← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذكر ما جاء فى فضل استلام الركن الأسود، واليمانى عن عطاء بن السائب أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضى الله عنهما: إنى أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ استلامهما يحطّ الخطايا حطّا» . وسئل رضى الله عنه، فقيل له: إنا نراك تفعل خصالا أربعا لا يفعلها الناس: نراك لا تستلم من الأركان إلا الحجر والركن اليمانى، ونراك لا تلبس من النّعال إلا السّبتية، ونراك تضفّر شعرك وقد يصبغ الناس بالحنّاء، ونراك لا تحرم حتّى تستوى بك راحلتك وتوجّه. فقال عبد الله: إنى رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان لا يدع الركن الأسود والركن اليمانى أن يستلمهما فى كل طواف أتى عليهما. قال: كان لا يدعهما فى كل طواف طاف بهما حتّى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة فى شدّة الزحام حتّى رعف، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتّى رعف الثانية، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فما تركه حتّى استلم. وعن نافع قال: لقد رأيت ابن عمر رضى الله عنهما، زاحم مرة على الركن اليمانى حتّى انبهر فتنحّى فجلس فى ناحية الطواف حتّى استراح، ثم عاد فلم يدعه حتّى استلمه. قالوا: وليس هذا واجبا على الناس، ولكنه كان يحب أن يصنع كما صنع رسول الله ﷺ .

стр. 317

ذكر ما جاء فى فضل الطواف بالكعبة عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من طاف بالبيت، كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ومحا عنه سيّئة» . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضى الله عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خرج المرء يريد الطّواف بالبيت، أقبل يريد الرحمة. فإذا دخله غمرته. ثم لا يرفع فدما ولا يضع قدما إلا كتب الله له بكلّ قدم خمسمائة حسنة، وحطّ عنه خمسمائة سيئة (أو قال خطيئة) ، ورفعت له خمسمائة درجة. فإذا فرغ من طوافه فصلّى ركعتين دبر المقام، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له: استأنف العمل فيما بقى فقد كفيت ما مضى، وشفّع فى سبعين من أهل بيته» . وعن حسّان بن عطية: أن الله خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينزلها فى كل يوم، فستّون منها للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين. قال حسان: فنظرنا فإذا هى كلها للطائفين هو يطوف ويصلى وينظر. ذكر ما جاء فى فضل زمزم عن وهب بن منبة أنه قال فى زمزم: والذى نفسى بيده، إنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله برّة، وإنها لفى كتاب الله شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله طعام طعم وشفاء سقم. وعن ابن خثيم قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئناه نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم. قال: فقلنا له: لو استعذبت، فإن هذا ماء فيه غلظ؟ قال: ما أريد

стр. 318

أن أشرب حتّى أخرج منها غيره، والذى نفس وهب بيده، إنها لفى كتاب الله زمزم لا تنزف ولا تذم، وإنها لفى كتاب الله برّة شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله طعام من طعم وشفاء من سقم، والذى نفس وهب بيده لا يعمد أحد إليها فيشرب منها حتّى يتضلع إلا نزعت منه داء أو أحدثت له شفاء. وعن كعب أنه قال لزمزم: إنا نجدها مضنونة ضنّ بها لكم، وإن أوّل من سقى ماءها إسماعيل ﵇، طعام من طعم، وشفاء من سقم. وعن مجاهد قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد به شفاء شفاك الله. وإن شربته لظمإ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهى هزمة جبريل ﵇ بعقبه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «التضلّع من ماء زمزم براءة من النّفاق» . وعن الضحاك بن مزاحم أنه قال: بلغنى أنّ التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب بالصّداع، وأن التطلّع فيها يجلو لبصر، وأنه سيأتى عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات. قال: قال لنا الخزاعىّ: وقد رأينا ذلك فى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة وسال واديها فى سنة تسع وسبعين، وسنة ثمانين ومائتين، فكثر ماء زمزم وارتفع حتّى قارب رأسها، فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها، وعذبت حتّى كان ماؤها أعذب مياه مكة التى يشربها أهلها. وإنا رأيناها أعذب من مياه العيون.

стр. 319

وعن الضحاك بن مزاحم أيضا أن الله يرفع المياه العذاب قبل يوم القيامة غير زمزم، وتغور المياه العذبة غير زمزم. ذكر ما جاء من اتساع منى أيام الحج ولم سميت منى عن أبى الطّفيل، قال: سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يسأل عن منى، ويقال له: عجبا لضيقه فى غير أيام الحج! فقال ابن عباس: إن منى يتسع بأهله كما يتسع الرحم للولد. وعن ابن عباس، قال: إنما سميت منى منى لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم، قال له. تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسميت منى لتمنى آدم. وقيل: إنما سميت منى لمنى [١] الدماء بها. ذكر ما جاء فى فضائل مقبرة مكة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «نعم المقبرة هذه!» (لمقبرة أهل مكة) . وعن محمد بن عبد الله بن صيفىّ أنه قال: من قبر فى هذه المقبرة، بعث آمنا يوم القيامة (يعنى مقبرة مكة) . ذكر شىء من خصائص مكة من خصائصها أن الذئب فيها يروّع الظبى ويعارضه ويصيده. فإذا دخل الحرم، كفّ عنه.

стр. 320

ومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا إن كان عليلا؛ وأن عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين ولا تعلوها. والله أعلم. وأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ففضائلها أوسع من أن أحصرها، وأعظم من أن أسبرها. ناهيك بها من بلد اختاره الله تعالى لرسوله، ونص على فضله في محكم تنزيله، قال الله : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) . وروى عن النبىّ ﷺ أنه سئل: أىّ مسجد هو؟ فقال: مسجدى هذا، وهو قول ابن المسيّب وزيد بن ثابت وابن عمر رضى الله تعالى عنهم، وبه أخذ مالك ﵀. وقال ابن عباس: هو مسجد قباء. وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا لمسجد الحرام» . قال القاضى عياض ﵀: إختلف الناس فى معنى هذا الاستثناء على اختلافهم فى المفاضلة بين مكة والمدينة. فذهب مالك أن الصلاة فى مسجد الرسول ﷺ أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فان الصلاة فى مسجد النبىّ ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه «صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه» فتأتى

стр. 321

فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة وعلى غيره بألف. وهذا مبنىّ على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين. وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة. وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب، من أصحاب مالك. وحكاه الباجى عن الشافعى. قال القاضى أبو الوليد الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة. قال القاضى عياض: ولا خلاف أن موضع قبر النبى ﷺ أفضل بقاع الأرض. قال النبىّ ﷺ : «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» . قالوا: هذا يحتمل معنيين، (أحدهما) . أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه تستحق ذلك من الثواب كما قيل: «الجنة تحت ظلال السّيوف» . (والثانى) أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون فى الجنة بعينها. قاله الداودىّ. وروى ابن عمر وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم أن النبىّ ﷺ قال فى المدينة: «لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» . وقال ﷺ فيمن تحمّل عن المدينة: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» . وقال: «إنما المدينة كالكير: تنفى خبثها وتنصع طيبها» . وقال: «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه» .

стр. 322

وعنه ﷺ : «من مات فى أحد الحرمين حاجّا أو معتمرا، بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب» . وفى طريق آخر: «بعث من الآمنين يوم القيامة» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها فإنّى أشفع لمن يموت بها» . وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه. اللهم إنّ إبراهيم حرّم مكة، وأنا أحرّم ما بين لا بتيها» . وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة أو أشدّ، وانقل حمّاها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدّنا» . ودعا النبىّ ﷺ لأهل المدينة فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم، وبارك لهم فى صاعهم ومدّهم» . وقال ﷺ : «من زار قبرى، وجبت له شفاعتى» . وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارنى فى المدينة محتسبا، كان فى جوارى وكنت له شفيعا يوم القيامة» . وكان مالك ﵀ لا يركب فى المدينة دابّة، ويقول: أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابّة. وروى أنه وهب للشافعىّ كراعا كثيرا، فقال له الشافعىّ: أمسك منها دابّة. فأجابه بمثل هذا الجواب. وحكى القاضى عياض فى «كتاب الشفاء» قال: حدّث أن أبا الفضل الجوهرىّ لما ورد المدينة زائرا وقرب منها، ترجّل ومشى باكيا منشدا:

стр. 323

ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا، نزلنا عن الأكوار نمشى، كرامة ... لمن بان عنه أن نلّم به ركبا. قال: وحكى بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة رسول الله ﷺ ، أنشأ يقول متمثلا: رفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطّع دونه الأوهام. وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا، ... فظهورهنّ على الرّجال حرام. قرّبنتا من خير من وطئ الثّرى، ... فلها علينا حرمة وذمام. وأفتى مالك ﵀ فيمن قال «تربة المدينة رديّة» بضرب ثلاثين درّة، وأمر بحبسه؛ وكان له قدر. وقال: «ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبىّ ﷺ ، يزعم أنها غير طيّبة!» . وفى الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال فى المدينة: «من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبّل الله منه صرفا ولا عدلا» . ذكر شىء من خصائص المدينة المشرفة وأسمائها على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من خصائصها، أن العطر والبخور يوجد لهما فيها من الضّوع والرائحة الطيّبة أضعاف ما يوجد فى سائر البلاد؛ ولها فى قصبتها فغمة طيّبة ورائحة عطرة، وإن لم يكن فيها شىء من الطيب البتة. ولهذا سميت «طيبة» و «طابة» .

стр. 324

قال الشاعر: ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا؟ وهذا البيت ينسب لفاطمة الزهراء رضى الله عنها. ومن أسمائها «طيبة» و «طابة» و «يثرب» و «المدينة» و «الدار» . قال القاضى عياض ﵀: وجدير بمواطن عمرت بالوحى والتنزيل، وتردّد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت عرصاتها بالتقديس والتسبيح؛ واشملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر؛ مدارس آيات، ومساجد جماعات وصلوات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر المسلمين؛ ومواقف سيد المرسلين، ومتبوّأ خاتم النبيين؛ حيث انفجرت النبوّة، وأين فاض عبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها: أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدراتها. وقال: يا دار خير المرسلين ومن به ... هدى الأنام وخصّ بالآيات. عندى لاجلك لوعة وصبابة ... وتشوّق متوقّد الجمرات. وعلىّ عهد إن ملأت محاجرى ... من تلكم الجدرات والعرصات، لأعفّرنّ مصون شيى بينها ... من كثرة التقبيل والرّشفات. لولا العوادى والأعادى، زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات. لكن سأهدى من حفيل تحيّتى ... لقطين تلك الدار والحجرات.

стр. 325

أذكى من المسك المفتّق نفحة ... تغشاه بالاصال والبكرات. وتخصّه بزواكى الصّلوات ... ونوامى التسليم والبركات. وأما البيت المقدّس، والمسجد الأقصى فالبيت المقدّس أحد القبلتين، والمسجد الأقصى ثالث الحرمين. إليه تشدّ الرّحال، ويكثر النزول والارتحال؛ وفى الأرض المقدّسة تحشر الخلائق ليوم العرض، ويبسط الله تعالى الصخرة الشريفة حتّى تكون كعرض السماء والأرض؛ وتجتمع الناس هناك لفصل الحساب، ويضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ولنبدأ بذكر الأرض المقدّسة قال الله إخبارا عن موسى ﵇: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) . قال الزجاج: والمقدّسة المطهّرة. وقيل للسّطل «القدس» لأنه يتطهّر منه. وسمى بيت المقدس لأنه يتطهّر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدّسة لأنها طهّرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين. وقد اختلف فى الأرض المقدّسة ما هى؟ فذهب ابن عباس رضى الله عنهما إلى أنها أريحا. وقال السّدّى: أريحا هى أرض بيت المقدس. وقال مجاهد: هى الطّور وما حوله. وقال الضحاك: هى إيلياء وبيت المقدس. وقال الكلبى: دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ. وقال قتادة: هى الشام كلها.

стр. 326

وقال عبد الله بن عمر: والحرم محرّم مقداره من السماوات والأرض، وبيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض. وقال ابن قتيبة. وقرأت فى مناجاة موسى ﵇ أنه قال: اللهمّ إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن البيوت مكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس. وقال الله تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) . والمسجد الأقصى بيت المقدس: سمّى أقصى لأنه أبعد المساجد التى تزار. وقيل: لبعد المسافة بين المسجدين. وقوله «الذى باركنا حوله» قيل: بالماء والأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد: سماه مباركا لأنه مقرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحى، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة. وقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) . قال الثعلبىّ فى تفسيره: قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنم: «التّين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس» . وقال الضحاك: «هما مسجدان بالشام» . وقال محمد بن كعب: «التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء» . ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون. وروى عطية عن ابن عباس: «التين مسجد نوح ﵇ الذى بنى على الجودى، والزيتون بيت المقدس» .

стр. 327

وروى نهشل عن الضحاك: «التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى» قال: «وطور سينين، يعنى جبل موسى ﵇» . قال عكرمة: «السّينين الحسن بلغة الحبشة» . وعنه: كل جبل ينبت فهو سينين. وقال مجاهد: «الطّور الجبل، وسينين المبارك» . وقال قتادة: «المبارك الحسن» . وقال مقاتل: «كل جبل فيه شجر فهو سينين، وسيناء وهو بلغة النّبط» . وقال الكلبىّ: «يعنى الجبل المشجر» . وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: «أربعة أجبال مقدّسة بين يدى الله تعالى: طور تينا، وطور زيتا، وطور سينا، وطور تيمانا. فاما طور تينا: فدمشق. وأما طور زيتا: فبيت المقدس. وأما طور سينا: فهو الذى كان عليه موسى ﵇. وأما طور تيمانا: فمكّة. والبلد الأمين مكة بلا خلاف» . ومسجد بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التى لا تشدّ الرحال إلا إليها، لقول رسول الله ﷺ ، فيما ورد فى الصحيح: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى» . وفى الصحيح أيضا «أن موسى ﵇، لما حضرته الوفاة سأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر» .

стр. 328

وكانت عمارة مسجد البيت المقدّس بأمر الله لنبيه داود ﵇ أن يعمره ثم لم يقدّر له عمارته وقدّر الله تعالى ذلك على يدى سليمان بن داود ﵉، فهو الذى عمره. وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا فى الفن الخامس فى التاريخ. وقد وردت آثار وأحاديث فى فضل بيت المقدس، وفضل زيارته، وثواب الصلاة فيه، ومضاعفة الحسنات والسيئات فيه، وفضل السكنى فيه، والإقامة به، والوفاة فيه، وما به من قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحراب داود، وعين سلوان، وما ورد فى أن الحشر منه، وما ورد فى فضل الصخرة والصلاة إلى جانبها، وما ورد من أن الله عرج بنبيه من بيت المقدس إلى السماء، وثواب الإهلال من بيت المقدس، وما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة. وسنذكر من ذلك طرفا تقف عليه إن شاء الله تعالى ونحذف أسانيد الأحاديث الواردة فيه رغبة فى الاختصار فنقول. وبالله التوفيق: أما فضل بيت المقدس فقد ورد عن الزهرىّ أنه قال: لم يبعث الله نبيا، إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس. وقد صلّى إليه رسول الله ﷺ بعد هجرته سبعة عشر شهرا، كما روى فى الصحيحين، حتّى أنزل الله على رسوله ﷺ : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .

стр. 329

وتحويل القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع. وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلّون بمكة إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أمره الله تعالى أن يصلّى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من تعيينه فى التوراة. هذا قول عامّة المفسرين، على ما حكاه الثعلبىّ عنهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ، فقال رسول الله ﷺ : «هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله» . فاستقبله النبىّ ﷺ . قالوا جميعا: فصلى النبى ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكانت الأنصار قد صلّت قبل بيت المقدس ستين يوما، قبل قدوم النبىّ ﷺ . وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ . واختلفوا فى السبب الذى كان ﵊ من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵉. وقال مجاهد: من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد فى ديننا، ويتّبع قبلتنا! وقال مقاتل بن حيّان: لما أمر رسول الله ﷺ أن يصلى نحو بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمد أنه نبى، وما نراه أحدث فى نبوّته شيئا! أليس يصلى إلى قبلتنا ويستسنّ بسنتنا؟ فإن كانت هذه نبوّة. فنحن أقدم وأوفر نصيبا.

стр. 330

فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فشق عليه وزاده شوقا إلى الكعبة. وقال ابن زيد: لما استقبل النبىّ ﷺ نحو بيت المقدس، بلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم، قالوا جميعا: فقال رسول الله ﷺ لجبريل: وددت أن الله صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها، فإنى أبغضهم وأبغض موافقتهم، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ليس لى من الأمر شىء؛ فسل ربّك، فعرج جبريل. وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحبّ من أمر القبلة. فأنزل الله : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) الآية . فلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تردّد على محمد أمره، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتهم وهو راجع إلى دينكم عاجلا، وتكلم اليهود والمنافقون فى تحويلها. فأنزل الله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) . وروى عن كعب أنه قال: إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وأما فضل زيارته، وفضل الصلاة فيه فقد روى عن مكحول أنه قال: من زار بيت المقدس شوقا إليه، دخل الجنة وزاره جميع الأنبياء فى الجنة وغبطوه بمنزلته من الله تعالى؛ وأيّما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس، شيّعهم عشرة آلاف من الملائكة: يستغفرون لهم ويصلّون عليهم،

стр. 331

ولهم مثل أعمالهم اذا انتهوا إلى بيت المقدس، ولهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا؛ ومن دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر، تلقاه الله بمائة رحمة، ما منها رحمة إلا ولو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم؛ ومن صلّى فى بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما ب «فاتحة الكتاب» و «قل هو الله أحد» خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكان له بكل شعرة على جسده حسنة؛ ومن صلى فى بيت المقدس أربع ركعات، مرّ على الصراط كالبرق وأعطى أمانا من الفزع الأكبر يوم القيامة؛ ومن صلى فى بيت المقدس ستّ ركعات، أعطى مائة دعوة مستجابة، أدناها براءة من النار، ووجبت له الجنة؛ ومن صلّى فى بيت المقدس ثمان ركعات، كان رفيق إبراهيم خليل الرحمن؛ ومن صلّى فى بيت المقدس عشر ركعات، كان رفيق داود وسليمان فى الجنة؛ ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات فى بيت المقدس ثلاث مرات، كان له مثل حسناتهم، ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة، وغفر له ذنوبه كلّها. وروى عن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى ببيت المقدس خمس صلوات نافلة، كلّ صلاة أربع ركعات يقرأ فى الخمس صلوات عشرة آلاف مرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فقد اشترى نفسه من الله ؛ ليس للنار عليه سلطان» . وعنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل فى بيته بصلاة واحدة، وصلاته فى مسجد القبائل بستّ وعشرين، وصلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» .

стр. 332

وعن مكحول أن ميمونة رضى الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن بيت المقدس قال: «نعم المسكن بيت المقدس! ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه. قالت: فمن لم يطق ذلك؟ قال: يهدى له زيتا [١] » وعن مكحول عن النبىّ ﷺ ، قال: لا يسمع أهل السماء من كلام بنى آدم شيئا غير أذان مؤذّن بيت المقدس. وأما ما ورد فى بيت المقدس من مضاعفة الحسنات والسيئات فيه فقد روى عن نافع، قال: قال ابن عمر رضى الله عنهما، ونحن فى بيت المقدس: يا نافع، اخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات. وقال جرير بن عثمان وصفوان بن عمرو: الحسنة فى بيت المقدس بألف، والسيئة بألف. وأما فضل السكنى فيه والإقامة والوفاة به فقد روى عن ذى الأصابع أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت يا رسول الله إن ابتلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، لعلّ الله يرزقك ذرّية تغدو إليه وتروح» .

стр. 333

وعن أبى أمامة الباهلىّ، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحقّ، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم، حتّى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» . وعن عطاء، قال: لا تقوم الساعة حتّى يسوق الله خيار عباده إلى بيت المقدس وإلى الأرض المقدّسة، فيسكنهم إيّاها. وعن كعب، قال: قال الله لبيت المقدس: أنت جنتى وقدسى وصفوتى من بلادى، من سكنك فبرحمة منى، ومن خرج منك فبسخط منى عليه. وعن وهب بن منبه، قال: أهل بيت المقدس جيران الله، وحقّ على الله أن لا يعذّب جيرانه؛ ومن دفن فى بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه. وعن كعب، قال: اليوم فى بيت المقدس كألف يوم، والشهر فيه كالف شهر، والسنة فيه كألف سنة؛ ومن مات فيه فكأنما مات فى السماء، ومن مات حوله فكأنما مات فيه. وعن خالد بن معدان قال: سمعت كعبا يقول: مقبور بيت المقدس لا يعذّب. وأما ما به من قبور الأنبياء ومحراب داود وعين سلوان ففى الأرض المقدّسة قبر إبراهيم الخليل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف ﵈. وفى الصحيح أن موسى ﵇ لما حضرته الوفاة سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة، رمية حجر.

стр. 334

وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بسنده عن بشر بن بكر عن أمّ عبد الله عن ابنها أنه قال: من أتى بيت المقدس، فليأت محراب داود، فليصلّ فيه، ويسبح فى عين سلوان فإنها من الجنة. وبسنده إلى سعيد بن عبد العزيز، قال: كان فى زمان بنى إسرائيل فى بيت المقدس عند عين سلوان عين. وكانت المرأة إذا قذفت، أتوا بها فشربت منها فإن كانت بريئة لم تضرّها، وإن كانت نطفة ماتت. فلما حملت مريم حملوها، فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا. فدعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة. فغارت العين. وأما ما ورد فى أن الحشر من البيت المقدس فقد روى عن أبى ذرّ رضى الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله «أخبرنا عن بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر. ايتوه فصلّوا فيه وليأتينّ على بيت المقدس [١] ! ولبسطة قوس أو مسحة قوس فى بيت المقدس أو من حيث يرى بيت المقدس خير من كذا وكذا» . وعن كعب قال: العرض والحساب من بيت المقدس.

стр. 335

وعن قتادة فى قوله تعالى (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) قال: من صخرة بيت المقدس. وعن يزيد بن جابر «يوم ينادى المناد من مكان قريب» قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ فى الصّور فيقول: أيّتها العظام النّخرة، والجلود المتمزّقة، والأشعار المتقطّعة؛ إن الله تعالى أمرك أن تجتمعى للحساب. وقال المفسرون فى قوله تعالى (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) هو أن إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادى: «يأيها الناس، هلمّوا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء، وهذه هى النفخة الأخيرة.» والمكان القريب صخرة بيت المقدس. قال كعب ومقاتل: هى أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثنى عشر ميلا. وعن ابن عمر رضى الله عنهما فى قوله تعالى (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) قال: هو حائط بيت المقدس الشرقىّ الذى من ورائه واد يقال له وادى جهنم، ومن دونه باب يقال له باب الرحمة. وأما ما ورد فى فضل الصخرة، والصلاة إلى جانبها فقد روى عن أنس بن مالك، قال: إن الجنة لتحنّ شوقا إلى بيت المقدس، وإن بيت المقدس من جنة الفردوس، وهى [١] سرّة الأرض.

стр. 336

وعن أبى إدريس الخولانىّ: قال: يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض، ثم ينصب عليها عرشه، ثم يقضى بين عباده: يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار. وعن أبى العالية فى قوله تعالى (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) * قال: من بركتها أن كلّ ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ ، قال: «الأنهار كلّها والسّحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدس» . وقال ابن عباس رضى الله عنهما: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة. قال الزجاج: يقال إنها فى وسط الأرض. وعن كعب قال: من أتى بيت المقدس فصلّى عن يمين الصخرة وشمالها، ودعا عند موضع السّلسلة، وتصدّق بما قلّ أو كثر، استجيب دعاؤه، وكشف الله حزنه، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه؛ وإن سأل الله الزيادة أعطاه إياها. وأما ما ورد فى أن الله عرج من بيت المقدس إلى السماء فقد روى الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد الواسطى الخطيب ﵀ بسنده إلى سوادة بن عطاء الحضرمىّ، قال: نجد فى الكتاب مكتوبا أن الله لمّا أن خلق الأرض وشاء أن يعرج إلى السماء وهى دخان، استشرف لذلك الجبال أيّها يكون ذلك عليه؟ وخشعت صخرة بيت المقدس تواضعا لله ، فشكر الله لها ذلك وجعل المعراج عنها. وكان عليها ما شاء الله أن

стр. 337

يكون. قال: فمدّ الجبار يديه حتّى كانتا حيث يشاء أن تكونا، ثم قال: «هذه جنتى غربا، وهذه نارى شرقا، وهذا موضع ميزانى طرف الجبل، وأنا الله ديّان يوم الدّين» وكان معراجه إلى السماء عن الصخرة. وروى أيضا بسنده إلى هانئ بن عبد الرحمن، ورديح بن عطية عن إبراهيم ابن أبى عبلة أحسبه كذا قال: وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن خديج وكانا عقيييّن بدريّين، فقيل لهما: أرأيتما ما يقول الناس فى هذه الصخرة أحقّا هو فنأخذ به، أم هو شىء أصله من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله! ومن يشكّ فى أمرها، إن الله لما استوى إلى السماء، قال لصخرة بيت المقدس: «هذا مقامى وموضع عرشى يوم القيامة، ومحشر عبادى، وهذا موضع نارى عن يسارها وفيه أنصب ميزانى أمامها، وأنا الله ديّان يوم الدّين» ثم أستوى إلى علّيّين. وروى أيضا بسنده عن كعب، قال: إن فى التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس «أنت عرشى الأدنى ومنك ارتفعت إلى السماء، ومن تحتك بسطت الأرض وكلّ ما يسيل من ذروة الجبال من تحتك؛ من مات فيك فكأنما مات فى السماء، ومن مات حولك فكأنما مات فيك، لا تنقضى الأيام والليالى حتّى أرسل عليك نارا من السماء فتأكل آثار أكفّ بنى آدم وأقدامهم منك، وأرسل عليك ماء من تحت العرش فأغسلك حتّى أتركك كالمرآة، وأضرب عليك سورا من غمام غلظه اثنا عشر ميلا، وسياجا من نار؛ وأجعل عليك قبة جبلتها بيدى، وأنزل فيك روحى وملائكتى يسبّحون لى فيك؛ لا يدخلك أحد من ولد آدم إلى يوم القيامة؛ فمن برضوء تلك القبة من بعيد، يقول: طوبى لوجه يخرّ فيك لله ساجدا، وأضرب عليك حائطا من نار،

стр. 338

وسياجا من الغمام، وخمسة حيطان من ياقوت ودرّ وزبرجد؛ أنت البيدر، وإليك المحشر، ومنك المنشر» . وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن الجوزىّ ﵀ فى ذلك حديثين، ثم تكلم عليهما وضعّف رواتهما. أما أحدهما، فقال: أخبرنا المبارك بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد، قال: أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر النّصيبى، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرى، قال: حدثنا عيسى بن عبيد الله، قال: حدّثنا على ابن جعفر الرازى، قال: حدّثنا العباس بن أحمد بن عبد الله، قال: حدّثنا عبد الله ابن عمر المقدسى، قال: حدّثنا بكر بن زياد الباهلىّ، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أسرى بى إلى بيت المقدس مرّ بى جبريل ﵇ إلى قبر إبراهيم، فقال: انزل، فصلّ ها هنا ركعتين، ها هنا قبر أبيك إبراهيم. ثم مرّ بى ببيت لحم، فقال: انزل، صلّ ها هنا ركعتين، فإن ها هنا ولد أخوك عيسى. ثم أتى بى إلى الصخرة فقال: من ها هنا عرج ربك إلى السماء» . قال الحافظ أبو حاتم بن حيّان: هذا حديث لا يشك عوامّ أصحاب الحديث أنه موضوع. وكان بكر بن زياد يضع الحديث على الثقات. وأما الحديث الثانى، فرواه بسند إلى إبراهيم بن أعين عن رديح بن عطية بن النعمان، عن عبد الله بن بسر الحمصىّ، عن كعب الأحبار، قال: يقول الله عز وجل

стр. 339

لبيت المقدس: أنت عرشى الذى منك ارتفعت إلى السماء، ومنك بسطت الأرض، ومن تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع فى رءوس الجبال. قال أبو حاتم الرازىّ: إبراهيم بن أعين منكر الحديث. هذا ما ورد فى هذا الفصل وقد نبهنا على ما فيه من المآخذ والله أعلم. وأما ثواب الإهلال من بيت المقدس فقد روى عن أم سلمة زوج النبىّ ﷺ ورضى عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من أهلّ من بيت المقدس، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» . قال سالم: وأهلّ ابن عمر رضى الله عنهما من بيت المقدس بعمرة. وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ «من أحرم من بيت المقدس، قدم مكة مغفورا له» . وأما ما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة فقد روى عن كعب الأحبار قال: لا تقوم الساعة حتّى يزور البيت الحرام بيت المقدس، فينقادان جميعا إلى الجنة وفيهما أهلوهما. وروى عن خالد بن معدان قال: يحشر الله الكعبة إلى الصخرة زفّا إليها زفّا، متعلقين بجميع من حج إليهما، تقول الصخرة مرحبا: بالزائرة والمزور إليها. هذا ما اتفق إيراده فى فضائل البيت المقدّس، وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخباره طرفا آخر وهو فى الباب الثانى، من القسم الثالث، من الفن الخامس فى التاريخ عند ذكرنا لأخبار سليمان بن داود ﵉. فلنذكر خلاف ذلك.

стр. 340

وأما اليمن وما يختص به فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية» . وقال الجاحظ: من خصائص اليمن السيوف، والبرود، والقرود. ويقال: ان السيف متى قلع بالهند وطبع باليمن، فناهيك به! وقال الأصمعىّ: أربعة ملأت الدنيا ولا تكون إلا باليمن، وهى الورس، والكندر، والخضض، والعقيق. وأما الشام وما يختص به فمن ذلك أن الشام موطن الأنبياء ﵈، ومعدن الزّهّاد والعبّاد. وحكى أن الابدال السبعين بأرض الشام، بجبل لكام وجبل لبنان. ومن خصائص الشام: مسجد دمشق الذى ما عمر على وجه الأرض مثله وكانت عمارته فى سنة ست وثمانين، عمّره الوليد بن عبد الملك. ووقع الحريق فيه فى سنة إحدى وستين وأربعمائة، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. وعن قتادة، قال: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة، قال: «والتّين» وهو مسجد دمشق، «والزّيتون» وهو بيت المقدس، «وطور سينين» وهو حيث كلم الله موسى، «وهذا البلد الأمين» وهو مكة.

стр. 341

وقال محمد بن شعيب: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق، وأنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد. وعن هشام بن عبد الملك قال: لما أمر الوليد ببناء مسجد دمشق، وجدوا فى الحائط القبلىّ من المسجد لوحا فيه نقش فأتوا به الوليد، فبعث إلى الروم والعبرانيين وغيرهم، فلم يستخرجوه. فدلّ على وهب بن منبّه فبعث إليه، فلما قدم أخبره بموضع ذلك اللوح فإذا الحائط الذى وجد فيه بناء هود ﵇. وعن زيد بن واقد قال: وكّلنى الوليد على العمال فى بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، وبين يديه الشّمع، فنزل فإذا هى كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع فى ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح فإذا فيه سفط، وفى السّفط رأس يحيى بن زكريا ﵉، مكتوب عليه: «هذا رأس يحيى بن زكريا» . فأمر الوليد، فردّ إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذى فوقه مغيّرا من الاعمدة، فجعلوا عليه عمودا مسفّط الرأس. وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير. وقال أبو زرعة: مسجد دمشق خطّه أبو عبيدة بن الجرّاح، وكذلك مسجد حمص. وقيل: لما قدم المهدىّ يريد بيت المقدس، دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعرىّ كاتبه، فقال: يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث، قال: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: بهذا البيت (يعنى المسجد) لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالى فإن لهم موالى ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا! ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة، فقال: يا أبا عبد الله وهذه رابعة.

стр. 342

وحكى عمرو بن مهاجر الأنصارىّ قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التى فى قبلة مسجد دمشق، فإذا هو سبعون ألف دينار. وقال أبو قصىّ: أنفق فى عمارة مسجد دمشق أربعمائة صندوق، كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وقال بعض شعراء المحدثين فى وصفه: دمشق قد شاع ذكر جامعها ... وما حوته ربى مرابعها. بديعة المدن فى الكمال لما ... يدركه الطّرف من بدائعها. طيّبة أرضها مباركة ... باليمن والسّعد أخذ طالعها. جامعها جامع المحاسن قد ... فاقت به المدن فى جوامعها. تذكر فى فضله ورفعته ... أخبار صدق راقت لسامعها. قد كان قبل الحريق مدهشة ... فغيّرته نار بلاقعها. فأذهبت بالحريق بهجته ... فليس يرجى إياب راجعها. إذا تفكّرت فى الفصوص وما ... فيها، تيقّنت حذق واضعها. أشجارها لا تزال مثمرة ... لا ترهب الريح فى مدافعها. كأنّها من زمرّد غرست ... فى أرض تبر يغشى بفاقعها. فيها ثمار تخالها ينعت ... وليس يخشى فساد يانعها. تقطف باللحظ لا بجارحة ال ... ايدى ولا تجتنى لبائعها. وتحتها من رخامه قطع، ... لا قطع الله كفّ قاطعها. أحكم ترخيمها المرخّم قد ... بان عليها إحكام صانعها.

стр. 343

وإن تفكّرت فى قناطره ... وسقفه، بان حذق رافعها. وان تبيّنت حسن قبّته ... تحيّر اللّبّ فى أضالعها. تخترق الريح فى مخارمها ... عصفا فتقوى على زعازعها. وأرضه بالرّخام قد فرشت ... ينفسح الطّرف فى مواضعها. مجالس العلم فيه مونقة ... ينشرح الصدر فى مجامعها. وكلّ باب عليه مطهرة ... قد أمن الناس دفع مانعها. يرتفق الخلق من مرافقها ... ولا يصدّون عن منافعها. ولا تزال المياه جارية ... فيها لما شقّ من مشارعها. وسوقها لا تزال آهلة ... يزدحم الناس فى شوارعها. لما يشاءون من فواكهها ... وما يريدون من بضائعها. كأنّها جنّة معجّلة ... فى الأرض، لولا سرى فجائعها. دامت برغم العدا مسلّمة ... وحاطها الله من قوارعها. وقال عبد الله بن سلام: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر؛ وقبر موسى بدمشق؛ ودمشق معقل الناس فى آخر الزمان. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: من أراد أن ينظر إلى الموضع الذى قال الله فيه (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ) فليأت النّيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار فى جبل قاسيون، فليصلّ فيه فإنه بيت عيسى وأمّه. ومن أراد أن ينظر إلى إرم، فليأت نهرا فى دمشق يقال له بردى. ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التى فيها مريم بنت عمران والحواريّون. فليأت مقبرة الفراديس.

стр. 344

ومن خصائصها التّفّاح الذى يضرب به المثل فى الحسن والطّيب. وكان يحمل منه إلى الخلفاء فى كل سنة ثلاثون ألف تفاحة. وبها الغوطة، وهى أحد متنزّهات الدنيا الأربعة. وهى أجلّها. وسنذكر وصفها فى باب الرياض إن شاء الله تعالى. وأما مصر وما يختصّ بها من الفضائل فمن فضلها أن الله ذكرها فى كتابه العزيز فى أربعة وعشرين موضعا. منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما دلّت عليه القرائن والتفاسير. فأما صريح اللفظ، فقوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ) . وقوله تعالى مخبرا عن فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) . وقوله مخبرا عن يوسف ﵇: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) . وقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) . وأما ما دلت عليه القرائن، فمنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) . وقوله : (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ) . قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ووهب بن منبه وغيرهم: هى مصر. وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ) .

стр. 345

وقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها) . يعنى مصر. وقوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) . يعنى قوم فرعون، وأن بنى إسرائيل ورثوا أرض مصر. وقوله : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) . وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى ﵇: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) . وقوله مخبرا عن فرعون: (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) . وقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) . وقوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون: (أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) . يعنى أرض مصر. وقوله مخبرا عن نبيه يوسف ﵇: (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) . وقوله تعالى: (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ) .

стр. 346

وقوله مخبرا عن بنى إسرائيل: (رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) . وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى ﵇: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) . وقوله تعالى: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ) . يعنى أرض مصر. وقوله تعالى: (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى) . وقوله : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً) . وقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) . يعنى أرض مصر. وقوله تعالى: (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ) . وذكر ابن عباس مصر، فقال: سميت مصر بالأرض كلها فى عشرة مواضع من القرآن. والله تعالى أعلم. وأما ما ورد فيها من الحديث النبوى صلوات الله وسلامه على قائله فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ستفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما» وعنه ﷺ أنه قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتّخذوا بها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال أبو بكر رضى الله عنه: ولم يا رسول الله؟ فقال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة» . وعنه ﷺ ، وذكر مصر: «ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤونته» . وتكررت الأحاديث فى فضلها.

стр. 347

وقال عبد الله بن عمرو: وأهل مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش خاصّة. وقال أيضا: لما خلق الله آدم، مثّل له الدنيا: شرقها، وغربها، وسهلها، وجبلها، وأنهارها، وبحارها، وبناءها، وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك. فلما رأى مصر، رآها أرضا سهلة ذات نهر جار، مادّته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا لا يخلو من نظر الربّ إليه بالرحمة. فى سفحه أشجار مثمرة، فروعها فى الجنة تسقى بماء الرحمة. فدعا آدم فى النيل بالبركة، ودعا فى أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات. وقال: «يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة، أرض حافظة مطبقة رحيمة. لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعزّ، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز، ولك البر والثّروة، سال نهرك عسلا. كثّر الله زرعك، ودرّ ضرعك، وزكا نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبّرى وتتكبّرى أو تخونى، فاذ فعلت ذلك، عراك شرّ، ثم تغوّر خيرك» . فكان آدم أوّل من دعا لها بالخصب والرحمة والرأفة والبركة. وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: دعا نوح ﵇ لابن ابنه بيصر ابن حام وهو أبو مصر، فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتى، فبارك فيه وفى ذرّيته وأسكنه الأرض الطيبة لمباركة التى هى أمّ البلاد. قال عبد الله بن عمرو: لما قّسم نوح ﵇ الأرض بين ولده، جعل لحام مصر وسواحلها والمغرب وشاطئ النيل. فلما دخل بيصر بن حام وبلغ العريش،

стр. 348

قال: «اللهم إن كانت هذه الارض التى وعدتنا على لسان نبيك نوح ﵇ وجعلتها لنا منزلا فاصرف عنا وباها، وطيّب لنا ثراها، واجمع ماها، وأنبت كلاها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك، إنك على كل شىء قدير، وإنك لا تخلف الميعاد» وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به. والقبط ولد مصر بن بيصر بن حام ابن نوح. وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبار مصر وبنيه عند ذكرنا لملوك مصر، وهو فى الفن الخامس فى التاريخ. وعن كعب الأحبار: لولا رغبتى فى بيت المقدس لما سكنت إلا مصر. فقيل له: ولم؟ فقال: لأنها معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء كبّه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه. وقال أبو بصرة الغفارى: سلطان مصر سلطان الأرض كلّها. قال: وفى التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلّها، فمن أرادها بسوء قصمه الله تعالى. وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة. وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قاضى العراق: سألت أحمد بن المدبّر عن مصر فقال: كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها. ولو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا.

стр. 349

ذكر من ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن كان بها منهم ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جماعة، منهم: موسى، وهرون، ويوشع بن نون، ودانيال، وأرميا، ولقمان، وعيسى بن مريم. ولدته أمّه بأهناس، وبها النخلة التى ذكرها الله تعالى لمريم على أحد الأقوال. ولما سار عيسى إلى الشأم أخذ على سفح المقطم ماشيا، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط، وأمّه تمشى خلفه، فالتفت إليها وقال: يا أمّاه، هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ . وأما من كان بها منهم، فكان: إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف ﵈، واثنا عشر سبطا. ذكر من كان بها من الصدّيقين والصدّيقات رضى الله عنهم كان بها من الصدّيقين مؤمن آل فرعون الذى ذكره الله فى القرآن. وقيل: إنه ابن لفرعون لصلبه. آمن بموسى ولحق به وجعله الله نبيا وآية. وكان بها وزراء فرعون الذين وصفهم الله تعالى وفضّلهم على قوم نمرود حين قالوا: «أرجئه وأخاه» وقال وزراء النمرود: «اقتلوه أو حرّقوه» . وأخرجت مصر السحرة الذين أحضرهم فرعون لموسى. وكانت عدّتهم مائتى ألف واثنين وثلاثين ألفا وقيل أكثر من ذلك، آمنوا كلّهم فى ساعة واحدة. ولم نعلم ممن آمن فى ساعة واحدة مثل هذا العدد.

стр. 350

ومن فضائل مصر ونبل أهلها أنهم لم يفتنوا بعبادة العجل. وكان بها من الصدّيقات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأم إسحاق، ومريم ابنة عمران، وماشطة بنت فرعون، التى مشطها فرعون بأمشاط الكتّان لما آمنت بموسى. وقال رسول الله ﷺ : «شممت ليلة أسرى بى فى الجنة رائحة ما شممت أطيب منها، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ فقال: هذا رائحة ماشطة بنت فرعون» . ذكر من صاهر أهل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منهم: إبراهيم الخليل ﵇، تزوّج بهاجر أمّ إسماعيل. ويوسف الصدّيق، تزوّج بنت صاحب عين شمس، وتزوّج زليخا بعد أن عجزت وعميت. دعا الله لها فردّها الله إلى حالتها الأولى، ورزق منها الولد. وتسرّى سيدنا رسول الله ﷺ بمارية القبطية التى أهداها له المقوقس، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى السيرة النبوية. ذكر من أظهرته مصر من الحكماء (الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وأظهروا ما خفى من العلوم [١] ) قال الحسن بن إبراهيم، صاحب تاريخ مصر:

стр. 351

منهم: ذو القرنين، وهو الإسكندر [١] من قرية يقال لها لوبية [٢] . وهو الذى قتل دارا بن دارا. وسيأتى خبره إن شاء الله تعالى فى التاريخ فى ذكر ملوك اليونان. ومنهم: هرمس، وهو المثلث بالنعمة: نبىّ، وحكيم، وملك: وهو الذى صير الرّصاص ذهبا، وبنى الهرمين الكبيرين على أحد الأقوال. وقيل: هو إدريس ﵇. ومنهم تلميذاه: أغاثاذيمون وفيثاغورس، ولهما من العلوم الموروثة صناعة الكيمياء، والنّجوم، والسّحر، وعلم النارنجيات، والطلسمات، والبرابى، وأسرار الطبيعة. ومنهم أوسلا وسيزوارس وبندقليس، أصحاب الكهانة والزّجر. ومنهم سقراط، صاحب الحكمة، والكلام على البارئ جل ذكره، وهو صاحب البلاغة. ومنهم أفلاطون، صاحب السّياسة، والنواميس، والكلام على المدن والملوك. ومنهم بطليموس، صاحب الرّصد، والمساحة، والحساب؛ وهو صاحب كتاب المجسطى من كتب الأفلاك، وحركة الشمس، والقمر، والكواكب المتحيرة والثابتة، وصورة فلك البروج. وله صفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة فى علم النجوم وتسطيح الكرة.

стр. 352

ومنهم أرسطاطاليس، صاحب المنطق، والآثار العلوية، والحس والمحسوس، والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسمع الطبيعى، ورسالة نبت الذهب، قالوا: وليعقوب بن إسحاق الكندىّ نحو ألف كتاب مستخرجة من كتب أرسطاطاليس. ومنهم أراطس، صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة فى تشكيل صورة الفلك، والألف كوكب، واثنان وعشرون كوكبا من الكواكب الثابتة، والزيج. ومنهم أنطوليوس [١] ، صاحب الفلاحة. ومنهم إبّرخس، صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق. ومنهم ثاون، صاحب الزيج المنسوب إليه. ومنهم أسطنس، ودروثيوس، ووالنس، أصحاب كتب أحكام النجوم، وعنهم انتشر ذلك. ومنهم إيرن، صاحب الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات. ومنهم فيلون البزنطى، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة. ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمى الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برّا وبحرا.

стр. 353

ومنهم ماريه وقلبطره، أصحاب الطّلّسمات، والخواص للطبائع. ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات وقطع الخطوط. ومنهم ثيودوسيس، وهو صاحب كتاب الأكر. ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيس، وله كتاب الكرة والأسطوانة. ومنهم المشاءون [١] ، أصحاب الرواق. وبمصر من العلوم التى عمرت بها الدنيا علم الطب اليونانى، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وغير ذلك وبها الطلسمات العشرة. وبادى [٢] الاسكندرانى صاحب الزيج. والذين نشروا الطب وشرحوه جالينوس، صاحب الطب، تعلمه بمصر، ومن كتبها أخذ. ومنهم ديسقريد: صاحب الحشائش، وديوچانس، واركاغانس، وارباسيوس، وفريقونوس، وروفس، هؤلاء أصحاب الطب اليونانى. فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة، من مصر خرجوا، وبها ولدوا؛ ومنها انتشرت علومهم فى الأرض. قال الحسن بن إبراهيم: وكانت مصر يسير إليها فى الزمن الأوّل طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوّة الذكاء ودقة الفطنة. والله تعالى أعلم.

стр. 354

ومن فضائل مصر أنها تمير الحرمين الشريفين، ولولا مصر لما أمكن أهل الحرمين وأعمالهما المقام بهما، ولما توصل إليهما من يرد من أقطار الأرض. ومنها أنها فرضة الدنيا، يحمل من خيرها إلى سواحلها، وذلك أن من ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين، وإلى جدّة، وإلى عمان، وإلى الهند، وإلى الصين، وصنعاء، وعدن، والشّحر، والسّند، وجزائر البحر. ومن جهة تنّيس، ودمياط، والفرما فرضة بلد الروم، وأقاصى الأفرنجه، وقبرس. وسائر سواحل الشام، والثغور إلى حدود العراق. ومن جهة الإسكندرية فرضة أقريطش، وصقلّيّة، وبلد الروم، والمغرب كلّه إلى طنجة، ومغرب الشمس. ومن جهة الصعيد فرضة بلد النّوبة، والبجة، والحبشة، والحجاز، واليمن. وفيها من ثغور الرّباط: البرلّس، ورشيد، والإسكندرية، ورباط ذات الحمام، ورباط البحيرة، ورباط إخنا، ورباط دمياط، وشطا، وتنّيس، والأشتوم، والفرما، والورّاده، والعريش، والشّجرتين، ورباط الحرس. وجهة الحبشة، والبجة. ورباط أسوان على النّوبة. ورباط الواحات على البربر والسّودان. ورباط قوص. وبها من المساجد والمشاهد والآثار الصالحة، ما لم يكن فى غيرها. ولو استقصينا ذلك، لطال به الشرح وانبسط القول. وقال سعيد بن عقبة: كنت بحضرة المأمون حتّى قال، وهو فى قبة الهواء: لعن الله فرعون حين يقول (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) فلو رأى العراق!. فقلت:

стр. 355

يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله قال (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) . فما ظنّك يا أمير المؤمنين بشىء دمره الله، هذا بقيّته؟. قال: ثم قلت: لقد بلغنى أن أرضا لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها. وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتّى إن الماء يجرى تحت منازلهم وأفنيتهم: يحبسونه متى شاءوا، ويرسلونه متى شاءوا. وكانت البساتين بحافتى النيل من أوّله إلى آخره، ما بين أسوان إلى رسيد إلى الشام متصلة لا تنقطع. ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر. وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر. ومن فضائلها النيل، وقد تقدّم ذكره فى باب الأنهار. ومن عجائبها الهرمان وسيأتى ذكرهما فى باب المبانى القديمة إن شاء الله تعالى. ومن عجائبها أن أهلها مستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور، استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا. وفيها ما ليس فى غيرها، وهو حيوان السّقنقور، والنّمس. ولو لاه لأكلت الثعابين أهلها؛ وهو لها كقنافدّ سجستان لأهلها. وفيها سمك يسمّى الرّعّاد. وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من خيط الصّنارة أو الشبكة التى يقع فيها، ارتعدت يده. والحطب السّنط الذى لو وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كفّ. وهو صلب العود، سريع الوقود، بطىء الخمود. ويقال: إنه الآبنوس، وإنما البقعة قصّرت عن الكيان فجاء أحمر شديد الحمرة.
следующие страницы →