← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ويمشى على الماء من خفّة ... ويقدح فى الجلمد الصخر نارا فلو كان يبغى به راكب «١» ... إلى مطلع الشمس سيرا لطارا وقال عبد الجبّار بن حمديس: ومجرّر فى الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق يجرى ولمع «٢» البرق فى آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق ويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق «٣» وقال ابن طباطبا: عجبا لشمس أشرقت فى وجهه ... لم تمح منه دجى الظلام المطبق وإذا تمطّر «٤» فى الرّهان رأيته ... يجرى أمام الريح مثل مطرّق «٥» وقال تاج الملوك بن أيّوب: وخيل كأمثال السّعالى «٦» شوازب «٧» ... تكاد بنا قبل المجال تجول سوابق تكبو الريح قبل لحاقها ... لها مرح «٨» من تحتنا وصهيل وقال إبراهيم بن خفاجة يصف فرسا أشهب: ربّ طرف كالطّرف ساعة عدو ... ليس يسرى سراه طيف الخيال

стр. 3327

إن سرى فى الدّجى فبعض الدّرارى ... أو سعى فى الفلا فإحدى السّعالى لست أدرى إن قيد ليلة أسرى ... أو تمطّيته غداة قتال أجنوب تقتاد لى أم جنيب «١» ... أم شمال عنانها بشمالى أشهب اللّون أثقلته جلىّ ... خبّ «٢» فيهن وهو ملقى الجلال «٣» فبدا الصبح ملجما بالثّريّا ... وجرى البرق مسرجا بالهلال وقال أيضا فى أشهب: وظلام ليل لا شهاب بأفقه ... إلّا لنصل مهنّد أو لهذم لا طمت لجّته بموجة أشهب ... يرمى بها بحر الظلام فيرتمى قد سال فى وجه الدّجنّة غرّة ... فالليل فى شبه الأغرّ الأدهم أطلعت منه ومن سنان أزرق ... ومهنّد عضب ثلاثة أنجم وقال أبو الصّلت يصف فرسا أشهب: وأشهب كالشّهاب أضحى ... يجول فى مذهب الجلال قال حسودى وقد رآه ... يجنب خلفى إلى القتال من ألجم الصبح بالثريّا ... وأسرج البرق بالهلال وقال ابن خفاجة وقد أهدى مهرا بهيما: تقبّل المهر من أخى ثقة ... أرسل ريحا به الى المطر مشتملا بالظلام من شية ... لم يشتمل ليلها على سحر منتسبا لونه وغرّته ... الى سواد الفؤاد والبصر

стр. 3328

تحسبه من علاك مسترقا ... بهجة مرأى وحسن مختبر حنّ إلى راحة نهيض ندى ... فمال ظلّ به على نهر ترى به والنشاط يحفزه ... ما شئت من فحمة ومن شرر لو «١» حمل الليل حسن دهمته ... أمتع طرف المحبّ بالسّهر أحمى من النجم يوم معركة ... ظهرا وأجرى به من القدر اسودّ، وابيضّ فعله كرما ... فالتفت الحسن فيه عن حور فازدد سنا بهجة بدهمته ... فاللّيل أذكى لغرّة القمر ومثل شكرى على تقبّله ... يجمع بين النسيم والزّهر وقال فى فرس أشقر: ومطهّم شرق الأديم كأنما ... ألفت معاطفه النجيع «٢» خضابا طرب إذا غنّى الحسام، ممزّق ... ثوب العجاجة جيئة وذهابا قدحت يد الهيجاء منه بارقا ... متلهّبا يزجى القتام سحابا [ورمى الحفاظ به شياطين العدا ... فانقضّ فى ليل الغبار شهابا «٣» ] بسّام ثغر الحلى تحسب أنّه ... كأس أثار بها المزاج حبابا و «٤» قال فى أدهم أغرّ محجّل: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه

стр. 3329

وقال ابن نباتة «١» السّعدىّ فى أدهم: وأدهم يستمدّ الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريّا سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوى خلفه الأفلاك طيّا فلمّا خاف وشك الفوت منه «٢» ... تعلّق بالقوائم والمحيّا وقال فى فرس أدهم أغرّ محجّل أهدى له: قد جاءنا الطّرف الذى أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه «٣» أولاية ولّيتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه تختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدّياجى قطرة من مائه وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه متمهّلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه ما كانت النيران يكمن حرّها ... لو أن للنيران بعض ذكائه لا تعلق الألحاظ فى أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه

стр. 3330

وقال محمد بن الحسين «١» الفارسىّ النحوىّ أحد شعراء اليتيمة فى فرس أدهم أغرّ: ومطهّم ما كنت أحسب قبله ... أنّ السروج على «٢» البوارق توضع وكأنما الجوزاء حين تصوّبت ... لبب عليه والثريّا برقع طرائف فى ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة كتب بعضهم إلى صديق له: ما فعلت حجرك «٣» تلك التى ... أفضل من فارسها الرّاجل عهدى بها تبكى وتشكو الضّنى ... لما احتشاه البدن الناحل وهى تغنّينى غنا صبّة ... غايتها وجدان ما تاكل: يا ربّ لا أقوى على كلّ ذا ... موت وإلّا فرج عاجل وقال آخر: يا نصر حجرك أبلى الجوع جدّتها ... وأصبحت شبحا تشكو تجافيكا

стр. 3331

إذا رأت تبنة قالت مجاهرة ... يا تبن لى حسرة ما تنقضى فيكا ترجوه طورا وتبكى منه آيسة ... حتى إذا عرضت باتت تغنّيكا: هذى- فديتك- حالى قد علمت بها ... فلم يكون الجفا أفديك أفديكا وقال آخر: أعطيتنى شهباء مهلوبة «١» ... تذكر نمروذ «٢» بن كنعان سفينة الحشر إلى عدوها ... أسبق من أشقر «٣» مروان كأننى منها على زورق ... بلا مجاديف وسكّان «٤» فانظر إلى حجرى ترى شهرة ... أخبارها جامع «٥» سفيان وقال آخر: حملتنى فوق مقرف زمن ... ليس لذى رحلة بنفّاع جلد على أعظم محلّلة ... فليس يمشى إلّا بدفّاع كأننى إذ علوت صهوته ... ركبت منه سرير فقّاع «٦»

стр. 3332

وكتب زهير بن «١» محمد الكاتب: وفرس على المسا ... وى كلّها محتويه راكبها فى خجلة ... كأنه فى مخزيه مستقبحا ركوبها ... مثل ركوب المعصية فما مساويها لمن ... عدّدها مستويه يا قبحها مقبلة ... وقبحها مولّيه وقال برهان الدين ابن الفقيه نصر: لصاحب الديوان برذونة «٢» ... بعيدة العهد من القرط «٣» إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطى تمشى إلى خلف إذا ما مشت ... كأنها تكتب بالقبطى *** هذا ما اتّفق إيراده مما قيل فى أوصاف الخيل من النظم. فلنذكر ما وصفت به فى الرسائل المنثورة، والفقر المسجوعة، والألفاظ المزدوجة؛ مع ما يتصل بذلك من الأبيات فى ضمنها.

стр. 3333

فمن ذلك ما حكى أن المهدىّ سأل مطر بن درّاج عن أىّ الخيل أفضل؛ فقال: الذى إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر «١» ، وإذا استعرضته قلت زافر «٢» . قال: فأىّ هذه أفضل؟ قال: الذى طرفه إمامه، وسوطه عنانه. ومن هذا أخذ المتنبى وعلىّ بن جبلة والعسكرىّ. فقال المتنبى: إن أدبرت «٣» قلت لا تليل لها وقد تقدّم. وقال علىّ بن جبلة: تحسبه أقعد فى استقباله ... حتى إذا استدبرته قلت أكبّ وقال أبو هلال العسكرىّ: طرف إذا استقبلته قلت حبا ... حتى إذا استدبرته قلت كبا ووصف أعرابىّ فرسا أجرى فى حلبة فقال لما أرسلت الخيل: جاءوا بشيطان، فى أشطان «٤» ؛ فأرسلوه فلمع لمع البرق، واستهلّ استهلال الودق «٥» ؛ فكان أقرب الخيل إليه، تقع عينه من بعد عليه.

стр. 3334

ووصف محمد بن الحسين بن الحرون فرسا فقال: هو حسن القميص، جيّد الفصوص «١» ؛ وثيق القصب، نقىّ العصب؛ يبصر بأذنيه، ويتبوّع «٢» بيديه، ويداخل رجليه. ووصف أخر فرسا فقال: الريح أسيرة يديه، والظّليم «٣» فريسة رجليه؛ إن حرّ «٤» استعر فى التهابه، وإن جدّ مرق من إهابه. وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون مع فرس أهداه اليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين فرسا يلحق الأرنب فى الصّعداء، «٥» ويجاوز الظباء فى الاستواء، ويسبق فى الحدور جرى الماء؛ إن عطف حار، وإن أرسل طار؛ وإن حبس صفن «٦» ، وإن استوقف فطن؛ فهو كما قال تأبّط شرّا: ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتتابع ووصف آخر فرسا فقال: كأنه إذا علا دعاء، وإذا هبط قضاء. كأنه محلول من قول الشاعر فى صفة فرس: مثل دعاء مستجاب إن علا ... أو كقضاء نازل إذا هبط ووصف أيّوب بن القرّيّة فرسا فقال: أسيل الخدّ، حسن القدّ؛ يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.

стр. 3335

وقال محمد بن عبد الملك لصديق له: ابغ لى فرسا برذونا، وثيق اليدين، قائم الأذنين، ذكر العينين، يأنف من تحريك الرجلين. ومن الكلام الجيّد فى وصف الخيل ما أنشأه الشيخ ضياء الدين بن القرطبىّ من رسالته التى كتبها إلى الصاحب الوزير شرف الدين الفائزىّ، وقد تقدّم ذكرها فى باب الكتّاب فى الرسائل، فلا فائدة فى إعادتها؛ وإنما أوردنا ذكر الخيل هناك لأن الرسالة تشتمل على أوصاف الخيل والعساكر والسلاح وغير ذلك، فأردنا بإيرادها بجملتها ثم أن يكون الكلام فيها سياقه يتلو بعضه بعضا. وهذه الرسالة فى السّفر السابع «١» من هذه النسخة. *** ومن إنشاء المولى الفاضل العالم الأديب البليغ شهاب الدين أبى الثّناء محمود ابن سليمان الحلبى الكاتب رسالة «٢» فى الخيل عملها تجربة ورياضة لخاطره، ولم يكتب بها «٣» ؛ سمعتها من لفظه، ونقلتها من خطّه؛ وهى: أدام الله إحسان الجناب الفلانى، ولا زالت الآمال فى أمواله محكّمه، والأمانى كالمحامد فى أبوابه مخيّمه، والمعالى كالعوالى إليه دون غيره مسلّمه، والمكارم تغريه فى الندى حتى يبذل ما حبّب إليه من الخيل المسوّمه. المملوك يقبّل اليد التى ما زالت بسطتها فى الكرم عليّه، وقبضتها بتصريف أعنّة الزمن مليّه؛ ومواهبها تتنوّع فى الندى، ومذاهبها فى الكرم تهب الأولياء ما تهابه العدا. وينهى وصول

стр. 3336

ما أنعم به من الخيل التى وجد الخير فى نواصيها، وادّخرت صهواتها حصونا «١» يعتصم فى الوغى بصياصيها: فمن أشهب غطّاه النهار بحلّته، وأوطأه الليل على أهلّته؛ كأنّ أذنه جلفة «٢» قلم، أو شقّة جلم؛ يدرك بها الوهم، ويحقّق فى الليل البهيم مواقع السهم؛ يتموّج أديمه ريّا؛ ويتأرّج ريّا، ويقول من استقبله فى حلى لجامه: هذا الفجر قد طلع بالثريّا؛ إن التفّت المضايق انساب انسياب الأيم، وإن انفرجت المسالك مرّ مرور الغيم؛ كم أبصر فارسه يوما أبيض بطلعته، وكم عاين [طرف «٣» السّنان] مقاتل العدا فى ظلام النّقع بنور أشعّته؛ لا يستنّ داحس «٤» فى مضماره، ولا تطمع الغبراء فى شقّ غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره؛ تسابق يداه مرامى طرفه، ويدرك شوارد البروق ثانيا من عطفه. ومن أدهم حالى الشّكيم، حالك الأديم، له مقلة غانية وسالفة ريم؛ قد ألبسه الليل برده، وأطلع بين عينيه سعده؛ يظنّ من نظر إلى سواد طرّته، وبياض حجوله وغرّته؛ أنه توهّم النهار نهرا فخاضه، وألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضه؛ ليّن الأعطاف، سريع الانعطاف؛ يقبل كالليل، ويكرّ كجلمود صخر حطّه السّيل؛ يكاد يسبق ظلّه، وإذا جارى السهم إلى غرض بلغه قبله. ومن أشقر غشّاه البرق بلهبه، ووشّاه الأصيل بذهبه؛ يتوجّس مالديه برقيقتين، وينفض وفرتيه عن عقيقتين، وينزل عذار لجامه من سالفتيه على

стр. 3337

شقيقتين؛ له من الرّاح لونها، ومن الرياح لينها؛ إن جرى فبرق خفق، وإن أسرع «١» فهلال على شفق؛ لو أدرك أوائل حرب ابنى وائل لم يكن للنّعامة «٢» نباهه، ولا للوجيه وجاهه، ولكان «٣» ترك إعارة سكاب «٤» لؤما وتحريم بيعها سفاهه؛ يركض ما وجد أرضا، ولو اعترض [به «٥» ] راكبه بحرا وثبه عرضا. ومن كميت نهد، كأنّ راكبه فى مهد؛ عندمىّ الإهاب، شمالىّ الذّهاب؛ «يزلّ الغلام «٦» الخفّ عن صهواته» ، وكأنّ نغم الغريض ومعبد فى لهواته؛ قصير المطا «٧» ، فسيح الخطا؛ إن ركب لصيد قيّد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحش اللّوابد؛ وإن جنب إلى حرب لم يزورّ من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علّم الكلام بلسانه، ولم يردون بلوغ الغاية- وهى ظفر راكبه- ثانيا من عنانه؛ وإن سار فى سهل اختال براكبه كالثّمل، وإن أصعد فى جبل طار فى عقابه كالعقاب وانحطّ فى مجاريه كالوعل؛ متى ما ترقّ العين فيه تسهّل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره: ما أنت هناك فتمهّل.

стр. 3338

ومن حبشىّ أصفر يروق العين، ويشوق القلب بمشابهته العين «١» ؛ كأنّ الشمس ألقت عليه من أشعّتها جلالا، وكأنه نفر من الدّجى فاعتنق منه عرفا واعتلق أحجالا؛ ذى كفل يزين سرجه، وذيل يسدّ إذا استدبرته منه فرجه؛ قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع قلائده وتوشيع ملابسه؛ له من البرق خفّة وطئه وخطفه؛ ومن النسيم لين طروقه «٢» ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه؛ يطير بالغمز، ويدرك بالرّياضة مواقع الرّمز، ويغدو كألف الوصل فى استغنائه مثلها عن الهمز. ومن أخضر له من الروض تفويفه، ومن الوشى تقسيمه وتأليفه؛ قد كساه الليل والنهار حلّتى وقار وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدّان لمّا استجمعا حسنا؛ ومنحه البازى حلّة وشيه، وأعطته «٣» نفوح الرياح ونسماتها قوّة ركضه وخفّة مشيه؛ يعطيك أفانين الجرى قبل سؤاله، ولمّا لم يسابقه شىء من الخيل أغراه حبّ الظّفر بمسابقة خياله؛ كأنه تفاريق شيب فى سواد عذار، أو طلائع فجر خالط بياضه الدّجى، فما سجى، ومازج ظلامه النهار، فما أنار؛ يختال لمشاركة اسم الجرى بينه وبين الماء فى شدّة السّير كالسيل، ويدلّ بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللّوامع وبين البرقيّة من الخيل، ويكذّب المانويّة «٤» لتولّد اليمن فيه بين إضاءة النهار وظلمة الليل. ومن أبلق ظهره حرم، وجريه ضرم؛ إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرّف فى حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان وفعله ما تريد الكفّ

стр. 3339

والقدم؛ قد طابق الحسن البديع بين ضدّى لونه، ودلّت على اجتماع النّقيضين علّة كونه؛ وأشبه زمن الرّبيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف حلّتى الدّجى فى حالتى الإبدار والسّرار؛ «١» لا تكلّ مناكبه، ولا يضلّ فى حجرات «٢» الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليلة المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه؛ ولا يجاريه الخيال فضلا عن الخيل، ولا يملّ السّرى إلّا إذا ملّ مشبهاه: النهار والليل، ولا تتمسّك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت فبالذّيل؛ فهو الأبلق الفرد، والجواد الذى لمجاريه العكس وله الطّرد؛ قد أغنته شهرة نوعه فى جنسه عن الأوصاف، وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها «٣» له فى الاعتراف جادّة الإنصاف. فترقّى المملوك إلى رتب العزّ من ظهورها، وأعدّها لخطبة الجنان إذ الجهاد على «٤» مثلها من أنفس مهورها؛ وكلف بركوبها فكلّما أكمله عاد، وكلّما أمّله شره إليه فلو أنه زيد «٥» الخيل لما زاد؛ ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل، وعلم أنها ليومى سلمه وحربه حنيّة «٦» الصائد وجّنة الصائل؛ وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدّها [فى الجهاد «٧» ] لمقارعة أعداء الله تعالى عليها وأعدائه؛ والله تعالى

стр. 3340

يشكر برّه الذى أفرده فى الندى بمذاهبه، وجعل الصّافنات الجياد من بعض مواهبه. والله أعلم بالصواب. *** ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقى «١» بن عبد المجيد اليمانى رسالة فى مثل ذلك أنشأها فى سنة ستّ أو خمس وسبعمائة. وسمعتها من لفظه، ونقلتها من إملائه؛ وهى: يقبّل اليد العالية الفلانيّة، لا زالت ترسل إلى الأولياء سحائب كرمها، وتقلّد الأودّاء قلائد نعمها، ولا برح المرهفان طرازى حاشيتها وخدمها، حتى ينوب القلم عن صليل مرهفها والصّمصام عن صرير قلمها، لتتساوى فى الإنفاذ مواقع كلمها ومراسم كلمها؛ ولا فتئ ظاهرها قبلة القبل وغاية الآمال، وباطنها مورد الكرم ومصدر الأموال. وينهى أنه لما كانت العزائم الفلانيّة طامحة إلى أسنى المعالى، مطلعة من مناقبها أهلّة تخجل بدور الليالى؛ متيّمة باكتساب المفاخر، عميدة بتشييد المآثر؛ مائلة الى ما يزيّن المقانب «٢» ، ويطرّز الكتائب؛ مصغية إلى ما يرد جنابها من جنايتها لا غير «٣» ،

стр. 3341

وكيف لا تكون كذلك وحبّ الخيل من الخير؛ ناظرة إلى ما يصل من كرائمها، مهتدية بنجوم غررها مشغوفة بتحجيل قوائمها؛ عاشقة لاتساع صدورها، ورقّة نحورها. خدم المملوك الرّكاب العالى بإنفاذ خيل اتّحدت فى الصفات، وتباينت فى الشّيات؛ وصدرت كروضة تفتّحت أزهارها، وزها نوّارها، وأشرقت أنوارها؛ بل كعرائس تختال فى برودها، أو كجواهر تنافست فى عقودها؛ ملكتها يمين المملوك فكانت كعدد أصابعها، وأحرزتها همّته فنزعت فى الحزم إلى منازعها؛ لها من الظباء أعناقها، ومن النعام أسواقها «١» ؛ ومن البأس قوة جنانها، ومن الظفر مثنى عنانها؛ ومن الإقبال غرر نواصيها، ومن إدراك الغرض جلّ أمانيها؛ ذوات ضبح «٢» ، وموريات «٣» قدح؛ تكبو الريح فى غاياتها، ويقرّ البرق بمعجزاتها؛ مداخلة الخلق رحبة اللّبان «٤» ، مستغنية عن الهمز بتحريك العنان؛ تقارب ما بين قطاها «٥» ومطاها «٦» ، وتباعد ما بين قذالها «٧» وصلاها؛ «٨» سما عنقها وأطرق جبينها «٩» ، وتنزّهت عن المعايب فلا صكك «١٠» يشينها؛ يا حبّذا أشهبها وقد تجلّلت بالشّهب ذاته، وادّرعت أشهب الصبح شياته؛ زبرجدىّ الحافر لؤلؤىّ الأديم، له أيطلا ظبى وساقا ظليم «١١» ؛ كغمامة بارقها قدح سنابكه، أو كسيل طمّ مفعمه واسع مسالكه؛ استغنى بجوهر شياته عن كل مذهب،

стр. 3342

فما لمذهب فى الانتساب عنه مدهب؛ إن امتطى الفارس قطاته طار بنسر حافره، وإن أشار إلى غرض أدركه بمجرّد الوهم لا بالنظر إلى ناظره؛ أميال البيداء كميل بين عينيه، وترادف رمالها كذرور بين جفنيه؛ استولى على السّبق «١» وأحرز خصله، وكيف لا وقد حاز اثنتى عشرة خصله. يتلوها أشقرها وقد نجّد «٢» عقيقا، أو التحف شقيقا «٣» ؛ أو كوجنة قد احمرّت من الخجل، أو كوردة ناظرت بخفرها نرجس المقل؛ تناسبت أجزاؤه فى الملاحه، وتساوت مراتبه فى الصّباحه؛ وجاهة الوجيه ناطقة من المحيّا، ومسيل غرّته كتصويب الثريّا؛ حجّل بالجوزاء وأسرج بالهلال، وألجم بالمجرّة فما لابن ذكاء «٤» فى الإشراق عليه مجال؛ إن أطلق والريح فى سنن ميدان، رأيت الريح ككميت خلّفته الجياد يوم الرّهان؛ تنهب الفلاة حوافره، وتحرز قصب السبق بوادره. يتبعه كميت كقطعة جمر، أو ككأس خمر؛ اسودّ ذنبه وعرفه، واختال كالنّشوان فكأنما أسكره وصفه؛ حكت أذناه قادمتى حمامه، أو المحرّف من أقلام قدامه؛ قصرت عن سعيه الخيول فسابق الظّلال، ونشأ مع النّعام فلا يألف غير الرّئال؛ كأنّ الصّبا ألقت إليه عنانها قسرا، فتخبّ بسرجه مرّة وتناقل أخرى. مقرونا بأصفر كالدّينار، قد أفرغت عليه حلّة نور لا نار؛ طال منه الذيل واتّسع اللّبان، فكأنما هو نار على يفاع شبّت للضّيفان؛ جلّلته الشمس بأنوارها، وأهدت إليه الرّياض اصفرار أزهارها؛ تشهدك عند رؤيته يوم العرض، فروج قوائمه سماء على أرض؛ إن هملج لاذت الريح بالشّجر، وإن عدا قصر عن إدراكه رؤية

стр. 3343

البصر؛ نجاشىّ النّجار «١» ، وحليف الوجار «٢» ؛ كأنما خلق من الحزم شطره، ومن العزّ ظهره؛ ومن الإقبال غرّته، ومن كنوز المفاخر سرّته؛ يقرّ أعوج «٣» بنى هلال بفضله، ويقفو حرون «٤» مسلم أثر ظلّه. مختوما بأدهم كصخرة سيل، أو كقطعة ليل؛ خاض فى أحشاء الصّباح فلطم جبينه، وسابق الفلك فقيّد بالجوزاء رجليه ويساره وأطلق يمينه؛ عريض الكفل والمنخرين، دقيق القوائم والساقين؛ كأنما أشرب لونه سواد القلب والبصر، وكأنما النصر قيس «٥» وهو ليلى يحضره حيث حضر؛ لو كتب اسمه على راية لم تزل تقدم فتوحا، أو لمعت بوارق سنابكه رأيت زنجيّا جريحا؛ طابقت أخباره لمخبره، وسبقت رجلاه فى العدو مواقع نظره؛ لا يعلق غراب «٦» بغباره، ولا تستنّ «٧» النّعامة فى مضماره. ولنختم هذا الباب بذكر فائدة، وهى دواء للخلد «٨» : يؤخذ خمسون طائرا من الدّراريج تسحق بحجر ولا تمسّ باليد، وتجعل فى قدر صغيرة جديدة، ويصبّ عليها من الماء والزيت ما يغمره، ويغلى عليه حتّى ينعقد، ويضاف إليه يسير من القطران الأسود، ويوضع على النار؛ فإذا فتر فتلفّ مشاقة على عود ويدهن به أمّ الخلد قبل قطعه بالنار، ثم يدهن بعد ثلاثة أيام بالشّيرج والصّيلقون وماء الورد؛ فإنه مجرّب.

стр. 3344

الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى البغال والحمير ذكر ما قيل فى البغال قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ البغل لا يعيش له ولد، وليس بعقيم؛ ولا يبقى للبغلة ولد، وليست بعاقر. وهو أطول عمرا من أبويه وأصبر. ويقال: إنّ أوّل من نتج «١» البغال «قارون» ، وقيل: «أفريدون» «٢» أحد ملوك الفرس الأول. والبغل يوصف برداءة الأخلاق والنلوّن. ومن أخلاق البغال الإلف لكل دابّة. ويقال: إنّ أبوال الإناث تنقية لأجسادها. والإناث أجمل من الذكور. قال بعض الشعراء «٣» : عليك بالبغلة دون البغل ... فإنها جامعة للشّمل مركب قاض وإمام عدل ... وعالم وسيّد وكهل تصلح للرّحل وغير الرحل والبغال من مراكب الرؤساء، والسادة النجباء، والقضاة والعلماء. وهم يرجّحون إناثها على ذكورها؛ حتى إن المغاربة لا يركبون البغال الذكور البتة وإنما

стр. 3345

يجعلونها برسم حمل الزّبل. أخبرنى قاضى القضاة جمال الدين أبو محمد بن سليمان بذلك، وقال: وإذا طلب ولىّ الأمر البغل لأحد كان ذلك دلالة على إشهاره «١» وتجريسه «٢» عليه. قال: فلا يركب البغل الذكر عندنا إلا زبّال أو مجرّس. وأعظم ما تفضّل به إناث البغال على ذكورها أنّ رسول الله ﷺ ركبها وملكها؛ وما ورد أنه ملك بغلا ولا ركبه. ولن ذكر بغلات رسول الله ﷺ تفضيلا لهذا الحيوان وتشريفا، وتنويها بذكره وتعريفا؛ والله أعلم. ذكر بغلات رسول الله ﷺ كان لرسول الله ﷺ بغلة شهباء يقال لها «دلدل» ، أهداها له المقوقس. ذكر ذلك ابن قتيبة وابن سعد؛ فقال ابن سعد ما هذا نصه: «وبعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبى بلتعة اللّخمى، وهو أحد الستة «٣» ، إلى

стр. 3346

المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا «١» ؛ فأوصل إليه كتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه وقال له خيرا؛ وأخذ الكتاب فجعله فى حقّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته؛ وكتب إلى النبىّ ﷺ : «قد علمت أن نبيّا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وقد أهديت إليك كسوة وبغلة تركبها» . ولم يزد على هذا ولم يسلم. فقبل رسول الله ﷺ هديّته، وأخذ الجاريتين: مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وأختها سيرين، وبغلة بيضاء لم يكن فى العرب يومئذ غيرها وهى «دلدل» . وقال رسول الله ﷺ : «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» . وذكر ابن سعد أيضا قال: كانت «دلدل» بغلة رسول الله ﷺ أوّل بغلة رئيت فى الإسلام، أهداها له المقوقس وأهدى معها حمارا يقال له «عفير» ؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية. وفى لفظ: وكانت

стр. 3347

شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت ثمّ. وفى لفظ: وكانت قد كبرت حتى زالت أستانها، وكان يجشّ لها الشعير. وروى ابن سعد أيضا عن محمد بن عمر الأسلمىّ قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبى سبرة عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو إلى النبىّ ﷺ بغلة يقال لها «فضّة» فوهبها لأبى بكر. وكذلك قال البلاذرىّ. وقد يقال: إن «دلدل» من هديّة فروة، وإن «فضّة» من هدية المقوقس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أهدى للنبىّ ﷺ بغلة أهداها له كسرى؛ فركبها بجلّ «١» من شعر ثم أردفنى خلفه. رواه الثّعالبىّ فى تفسيره فى قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) * . قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدّمياطى ﵀: قوله «أهداها له كسرى» بعيد؛ لأنه مزّق كتاب النبىّ ﷺ وأمر عامله باليمن بقتله وبعث رأسه إليه؛ فأهلكه [الله] بكفره وطغيانه. وروى مسلم بن الحجّاج ﵀ من حديث أبى حميد الساعدىّ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك؛ فذكر الحديث؛ وقال فيه: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة الى رسول الله ﷺ بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء؛ فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردا. رواه البخارىّ فى كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد؛ ورواه أبو نعيم فى المستخرج. ولفظهما: «وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء فكساه بردا» ؛ وقال أبو نعيم: بردة.

стр. 3348

وقال ابن سعد: وبعث صاحب «١» دومة الجندل «٢» لرسول الله ﷺ ببغلة وجبّة من سندس. وروى إبراهيم الحربىّ فى كتاب الهدايا عن علىّ رضى الله عنه قال: وأهدى يحنّة «٣» بن روبة إلى رسول الله ﷺ بغلته البيضاء. وروى يوسف بن صهيب عن ابن «٤» بريدة عن أبيه قال: انكشف الناس عن النبىّ ﷺ يوم حنين ورسول الله ﷺ على بغلته الشّهباء التى أهداها له النّجاشىّ وزيد آخذ بركاب بغلته. وذكر علىّ بن محمد بن حنين «٥» بن عبدوس الكوفىّ فى أسماء خيله وسلاحه وأثاثه: وكان اسم بغلته «دلدل» أهداها إليه المقوقس صاحب الإسكندريّة وكانت شهباء؛ وهى التى قال لها يوم حنين: «اربضى» فربضت. ويقال: إن عليّا ركبها بعد النبىّ ﷺ ثم ركبها الحسن ثم ركبها الحسين ثم ركبها محمد بن الحنفيّة

стр. 3349

رضى الله عنهم؛ ثم كبرت وعميت، فوقعت فى مبطخة «١» لبعض بنى مدلج فخبطت «٢» فيها، فرماها بسهم فقتلها. وكانت له بغلة يقال لها «الأيليّة» ؛ أهداها إليه ملك أيلة، وكانت طويلة مخندفة» كأنما تقوم على رمال حسنة السير؛ فأعجبته ووقعت منه. وهى التى قال له فيها علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه حين خرج عليها: كأنّ هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: لو شئنا لكان لك مثلها؛ قال: «وكيف» ؛ قال: هذه أمّها فرس عربيّة وأبوها حمار، ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل هذه؛ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» . وعن دحية بن خليفة الكلبىّ رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلة؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون» . رواه ابن منده فى كتاب الصحابة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ عبدا مأمورا، ما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى حمارا على فرس. رواه التّرمذىّ فى الجهاد. وفى لفظ آخر عنه رضى الله عنه: كان عبدا مأمورا بلّغ ما أرسل به، وما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى الحمار على الفرس. وهذا على هذين الحديثين يختصّ بآل النبىّ ﷺ دون غيرهم.

стр. 3350

والذى يظهر من مجموع هذه الأحاديث المرويّة التى أوردناها أن بغلات رسول الله ﷺ كانت سبعا، وهى: «الدّلدل» التى أهداها له المقوقس، و «فضّة» التى أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التى أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل، وبغلة أهداها له يحنّة ابن روبة، وبغلة أهداها له النّجاشىّ صاحب الحبشة. والله تعالى أعلم بالصواب. ذكر شىء مما وصفت به البغال قد ألّف الجاحظ كتابا فى البغال مفردا عن كتاب الحيوان، قال فيه ما نصه: «نبدأ إن شاء الله بما وصف الأشراف من شأن البغلة فى حسن سيرتها، وتمام خلقتها، والأمور الدالّة على السرّ فى جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرّفها فى منافعها، وعلى خفّة مؤونتها فى التنقّل فى أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها مع كثرة ما يزعمون من عيوبها، ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها، وكيف ظهر فضلها مع النقص الذى هو فيها، وكيف اغتفروا مكروه ما فيها لما وجدوا من خصال المحبوب فيها. قال: ولقد كلف بارتباطها الأشراف حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب «روّاض البغال» ؛ ولقّبوا آخر ب «عاشق البغل» . فبسط القول فى الترجمة ثم لم يأت من أخبار البغال بطائل، بل اقتصر على حكايات واستطرد منها إلى منها إلى غيرها، على عادته فى مصنّفاته. فكان مما حكاه من ذلك: قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة طويلة العنان، قصيرة العذار، سفواء «١» العرف، حصّاء «٢» الذّنب.

стр. 3351

قال: وكتب روح بن عبد الملك إلى وكيل له: ابغنى بغلة حصّاء الذنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها إمامها. قال: وعاتب صفوان بن عبد الله بن الأهتم عبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطّلب فى ركوب البغال، وكان ركّابا للبغلة، فقال له: مالك ولهذا المركب الذى لا يدرك عليه الثار، ولا ينجّيك يوم الفرار؟! فقال: إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة «١» العير، وخير الأمور أوساطها. فقال صفوان: إنا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم. وهو الذى يلقّب «روّاض البغال» ، لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: أريدها واسعة الجفرة «٢» ، مندحّة «٣» السّرّة، شديدة الغلوة «٤» ، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، ملويّة الرّسغ، سفواء جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء «٥» . قال: وقال ابن كتامة: سمعت رجلا يقول: إذا اشتريت بغلة، فاشترها طويلة العنق، تجده «٦» فى نجائها؛ مشرفة الهادى، تجده «٧» فى طباعها؛ ضخمة الجوف، تجده «٨» فى صبرها. قال: ولما خرج قطرىّ بن الفجاءة أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأى غيره؛ فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلا يجرى ذكره فى مجلسه ويحفظ عنه ما يقول؛ فلمّا قعد قال الأحنف: أما إنهم إن جنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق «٩» ، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم.

стр. 3352

قال الجاحظ: فلا ترى صاحب الحرب يستغنى عن البغال، كما لا ترى صاحب السّلم يستغنى عنها، وترى صاحب السفر كصاحب الحضر. انتهى كلام الجاحظ. وحكى أنّ عبد الحميد الكاتب ساير مروان بن محمد الجعدىّ على بغلة؛ فقال له: لقد طالت صحبة هذه الدابّة لك!؛ فقال: يا أمير المؤمنين، من بركة الدابّة طول صحبتها. فقال: صفها؛ فقال: همّها إمامها، وسوطها زمامها، وما ضربت قطّ إلّا ظلما. وقال بعض الكتّاب من رسالة: «قد اخترت لسيّدى بغلة وثيقة الخلق، لطيفة الخرط، رشيقة القدّ، موصوفة «١» السير، ميمونة الطير، مشرفة العنق، كريمة النّجار، حميدة الآثار. إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل قد جمعت إلى حسن القميص، سلامة الفصوص «٢» ؛ فسمّيت قيد الأوابد، وقرّة عين الساهد؛ تزرى فى انطلاقها، بالبروق فى ائتلاقها» . قال البحترىّ يصف بغلا: وأقبّ نهد للصّواهل «٣» شطره ... يوم الفخار وشطره للشّحّج خرق يتيه «٤» على أبيه ويدّعى ... عصبيّة لبنى الضّبيب «٥» وأعوج

стр. 3353

مثل المذرّع «١» جاء بين عمومة ... فى غافق «٢» وخؤولة للخزرج وقال أبو الفرج الوأواء من قصيدة يشكر بعض أصحابه وقد أهدى له بغلة: قد جاءت البغلة السّفواء يجنبها ... للبرق غيث بدا ينهلّ ماطره عريقة ناسبت أخوالها «٣» فلها ... بالعتق «٤» من أكرم الجنسين فاخره ملء الحزام وملء العين مسفرة ... يريك غائبها فى الحسن حاضره أهدى لها الرّوض من أوصافه شية ... خضراء ناضرة إن زال ناضره ليست بأوّل حملان «٥» شريت به ... حمدى ولا هى يا ذا الجود آخره كم قد تقدّمها من سابح بيدى ... عنانه وعلى الجوزا حوافره وقال أبو المكارم بن عبد السّلام: كأنها النار فى الحلفاء إن ركضت ... كأنها السيل إن وافتك من جبل كأنها الأرض إن قامت لمعتلف ... كأنها الريح إن مرّت على القلل ما يعرف الفكر منها منتهى حضر ... ما صوّر الوهم فيها وصمة الكسل إذا اقتعدت مطاها وهى ماشية ... ثهلان تبصره فى زىّ منتقل هذا ما اتّفق إيراده من صفات البغال التى تقتضى المدح.

стр. 3354

فأمّا ما جاء فى ذمها فالمثل المضروب فى بغلة أبى دلامة. وقال أبو دلامة فى بغلته: أبعد الخيل أركبها ورادا ... وشقرا فى الرّعيل «١» إلى القتال رزقت بغيلة فيها وكال «٢» ... وخير خصالها فرط الوكال رأيت عيوبها كثرت وعالت ... ولو أفنيت مجتهدا مقالى تقوم فما تريم «٣» إذا استحثّت ... وترمح باليمين وبالشّمال رياضة جاهل وعليج سوء ... من الأكراد أحبن «٤» ذى سعال شتيم «٥» الوجه هلباج «٦» هدان «٧» ... نعوس يوم حلّ وارتحال فأدّبها بأخلاق سماج ... جزاه الله شرّا عن عيالى فلمّا هدّنى ونفى رقادى ... وطال لذاك همّى واشتغالى أتيت بها الكناسة «٨» مستغيثا ... أفكّر دائبا كيف احتيالى بعهدة سلعة ردّت «٩» قديما ... أطمّ بها على الداء العضال

стр. 3355

فبينا فكرتى فى القوم تسدى ... إذا ما سمت أرخص أم أغالى أتانى خائب حمق شقّى ... قديم فى الخسارة والضّلال «١» وراوغنى ليخلوبى خداعا ... ولا يدرى الشّقىّ بمن يخالى فقلت بأربعين فقال أحسن ... فإن البيع مرتخص وغالى فلما ابتاعها منّى وبتّت ... له فى البيع غير المستقال أخذت بثوبه وبرئت مما ... أعدّ عليك من شنع الخصال برئت إليك من مشش «٢» قديم ... ومن جرد «٣» وتخريق الجلال ومن فرط الحران ومن جماح ... ومن ضعف الأسافل والأعالى ومن عقر اللسان ومن بياض ... بناظرها ومن حلّ الحبال وعقّال «٤» يلازمها شديد ... ومن هدم المعالف والرّكال «٥» تقطّع جلدها جربا وحكّا ... إذا هزلت وفى غير الهزال ومن شدّ العضاض «٦» ومن شباب «٧» ... إذا ما همّ صحبك بالرّقال

стр. 3356

وأقطف «١» من دبيب الذّرّ مشيا ... وتنحط «٢» من متابعة السّعال وتكسر سرجها أبدا شماسا «٣» ... وتسقط فى الوحول وفى الرمال ويهزلها الجمام «٤» إذا خصبنا ... ويدبر ظهرها مسّ الجلال تظلّ لركبة منها وقيدا «٥» ... يخاف عليك من ورم الطّحال وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال فتخرس منطقى وتحول بينى ... وبين كلامهم ممّا توالى وقد أعيت سياستها المكارى ... وبيطارا يعقّل بالشّكال حرون حين تركبها لحضر ... جموح حين تعزم للنّزال وذئب حين تدنيها لسرج ... وليث عند خشخشة المخالى وفيل إن أردت بها بكورا ... خذول عند حاجات الرّجال وألف عصا وسوط أصبحىّ «٦» ... ألذّ لها من الشّرب الزّلال وتصعق من صياح الدّيك شهرا ... وتذعر للصّفير وللخيال إذا استعجلتها راثت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال «٧» ومثفار «٨» تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفّتيه على القذال «٩»

стр. 3357

وتحفى فى الوقوف إذا أقمنا ... كما تحفى البغال من الكلال ولو جمّعت من هنّا وهنّا ... من الأتبان أمثال الجبال فإنك لست عالفها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال وكانت قارحا «١» أيّام كسرى ... وتذكر تبعا قبل الفصال «٢» وقد قرحت ولقمان فطيم ... وذو الأكتاف «٣» فى الحجج الخوالى وقد أبلى بها قرن وقرن ... وآخر يومها لهلاك مالى فأبدلنى بها يا ربّ بغلا ... يزين جمال مركبه جمالى كريم حين ينسب والداه ... إلى كرم المناسب فى البغال وقال القاضى بهاء الدين زهير الكاتب: لك يا صديقى بغلة ... ليست تساوى خردله مقدار خطوتها الطوي ... لة حين تسرع أنمله وتخال مدبرة إذا ... ما أقبلت مستعجله تمشى فتحسبها العيو ... ن على الطريق مشكّله تهتزّ وهى مكانها ... فكأنما هى زلزله

стр. 3358

ذكر ما قيل فى الحمر الأهلية قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الحمار لا يولد له قبل أن تتمّ له ثلاث سنين ونصف. قالوا: والحمار إذا شمّ رائحة الأسد رمى بنفسه عليه لشدّة خوفه منه. ولذلك قال أبو تمّام [يخاطب عبد الصمد «١» بن المعذّل وقد هجاه] : أقدمت ويلك من هجوى على خطر ... والعير يقدم من خوف على الأسد والحمار يوصف بحدّة حاسّة السمع. وهو إذا نهق أضرّ بالكلب؛ قالوا: حتى إنّه يحدث له مغسا «٢» ؛ فلذلك يطول نباحه. والبرد يضرّ الحمار ويؤذيه؛ ولهذا لا يوجد فى بلاد الصّقالبة. وقال الجاحظ: وحلف أحمد بن العزيز أن الحمار ما ينام. فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لأنّى أجد صياحه ليس بصياح من نام وانتبه فى تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه. وأجود الحمير المصريّة. وأهل مصر يعتنون بتربيتها، ويحتفلون بأمرها ويسابقون عليها، ويسمّون مكان سباقها «الطابق» . والجيّد منها يباع بالثمن الكثير. نقل صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه قال: لقد بيع منها حمار بمائة دينار وعشرة دنانير. وأمّا الذى رأيناه نحن منها فأبيع «٣» بألف درهم، وربما زاد بعضها على ألف. وكثير من أهل مصر يركبونها ويتركون الخيل والبغال. فمن ركبها من الأعيان مع وجود القدرة والإمكان على ركوب الخيل والبغال، يقصد بذلك التواضع وعدم الكبرياء. ومن إركبها من ذوى الأموال وترك الخيل والبغال

стр. 3359

ربما يفعل ذلك توفيرا لماله وضنّة به. ومن ركبها من الشباب والسّوقة يقصد بذلك التنزّه عليها لفراهتها وسرعة مشيتها. وقد كان لرسول الله ﷺ حمار من حمير مصر اسمه «يعفور» وقيل: «عفير» ؛ أهداه له المقوقس صاحب الإسكندريّة مع ما أهدى. وقد ورد أيضا فى الحديث أنه كان لرسول الله ﷺ حماران: «يعفور» و «عفير» . فأمّا «عفير» فأهداه له المقوقس. وأمّا «يعفور» فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامىّ. ويقال: إنّ حمار المقوقس «يعفور» وحمار فروة «عفير» . قال الواقدىّ: مات «يعفور» عند منصرف النبىّ ﷺ من حجّة الوداع. وذكر السّهيلىّ «١» : أن «يعفورا» طرح نفسه فى بئر يوم مات النبىّ ﷺ فمات. وذكر ابن فورك «٢» [فى كتاب «٣» الفصول] أنه كان فى مغانم خيبر، وأنّه كلّم «٤» النبىّ ﷺ وقال: يا رسول الله، أنا زياد «٥» بن شهاب، وقد كان

стр. 3360

فى آبائى ستّون حمارا كلّهم «١» ركبهم نبىّ، فاركبنى أنت. وزاد الجوينىّ «٢» فى كتاب الشامل: أنّ النبىّ ﷺ كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه؛ فيذهب حتى يضرب برأسه الباب؛ فيخرج ذلك الرجل، فيعلم أنه أرسل اليه، فيأتى النبىّ ﷺ . وفى الحمار منافع طبيّة «٣» ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: رماد كبد الحمار بالزّيت ينفع من الخنازير «٤» ؛ قال: ويبرئ من الجذام. وهذا دواء رخيص إن صحّ. قال: وكبده مشويّة على الرّيق تنفع من علّة الصّرع. قال: والمكزوز» من اليبوسة يجلس فى مرقة لحمه. وقيل: إنّ بوله نافع من وجع الكلى. قال: وبول الحمار الوحشىّ يفتّت الحصاة فى المثانة. ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الحمار تقول العرب: «العير أوقى لدمه «٦» » . وقالوا: «نجّى «٧» عيرا سمنه» . وقالوا:

стр. 3361

«الجحش «١» إذا فاتك الأعيار» . وقالوا: «أصحّ «٢» من عير أبى سيّارة» ؛ لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك العير أربعين عاما. وقالوا: «إن ذهب عير فعير فى الرّباط «٣» » . وقالوا: «العير يضرط «٤» والمكواة فى النار» . وقالوا: «حمار يحمل سفرا» . ومن أنصاف الأبيات: وقد حيل «٥» بين العير والنّزوان

стр. 3362

ذكر شىء مما وصفت به الحمير على طريقى المدح والذم [أما ما جاء فيها على سبيل المدح] قال أبو العيناء «١» لبعض سماسرة الحمير: اشتر لى حمارا لا بالطويل اللّاحق، ولا بالقصير اللاصق؛ إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزّحام ترفّق؛ لا يصادم بى السّوارى، ولا يدخل تحت البوارى «٢» ؛ إن كثّرت علفه شكر، وإن قلّلته صبر؛ وإن ركبته هام، وإن ركبه غيرى قام «٣» . فقال له السمسار: إن مسخ الله بعض قضاتنا حمارا أصبت حاجتك، وإلّا فليست موجودة. قيل للفضل الرّقاشىّ: إنك لتؤثر الحمير على جميع الدوابّ؛ قال: لأنها أرفق وأوفق؛ قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها لا تستبدل بالمكان، على طول الزمان؛ ثم قال: هى أقلّ داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صرعا «٤» ؛ وأقلّ جماحا، وأشهر فرها، وأقلّ بطرا؛ يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه؛ ويعدّ مقتصدا وقد أسرف فى ثمنه. وقال أحمد بن طاهر يصف حمارا: شية كأنّ الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه وكأنّه من تحت راكبه إذا ... ما لاح، برق لاح تحت غمامه ظهر كجرى الماء لين ركوبه ... فى حالتى إتعابه وجمامه سفهت يداه على الثّرى فتلاعبت ... فى جريه بسهوله وإكامه

стр. 3363

عن حافر كالصّخر إلّا أنّه ... أقوى وأصلب منه فى استحكامه ما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... فى لين معطفه ولين عظامه عنق يطول بها فضول عنانه ... ومحزّم يغتال فضل حزامه وكأنّه بالرّيح منتعل، وما ... جرى الرياح كجريه ودوامه أخذ المحاسن آمنا من عيبه «١» ... وحوى الكمال مبرّأ من ذامه «٢» وقال آخر: لا تنظرنّ إلى هزال حمارى ... وانظر إلى مجراه فى الأخطار «٣» متوقّد جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلة من نار عادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح الدّبور يبارى هذا ما ورد فى مدحها. *** وأمّا ما جاء فيها على سبيل الذم - فمن ذلك قولهم: «أضلّ من حمار أهله» . وقولهم: أخزى «٤» الله الحمار مالا، لا يزكّى ولا يذكّى. ومنه قول جرير «٥» بن عبد الله: لا تركب حمارا، فإنه إن كان حديدا «٦» أتعب يديك، «٧» ، وإن كان بليدا أتعب رجليك.

стр. 3364

والمثل مضروب فى الحمير المهزولة بحمار طيّاب «١» ، كما يضرب المثل ببغلة أبى دلامة. قال شاعر: وحمار بكت عليه الحمير ... دقّ حتى به الرياح تطير كان فيما مضى يسير بضعف ... وهو اليوم واقف لا يسير كيف «٢» يمشى وليس شىء يراه ... وهو شيخ من الحمير كبير لمح القتّ «٣» مرّة فتغنّى ... بحنين وفى الفؤاد زفير: «ليس لى منك يا ظلوم نصيب ... أنا عبد الهوى وأنت أمير» وقال خالد «٤» الكاتب: وقائل إنّ حمارى غدا ... يمشى إذا صوّب أو أصعدا فقلت لكنّ حمارى إذا ... أحثثته لا يلحق المقعدا يستعذب الضرب فإن زدته ... كاد من اللّذّة أن يرقدا وقال أبو الحسين «٥» الجزّار: هذا حمارى فى الحمير حمار ... فى كلّ خطو كبوة وعثار

стр. 3365

قنطارتبن فى حشاه شعيرة ... وشعيرة فى ظهره قنطار ولمّا مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره بمراث وهزليّات؛ فقال بعضهم: مات حمار الأديب قلت قضى ... وفات من أمره الذى فاتا مات وقد خلف الأديب ومن ... خلّف مثل الأديب ما ماتا ونحو هذين البيتين قول الآخر: قال حمار الحكيم توما «١» ... لو أنصفونى لكنت أركب لأننى جاهل بسيط ... وصاحبى جاهل «٢» مركّب وكتب «٣» أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حمارا، يداعبه. قال من رسالة: «قد عرفت- أبقاك الله- حين وجدت من سكرة الأيّام إفاقه، وآنست من وجهها العبوس طلاقه؛ [كيف «٤» ] أجبت داعى همّتك، وأطعت أمر مروءتك؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التى أضمرها الإعدام، ونمّ على كريم سرّها الإمكان؛ واستدللت «٥» منها على خبايا فضل، وتنبّهت منها على مزايا نبل؛ كانت مأسورة فى قبضة الإعسار، وكاسفة عن سدفة «٦» الإقتار؛ وقلت: أىّ
следующие страницы →