Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ذكر ما قيل فى الثعلب
هو ذو مكر وخديعة وتحيّل فى طلب الرزق، فمن تحيّله أنّه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه، حتّى يظنّ به أنه قد مات، فاذا قرب منه حيوان وثب عليه فصاده؛ ومنه أنه إذا دخل برج الحمام وكان شبعان قتلها ورمى بها، فاذا جاع عاد «١» إليها فأكلها، وكذلك يفعل مع الدّجاج؛ وهو أيضا من الحيوان الذى سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى «٢» ، فاذا تعرّض للقنفذ لقيه القنفذ بشوكه واستدار كالكرة، فيسلح الثعلب عليه، فلا يتمالك القنفذ أن ينسدخ «٣» ، فيقبض الثعلب على مراقّ «٤» بطنه؛ ومن ظريف ما يحكى عنه أنّ البراغيث إذا كثرت فى فروته تناول صوفة بفمه، ثم يدخل النهر برفق وتدريج، والبراغيث تصعد إذا قاربها الماء حتّى تجتمع فى تلك الصوفة التى فى فيه، فعند ذلك يلقيها فى الماء ويخرج منه؛ والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد له وضع ورق العنصل «٥» على باب وجاره فلا يصل الذئب إليه، لأنّه متى وطئ العنصل «٦» مات لوقته؛ ويقال: إنّ قضيب الثعلب فى خلقة الأنبوب، وأحد شطريه عظم، والآخر عصب ولحم؛ وربّما
стр. 3152
يسفد الثعلب الكلبة فتأتى منه بولد فى خلقة السّلوقىّ الذى لا يقدر على مثله؛ وفرو الثعلب من أجود الأوبار وأفضلها، ومنه الأسود والأبيض والخلنجىّ «١» ، وأدونه الأعرابىّ لقلّة وبره، وما كان منه ببلاد الترك يسمّى البرطاسىّ «٢» لكثافة وبره وحسن لونه، ووبره أنواع، منها السار سينا «٣» [والبرطاسىّ «٤» والغبب «٥» والنيفق «٦» ؛ قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا «٧» ] : والثعلب فيه تحليل، وفراؤه أسخن الفراء، تنفع المرطوبين لتحليلها [آلات المفاصل «٨» ] ؛ قال: واذا طبخ الثعلب فى الماء وطليت به المفاصل الوجعة نفع نفعا جيّدا، وكذلك الزيت الذى يطبخ فيه حيّا أو مذبوحا فإنّه يحلّل ما فى المفاصل، وشحمه يسكّن وجع الأذن إذا قطر فيها؛ ورئته المجفّفة نافعة لصاحب الرّبو جدّا، والشّربة منها وزن درهمين «٩» [والله أعلم بالصواب «١٠» ، وإليه المرجع] [والمآب] .
стр. 3153
قال أبو الفرج الببغاء يصفه:
وأعفر المسك تلقاه فتحسبه ... من أدكن «١» الخزّ مخبوء بخيفان «٢»
كأنّ أذنيه فى حسن انتصابهما ... إذا هما انتصبا للحسّ «٣» زجّان «٤»
يسرى ويتبعه من خلفه ذنب ... كأنّه حين يبدو ثعلب ثانى
فلا يشكّ الذى بالبعد يبصره ... فردا بأنّهما فى الخلقة اثنان
وقال آخر:
جاؤا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوّال «٥» الذنب
تبرق عيناه إلى ضوء الشّهب
стр. 3154
ذكر ما قيل فى الدّبّ
والدّبّ مختلف الطبائع، يأكل ما تأكله السّباع، ويرعى ما ترعاه الدوابّ، ويتناول ما يأكله الناس؛ وفى طبعه أنّه إذا كان أوان السّفاد خلا كلّ ذكر بأنثاه، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض، وهى تضع جروها فدرة لحم غير مميّز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى آخر خوفا عليه من النّمل، وهى مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفّس، وفى ولادتها صعوبة، فيزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أنّ الدّبّة تلد من فيها، وأنّها إنّما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذّكر وحرصا على السّفاد، وهى لشدّة شهوتها تدعو الآدمىّ الى وطئها؛ وفيما حكى لى أنّ إنسانا كان سائرا فى بعض الغياض لمقصده، فصادف دبّة، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها، ففهم عنها وفعل، فلمّا فرغ عمدت الى أقدامه فلحست مواطئها حتّى نعمت «١» ، ولم تزل تكرّر لحسها وتمرّ بلسانها عليها حتّى بقى الرجل يعجز عن الوطء بها على الأرض، فعند ذلك أمنت هربه وتركته، فكانت تغدو وتتكسّب وترجع إليه بما يأكله وهو يواقعها، وهى تتعاهد «٢» لحس رجليه، فلم يزل كذلك حتّى مرّ عليه جماعة من السّفر، فناداهم، فأتوه وحملوه على دوابّهم وساروا به. قالوا:
والأنثى اذا هربت من الصيّادين جعلت جراءها بين يديها، فإذا اشتدّ خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار؛ وفى الدّبّ من القوّة والشدّة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العاديّة «٣» التى لا تقطعها الفأس إلّا بعد تعب،
стр. 3155
ثم يأخذه بيديه، ويقف على قدميه كالإنسان، ويشدّ به على الفارس، فلا يصيب شيئا إلا أهلكه «١» ؛ وفى طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، هذا مع عظم جثّته، وثقل جسمه، لكن لا يطيع معلّمه إلّا بعنف وضرب شديد وتعمية لذكوره؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ دم الدّبّ ينضج الأورام الحارّة سريعا؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى الهرّ
والهرّ ضربان: وحشىّ وأهلىّ، وهو يشبه الأسد فى الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو، إلّا أنّه أقلّ جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان؛ وهو يناسب الانسان فى أحوال، منها: أنّه يعطس ويتثاءب ويتمطّى، ويتناول الشىء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه؛ وفيه «٢» أنّ الأنثى تحدث لها قوّة وشجاعة عند السّفاد، ولهذا فإنّ الذكر يهرب منها عند فراغه، وتكون هذه الشجاعة فى الذّكر قبل السّفاد، فاذا سفد انتقلت إلى الأنثى، والذّكر إذا هاج صرخ صراخا منكرا يؤذى به من يسمعه لبشاعته؛ والأنثى تحمل فى السنة مرتين، ومدّة حملها خمسون يوما، وفى أخلاق بعضها أنّها اذا ولدت تأكل أولادها، ويقال: إنّها إنّما تأكلهم لفرط حبّها لهم؛ وقيل: بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع؛ والله أعلم؛ وفى هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنّه يرعى حقّ
стр. 3156
التربية والإحسان إليه، ويقبل التأديب، وربّما ربّى فى حانوت السّمّان «١» والجزّار وفى الدّور بين الدّجاج والحمام وغير ذلك من المطاعم التى يحبّها الهرّ ويأكلها فلا يتعرّض لها بفساد، ولا يأكل منها ما لم يطعمه، وربّما حفظها من غيره، وقاتل دونها، مع ما فيه من الافتراس والاختلاس؛ وفى طبع الهرّ وعادته أنّه إذا أطعم شيئا أكله فى موضعه ولم يهرب، واذا خطفه أو سرقه هرب به، ولا يقف إلّا أن يأمن على نفسه؛ وفى بعضها من الجراءة ما يقتل الثعبان والعقرب؛ وإذا أرادت الهرّة ما يريد صاحب الغائط أتت موضع تراب فى زاوية من زوايا الدّار، فتبحث حتّى تجعل لها حفرة، ثم تدفن فيها ما تلقيه، وتغطّيه من ذلك التراب، ثم تشمّ أعلى التراب، فإن وجدت رائحة زادت عليه ترابا حتى تعلم أنّها أخفت المرئىّ والمشموم، فإذا لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، وزعم بعض الأطبّاء أنّ ستر الهرّة لذلك لحدّة رائحته، فإنّ الفأرة إذا شمّته نفرت منه الى منقطع تلك الرائحة؛ وهو يقبل التعليم ويؤدّب حتى يألف الفأر مع ما بينهما من شدّة العداوة، فيحصل بينهما من المؤالفة الظاهرة والملاءمة ما إنّ الفأر يصعد على ظهر الهرّ، وربّما عضّ أذنه، فيصرخ الهرّ ولا يأكله، ولا يخدشه لخوفه من مؤدّبه، فإذا أشار إليه مؤدّبه بأكله وثب عليه على عادته وأكله، وهذا أمر مشاهد غير منكور يفعله الطّرقيّة «٢» ويفرّجون «٣» الناس عليه «٤» ؛
стр. 3157
وفى طبع الهرّ أنّه لا يأكل السّخن ولا الحامض، ومتى دهن أنفه بدهن الورد مات سريعا؛ وهو إذا قاتل الثعبان يضع يده على أنفه، ويقاتل بيده الأخرى، وإنّما يفعل ذلك حذرا على نفسه، فإنّ الثعبان متى ضربه فى أنفه مات، ويضربه فى سائر جسده فلا يضرّه ذلك، بل يلحس مكان نهش الثّعبان بلسانه وهو يقاتله.
وقد وصفه الشعراء والأدباء برسائل وأبيات.
فمن ذلك رسالة أنشأها أبو [جعفر»
] عمر الأوسىّ الأندلسىّ المعروف بابن صاحب الصّلاة «٢» - ونسبت هذه الرسالة لأبى [نصر «٣» ] الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان- يخاطب بها بعض اخوانه ويوصيه على «٤» كتبه، وهى: وفى علمك- أعزّك الله- ما استودعته ديانتك، واستحفظته أمانتك؛ من كتبى التى هى أنفس ذخائرى وأسراها «٥» ، وأحقّها بالصيانة وأحراها؛ وما كنت أرتضى فيها بالتّغريب،
стр. 3158
لولا التّرجّى لمعاودة الطلب عن قريب؛ ولا شكّ أنّها منك ببال، وبمكان تهمّم «١» واهتبال؛ لكن ربّما طرقها من مردة الفئرة طارق، وعاث فيها كما يعيث الفاسق المارق؛ فينزل «٢» فيها قرضا، ويفسدها طولا وعرضا؛ إلّا أن يطوف عليها هرّ نبيل، ينتمى من القطاط إلى أنجب قبيل؛ له رأس كجمع «٣» الكفّ، وأذنان قد قامتا «٤» على صفّ؛ ذواتا لطافة ودقّه، وسباطة ورقّه؛ يقيمهما عند التشوّف، ويضجعهما عند التخوّف؛ ومقلة مقتطعة من الزجاج المجزّع «٥» ، وكأنّ ناظرها من العيون البابليّة منتزع؛ قد استطال الشعر حول أشداقه، وفوق آماقه؛ كإبر مغروزة على العيون، كما أحكمت «٦» برد أطرافها القيون «٧» ؛ له ناب كحدّ المطرد «٨» ، ولسان كظهر المبرد؛ وأنف أخنس «٩» وعنق أوقص «١٠» ، وخلق سوىّ غير منتقص، أهرت «١١» الشّدقين، موشّى
стр. 3159
الساعدين والساقين [ململم «١» اليدين] والرجلين؛ يرجّل بها «٢» وبره «٣» ترجيل ذوى الهمم، لما شعث «٤» من اللّمم؛ فينفض ما لصق به من الغبار، وعلق من الأوبار، ثم يجلوه بلسانه جلاء الصّيقل للحسام، والحمّام للأجسام؛ فينفى قذاه، ويوارى أذاه؛ ويقعى إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النّمر «٥» إذا اختلس؛ له ظهر شديد، وذنب مديد؛ يهزّه هزّ السّمهرىّ المثقّف، وتارة يلويه لىّ الصّولج المعقّف؛ تجول يداه فى الخشب والأرائك، كما تجول فى الكسايد حائك «٦» ؛ يكبّ على الماء حين يلغه «٧» ، ويدنى منه فاه ولا يبلغه؛ ويتّخذ من لسانه رشاء ودلوا، ويعلم به إن كان الماء ملحا أو حلوا؛ فتسمع للماء خضخضة من قرعه، وترى للّسان نضنضة «٨» من جرعه؛ يحمى داره حماية النّقيب، ويحرسها حراسة الرقيب؛ فإن رأى فيها كلبا، صار عليه إلبا «٩» ؛ وصعّر خدّه
стр. 3160
وعظّم قدّه، حتّى يصير ندّه «١» ؛ أنفة من جنابه «٢» أن يطرق، وغيرة على حجابه أن يخرق؛ وإن رأى فيها هرّا، وجف «٣» اليه مكفهرّا؛ فدافعه بالساعد الأشدّ، ونازعه منازعة الخصم الألدّ؛ فإذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته؛ أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه «٤» لمصادرته؛ ثمّ تسلّل إليه لواذا، واستحوذ عليه استحواذا؛ وشدّ عليه شدّه، وضمّه من غير مودّه؛ فأنسل وبره إنسالا «٥» ، وأرسل دمه إرسالا؛ بأنياب عصل «٦» ، أمضى من نصل؛ ومخلب كمنقار «٧» الصّخر، درب بالاقتناص والعقر؛ فيصيّر «٨» قرنه ممزّق الإهاب، مستبصرا «٩» فى الذّهاب، قد أفلت من بين أظفار وأنياب، ورضى من الغنيمة بالإياب؛ هذا وهو يخاتله دون جنّه، ويقاتله بلا سيوف ولا أسنّه؛ وإنّما جنّته، منّته «١٠» ؛ وشفاره،
стр. 3161
أظفاره؛ وسنانه، أسنانه؛ إذا سمعت الفئرة منه مغاء «١» ، لم تستطع له إصغاء؛ وتصدّعت «٢» قلوبها من الحدر، وتفرّقت جموعها شذر مذر؛ تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر الشخوص وهو ظاهر؛ يسرى من عينيه بنيّرين وضّاحين، تخالهما فى الظلام مصباحين؛ يسوف «٣» الأركان، ويطوف بكلّ مكان؛ ويحكى فى ضجعته السوار تحنّيا، وقضيب الخيزران تثنّيا؛ ثم يغطّ إذا نام، ويتمطّى إذا قام؛ ولا يكون بالنار مستدفئا، ولا للقدر مكفئا؛ ولا فى الرّماد مضطجعا، ولا للجار منتجعا؛ بل يدبّر بكيده، وينتصر على صيده؛ قد تمرّن «٤» على قتل الخشاش «٥» ، وافترس الطير فى المسارح والأعشاش؛ يستقبل الرياح بشمّه، ويجعل الاستدلال أكبر همّه؛ ثم يكمن للفأر حيث «٦» يسمع لها خبيبا «٧» ، أو يلمح من شيطانها «٨» دبيبا؛ فيلصق بالأرض، وينطوى بعضه فى بعض، حتى يستوى «٩» منه الطّول والعرض؛ فاذا تشوّفت الفأرة من حجرها، وأشرفت بصدرها ونحرها؛ دبّ اليها دبيب الصّلّ
стр. 3162
وامتدّ إليها امتداد الظّلّ؛ ثم وثب فى الحين عليها [وجلب «١» الحين اليها] ؛ فأثخنها جراحا، ولم يعطها براحا؛ فصاحت من شدّة أسره، وقوّة كسره؛ وكلّما كانت صيحتها أمدّ، كانت قبضته عليها أشدّ، حتّى يستأصل أوداجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها مخرجة الذّماء «٢» ، مضرّجة بالدّماء؛ وان كان جرذا مسنّا، لم يضع عليه سنّا؛ وإن كان درصا «٣» صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفّقا على قفاه؛ ليزداد منه تشهّيا وبه تلهّيا؛ ثم تلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنّه، والأبطال بالأسنّه؛ فإذا أوجعه عضّا، وأوعبه «٤» رضّا؛ أجهز فى الفور عليه، وعمد بالأكل اليه؛ فازدرد منه أطيب طعمه، واعتدّه أهنأ نعمه؛ ثم أظهر بالالتعاق «٥» شكره، وأعمل فى غيره فكره؛ فرجع إلى حيث أثاره، ويتبع «٦» فيه آثاره؛ راجيا أن يجد فى رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه فى الردى، حتّى يفنى جميع العدى؛ وربّما انحرف عن هذه العوائد «٧» ، والتقط فتات الموائد «٨» ، بلاغا «٩» فى الاحتماء، وبرّا بالنّعماء، فماله على خصاله ثمن «١٠» ، ولا جاء
стр. 3163
بمثاله زمن؛ وقد أوردت- أعزّك الله- من وصفه فصلا مغربا، وهزلا مطربا؛ إخلاصا من الطويّة واسترسالا، وتسريحا للسجيّة وإرسالا، على أنّى لو استعرت فى وصفه لسان أبى «١» عبيد، وأظهرت فى نعته بيان أبى زبيد «٢» ؛ ما انتهيت فى النطق إلى خطابك، ولا احتويت فى السّبق على أقصابك؛ والله يبقيك لثمر النّبل جانيا، ولدرج الفضل بانيا.
وقال ابن طباطبا يصف هرّة بلقاء:
فتنتنى بظلمة وضياء ... إذ تبدّت بالعاج والآبنوس
تتلقّى الظلام من مقلتيها ... بشعاع يحكى شعاع الشّموس
ذات دلّ قصيرة كلّما قا ... مت تهادت، طويلة فى الجلوس
لم تزل تسبغ الوضوء وتنقى ... كلّ عضو لها من التنجيس
دأبها ساعة الطهارة دفن ال ... عنبر الرّطب فى الحنوط اليبيس «٣»
стр. 3164
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ من أبيات- وذكر الجرذان «١» -:
ذاد همّى بهنّ «٢» أورق «٣» تركىّ «٤» ... السّبالين أنمر «٥» الجلباب
ليث غاب خلقا وخلقا فمن عا ... ينه قال: إنّه ليث غاب
قنفذ فى ازبراره «٦» وهو ذئب ... فى اغترار «٧» وحيّة فى انسياب
ناصب طرفه إزاء الزّوايا ... وإزاء السّقوف والأبواب
ينتضى الظّفر حين يظفر فى الحر ... ب وإلا فظفره فى قراب
يسحب الصّيد فى أقلّ من اللّم ... ح ولو كان صيده فى السحاب
ومنها «٨» :
قرّطوه «٩» وقلّدوه وعالو «١٠» ... هـ أخيرا وأوّلا بالخضاب
стр. 3165
فهو طورا يبدو بنحر عروس ... وهو طورا يمشى على عنّاب
حبّذا ذاك صاحبا فهو فى الصحة ... أو فى من سائر الأحباب
وقال أبو بكر بن العلّاف يرثى هرّا-، وقد قيل: إنما رثى بها ابنه، لأنّه تعرّض إلى حريم بعض الأكابر فاغتالوه وقتلوه؛ وقيل: بل رثى بها عبد الله بن المعتزّ، وورّى بهرّ خوفا من المقتدر «١» بالله، فقال:
يا هرّ فارقتنا ولم تعد ... وكنت منّا بمنزل الولد
وكيف ننفكّ عن هواك وقد ... كنت لنا عدّة من العدد
تمنع عنّا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من خنفس «٢» ومن جرد «٣»
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السّدد «٤»
يلقاك فى البيت منهم عدد «٥» ... وأنت تلقاهم بلا عدد «٦»
وكان يجرى- ولا سداد لهم- ... أمرك فى بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الرّدى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبى عليك مرتعدا ... وأنت تنساب غير مرتعد
стр. 3166
تدخل برج الحمام متّئدا ... وتخرج الفرخ غير متّئمد
وتطرح الرّيش فى الطريق لهم ... وتبلع اللّحم بلع مزدرد
أطعمك الغىّ لحمها فرأى ... قتلك أربابها من الرّشد
كادوك دهرا فما وقعت وكم ... أفلتّ من كيدهم ولم تكد «١»
حتّى إذا خاتلوك واجتهدوا ... وساعد النفس «٢» كيد مجتهد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ثمّ شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يربعوا «٣» على أحد
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
فحين كاشفت «٤» وانتهكت وجا ... هرت وأسرفت غير مقتصد
أذاقك الموت من أذاق «٥» كما ... أذقت أطياره يدا بيد
كأنّهم يقتلون طاغية ... كان لطاغوته «٦» من العبد «٧»
стр. 3167
فلو أكبّوا على القرامط «١» أو ... مالوا على زكرويه «٢» لم يزد
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلّا قنعت بالقدد «٣»
ما كان أغناك عن تسوّرك ال ... برج ولو كان جنّة الخلد
لا بارك الله فى الطعام إذا ... كان هلاك النّفوس فى المعد
كم أكلة داخلت حشاشره ... فأخرجت روحه من الجسد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزّه «٤» فى الدّنوّ والبعد
стр. 3168
ولم تكن لى بمن دهاك يد ... تقوى على دفعه يد الأبد «١»
ولا تبيّن حشو جلدك عن «٢» ... د الذّبح من طاقة ومن جلد
كأنّ حبلا حوى- بحوزته «٣» - ... جيدك للذّبح «٤» كان من مسد
كأنّ عينى تراك مضطربا ... فيه وفى فيك رغوة الزّبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... كنت ومن لم يجد بها يجد «٥»
عشت حريصا يقوده طمع ... ومتّ ذا قاتل بلا قود
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... متّ ولا مثل عيشك النّكد
عشنا بخير وكنت تكلؤنا ... ومات جيراننا من الحسد
ثمّ تقلّبت فى فراخهم ... وانقلب «٦» الحاسدون بالكمد
قد انفردنا بمأتم ولهم ... بعدك بالعرس أىّ منفرد
قد كنت فى نعمة وفى سعة ... من المليك المهيمن الصّمد
стр. 3169
تأكل من فأر بيتنا رغدا ... وأين بالشاكرين «١» للرغد
قد كنت بدّدت شملهم زمنا ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد
وفتّنوا الخبز فى السّلال «٢» فكم ... تفتّتت للعيال من كبد
فلم يبقّوا لنا على سبد ... فى جوف أبياتنا «٣» ولا لبد
وفرّغوا قعرها وما تركوا ... ما علّقته يد على وتد
ومزّقوا من ثيابنا جددا ... فكلّنا فى مصائب جدد
فاذهب من البيت خير مفتقد ... واذهب من البرج شرّ مفتقد
ألم تخف وثبة الزمان وقد ... وثبت فى البرج وثبة الأسد؟
أخنى على الدار فيه بالأمس «٤» ... ومن قبلها على لبد «٥»
стр. 3170
ولم يدع فى عراصها أحدا ... ما بين عليائها إلى السّند «١»
عاقبة البغى لا تنام وإن ... تأخّرت مدّة من المدد
من لم يمت يومه يمت غده ... أو لا يمت فى غد فبعد غد
والحمد لله لا شريك له ... فكلّ شىء يرى إلى أمد
وفيه «٢» أيضا:
يا هرّ بعت الحقّ بالباطل ... وصرت لا تصغى إلى عاذل
إذا أتيت البرج من خارج ... طارت قلوب الطّير من داخل
علما بما تصنع فى برجها ... فهى على خوف من الفاعل
قد كنت لا تغفل عن أكلها ... ولم يكن ربّك بالغافل
فانظر إلى ما صنعت بعد ذا ... عقوبة المأكول بالآكل
ما زلت يا مسكين مستقتلا ... حتّى لقد منّيت «٣» للقاتل
قد كنت للرحمة مستأهلا ... إذ لم أكن منك بمستاهل
وقال أيضا:
يا ربّ بيت ربّه ... فيه تضايق مستقرّه
لمّا تكاثر فأره ... وجفاه بعد الوصل هرّه
стр. 3171
وسعى إلى برج امرئ ... فيه الفراخ كما يسرّه
ظنّ المنافع أكلها ... فإذا منافعها تضرّه
ذكر ما قيل فى الخنزير
والخنزير مشترك بين السبعيّة والبهيميّة، فالذى فيه من السبعيّة الناب، وأكل الجيف؛ والذى فيه من البهيميّة الظّلف، وأكله العشب والعلف؛ والخنزير موصوف بالشّبق وكثرة السّفاد، حتى إنّ الأنثى يركبها الذّكر وهى ترجع «١» ، فربّما قطعت أميالا وهو على ظهرها، ويرى الرائى أثر ستّة أرجل ممّن لا يعرف ذلك، فيظنّ أنّ فى الدّوابّ ماله ستّة أرجل؛ والخنزيرة تضع عشرين خنّوصا «٢» ، وتحمل من ماء «٣» واحد، وتضع لمضىّ ستّة [أشهر «٤» ] من حملها؛ وقال الجاحظ: إنّها تضع فى أربعة أشهر؛ والخنزير ينز وإذا تمّت له ثمانية أشهر، والخنزيرة إذا تمّت لها ستّة أشهر اشتهت السّفاد، ولكن لا تجىء أولادها كما يريدون «٥» ؛ وأجود النزو أن يكون ذلك منه وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين؛ وإذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا «٦»
стр. 3172
وكذلك البكر من كلّ شىء، وإذا بلغت الخنزيرة خمسة عشر سنة لا تلد بعدها، وهى أنسل الحيوان، والذّكر أقوى الفحول على السّفاد، وأطولها مكثا فيه؛ ويقال:
إنه ليس شىء من ذوات الأنياب ما للخنزير من القوّة فى نابه، وربّما طال ناباه «١» حتّى يلتقيا، فيموت عند ذلك جوعا، لأنّهما يمنعانه من الأكل، وهو متى عضّ كلبا سقط شعر الكلب، وإذا أراد محاربة الأسد جرّب نفسه قبل الإقدام عليه بأن يضرب شجرة بنابه، فإن قطعها حارب الأسد، وإلا هرب منه ولم يقاتله؛ وأخبرنى من رآه وقد جرّب نفسه فى شجرة وضربها بأنيابه، فتمكّنت أنيابه منها وثبتت فيها، فأراد الخلاص فعجز، فجاء الأسد إليه وهو على تلك الحالة فافترسه؛ قالوا: ويعترى ذكوره داء الحلاق «٢» واللّواط، فربّما يرى الخنزير وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، ثم ينزو عليه الأمثل فالأمثل، إلى أن يبلغ آخرهم؛ والخنزير إذا قلعت إحدى عينيه هلك عاجلا؛ ويقول الأطبّاء: إنه متى فسد من عظام الإنسان عظم ووضع فى مكانه عظم من عظام الخنزير قبلته الطبيعة ونبت عليه اللّحم؛ وحكى أرسطو أنّ عمر الخنزير من خمسة عشر سنة إلى عشرين سنة؛ وقلّما ذكر الفضلاء والشعراء الخنزير فى رسائلهم وأشعارهم، وسأثبت فى هذا الموضع ما وقفت عليه فى هذا المعنى.
стр. 3173
فمن ذلك ما كتب به عطاء بن يعقوب الغزنوىّ يعرّض فيها بقاض، قال منها:
وما مثل فلان فى استنابته «١» إلا كمثل رجل رأى فى المنام أنّه يضاجع خنزيرا، فبكر إلى المعبّر ليعبّر منامه تعبيرا؛ فقال المعبّر: يا برذعة الحمير، ما غرّك بالخنزير؟ ألين ملمسه، أم «٢» حسن معطسه؛ أم شكاه الرّشيق، أم طرفه العشيق «٣» ؛ أم لقاؤه البهج، أم قباعه «٤» الغنج؛ أم شعره الرّجل، أم ثغره الرّتل «٥» ؟.
وقال القاضى [محيى الدّين بن] عبد الظاهر فى الخنزير:
وخنزير له ناب تراه ... اذا عنّ افتراس غير نابى
كمثل الكلب لا بل منه أجرا «٦» ... ويحقر أن يشبّه بالكلاب
فذاك لنخوة يعزى وهذا ... يقلّل نخوة الرجل المهاب
بنصّ للكتاب غدا حراما ... وحلّل أكله أهل الكتاب
стр. 3174
القسم الثانى من الفنّ الثالث فى الوحوش والظّباء وما يتّصل بها من جنسها
، وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فيما قيل فى الفيل والكركدّن والزّرافة والمها والأيّل
ذكر ما قيل فى الفيل
يقال: إنّ الفيل مولّد بين الجاموس والخنزير، ولذلك يزعم بعض من بحث عن طبائع الحيوان أنّ الفيلة مائيّة الطباع بالجاموسيّة والخنزيريّة اللّتين فيها، وبعضها يسكن الماء، وبعضها لا يسكنه؛ ويقال: إنّ الفيلة صنفان: فيل، وزندبيل «١» ، وهما كالبخت والعراب، والبقر والجاموس، والخيل والبراذين، والفأر والجرذان، والنمل والذّرّ؛ وبعضهم يقول: إنّ الفيل الذّكر، والزّندبيل «٢» الأنثى؛ وقال بعضهم:
إنّ الزّندبيل «٣» هو عظيم الفيلة والمقدّم عليها فى الحرب، وفيه يقول بعض الشعراء:
ذاك الذى مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل «٤»
وقال آخر:
وفيله كالطّود زندبيل «٥»
وقال آخر:
من بين أفيال وزندبيل «٦»
стр. 3175
وخرطوم الفيل أنفه، وبه يوصل الطعام والشراب إلى فيه، وبه يقاتل وبه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار جثّته؛ ولسانه مقلوب، طرفه إلى داخل فيه، وأصله خارج، وهو على العكس من سائر الحيوانات؛ والهند تزعم أنّه لولا ذلك لتكلّم، وهم يعظّمون الفيلة ويشرّفونها على سائر الحيوانات؛ والفيل يتولّد فى أرض الهند والسّند والزّنج، وبجزيرة سرنديب «١» ؛ وهو أعظمها خلقا، وينتهى فى عظم الخلق الى أن يبلغ فى الارتفاع عشرة «٢» أذرع؛ وفى ألوانها الأسود والأبيض والأبلق والأزرق؛ وهو اذا اغتلم أشبه الجمل «٣» فى ترك الماء والعلف حتى ينضمّ «٤» إبطاه، ويتورّم رأسه، وربّما استوحش لذلك بعد استئناسه، والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، والأنثى تحمل سنتين، وإذا حملت لا يقربها الذّكر، ولا ينزو عليها إذا وضعت إلّا بعد ثلاث سنين، ولا ينزو إلّا على فيلة واحدة، وله عليها غيرة شديدة؛ وإذا أرادت الفيلة أن تضع دخلت النهر فتضع ولدها فى الماء، لأنّها تلد قائمة؛ والذكر يحرسها ويحرس ولدها من الحيّات، وذلك لعداوة بينهما؛ قالوا: وأنثيا الفيل داخل بدنه قريبا من كليتيه، ولذلك هو يسفد سريعا كالطير، لأنهما قريبتان من القلب فتنضحان المنىّ بسرعة؛ ويقال: إنّ الفيل يحقد كالجمل؛ والهند يجعلون نابى الفيل قرنيه، وفيها الأعقف والمستقيم؛ قال المسعودىّ فى مروج الذهب: وربّما بلغ
стр. 3176
الناب الواحد منها خمسين ومائة منّ «١» ؛ ورأيت أنا من أنياب الفيلة ما طوله يزيد على أربعة «٢» أذرع ونصف، وهو معقّف، شاهدت ذلك بمدينة قوص فى سنة سبع وتسعين وستّمائة، ورأيت فيها نابين أظنّهما أخوين بهذه الصفة، وهما معقّفان، وغلظهما مناسب لطولهما؛ والفيل يحمل بنابيه على الجدار الوثيق فيهدمه؛ ولم تزل ملوك غزنة «٣» إلى سبكتكين ومن بعدهم من الملوك الغزنويّة تفتتح بالفيلة المدن، وتهدم بصدماتها الحصون، وأشهرهم بذلك يمين الدّولة محمود بن سبكتكين، على ما ستقف- إن شاء الله تعالى- عليه فى تاريخ الدّولة الغزنويّة؛ والفيل سريع الاستئناس بالناس؛ وفى طبعه أنّه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع؛ وقال المسعودىّ: إنّه لا يثبت للهرّ، وإذا رآه فرّ منه؛ وقال: إنّ رجلا كان بالمولتان «٤» من أرض الهند «٥» يدعى هارون بن موسى مولى الأزد «٦» ، وكان شاعرا شجاعا ذا رياسة فى قومه ومتعة بأرض السّند مما يلى بلاد المولتان «٧» [وكان «٨» ] فى حصن له هناك، فالتقى مع بعض ملوك الهند، وقد قدّمت الهند أمامها الفيلة، فبرز هارون أمام الصفّ
стр. 3177
وقصد عظيم الفيلة، وقد خبأ سنّورا تحت ثيابه؛ فلمّا دنا فى حملته من الفيل أبرز الهرّ له، فانهزم الفيل وولّى عند مشاهدته للهرّ، فانهزم الجيش وقتل الملك الهندىّ، ولهارون بن موسى قصيدة فى ذلك نذكرها- إن شاء الله تعالى- عند ذكر وصف الفيل؛ والفيل إذا ورد الماء الصافى كدّره قبل أن يشربه كعادة الخيل، وهو قليل الاحتمال للبرد، واذا عام فى الماء استتر كلّه إلّا خرطومه؛ ويقال: إنّه يصاد باللهو والطرب والزّينة وروائح الطّيب؛ والزّنوج تصيده بحيلة غير ذلك، وهى أنّهم يعمدون إلى نوع من الأشجار، فيأخذون ورقه ولحاءه ويجعلونه فى الماء الذى تشربه الفيلة، فاذا وردته وشربت منه سكرت، فتسقط إلى الأرض، ولا تستطيع القيام، فتقتلها الزّنوج بالحراب، ويأخذون أنيابها ويحملونها إلى بلاد عمان، وتنقل منها إلى البلاد؛ وأمّا أهل النّوبة فإنّهم اذا أرادوا صيدها للبقاء عمدوا إلى طرقها التى ترد الماء منها، فيحفرون هناك أخاديد ويسقّفونها بالخشب الضعيف، ويسترونها بالنبات والتراب، فاذا مرّ الفيل عليها انكسرت به تلك الأخشاب الضعيفة، فيسقط فى الأخدود، فعند ذلك يتبادر اليه جماعة من الرجال بأيديهم العصىّ الرّقاق، فيضربونه الضرب الوجيع، فاذا بلغ به الألم خرج اليهم رجل منهم مغاير للباسهم، فيضربهم، ويصرفهم عنه، فينصرفون، ويقف هو بالقرب من الفيل ساعة، ثمّ ينصرف، فإذا أبعد وغاب عن الفيل رجع أولئك القوم وعاودوا ضربه حتى يؤلموه، فيعود ذلك الرجل فيريه أنّه ضربهم، فيتفرّقوا عنه، يفعلون ذلك به أياما والرجل يؤانس الفيل، ويأتيه بالمأكل والماء حتّى يألفه ويقرب منه، فيقال: إنّه ينام بالقرب منه، ويخرج أولئك، فإذا رآهم الفيل قد أقبلوا أيقظه بخرطومه برفق، وأشار اليه أن يردّهم عنه، فيفعل على عادته، فاذا علم أنّ الفيل
стр. 3178
استأنس وزال استيحاشه وألف ذلك الرجل، حفروا أمامه بتدريج وتوطئة، فيطلع وقد سلس قياده، وزال عناده، ثمّ يحملونه فى المركب إلى الديار المصريّة فى جملة التّقادم «١» الموظّفة عليهم؛ وبأرض الهند فيلة غير وحشيّة تستأنس إلى الناس، وتتناتج بينهم، ويقاتلون عليها فى حروبهم، فيجتمع للملك الواحد من ملوك الهند منها عدّة كثيرة، وأكثرها يأوى المروج والغياض كالبقر والجاموس فى بلادنا؛ قال المسعودىّ: وهى تهرب من المكان الذى فيه الكركدّن، فلا ترعى فى موضع تشمّ فيه رائحته؛ وللفيلة بأرض الهند آفة عظيمة من الحيوان، وهو الذى يعرف بالزبرق «٢» أصغر من الفهد، أحمر اللّون برّاق العينين، سريع الوثبة، يبلغ فى وثبته الى خمسين ذراعا وأكثر، فإذا أشرف على الفيلة رشّ عليها ببوله، فيحرقها، وربّما لحق الإنسان فمات؛ وهذا الوحش إذا أشرف على أحد من أهل الهند التجأ إلى أكبر شجر السّاج، وارتقى الى أعلاها، فيأتى هذا الوحش اليها ويثب، فإن أدركه رشّ عليه ببوله، فأحرقه وإن عجز عنه وضع رأسه بالأرض وصاح صياحا عجيبا، فتخرج من فمه قطع من الدّم، ويموت من ساعته، ويحترق من الشجرة ما يقع بوله عليه؛ قالوا: وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورءوسها، فإنّها إذا اغتلمت عرفت «٣» هذه الأماكن
стр. 3179
منها عرفا كالمسك، فهم يستعملونه لظهور الشّبق فى الرجال والنساء، وهو يقوّى النّفس، ويشجّع القلب؛ قالوا: والفيل يشبّ إلى تمام ستّين سنة، ويعمّر مائتى سنة؛ [وأكثر «١» ؛ وحكى أرسطو أنّ فيلا ظهر عمره أربعمائة سنة؛ وحكى بعض المؤرّخين أنّ فيلا سجد لأبرويز، ثمّ سجد للمعتضد، وبينهما الزمان الذى ذكره أرسطو] واعتبر ذلك بالوسم؛ ووقفت على حكاية تناسب ما نحن فيه، أحببت أن أثبتها فى هذا الباب، وهى: حكى الامام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانىّ فى كتابه الموسوم (بحلية الأولياء) ، قال: حدّثنا محمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الوارث ابن بكير: أنّ أبا عبد الله القلانسىّ ركب البحر، فعصفت عليهم الرّيح فى مركبهم، فدعا أهل المركب وتضرّعوا، ونذروا النّذور، فقالوا: أى عبد الله؛ كلّنا قد عاهد الله ونذر نذرا إن أنجانا الله، فانذر أنت نذرا، وعاهده عهدا؛ فقلت: أنا مجرّد من الدنيا، ما لى وللنّذر؛ فألّحوا علىّ فيه؛ فقلت: لله علىّ إن خلّصنى ممّا أنا فيه لا آكل لحم الفيل؛ فقالوا: ما هذا النّذر؟ وهل يأكل لحم الفيل أحد؟ فقلت: كذا وقع فى سرّى، وأجراه الله على لسانى؛ فانكسرت السفينة، ووقعت فى جماعة من أهلها الى الساحل، فبقينا أيّاما لم نذق ذواقا، فبينا نحن قعود إذا نحن بولد فيل، فأخذوه فذبحوه وأكلوا من لحمه، وعرضوا علىّ أكله، فقلت: أنا نذرت وعاهدت الله أن لا آكل لحم الفيل، فاعتلّوا علىّ بأنّى مضطر، ولى فسخ العهد لاضطرارى، فأبيت عليهم، وثبتّ على العهد، فأكلوا وامتلأوا وناموا، فبينما هم نيام إذ جاءت الفيلة تطلب ولدها، وتتبع أثره، فلم تزل تشمّ الرائحة حتّى انتهت إلى عظام ولدها، فشمّتها، ثمّ جاءت وأنا أنظر اليها، فلم تزل تشمّ واحدا واحدا، فكلّما شمّت من
стр. 3180
واحد رائحة اللّحم داسته برجلها أو بيدها فقتلته، حتّى قتلتهم كلّهم، ثمّ أقبلت الىّ، فلم تزل تشمّنى فلم تجد منّى رائحة اللحم، فأدارت مؤخّرها وأومأت إلىّ بخرطومها أن اركب؛ فلم أقف على ما أومأت به، فرفعت ذنبها ورجلها، فعلمت أنّها تريد منّى ركوبها، فركبتها واستويت عليها، وأومأت إلىّ أن استو، فاستويت على شىء وطىء، فسارت سيرا عنيفا إلى أن جاءت بى فى ليلتى الى موضع زرع وسواد، فأومأت الىّ أن انزل، وبركت برجلها حتّى نزلت عنها، فسارت سيرا أشدّ من سيرها بى، فلمّا أصبحت رأيت زرعا وسوادا «١» وناسا، فحملونى إلى ملكهم، وسألنى ترجمانه، فأخبرته بالقصّة وبما جرى على القوم، فقال لى: أتدرى كم المسير الذى سارت بك اللّيلة؟
فقلت: لا، فقال: مسيرة ثمانية أيّام سارت بك فى ليلة، فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر شىء مما وصف به الفيل نظما
من ذلك ما قاله الأرّجانىّ من أبيات وصف فيها مجلس ممدوحه، فقال:
والفيل فى ذيل السّماط «٢» له ... زجل «٣» يهال له الفتى ذعرا
فى موقف الحجّاب يؤمر أو ... ينهى فيمضى النهى والأمرا
أذنان كالتّرسين تحتهما ... نابان كالرّمحين إن كرّا
يعلو له فيّاله ظهرا «٤» ... فيظلّ مثل من اعتلى قصرا
стр. 3181
وقال عبد الكريم النّهشلىّ يصفه:
وأضخم هندىّ النّجار تعدّه ... ملوك بنى ساسان إن نابها دهر
يجىء كطود جائل فوق أربع ... مضبّرة «١» لمّت كما لمّت الصّخر
له فخذان كالكثيبين لبّدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر
ووجه به أنف كراووق «٢» خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر
وجبّان «٣» لا يروى القليب صداهما ... ولو أنّه بالقاع منهرت «٤» حفر «٥»
وأذن كنصف البرد تسمعه النّدا ... خفيّا وطرف ينفض العيب مزورّ
ونابان شقّا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما بتر
له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو صوّت الصقر
وقال ابن طباطبا:
أعجب بفيل آنس وحشىّ ... بهيمة فى فطنة الإنسىّ
يفهم عن سائسه «٦» الهندىّ ... غيب معانى رمزه الخفىّ
مثل السدى «٧» الموثّق المبنىّ ... منزّه فى خلقه السّوىّ
стр. 3182
عن لين مشى ركب المطىّ ... ذى ذنب مطوّل ثورىّ
فى مثل ردف الجمل البختىّ «١» ... منخفض الصوت طويل العىّ
يطوف كالمزدجر المنهىّ ... يرنو بطرف منه شادنىّ «٢»
فى قبح وجه منه خنزيرىّ ... خرطومه كجعبة التّركىّ
حكى فما من سمك بحرىّ ... تبصره فى فيه ذا هوىّ
كالدّلو إذ تهوى إلى القرىّ «٣» ... يصبّ فى مصهرج مطوىّ
ناباه فى هولهما المخشىّ ... كمثل قرنى ناطح طورىّ «٤»
أذناه فى صبغهما الفضّىّ ... كطيلسانى ولدى ذمّىّ
ساسه عليه ذو رقىّ ... منتصب منه على كرسىّ
يطيعه فى أمره المأبىّ ... كطاعة القرقور «٥» للنّوتىّ «٦»
وقال آخر منشدا:
من يركب الفيل فهذا الفيل ... إنّ الذى يحمله «٧» محمول
على تهاويل لها تهويل ... كالطّود إلّا أنّه يجول
стр. 3183
وقال ابن الرومىّ:
يقلّب جثمانا عظيما موثّقا ... يهدّ بركنيه الجبال إذا زحم
ويسطو بخرطوم يطاوع أمره ... ومشتبهات «١» ما أصاب بها غنم «٢»
ولست ترى بأسا يقوم لبأسه ... إذا أعمل النابين فى البأس أو صدم
وقال هارون بن موسى مولى الأزد يصفه ويذكر خوفه من الهرّ:
أليس عجيبا بأن خلقة «٣» ... لها فطن الإنس فى جرم فيل
وأظرف من مشيه زوله «٤» ... بحلم يجلّ عن الخنشليل «٥»
وأوقص «٦» مختلف خلقه ... طويل النّيوب قصير النّصيل «٧»
ويلقى العدوّ بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شىء إذا قسته ... بخنزير برّ وجاموس غيل
ينازعه كلّ ذى أربع ... فما فى الأنام له من عديل
стр. 3184
ويعصف «١» بالببر بعد النّمور «٢» ... كما تعصف «٣» الريح بالعندبيل «٤»
وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصفوه «٥» فسيف صقيل
وأقبل كالطّود هادى الخميس ... بهول شديد أمام الرّعيل
ومرّ يسيل «٦» كسيل الأتىّ ... بوطء خفيف وجسم ثقيل
فإن شمته زاد فى هوله ... بشاعة أذنين فى رأس غول
وقد كنت أعددت هرّا له «٧» ... قليل التّهيّب «٨» للزّندبيل «٩»
فلمّا أحسّ به فى العجاج ... أتانا الإله بفتح جليل
فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام وربّ الفيول
وقال أبو الحسن الجوهرىّ يصف الفيل من قصيدته التى أوّلها:
قل للوزير «١٠» وقد تبدّى ... يستعرض الكرم المعدّا
стр. 3185
أفنيت أسباب العلا ... حتّى أبت أن تستجدّا
لو مسّ راحتك السحا ... ب لأمطرت كرما ومجدا
لم ترض بالخيل التى ... شدّت إلى العلياء شدّا
وصرائم الرأى التى ... كانت على الأعداء جندا
حتّى دعوت إلى العدى «١» ... ما لا يلام إذا تعدّى
متقمّصا تيه العلو ... ج وفطنة أعيت معدّا
متعسّفا طرق العوا «٢» ... لى حين لا يستاق «٣» قصدا
فيلا كرضوى «٤» حين يل ... بس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملّئت ... أكنافها برقا ورعدا
رأس «٥» كقلّة شاهق ... كسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدّلا ... ل مصعّرا فى الناس خدّا
يزهى «٦» بخرطوم كمث ... ل الصّولجان يردّ ردّا
متمدّد كالأفعوا ... ن تمدّه الرّمضاء مدّا
أو كمّ راقصة تشي ... ر به إلى النّدمان «٧» وجدا
стр. 3186
أو كالمصلّب شدّ جن ... باه إلى جذعين شدّا
وكأنّه بوق يحرّ ... كه لينفخ فيه جدّا
يسطو بساريتى لجي ... ن يحطمان الصّخر هدّا
أذناه مروحتان أس ... ندتا الى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضيّ ... قتا لجمع الضوء عمدا
فكّ كفوّهة الخلي ... ج يلوك طول الدهر حقدا
تلقاه من بعد فتح ... سبه غماما قد تبدّى
متنا «١» كبنيان الخور «٢» ... نق ما يلاقى الدّهر كدّا
ردفا كدكّة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يض ... رب حوله ساقا وزندا
يخطو على أمثال أع ... مدة الخباء إذا تصدّى
أو مثل أميال «٣» نضد ... ن من الصخور الصّمّ نضدا
متورّد «٤» حوض المنيّ ... ة حين لا يشتاق وردا
متملّق «٥» فكأنّه ... متطلّب ما لن يودّا «٦»
стр. 3187
متلفّع بالكبريا ... ء كأنّه ملك مفدّى
أدنى إلى الشىء البعي ... د يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتّ ... ى لو رأى خلا لسدّا
لو أنّه ذو لهجة ... وفّى كتاب الله سردا
عقّته أرض الهند حت ... ى حلّ من زهو هرندا «١»
قل للوزير: عبدت حت ... ى قد أتاك الفيل عبدا
سبحان من جمع المحا ... سن عنده قربا وبعدا
ذكر ما قيل فى الكركدّن
والكركدّن من الحيوان الشديد القوّة، القليل العدد؛ وهو شبيه بالجاموس إلا أنه أغلظ «٢» وأعتى وأنبل «٣» منه، وله قرن غليظ غير طويل فى جبهته، وقرن آخر ألطف منه؛ وقد ذكره صاحب المنطق فى كتاب الحيوان وسمّاه الحمار الهندىّ؛ وقال الجاحظ فى كتاب الحيوان: وإنّما قلّ عدد هذا الجنس لأنّ الأنثى منه منها ما تكون نزورا «٤» ، وأيّام حملها ليست أقلّ من أيّام حمل الفيلة؛ وهذا الحيوان يكون بأرض الهند وبلاد الحبشة؛ وتزعم الهند أنّه اذا كان ببلاد لم يرع شىء من الحيوان شيئا فى أكناف تلك البلاد هيبة له وخضوعا وهربا منه، وليس هو ببلاد الحبشة كذلك، بل يختلط به غيره من الحيوان؛ قال الجاحظ: وقد قالوا فى ولدها وهو
стр. 3188
فى بطنها قولا لولا أنّه ظاهر على ألسنة الهند لكان اكثر الناس بل كثير من العلماء يدخلونه فى الخرافة، وذلك أنّهم يزعمون أنّ أيّام حملها اذا كادت أن تتمّ ونضجت «١» وسخنت وجاء وقت الولادة فربّما أخرج الولد رأسه من ظبيتها «٢» فأكل من أطراف الشجر، فاذا شبع أدخل رأسه، حتى اذا تمّت أيّامه، وضاق به مكانه، وأنكرته الرحم، وضعته مطيقا قويّا على الكسب والحضر، لا يعرض له شىء من السباع؛ وهذا القول أيضا ذكره المسعودىّ؛ قال: واذا اغتلم الفيل فى بلاد الهند لا يقوم له شىء من الوحوش إلّا الكركدن، فإنه يقتحم عليه، فيحجم عنه ويذهب عنه سكر الاغتلام؛ وقيل: إنّه يطعن الفيل بقرنه فيموتا جميعا، فمنهم من يقول:
إنّه يثقل عليه فلا يستطيع أن يخرج قرنه من جوفه، فيكون ذلك سبب حتفهما؛ ومنهم من يقول: إنّ قرنه من السّموم التى تقتل الفيل، ودم الفيل من السّموم التى إذا وقعت على قرن الكركدّن مات؛ وحكى لى من يرجع إلى قوله، ويعتمد على نقله من الحبوش «٣» أنّ الكركدّن ببلاد الحبشة إذا رأى الرجل قصده ليقتله، فيعمد الرجل إلى شجرة فيتعلّق بها، فيحاوله الكركدّن، فربّما كسر تلك الشجرة وأهلكه، فان بال الرجل على أذن الكركدّن هرب وأسرع الحضر فلا يقف ولا يعود اليه، فيسلم منه؛ والله أعلم بالصواب.
стр. 3189
ذكر ما قيل فى الزّرافة
والزّرافة فى كلام العرب: الجماعة، وإنّما سمّيت الزّرافة زرافة لاجتماع صفات عدّة من الحيوان فيها، وهى عنق الجمل، وجلد النّمر، وقرن الظّبى، وأسنان البقر، ورأس الإيّل «١» ؛ وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّها متولّدة من حيوانات، ويقال: إنّ السبب فى ذلك اجتماع الوحوش والدوابّ فى القيظ فى شرائع «٢» المياه، فتسافد، فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فربّما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة، فتختلط مياهها، فيجىء فيها خلق مختلف الصّور والألوان والأشكال؛ والفرس تسمّى الزّرافة (اشتركا و پلنك) وتفسير (اشتر) : بعير؛ وتفسير (كاو «٣» ) : بقرة؛ وتفسير (پلنك) : الضبع «٤» ؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركّبة الخلق من حيوانات شتّى؛ والجاحظ ينكر هذا القول، ويقول: هو جهل شديد، لا يصدر عمّن لديه تحصيل، لأنّ الله يخلق ما يشاء على ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمر، وما يحقّق ذلك أنه يلد مثله؛ وهذا غير منكور، فإنّا نحن رأينا زرافة بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها، وعاشت إلى
стр. 3190
الآن؛ وصفة الزّرافة أنّها طويلة اليدين والعنق جدّا، منها ما يزيد طوله على عشرة «١» أذرع، قصيرة الرجلين جدّا، وليس لرجليها ركب «٢» ، وإنّما الرّكب «٣» ليديها كسائر البهائم؛ وهى تجترّ وتبعر، وفى طبع هذا الحيوان التودّد للناس والتآلف بهم.
وقد وصفها الشعراء وشبّهوها فى أشعارهم، فمن ذلك ما قاله عبد الجبّار بن حمديس الصّقلّىّ:
ونوبيّة فى الخلق فيها خلائق ... متى ما ترقّ العين فيها تسفّل
اذا ما اسمها ألقاه فى السمع ذاكر «٤» ... رأى الطّرف منها ما «٥» عناه بمقول
لها فخذا قرم «٦» وأظلاف قرهب «٧» ... وناظرتا رئم وهامة أيّل «٨»
كأنّ الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج بصندل
ودائمة الإقعاء فى أصل خلقها ... اذا قابلت أدبارها عين مقبل
تلفّت أحيانا بعين كحيلة ... وجيد على طول اللّواء المظلّل
следующие страницы →