له بكلّ قدم خمسمائة حسنة، وحطّ عنه خمسمائة سيئة (أو قال خطيئة) ، ورفعت له خمسمائة درجة. فإذا فرغ من طوافه فصلّى ركعتين دبر المقام، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له: استأنف العمل فيما بقى فقد كفيت ما مضى، وشفّع فى سبعين من أهل بيته»
. وعن حسّان بن عطية: أن الله خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينزلها فى كل يوم، فستّون منها للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين. قال حسان:
فنظرنا فإذا هى كلها للطائفين هو يطوف ويصلى وينظر.
ذكر ما جاء فى فضل زمزم
عن وهب بن منبة أنه قال فى زمزم: والذى نفسى بيده، إنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله برّة، وإنها لفى كتاب الله شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله طعام طعم وشفاء سقم.
وعن ابن خثيم قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئناه نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم. قال: فقلنا له: لو استعذبت، فإن هذا ماء فيه غلظ؟ قال: ما أريد
стр. 318
أن أشرب حتّى أخرج منها غيره، والذى نفس وهب بيده، إنها لفى كتاب الله زمزم لا تنزف ولا تذم، وإنها لفى كتاب الله برّة شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله طعام من طعم وشفاء من سقم، والذى نفس وهب بيده لا يعمد أحد إليها فيشرب منها حتّى يتضلع إلا نزعت منه داء أو أحدثت له شفاء.
وعن كعب أنه قال لزمزم: إنا نجدها مضنونة ضنّ بها لكم، وإن أوّل من سقى ماءها إسماعيل ﵇، طعام من طعم، وشفاء من سقم.
وعن مجاهد قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد به شفاء شفاك الله.
وإن شربته لظمإ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهى هزمة جبريل ﵇ بعقبه.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «التضلّع من ماء زمزم براءة من النّفاق» .
وعن الضحاك بن مزاحم أنه قال: بلغنى أنّ التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب بالصّداع، وأن التطلّع فيها يجلو لبصر، وأنه سيأتى عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات. قال: قال لنا الخزاعىّ: وقد رأينا ذلك فى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة وسال واديها فى سنة تسع وسبعين، وسنة ثمانين ومائتين، فكثر ماء زمزم وارتفع حتّى قارب رأسها، فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها، وعذبت حتّى كان ماؤها أعذب مياه مكة التى يشربها أهلها. وإنا رأيناها أعذب من مياه العيون.
стр. 319
وعن الضحاك بن مزاحم أيضا أن الله يرفع المياه العذاب قبل يوم القيامة غير زمزم، وتغور المياه العذبة غير زمزم.
ذكر ما جاء من اتساع منى أيام الحج ولم سميت منى
عن أبى الطّفيل، قال: سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يسأل عن منى، ويقال له: عجبا لضيقه فى غير أيام الحج! فقال ابن عباس: إن منى يتسع بأهله كما يتسع الرحم للولد.
وعن ابن عباس، قال: إنما سميت منى منى لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم، قال له. تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسميت منى لتمنى آدم.
وقيل: إنما سميت منى لمنى [١] الدماء بها.
ذكر ما جاء فى فضائل مقبرة مكة
عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «نعم المقبرة هذه!» (لمقبرة أهل مكة)
. وعن محمد بن عبد الله بن صيفىّ أنه قال: من قبر فى هذه المقبرة، بعث آمنا يوم القيامة (يعنى مقبرة مكة) .
ذكر شىء من خصائص مكة
من خصائصها أن الذئب فيها يروّع الظبى ويعارضه ويصيده. فإذا دخل الحرم، كفّ عنه.
стр. 320
ومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا إن كان عليلا؛ وأن عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين ولا تعلوها. والله أعلم.
وأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
ففضائلها أوسع من أن أحصرها، وأعظم من أن أسبرها. ناهيك بها من بلد اختاره الله تعالى لرسوله، ونص على فضله في محكم تنزيله، قال الله : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) .
وروى عن النبىّ ﷺ أنه سئل: أىّ مسجد هو؟ فقال: مسجدى هذا،
وهو قول ابن المسيّب وزيد بن ثابت وابن عمر رضى الله تعالى عنهم، وبه أخذ مالك ﵀. وقال ابن عباس: هو مسجد قباء.
وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا لمسجد الحرام» .
قال القاضى عياض ﵀: إختلف الناس فى معنى هذا الاستثناء على اختلافهم فى المفاضلة بين مكة والمدينة. فذهب مالك أن الصلاة فى مسجد الرسول ﷺ أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فان الصلاة فى مسجد النبىّ ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه «صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه» فتأتى