Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
«الجحش «١» إذا فاتك الأعيار» . وقالوا: «أصحّ «٢» من عير أبى سيّارة» ؛ لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك العير أربعين عاما. وقالوا: «إن ذهب عير فعير فى الرّباط «٣» » .
وقالوا: «العير يضرط «٤» والمكواة فى النار» . وقالوا: «حمار يحمل سفرا» .
ومن أنصاف الأبيات:
وقد حيل «٥» بين العير والنّزوان
стр. 3362
ذكر شىء مما وصفت به الحمير على طريقى المدح والذم
[أما ما جاء فيها على سبيل المدح]
قال أبو العيناء «١» لبعض سماسرة الحمير: اشتر لى حمارا لا بالطويل اللّاحق، ولا بالقصير اللاصق؛ إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزّحام ترفّق؛ لا يصادم بى السّوارى، ولا يدخل تحت البوارى «٢» ؛ إن كثّرت علفه شكر، وإن قلّلته صبر؛ وإن ركبته هام، وإن ركبه غيرى قام «٣» . فقال له السمسار: إن مسخ الله بعض قضاتنا حمارا أصبت حاجتك، وإلّا فليست موجودة.
قيل للفضل الرّقاشىّ: إنك لتؤثر الحمير على جميع الدوابّ؛ قال: لأنها أرفق وأوفق؛ قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها لا تستبدل بالمكان، على طول الزمان؛ ثم قال:
هى أقلّ داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صرعا «٤» ؛ وأقلّ جماحا، وأشهر فرها، وأقلّ بطرا؛ يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه؛ ويعدّ مقتصدا وقد أسرف فى ثمنه.
وقال أحمد بن طاهر يصف حمارا:
شية كأنّ الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه
وكأنّه من تحت راكبه إذا ... ما لاح، برق لاح تحت غمامه
ظهر كجرى الماء لين ركوبه ... فى حالتى إتعابه وجمامه
سفهت يداه على الثّرى فتلاعبت ... فى جريه بسهوله وإكامه
стр. 3363
عن حافر كالصّخر إلّا أنّه ... أقوى وأصلب منه فى استحكامه
ما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... فى لين معطفه ولين عظامه
عنق يطول بها فضول عنانه ... ومحزّم يغتال فضل حزامه
وكأنّه بالرّيح منتعل، وما ... جرى الرياح كجريه ودوامه
أخذ المحاسن آمنا من عيبه «١» ... وحوى الكمال مبرّأ من ذامه «٢»
وقال آخر:
لا تنظرنّ إلى هزال حمارى ... وانظر إلى مجراه فى الأخطار «٣»
متوقّد جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلة من نار
عادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح الدّبور يبارى
هذا ما ورد فى مدحها.
*** وأمّا ما جاء فيها على سبيل الذم
- فمن ذلك قولهم: «أضلّ من حمار أهله» . وقولهم: أخزى «٤» الله الحمار مالا، لا يزكّى ولا يذكّى. ومنه قول جرير «٥» بن عبد الله: لا تركب حمارا، فإنه إن كان حديدا «٦» أتعب يديك، «٧» ، وإن كان بليدا أتعب رجليك.
стр. 3364
والمثل مضروب فى الحمير المهزولة بحمار طيّاب «١» ، كما يضرب المثل ببغلة أبى دلامة.
قال شاعر:
وحمار بكت عليه الحمير ... دقّ حتى به الرياح تطير
كان فيما مضى يسير بضعف ... وهو اليوم واقف لا يسير
كيف «٢» يمشى وليس شىء يراه ... وهو شيخ من الحمير كبير
لمح القتّ «٣» مرّة فتغنّى ... بحنين وفى الفؤاد زفير:
«ليس لى منك يا ظلوم نصيب ... أنا عبد الهوى وأنت أمير»
وقال خالد «٤» الكاتب:
وقائل إنّ حمارى غدا ... يمشى إذا صوّب أو أصعدا
فقلت لكنّ حمارى إذا ... أحثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدته ... كاد من اللّذّة أن يرقدا
وقال أبو الحسين «٥» الجزّار:
هذا حمارى فى الحمير حمار ... فى كلّ خطو كبوة وعثار
стр. 3365
قنطارتبن فى حشاه شعيرة ... وشعيرة فى ظهره قنطار
ولمّا مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره بمراث وهزليّات؛ فقال بعضهم:
مات حمار الأديب قلت قضى ... وفات من أمره الذى فاتا
مات وقد خلف الأديب ومن ... خلّف مثل الأديب ما ماتا
ونحو هذين البيتين قول الآخر:
قال حمار الحكيم توما «١» ... لو أنصفونى لكنت أركب
لأننى جاهل بسيط ... وصاحبى جاهل «٢» مركّب
وكتب «٣» أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حمارا، يداعبه.
قال من رسالة: «قد عرفت- أبقاك الله- حين وجدت من سكرة الأيّام إفاقه، وآنست من وجهها العبوس طلاقه؛ [كيف «٤» ] أجبت داعى همّتك، وأطعت أمر مروءتك؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التى أضمرها الإعدام، ونمّ على كريم سرّها الإمكان؛ واستدللت «٥» منها على خبايا فضل، وتنبّهت منها على مزايا نبل؛ كانت مأسورة فى قبضة الإعسار، وكاسفة عن سدفة «٦» الإقتار؛ وقلت: أىّ
стр. 3366
قدم أحقّ بولوج الرّكب من قدميه، وحاذ «١» أولى ببطون القبّ «٢» من حاذيه؛ وأىّ أنامل أبهى من أنامله إذا تصرّفت فى الأعنّة يسراها، وتحتّمت «٣» بالمخاصر يمناها؛ وكيف يكون ذلك الخلق العظيم، والوجه الوسيم؛ وقد بهر جالسا، إذا طلع فارسا!.
ثم اتّهمت «٤» آمالى بالغلوّ فيك، واستبعدت مناقضة الزمان بإنصاف معاليك؛ فقبضت ما انبسط من عنانها، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها؛ حتى وقفت على صحيحة الشك. أرجو علوّ همّتك بحسن اختيارك، وأخشى منافسة الأيّام فى درك أوطارك؛ فإنها كالظّانّة فى ولدها، والمجاذبة بالسّوء فى واحدها؛ يدنى الأمل مسارّها، ويرجئ القلق حذارها؛ حتى أتتنا الأنباء تنعى رأيك الفائل «٥» ، وتفلّ «٦» عزمك الآفل؛ بوقوع اختيارك على فاضح «٧» صاحبه، ومسلم راكبه؛ الجامد فى حلبة الجياد، والحاذق بالحران «٨» والكياد «٩» ؛ السّوم «١٠» دينه ودأبه، والبلادة طبيعته وشأنه؛ لا يصلحه التأديب، ولا تقرع له الظّنابيب؛ «١١» إن لحظ عيرا نهق، أو لمح أتانا شبق، أو وجد روثا شمّ وانتشق؛ فكم هشم سنّا لصاحبه، وكم سعط أنف راكبه؛ وكم استردّه خائفا فلم يرده، وكم رامه خاطبا فلم يسعده؛ يعجل إن أحبّ الأناة والإبطاء،
стр. 3367
ويرسخ إن حاول الحثّ «١» والنّجاء؛ مطبوع على الكيد والخلاف، موضوع للضّعة والاستخفاف؛ عزيز حتى تهينه السّياط، كسول ولو أبطره «٢» النّشاط؛ ما عرف فى النّجابة أبا، ولا أفاد من الوعى أدبا؛ الطالب به محصور، والهارب عليه مأسور؛ والممتطى له راجل، والمستعلى بذروته نازل؛ له من الأخلاق أسوؤها، ومن الأسماء أشنؤها، ومن الأذهان أصدؤها، ومن القدود أحقرها؛ تجحده المراكب، وتجهله المواكب؛ وتعرفه ظهور السوابك «٣» ، وتألفه سباطات «٤» المبارك. والله الموفّق.
стр. 3368
الباب الثالث من القسم الثالث من الفنّ الثالث فى الإبل والبقر والغنم
ذكر ما قيل فى الإبل
الإبل جمع لا واحد لها من لفظها. والذّكر منها جمل، والأنثى ناقة. والبعير يقع عليهما. ودليل ذلك قول بعض الشعراء:
لا نشتهى لبن البعير وعندنا ... عرق الزّجاجة «٣» واكف المعصار
والإبل من منن الله الجسيمة على خلقه، ومما منحهم به من إرفاقه ورزقه.
قال الله تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)
. وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ) .
ولنذكر ما جاء من لغة العرب فى الإبل من تسميتها «٤» من حين تولد إلى أن تتناهى سنّها، وأسماء ما يركب منها ويحمل عليه، وما اختصّت به النوق من الأسماء والصّفات؛ ونذكر ألوان الإبل وما قالوه فى ترتيب سيرها، وفى المسير عليها والنزول؛ ثم نذكر بعد ذلك
стр. 3369
أصناف الإبل وما قيل فى عاداتها وطبائعها. فإذا [أوردنا «١» ] ذلك، ذكرنا ما ملكه رسول الله ﷺ منها، وما جاء فى أوصاف الإبل من الشعر؛ فنقول وبالله التوفيق.
*** أمّا تسميتها من حين «٢» تولد إلى أن تتناهى سنّها
- فقد قالت العرب: ولدها حين يسلّ من أمّه «سليل» «٣» ثم «سقب» و «حوار» «٤» إلى سنة، وجمعه أحورة وحيران. وهو «فصيل» إذا فصل عن أمّه. وهو فى السنة الثانية «ابن مخاض» - لأن أمّه تلقح فتلحق بالمخاض وهى الحوامل، وواحدتها من غير لفظها «خلفة» - والأنثى «بنت مخاض» . فإذا دخل فى الثالثة فهو «ابن لبون» ، والأنثى «بنت لبون» ؛ لأن أمّه صارت ذات لبن. وهو فى الرابعة «حقّ» ؛ لأنه استحقّ أن يحمل عليه. وهو فى السنة الخامسة «جذع» . وفى السادسة [ «ثنىّ» لأنّه يلقى ثنيّته؛ والأنثى «٥» «ثنيّة» ] . و [هو فى «٦» ] السابعة «رباع» . وفى السنة الثامنة «سديس»
стр. 3370
و «سدس» للذكر والأنثى «١» . وهو فى التاسعة «بازل» إذا فطرنا به، أى طلع.
قال الشاعر «٢» :
وابن اللّبون إذا ما لزّفى قرن «٣» ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
«٤» ثم هو بعدها بسنة «مخلف عام» و «بازل عام» ثم «مخلف عامين» و «بازل عامين» ؛ ثم يعوّد، أى يصير عودا وهرما وماجّا «٥» .
قالوا: والقلوص «٦» منها كالجارية من الناس، والقعود كالغلام، والجمع قلائص وقعدان «٧» . والبكر: الفتىّ، والبكارة جمع، والأنثى بكرة. ويقال: جمل راش «٨» وناقة راشة «٩» إذا كثر الشّعر فى آذانهما.
*** وأمّا أسماء ما يركب منها ويحمل عليه
- فقد قالوا: المطيّة اسم جامع لكل ما يمتطى من الإبل. فإذا اختارها الرجل لمركبه لتمام خلقتها ونجابتها فهى راحلة.
стр. 3371
وفى الحديث النبوىّ صلوات الله تعالى وسلامه على قائله: «الناس كإبل «١» مائة لا يكاد يوجد فيها راحلة» . فإذا استظهر «٢» صاحبها بها وحمل عليها فهى «زاملة» - والناس يقولون فى الرجل العاقل الثابت فى أموره: رجل زاملة، يريدون بذلك مدحه.
ووصف ابن بشير رجل فقال: ليس ذلك من الرّواحل إنما هو من الزّوامل- فإذا وجّهها مع قوم ليمتاروا عليها فهى «عليقة» .
*** وأمّا ما اختصّت به النوق من الاسماء والصّفات
- فإنهم يقولون فيها: «كهاة» و «جلالة» وهى العظيمة، و «عطموس» و «دعبلة» «٣» وهى الحسنة الخلقة التامّة الجسم، و «كوماء» وهى الطويلة السّنام، و «وجناء» وهى الشديدة القويّة اللحم. واشتقاقه من الوجين، وهى الحجارة. فإن ازدادت شدّتها فهى «عرمس» «٤»
стр. 3372
و «عيرانة» . فإذا كانت شديدة كثيرة اللحم فهى «عنتريس» و «عرندس» و «متلاحكة» . فإذا كانت ضخمة شديدة فهى «دوسرة» و «عذافرة» . فإذا كانت حسنة جميلة فهى «شمردلة» . فإذا كانت عظيمة الجوف فهى «مجفرة» . فإذا كانت قليلة اللحم فهى «حرجوج» «١» و «حرف» و «رهب» .
*** ومن أوصافها فى السّير
- إذا كانت ليّنة اليدين فى سيرها فهى «خنوف» .
فإذا كان بها هوج من سرعتها فهى «هوجاء» و «هوجل» . فإذا كانت تقارب الخطو فهى «حاتكة» . فإذا كانت تمشى وكأنها مقيّدة الرّجل وهى تضرب بيديها فهى «راتكة» . فإذا كانت سريعة فهى «عصوف» و «مشمعلة» و «عيهل» و «شملال» و «يعملة» و «همرجلة» «٢» و «شمذر» «٣» و «شملّة» و «شمردلة» . فإذا كانت تجرّ رجليها فى المشى فهى «مزحاف» «٤» و «زحوف» . فإذا كانت لا تقصد فى سيرها من نشاطها فهى «عجرفيّة» . قال الأعشى:
وفيها إذا ما هجّرت «٥» عجرفية ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا
стр. 3373
وأمّا ألوان الإبل
- فإنهم قالوا: إذا لم يخالط حمرة البعير شىء فهو «أحمر» .
فإن خالطها السواد فهو «أرمك» . فإذا كان أسود يخالط سواده بياض كدخان الرّمث «١» فهو «أورق» «٢» . فإذا اشتدّ سواده فهو «جون» . فإن كان [أبيض «٣» ] فهو «آدم» . فإن خالط بياضه حمرة فهو «أصهب» . فإن خالطته شقرة فهو «أعيس» «٤» . فإن خالطت خضرته «٥» صفرة وسواد فهو «أحوى» . فإذا كان أحمر يخالط حمرته سواد فهو «أكلف» .
*** وأمّا ترتيب سيرها
- «فالعنق» وهو السير المسبطرّ «٦» . فإذا ارتفع عنه قليلا فهو «التّزيد» . فإذا ارتفع عن ذلك فهو «الذّميل» . فإذا ارتفع فهو «الرّسيم» .
فإذا دارك المشى وفيه قرمطة «٧» فهو «الحفد» . فإذا ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه كلّها فذاك «الارتباع» و «الالتباط» . فإذا لم يدع جهدا فذاك «الادرنفاق» .
стр. 3374
وأما ما قيل فى المسير عليها والنزول للرّاحة والإراحة
- فقد قالوا: إذا سار القوم نهارا ونزلوا ليلا فذاك «التّأويب» . فإذا ساروا ليلا ونهارا فذاك «الإساد» . فإذا ساروا من أوّل الليل فهو «الإدلاج» . فإذا ساروا من آخر الليل فهو «الادّلاج» . فإذا ساروا مع الصبح فهو «التّغليس» . فإذا نزلوا للاستراحة فى نصف النهار فهو «التّغوير» . فإذا نزلوا فى نصف الليل فهو «التّعريس» .
ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل فى طبائعها
والإبل ثلاثة أصناف: يمانىّ، وعرابىّ، وبختىّ. فاليمانىّ هو النّجيب، وينزّل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابىّ كالبرذون. والبختىّ «١» كالبغل. ويقال: البخت «٢» ضأن الإبل. وهى متولّدة عن فساد منىّ العراب. وحكى الجاحظ أنّ منهم من يزعم أنّ فى الإبل ما هو وحشىّ وأنها تسكن أرض وبار «٣» ، وهى غير مسكونة بالناس.
وقالوا: ربما ندّ الجمل منها فى الهياج «٤» فيحمله ما يعرض له منه على أن يأتى أرض
стр. 3375
عمان، فيضرب فى أدنى هجمة «١» من الإبل؛ فالإبل المهريّة من ذلك النّتاج. وتسمّى الإبل الوحشيّة «الحوش» «٢» . ويقولون: إنها بقايا إبل عاد وثمود ومن أهلكه الله من العرب. والمهريّة منسوبة إلى مهرة «٣» (قبيلة باليمن) ؛ وهى سريعة العدو. ويعلفونها من قديد سمك يصاد من بحر عمان.
وأمّا البخت- فمنها ما يرهوك «٤» مثل البراذين؛ ومنها ما يجمز «٥» جمزا ويرقل «٦» إرقالا. وفى البخت ماله سنامان فى طول ظهره كالسّرج، ولبعضها سنامان فى العرض عن اليمين وعن الشمال، وتسمّى «الخراسانية» .
قالوا: والجمل لا ينزو إلّا مرّة واحدة يقيم فيها النهار أجمع وينزل فيها مرارا كثيرة، فيجىء منها ولد واحد. وهو يخلو فى البرارى حالة النّزو، ولا يدنو منه أحد من الناس إلا راعيه الملازم له. وذكره صلب جدّا؛ لأنه من عصب. والأنثى تحمل سنة كاملة؛ وتلقح لمضىّ ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو فى هذه المدّة، ولا ينزو عليها إلا بعد سنة من يوم وضعها. وفيه من كرم الطّباع أنه لا ينزو على أمّهاته ولا أخواته. ومتى حمل على أن يفعل حقد على من ألزمه؛ وربما قتله.
وليس فى الحيوان من يحقد حقده. وقد قالوا: إنّ العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها.
стр. 3376
وفى طبع الجمل الاهتداء بالنّجم، ومعرفة الطّرق، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل وعلى العطش. والإبل تميل إلى شرب المياه الكدرة الغليظة؛ وهى إذا وردت ماء الأنهار حرّكته بأرجلها حتى يتكدّر. وهى من عشّاق الشمس.
وهى تتعرّف النبات المسموم بالشّمّ من مرّة واحدة فتتجنّبه عند رعيه ولا تغلط إلا فى اليبيس «١» خاصّة. وزعم أرسطو: أنها تعيش ثلاثين سنة فى الغالب.
وقال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر ينقل عن غيره: وقد رئى منها ما عاش مائة سنة. وكانت للعرب عوائد فى إبلها أنها اذا أصاب إبلهم العرّ «٢» كووا السليم ليذهب العرّ عن السقيم. وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت الألف فقئوا عين الفحل؛ فإن زادت على الألف فقئوا عينه الأخرى. وقد ذكرنا ذلك فى أوابد العرب، وهو فى الباب الثانى من الفن الثانى من هذا الكتاب فى السفر الثالث من هذه النسخة. والله أعلم بالصواب.
ذكر ما ملكه رسول الله ﷺ من الإبل
كانت ناقة رسول الله ﷺ يقال لها «القصواء» . ذكر ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمىّ عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بنى الحريش، ابتاعها أبو بكر رضى الله عنه وأخرى معها بثمانمائة درهم فأخذها رسول الله ﷺ منه بأربعمائة؛ فكانت عنده حتى نفقت «٣» . وهى التى هاجر عليها ﷺ . وكانت حين قدم المدينة رباعية، وكان اسمها «القصواء» و «الجدعاء» و «العضباء» ، وكان فى طرف أذنها جدع «٤» ، وكانت لا تسبق
стр. 3377
كلما دفعت فى سباق. فلما كان فى سنة ستّ من الهجرة سابق رسول الله ﷺ بين الرّواحل، فسبق قعود لأعرابىّ «القصواء» ، ولم تكن تسبق قبلها؛ فشقّ ذلك على المسلمين؛ فقال رسول الله ﷺ : «حقّ على الله ألّا يرفع شيئا من الدنيا إلّا وضعه» . وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ فى حجّته يرمى على ناقة صهباء. وعن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ فى حجّته بعرفة على جمل أحمر. وذكر أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثّعلبىّ فى تفسيره: أنّ النبىّ ﷺ بعث يوم الحديبية خراش بن أميّة الخزاعىّ قبل عثمان «١» إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له «الثّعلب» ؛ ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له؛ فعقروا جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله؛ فمنعته الأحابيش،»
فخلّوا سبيله. وكان للنبىّ ﷺ عشرون لقحة «٣» بالغابة (وهى على بريد من المدينة من طريق الشام) وكان فيها أبو ذرّ، وكان فيها لقائح غزر «٤» : الحنّاء» و «السّمراء» و «العريس» «٥» و «السّعديّة» و «البغوم» «٦»
стр. 3378
و «اليسيرة» «١» و «الرّيّا» «٢» . وكان رسول الله ﷺ فرّقها على نسائه؛ فكانت «السّمراء» لقحة غزيرة لعائشة؛ وكانت العريّس لأمّ «سلمة» ؛ فأغار عليها عيينة بن حصن فى أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن «٣» أبى ذرّ؛ ثم ركب رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتهوا إلى ذى قرد «٤» فاستنقذوا منها عشرا وأفلت القوم بما بقى؛ وقيل: بل استنقذها كلّها منهم سلمة بن «٥» الأكوع حين يقول:
ما خلق الله شيئا من ظهر «٦» النبىّ ﷺ إلا خلّفته وراء ظهرى واستنقذته منهم؛ وذلك فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ.
وكانت لقاحه ﷺ ، التى كان يرعاها يسار مولاه بذى الجدر ناحية قباء قريبا من عير «٧» على ستة أميال من المدينة، خمس عشرة لقحة غزارا استاقها
стр. 3379
العرنيّون «١» وقتلوا يسارا وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك فى لسانه وعينيه حتى مات.
فبعث رسول الله ﷺ فى إثرهم كرز «٢» بن جابر الفهرىّ فى عشرين فارسا؛ فأدركوهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقطّعت أيديهم وأرجلهم وسملت «٣» أعينهم وصلبوا. وفيهم نزل: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
الآية؛ وذلك فى شوّال سنة ستّ. وفقد النبىّ ﷺ منها لقحة تدعى «الحنّاء» ؛ فسأل عنها فقيل: نحروها.
وقيل: كانت لرسول الله ﷺ سبع «٤» لقائح تكون بذى الجدر؛ وتكون بالجمّاء «٥» : لقحة تدعى «مهرة» وكانت غزيرة، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، ولقحة تدعى «بردة» تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، أهداها له الضحّاك بن سفيان الكلابىّ، «والشّقراء» و «الرّيّا» «والسّمراء» «والعريّس» «واليسيرة» «والحنّاء» يحلبن ويراح إليه بلبنهنّ كلّ ليلة.
وفى غزاة بدر غنم رسول الله ﷺ جمل «٦» أبى جهل وكان مهريّا يغزو عليه ويضرب فى لقاحه. ذكره الطبرىّ.
стр. 3380
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية فى هداياه «١» جملا لأبى جهل فى رأسه برة «٢» من فضّة؛ ليغيظ بذلك المشركين. ذكره ابن إسحاق.
وقيل: كانت للنبى ﷺ لقحة اسمها «مروة» .
وقال ابن الكلبىّ: إن عياض بن حماد أهدى لرسول الله ﷺ نجيبة، وكان صديقا له إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا فى ثيابه؛ فقال له: «أسلمت» ؟
قال: لا؛ قال: «إن الله نهانى عن زبد «٣» المشركين» . فأسلم؛ فقبلها.
ذكر شىء مما وصفت به الإبل نظما ونثرا
قال بعض من عظّم شأن الإبل: إن الله تعالى لم يخلق نعما خيرا من الإبل؛ إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت.
وقال بشامة «٤» يصف ناقة:
كأنّ يديها إذا أرقلت ... وقد حرن ثم اهتدين السّبيلا
يدا سابح خرّ فى غمرة ... وقد شارف الموت إلا قليلا
стр. 3381
إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الرّيح قلعا جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورة ... من الرّبد تتبع هيقا ذمولا «١»
وقال أبو تمّام:
وبدّلها السّرى بالجهل حلما ... وقدّ أديمها قدّ الأديم
بدت كالبدر فى ليل بهيم ... وآبت مثل عرجون «٢» قديم
وقال الخطيم «٣» الخزرجىّ:
وقد ضمرت حتى كأن وضينها «٤» ... وشاح عروس جال منها على خصر
وقال ابن دريد:
خوص كأشباح الحنايا ضمّر ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرى «٥»
يرسبن فى بحر الدّجى، وفى الضّحى ... يطفون فى الآل إذا الآل طفا «٦»
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
ومن سفن البرّ سبّاحة ... من الآل بحرا إذا ما اعترض
стр. 3382
لها شرّة «١» لا تبالى بها ... أطال بها سبسب «٢» أم عرض
إذا خفق البرد «٣» خلتنى ... على كورها طائرا ينتفض
وإن يعرض البعض «٤» من سيرها ... ترى العيس من خلفها تنقرض «٥»
هى القوس إنّى لسهم لها ... أصيب بكل فلاة عرض
وقال الشريف البياضىّ:
نوق تراها كالسّفي ... ن إذا رأيت الآل بحرا
كتب الوجا «٦» بدمائها «٧» ... فى مهرق «٨» البيداء سطرا
لا تستكين من اللّغو ... ب إذا ولا يعرفن زجرا
وكأن أرجلهن تط ... لب عند أيديهنّ وترا
стр. 3383
وقال أبو عبادة البحترىّ:
وخدان «١» القلاص حولا إذا قا ... بلن حولا من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسّراب «٢» وقد خض ... ن غمارا من السّراب الجارى
كالقسىّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار
وقال ذو الرّمّة يصف ناقة:
رجيعة «٣» أسفار كأن زمامها ... شجاع على «٤» يسرى الذّراعين مطرق
ومنه اخذ المتنبى فقال:
كأنّ على الأعناق منها الأفاعيا
وقال أبو نواس يصفها بالسرعة:
وتجشّمت بى هول كلّ تنوفة «٥» ... هو جاء فيها جرأة «٦» إقدام
تذر المطىّ وراءها «٧» وكأنها ... صفّ تقدّمهنّ وهى إمام
стр. 3384
وقال الفرزدق منشدا:
تنفى يداها الحصى فى كلّ «١» هاحرة ... نفى الدّراهيم «٢» تنقاد الصّياريف «٣»
وقال آخر:
تطير مناسمها بالحصى ... كما نقد الدرهم الصّيرف
وقال الغطمّش «٤» :
كأن يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح فى غمرة يتبوّع «٥»
وقال آخر فى نوق:
خوص نواج إذا حثّ الحداة بها ... حسبت أرجلها قدّام أيديها
وقال القطامىّ:
يمشين رهوا «٦» فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات «٧» والحصى رمض «٨» ... والرّيح ساكنة والظلّ معتدل
стр. 3385
وقال أبو نواس:
ولقد تجوب بى الفلاة إذا ... صام «١» النّهار وقالت العفر «٢»
شدنيّة «٣»
رعت الحمى فأتت ... مثل الجبال كأنها قصر
وقال الأحمر «٤»
:
حمراء من نسل المهارى نسلها ... إذا ترامت يدها ورجلها
حسبتها غيرى استفزّ عقلها ... أتى «٥» التى كانت تخاف بعلها
ذكر ما قيل فى البقر الأهلية
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» ؛ فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلّم! قال: «فإنى أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما «٦»
هما ثمّ.
стр. 3386
وقال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ الفحل من البقر ينزو إذا تمّت له سنة من عمره؛ وقد ينز ولعشرة أشهر. والبقرة إذا ولدت تحدّر لبنها من يومها، ولا يوجد لها لبن قبل أن تضع. وهى تحمل تسعة أشهر وتضع فى العاشر؛ فإن وضعت قبل ذلك لا يعيش ولدها. وربما وضعت اثنين، وهو نادر. وهم يتشاءمون بها إذا وضعت اثنين. وإذا مات ولدها أو ذبح لا يسكن خوارها ولا يدرّ لبنها؛ ولذلك الرّعاء يسلخون جلد ولدها ويحشونه لتدرّ له وتسكن، ويسمونه «البوّ» .
والبقر يحبّ الماء الصافى، بضدّ الخيل والجمال. وقال المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب: رأيت بالرّىّ نوعا من البقر تبرك كما تبرك الإبل وتحمل فتثور بحملها، والغالب عليها حمرة الحدق. وحكى أسامة «١»
بن منقذ فى كتابه «٢»
أن فى «٣»
بعض البلدان بقرا لها أعراف كالخيل. ولعلّها الأبقار التى توجد فيها البراجم. والبراجم فى أطراف أذنابها وفى أكتافها. ويقال: إنّ أبقار البراجم تخرج من بحر الصّين
стр. 3387
وهى تلد وترضع «١»
؛ ولذلك يقال البراجم البحريّة. وبأرض مصر بناحيتى دمياط وتنّيس بقر تسمى بقر الخيس «٢»
، ضخام حسان الصّور والشّيات، ولها قرون كالأهلّة، وفيها نفور وتوحّش، لا ينتفع بها فى العمل وإنما ينتفع بألبانها. وهى لا تعلف الحبّ، ومأواها حيث يكون العشب والماء الدائم؛ ولها أسماء يدعونها بها إذا أرادوا حلبها، فتقدّم إليهم.
وقد وصف الشعراء البقر فى أشعارها؛ فمن ذلك قول أحمد «٣»
بن علوّيه الأصبهانىّ:
يا حبّذا محضها «٤» ورائبها ... وحبّذا فى الرّجال صاحبها
عجّولة «٥»
سمحة مباركة ... ميمونة طفّح محالبها
تقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلاب حالبها
فتيّة سنّها، مهذّبة ... معنّف فى النّدىّ «٦»
عائبها
стр. 3388
كانها لعبة مزيّنة ... يطير عجبا بها ملاعبها
كأنّ ألبانها جنى عسل ... يلذّها فى الإناء شاربها
عروس باقورة «١» إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها
كأنها هضبة إذا انتسبت «٢»
أو بكرة قد أناف «٣»
غاربها
تزهى بروقين كاللّجين إذا ... مسّهما بالبنان طالبها
لو أنها مهرة لما عدمت ... من أن يضمّ السرور راكبها
وأنشدنى شمس الدين بن دانيال لنفسه:
لله عجلة خيس ... صفراء ذات دلال
تريك عينى مهاة ... من تحت قرنى غزال
قد سربلت بأصيل ... وتوّجت بهلال
وقال شاعر «٤»
يصف صوت الحلب:
كأنّ صوت شخبها «٥» المرفضّ ... كشيش «٦»
أفعى أجمعت لعضّ
وهى تحكّ بعضها ببعض
وقال:
كأن صوت شخبها غديّه ... هفيف ريح أو كشيش حيّه
стр. 3389
ذكر ما قيل فى الجاموس
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:
والجواميس هى ضأن البقر. والجاموس أجزع الحيوان من البعوض وأشدّها هربا منه إلى الماء؛ وهو يمشى إلى الأسد رخىّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان.
وقد حكى عن المعتصم بالله العباسىّ أنه أبرز للاسد جاموستين فغلبتاه، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها، ثم أبرز له جاموسا مفردا فواثبه ثم أدبر عنه. هذا على ما فى الأسد من القوّة فى فمه وكفّه والجرأة العظيمة والوثبة وشدّة البطش والصبر والحضر والطّلب والهرب؛ وليس ذلك فى الجاموس، ولا يستطيل بغير قرنه، وليس فى قرنه حدّة قرن بقر الوحش؛ فإذا قوى الجاموس مع ذلك حتى يقاوم الأسد دلّ على قوّة عظيمة. ولذلك قدّم الجاحظ الجاموس على الأسد، وعلّل تقديمه عليه بهذه العلّة. وليس ما حكى عن المعتصم فى أمر الجاموس وغلبته للأسد بعجيب؛ فإنّ الجواميس بالأغوار تقاتل الأسد وتمانعه وتدفعه فلا يقدر على قهرها.
وأصحاب الجواميس هناك منهم من يغلّف قرونها بالنّحاس ويحدّدون أطرافه، يقصدون «١»
بذلك إعانته على حرب الأسد وقتاله.
والجاموس عندنا بالديار المصرية يقاتل التّمساح الذى هو أسد البحر ويتمكّن منه ويقهره فى الماء؛ فهو قد جمع بين قتال أسد البرّ وأسد البحر. وله قدرة عظيمة على طول المكث فى قعر البحر. والتماسيح لا تكاد تأوى موارد الجواميس من بحر النيل وتتجنّب أماكنها.
стр. 3390
والجواميس فى أرض الشأم من الأغوار والسواحل والأماكن الحارّة الكثيرة المياه ينتفع بها فى الحرث والحمولة وجرّ العجل وحلب ألبانها. وأمّا [فى «١»
] الدّيار المصرية فلا يستعملونها «٢»
البتّة ولا ينتفعون بها إلا بما يتحصّل من ألبانها ونتاجها.
وفحول الجواميس يكون بينها قتال شديد ومحاربة؛ فأيّما فحل غلب وقهره خصمه، لا يأوى ذلك المراح، بل ينفرد بنفسه فى الجزائر الكثيرة العشب شهورا وهو يأكل من تلك الأعشاب ويشرب من ماء النيل، وينفرد خصمه بالإناث؛ فإذا علم الهارب من نفسه القوّة والجلد، رجع إلى المراح وقد توحّش واستطال، ويكون خصمه قد ضعفت قواه فلا يقوم «٣»
بمحاربته؛ ولكنه لا يولّى عنه إلا بعد محاربته. فإذا قهره ترك الآخر المراح وتوجّه إلى جزيرة وفعل كما فعل الأوّل وعاد إلى خصمه.
ولبن الجاموس من ألذّ الألبان وأدسمها. والرّعاء يسمّون كلّ جاموسة باسم تعرفه إذا دعيت به إلى الحلب، فتجيب وتأتيه وتقف حتى يحلبها.
ذكر ما قيل فى الغنم الضّأن والمعز
روى عن أنس بن مالك وعطاء رضى الله عنهما: أنّ رسول الله ﷺ قال: «الغنم بركة موضوعة» . وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه
стр. 3391
قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم «١»
غنما يتبع بها شعف «٢»
الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «رأس الكفر نحو المشرق والفخز والخيلاء فى أهل الخيل والإبل والفدّادين «٣»
أهل الوبر والسكينة فى أهل الغنم» .
ومن فضل الغنم ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه: أنّ النبىّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلا ورعى الغنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟
قال: «نعم [كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة «٤»
] » . وكان لرسول الله ﷺ من الغنم مائة شاة لا يريد أن تزيد كلّما ولّد الراعى بهمة ذبح مكانها شاة.
وقال ابن الأثير فى تاريخه: وكان له شاة تسمى «غوثة «٥»
» ، وقيل «غيثة» ، وعنز
стр. 3392
تسمى «اليمن» . وذكر بعض المتأخّرين من أهل الحديث أنّ مكحولا سئل عن جلد الميتة، فقال: كانت لرسول الله ﷺ شاة تسمى «قمر» ؛ ففقدها فقال: «ما فعلت قمر» ؟ فقالوا: ماتت يا رسول الله؛ قال: «ما فعلتم بإهابها» ؟
قالوا: ميتة؛ قال: «دباغها طهورها» .
قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى رحمه الله تعالى فى كتاب [فضل] الخيل: وكانت منائح رسول الله ﷺ من الغنم سبعا: «عجرة» و «زمزم «١» » و «سقيا» و «بركة» و «ورشة» و «أطلال» و «أطراف «٢» » . وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: كانت لرسول الله ﷺ سبع أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن. قال: والمنيحة: الناقة والشاة تعطيها غيرك فيحلبها ثم يردّها عليك. قال أبو عبيد: للعرب أربعة أسماء تضعها مواضع العارية، وهى: المنيحة، والعريّة، والإفقار «٣» ، والإخبال «٤» .
ذكر ترتيب سنّ الغنم
ولد الشاة حين تضعه ذكرا كان أو أنثى «سخلة» و «بهمة» . فإذا فصل عن أمّه فهو «حمل» و «خروف» . فإذا أكل واجترّ فهو «بذج» «٥» و «فرفور» . فإذا
стр. 3393
بلغ النّزو فهو «عمروس» . وكلّ أولاد الضأن والمعز فى السنة الثانية «جذع» ؛ وفى الثالثة «ثنىّ» ؛ وفى الرابعة «رباع» ؛ وفى الخامسة «سديس» ؛ وفى السادسة «سالغ «١» » . وليس له بعد هذا اسم. ويقال لولد المعز: «جفر» ثم «عريض» «وعتود» و «عناق» . والغنم، الضأن والمعز، تضع حملها فى خمسة أشهر. وتلد النعجة رأسا إلى ثلاثة، والعنز من الرأس إلى أربعة. وينزو الذكر بعد مضىّ ستة شهور من ميلاده. وتحمل الأنثى بعد مضىّ خمسة أشهر من يوم ولدت. ويجزّ صوف الضأن عنها فى كل سنة. ولحوم الضأن من أطيب اللّحمان؛ وكذلك ألبانها.
وقد أطنب الجاحظ فى المفاخرة بين الضأن والمعز وأطال وأتى بالغثّ والسّمين.
وكتب أبو الخطّاب الصابى إلى الحسين بن صبرة جوابا عن رقعة أرسلها إليه فى وصف حمل أهداه إليه، جاء منها:
«وصلت رقعتك؛ ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مؤنق؛ وعبارة مصيبة، ومعان غريبة؛ واتّساع فى البلاغة يعجز عنه عبد الحميد فى كتابته، وسحبان فى خطابته. وذكرت فيها حملا، جعلته بصفتك جملا؛ وكان كالمعيدىّ أسمع به ولا أراه «٢» . وحضر، فرأيت كبشا متقام الميلاد، من نتاج قوم عاد؛ قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور؛ فظننته أحد الزوجين «٣» اللذين حملهما نوح فى سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريّته. صغر عن الكبر، ولطف فى القدر؛ فبانت دمامته،
стр. 3394
وتقاصرت قامته؛ وعاد نحيفا ضئيلا، باليا هزيلا؛ بادى السّقام، عارى العظام؛ جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب؛ يعجب العاقل من حلول الروح فيه؛ لأنه عظم مجلّد، وصوف ملبّد؛ لا تجد فوق عظامه سلبا «١» ، ولا تلقى اليد منه إلا خشبا؛ لو ألقى للسّبع لأباه، أو طرح للذئب لعافه وقلاه؛ وقد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده؛ لم ير القتّ «٢» إلّا نائما، ولا الشعير إلا حالما. وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الشّهر؛ فملت إلى استبقائه؛ لما تعلمه من محبّتى فى التوفير، ورغبتى فى التّثمير؛ وجمعى للولد، وادّخارى لغد؛ فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتىّ فينسل، ولا بصحيح فيرعى «٣» ، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعملت بالآخر من قوليك؛ وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمة رطبا مقام قديد الغزال؛ فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدّدت الشّفار، وشمّر الجزّار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وما الفائدة لك فى ذبحى! وإنما أنا كما قيل:
لم يبق إلّا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت
ليس لى لحم يصلح»
للأكل، فإنّ الدهر أكل لحمى؛ ولا جلد يصلح للدّبغ، فإن الأيام مزّقت أديمى؛ ولا صوف يصلح للغزل، فإن الحوادث حصّت «٥» وبرى.
стр. 3395
وإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أدفأ من نارى، ولم تف حرارة جمرى برائحة قتارى «١» .
ولم يبق إلّا أن تطالبنى بذحل «٢» أو بينى وبينك دم. فوجدته صادقا فى مقالته، ناصحا فى مشورته. ولم أعلم من أىّ أموره أعجب: أمن مماطلته الدّهر على البقاء، أم من صبره على الضّر والبلاء، أم من قدرتك عليه مع عوز مثله، أم من إتحافك الصديق به على خساسة قدره. ويا ليت شعرى إذا «٣» كنت والى سوق الأغنام، وأمرك ينفذ فى المعز والضأن؛ وكلّ حمل سمين، وكبش بطين؛ مجلوب «٤» إليك، وموقوف عليك، تقول فيه فلا تردّ، وتريد فلا تصدّ؛ وكانت هديّتك هذا الذى [كأنه «٥» ] انشر من القبور، أو أقيم عند النّفخ فى الصّور؛ فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب، كأبى علىّ وأبى الخطّاب! ما تهدى إلّا كلبا أجرب، أو قردا أحدب.
وقال شاعر فى هذا المعنى:
ليت شعرى عن الخروف الهزيل ... ألك الذّنب فيه أم للوكيل
لم أجد فيه غير جلد وعظم ... وذنيب له دقيق طويل
ما أرانى أراه يصلح إذ أص ... بح رسما على رسوم الطّلول
لا لشيّ ولا لطبخ ولا بي ... ع ولا برّ صاحب وخليل
أعجف لو مطفّل نال منه ... لغدا تائبا عن التّطفيل «٦»
стр. 3396
وقال شرف الدّين بن عين وقد أهدى له بعض أصدقائه خروفا بعد ما مطله به:
أتانى خروف ما تشكّكت أنّه ... حليف جوى قد شفّه الهجر والمطل
إذا قام فى شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى فى ظلمة ماله ظلّ
فناشدته: ما تشتهى؟ قال: قتة ... وقاسمته «١» : ما شفّه؟ قال لى: الأكل
فأحضرتها خضراء مجّاجة الثرى ... منعّمة ما خصّ أطرافها فتل
وظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدّمع فى الخدّ منهلّ:
«أتت وحياض الموت بينى وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل»
وقال الحمدونىّ فى المعزى:
أبا سعيد لنا فى شاتك العبر ... جاءت وما إن بها بول ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان: الشمس والقمر
لو أنّها أبصرت فى نومها علفا ... غنّت له ودموع العين تنحدر:
«يا مانعى لذّة الدنيا بما رحبت ... إنى ليقنعنى من وجهك النظر»
وقال أيضا:
ما أرى إن ذبحت شاة سعيد ... حاصلا فى يدىّ غير الإهاب
ليس إلّا عظامها، لو تراها ... قلت هذى أرازن «٢» فى جراب
стр. 3397
وقال فيها:
لسعيد شويهة ... سلّها الضّرّ والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف:
بأبى من بكفّه ... برء دائى من الدّنف
فأتاها مطمّعا ... فأتته لتعتلف
فتولّى وأقبلت ... تتغنّى من الأسف:
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
стр. 3398
القسم الرابع من الفن الثالث فى ذوات السموم
، وفيه بابان
الباب الأوّل من هذا القسم فى ذوات السموم القواتل .
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الحيّات والعقارب.
ذكر ما قيل فى الحيّات
الحيّات مختلفات الجهات جدّا. وهى من الأمم التى يكثر اختلاف أجناسها فى الصّور والشّيم، والصّغر والعظم، وفى التعرّض للناس وفى الهرب منهم. فمنها «١» ما لا يؤذى إلا أن تطأها. ومنها ما يؤذى إذا وطئت فى حماها. ومنها ما لا يؤذى فى تلك الحال إلا أن تكون على بيضها أو فراخها. ومنها ما لا يؤذى إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. فأمّا «الأسود» فإنه يحقد ويطالب ويكمن فى المتاع حتى يدرك؛ وله زمان يقتل فيه كلّ شىء نهشه. وأما «الأفعى» فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر فى الصيف مع أوائل الليل إذا سكن وهج الرّمل أو ظاهر الأرض، فتأتى قارعة الطريق حتى تستدير كالرّحى وتشخص رأسها؛ فمن وطئ عليها أو مسّها نهشته. وهى من الحيّات التى ترصد؛ وهى تقتل فى كل زمان وعلى كل حال.
و «الشّجاع» يواثب ويقوم على ذنبه. والحيّات أصناف كثيرة سنذكر ما أمكن ذكره منها إن شاء الله.
стр. 3399
والعرب تضرب المثل فى الظلم بالحيّة فيقولون: «أظلم من حيّة» ، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتا، وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه وأخلوه لها.
والحيّة مشقوقة اللسان، ولسانها أسود. وزعم بعض المفسرين لكتاب الله أنّ الله تعالى عاقب الحيّة، حين أدخلت إبليس فى فمها حتى خاطب آدم وحواء وخدعهما، بعشرة أشياء: منها شقّ لسانها؛ فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها لترى الضارب لها عقوبة الله تعالى، كأنها تسترحم. ويقال: إن من خصائص الحيّة أنّ عينها إذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع أو قطع بالكاز «١» عاد بعد ثلاث ليال؛ وكذلك ذنبها إذا قطع عاد. وفى طباعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن والبطيخ واللّفّاح «٢» والخردل.
وهى لا تضبط نفسها عن الشّراب إذا شمّته؛ وإذا وجدته شربت منه حتى تسكر؛ فربما كان السّكر سبب حتفها؛ لأنها إذا سكرت خدرت. وتكره الحيّة ريح السّذاب «٣» ولا تملك نفسها [معه «٤» ] ، وربما اصطيدت به؛ وتكره ريح الشّيح. والحيّة تذبح حتى تفرى أوداجها فتبقى أياما لا تموت. ومتى ضربت بالقصب الفارسىّ ماتت، وإن ضربت بسوط قد مسّه عرق الخيل ماتت. ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل.
стр. 3400
ومن أعجب ما شاهدته أنا من الأفاعى أنها قطّعت بحضورى بالبيمارستان «١» المنصورى بالقاهرة المعزّيّة فى شهور سنة ستّ وسبعمائة بسبب عمل الدّرياق الفاروق «٢» ؛ وقطع من رأسها وذنبها ما جرت العادة بقطعه، وسلخت وشقّ بطنها ونظّفت وهى تختلج، ثم سلقت وجرّد لحمها عن العظم، فنظرت إليه فإذا هو يختلج؛ فعجبت لذلك؛ وذكرته لرئيس الأطبّاء علم الدّين «٣» المعروف بابن أبى حليقة وهو حاضر فى المجلس، فقال: ليس هذا بأعجب مما تراه الان، وقال لى: استدع أقراص الأفاعى التى عملت من أكثر من سنة؛ فاستدعيتها، فأحضرها الخازن وهى فى العسل وقد دقّ لحم الأفاعى بعد سلقه وعجن بالسّميذ وجعل أقراصا ووضع فى العسل من أكثر من سنة؛ فقال لى: تأمّل الأقراص؛ فتأملتها فإذا هى تضطرب اضطرابا خفيفا «٤» .
وقال الجاحظ: وزعم صاحب المنطق أنّ الحيّات تنسلخ عن جلودها فى كل عام فى أوّل فصل الربيع أو الخريف؛ وتبتدئ بالسّلخ من عيونها ويتمّ سلخها فى يوم وليلة، ويصير داخل الجلد هو الخارج. وإذا هرمت وعجزت عن السلخ
следующие страницы →