← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

منهم: ذو القرنين، وهو الإسكندر [١] من قرية يقال لها لوبية [٢] . وهو الذى قتل دارا بن دارا. وسيأتى خبره إن شاء الله تعالى فى التاريخ فى ذكر ملوك اليونان. ومنهم: هرمس، وهو المثلث بالنعمة: نبىّ، وحكيم، وملك: وهو الذى صير الرّصاص ذهبا، وبنى الهرمين الكبيرين على أحد الأقوال. وقيل: هو إدريس ﵇. ومنهم تلميذاه: أغاثاذيمون وفيثاغورس، ولهما من العلوم الموروثة صناعة الكيمياء، والنّجوم، والسّحر، وعلم النارنجيات، والطلسمات، والبرابى، وأسرار الطبيعة. ومنهم أوسلا وسيزوارس وبندقليس، أصحاب الكهانة والزّجر. ومنهم سقراط، صاحب الحكمة، والكلام على البارئ جل ذكره، وهو صاحب البلاغة. ومنهم أفلاطون، صاحب السّياسة، والنواميس، والكلام على المدن والملوك. ومنهم بطليموس، صاحب الرّصد، والمساحة، والحساب؛ وهو صاحب كتاب المجسطى من كتب الأفلاك، وحركة الشمس، والقمر، والكواكب المتحيرة والثابتة، وصورة فلك البروج. وله صفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة فى علم النجوم وتسطيح الكرة.

стр. 352

ومنهم أرسطاطاليس، صاحب المنطق، والآثار العلوية، والحس والمحسوس، والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسمع الطبيعى، ورسالة نبت الذهب، قالوا: وليعقوب بن إسحاق الكندىّ نحو ألف كتاب مستخرجة من كتب أرسطاطاليس. ومنهم أراطس، صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة فى تشكيل صورة الفلك، والألف كوكب، واثنان وعشرون كوكبا من الكواكب الثابتة، والزيج. ومنهم أنطوليوس [١] ، صاحب الفلاحة. ومنهم إبّرخس، صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق. ومنهم ثاون، صاحب الزيج المنسوب إليه. ومنهم أسطنس، ودروثيوس، ووالنس، أصحاب كتب أحكام النجوم، وعنهم انتشر ذلك. ومنهم إيرن، صاحب الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات. ومنهم فيلون البزنطى، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة. ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمى الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برّا وبحرا.

стр. 353

ومنهم ماريه وقلبطره، أصحاب الطّلّسمات، والخواص للطبائع. ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات وقطع الخطوط. ومنهم ثيودوسيس، وهو صاحب كتاب الأكر. ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيس، وله كتاب الكرة والأسطوانة. ومنهم المشاءون [١] ، أصحاب الرواق. وبمصر من العلوم التى عمرت بها الدنيا علم الطب اليونانى، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وغير ذلك وبها الطلسمات العشرة. وبادى [٢] الاسكندرانى صاحب الزيج. والذين نشروا الطب وشرحوه جالينوس، صاحب الطب، تعلمه بمصر، ومن كتبها أخذ. ومنهم ديسقريد: صاحب الحشائش، وديوچانس، واركاغانس، وارباسيوس، وفريقونوس، وروفس، هؤلاء أصحاب الطب اليونانى. فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة، من مصر خرجوا، وبها ولدوا؛ ومنها انتشرت علومهم فى الأرض. قال الحسن بن إبراهيم: وكانت مصر يسير إليها فى الزمن الأوّل طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوّة الذكاء ودقة الفطنة. والله تعالى أعلم.

стр. 354

ومن فضائل مصر أنها تمير الحرمين الشريفين، ولولا مصر لما أمكن أهل الحرمين وأعمالهما المقام بهما، ولما توصل إليهما من يرد من أقطار الأرض. ومنها أنها فرضة الدنيا، يحمل من خيرها إلى سواحلها، وذلك أن من ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين، وإلى جدّة، وإلى عمان، وإلى الهند، وإلى الصين، وصنعاء، وعدن، والشّحر، والسّند، وجزائر البحر. ومن جهة تنّيس، ودمياط، والفرما فرضة بلد الروم، وأقاصى الأفرنجه، وقبرس. وسائر سواحل الشام، والثغور إلى حدود العراق. ومن جهة الإسكندرية فرضة أقريطش، وصقلّيّة، وبلد الروم، والمغرب كلّه إلى طنجة، ومغرب الشمس. ومن جهة الصعيد فرضة بلد النّوبة، والبجة، والحبشة، والحجاز، واليمن. وفيها من ثغور الرّباط: البرلّس، ورشيد، والإسكندرية، ورباط ذات الحمام، ورباط البحيرة، ورباط إخنا، ورباط دمياط، وشطا، وتنّيس، والأشتوم، والفرما، والورّاده، والعريش، والشّجرتين، ورباط الحرس. وجهة الحبشة، والبجة. ورباط أسوان على النّوبة. ورباط الواحات على البربر والسّودان. ورباط قوص. وبها من المساجد والمشاهد والآثار الصالحة، ما لم يكن فى غيرها. ولو استقصينا ذلك، لطال به الشرح وانبسط القول. وقال سعيد بن عقبة: كنت بحضرة المأمون حتّى قال، وهو فى قبة الهواء: لعن الله فرعون حين يقول (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) فلو رأى العراق!. فقلت:

стр. 355

يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله قال (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) . فما ظنّك يا أمير المؤمنين بشىء دمره الله، هذا بقيّته؟. قال: ثم قلت: لقد بلغنى أن أرضا لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها. وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتّى إن الماء يجرى تحت منازلهم وأفنيتهم: يحبسونه متى شاءوا، ويرسلونه متى شاءوا. وكانت البساتين بحافتى النيل من أوّله إلى آخره، ما بين أسوان إلى رسيد إلى الشام متصلة لا تنقطع. ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر. وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر. ومن فضائلها النيل، وقد تقدّم ذكره فى باب الأنهار. ومن عجائبها الهرمان وسيأتى ذكرهما فى باب المبانى القديمة إن شاء الله تعالى. ومن عجائبها أن أهلها مستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور، استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا. وفيها ما ليس فى غيرها، وهو حيوان السّقنقور، والنّمس. ولو لاه لأكلت الثعابين أهلها؛ وهو لها كقنافدّ سجستان لأهلها. وفيها سمك يسمّى الرّعّاد. وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من خيط الصّنارة أو الشبكة التى يقع فيها، ارتعدت يده. والحطب السّنط الذى لو وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كفّ. وهو صلب العود، سريع الوقود، بطىء الخمود. ويقال: إنه الآبنوس، وإنما البقعة قصّرت عن الكيان فجاء أحمر شديد الحمرة.

стр. 356

ودهن البلسان. والأفيون، وهو عصارة الخشخاش. وكان بها اللّبخ، وهو ثمر فى قدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر. ورأيته أنا بها وأكلت منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة. وبها الأترجّ الأبلق. وبها من المعادن: معدن الزّمرّد، ومعدن النّفط، والشّبّ، والبرام، والرّخام. وقيل: إن بها سائر المعادن كلّها. وأهلها يأكلون صيد بحر الرّوم وبحر فارس [١] طريّا. وفى كل شهر من شهور القبط صنف من المأكول والمشروب والمشموم، يوجد فيه دون غيره. فيقال: رطب توت، ورمّان بابه، وموز هاتور، وسمك كيهك، وماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برموده، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى. ومنها أن صيفها خريف، وشتاءها ربيع؛ وما يقطعه الحرّ والبرد فى سائر البلاد من الفواكه يوجد فيها فى الحرّ والبرد: لأنها فى الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حرّ الأوّل والثانى، وبرد السادس والسابع [٢] . ويقال: لو لم يكن من فضل مصر إلا أنها تغنى فى الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفى الشتاء عن الوقود والفراء.

стр. 357

ومما وصفت به أن صعيدها حجازىّ. حجره كحجر الحجاز ينبت النخل والدّوم (وهو شجر المقل) ، والعشر، والقرظ، والإهليلج، والفلفل، والخيار شنبر. وأسفل أرضها شامىّ: يمطر كمطر الشام، وتقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللّوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول والرياحين. وهى ما بين أربع صفات: فضة بيضاء، أو مسكة سوداء، أو زبرجدة خضراء، أو ذهبة صفراء. وذلك أن النيل يعمّ أرضها فتصير كالفضة البيضاء، ثم ينصبّ عنها فتصير مسكة سوداء، ثم تزرع فتصير زبرجدة خضراء، ثم تستحصد فتصير ذهبة صفراء [١] . وحكى ابن زولاق فى «فضائل مصر» أن أميرها موسى بن عيسى [الهاشمى] [٢] وقف بالميدان عند بركة الحبش، فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن كان معه: أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا ما فى الدنيا مثله! فقالوا: يقول الأمير! فقال: أرى ميدان رهان، وحيطان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبّانة أموات، ونهرا عجّاجا، وأرض زرع، ومراعى ماشية، ومراتع خيل، وساحل بحر. [وصائد نهر] وقانص وحش، وصائد سمك، وملّاح سفينة، وحادى إبل، ومفازة رمل، وسهلا، وجبلا! فهذه ثمانية عشر متنزّها فى أقل من ميل فى ميل.

стр. 358

وأين هذه الأوصاف من وصف الواصف لقصر أنس بالبصرة حيث يقول: زر وادى القصر نعم القصر والوادى! ... لا بدّ من زورة من غير ميعاد. زره فليس له شىء يشاكله ... من منزل حاضر إن شئت أو بادى. ترى به السّفن والظّلمان حاضرة ... والضبّ والنون والملّاح والحادى. وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسىّ، يصف جبل الرّصد مثل ما وصف به قصر أنس: يا نزهة الرّصد المصرىّ قد جمعت ... من [١] كلّ شىء حلا فى جانب الوادى. فذا غدير، وذا روض، وذا جبل: ... فالضّبّ والنّون والملّاح والحادى. فهذه نبذة من فضائل مصر. ولولا الرغبة فى الاختصار، لكانت فضائلها تكون كتابا مفردا. وأما جزيرة الأندلس فقد اقتصرت فى وصفها على رسالة وصفها ابن حزم فيها، فقال: « ... أرضها شاميّة فى طيبها، تهاميّة فى اعتدالها واستوائها، أهوازية فى عظم خراجها وجبايتها، عدنيّة فى منافع سواحلها، صينيّة فى معادنها، هندية فى عطرها وطيبها وذكائها. وأهلها عرب فى الأنساب والعزّة والأنفة، وفصاحة الألسن، وطيب النّفوس، وإباء الضيم، وقلّة احتمال الذل والإهانة، والنّزاهة عن الخضوع؛ هنديّون فى فرط عنايتهم بالعلوم وحبّهم لها؛ بغداديّون فى ظرفهم ونظافتهم، ورقّة أخلاقهم

стр. 359

ونباهتهم، ولطافة أذهانهم، وحدّة أفكارهم؛ نبطيّون فى استنباط المياه، ومعاناتهم للغراسة، وتركيب الشجر والفلاحة؛ صينيّون فى إتقان الصنائع العلمية، وإحكام المهن الصورية؛ تركيّون فى معاناة الحروب ومعالجة آلاتها، والنظر فى مهمّاتها» . قال إبراهيم بن خفاجة، يصفها: إنّ للجنّة بالأندلس ... مجتلى عين وريّا نفس! فسنا صبحتها من شنب ... ودجى ليلتها من لعس. وقد أظهرت الأندلس جماعة من الفضلاء والأعيان والأكابر، ذكرهم ابن بسّام فى كتابه المترجم «بالذخيرة، فى محاسن أهل الجزيرة» . وذكرهم الفتح بن خاقان فى كتابه «المطمح» و «قلائد العقيان» وغيرهما. وسنذكر إن شاء الله تعالى حال الأندلس وابتداء عمارتها وملوكها عند ذكرنا فتحها، وهو فى الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى التاريخ من اخبار الدولة الأموية فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان فى سنة ٩٢ من الهجرة. وأما البصرة وما اختصت به فمن خصائصها أن للغربان بها ضربا من العجب. وذلك أنها تقع إليها بالخريف حتّى تكون الأرض بها سوداء، وتقع على كل نخلة أصرم ثمرها، ولا تقع على ما لم تصرم، ولو بقى عليها عذق واحد. ومن عجائبها أيضا، أن التمر يكون مصبوبا فى بيادره، فلا يقع عليه شىء من الذّباب لا فى الليل ولا فى النهار.

стр. 360

وأهل البصرة يتخذون المظلّات على التمر والعجوة خوفا عليها من الخفّاش. ومن عادة الذباب الفرار من الشمس إلى الظلّ، فلا يوجد فى تلك الظلال شىء منه البتة. فيتوهم المتوهّم أن هاتين الحالتين من طلّسم، له من الخاصية ما يمنع الغربان والذباب. وليس كذلك، وإنما هو من حماية الله ووقايته. ووصف خالد بن صفوان البصرة، فقال: منابتها قصب، وأنهارها عجب، وسماؤها رطب، وأرضها ذهب. وفي الكوفة عدم الوفاء. وأما بغداد وما اختصت به فإنه يقال: إنها جنة الأرض، ومجتمع الوافدين: دجلة والفرات، وواسطة الدنيا، ومدينة السلام، وقبة الإسلام، لأنها غرّة البلاد، ودار السلام والخلافة، ومجمع الطّرائف والطيبات، ومعدن المحاسن واللطائف، وبها أرباب النّهايات فى كل فن، وآحاد الدهر فى كل نوع. وكان أبو إسحاق الزجّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا، وما عداها بادية. وكان أبو الفضل بن العميد اذا طرأ عليه أحد وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد. فان فطن لفضائلها وخواصّها، جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله. وقال ابن زريق الكوفىّ، الكاتب: سافرت أبغى لبغداد وساكنها ... مثلا، فحاولت شيئا دونه الياس. هيهات! بغداد الدنيا بأجمعها ... عندى، وسكّان بغداد هم الناس.

стр. 361

وقال آخر: سقى الله بغداد من جنة ... غدت للورى نزهة الأنفس. على أنّها منية الموسرين، ... ولكنّها حسرة المفلس. وأما الأهواز وما اختصت به فقال أبو عثمان «عمرو بن بحر الجاحظ» : إن قصبة الأهواز مخصوصة بالحمّى الدائمة اللازمة، حتّى إنها ليست إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب. وقال إبراهيم بن العباس عن مشيخة من أهلها عن القوابل بها: إنهن ربما قبلن الطّفل المولود بها فيجدنه محموما؛ ولا تكاد توجد بها وجنة حمراء لصبىّ ولا صبية، ولا دم ظاهر. ومن عجائب خصائصها: أن جميع أصناف الطّيب تستحيل رائحته فيها جدّا، حتّى لا تكاد توجد له رائحة. وذلك من كثرة الرّطوبات، وغلظ الهواء، والأبخرة الفاسدة. (وهذا موجود بأنطاكية والقسطنطينيّة) . ويقال: إن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل، وإنها تعتلف الحشيش دون التبن؛ لما يلحقها من الرّبو، لنداوة البلد وعفونته. وأما فارس وما اختصت به فمن خصائصها: ماء الورد الذى لا يوجد مثله فى سائر البلاد طيبا، والجورى الموصوف من أحد بلادها يجلب إلى أقاصى البلاد، ويضرب به المثل. ولشيراز من بلاد فارس فغمة طيبة ليست فيما عداها من بلاد فارس.

стр. 362

وأما أصفهان وما اختصت به فهى موصوفة بصحة الهواء، وجودة التّربة، وعذوبة الماء. وحكى أن الحجاج ولّى بعض خواصّه أصفهان، فقال له: قد ولّيتك بلدة حجرها الكحل، وذبابها النّحل، وحشيشها الزّعفران. ومن خصائص الرّىّ: برودها موصوفة كبرود اليمن، وتسمّى العدنيّات تشبيها لها ببرود عدن. وفيها الثياب المنيّرة. قالوا: واللص الحاذق ينسب إلى الرّىّ. وأما جرجان وما اختصت به فهى سهليّة جبلية، برّية بحريّة. وأهلها يعدّون زيادة على مائة نوع من أنواع الرياحين، والبقول، والحشائش الصّحراوية، والثمار والحبوب السّهلية التى هى مبذولة بها للفقراء والغرباء. ومن خصائصها: العنّاب الذى لا يكون فى سائر البلاد مثله، ويقال: هى بغداد الصّغرى، إلا أنها وبيّة، مختلفة الهواء فى اليوم الواحد، قتّالة للغرباء، كثيرة الأنداء. ويقال: جرجان مقبرة أهل خراسان. وفى بعض الكتب القديمة أن بخراسان بلدة يقال لها جرجان، يساق إليها قصار الأعمار من الناس. وكان أبو تراب النيسابورىّ يقول: لما قسمت البلاد بين الملائكة، وقعت جرجان فى قسم أبى يحيى (يعنى ملك الموت) .

стр. 363

وأما نيسابور وما اختصت به فحكى عن عمرو بن الليث الصّفّار أنه كان يقول: كيف لا أقاتل عن بلدة حشيشها الرّيباس، وترابها النّقل، وحجرها الفيروزج. أراد بقوله: «ترابها النّقل» طين الأكل الذى لا يوجد مثله فى الأرض، ويحمل منها إلى أقاصى البلاد وأدانيها، ويتحف به الملوك. قالوا: وربما بيع الرّطل منه بدينار. قال المأمون يصفه: جد لى من النّقل، فذاك الذى ... منه خلقنا وإليه نصير. ذاك الذى يحسب فى مثله ... أحجار كافور عليها عبير. قالوا: والفيروزج لا يكون إلا فى نيسابور، وربما بلغت قيمة الفصّ منه- الذى إذا أربى وزنه على مثقال، وجمع الخضرة والاستدارة، وصبر على النار، وامتنع على المبرد، ولم يتغير بالماء الحارّ- مائتى دينار. ويقال إن له خاصية فى تقوية القلب بالنظر إليه، كما أنّ للياقوت خاصّيّة فى مسرّة النفس. ولما دخلها إسماعيل بن أحمد السامانىّ، ملك ما وراء النهر وخراسان. استحسنها واستطابها، وقال: يا لها من بلدة جليلة، لو لم يكن لها عيبان! كان ينبغى أن تكون مياهها التى فى باطن الأرض على ظاهرها، وأن تكون مسالحها [١] التى على ظهرها فى بطنها. ومن خصائصها الثياب النيسابورية الرّقاق. وأهلها لا يكرمون الغريب. قال المرادىّ: لا تنزلنّ بنيسابور مغتربا ... إلّا وحبلك موصول بسلطان. أولا، فلا أدب يغنى ولا حسب ... يجدى ولا حرمة ترعى لإنسان.

стр. 364

وقال أيضا فيها: قال المرادىّ قولا غير متّهم، ... والنّصح ما كان من ذى اللّبّ مقبول: لا تنزلنّ بنيسابور مغتربا، ... إن الغريب بنيسابور مخذول. وأما طوس وما اختصت به فمن خصائصها السّبج الذى لا يكون إلا بها، ومنها ينقل إلى الآفاق، والحجر الأبيض الذى تتخذ منه القدور. ويقال: إن الله ألان لأهلها الحجارة كما ألان لداود الحديد، حتّى إنهم يتخذون منها ما يتخذ غيرهم من الزّجاج من سائر الأوانى. وأما بلخ وما اختصت به فيقال: هى من أقدم البلاد وأخصّها بالملوك، وهى شبيهة بالعراق، وخراسان، والهند. وإليها ينسب جيحون، فيقال: نهر بلخ. وكان سعيد بن الحسن يقول: العيش فى الصيف ببلخ كتصحيفها [١] . ومن خصائصها البخاتى [٢] والنّيلوفر.

стр. 365

وأما بست وما اختصت به فيقال: إن هواءها كهواء العراق، وماءها كماء الفرات؛ ومن خصائصها الإجّاص الذى لا يوجد مثله فى غيرها. ويقال: إن من مات ببست مغفورا له فقد انتقل من جنّة إلى جنّة. وأما غزنة وما اختصت به فهى موصوفة بصحة الهواء، وجودة التّربة، وعذوبة الماء، وهى جبلية شمالية؛ ومن خصائصها أن الأعمار بها طويلة، والأمراض قليلة. قالوا: وهى أرض تنبت الذهب، ولا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية. ومنها خرج الأجلّاء الأنجاد من الرجال. وقال أبو سعيد منصور زعيم جرجان: لم أر بلدة في الصيف أطيب، وفى الربيع أشبه، ومن الحشرات أنظف من غزنة. ثم قال: إن قلّة ثمارها من منافعها، لأن كثرة الثمار مقترنة بكثرة الأمراض. وقد وصفها صاحب كتاب «لطائف المعارف» فقال: واها لغزنة إذ غدت ... للملك والإسلام دارا. من كعبة قد أصبحت ... للمجد والعليا مدارا. فى صدرها الملك الّذى ... قطب السّعود عليه دارا. وقال أيضا فيها: يا دار ملك نرى كلّ الجمال بها ... وأسعد الدهر تبدو من جوانبها. كأنما جنّة الفردوس قد نزلت ... بأرض غزنة تعجيلا لصاحبها.

стр. 366

وأما سجستان وما اختصت به فيقال فيها: ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصّها بطل. ومما تختص به الطاسات وجلاجل البزاة، والطبول الموكبية، والفرش الدّيباج. وأما الهند وما اختصت به فيقال: الهند بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وعود الهند يذكر مع أمّهات الطيب. وفى الهند الفيل، والكركدّن، والببر، والطاووس، والببغاء. وفيه الياقوت الأحمر، والصّندل الأبيض، والعاج، وأصناف العطر، والثياب المخملة وغيرها، والّلانس [١] ، والأقمشة. وأما الصين وما اختصّ به فإن العرب تقول لكل طرفة من الأونى: صينيّة كائنة ما كانت: لاختصاص الصين بالطّرائف. وأهل الصين خصّوا بصناعة الطّرف، والملح، وخرط التماثيل، والإبداع فى عمل النّقوش والتصاوير، حتّى إن مصوّرهم يصوّر الإنسان فلا يغادر شيئا إلا الرّوح، ثم لا يرضى بذلك حتّى يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المتبسّم والمستغرب، وبين ضحك المسرور والهازئ؛ ويركّب صورة فى صورة. وفيه مناديل الغمر التى إذا اتّسخت وألقيت فى النار، نقّيت ولم تحترق.

стр. 367

وفيه الحديد. وربما اشترى بأضعاف وزنه فضة. وفيه السّنجاب الفارحانىّ الذى هو من أنفس الأوبار. وفيه اللّبود الجياد. قال الجاحظ فى كتاب «النظر فى التجارة» : إن خير اللّبود الصينية، ثم المغربية الحمر، ثم الطالقانيّة البيض. وأما سمرقند وما اختصت به قال قتيبة بن مسلم، لما أشرف على سمرقند لأصحابه: شبّهوها، فلم يأتوا فيها بشىء، فقال: كأنها السماء فى الخضرة، وكأن قصورها النجوم الزاهرة، وكأن أنهارها المجرّة. فاستحسنوا هذا التشبيه. ومن خصائصها: الكواغد التى عطّلت قراطيس مصر، والجلود التى كان الأوائل يكتبون عليها، لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأرقّ. ولا تكون إلا بها وبالصين. ومن خصائصها: الثياب الوذارية، والنشادر، والزّئبق، والبندق. وأما بلاد التّرك وما اختصت به فيه يقال. إنها توازن بلاد الهند في كثرة الخصائص. وفيها المسك والسّنجاب والسّمور والقاقم والفنك والثّعالب السّود والأرانب البيض وغير ذلك. وفيها البزاة البيض والخيل. وتثبّتّ من بلاد الترك خاصية: أنه من أقام بها اعتراه سرور لا يدرى ما سببه، ولا يزال متبسما ضاحكا؛ وأن الميت إذا مات فيها لا يدخل على أهله كبير حزن كما يلحق غيرهم عند موت محبوب.

стр. 368

وأما خوارزم وما اختصّت به فانها تقارب بلاد الترك، بل تنافسها في الخصائص والمتاجر. ومن خصائصها البطيخ الذى يقال له «النارنج» يقال إنه أحلى البطاطيخ وأطيبها. وكان يحمل منها إلى المأمون وإلى الواثق في قوالب الرصاص، معبّاة في الثلج. فكانت تقوّم الواحدة منه- إذا سلمت ووصلت- بسبعمائة درهم. والله أعلم. ذكر الخصائص التى تجرى مجرى الطّلّسمات منها: مدينة «خبيص» من مدن كرمان. لا يمطر المطر فيها داخل السور أبدا حتّى إن الرجل يخرج يده من سورها إلى خارجها، فتبتلّ يده ولا يبتلّ ساعده. وبقرية من قرى كرمان أيضا «حصن عادى» ليس فيه فأر. وإذا دخل إليه فأر، مات. ومدينة «حمص» لا يوجد فيها عقرب. وإذا تثر ترابها على ظهر عقرب، ماتت. وكذلك قلعة أعزاز [١] من أعمال حلب. ويقال إنه لا يدخل مدينتها حيّة. ومتى نثر عليها من ترابها، ماتت لوقتها. ولا يوجد فيها بعوض البتة. وإن الرجل متى أخرج يده من السور، وقع عليها؛ فإذا أدخل يده، طار عنها. و «بمصر [٢] » أن التماسيح إذا ساقها الماء إليها وحاذتها، انقلبت على طهرها. فإذا بعدت عنها، لا تضر أحدا. بخلاف ما هى في بلاد الصعيد، فإنها تفترس جميع ما تظفر به من الحيوان حتّى الخيل. ولا يقوى على قتالها إلا الجاموس. ومدينة «سجلماسة» لا يوجد فيها ذباب البتة.

стр. 369

ذكر خصائص البلاد في أشياء مختلفة (وهى العلم، والعمل، والجواهر، والملابس، والأوبار، والفرش، والمراكب، والحيوانات ذوات السموم، والحلوى، والثمار، والرياحين، والخلق، والأخلاق، والأمراض، والآثار العلوية) أما خصائصها العلمية والعملية، فيقال: حكماء اليونان، وأطباء جنديسابور، وصاغة حرّان، وحاكة اليمن، وكتّاب السّواد. ومن خصائصها في الجواهر، يقال: فيروزج نيسابور، وياقوت سرنديب، ولؤلؤ عمان، وزبرجد مصر، وعقيق اليمن، وجزع ظفار، وبجادىّ بلخ، ومرجان إفريقيّة. ومن خصائصها في الملابس، يقال: برود اليمن، ووشى صنعاء، وريط الشام، وقصب مصر، وديباج الرّوم، وقزّ السّوس، وحرير الصين، وأكسية فارس، وحلل أصبهان، وسقلاطون بغداد، وعمائم الأبلّة، ومنيّر الرىّ، وملحم مرو، وتكك أرمينية، ومناديل الدّامغان، وجوارب قزوين. ومن خصائصها في الأوبار، يقال: سنجاب خرخيز، وسمّور بلغار، وثعالب الخزر، وفنك كاشغر، وحواصل [١] هراة، وقاقم تغزغز.

стр. 370

ومن خصائصها في الفرش، يقال: بسط أرمينية، وزلالىّ قاليقلا، ومطارح ميسان، وحصر بغداد [١] . ومن خصائصها في المراكب، يقال: عتاق البادية، ونجائب الحجاز، وبراذين طخارستان، وحمير مصر، وبغال برذعة. ومن خصائصها في الحيوانات ذوات السموم، يقال: أفاعى سجستان، وحيّات اصفهان، وثعابين مصر، وعقارب شهرزور، وجرّارات الأهواز، وبراغيث أرمينية، وفأر أرزن، ونمل ميّا فارقين، وذباب تل فافان، واقداح [٢] نلد. [٣] ومن خصائصها في الحلواء، يقال: سكّر الأهواز، وعسل أصفهان، وفانيذ ماكسان [٤] ودبس أرّجان.

стр. 371

ومن خصائصها في الثمار، يقال: رطب العراق، وتمر كرمان، وعنّاب جرجان، وإجّاص بست، وسفرجل نيسابور، وتفّاح الشام، ومشمش طوس، وكمّثرى نهاوند، وأترجّ طبرستان، ونارنج البصرة، وتين حلوان، وعنب بغداد، وقشمش هراة، وموز اليمن، وجوز الهند، وبطّيخ خوارزم، وباقلاء الكوفة. ومن خصائصها في الرياحين، يقال: نرجس جرجان، وورد جور، ونيلوفر السّيروان، ومنثور بغداد، وزعفران قمّ، وشاهسفرم سمرقند. ومن خصائصها في الخلق والأخلاق، يقال: شقرة الروم، وسواد الزّنج، وغلظ الترك، وجفاء الجيل، ودمامة الصّين، وقصر يأجوج. ومن خصائصها في الأمراض، يقال: طواعين الشام، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وحمّى خيبر. وجنون حمص، وعرق اليمن، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار الفارسية، وقروح بلخ. ومن خصائصها في الآثار العلوية، يقال: شتاء أرمينية، ومصيف عمان، وصواعق تهامه، وزلازل دبيل. وقال الجاحظ في «كتاب الأمصار» : الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتّخنيث ببغداد، والطّرمذة بسمرقند، والغىّ بالرّىّ، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر. وحكى عن عمرو بن عامر مزيقيا، أنه قال لقومه لما تحقق كون سيل العرم: من كان ذا شاء وبعير وجمل غير شرود، فليلحق بالشّعب من كوفان، فلحقت به

стр. 372

همدان؛ ومن كان ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ، فلحقت به خزاعة. ومن كان يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فلحقت بها بنو قيلة، وهم الأوس والخزرج؛ ومن كان يريد الخمر والخمير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى وسدير (وهى من أرض الشام) ، فلحقت به غسّان؛ ومن كان يريد الثياب الرّقاق، والخيول العتاق، والذّهب والأوراق، فليلحق بالعراق، فلحقت به لخم. والله أعلم. الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأوّل (فى المبانى القديمة) والمبانى القديمة كثيرة، فلنذكر منها ما عظم خطره، وشاع في الآفاق ذكره. ذكر أوّل بناء وضع على وجه الأرض قيل: أوّل ما بنى على وجه الأرض «الصّرح» ويسمّى «المجدل» بناه النّمرود الأكبر ابن كوش بن حام بن نوح، بكوثى ربّى من أرض بابل. قيل: وبها إلى هذا العصر من أثره كالجبال. وكان طوله في الهواء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع. وكان مبنيا بالحجارة والرّصاص والكلس والشّمع واللّبان. يناه ليمنعه وقومه من بأس الله . وكان قد كفر وطغى وادّعى الألوهية، فأرسل الله تعالى

стр. 373

إليه جبريل، فضربه بخافقة جناحه فهدمه، وهام من كان حوله على وجهه، وقد تبلبلت ألسنتهم من الدّهش والذّعر، فكانت عنه هذه اللغات التى يتكلم بها سائر الأمم، وهى اثنتان وسبعون لغة، وسميت تلك الأرض التى كان بها بابل. ذكر خبر إرم ذات العماد وهى التى ذكرها الله في كتابه العزيز، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) . وكان سبب عمارتها أن شدّاد بن عاد بن إرم لما سمع وصف الجنة سوّلت له نفسه أن يبنى مثلها. فبنى مدينة بين حضرموت وصنعاء، طولها اثنا عشر فرسخا، وعرضها مثل ذلك. وأحاط بها سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع، غشّاه بصفائح الفضة المموّهة بالذهب، فلا يدركه البصر إذا أشرقت عليه الشمس. وبنى داخلها مائة ألف قصر (بعدد رؤساء أهل مملكته) من الذهب والفضّة، وكذلك جذوع سقوفها وأعمدتها. وأجرى في وسطها نهرا صفّح أرضه بالذهب، وجعل على حافتيه أنواع الجواهر واليواقيت بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك والعنبر بدلا من الحمأة. وفرّع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل، وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف طيّب ورائحة ذكيّة. زعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة، فلما تمّ بناؤها، زاد في طغيانه وخرج من حضرموت إليها ليسكنها. فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته هو وجنوده.

стр. 374

ويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له ندّت فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه، فبلغ معاوية خبره، فاستحضره وسأله فقصّ عليه قصته. فبعث معاوية إلى كعب الأحبار، فقال: هى إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك: أحمر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ندّت. ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل. وزعم الأخباريون أنه كان بها أربعمائة ألف وأربعون ألف عمود، ولهذا سميت ذات العماد. وقد ذهب قوم إلى أنها دمشق. وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر إرم ذات العماد بما هو أبسط من هذا عند ذكرنا لخبر شديد وشدّاد، ابنى عاد؛ وهو في الباب الخامس من القسم الأوّل، من الفن الخامس في التاريخ، وذلك في السّفر الحادى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك. والله تعالى أعلم. ذكر خبر سدّ يأجوج ومأجوج هو في الإقليم السادس في آخر الجزء التاسع من تجزئة عشرة أجزاء. قال [١] صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» إن الواثق بالله لما رأى فى المنام كأنّ السّدّ الذى بناه ذو القرنين مفتوح، أحضر سلّاما الترجمان وقال له:

стр. 375

اذهب فانظر إلى هذا السدّ وجئنى بخبره وحاله وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يسيرون معه، عددهم خمسون رجلا، ووصله بخمسة آلاف دينار، وأعطاه ديته عشرة آلاف درهم، وأمر أن يعطى كل واحد من أصحابه الخمسين ألف درهم ورزق سنة، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد. قال سلام الترجمان: فشخصنا من سامرّا بكتاب الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية بالنظر إلى تنفيذنا من هناك؛ فكتب لنا كتابا إلى ملك السّرير وأنفذنا إليه، فلما وردنا عليه، أشخصنا إلى ملك اللّان. فلما وصلنا إليه، أشخصنا إلى صاحب فيلان [١] شاه. فلما وردنا عليه [أرسلنا إلى ملك الخزر وهو] اختار لنا خمسة أدلّاء يدلّون على الطريق. فسرنا من عنده سبعة وعشرين يوما في تخوم بلاد بسجرت إلى أن وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدّة كريهة الرائحة، فشققناها في عشرة أيام. وكنا قد تزوّدنا لقطعها أشياء نشمها خوفا من أذى روائحها الكريهة. ثم انفصلنا عنها. فسرنا مدّة شهر في بلاد خراب قد درست ابنيتها ولم يبق منها إلا رسوم يستدل بها عليها. فسألنا من معنا عن تلك المدن، فأخبرونا أنها لمدن التى كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخرّبونها. ثم سرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذى في شعبة السدّ وذلك في ستة أيام. وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية. وهناك مدينة يدعى ملكها خاقان بن أدكش، وأهلها مسلمون لهم مساجد ومكاتب. فسألونا من أين أقبلنا، فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين الواثق بالله، فعجبوا منا ومن قولنا «أمير المؤمنين» ثم سألونا عن أمير المؤمنين: أشيخ هو أم شابّ؟ فقلنا: شابّ، فعجبوا أيضا. ثم قالوا: وأين يكون؟ قلنا: هو بالعراق بمدينة سرّ من رأى. فعجبوا أيضا

стр. 376

من ذلك، وقالوا: ما سمعنا هذا قطّ. فسألناهم عن إسلامهم من أين وصلهم ومن علّمه لهم؟ فقالوا: وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة اليدين والرجلين، لها في موضع صلبها حدبة، (فعلمنا أنهم يصفون الجمل) قالوا: فنزل بنا وكلمنا بكلام فهمناه، ثم علّمنا شرائع الإسلام فقبلناها، وعلمنا أيضا القرآن ومعانيه فتعلمناه وحفظناه. قال سلام: ثم خرجنا بعد هذا إلى السدّ لنبصره، فسرنا عن المدينة نحوا من فرسخين، فوصلنا السدّ. فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا، وله في وسط هذا الفناء باب من حديد طوله خمسون ذراعا قد اكتنفه عضادتان، عرض كل عضادة منهما خمسة وعشرون ذراعا. والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب. وكله مبنىّ بلبن الحديد مغيب بالنّحاس. وارتفاع العضادتين خمسون ذراعا، وعلى أعلى العضادتين دروند حديد، طوله مائة وعشرون ذراعا. والدّروند للعتبة العليا، وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع. ومن فوق الدّروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب بالنحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدّ البصر. وفوقه شرّافات حديد، فى طرف كل شرّافة قرنتان تنثنى أطراف كل واحدة منهما على الأخرى [١] ، وللباب مصراعان مغلقان، عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ثخن خمسة أذرع؛ وقائمتاهما في دوّارة على قدر الدروند. وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة؛ وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا. وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل،

стр. 377

وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة دنداجة [١] ، كل دنداجة منها كأغلظ ما يكون من دساتج [٢] الهواوين، معلق كل واحد منها بسلسلة على قدر حلقة المنجنيق [٣] . وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذرع سوى ما تحت العضادتين، الظاهر منها خمسة أذرع. وكلها مكتالة بالذراع السوادىّ. ورئيس ذلك الحصن يركب فى كل جمعة مع عشرة فوارس، مع كل فارس إرزبّة حديد، كل إرزبّة خمسة أمنان. فيضرب القفل بتلك الإرزبّات في كل يوم ثلاث مرات ليسمع من خلف الباب. فيعلم أنّ هناك حفظة، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يحدثوا في الباب حدثا. وإذا ضرب أصحاب الإرزبّات القفل، وضعوا آذانهم ليسمعوا ما وراء الباب، فيسمعون من ورائه دويّا يدلّ على أن خلفه بشرا. وبالقرب من هذا الموضع حصن يكون عشرة [فراسخ] فى عشرة [فراسخ] . ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتى ذراع في مائتى ذراع؛ وبين هذين الحصنين عين ماء عذبة، فى أحد الحصنين آلة البناء التى بنى بها السدّ من قدور الحديد ومغارف الحديد؛ والقدور فوق ديكدانات [٤] على كل ديكدان أربع قدور مثل قدور الصابون؛ وهناك أيضا بقايا من لبن الحديد

стр. 378

التى بنى بها السدّ وقد التصق بعضها ببعض من الصدإ، وطول اللّبنة ذراع ونصف فى ارتفاع شبر. قال سلام الترجمان: وقد سألنا من خاطبناه من أهل تلك الجهات هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج قطّ، فأخبرونا أنهم رأوا منهم [مرّة] عددا فوق شرفات الردم، فهبّت عليهم ريح عاصفة، فرمت منهم ثلاثة إلى ناحيتنا. [١] وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصفا. قال سلام: فكتبت هذه الصفات كلّها، ثم انصرفنا مع الأدلّاء من تلك الحصون، فأخذوا بنا على ناحية خراسان. فسرنا إلى مدينة بختان، إلى غربان، إلى مدينة برساخان، إلى انطرار، إلى سمرقند، فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر، ثم وصلنا إلى الرىّ، ثم رجعنا إلى سرّ من رأى بعد خروجنا عنها. فكان مغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرين شهرا. قال: فهذا جميع ما حدّث به سلام. وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبىّ في تفسيره: إن ارتفاع السدّ مائتا ذراع وخمسون ذراعا. قال: وروى في طوله ما بين طرفى الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون ذراعا. نقله عن وهب بن منبه. وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخبار السدّ وكيفية بنائه وطوله وعرضه، وغير ذلك مما هو متعلق به عند ذكرنا لأخبار ذى القرنين. فتأمّله هناك، وهو في الباب

стр. 379

الأوّل من القسم الرابع من الفن الخامس في التاريخ، وهو في السفر الثانى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا. ذكر مبانى الفرس المشهورة ومبانى الفرس كثيرة: قديمة وحديثة. فمن قديمها «سدّ اللّبن» . بناه قباذ بن فيروز، وقيل إن الذى بناه ابنه كسرى ابن قباذ بن فيروز. كذا ورد في التاريخ. وهذا السدّ من أرض شروان إلى بلاد اللّان، وبينهما مائة فرسخ، بين شعاب جبل القبق. وهو جبل عظيم قد اشتمل على اثنتين وسبعين أمّة، لكل أمّة لسان وملك، لا يعرف بعضهم بعضا لكثرة غياضه وأشجاره؛ وفيه عيون وأنهار؛ وتقدير مسافته طولا وعرضا نحو شهرين. ومبدأ السّور من جوف بحر الخزر على مقدار مسافة ميل مارّا إلى البرّ، ثم يمرّ إلى أن يتصل بقلعة طبر شروان. وهو مبنىّ بالصخر والحديد والرّصاص. بناه على زقاق البقر المنفوخة، فكان كلما ارتفع البناء نزلت تلك الزّقاق إلى أن استقرّت في قعر البحر، فغاصت الرجال بالخناجر فشقّوها فتمكن البناء. وجعل بين كل ثلاثة أميال من السور وأقل وأكثر بابا من الحديد على حسب الطريق التى تجعل من أجله، وبنى عليه حصنا وأسكن فيه من يحفظ ذلك الباب ويحرسه. وزعم المؤرّخون أن سبب بنائه لهذا السور أن الخزر كانت تغير على بلد فارس إلى أن تبلغ همذان والموصل، فحجزهم بهذا السور.

стр. 380

ومن مبانى الفرس إيوان كسرى زعم المسعودىّ أن سابور ذا الأكتاف بناه في نيف وعشرين سنة، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع مائة ذراع، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا. ولما ملك المسلمون المداين، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا. ولما بنى المنصور بغداد، أحب أن ينقضه ويبتيها به، فاستشار خالد بن برمك فى ذلك فنهاه، وقال: «هو آية للإسلام، ومن رآه علم أن الذى بناه لا يزيل ملكه إلا نبىّ والمؤونة على نقضه أكثر من الارتفاق به» . فقال له: «أبيت إلا ميلا إلى العجم» فهدمت منه ثلمة. فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا، فأمسك المنصور عن هدمه، فقال له خالد: «أنا الآن، يا أمير المؤمنين، أشير بهدمه لئلا يتحدّث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك» فلم يفعل. وحكى مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى بن خالد مع الرشيد، وهو إذ ذاك فى اعتقاله. وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد هدمه واستشار يحيى فأشار عليه بمثل هذا. ومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال أن بعض شرفاته هدمت وجعلت فى أساس سور بغداد. وقال ابن الأثير في تاريخه إن الإيوان باق إلى الآن. (وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة) ، والله أعلم.

стр. 381

ومن المبانى القديمة الحضر وكان حصنا حصينا مبنيّا بالرّخام، يسكنه ملوك الضّيازن. وهو بين دجلة والفرات، بحيال تكريت. ويقال إن بانيه الساطرون. وذكر أن قصر ملكه قائم إلى وقتنا هذا فى وسط المدينة، وفى وسطه هيكل مربّع مبنىّ بالصخر، وفيه صور دقيقة المعانى. حكى أن سابور الجنود حاصره أربع سنين فلم يقدر عليه. واتفق أن بنت ملكه وهى النضرة [١] بنت الضّيزن حاضت، فأخرجت من القصر إلى ربضه لأجل ذلك. فرأت سابور، وكان جميل الصورة، فعشقته. فأرسلت إليه تقول: إن ملّكتك الحصن فما تجعل لى؟ قال: حكّمتك. قالت: تتزوّج بى. فأجابها إلى ذلك، فقالت له: خذ حمامة ورقاء مطوّقة، فاخضب رجليها بدم حيض جارية بكر زرقاء، وأرسلها. فإنها تقع على سور البلد فيقع لوقته. وكان ذلك حلّ طلّسم له. ففعل ذلك، فوقع السّور ودخل سابور الحصن وقتل ملكه وأصحابه واصطفى ابنته لنفسه. فلما كانت ليلة دخولها عليه، لم تزل متململة قلقلة طول ليلتها، فالتمس سابور ما الذى قلقت من أجله، فاذا ورقة آس قد لصقت بعكنة من عكنها، فقال لها: ما كان أبوك يغذوك؟ فقالت: الزّبد والمخّ وشهد أبكار النحل والخمر، فقال لها: أنا أحقّ منك بثار أبيك، ثم أمر رجلا أن يركب فرسا جموحا وأن يربط غدائرها في ذنبه ويركض به. ففعل ذلك، فتقطّعت.

стр. 382

وهذا الحصن قد اختلف في موضعه. فقيل: بحيال تكريت بين دجلة والفرات. وقيل: بالجزيرة. ويقال إنه كان حاجزا بين الرّوم والفرس، وملكته الزّبّاء بنت مليح [١] واسمها فارعة. وفيه يقول عدىّ بن زيد العبادىّ من قصيدة: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور. شاده مرمرا وكلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور. لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور. ومن المبانى القديمة القليس وهى كنيسة كانت باليمن بناها أبرهة بن الصباح، ملك اليمن بصنعاء. ونقل إليها الرخام المجزّع والملّون، والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس. وكان أراد أن يرفع بناءها حتّى يشرف منها على بحر عدن. فلما أهلكه الله تعالى وفرّق ملكه، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثرت حولها السّباع والحشرات. وبقيت إلى زمن السّفّاح فذكر له أمرها، فبعث إليها من خرّبها وأخذ ما كان فيها. حكى ذلك السهيلى في «الروض الأنف» . وحكى أن كيفية بناء هذه الكنيسة أنه كان لها باب من نحاس طوله عشرة أذرع وعرضه أربعة أذرع، يدخل منه إلى بيت طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا، مسقّف بالساج المنقوش، مسمّر بمسامير الذهب والفضّة. ثم يدخل من البيت إلى إيوان معقود طوله أربعون ذراعا، عن يمينه ويساره عقود مزخرفة.

стр. 383

ثم يدخل من الإيوان إلى قبّة، ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا، جدرها مموّهة بالذهب والفضة. وفي صدر القبّة منبر من الآبنوس المرصّع بالعاج، المصفّح بالذهب والفضة. ولما تم بناؤها، خرج رجل من بنى كنانة فقعد فيها ليلا (أى أحدث) . فأغضب أبرهة ذلك، فحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج بجيش كثيف من الحبشة، فكان من أمره ما قصه الله تعالى في كتابه العزيز في سورة النمل: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . وذكر لى أن الذى خرّبها العباس بن الربيع بن عبد الله العامرىّ، عامل المنصور على اليمن. ومن المبانى المشهورة قنطرة صنجة وهى من مبانى الروم على نهر عظيم يسمّى بهذا الاسم، يصبّ في الفرات، لا يمكن خوضه: لأن قراره رمل سائل متى وطئه الإنسان برجله سال. وهو ما بين حصن منصور وكيسوم من ديار بكر. وهذه القنطرة طاق واحد، ما بين جدرانها مائة خطوة. وهى مبنية بحجارة مهندمة، طول الحجر منها عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع. ومن المبانى القديمة ملعبا بعلبك وهما كبير وصغير. فالكبير، يحكى أنه من بناء سليمان بن داود ﵉. وهو مبنىّ على عمد شاهقة. وحجارته منها ما هو عشرة أذرع وأكثر.

стр. 384

والملعب الصغير تهدّم أكثره، وبقى منه حائط طوله عشرون ذراعا وارتفاعه كذلك. ليس فيه إلا سبعة أحجار: واحد من أسفله، وحجران فوقه، وأربعة أحجار فوقهما. ويقال إنه البيت الذى كان فيه الصنم الذى كان يدعى «بعلا» . ذكر مبانى العرب المشهورة وهى غمدان، وحصن تيما، والخورنق، والسّدير، والغريّان. قال الجاحظ: أحبّت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر، فبنوا: غمدان، وكعبة نجران، وحصن مارد، والأبلق الفرد. فأما غمدان فكان بصنعاء. زعم بعض المؤرّخين أن بانيه حام بن نوح. وزعم آخرون أن بيوراسب بناه على اسم الزّهرة. وقال ابن هشام إن الذى أسسه يعرب بن قحطان، وأكمله بعده وائل بن حمير ابن سبإ بن يعرب. وخرّبه عثمان بن عفّان، رضى الله عنه. وقيل في صفته إنه كان مربّعا، أحد أركانه مبنىّ بالرخام الأبيض، والثانى بالرّخام الأصفر، والثالث بالرخام الأخضر، والرابع بالرّخام الأحمر. وفيه سبعة سقوف طباقا، ما بين السّقف والآخر خمسون ذراعا. وعلى كل ركن تمثال أسد من نحاس، إذا هبّت الريح دخلت من دبره وخرجت من فيه، فيسمع لها صوت كزئير الأسد. وقال ابن الكلبىّ: كان على كل ركن من أركان غمدان مكتوب «اسلم غمدان، معاديك مقتول بسيف العدوان» .

стр. 385

ويقال: إن سليمان بن داود ﵉ أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس أربعة قصور: غمدان، وصرواح، وبينين، وسلحين. وكلّها باليمن. ويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: لا يستقيم أمر العرب ما دام فيها غمدانها. وهذا القول هو الذى حضّ عثمان على هدمه. ويقال إن آثاره باقية إلى عصرنا هذا، وإنه تلّ عال مطلّ على صنعاء. وأما حصن تيماء فهو الأبلق الفرد. سمّى بالأبلق الفرد لأنه كان مبنيا بحجارة مختلفة الألوان وهو بأرض تيماء. بناه السموءل بن عاديا اليهودىّ. ويقال إنه من بناء سليمان بن داود ﵇. وبه تضرب العرب المثل في المنعة والحصانة. وفيه يقول الشاعر: طلب الأبلق العقوق فلمّا ... لم ينله فرام بيض الأنوق. وقصدت الزّبّاء هذا الحصن وحصن مارد فلم تقدر عليهما، فقالت: «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» . ومارد حصن كان بدومة الجندل. مبنىّ بحجارة سود. ويقال إنه أيضا من بناء السموءل بن عاديا، اليهودىّ. وأما الخورنق والسّدير فكان الخورنق على ثلاثة أميال من الحيرة، والسّدير في برّية بالقرب منها. بناهما النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر. ويقال في سبب بنائه لهما: ن يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن مكان صحيح الهواء، فذكر له

стр. 386

ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق. فبناه على نهر سنداد في عشرين سنة. بناه له رجل يسمّى سنمار. فلما فرغ من بنائه، عجب النّعمان من حسن بنائه وإتقانه، فأمر أن يلقى سنمّار من أعلاه حتّى لا يبنى مثله لأحد. ويقال إنه إنما فعل ذلك به لأنه لما أعجبه، شكره على عمله ووصله، فقال: لو علمت أن الملك يحسن إلىّ هذا الإحسان، لبنيت له بناء يدور مع الشمس كيفما دارت؛ فقال له النعمان: وإنك لتقدر على أن تبنى أفضل منه، ولم تبنه؟ فأمر به؛ فطرح من أعلاه. وقيل: بل قال: أنا أعرف فيه حجرا متى أخذ من موضعه، تداعى البناء. فخاف النعمان إن هو لم ينصفه في أجرته فعل ذلك، فقتله. والعرب تضرب المثل بفعل النّعمان مع سنمّار في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح، فيقال: جازاه مجازاة سنمّار. وفيه يقول بعض الشعراء: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار، وما كان ذا ذنب. سوى رفعه البنيان عشرين حجّة ... يعلّى عليه بالقراميد والسّكب. والخورنق تعريب خورنقاه [١] ، وهو الموضع الذى يؤكل فيه ويشرب. والسّدير تعريب سادل أى قبّة في ثلاث قباب متداخلة. وفي هذه الأبنية يقول الأسود ابن يعفر: ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد؟ أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذى الشّرفات من سنداد.

стр. 387

وقال عدىّ بن زيد العبادىّ: وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما، وللهدى تفكير. سرّه ملكه وكثرة ما يح ... ويه والبحر معرضا والسّدير. فارعوى قلبه، فقال: فما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير؟ وأما الغريّان فهما أسطوانتان كانتا بظاهر الكوفة. بناهما النعمان بن المنذر بن ماء السماء، على جاريتين كانتا قينتين تغنّيان بين يديه. فمائتا، فأمر بدفنهما وبنى عليهما الغريّين. ويقال إن المنذر غزا الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، وكان بينهما وقعة على عين أباغ، وهى من أيام العرب المشهورة. فقتل للحارث ولدان، وقتل المنذر وانهزمت جيوشه. فأخذ الحارث ولديه وجعلهما عدلين على بعير، وجعل المنذر فوقهما، وقال: «ما العلاوة بدون العدلين» فذهبت مثلا. ثم رحل إلى الحيرة فانتهبها وحرّقها ودفن ابنيه بها، وبنى الغريّين عليهما. حكاه ابن الأثير فى تاريخه «الكامل» . وأمر المنصور بهدم أحدهما، لكنز توهّم أنه تحتهما. فلم يجد شيئا. وقيل في سبب بنائهما غير ذلك. والله أعلم. ذكر الأبنية القديمة التى بالديار المصرية وهى الأهرام، وحائط العجوز، وملعب أنصنا، ومدينة عين شمس، والبرابى، وحنيّة اللازورد، ومنارة الإسكندرية، ورواق الإسكندرانيّين.

стр. 388

فأما الأهرام التى بأرض مصر فهى كثيرة. وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربىّ مصر. وقد اختلف في بانيهما. فقال قوم: بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق. بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها، فقصّها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث فى العالم، فأقاموا مراكزها في وقت المسألة. فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض. فأمر حينئذ ببناء البرابى والأهرام، وصوّر فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة. ويقال إن هرمس المثلث بالحكمة (وهو الذى يسميه العبرانيون أخنخ، وهو إدريس ﵇ استدلّ من أحوال الكواكب على كون الطوفان. فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدّثور. وكل هرم منها مربع القاعدة، مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر دراعا، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع فى مثلها. ويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبّة فرمته الرياح العواصف. وهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة وحسن التقدير بحيث إنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار وزعزعة الزلازل؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين.

стр. 389

ويقال إن بانيهما جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة في الأرض، طول كل أزج منها عشرون ذراعا. وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أحد أنه باب. فأزج الشرقىّ منها في ناحية الجنوب، وأزج الغربىّ في ناحية الغرب. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة؛ وكلها مقفلة بأقفال. وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوّف، إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه فتوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها. والقبط يزعمون أنها والهرم الصغير الملوّن قبور: فالهرم الشرقىّ فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربىّ أخوه هو حيت [١] . والصابئة تزعم أن أحدها قبر أغاثديمون، والآخر قبر هرمس، والملوّن قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة على قول من زعم ذلك منهم؛ وهم يحجّون إليها ويذبحون عندها الدّيكة والعجول السّود، ويبخرون بدخن؛ ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطراب ما يذبحون حالة الذبح ما يريدن عمله من الأمور الطبيعية. وقصرت همم الملوك والخلفاء عن معرفة ما في هذين الهرمين، إلى أن ولى عبد الله المأمون الخلافة وورد مصر، أمر بفتح واحد منها. ففتح بعد عناء طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النّقب على مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب، وهو زلّاقة ضيقة من الحجر الصوّان الماتع الذى لا يعمل فيه الحديد، بين حاجزين ملتصقين بالحائط قد نقر في الزّلّاقة حفر، يتمسك السالك بتلك الحفر، ويستعين بها

стр. 390

على المشى في الزّلّاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر. ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب. وانتهت بهم الزّلّاقة إلى موضع مربّع في وسطه حوض من حجر صلد مغطّى. فلما كشف عنه غطاؤه، لم يوجد فيه إلا رمّة بالية. فأمر المأمون بالكف عما سواه. وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا. وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده، وذلك في الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الخامس، وهو في السفر الثانى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك. وقال بعض أهل النظر، وقد عاين الأهرام: «كلّ بناء يخاف عليه من الدّهر، إلا هذا البناء فإنى أخاف على الدّهر منه» . ونظم عمارة اليمنىّ هذا القول، فقال: خليلىّ، ما تحت السماء بنيّة ... تماثل في إتقانها هرمى مصر! بناء يخاف الدّهر منه، وكلّ ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدّهر! تنزّه طرفى في بديع بنائها، ... ولم يتنزّه في المراد بها فكرى. وقال بعض الشعراء: حسرت عقول ذوى النّهى الأهرام، ... واستصغرت لعظيمها الأعلام. ملس منيّفة البناء شواهق، ... قصرت لعال دونهنّ سهام! لم أدر حين كبا التفكّر دونها ... واستبهمت لعجيبها الأوهام، أقبور أملاك الأعاجم هنّ، أم ... طلّسم رمل هنّ، أم أعلام؟
следующие страницы →