Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
أو كالمصلّب شدّ جن ... باه إلى جذعين شدّا
وكأنّه بوق يحرّ ... كه لينفخ فيه جدّا
يسطو بساريتى لجي ... ن يحطمان الصّخر هدّا
أذناه مروحتان أس ... ندتا الى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضيّ ... قتا لجمع الضوء عمدا
فكّ كفوّهة الخلي ... ج يلوك طول الدهر حقدا
تلقاه من بعد فتح ... سبه غماما قد تبدّى
متنا «١» كبنيان الخور «٢» ... نق ما يلاقى الدّهر كدّا
ردفا كدكّة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يض ... رب حوله ساقا وزندا
يخطو على أمثال أع ... مدة الخباء إذا تصدّى
أو مثل أميال «٣» نضد ... ن من الصخور الصّمّ نضدا
متورّد «٤» حوض المنيّ ... ة حين لا يشتاق وردا
متملّق «٥» فكأنّه ... متطلّب ما لن يودّا «٦»
стр. 3187
متلفّع بالكبريا ... ء كأنّه ملك مفدّى
أدنى إلى الشىء البعي ... د يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتّ ... ى لو رأى خلا لسدّا
لو أنّه ذو لهجة ... وفّى كتاب الله سردا
عقّته أرض الهند حت ... ى حلّ من زهو هرندا «١»
قل للوزير: عبدت حت ... ى قد أتاك الفيل عبدا
سبحان من جمع المحا ... سن عنده قربا وبعدا
ذكر ما قيل فى الكركدّن
والكركدّن من الحيوان الشديد القوّة، القليل العدد؛ وهو شبيه بالجاموس إلا أنه أغلظ «٢» وأعتى وأنبل «٣» منه، وله قرن غليظ غير طويل فى جبهته، وقرن آخر ألطف منه؛ وقد ذكره صاحب المنطق فى كتاب الحيوان وسمّاه الحمار الهندىّ؛ وقال الجاحظ فى كتاب الحيوان: وإنّما قلّ عدد هذا الجنس لأنّ الأنثى منه منها ما تكون نزورا «٤» ، وأيّام حملها ليست أقلّ من أيّام حمل الفيلة؛ وهذا الحيوان يكون بأرض الهند وبلاد الحبشة؛ وتزعم الهند أنّه اذا كان ببلاد لم يرع شىء من الحيوان شيئا فى أكناف تلك البلاد هيبة له وخضوعا وهربا منه، وليس هو ببلاد الحبشة كذلك، بل يختلط به غيره من الحيوان؛ قال الجاحظ: وقد قالوا فى ولدها وهو
стр. 3188
فى بطنها قولا لولا أنّه ظاهر على ألسنة الهند لكان اكثر الناس بل كثير من العلماء يدخلونه فى الخرافة، وذلك أنّهم يزعمون أنّ أيّام حملها اذا كادت أن تتمّ ونضجت «١» وسخنت وجاء وقت الولادة فربّما أخرج الولد رأسه من ظبيتها «٢» فأكل من أطراف الشجر، فاذا شبع أدخل رأسه، حتى اذا تمّت أيّامه، وضاق به مكانه، وأنكرته الرحم، وضعته مطيقا قويّا على الكسب والحضر، لا يعرض له شىء من السباع؛ وهذا القول أيضا ذكره المسعودىّ؛ قال: واذا اغتلم الفيل فى بلاد الهند لا يقوم له شىء من الوحوش إلّا الكركدن، فإنه يقتحم عليه، فيحجم عنه ويذهب عنه سكر الاغتلام؛ وقيل: إنّه يطعن الفيل بقرنه فيموتا جميعا، فمنهم من يقول:
إنّه يثقل عليه فلا يستطيع أن يخرج قرنه من جوفه، فيكون ذلك سبب حتفهما؛ ومنهم من يقول: إنّ قرنه من السّموم التى تقتل الفيل، ودم الفيل من السّموم التى إذا وقعت على قرن الكركدّن مات؛ وحكى لى من يرجع إلى قوله، ويعتمد على نقله من الحبوش «٣» أنّ الكركدّن ببلاد الحبشة إذا رأى الرجل قصده ليقتله، فيعمد الرجل إلى شجرة فيتعلّق بها، فيحاوله الكركدّن، فربّما كسر تلك الشجرة وأهلكه، فان بال الرجل على أذن الكركدّن هرب وأسرع الحضر فلا يقف ولا يعود اليه، فيسلم منه؛ والله أعلم بالصواب.
стр. 3189
ذكر ما قيل فى الزّرافة
والزّرافة فى كلام العرب: الجماعة، وإنّما سمّيت الزّرافة زرافة لاجتماع صفات عدّة من الحيوان فيها، وهى عنق الجمل، وجلد النّمر، وقرن الظّبى، وأسنان البقر، ورأس الإيّل «١» ؛ وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّها متولّدة من حيوانات، ويقال: إنّ السبب فى ذلك اجتماع الوحوش والدوابّ فى القيظ فى شرائع «٢» المياه، فتسافد، فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فربّما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة، فتختلط مياهها، فيجىء فيها خلق مختلف الصّور والألوان والأشكال؛ والفرس تسمّى الزّرافة (اشتركا و پلنك) وتفسير (اشتر) : بعير؛ وتفسير (كاو «٣» ) : بقرة؛ وتفسير (پلنك) : الضبع «٤» ؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركّبة الخلق من حيوانات شتّى؛ والجاحظ ينكر هذا القول، ويقول: هو جهل شديد، لا يصدر عمّن لديه تحصيل، لأنّ الله يخلق ما يشاء على ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمر، وما يحقّق ذلك أنه يلد مثله؛ وهذا غير منكور، فإنّا نحن رأينا زرافة بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها، وعاشت إلى
стр. 3190
الآن؛ وصفة الزّرافة أنّها طويلة اليدين والعنق جدّا، منها ما يزيد طوله على عشرة «١» أذرع، قصيرة الرجلين جدّا، وليس لرجليها ركب «٢» ، وإنّما الرّكب «٣» ليديها كسائر البهائم؛ وهى تجترّ وتبعر، وفى طبع هذا الحيوان التودّد للناس والتآلف بهم.
وقد وصفها الشعراء وشبّهوها فى أشعارهم، فمن ذلك ما قاله عبد الجبّار بن حمديس الصّقلّىّ:
ونوبيّة فى الخلق فيها خلائق ... متى ما ترقّ العين فيها تسفّل
اذا ما اسمها ألقاه فى السمع ذاكر «٤» ... رأى الطّرف منها ما «٥» عناه بمقول
لها فخذا قرم «٦» وأظلاف قرهب «٧» ... وناظرتا رئم وهامة أيّل «٨»
كأنّ الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج بصندل
ودائمة الإقعاء فى أصل خلقها ... اذا قابلت أدبارها عين مقبل
تلفّت أحيانا بعين كحيلة ... وجيد على طول اللّواء المظلّل
стр. 3191
وتنفض رأسا فى الزّمام كأنّما ... تريك [ «١» له فى الجوّ نفضة أجدل «٢»
اذا طلع النّطح «٣» استجادت نطاحه ... برأس] له هاد «٤» على السّحب معتلى
وعرف «٥» رقيق الشعر تحسب نبته ... اذا الريح هزّته ذوائب سنبل
وتحسبها من مشيها إن تبخترت ... تزفّ الى بعل عروسا وتنجلى
فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... (أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل)
وقال عمارة اليمنىّ- وقد وصف تصاوير دار منها زرافة-:
وبها زرافات كأنّ رقابها ... فى الطول ألوية تؤمّ العسكرا
نوبيّة المنشا تريك من المها ... روقا ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيّه تمشى القهقرى
وقال أبو علىّ بن رشيق منشدا:
ومجنونة أبدا لم تكن ... مذلّلة الظهر للراكب
قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السّنام بلا غارب
ملمّعة مثلما لمّعت ... بحنّاء وشى يد الكاعب
стр. 3192
كأنّ الجوارى كنّفنها «١» ... تخلّج «٢» من كلّ ما جانب
وقال أيضا:
وأتتك «٣» من كسب الملوك زرافة ... شتّى الصفات للونها «٤» أثناء «٥»
جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... فى خلقها وتنافت الأعضاء
تحتثّها «٦» بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء
وتمدّ جيدا فى الهواء يزينها ... فكأنّه تحت اللّواء لواء
حطّت مآخرها وأشرف صدرها ... حتّى كأنّ وقوفها إقعاء
وكأن فهر الطّيب «٧» ما رجمت به ... وجه الثّرى لو لمّت «٨» الأجزاء
وتخيّرت دون الملابس حلّة ... عيّت بصنعة مثلها صنعاء
стр. 3193
لونا كلون الذّبل «١» إلّا أنّه ... حلّى وجزّع بعضه الجلّاء
أو كالسحاب المكفهرّة خطّطت «٢» ... فيها البروق وميضها إيماء
أو مثلما صدئت صفائح جوشن «٣» ... وجرى على حافاتهنّ جلاء
نعم التجافيف «٤» التى قد درّعت «٥» ... من جلدها لو كان فيه وقاء
وقال محمد بن شرف القيروانىّ:
غريبة أشكال غريبة دار ... لها لون خطّى فضّة ونضار
فلون لها لون البياض وصفرة ... كما مزجت بالماء كأس عقار
وآخر ما بين اسوداد وحمرة ... كما احمرّ مسودّ الدخان بنار
أعيرت شخوصا وهى فى شخص واحد ... تحيّر فى نشز لها وقفار
تقوم على ما بين ظلف وحافر ... له جسم جلمود وصبغة قار
وأربعة تحكى سبائك عسجد ... تطير بها فى الأرض كلّ مطار
لها عنق قد خالط الجوّ تحته ... طوال لها تخطو أمام قصار
وذات قرى وعر الركوب وإنّما ... أجلّت بذا «٦» عن ذلّة وصغار
لها عجبة «٧» التّيّاه عجبا بنفسها ... ولكنّ ذاك العجب تحت وقار
стр. 3194
ذكر ما قيل فى البقر الوحشية- وهى المها- والأيّل»
ولنبدأ بذكر ترتيب سنّها، ثم نذكر ما قيل فيها؛ أمّا سنّها- فقد قالت العرب: ولد البقرة الوحشيّة ما دام يرضع فهو فزّ وفرقد وفرير؛ فإذا ارتفع عن ذلك فهو يعفور وجؤذر، وبحزج «٢» ؛ فإذا شبّ فهو مهاة فإذا أسنّ فهو قرهب؛ هذا ما قيل فى سنّها.
وأمّا ما قيل فى المها
- فذكر من بحث عن طبائع الحيوان أنّ من طباعها الشبق والشهوة؛ وأنّ الأنثى إذا حملت هربت من الذّكر خوفا من عبثه بها فى الحمل؛ والذكر لفرط شهوته يركب الذكر؛ واذا ركب واحد منها شمّ الباقى روائح الماء منه، فيثبن «٣» عليه، ولا يمنع ما يثب عليه بعد ذلك؛ ولم أقف من أحواله على غير هذا الذى أوردته، فلنذكر ما وصف به.
فمن ذلك ما قاله كاتب أندلسىّ من رسالة طرديّة، جاء منها: وعنّ لنا سرب نعاج يمشين رهوا «٤» كمشى العذارى، ويتثنّين زهوا تثنّى السّكارى؛ كأنّما تجلّل «٥» بالكافور جلودها، وتضمّخ بالمسك قوائمها وخدودها «٦» ؛ وكأنّما لبسن الدّمقس سربالا، واتّخذن السّندس سروالا.
стр. 3195
من كلّ مهضمة الحشا وحشيّة ... تحمى مداريها «١» دماء جلودها
وكأنّما أقلام حبر كتّبت ... بمداد عينيها طروس خدودها
فأرسلنا أولى الخيل على أخراها «٢» ، وخلّيناها وإيّاها «٣» ؛ فمضت مضىّ السّهام، وهوت هوىّ السّمام «٤» ؛ فجالت فى أسرابها يمينا وشمالا؛ فكأنّما أهدت لآجالها «٥» آجالا؛ فمن متّق بروقه «٦» ، وكاب أتاه حتفه من فوقه.
وقال الأخطل يصف ثورا:
فما به «٧» غير موشىّ أكارعه ... إذا أحسّ بشخص ماثل «٨» مثلا «٩»
كأنّ عطّارة باتت تطيف به ... حتّى تسربل ماء الورس وانتعلا
كأنّه ساجد من نضح ديمته ... مقدّس «١٠» قام تحت اللّيل فابتهلا
ينفى التراب بروقيه وكلكله ... كما استماز رئيس المقنب «١١» النّفلا «١٢»
стр. 3196
وقال عدىّ بن الرّقاع يصف ثورين يعدوان:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها
تطوى إذا وردا مكانا جاسيا «١» ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وقال الطّرمّاح يصف عدوه بسرعة:
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وأما ما قيل فى الأيّل
«٢» - فهو من أصناف البقر الوحشيّة، وهذا الحيوان يسمن كثيرا، واذا سمن اختفى خوفا أن يصاد لسمنه؛ وهو مولع بأكل الحيّات، يطلبها فى كلّ موضع، فإن انجحرت أخذ الماء بفمه، ونفخه فى الحجر، فتخرج له ذنبها فيأكلها، حتّى اذا انتهى إلى رأسها تركه خوفا من السّم، وربّما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه تدخل فى كلّ واحدة منهما الإصبع، فتجمد تلك الدموع فتصير كالشّمع، تتّخذ درياقا لسمّ الحيّات، وهو البازهر «٣» الحيوانىّ؛ قالوا: واذا لسعته الحيّات أكل السّراطين «٤» فيبرأ ويبرئه أكل التفّاح أيضا وورق شجره؛ وهو لا تنبت له قرون إلّا بعد أن تمضى له سنتان من عمره، فاذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفى الثالثة يتشعّبان، ولا يزال التشعّب فى زيادة الى تمام ستّ سنين، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه، ثم
стр. 3197
بعد ذلك يلقى قرونه فى كلّ سنة، ثم تنبت، واذا نبتا عرّضهما للشمس حتى يصلبا، وهما اذا كبرا على رأسه منعاه من الجرى؛ ولا يكاد يفلت اذا طلبته الخيل؛ وإذا ألقى قرونه علم أنّه ألقى سلاحه، فهو لا يظهر؛ قال الجاحظ: قال صاحب المنطق «١» : إنّ أنثى الأيّل اذا وضعت ولدا أكلت مشيمتها فتظنّ أنّه شىء تتداوى به من علّة النّفاس؛ وزعم أرسطو أنّ هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، وهو لا ينام ما دام يسمع ذلك، ومن أراد صيده من الصيّادين شغله «٢» بعضهم بالتّطريب، ويأتيه البعض من خلفه، فاذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه؛ واذا اشتدّ عليه العطش من أكل الحيّات أتى غدير الماء واشتمّه، ثم انصرف عنه، يفعل ذلك أربعة أيّام، ثم يشرب فى اليوم الخامس، وإنّما يمتنع من شرب الماء خوفا على نفسه من سريان السّم فى جسده مع الماء؛ والله أعلم.
قال بعض الشعراء:
هجرتك لا قلى منّى ولكن ... رأيت بقاء ودّك فى الصّدود
كهجر الظامئات الماء لمّا ... تيقّنّ المنايا فى الورود
تذوب نفوسها ظمأ وتخشى ... هلاكا فهى تنظر من بعيد
وقال آخر فى مثل ذلك:
وما ظامئات طال فى القيظ ظمئها «٣» ... فجاءت وفى الأحشاء غلى المراجل
فلمّا رأين الماء عذبا وقد أتت ... إليه رأين الموت دون المناهل
стр. 3198
فولّت ولم تشفى «١» صداها وقد طوت ... حشاها على وخز الأفاعى القواتل
بأعظم من شوقى إليك وحسرتى ... عليك ولم ألتذّ منك بطائل
الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الثالث فيما قيل فى الحمر الوحشيّة والوعل واللّمط «٢»
ذكر ما قيل فى الحمر الوحشيّة
والحمار الوحشىّ يسمّى العير والفرأ؛ وبه «٣» ضرب رسول الله ﷺ المثل «٤» ، فقال: «كلّ الصّيد فى جوف الفرإ» ؛ ويقال: إنّه ينزو إذا بلغ ثلاثين شهرا من عمره؛ وهو يوصف بشدّة الغيرة؛ ويقال: إنّ الأنثى إذا ولدت
стр. 3199
جحشا كدم «١» الذكر قضيبه، فالإناث تعمل الحيلة فى إبقائه، قتهرب به من أبيه، وتكسر رجله ليستقرّ بذلك المكان، وهى تتعهده وترضعه، فاذا انجبرت رجله وقويت وصحّت، وأمكنه المشى عليها، يكون قد حصل فيه من القوّة والجرى ما يدفع به عن نفسه، ويهرب إذا أبوه أو من هو أقوى منه أراد خصاءه؛ ويقال: إنّ الحمار الوحشىّ يعمّر مائتى سنة وأكثر من ذلك، وكلّما بلغ مائة سنة صارت له مبولة «٢» ثانية؛ قالوا: وشوهد منها ماله ثلاث مباول وأربع؛ ومعادنه بلاد النّوبة وزغاوة، ويوجد منه ما تكون شيته معمّدة ببياض وسواد فى الطول من أعضائه المستطيلة، ومستديرة فيما استدار منها بأصحّ قسمة؛ ومنها صنف يسمّى الأخدرىّ وهو أطولها أعمارا.
وقد وصفها أبو الفرج الببغاء من رسالة ذكر فيها أتانا معمّدة ببياض وسواد كانت قد أهديت لعزّ الدولة بختيار بن بويه من جهة صاحب اليمن، قال: وأما الأتان، الناطقة فى كمال الصنعة بأفصح لسان؛ فإنّ الزمان لاطف مولانا- أيّده الله- منها بأنفس مذخور، وأحسن منظور؛ وأعجب مرئىّ، وأغرب موشىّ؛ وأفخر مركوب، وأشرف مجنوب؛ وأعزّ موجود، وأبهى مخدود «٣» ؛ كأنّما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته؛ فصاغها من ليله ونهاره، وحلّاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره؛ ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها أحد «٤» جدوده؛ ذات إهاب
стр. 3200
مسيّر «١» ، وقرب «٢» محبّر، وذنب مشجّر، وشوى «٣» مسوّر «٤» ؛ ووجه مزجّج «٥» ، ورأس متوّج؛ تكنفه أذنان، كأنهما زجّان «٦» ؛ سبجيّة «٧» الأنصاف، بلّوريّة الأطراف، جامعة شيتها بالترتيب، بين زمنى الشبيبة والمشيب؛ فهى قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار؛ غنىّ عن الحلى عطلها، مزرية بالزّهر حللها؛ واحدة جنسها، وعالم نفسها صنعة المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم.
وقال ابن المعتزّ:
شغلته «٨» لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهنّ كمىّ
قابض جمعها إليه كما يج ... مع أيتامه إليه الوصىّ
كلّما شمّ لاقحا شمّ منها «٩» ... رأس فحل برجلها مفلىّ «١٠»
стр. 3201
خارج من ظلال نقع كما فرّ ... ق جلبابه الخليع الغوىّ
قد طواها التسويق «١» والشدّ حتّى ... هى قبّ «٢» كأنّهنّ القسىّ
هربت من رءوسهنّ عيون ... غائرات كأنّهنّ الرّكىّ
ذكر ما قيل فى الوعل
الوعل، هو التيس الجبلىّ، والأنثى تسمّى أرويّة؛ وهى شاة الوحش؛ وفى طباع هذا الحيوان أنّه يأوى الأماكن الوعرة والخشنة من الجبال؛ ولا يزال مجتمعا، فإذا كان فى وقت الولادة تفرّق؛ وإذا اجتمع فى ضرع الأنثى لبن امتصّته؛ والذكر إذا ضعف عن النّزو أكل البلّوط فتقوى شهوته، ومتى فقد الأنثى انتزع منيّه بفيه بالامتصاص، وذلك لشدّة الشّبق؛ وهو إذا جرح عمد إلى الخضرة التى تكون على الحجارة، فيمضغها ويجعلها على الجرح فيبرأ؛ واذا أحسّ بقنّاص وهو فى مكانه المرتفع استلقى على ظهره، ثمّ يزجّ بنفسه فينحدر من أعلى الجبل إلى أسفله، وقرناه يقيانه ألم الحجارة، ويسرعان هبوطه لملاستهما فإنّهما [من رأسه «٣» ] إلى عجزه؛ وفى طبع هذا الحيوان الحنوّ على ولده والبرّ بوالديه؛ أمّا حنوّه على ولده فإنّه إذا صيد منها شىء تبعته أمّه واختارت أن تكون معه فى الشّرك؛ وأمّا برّه بوالديه، فانّهما إذا عجزا عن الكسب لأنفسهما أتاهما بما يأكلانه، وواساهما من كسبه، فإن عجزا [عن الأكل «٤» ] مضغ لهما وأطعمهما؛ ويقال: إنّ فى قرنيه ثقبين يتنفس منهما، فمتى سدّا جميعا هلك.
стр. 3202
وقد وصفه الشعراء، فمن ذلك ما قاله الصاحب بن عبّاد:
وأعين «١» كالذّرّىّ «٢» فى سفلاته ... سواد وأعلى ظاهر اللّون واضح
موقّف «٣» أنصاف اليدين كأنّه ... إذا راح يجرى بالصريمة «٤» رامح «٥»
وقال أبو الطيّب المتنبّى:
وأوفت «٦» الفدر «٧» من الأوعال ... مرتديات بقسىّ الضّال «٨»
نواخس الأطراف «٩» للأكفال ... يكدن ينفذن من الآطال «١٠»
لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن «١١» للإضحاك لا الإجلال «١٢»
كلّ أثيث «١٣» نبته متفال «١٤» ... لم يغذ «١٥» بالمسك ولا الغوالى
يرضى من الأدهان بالأبوال
стр. 3203
ذكر ما قيل فى اللّمط «١»
واللّمط «٢» حيوان وحشىّ يكون ببلاد الغرب الجوّانىّ «٣» ، فى قدر المهر اللّطيف، له قرون غير متشعّبة، ولا مفاصل لركبه، فهو لا يستطيع النوم إلّا مستندا الى شجرة أو جدار، فاذا أريد صيده عمد من يريد ذلك الى تلك الشجرة التى هى فى محلّ مظانّ نومه، فينشر أكثرها، ويترك منها يسيرا لا يحمله، فاذا استند اليها سقطت وسقط بسقوطها، فيؤخذ ويذبح وتتّخذ من جلده درق تباع بالأثمان الغالية، تردّ طعنة الرّمح ورشقة السّهم، ومهما أصابها من الحديد انطوى، فان تمكّن منها ونزع وبقى أثره التحم فى اليوم الثانى وخفى أثره؛ أخبرنى بذلك من أثق بقوله.
стр. 3204
الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الثالث فى الظّبى والأرنب والقرد والنّعام
ذكر ما قيل فى الظّبى
للظّباء أسماء نطقت بها العرب، واحدها ظبى، والأنثى ظبية، وولدها طلا وغزال؛ فاذا تحرّك ومشى فهو رشأ؛ فاذا نبت قرناه فهو شادن وخشف؛ فاذا قوى فهو شصر، والأنثى شصرة، ثم هو جذع، ثم ثنىّ، ولا يزال ثنيّا حتّى يموت.
والظّباء أنواع تختلف بحسب مواضعها؛ فصنف منها يسمّى الآرام، وهى الخالصة البياض، ومساكنها الرمل، وهى أشدّها حضرا؛ وصنف يسمّى العفر، وألوانها بيض تعلوها حمرة؛ وصنف يسمّى الأدم، وألوانها أيضا كذلك «١» ، ومساكنها الجبال؛ ومن طبع هذا الحيوان أنّه اذا فقد الماء استنشق النسيم فاعتاض به عنه؛ وهو إذا طلب لم يجهد نفسه فى الحضر لأوّل وهلة، ولكنّه يرفق بنفسه، فاذا رأى طالبه قد قرب منه زاد فى حضره حتّى يفوت الطالب؛ وهو يخضم «٢» الحنظل حتّى يرى ماؤه يسيل من شدقيه؛ ويرد الماء الملح الأجاج فيغمس لحيته فيه كما تفعل الشّاة فى الماء العذب، يطلب النّوى «٣» المنقع فيه؛ وهو لا يدخل كناسه إلّا مستدبرا، يستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه؛ وله نومتان فى مكنسين: مكنس الضّحى،
стр. 3205
ومكنس العشىّ؛ وهو يصاد بالنّار، فإنّه إذا رآها ذهل لها ودهش، سيّما «١» إذا أضيف الى إشعال النار تحريك الجرس، فإنّه ينخذل ولا يبقى به حراك ألبتّة؛ وبين الظّبى والحجل ألفة ومحبّة؛ وهو يوصف بحدّة النظر.
فصل ومما يلتحق «٢» بهذا النوع غزال المسك،
ولونه أسود، وله نابان خفيفان أبيضان خارجان من فيه فى فكّه الأسفل، قائمان فى وجهه كنابى الخنزير، كلّ واحد منهما دون الفتر، على هيئة ناب الفيل؛ ويكون هذا الغزال ببلاد التّبّت «٣» وبالهند؛ ويقال إنه يسافر من التّبّت «٤» الى الهند بعد أن يرعى من حشيش التّبّت «٥» - وهو غير طيّب- فيلقى ذلك المسك بالهند، فيكون رديئا لأنه يحصل عن ذلك المرعى، ثمّ يرعى حشيش الهند الطّيّب ويعقد منه مسكا، ويأتى بلاد التّبّت «٦» فيلقيه فيها، فيكون أجود ممّا يلقيه فى بلاد الهند؛ وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر المسك فى بابه فى آخر فنّ النبات فى القسم المذيّل به مستوفى، فلا فائدة فى تكراره؛ فلنذكر ما وصف به الغزال من الشعر.
стр. 3206
قال ذو الرّمّة- وذكر محبوبته-:
ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرّة ... شعاع الضّحى فى متنها يتوضّح
هى الشّبه أعطافا وجيدا ومقلة ... وميّة «١» أبهى بعد منها وأملح
وقال آخر:
وحالية بالحسن والجيد عاطل ... ومكحولة العينين لم تكتحل قطّ
على رأسها من قرنها «٢» الجعد وفرة ... وفى خدّها من صدغها شاهد «٣» سبط «٤»
وقد أدمجت بالشّحم حتّى كأنّما ... ملاءتها من فرط ما اندمجت قمط «٥»
ذكر ما قيل فى الأرنب
قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ قضيب الأرنب كذكر الثعلب، أحد شطريه عظم، والآخر عصب؛ وربّما ركبت الأنثى الذكر حين السّفاد لما فيها من الشّبق، وتسفد وهى حبلى؛ وهى قليلة الإدرار على ولدها؛ ويزعمون أنّه يكون شهرين ذكرا، وشهرين أنثى؛ وحكى ابن الأثير فى تاريخه (الكامل) فى حوادث
стр. 3207
سنة ثلاث وعشرين وستّمائة، قال: وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا، فرآها لها أنثيان وذكر وفرج أنثى، فلما شقّوا بطنها رأوا فيه خريقين «١» . والأرنب تنام مفتوحة العينين، وسبب ذلك أنّ حجاجى «٢» عينيها لا يلتقيان؛ ويقال: إنّ الأرنب اذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل؛ وتزعم العرب أنّ الجنّ تهرب منها اذا حاضت؛ ويقال: إنّها تحيض كالمرأة، وتأكل اللّحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفى باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها، وليس شىء قصير اليدين أسرع منها حضرا، ولقصرهما يخفّ عليهما الصعود؛ وهى تطأ الأرض على مؤخّر قوائمها تعمية لأثرها حتّى لا يعرفه الطالب لها، واذا قربت من المكان الذى تريد أن تجثم فيه وثبت إليه.
وفى الأرنب منافع طيّبة ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: إنّ انفحة الأرنب حارّة يابسة ناريّة، تحلّل كلّ جامد من دم ولبن متجبّن وخلط غليظ، وتجمّد كلّ ذائب، وتمنع كلّ سيلان ونزف من النساء؛ قال: ولا شكّ أنّها مع ذلك مجفّفة، واذا شربت منعت من الصّرع، وكذلك سائر الأنافح، وهى رديئة للمعدة وإذا حملت «٣» بعد الطّهر ثلاثة أيّام بالخلّ منعت الحبل ونفت الرطوبة السائلة من
стр. 3208
الرّحم، وتنفع من اختناق الرّحم؛ قال: ودم الأرنب ينفى الكلف «١» ؛ ورماد رأسه جيّد لداء الثعلب؛ واذا أخذ بطن الأرنب كما هو بأحشائه وأحرق قليا على مقلى كان دواء منبتا للشعر اذا سحق واستعمل بدهن الورد؛ ودماغه مشويّا ينفع من الرّعشة الحادثة عقيب المرض؛ وإذا حلّ دماغ الأرنب بسمن أو زبد أو عسل أسرع إنبات الأسنان، وسهل بغير وجع؛ ودم الأرنب مقلوّا ينفع من السّحج «٢» وورم الأمعاء والإسهال المزمن، وينفع من السّهام الأرمنيّة؛ هذا ما قاله الشيخ الرئيس فى الأرنب.
وقد وصف بعض كتّاب الأندلس عدّة من الأرانب، فقال: أفراد إخوان «٣» كأنّهنّ أولاد غزلان؛ بين روّاغ ينعطف انعطاف البره «٤» ، ووثّاب يجتمع اجتماع الكره؛ حاك القصب إزاره، وصاغ التبرطوقه وسواره؛ قد غلّل بالعنبر بطنه، وجلّل بالكافور متنه؛ كأنّما تضمّخ بعبير، وتلفّع فى حرير؛ ينام بعينى ساهر، ويفوت بجناحى طائر؛ قصير اليدين، طويل السّاقين؛ هاتان فى الصعود تنجدانه، وتانك عند الوثوب تؤيّدانه؛ والله أعلم.
ذكر ما قيل فى القرد
القرد عند المتكلّمين فى الطبائع مركّب من إنسان وبهيمة؛ وهو إذا سقط فى الماء غرق مثل الإنسان الذى لا يحسن السّباحة؛ وهو يأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الأنثى؛ وهو يقمل، واذا قمل تفلّى، ويأكل ما ينتزعه من بدنه
стр. 3209
من القمل؛ وهو كثير الشّبق، واذا اشتدّ به الشّبق استمنى بفيه؛ والأنثى تلد عدّة نحو العشرة وأكثر، كما تلد الخنزيرة؛ وهى تحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة؛ ويقال: إن الطائفة من القرود اذا أرادت النوم ينام الواحد فى جنب الآخر حتى يكونوا سطرا واحدا، فاذا تمكّن النوم منها نهض أوّلها من الطّرف الأيمن، فيمشى وراء ظهورها حتى يقعد من وراء الأقصى من الطّرف الأيسر، فاذا قعد صاح؛ فينهض الذى يليه، ويفعل مثل فعله، فهذا دأبهم طول اللّيل؛ فهم يبيتون فى أرض ويصبحون فى أخرى؛ وفى القرد من قبول التأديب والتعليم [ما لا خفاء به عن أحد «١» ] حتى إنه درّب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب الحمير والمسابقة عليها؛ وحكى المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب: أن القردة فى أماكن كثيرة من المعمور، منها (وادى نخلة) بين (الجند «٢» ) وبلاد (زبيد) ، وهو بين جبلين، وفى كلّ جبل منهما طائفة من القرود يسوقها هزر «٣» ، وهو القرد العظيم المقدّم فيها؛ قال: ولها مجالس يجتمع فيها خلق كثير منها؛ فيسمع لها حديث والاناث بمعزل عن الذكور، والرئيس متميّز عن المرءوس؛ وباليمن قرود كثيرة فى نواح متعدّدة؛ منها فى ذمار «٤» من بلاد صنعاء فى برارىّ وجبال كأنّها السحب؛ وتكون القرود
стр. 3210
أيضا بأرض النّوبة وأعلى بلاد الحبشة، وهذا الصّنف من القرود حسن الصورة، خفيف الروح، مدوّر الوجه، مستطيل الذّنب، سريع الفهم، ويسمّونه النّسناس؛ ومنها أيضا بخلجان الرّانج «١» فى «٢» بحر الصين وبلاد المهراج «٣» وفى ناحية الشّمال نحو أرض الصّقالبة ضرب من القرود منتصب القامات، مستدير الوجوه، والأغلب عليهم صور الناس وأشكالهم، ولهم شعور، وربّما صيد منها القرد فى النادر بالحيلة، فيكون فى نهاية الفهم والدّراية، إلّا أنّه لا لسان له يعبّر به عمّا فى نفسه، لكنّه يفهم كلّ ما يخاطب به بالإشارة؛ ومن النّواحى التى بها القرود جبل موسى، وهو الجبل المطلّ على مدينة سبتة «٤» من بلاد المغرب، والقرود التى فيها قباح الصور جدّا، عظام الجثث، تشبه وجوهها وجوه الكلاب، لها خرطوم، وليس لها أذناب، وأخلاقها صعبة لا يكاد ينطبع فيها تعليم إلّا بعد جهد؛ وحكى لى بعض المغاربة أنهم اذا أرادوا صيد هذه القرود يتحيّلون عليها بأن يصنعوا لها زرابين بقدر أرجلها، ويلطّخوا نعالها
стр. 3211
بالصابون، ويأتوا إلى مكان هذه القرود فيقعدوا حيث تراهم، ويلبسوا زرابينهم «١» ويمشوا بها، ويتركوا تلك الزّرابين «٢» الصغار، فتأتى القرود وتلبس الزّرابين «٣» ، فتخرج عليها الرجال، فتعدو القرود بتلك الزّرابين «٤» ، فلا تثبت أرجلها على الأرض، وتزلق، فتدركها الرجال ويأخذوها. ولم أقف على شعر يتعلّق بوصف القرد فأثبته؛ والله أعلم.
ذكر ما قيل فى النّعام
والنعامة تسمّى بالفارسية: أشترمرغ «٥» ، ومعنى أشتر: جمل، ومرغ «٦» : طائر، فكأنّهم قالوا: جمل طائر؛ ومن أعاجيبها أنّها تضع بيضها عند الحضان، وتعطى كلّ بيضة منها نصيبها من الحضن، لأنّ بدنها لا يشمل جميع ما تحضنه، فانّها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين، وتخرج لطلب الطّعم، فتمرّ فى طريقها ببيض نعامة أخرى فتحضنه وتنسى بيضها؛ قال ابن هرمة:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّىّ زندا شحاحا «٧»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا «٨»
ويقال: إنها تقسم بيضها أثلاثا، منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره «٩» غذاء، ومنه ما تفتحه وتتركه فى الهواء حتى يعفن، وتتولّد من عفونته دوابّ «١٠» ، فتغذى بها
стр. 3212
فراخها اذا خرجت؛ وكلّ ذى رجلين اذا انكسرت إحداهما استعان فى نهوضه وحركته بالثانية إلّا النّعامة، فانّها تبقى فى مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا؛ قال الشاعر:
إذا انكسرت رجل النّعامة لم تجد ... على أختها نهضا ولا بآستها حبوا «١»
والعرب تزعم أنّ الظّليم أصلم «٢» ، وأنّه عوّض عن السّمع بالشّمّ، فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه الى سمع، والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من نعامة» ، قالوا: لأنّها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها فى كثيب رمل وتقدّر فى نفسها أنّها قد استخفت منه؛ والنّعام قوىّ الصبر على العطش، شديد العدو، وأشدّ ما يكون عدوه اذا استقبل الريح، وهو فى عدوه يضع عنقه على ظهره، ثم يخترق الريح؛ والنّعامة تبتلع العظم والحجر والحديد فيصير فى جوفها كالماء، وتبتلع الجمر؛ وهو يصاد بالنار كسائر الوحش، فإنه إذا رأى النار دهش ووقف فيتمكّن منه الصائد.
وقد وصفها إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ فقال:
ولربّ طيّار خفيف قد جرى ... فشلا «٣» بجار خلفه طيّار
من كلّ فاجرة «٤» الخطا مختالة ... مشى الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنّها ... كرعت على ظمإ بكاس عقار
стр. 3213
لا تستقرّ بها الأداحى «١» خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار
[وقال «٢» الحمّانىّ] :
قد ألبس الليل حتى ينثنى خلقا ... وأركب الهول بالغرّ الغرانيق «٣»
وانتحى لنعام الدّو «٤» ملهبة «٥» ... كأنّها بعض أحجار المجانيق
تسدى الرياح بها ثوبا وتلحمه ... كما تلبّس من نسج الخداريق «٦»
كأنّما ريشها والريح تفرقه ... أسمال راهبة شيبت بتشقيق
كأنّها حين مدّت رؤسها «٧» فرقا ... سود الرجل تعادى «٨» بالمزاريق
كأنّ أعناقها وهنا اذا خفقت «٩» ... بها البلاقع أدقال «١٠» الزواريق
فما استلذّ بلحظ العين ناظرها ... حتّى تغصّص أعلاهنّ بالرّيق «١١»
стр. 3214
القسم الثالث من الفن الثالث فى الدوابّ والأنعام ،
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فى الخيل
وابتداء خلقها، وأوّل من ذلّلها وركبها، وما ورد فى فضلها وبركتها من الآثار الصحيحه، والأحاديث النبويّة الثابتة الصريحه، وما ورد فى فضل الإنفاق عليها، وما جاء فى التماس نسلها، والنهى عن خصائها والرّخصة فيه؛ وما قيل فى أكل لحومها من الكراهة، وما ورد من النهى عن عسب «١» الفرس وبيع ماء الفحل، وما ندب إليه من إكرام الخيل ومنع إذالتها «٢» ، والأمر بارتباطها، وما يستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها، وما ورد فى شؤم الفرس، وما يذمّ من عصمه «٣» ورجله، وما جاء فى سباق الخيل، وما يحلّ منه وما يحرم، وكيفيّة التّضمير «٤» عند السّباق، وأسماء السوابق فى الحلبة، وما يقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة، والفرق فى ذلك بين العراب والهجن والبراذين، والعفو عن سقوط الزّكاة فى الخيل، وما وصفت
стр. 3215
العرب به الخيل من ترتيبها فى السنّ، وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها، وعدّ عيوبها التى تكون فى خلقتها وجريها، والعيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها، وذكر خيل رسول الله ﷺ وعدّتها وأسمائها، وكرام الخيل المشهورة عند العرب، وما وصفت به الخيل فى أشعار الشعراء ورسائل الفضلاء التى تتضمّن مدح جيّدها وذمّ رديئها، وغير ذلك على ما نوضحه- إن شاء الله تعالى- ونبيّنه، ونأتى به على الترتيب والتحقيق، فنقول وبالله التوفيق، [وإليه المآب «١» ] .
ذكر ما ورد فى ابتداء خلق الخيل وأوّل من ذلّلها وركبها
قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النّيسابورىّ المعروف بالثّعلبىّ فى تفسيره:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمّد بن أحمد بن عقيل الأنصارىّ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قالا: أخبرنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكىّ، قال:
حدّثنا محمد بن الأشرس، قال: حدّثنا أبو جعفر المدينىّ، قال: حدّثنا القاسم ابن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إنّى خالق منك خلقا فأجعله عزّا لأوليائى، ومذلّة على أعدائى، وجمالا لأهل طاعتى؛ فقالت الريح: اخلق، فقبض منها قبضة فخلق فرسا، فقال له: خلقتك عربيّا وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطير بلا جناح، فأنت للطّلب، وأنت للهرب،
стр. 3216
وسأجعل على ظهرك رجالا يسبّحونى «١» ويحمدونى «٢» ويهلّلونى «٣» ، تسبّحن «٤» اذا سبّحوا، وتهلّلن «٥» اذا هلّلوا، وتكبّرن «٦» اذا كبّروا؛ فقال رسول الله ﷺ : «ما من تسبيحة وتحميدة وتكبيرة يكبّرها صاحبها فتسمعه «٧» إلّا فتجيبه بمثلها، ثم قال: لمّا سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينت خلقها، قالت: ربّ، نحن ملائكتك نسبّحك ونحمدك، فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلا بلقا، أعناقها كأعناق البخت «٨» ، فلمّا أرسل الله الفرس الى الأرض، واستوت قدماه على الأرض صهل، فقيل: بوركت من دابّة، أذلّ بصهيلك المشركين، أذلّ به أعناقهم، وأملأ به آذانهم، وأرعب به قلوبهم؛ فلمّا عرض الله على آدم من كلّ شىء قال له: اختر من خلقى ما شئت، فاختار الفرس، فقال له: اخترت عزّك وعزّ ولدك خالدا ما خلدوا، وباقيا ما بقوا، بركتى عليك وعليهم، ما خلقت خلقا أحبّ إلىّ منك ومنهم «٩» » .
стр. 3217
وروى المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب بسنده إلى ابن عبّاس- رضى الله عنهما-، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لمّا أراد أن يخلق الخيل أوحى الى الرّيح الجنوب أنّى خالق منك خلقا فاجتمعى، فاجتمعت، فأمر جبريل ﵇ فأخذ منها قبضة، قال: ثمّ خلق الله تعالى منها فرسا كميتا «١» ، ثم قال الله تعالى: خلقتك فرسا، وجعلتك عربيّا، وفضّلتك على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك؛ ثم أرسله فصهل، فقال له: باركت فيك، فصهيلك أرعب به المشركين وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم؛ ثم وسمه بغرّة وتحجيل، فلمّا خلق الله تعالى آدم، قال: يا آدم، أخبرنى أىّ الدّابّتين أحببت؟ - يعنى الفرس والبراق، قال «٢» :
وصورة البراق على صورة البغل لا ذكر ولا أنثى- فقال آدم: يا ربّ اخترت أحسنهما وجها، فاختار الفرس، فقال الله له: يا آدم، اخترت أحسنهما، اخترت عزّك وعزّ ولدك باقيا ما بقوا، وخالدا ما خلدوا» . هذا ما ورد فى ابتداء خلق الفرس؛ والله أعلم بالصواب؛ واليه المرجع والمآب.
وأما أوّل من ذلّل الخيل وركبها- فإسماعيل بن إبراهيم ﵉، ودليل ذلك ما رواه الزّبير بن بكّار فى أوّل كتابه فى أنساب قريش من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كانت الخيل وحوشا لا تركب، فأوّل من ركبها إسماعيل، فلذلك سمّيت
стр. 3218
العراب. وما رواه أحمد بن سليمان النّجّاد فى بعض فوائده «١» من حديث ابن جريج، عن ابن أبى مليكة، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كانت الخيل وحشا كسائر الوحوش، فلمّا أذن الله لإبراهيم وإسماعيل ﵉ برفع القواعد من البيت، قال الله : إنّى معطيكما كنزا ذخرته لكما؛ ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل أن اخرج فادع بذلك الكنز، فخرج إسماعيل إلى (أجياد «٢» ) - وكان موطنا له- وما يدرى ما الدّعاء ولا الكنز، فألهمه الله الدعاء، فلم تبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلّا أجابته، فأمكنته من نواصيها، وذلّلها له؛ فاركبوها واعتقدوها، فإنّها ميامين، وإنّها ميراث عن أبيكم إسماعيل ﵇.
والله أعلم.
ذكر ما ورد فى فضل الخيل وبركتها، وفضل الإنفاق عليها
قال الله : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: «نزلت فى علف الدّوابّ» . وروى عن أبى أمامة الباهلىّ أنّه قال: «هى النّفقة على الخيل فى سبيل الله» ، قال الواحدىّ:
«هذا قول أبى الدّرداء ومكحول والأوزاعىّ» ؛ ومن فضل الخيل وشرفها أنّ الله أقسم بها فى كتابه العزيز، فقال: (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)
؛ وسمّاها الله تعالى الخير فى قوله إخبارا عن سليمان ﵇:
стр. 3219
(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ)
؛ وفى الحديث الصحيح عن مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- عن النّبىّ ﷺ أنه قال: «الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» رواه البخارىّ؛ وفى لفظ آخر: «معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» ؛ ومن طريق آخر عن الشّعبىّ، عن عروة- هو ابن أبى الجعد «١» الأزدىّ البارقىّ- قيل يا رسول الله: وما ذلك الخير؟ قال: «الأجر والغنيمة» رواه مسلم.
وعن عروة رضى الله عنه، قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى فرسا أشقر فى سوق المدينة مع أعرابىّ، فلوى ناصيتها بإصبعيه وقال: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وعن جرير بن عبد الله- رضى الله عنه،- قال: رأيت النّبىّ ﷺ يلوى ناصية فرسه بإصبعه ويقول: «الخير معقود بنواصى الخيل إلى يوم القيامة» ؛ رواه مسلم والنّسائىّ؛ وفى لفظ النّسائىّ: «يفتل ناصية فرس بين إصبعيه» ؛ وفى حديث آخر موضع «معقود» : «معقوص» ، وهو بمعناه، أى ملوىّ بها ومضفور فيها، والعقصة: الضّفيرة.
وفى حديث آخر عن نعيم بن زياد، عن أبى كبشة- رضى الله عنه- قال:
قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة» ؛ وفى لفظ آخر:
«فامسحوا نواصيها، وادعوا لها بالبركة» .
стр. 3220
وعن أسماء بنت يزيد- رضى الله عنها- أنّ رسول الله ﷺ قال: «الخيل فى نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدّة فى سبيل الله فانّ «١» شبعها وجوعها وريّها وظمأها وأرواثها وأبو الها فلاح فى موازينه «٢» يوم القيامة «٣» » ؛ رواه الامام أحمد فى مسنده.
وعن جابر- رضى الله عنه- عن رسول الله ﷺ : «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا بالبركة، وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار» ؛ وفى لفظ: «فى نواصيها الخير والنّيل» ؛ وكانوا يقلّدون الخيل أوتار القسىّ لئلّا تصيبها العين، فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأعلمهم أنّ الأوتار لا تردّ من قضاء الله تعالى شيئا؛ وقيل: نهاهم عن ذلك خوفا على الخيل من الاختناق بها؛ وقيل: المراد بالأوتار الذّحول التى وترتم بها فى الجاهلية؛ وقد اختلف الناس فى تقليد الدوابّ والإنسان أيضا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين؛ فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه، وأجازه بعد الحاجة إليه، لدفع ما أصابه من ضرر العين وشبهه؛ ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار «٤» بالتّداوى قبل حلول المرض؛ وقصر بعضهم النهى على الوتر خاصّة، وأجازه بغير الوتر؛ وقال بعضهم فيمن قلّد فرسه شيئا ملوّنا فيه خرز: إن كان للجمال فلا بأس به.
стр. 3221
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النّبىّ ﷺ أنه قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو روضة، فما أصابت فى طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد «١» أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهى لذلك أجر؛ ورجل ربطها تغنيّا «٢» وتعفّفا، ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها ولا ظهورها، فهى لذلك ستر؛ ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهى على ذلك وزر» .
وفى حديث آخر: «الخيل لثلاثة، هى لرجل أجر، ولرجل ستر؛ وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فالّذى يتّخذها فى سبيل الله ويعدّها له، فلا تغيّب شيئا فى بطونها إلّا كتب له به أجر، ولو رعاها فى مرج فما أكلت شيئا إلا كتب له به أجر؛ ولو سقاها من نهر كان له بكلّ قطرة تغيّبها فى بطونها «٣» - حتّى ذكر الأجر فى أبو الها وأرواثها- ولو استنّت شرفا أو شرفين كتب له بكلّ خطوة تخطوها أجر؛ وأمّا الذى هى له ستر فالّذى يتّخذها تعفّفا وتكرّما وتجمّلا، ولم ينس حقّ ظهورها وبطونها فى عسرها ويسرها؛ وأمّا الذى هى عليه وزر فالّذى يتّخذها أشرا وبطرا وبذخا ورئاء الناس، فذلك الذى هى عليه وزر» .
стр. 3222
(شرح غريب هذين الحديثين) الطّول والطّيل بالواو والياء: الحبل، وكذلك الطّويلة. وقوله: «استنّت» ، أى عدت لمرحها ونشاطها ولا راكب عليها. والشّرف: ما يعلو من الأرض، وقيل: الطّلق، فكأنّه ﷺ يقول: جرت طلقا أو طلقين، بمعنى شوط أو شوطين. والأشر «١» والبطر: شدّة المرح. والبذخ بفتح الذال وبالخاء المعجمتين: الكبر. ونواء لأهل الإسلام: معاداة لهم، من ناوأه نواء ومناوأة، وأصله من ناء إليك ونؤت إليه، أى نهضت.
وعن زياد بن مسلم «٢» الغفارىّ- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها فى سبيل الله وجهاد عدوّه كان شبعها وجوعها وريّها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبو الها أجرا فى ميزانه يوم القيامة؛ ومن ارتبطها للجمال فليس له إلّا ذاك؛ ومن ارتبطها فخرا ورياء كان مثل ما قصّ فى الأوّل وزرا فى ميزانه يوم القيامة» .
وعن حباب- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ :
«الخيل ثلاثة: فرس للرّحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فما أعدّ فى سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله؛ وأمّا فرس الإنسان فما استبطن وتجمّل «٣» عليه، وأما فرس الشيطان فما قومر عليه» ؛ رواه الآجرّىّ «٤» فى (النصيحة) .
стр. 3223
والقمار فى السّباق: أن يكون الزّهان بين فرسين لا محلّل «١» معهما. والاستبطان:
طلب ما فى البطن والنّتاج.
وعن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنهما- عن النّبىّ ﷺ ، قال: «الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فالّذى يرتبط «٢» فى سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله «٣» - وذكر ما شاء الله-؛ وأمّا فرس الشيطان فالذى يقامر «٤» ويراهن عليه؛ وأمّا فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهى ستر «٥» من فقر» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى ابن أبى شيبة فى مسنده أنّ النّبىّ ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل فى سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، ورعايته أجر، وعلفه أجر؛ وفرس يغالق «٦» عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر؛ وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من فقر إن شاء الله» .
стр. 3224
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «البركة فى نواصى الخيل» رواه البخارىّ ومسلم والنّسائىّ. والناصية:
الشعر المسترسل على الجبهة، وقد يكنى بها عن النّفس، نحو قولهم: «فلان مبارك النّاصية» ، أى النّفس؛ قال شيخنا الشيخ الإمام المحدّث النّسّابة القدوة شرف الدّين أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ فى كتاب الخيل، قال أبو الفضل: واذا كان الخير والبركة فى نواصيها فبعيد أن يكون فيها شؤم على ما جاء فى الحديث؛ وقد تأوّل العلماء ذلك أنّ معناه على اعتقاد الناس فى ذلك، لا أنّه خبر من النبىّ ﷺ عن إثبات الشّؤم.
وعن مكحول، قال: قيل لعائشة- رضى الله عنها-: إنّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنّه دخل ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله. وسنذكر الحديث والكلام عليه- إن شاء الله تعالى- فى موضعه.
وعن أنس- رضى الله عنه- قال: لم يكن شىء أحبّ إلى رسول الله ﷺ بعد النّساء من الخيل.
وعن معقل بن يسار- رضى الله عنه- قال: ما كان شىء أحبّ إلى رسول الله ﷺ من الخيل، ثمّ قال: اللهمّ غفرا إلّا النّساء.
وعن زيد بن ثابت- رضى الله عنه-[قال] : سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حبّس فرسا فى سبيل الله كان ستره من النّار» .
стр. 3225
وعن محمد بن عقبة، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتينا تميما الدّارىّ وهو يعالج عليق فرسه بيده، فقلنا له: يا أبا رقيّة، أما لك من يكفيك؟ قال: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له بكلّ حبّة حسنة» .
وروى أنّ روح بن زنباع الجذامىّ زار تميما الدارىّ فوجده ينقّى لفرسه شعيرا، ثمّ يعلفه عليه وحوله أهله؛ فقال له روح: أما كان لك من هؤلاء من يكفيك؟
قال تميم: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم ينقّى لفرسه شعيرا ثمّ يعلفه عليه إلّا كتب الله له بكلّ حبّة حسنة» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى أنّ معاوية بن أبى سفيان قال لابن الحنظليّة: حدّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، [قال: سمعت رسول الله ﷺ «١» ] يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله كانت النفقة عليه كالمادّ يده بصدقة لا يقطعها» ؛ وفى حديث آخر عنه: [ «لا يقبضها» «٢» ] .
ذكر ما جاء فى فضل الطّرق
روى عن أبى عامر الهوزنىّ، عن أبى كبشة الأنمارىّ، أنه أتى رجلا «٣» فقال: أطرقنى من فرسك، فإنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أطرق مسلما فرسا فأعقب له الفرس كتب الله له أجر سبعين فرسا يحمل عليها
следующие страницы →