Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النّبىّ ﷺ أنه قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو روضة، فما أصابت فى طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد «١» أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهى لذلك أجر؛ ورجل ربطها تغنيّا «٢» وتعفّفا، ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها ولا ظهورها، فهى لذلك ستر؛ ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهى على ذلك وزر» .
وفى حديث آخر: «الخيل لثلاثة، هى لرجل أجر، ولرجل ستر؛ وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فالّذى يتّخذها فى سبيل الله ويعدّها له، فلا تغيّب شيئا فى بطونها إلّا كتب له به أجر، ولو رعاها فى مرج فما أكلت شيئا إلا كتب له به أجر؛ ولو سقاها من نهر كان له بكلّ قطرة تغيّبها فى بطونها «٣» - حتّى ذكر الأجر فى أبو الها وأرواثها- ولو استنّت شرفا أو شرفين كتب له بكلّ خطوة تخطوها أجر؛ وأمّا الذى هى له ستر فالّذى يتّخذها تعفّفا وتكرّما وتجمّلا، ولم ينس حقّ ظهورها وبطونها فى عسرها ويسرها؛ وأمّا الذى هى عليه وزر فالّذى يتّخذها أشرا وبطرا وبذخا ورئاء الناس، فذلك الذى هى عليه وزر» .
стр. 3222
(شرح غريب هذين الحديثين) الطّول والطّيل بالواو والياء: الحبل، وكذلك الطّويلة. وقوله: «استنّت» ، أى عدت لمرحها ونشاطها ولا راكب عليها. والشّرف: ما يعلو من الأرض، وقيل: الطّلق، فكأنّه ﷺ يقول: جرت طلقا أو طلقين، بمعنى شوط أو شوطين. والأشر «١» والبطر: شدّة المرح. والبذخ بفتح الذال وبالخاء المعجمتين: الكبر. ونواء لأهل الإسلام: معاداة لهم، من ناوأه نواء ومناوأة، وأصله من ناء إليك ونؤت إليه، أى نهضت.
وعن زياد بن مسلم «٢» الغفارىّ- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها فى سبيل الله وجهاد عدوّه كان شبعها وجوعها وريّها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبو الها أجرا فى ميزانه يوم القيامة؛ ومن ارتبطها للجمال فليس له إلّا ذاك؛ ومن ارتبطها فخرا ورياء كان مثل ما قصّ فى الأوّل وزرا فى ميزانه يوم القيامة» .
وعن حباب- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ :
«الخيل ثلاثة: فرس للرّحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فما أعدّ فى سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله؛ وأمّا فرس الإنسان فما استبطن وتجمّل «٣» عليه، وأما فرس الشيطان فما قومر عليه» ؛ رواه الآجرّىّ «٤» فى (النصيحة) .
стр. 3223
والقمار فى السّباق: أن يكون الزّهان بين فرسين لا محلّل «١» معهما. والاستبطان:
طلب ما فى البطن والنّتاج.
وعن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنهما- عن النّبىّ ﷺ ، قال: «الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فالّذى يرتبط «٢» فى سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله «٣» - وذكر ما شاء الله-؛ وأمّا فرس الشيطان فالذى يقامر «٤» ويراهن عليه؛ وأمّا فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهى ستر «٥» من فقر» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى ابن أبى شيبة فى مسنده أنّ النّبىّ ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل فى سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، ورعايته أجر، وعلفه أجر؛ وفرس يغالق «٦» عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر؛ وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من فقر إن شاء الله» .
стр. 3224
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «البركة فى نواصى الخيل» رواه البخارىّ ومسلم والنّسائىّ. والناصية:
الشعر المسترسل على الجبهة، وقد يكنى بها عن النّفس، نحو قولهم: «فلان مبارك النّاصية» ، أى النّفس؛ قال شيخنا الشيخ الإمام المحدّث النّسّابة القدوة شرف الدّين أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ فى كتاب الخيل، قال أبو الفضل: واذا كان الخير والبركة فى نواصيها فبعيد أن يكون فيها شؤم على ما جاء فى الحديث؛ وقد تأوّل العلماء ذلك أنّ معناه على اعتقاد الناس فى ذلك، لا أنّه خبر من النبىّ ﷺ عن إثبات الشّؤم.
وعن مكحول، قال: قيل لعائشة- رضى الله عنها-: إنّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنّه دخل ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله. وسنذكر الحديث والكلام عليه- إن شاء الله تعالى- فى موضعه.
وعن أنس- رضى الله عنه- قال: لم يكن شىء أحبّ إلى رسول الله ﷺ بعد النّساء من الخيل.
وعن معقل بن يسار- رضى الله عنه- قال: ما كان شىء أحبّ إلى رسول الله ﷺ من الخيل، ثمّ قال: اللهمّ غفرا إلّا النّساء.
وعن زيد بن ثابت- رضى الله عنه-[قال] : سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حبّس فرسا فى سبيل الله كان ستره من النّار» .
стр. 3225
وعن محمد بن عقبة، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتينا تميما الدّارىّ وهو يعالج عليق فرسه بيده، فقلنا له: يا أبا رقيّة، أما لك من يكفيك؟ قال: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له بكلّ حبّة حسنة» .
وروى أنّ روح بن زنباع الجذامىّ زار تميما الدارىّ فوجده ينقّى لفرسه شعيرا، ثمّ يعلفه عليه وحوله أهله؛ فقال له روح: أما كان لك من هؤلاء من يكفيك؟
قال تميم: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم ينقّى لفرسه شعيرا ثمّ يعلفه عليه إلّا كتب الله له بكلّ حبّة حسنة» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى أنّ معاوية بن أبى سفيان قال لابن الحنظليّة: حدّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، [قال: سمعت رسول الله ﷺ «١» ] يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله كانت النفقة عليه كالمادّ يده بصدقة لا يقطعها» ؛ وفى حديث آخر عنه: [ «لا يقبضها» «٢» ] .
ذكر ما جاء فى فضل الطّرق
روى عن أبى عامر الهوزنىّ، عن أبى كبشة الأنمارىّ، أنه أتى رجلا «٣» فقال: أطرقنى من فرسك، فإنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أطرق مسلما فرسا فأعقب له الفرس كتب الله له أجر سبعين فرسا يحمل عليها
стр. 3226
فى سبيل الله، وإن لم يعقب «١» كان له كأجر فرس حمل عليه فى سبيل الله » رواه الطّبرانىّ فى المعجم الكبير.
وعن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: ما تعاطى الناس بينهم شيئا قطّ أفضل من الطّرق، يطرق الرجل فرسه فيجرى له أجره، ويطرق الرجل فحله فيجرى له أجره، ويطرق الرجل كبشه فيجرى له أجره. [والله الموفّق للصواب، وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله وكفى] .
ذكر ما جاء من دعاء الفرس لصاحبه
حكى الأبيوردىّ فى رسالته، قال: حكى عبد الرحمن بن زياد أنّه لمّا نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل، فمرّ حديج «٢» بن صومى «٣» بأبى ذرّ- رضى الله عنه- وهو يمرّغ فرسه الأجدل؛ فقال: ما هذا الفرس يا أبا ذرّ؟ قال:
هذا فرس لى، لا أراه إلّا مستجابا، قال: وهل تدعو الخيل فتجاب؟ قال: نعم، ما من ليلة إلّا والفرس يدعو فيها ربّه يقول: اللهم إنّك سخّرتنى لابن آدم، وجعلت
стр. 3227
رزقى بيده، فاجعلنى احبّ اليه من أهله وماله، اللهمّ ارزقه منّى، وارزقنى على يده.
وروى أن هذا الخبر عن معاوية بن حديج، عن أبى ذرّ، وكلاهما روى عن عبد الله بن عمرو؛ ومعاوية هذا يعدّ من الصحابة الّذين سكنوا مصر؛ وفى حديثه عن أبى ذرّ «أحبّ إليه من أهله وولده» الحديث، وزاد فيه: «فمنها المستجاب، ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسى هذا إلّا مستجابا» . ورواه النّسائىّ فى كتاب الخيل من سننه؛ ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «ما من فرس عربىّ إلّا يؤذن له عند [كلّ «١» ] سحر- وفى رواية: عند كلّ فجر- بدعوتين:
اللهمّ خوّلتنى من خوّلتنى من بنى آدم، وجعلتنى له، فاجعلنى أحبّ أهله وماله؛ أو من أحبّ أهله وماله اليه» ؛ [والله أعلم] .
ذكر ما ورد من أنّ الشيطان لا يخبل «٢» من فى داره فرس عتيق، ولا يدخل دارا فيها فرس عتيق
عن عبد الله بن عريب المليكىّ، عن أبيه- رضى الله عنهما- أنّ النّبىّ ﷺ قال: «لن يخبل «٣» الشيطان أحدا فى داره فرس عتيق» . وفى لفظ آخر: «الجنّ لا تخبل «٤» أحدا فى بيته عتيق من الخيل» . ورواه ابن قانع أيضا فى معجمه من حديث عريب المليكىّ، عن النبىّ ﷺ فى قوله تعالى:
(وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ)
قال: «الجنّ» ، ثم قال رسول الله صلى الله
стр. 3228
عليه وسلم: «إنّ الشيطان لا يخبل أحدا فى دار فيها فرس عتيق» وقيل: [المراد «١» ] [أنّ «٢» ] الشيطان لا يدخل دارا فيها فرس عتيق.
وروى أنّ رجلا أتى النبىّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنّى أرجم باللّيل، فقال النّبىّ ﷺ : «ارتبط فرسا عتيقا» قال: فلم يرجم بعد ذلك؛ رواه محمد بن يعقوب الخيلىّ فى (كتاب الفروسيّة وعلاجات الدوابّ) .
ذكر ما جاء فى التماس نسل الخيل والنهى عن خصائها والرخصة [فيه «٣» ] والنهى عن هلبها «٤» وجزّ أعرافها «٥» ونواصيها
روى عن عبد الله [بن] عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- قال:
أصاب رسول الله ﷺ فرسا من جدس «٦» ، (حىّ باليمن) ، فأعطاه رجلا من الأنصار، وقال: «إذا نزلت فانزل قريبا منّى فإنى أتسارّ «٧» إلى صهيله» ففقده «٨» ليلة، فسأل عنه، فقال يا رسول الله: إنا خصيناه، فقال: «مثلّت به» ،
стр. 3229
يقولها ثلاثا، «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها أدفاؤها، وأذنابها مذابّها، التمسوا نسلها، وباهوا بصهيلها المشركين» .
وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: نهى رسول الله ﷺ عن جزّ أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها، وقال: «أمّا أذنابها فمذابّها، وأمّا أعرافها فأدفاؤها، وأمّا نواصيها ففيها الخير» .
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- عن رسول الله ﷺ ، قال: «لا تهلبوا «١» أذناب الخيل، ولا تجزّوا أعرافها ونواصيها، فإنّ البركة فى نواصيها، ودفاؤها فى أعرافها، وأذنابها مذابّها» .
وعن عائشة أمّ المؤمنين- رضى الله عنها- قالت: نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل. [عن عبد «٢» الله بن عمر-، قال: نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل] والإبل والغنم؛ قال ابن عمر- رضى الله عنهما-: «فيها نشأة الخلق، ولا تصلح الإناث إلّا بالذكور» .
وروى عكرمة «٣» عن ابن عبّاس- رضى الله عنهم- أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا خصاء فى الإسلام ولا بنيان كنيسة» .
وكتب عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- الى سعد بن أبى وقّاص- رضى الله عنه- ينهى عن حذف أذناب الخيل وأعرافها وخصائها. ومن العلماء من رأى
стр. 3230
الخصاء، وذكر أنّ عروة بن الزّبير خصى بغلا له؛ وأنّ عمر بن عبد العزيز خصى بغلا له فى زمن خلافته، وأنّ الحسن سئل عن الخصاء فقال: «لا بأس به» ، وأنّ ابن سيرين قال: «لا بأس بخصاء الخيل، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضا» ، وأن عطاء قال: «ما خيف عضاضه وسوء خلقه فلا بأس» . قال البيهقىّ: ومتابعة قول ابن عمر وابن عبّاس- رضى الله عنهم- مع ما فيه من السنّة المرويّة أولى، ويحتمل جواز ذلك اذا اتّصل به غرض صحيح.
ذكر ما قيل فى أكل لحوم الخيل من الإباحة والكراهة
قد أباح أكلها جماعة، منهم شريح والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وحمّاد بن أبى سليمان والثّورىّ وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك والشافعىّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور فى جماعة من السّلف؛ ودليلهم على ذلك ما اتفق عليه البخارىّ ومسلم من حديث أسماء بنت أبى بكر الصدّيق وجابر بن عبد الله- رضى الله عنهم-؛ فأمّا حديث أسماء فقالت: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» . وأمّا حديث جابر- رضى الله عنه- فقال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخّص- أو أذن- فى لحوم الخيل» .
وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعىّ إلى أنّها مكروهة، إلّا أنّ كراهيتها عند مالك كراهية تنزيه، لا تحريم فى إحدى الروايتين عنه؛ ودليلهم ما رواه أبو داود والنّسائىّ وابن ماجة من حديث بقيّة بن الوليد الحمصىّ، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب، عن أبيه، عن جدّه، عن خالد بن الوليد- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وما تضمّنته الآية من قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
стр. 3231
وَزِينَةً) *
. قال صاحب الهداية الحنفىّ: خرجت- أى الآية-[مخرج «١» ] الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النّعم ويمتنّ بأدناها؛ ولأنّها آلة إرهاب العدوّ، فيكره أكله احتراما له، ولهذا يضرب له بسهم فى الغنيمة؛ ولأنّ فى إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديث جابر معارض بحديث خالد ابن الوليد، والترجيح للمحرّم؛ ثم قيل: الكراهية عنده كراهية تحريم؛ وقيل: كراهية تنزيه؛ والأوّل أصحّ؛ وأمّا لبنه- فقد قيل: لا بأس به، إذ ليس فى شربه تقليل آلة الجهاد؛ انتهى كلام صاحب الهداية.
وقد عورض فى أدلّته بأقوال؛ أمّا الآية، فقد قيل: الغالب فى الانتفاع بهذه الدوابّ ما أشار الله تعالى اليه فيها من الركوب والزينة، فأمّا أكلها فنادر، فخرجت الآية مخرج الغالب؛ وقالوا: ألا ترى أنّ الأنعام لمّا كانت متقاربة الحال عند العرب فى الانتفاع بها أكلا ونجمّلا وركوبا وتحميلا، منّ الله عليهم بتفصيل أحوالها المألوفة والمعتادة عندهم المعروفة فى الآية قبلها، فقال تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ)
؛ وأما حديث خالد فإنّه وإن كان أحوط من حديث جابر وأسماء [فإنّ حديث جابر «٢» وأسماء] أسند وأصحّ؛ وحديث خالد لا يعرف إلّا من رواية بقيّة
стр. 3232
ابن الوليد الحمصىّ، وفيه مقال، حتّى إنّ بعضهم قال: «إنّ أحاديث بقيّة غير نقيّه، فكن منها على تقيّه» ؛ وصالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب الكندىّ الحمصىّ، قال البخارىّ: «فيه نظر» ؛ وقال موسى بن هارون: «لا يعرف صالح ولا أبوه إلّا بجدّه» ؛ وقال أبو داود فى سننه: «وحديث خالد هذا منسوخ، قد أكله «١» جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ » ؛ وهذا الاعتراض على الحنفيّة أورده شيخنا الشيخ شرف الدّين الدّمياطىّ عليهم فى (كتاب الخيل) له؛ هذا ما قيل فى أكل لحومها.
ذكر ما جاء فى النّهى عن عسب الفحل وبيع مائه
روى عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال: «نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل» . وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- أنّ رجلا من كلاب سأل النبىّ ﷺ عن عسب الفحل، فنهاه، فقال:
يا رسول الله، إنّا نطرق الفحل فنكرم، فرخّص له فى الكرامة؛ رواه الترمذىّ، وقال: «حسن غريب» . والعسب: الضّراب؛ والنهى عنه، أى [عن] كرائه؛ وقيل: العسب، ماء الفحل.
ذكر ما جاء فى إكرام الخيل ومنع إذالتها
روى أبو داود فى المراسيل، عن نعيم بن أبى هند- رضى الله عنه- أنّ النبىّ ﷺ أتى بفرس، فقام إليه يمسح وجهه وعينيه ومنخريه بكمّ قميصه، فقيل: يا رسول الله، تمسح بكّم قميصك؟ فقال: «إنّ جبريل عاتبنى فى الخيل» .
وفى حديث آخر: أنّ رسول الله ﷺ مسح بطرف ردائه وجه
стр. 3233
فرسه، وقال: «إنّى عوتبت اللّيلة فى إذالة الخيل» . وعن الوضين بن عطاء- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلّوها» . وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الخيل وجلّلوها» . وعن مجاهد- رضى الله عنه- قال: «أبصر رسول الله ﷺ إنسانا ضرب وجه فرسه ولعنه، فقال: «هذه مع تلك؟
لتمسّنّك النار إلّا أن تقاتل عليه فى سبيل الله» ، فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف، وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا. وعن زيد بن ثابت- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ قضى فى عين الفرس ربع ثمنه. وعن عروة البارقىّ قال: كانت لى أفراس فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان «١» ، فأتيت عمر- رضى الله عنه- فكتب إلى سعد بن أبى وقّاص أنّ خيّر الدّهقان بين أن يعطيه عشرين ألفا ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم ربع الثمن؛ فقال الدهقان: ما أصنع بالفرس؟ فغرّم ربع الثمن. وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: ما من ليلة إلّا ينزل ملك من السماء يحسّ «٢» عن دوابّ الغزاة الكلال إلّا دابّة فى عنقها جرس.
ذكر ما ورد من الأمر بارتباط الخيل وما يستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها
قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا)
؛ قال الزمخشرىّ فى تفسيره: اصبروا على الدّين وتكاليفه؛ وصابروا أعداء الله فى الجهاد، أى غالبوهم فى الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقلّ صبرا منهم وثباتا؛ ورابطوا: أقيموا
стр. 3234
فى الثغور رابطين خيلكم مترصّدين مستعدّين للغزو. وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .
وعن قيس بن باباه، قال: سمعت سلمان- رضى الله عنه- يقول:
[سمعت رسول الله ﷺ يقول «١» ] : «ما من رجل مسلم إلّا حقّ عليه أن يرتبط فرسا إذا أطاق ذلك» .
وعن [أبى] وهب الجشمىّ- وكانت له صحبة، رضى الله عنه- قال:
قال رسول الله ﷺ : «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار، وعليكم بكلّ كميت أغرّ محجّل، أو أشقر أغرّ محجّل، أو أدهم أغرّ محجّل» . هكذا ساقه النّسائىّ فى سننه.
وعن عقبة بن عامر- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أدهم «٢» محجّلا مطلق اليمنى فإنّك تغنم وتسلم» رواه الدّمياطىّ بسنده فى (كتاب الخيل) له.
وعن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- عن النّبىّ ﷺ ، قال:
«يمن الخيل فى شقرها» . واليمن: البركة. رواه أبو داود والترمذىّ؛ ولفظ الترمذىّ: «يمن الخيل فى الشّقر» .
وروى الواقدىّ، عن سعيد بن خالد، عن داود بن علىّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه، عن جدّه- رضى الله عنهم- عن رسول الله ﷺ قال: «خير الخيل الشّقر» .
стр. 3235
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الخيل الشّقر وإلّا فأدهم أغرّ محجّل ثلاث، مطلق اليمنى» .
وذكر سليمان بن بنين النحوىّ المصرىّ فى كتاب (آلات الجهاد، وأدوات الصافنات الجياد) ، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ بطريق تبوك، وقد قلّ الماء، فبعث الخيل فى كلّ وجه يطلبون الماء، فكان أوّل من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثانى صاحب أشقر، وكذلك الثالث، فقال ﷺ : «اللهمّ بارك للشّقر» .
وعن عمرو بن الحارث الأنصارىّ، عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال النّبىّ ﷺ : «لو أنّ خيل العرب جمعت فى صعيد واحد ما سبقها إلّا أشقر» . وكان ﷺ يحبّ الشّقر.
وعن أبى قتادة الأنصارىّ- رضى الله عنه- عن النّبىّ ﷺ ، قال:
«خير الخيل الأدهم الأقرح «١» الأرثم «٢» ، ثمّ الأقرح «٣» المحجّل طلق «٤» اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشّية «٥» » هكذا ساقه الترمذىّ؛ ورواه أيضا ابن ماجة، ولفظه:
«خير الخيل الأدهم الأقرح «٦» الأرثم «٧» المحجّل طلق «٨» اليد اليمنى، فإن لم يكن أدهم فكميت
стр. 3236
على هذه الشّية» . وفى بعض ألفاظه عن يزيد «١» بن أبى حبيب، قال: قال النّبىّ ﷺ : «الخير فى الأدهم الأقرح «٢» الأرثم «٣» محجّل ثلاث، طلق «٤» اليمنى ثمّ أغرّ بهيم-[وفى لفظ «٥» : الأدهم [البهيم «٦» ] ، أو أغرّ بهيم]- ويسلم «٧» ان شاء الله، فإن لم يكن أدهم فكميت فى هذه الشية» وروى أبو عبيدة من حديث ابن شبرمة، قال:
حدّثنى الشّعبىّ فى حديث رفعه، أنّه قال: «التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأدهم المحجّل الثلاث، المطلق اليد اليمنى» . وعن عقبة بن عامر- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أغرّ «٨» محجّلا مطلق اليمنى، فإنك تسلم وتغنم» . وعن موسى بن علىّ بن رباح عن أبيه- رضى الله عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنّى أريد أن أبتاع فرسا، أو أفنّد «٩» فرسا؛ فقال له رسول الله ﷺ : «عليك به كميتا أو أدهم أقرح «١٠» أرثم «١١» محجّل ثلاث، طلق «١٢» اليمنى» .
стр. 3237
وعن عطاء- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ خير الخيل الحوّ» . الحوّ: جمع أحوى «١» . وسيأتى شرح لونه فى ذكر الألوان والشّيات.
وعن نافع بن جبير، عن النّبىّ ﷺ أنّه قال: «اليمن فى الخيل فى كلّ أحوى «٢» أحمّ» .
ذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح فحولها على إناثها وما جاء فى ذلك
عن يحيى بن كثير- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بإناث الخيل، فإنّ ظهورها عزّ، وبطونها كنز» . وفى لفظ:
«ظهورها حرز» .
وروى أنّ خالد بن الوليد- رضى الله عنه- كان لا يقاتل إلّا على أنثى، [لأنّها «٣» ] تدفع البول وهى تجرى، والفحل يحبس البول فى جوفه حتّى ينفتق «٤» ، و [لأن «٥» ] الأنثى أقلّ صهيلا.
стр. 3238
وروى عن عبادة بن نسىّ «١» ، أو ابن محيريز «٢» أنّهم كانوا يستحبّون إناث الخيل فى الغارات والبيات «٣» ولما خفى من أمور الحرب، وكانوا يستحبّون فحول الخيل فى الصّفوف والحصون والسّير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب «٤» ، وكانوا يستحبّون خصيان الخيل فى الكمين والطلائع، لأنّها أصبر وأبقى فى الجهد.
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: كان السلف يستحبّون الفحولة من الخيل، ويقولون: هى أجسر «٥» وأجرأ. وحكاه البخارىّ فى جامعه عن راشد بن سعد قال: كان السلف يستحبّون الفحول من الخيل، لأنّها أجرأ وأجسر.
ذكر ما ورد فى شؤم الفرس وما يذمّ من عصمها ورجلها
روى عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله ﷺ قال: «الشؤم فى الدّار والمرأة والفرس» . وفى لفظ عنه ﷺ : «الشؤم فى ثلاثة: فى الفرس والمرأة والدّار» . وقد قيل فى هذا الحديث:
إنّ المراد بالشؤم: شؤم المرأة اذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس اذا لم يغز عليها وشؤم الدار جار السوء؛ قاله معمر.
وقد صحّ عن النّبىّ ﷺ أنّه قال: «البركة فى ثلاث: فى الفرس والمرأة والدّار» . وسئل سالم بن عبد الله- وهو راوى هذا الحديث عن رسول الله
стр. 3239
صلّى الله عليه وسلم- ما معناه؟ فقال: قال النّبىّ ﷺ : «اذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، واذا كانت المرأة قد عرفت زوجا قبل زوجها فحنّت إلى الزوج الأوّل فهى مشئومة، واذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان والإقامة فهى مشئومة، واذا كنّ بغير هذا الوصف فهنّ مباركات» .
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: كان النّبىّ ﷺ يكره الشّكال من الخيل. والشّكال: أن يكون للفرس فى رجله اليمنى بياض وفى يده اليسرى، أو فى يده اليمنى وفى رجله اليسرى؛ قال أبو داود: أى مخالف؛ رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة؛ ورواه الترمذىّ والنّسائىّ، ولفظهما: أنّه كان يكره الشّكال فى الخيل؛ وزاد النّسائىّ: والشّكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم محجّلة وواحدة مطلقة، أو تكون الثلاث مطلقة وواحدة محجّلة. وقال شيخنا شرف الدّين الدّمياطىّ- ﵀: وليس يكون الشّكال إلّا فى الرّجل، ولا يكون فى اليد. وهذا الذى زاده النّسائىّ هو قول أبى عبيدة. وقال ابن دريد:
الشّكال: أن يكون الحجل «١» فى يد ورجل من شقّ واحد، فان كان مخالفا قيل:
شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرّز: وقيل، الشّكال: بياض الرّجل اليمنى واليد اليمنى؛ وقيل: بياض اليد اليسرى والرّجل اليسرى؛ وقيل: بياض الرجلين ويد واحدة. قال الشيخ: والصحيح من صفة الشّكال ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنّى وغيره: أنه البياض الذى يكون بيد ورجل من خلاف قلّ أو كثر، وهو الذى ورد فى صحيح مسلم وسنن أبى داود؛ قال الشيخ: وكراهته تحتمل وجهين: إما تفاؤلا، لشبهه المشكول المقيّد الذى لا نهوض فيه، وإمّا لجواز أن
стр. 3240
يكون هذا النوع قد جرّب فلم توجد فيه نجابة؛ وقيل: إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة لزوال شبهه الشّكال. والرّجل: إذا كان البياض بإحدى رجليه فهو أرجل، ويكره إلّا أن يكون به وضح غيره؛ وقيل: لا يكره إلا إذا كان البياض فى رجله اليسرى خاصّة؛ وقيل: الأرجل، هو الذى لا يكون فيه بياض سوى قطعة فى رجله غير دائرة حوالى الإكليل «١» ؛ يقال: رجل الفرس، إذا ابيضّت إحدى رجليه؛ وسيأتى بيان التحجيل والعصم وغيرهما عند ذكرنا للشّيات؛ والله أعلم.
ذكر ما جاء فى سباق الخيل وما يحلّ منه وما يحرم وكيفيّة «٢» التضمير عند السّباق، وأسماء السّوابق فى الحلبة
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا سبق «٣» إلّا فى خفّ أو حافر أو نصل» رواه أبو داود والترمذىّ والنّسائىّ.
وفى رواية أخرى للنّسائىّ: «لا يحلّ سبق «٤» إلّا على خفّ أو حافر» ، وسئل «٥» ابن عمر- رضى الله عنهما- أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟
فقال: لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له.
стр. 3241
وعنه- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التى قد ضمّرت «١» من (الحفياء «٢» ) ، وكان أمدها (ثنيّة الوداع) ، وسابق بين الخيل التى لم تضمّر «٣» من (الثّنيّة) إلى (مسجد بنى زريق «٤» ) ، وأنّ ابن عمر كان ممّن سابق بها. قال سفيان الثّورىّ: بين الحفياء «٥» إلى (ثنيّة الوداع) خمسة أميال أو ستّة، ومن (الثّنيّة) إلى (مسجد بنى زريق «٦» ) ميل. وقال موسى بن عقبة: بين (الحفياء «٧» ) (وثنيّة الوداع) ستّة أميال أو سبعة، وبين (الثّنيّة) (والمسجد) ميل أو نحوه؛ رواه البخارىّ وغيره.
وفى لفظ آخر، عن ابن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله ﷺ سبّق بين الخيل، فجعل غاية المضمّرة «٨» من (الحفياء «٩» ) الى (ثنيّة الوداع) ، وما لم يضمّر «١٠» من (ثنيّة الوداع) إلى (مسجد بنى زريق «١١» ) ؛ قال ابن عمر: فجئت سابقا فطفر بى الفرس المسجد.
وذكر ابن بنين فى كتابه أنّ رسول الله ﷺ سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلّى حلّتين، والثالث حلّة، والرابع دينارا، والخامس درهما، والسادس قصبة، وقال: «بارك الله فيك وفى كلّكم وفى السابق والفسكل «١٢» » . وروى البلاذرىّ عن ابن سعد عن الواقدىّ، عن سليمان بن الحارث، عن عبد المهيمن بن عبّاس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جدّه، قال:
стр. 3242
أجرى رسول الله ﷺ الخيل، فسبقت على فرس رسول الله ﷺ (الظّرب «١» ) ، فكسانى بردا يمانيّا.
وعن الواقدىّ، عن سليمان بن الحارث، عن الزبير بن المنذر بن أبى أسيد، قال: سبق أبو أسيد الساعدىّ على فرس رسول الله ﷺ (لزاز «٢» ) ، فأعطاه حلّة يمانيّة. وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: طلعت الخيل وقد تقدّمها فرس للنبى ﷺ ، فبرك على ركبتيه، وأطلع رأسه من الصفّ، وقال: «كأنّه بحر» . وفى لفظ عن مكحول: فجاء فرس له أدهم سابقا، وأشرف على الناس، فقالوا: الأدهم الأدهم، وجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه ومرّ به وقد انتشر ذنبه وكان معقودا، فقال رسول الله ﷺ : «البحر» .
وأوّل مسابقة كانت فى الإسلام سنة ستّ من الهجرة، سابق رسول الله ﷺ بين الخيل، فسبق فرس لأبى بكر الصّدّيق- رضى الله عنه- فأخذ السّبق «٣» . والمسابقة ممّا كان فى الجاهليّة فأقرّه الإسلام؛ وليس هو من باب
стр. 3243
تعذيب البهائم «١» ، بل من تدريبها بالجرى وإعدادها لحاجتها للطّلب والكرّ؛ واختلف فيه، هل هو من باب المباح، أو من باب المرغّب فيه والسّنن.
وعن سعيد بن المسيّب أنه قال: ليس برهان الخيل بأس اذا أدخلوا فيها محلّلا «٢» ليس دونها، إن سبق أخذ السّبق «٣» ، وإن سبق لم يكن عليه شىء.
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النّبىّ ﷺ ، قال:
«من أدخل فرسا بين فرسين- يعنى وهو لا يؤمن أن يسبق- فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» ؛ رواه أبو داود فى الجهاد فى باب المحلّل، ورواه ابن ماجة.
قال الشيخ شرف الدّين الدّمياطىّ- رحمه الله تعالى- قوله: «من أدخل فرسا» ، هو فرس المحلّل اذا كان كفؤا يخافان أن يسبقهما فيحرز السّبق «٤» ، فهو جائز؛ وان كان بليدا مأمونا أن يسبق فيحرز السّبق «٥» لم يحصل به معنى التحليل، وصار إدخاله بينهما لغوا لا معنى له، وحصل الأمر على رهان من فرسين لا محلّل بينهما، وهو عين القمار. وقال القاضى أبو الفضل: لا خلاف فى جواز المراهنة فيها- يعنى المسابقة- وأنّها خارجة من باب القمار، لكن لذلك صور: إحداها متّفق على جوازها، والثانية متّفق على منعها، وفى الوجوه الأخر خلاف؛ فأمّا المتّفق على جوازه فأن يخرج الوالى سبقا «٦» يجعله للسابق من المتسابقين ولا فرس له
стр. 3244
فى الحلبة، فمن سبق فهو له؛ وكذلك لو أخرج أسباقا أحدها للسابق، والثانى للمصلّى، والثالث للثالث، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم؛ وكذلك لو فعل متطوّعا رجل من الناس ممّن لا فرس له فى الحلبة، لأنّ هذا قد خرج من معنى القمار الى باب المكارمة والتفضّل على السابق، وقد أخرجه عن يده بكلّ حال؛ وأمّا المتّفق على منعه فأن يخرج كلّ واحد من المتسابقين سبقا، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه وأمسك متاعه، فهذا قمار عند مالك والشافعىّ وجميع العلماء ما لم يكن بينهما محلّل [فان كان بينهما «١» محلّل] فجعلا له السّبق إن سبق ولا شىء عليه إن سبق فأجازه ابن المسيّب، وقاله مالك مرّة، والمشهور عنه أنّه لا يجوز؛ وقال الشافعىّ مثل قول ابن المسيّب؛ فإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وسبق صاحبه، وإن تساويا كان لكلّ واحد منهما ما أخرج، وإن سبق المحلّل حاز السّبقين، وان سبق أحدهما مع المحلّل أحرزا سبق المتأخّر؛ وسمّى المحلّل محلّلا لتحليله السبق بدخوله، لأنّه علم أنّ المقصد بدخوله السّبق لا المال، وان لم يكن بينهما محلّل فمقصدهما المال والمخاطرة فيه؛ وقال محمد بن الحسن نحوه والأوزاعىّ وأحمد وإسحاق؛ ومن الوجوه المختلف فيها أن يكون الوالى أو غيره ممّن أخرج السّبق له فرس فى الحلبة، فيخرج سبقا على أنّه إن سبق هو حبس سبقه، وإن سبق أخذه السابق، فأكثر العلماء يجيزون هذا الشرط، وهو أحد أقوال مالك وبعض أصحابه، وهو قول الشافعىّ واللّيث والثّورىّ وأبى حنيفة قالوا: «الأسباق على ملك أربابها، وهم فيها على شروطهم» ؛ وأبى ذلك مالك فى الرواية الأخرى وبعض أصحابه وربيعة والأوزاعىّ، وقالوا: «لا يرجع اليه سبقه» ؛ قال
стр. 3245
مالك: وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه إن لم يكن مع المتسابقين ثالث، فإن كان معهما ثالث فللّذى يلى مخرجه إن سبق، فإن سبق غيره فهو له بغير خلاف، فخرج هذا عندهم عن معنى القمار جملة؛ ولحق بالأوّل، لأن صاحبه قد أخرجه عن ملكه جملة، وتفضّل بدفعه؛ وفى الوجوه الأخر معنى من القمار والخطر، لأنها مرّة ترجع الأسباق لمخرج أحدها، ومرّة تخرج عنه إلى غيره.
ومن شرط وضع الرّهان فى المسابقة أن تكون الخيل متقاربة الحال فى سبق بعضها بعضا، فمتى تحقّق حال أحدها فى السّبق كان الرّهان فى ذلك قمارا لا يجوز، وإدخال المحلّل لغوا لا معنى له؛ وكذلك إن كانت متقاربة الحال ممّا يقطع غالبا بسبق جنسها، كالمضمّرة مع غير المضمّرة، والعراب مع غيرها، فلا تجوز المراهنة فى مثل هذا؛ وقد ميّز النّبىّ ﷺ ما ضمّر فى السّباق، وأفرده عن ما لم يضمّر، وتجوز فيها المسابقة بغير رهان، وإنّما يدخل التحليل والتحريم مع الرّهان.
[ومن شرطها «١» أيضا] الأمد لسباقها؛ وحكى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: اذا سبق الفرس بأذنه فهو سابق، هذا إذا تساوت أعناق الخيل فى الطّول، فإن اختلفت أعناقها بالطّول والقصر كان السّبق بالكاهل.
وأمّا أسماء السوابق فى الحلبة- فالسوابق عند أبى عبيدة عشرة:
أوّلها السابق، ثم المصلّى، ثم الثالث والرابع كذلك إلى التاسع، والعاشر السّكيت، ويقال بالتشديد. وقال ابن قتيبة: «فما جاء بعد ذلك لم يعتدّ به» ؛ والفسكل:
الذى يجىء فى الحلبة آخر الخيل. وأمّا الأصمعىّ فإنّه يقول: أوّلها المجلّى، وهو المقصّب، أى محرز قصب السّبق، ثم المصلّى، ثم المسلّى، ثم التالى، ثم المؤمّل،
стр. 3246
ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الحظىّ، ثم اللّطيم، ثم السّكيت. وقال ابن الأنبارىّ فى (الزاهر) : الأوّل المجلّى، الثانى المصلّى، الثالث المسلّى، الرابع التالى، الخامس المرتاح، السادس العاطف، السابع الحظىّ، الثامن المؤمّل، التاسع اللّطيم، العاشر السّكيت، والكاف منه تخفّف وتشدّد، قال الشاعر:
جاء المجلّى والمصلّى بعده ... ثمّ المسلّى بعده والتالى
نسقا وقاد حظيّها مرتاحها ... من قبل عاطفها بلا إشكال
وقال أبو الغوث: أوّلها المجلّى، وهو السابق، ثم المصلّى، ثم المسلّى، ثمّ التّالى، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم المؤمّل، ثم الحظىّ، ثم اللّطيم، ثم السّكيت؛ وأنشد بعضهم فى العشرة:
أتانا المجلّى والمصلّى بعده ... مسلّ وتال بعده عاطف يجرى
ومرتاحها ثمّ الحظى ومؤمّل ... وجاء اللّطيم والسكيت له يبرى «١»
وقال الجاحظ: كانت العرب تعدّ السوابق ثمانية، ولا تجعل لما جاوزها حظّا، فأوّلها السابق، ثم المصلّى، ثم المقفّى، ثم التالى، ثم العاطف، ثم المذمّر، ثمّ البارع «٢» ، ثم اللّطيم؛ وكانت العرب تلطم وجه الآخر وان كان له حظّ. وقال ابن الأجدابىّ: المحفوظ عن العرب السابق والمصلّى والسكيت الذى هو العاشر، وأمّا باقى الأسماء فأراها محدثة، والفسكل: الذى يأتى آخر الخيل
стр. 3247
فى الحلبة. وقال غيره: وما يجىء بعد هذه- يعنى العشرة- فهو المقردح؛ وأنشد على ذلك:
قد سبق الخيل الهجان الأقرح «١» ... وأقبلت من بعده تقردح
والفسكل: الذى يجىء فى أخريات الخيل، والذى يجىء بعده القاشور، وما جاء بعد ذلك لا حظّ له ولا اعتداد به؛ وقيل: السكيت والفسكل والقاشور بمعنى واحد.
وممّا يتّصل بهذا الفصل ترتيب عدو الفرس- وأوّله الخبب، ثم التقريب، ثم الإمجاج، ثم الإحضار، ثم الإرخاء، ثم الإهذاب، ثم الإهماج.
كيفية تضمير الخيل
قد حكى ابن بنين أنّ رسول الله ﷺ كان يأمر بإضمار خيله بالحشيش اليابس شيئا بعد شىء، وطيّا بعد طىّ، ويقول: «أرووها من الماء، واسقوها غدوة وعشيّا، وألزموها الجلال «٢» ... «٣» فتصفو ألوانها، وتتّسع جلودها» . وأمر ﷺ أن يقودوها فى كلّ يوم مرّتين، ويؤخذ منها من الجرى الشّوط والشّوطان، ولا تركض حتّى تنطوى. قال الشيخ- ﵀:
والتضمير: تقليل علفها مدّة، وادخالها بيتا كنينا، وتجليلها فيه لتعرق ويجفّ عرقها، فيصلب لحمها ويخفّ، وتقوى على الجرى؛ يقال: «ضمّرت الفرس وأضمرته» .
стр. 3248
ذكر ما يقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة والفرق فى ذلك بين العراب والهجن والبراذين
عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وفى لفظ: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين، وللرجل سهما؛ رواه البخارىّ ومسلم وأبو داود والترمذىّ وابن ماجة. وفى لفظ أبى داود: أنّ رسول الله ﷺ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه؛ ولفظ ابن ماجة:
أنّ النّبىّ ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، وللرّجل سهم.
وعن مكحول- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ هجّن الهجين يوم خيبر، وعرّب العرب، للعربىّ سهمان، وللهجين سهم. وعن خالد ابن معدان- رضى الله عنه- قال: أسهم رسول الله ﷺ للعربىّ سهمين، وللهجين سهما.
وعن أبى موسى أنّه كتب الى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنهما- «إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكّا «١» ، فما يرى أمير المؤمنين فى سهامها» ؟ فكتب:
«تلك البراذين، فما قارب العتاق فاجعل له سهما واحدا، وألغ ما سوى ذلك» .
وعن أبى الأقمر قال: أغارت الخيل على الشأم، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن
стр. 3249
أبى حمضة «١» ، فقال: «لا أجعل التى أدركت من يومها مثل التى لم تدرك» ، ففضّل الخيل، فكتب فى ذلك الى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- فقال: «هبلت الوادعىّ «٢» أمّه، لقد أذكرنى أمرا كنت أنسيته، امضوها على ما قال» . والكوادن:
جمع كودن، وهو البرذون؛ ومذهب مالك والشافعىّ وأبى حنيفة التسوية بين العربىّ وغيره، إلّا أنّهم جعلوا «٣» لكلّ واحد منهما سهما واحدا؛ قال مالك: ولا أرى البراذين والهجن إلّا من الخيل لأنّ الله تعالى قال فى كتابه: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها)
، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ)
قال: «فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل اذا أجازها الوالى» . قال ابن حبيب:
البراذين هى العظام، يريد الجافية الخلقة، العظيمة الأعضاء، وليست العراب كذلك، فإنّها أضمر وأرقّ أعضاء وأعلى خلقة؛ وأمّا الهجن فهى التى أبوها عربىّ وأمّها من البراذين. قال الشيخ- رحمه الله تعالى-: ومذهب جمهور العلماء أنه يقسم للفرس سهمان، ولصاحبه سهم على ما فرضه النّبىّ ﷺ ، لأنّ
стр. 3250
مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه، وغناءه أكثر من غناء الفارس، فاستحقّ الزيادة فى القسم من أجل ذلك؛ قال: وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يقسم للفرس كما يقسم للرجل؛ وقال: «لا يكون أعظم منه حرمة» ؛ ولم يتابعه أحد على ذلك إلّا شىء يروى عن علىّ وأبى موسى؛ وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعىّ إلى أنّه لا يقسم إلّا لفرس واحد، ودليلهم ما رواه ابن سعد فى طبقاته:
أنّ النّبىّ ﷺ أمر زيد بن ثابت يوم حنين بإحصاء الناس والغنائم فكان السّبى ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقيّة فضّة، فأخذ من ذلك الخمس، ثم فضّ الباقى على الناس، فكانت سهامهم لكلّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وإن كان فارسا أخذ اثنى عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وان كان معه أكثر من فرس لم يسهم له. وذهب الأوزاعىّ والثّورىّ واللّيث بن سعد وأبو يوسف وأحمد ابن حنبل- ﵏ الى أنه يسهم لفرسين، وروى مثله عن مكحول ويحيى ابن سعيد وابن وهب ومحمد بن الجهم «١» من المالكيّة، وحكاه محمد بن جرير الطبرىّ فى تاريخه، فقال: «ولم يكن يسهم للخيل اذا كانت مع الرجل إلّا لفرسين» ودليلهم ما ذكره ابن مندة فى ترجمة البراء بن أوس بن خالد أنّه قاد مع النّبىّ ﷺ فرسين، فضرب له النّبىّ ﷺ خمسة أسهم؛ ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلّا شيئا يروى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن غزا بأفراس لكلّ فرس سهمان؛ واختلفوا فى الإسهام للفرس المريض الذى يرجى برؤه على قولين، أحدهما: يسهم له نظرا إلى الجنس؛ والثانى: لا يسهم له، لأنه لا غناء فيه كالبغل والحمار؛ والله الموفّق للصواب.
стр. 3251
ذكر سقوط الزكاة فى الخيل
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس على المرء المسلم فى فرسه ولا مملوكه صدقة» متّفق عليه. وفى لفظ عنه: «ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة» . وفى لفظ: «ليس فى الخيل والرّقيق زكاة إلّا زكاة الفطر فى الرّقيق» . وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله وضع الصدقات فليس على الخيل صدقة، وليس على الحمر صدقة، وليس على البغال صدقة، وليس على الإبل التى يسقى عليها الماء للنّواضح صدقة» .
وعن أبى عمرو عبد الله بن يزيد الحرّانىّ، قال: حدّثنى سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة أنّ النّبىّ ﷺ قال: «لا صدقة فى الكسعة والجبهة والنّخّة» ؛ فسّره أبو عمرو، الكسعة: الحمير. والجبهة: الخيل.
والنّخّة: العبيد. ويقال: النّخّة، البقر العوامل؛ قال ثعلب: هذا هو الصواب، لأنّه من النّخّ، وهو السّوق الشديد؛ وقال الكسائىّ: إنما هو النّخّة بالضمّ، قال:
وهو البقر العوامل؛ وقال الفرّاء: النّخّة بالفتح، أن يأخذ المصدّق دينارا لنفسه بعد فراغه من أخذ الصدقة، وأنشد:
عمّى الذى منع الدّينار صاحبه ... دينار نخّة كلب وهو مشهود
وعن علىّ- رضى الله عنه- قال: قال النّبىّ ﷺ : «عفوت لكم عن الخيل والرّقيق» . وعنه- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «قد عفوت لكم عن الخيل والرّقيق فهاتوا صدقة الرقة من كلّ أربعين درهما درهما، وليس فى تسعين ومائة شىء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة
стр. 3252
دراهم» . وفى لفظ آخر عنه، عن النّبىّ ﷺ قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شىء- يعنى فى الذهب- حتّى يكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» . قال الجوهرىّ: الورق، الدراهم المضروبة، وكذلك الرّقة، والهاء عوض من الواو؛ وفى الورق ثلاث لغات حكاهنّ الفرّاء: ورق، وورق، وورق.
وعن جابر بن عبد الله- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجوّز لكم عن صدقة الخيل والرّقيق» .
وعن عبد الله بن دينار قال: سألت سعيد بن المسيّب، فقلت: أفى البراذين صدقة؟ فقال: أفى الخيل صدقة؟. وعن حارثة بن مضرّب قال: جاء ناس من أهل الشأم إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحبّ أن يكون لنا فيها زكاة وطهور؛ فقال: ما فعله صاحباى فأفعله، فاستشار أصحاب محمّد ﷺ وفيهم علىّ- رضى الله عنه- فقال علىّ: «هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعدك «١» » .
وعن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أنّ أهل الشأم قالوا لأبى عبيدة: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى؛ ثم كتب إلى عمر بن الخطّاب، فأبى، فكلّموه أيضا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أيضا عمر: إن أحبّوا فخذها منهم وارددها، يعنى فى فقرائهم.
стр. 3253
فدلّت هذه الأحاديث والأخبار على أن لا صدقة فى الخيل السائمة ولا فى الرّقيق إذا كانوا للخدمة، إلّا أن يكونوا للتجارة، فان كانوا للتجارة ففى أثمانهم أو قيمهم الزكاة إذا حال عليها الحول، وعلى هذا مذهب الجمهور؛ وذهب أبو حنيفة- ﵀ دون صاحبيه إلى وجوب الزّكاة فى الخيل السائمة إذا كانت إناثا، أو إناثا وذكورا، وقال: هو مخيّر بين أن تقوّم وتؤخذ الزكاة من القيمة، وبين أن يخرج عن كلّ فرس دينارا؛ واحتجّوا له بقوله ﵇: «ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها وظهورها» ؛ قال المخالف لهم: وليس فيه دليل من وجهين: أحدهما أنّه ﷺ لمّا ذكر الإبل السائمة وقال: «فيها حقّ» سئل عن ذلك الحقّ ما هو؟ فقال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحة لبنها أو سمنها، وحلبها على الماء، وحمل عليها فى سبيل الله» ؛ فلمّا كانت الإبل فيها حقّ سوى الزكاة احتمل أن يكون فى الخيل أيضا حقّ سوى الزكاة؛ وقد روى التّرمذىّ»
وابن ماجة حديث فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ فى المال حقّا سوى الزّكاة» وتلا هذه الآية (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)
الخ الآية؛ فيجوز أن يحمل الحقّ فى رقابها وظهورها على هذا الوجه. الثانى أن يحمل الحقّ فيها على التأكيد لا على الوجوب، كقوله «٢» ﷺ فى حديث معاذ: «وحقّ العباد «٣» على الله أن لا يعذّبهم اذا فعلوا
стр. 3254
ذلك» ، فهذا محمل قوله ﵇: «ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها» وتأويله.
قال شيخنا شرف الدّين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ- ﵀: ولنا أن نقول فيه أيضا: هو مجمل، والأحاديث المتقدّمة مفسّرة تقضى «١» عليه، وظواهرها حجج متضافرة على ترك الزكاة فى الخيل؛ قال: فهذا وجهه من طريق السنّة والأثر؛ وأمّا وجهه من طريق النظر فمن وجهين: أحدهما أن السّوم فى الخيل نادر عند العرب، فلا زكاة فيها كالبغال والحمير، الثانى أنّ الزكاة لو وجبت فى الخيل لتعدّى ذلك إلى ذكورها قياسا على المواشى من الإبل والبقر والغنم. وقال الطّبرىّ والطّحاوىّ: والنظر أنّ الخيل فى معنى البغال والحمير التى قد أجمع الجميع على أن لا صدقة فيها، وردّ المختلف [فيه] إلى المتّفق «٢» عليه إذا اتّفقا فى المعنى أولى. وقال أبو عبيد: وكان بعض الكوفيّين يرى فى الخيل صدقة اذا كانت سائمة يبتغى منها النسل، فقال: إن شاء أدّى عن كلّ فرس دينارا، وإن شاء قوّمها ثم زكّاها؛ قال: وإن كانت للتجارة كانت كسائر أموال التجارة يزكّيها؛ قال أبو عبيد: أمّا قوله فى التّجارة فعلى ما قال؛ وأمّا إيجابه الصدقة فى السائمة فليس هذا على اتباع السنّة، ولا على طريق النظر، لأنّ رسول الله ﷺ قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة ولا غيرها؛ وأمّا فى النظر، فكان يلزمه اذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية تشبيها بها، لأنّها سائمة مثلها، فلم يصر إلى واحد من الأمرين؛ وقد جاء عن غير واحد من التابعين إسقاط الزكاة من سائمتها، فروى عن الحسن
стр. 3255
أنّه قال: «ليس فى الخيل السائمة صدقة» ؛ وعن عمر بن عبد العزيز قال: «ليس فى الخيل السائمة زكاة» ؛ وقال أبو عبيد: وقد قال مع هذا بعض من يقول بالحديث ويذهب اليه: إنه لا صدقة فى سائمتها ولا فيما كان منها للتجارة أيضا؛ يذهب الى أنّ رسول الله ﷺ قال: «قد عفونا لكم عن صدقة الخيل والرّقيق» ؛ فجعله عامّا، فلا زكاة فى شىء منها؛ قال أبو عبيد: فأوجب ذلك الأوّل الصدقة عليها فى الحالين جميعا، وأسقطها هذا منهما كلتيهما؛ وأحد القولين عندى غلوّ، والآخر تقصير، والقصد «١» فيما بينهما هو أن تجب الصدقة فيما كان منها للتجارة، وتسقط من السائمة؛ على هذا وجدنا مذهب العلماء، وهم أعلم بتأويل حديث رسول الله ﷺ ، وهو قول سفيان بن سعيد ومالك وأهل العراق وأهل الحجاز والشأم، لا أعلم بينهم فى هذا اختلافا؛ والله أعلم بالصواب.
كمل الجزء التاسع «٢» من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ- رحمه الله تعالى- ويليه الجزء العاشر، وأوّله:
ذكر ما وصفت به العرب الخيل من ترتيبها فى السنّ وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها الخ والحمد لله رب العالمين
стр. 3256
فهرس الجزء العاشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري
.... صفحة
ذكر ما وصفت به العرب الخيل من ترتيبها فى السن، وتسمية أعضائها، وأبعاضها، وألوانها، وشياتها، وغررها، وحجولها الخ أما ترتيبها فى السن ١
وأما ما قيل فى تسميتها، وتسمية أعضائها وأبعاضها ١
وأما الوجه وما فيه مما لم يذكر فى خلق الانسان ٢
وأما العنق وما فيه ٣
وأما الظهر وما اتصل به من الوركين ٤
وأما الصدر وما اتصل به من البطن ٥
وأما الذراعان وما دونهما ٥
وأما ألوانها وشياتها وغررها وحجولها وعصمها وما فيها من الدوائر ٥
وأما الشية ١٢
وأما ما فى الفرس من الدوائر ١٦
وأما ما قيل فى طبائعها، وعاداتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها والعلامات الدالة على جودة الفرس ونجابته ١٩
стр. 3257
ومما يستحب من أوصافها فى الخلق ٢٢
وأما عيوبها التى تكون فى خلقتها وفى جريها والتى تطرأ عليها وتحدث فيها ٢٧
فأما التى فى خلقتها ٢٧
وأما العيوب التى فى جريها ٣٠
وأما العيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها ٣١
ذكر أسماء خيل رسول الله ﷺ ٣٣
ذكر أسماء كرام الخيل المشهورة عند العرب ٣٩
ذكر ما قيل فى أوصاف الخيل وتشبيهها نظما ونثرا ٤٨
طرئف فى ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة ٦٥
ذكر ما وصفت به فى الرسائل المنثورة ٦٧
الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى البغال والحمير ذكر ما قيل فى البغال ٧٩
ذكر بغلات رسول الله ﷺ ٨٠
ذكر شىء مما وصفت به البغال ٨٥
ذكر ما قيل فى الحمر الأهلية ٩٣
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الحمار ٩٥
ذكر شىء مما وصفت به الحمير على طريقى المدح والذم ٩٧
الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث فى الإبل والبقر والغنم ذكر ما قيل فى الإبل ١٠٣
أما تسميتها من حين تولد الى أن تتناهى سنها ١٠٤
وأما أسماء ما يركب منها ويحمل عليه ١٠٥
стр. 3258
وأما ما اختصت به النوق من الأسماء والصفات ١٠٦
ومن أوصافها فى السير ١٠٧
وأما ألوان الإبل ١٠٨
وأما ترتيب سيرها ١٠٨
وأما ما قيل فى المسير عليها والنزول للراحة والإراحة ١٠٩
ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل فى طبائعها ١٠٩
ذكر ما ملكه رسول الله ﷺ من الإبل ١١١
ذكر شىء مما وصفت به الإبل نظما ونثرا ١١٥
ذكر ما قيل فى البقر الأهلية ١٢٠
ذكر ما قيل فى الجاموس ١٢٤
ذكر ما قيل فى الغنم الضأن والمعز ١٢٥
ذكر ترتيب سنّ الغنم ١٢٧
القسم الرابع من الفن الثالث فى ذوات السموم، وفيه بابان
الباب الأوّل ويشتمل على ما قيل فى الحيات والعقارب ذكر ما قيل فى الحيات ١٣٣
ذكر ما فى لحوم الحيات من المنافع والأدوية ١٤٠
ذكر شىء مما وصفت به الأفاعى ١٤٣
ذكر ما قيل فى العقارب ١٤٧
стр. 3259
... صفحة
الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثالث فيما هو ليس قاتلا بفعله من ذوات السموم ويشتمل على ما قيل فى الخنافس والوزغ والضب وابن عرس والحرباء والقنافذ والفئران والقراد والنمل والذر والقمل والصؤاب فأما الخنافس وما قيل فيها ١٥٢
وأما الوزغ وما قيل فيه ١٥٤
وأما الضب وما قيل فيه ١٥٥
وأما الحرباء وما قيل فيها ١٥٩
وأما ابن عرس وما قيل فيه ١٦١
وأما القنافذ وما قيل فيها ١٦٢
وأما الفئران وما قيل فيها وأنواعها ١٦٦
فأما الجرذ والفأر ١٦٦
وأما الزباب ١٧٠
وأما الخلد ١٧٠
وأما اليربوع ١٧٠
وأما فأرة المسك ١٧١
وأما فأرة الإبل ١٧٢
وأما القراد وما قيل فيه ١٧٢
وأما النمل والذرّ وما قيل فيهما ١٧٣
وأما القمل والصؤاب وما قيل فيهما ١٧٧
стр. 3260
القسم الخامس فى أجناس الطير وأنواع السمك وفيه سبعة أبواب: ستة منها فى الطير وباب فى السمك وذيل لذكر شىء مما قيل فى آلات صيد البر والبحر وهو باب ثامن
الباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الثالث فى سباع الطير، ويشتمل على ما قيل فى العقاب والبزاة والصقور والشواهين وأصناف ذلك
ذكر ما قيل فى العقاب ١٨١
وأما الزمج وهو الصنف الثانى من العقاب ١٨٤
ذكر ما قيل فى البازى وأصنافه ١٨٦
فأما البازى ١٨٦
وأما الزرّق ١٩١
وأما الباشق ١٩١
وأما العفصىّ ١٩٣
وأما البيدق ١٩٤
ذكر ما قيل فى الصقر وأصنافه ١٩٥
فأما الصقر ١٩٥
وأما الكونج وهو الصنف الثانى من الصقر ١٩٨
وأما اليؤيؤ وهو الصنف الثالث من الصقر ١٩٩
ذكر ما قيل فى الشاهين وأصنافه ٢٠٠
فأما الشاهين ٢٠٠
وأما الأنيقى وهو الصنف الثانى من الشاهين ٢٠٣
وأما القطامى وهو الصنف الثالث من الشاهين ٢٠٤
فصل فى ذكر ما ناسب الجوارح فى الافتراس وأكل اللحم الحىّ ٢٠٤
следующие страницы →