← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وقال شرف الدّين بن عين وقد أهدى له بعض أصدقائه خروفا بعد ما مطله به: أتانى خروف ما تشكّكت أنّه ... حليف جوى قد شفّه الهجر والمطل إذا قام فى شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى فى ظلمة ماله ظلّ فناشدته: ما تشتهى؟ قال: قتة ... وقاسمته «١» : ما شفّه؟ قال لى: الأكل فأحضرتها خضراء مجّاجة الثرى ... منعّمة ما خصّ أطرافها فتل وظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدّمع فى الخدّ منهلّ: «أتت وحياض الموت بينى وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل» وقال الحمدونىّ فى المعزى: أبا سعيد لنا فى شاتك العبر ... جاءت وما إن بها بول ولا بعر وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان: الشمس والقمر لو أنّها أبصرت فى نومها علفا ... غنّت له ودموع العين تنحدر: «يا مانعى لذّة الدنيا بما رحبت ... إنى ليقنعنى من وجهك النظر» وقال أيضا: ما أرى إن ذبحت شاة سعيد ... حاصلا فى يدىّ غير الإهاب ليس إلّا عظامها، لو تراها ... قلت هذى أرازن «٢» فى جراب

стр. 3397

وقال فيها: لسعيد شويهة ... سلّها الضّرّ والعجف قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف: بأبى من بكفّه ... برء دائى من الدّنف فأتاها مطمّعا ... فأتته لتعتلف فتولّى وأقبلت ... تتغنّى من الأسف: ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف

стр. 3398

القسم الرابع من الفن الثالث فى ذوات السموم ، وفيه بابان الباب الأوّل من هذا القسم فى ذوات السموم القواتل . ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الحيّات والعقارب. ذكر ما قيل فى الحيّات الحيّات مختلفات الجهات جدّا. وهى من الأمم التى يكثر اختلاف أجناسها فى الصّور والشّيم، والصّغر والعظم، وفى التعرّض للناس وفى الهرب منهم. فمنها «١» ما لا يؤذى إلا أن تطأها. ومنها ما يؤذى إذا وطئت فى حماها. ومنها ما لا يؤذى فى تلك الحال إلا أن تكون على بيضها أو فراخها. ومنها ما لا يؤذى إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. فأمّا «الأسود» فإنه يحقد ويطالب ويكمن فى المتاع حتى يدرك؛ وله زمان يقتل فيه كلّ شىء نهشه. وأما «الأفعى» فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر فى الصيف مع أوائل الليل إذا سكن وهج الرّمل أو ظاهر الأرض، فتأتى قارعة الطريق حتى تستدير كالرّحى وتشخص رأسها؛ فمن وطئ عليها أو مسّها نهشته. وهى من الحيّات التى ترصد؛ وهى تقتل فى كل زمان وعلى كل حال. و «الشّجاع» يواثب ويقوم على ذنبه. والحيّات أصناف كثيرة سنذكر ما أمكن ذكره منها إن شاء الله.

стр. 3399

والعرب تضرب المثل فى الظلم بالحيّة فيقولون: «أظلم من حيّة» ، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتا، وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه وأخلوه لها. والحيّة مشقوقة اللسان، ولسانها أسود. وزعم بعض المفسرين لكتاب الله أنّ الله تعالى عاقب الحيّة، حين أدخلت إبليس فى فمها حتى خاطب آدم وحواء وخدعهما، بعشرة أشياء: منها شقّ لسانها؛ فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها لترى الضارب لها عقوبة الله تعالى، كأنها تسترحم. ويقال: إن من خصائص الحيّة أنّ عينها إذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع أو قطع بالكاز «١» عاد بعد ثلاث ليال؛ وكذلك ذنبها إذا قطع عاد. وفى طباعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن والبطيخ واللّفّاح «٢» والخردل. وهى لا تضبط نفسها عن الشّراب إذا شمّته؛ وإذا وجدته شربت منه حتى تسكر؛ فربما كان السّكر سبب حتفها؛ لأنها إذا سكرت خدرت. وتكره الحيّة ريح السّذاب «٣» ولا تملك نفسها [معه «٤» ] ، وربما اصطيدت به؛ وتكره ريح الشّيح. والحيّة تذبح حتى تفرى أوداجها فتبقى أياما لا تموت. ومتى ضربت بالقصب الفارسىّ ماتت، وإن ضربت بسوط قد مسّه عرق الخيل ماتت. ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل.

стр. 3400

ومن أعجب ما شاهدته أنا من الأفاعى أنها قطّعت بحضورى بالبيمارستان «١» المنصورى بالقاهرة المعزّيّة فى شهور سنة ستّ وسبعمائة بسبب عمل الدّرياق الفاروق «٢» ؛ وقطع من رأسها وذنبها ما جرت العادة بقطعه، وسلخت وشقّ بطنها ونظّفت وهى تختلج، ثم سلقت وجرّد لحمها عن العظم، فنظرت إليه فإذا هو يختلج؛ فعجبت لذلك؛ وذكرته لرئيس الأطبّاء علم الدّين «٣» المعروف بابن أبى حليقة وهو حاضر فى المجلس، فقال: ليس هذا بأعجب مما تراه الان، وقال لى: استدع أقراص الأفاعى التى عملت من أكثر من سنة؛ فاستدعيتها، فأحضرها الخازن وهى فى العسل وقد دقّ لحم الأفاعى بعد سلقه وعجن بالسّميذ وجعل أقراصا ووضع فى العسل من أكثر من سنة؛ فقال لى: تأمّل الأقراص؛ فتأملتها فإذا هى تضطرب اضطرابا خفيفا «٤» . وقال الجاحظ: وزعم صاحب المنطق أنّ الحيّات تنسلخ عن جلودها فى كل عام فى أوّل فصل الربيع أو الخريف؛ وتبتدئ بالسّلخ من عيونها ويتمّ سلخها فى يوم وليلة، ويصير داخل الجلد هو الخارج. وإذا هرمت وعجزت عن السلخ

стр. 3401

وارتخى جسمها أدخلت جسمها بين عودين أو فى صدع ضيق حتى تنسلخ، ثم تأتى إلى عين ماء فتنغمس فيها فيشتدّ لحمها ويعود إلى قوّته وشدّته. قال الجاحظ: وليس فى الأرض مثل جسم الحيّة إلا والحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت صدرها فى حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس وقد قبض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها، لشدّة اعتمادها وتعاون أجزائها؛ وربما انقطعت فى يد الجاذب لها. فإذا أراد أن يخرجها أرسلها بعض إرسال ثم يجذبها كالمختطف لها. قال: ومن أصناف الحيّات ما هو أزعر، وما هو أزبّ (ذو شعر) ، ومنها ذوات قرون. ومنها ما يسمى الأسود وهو ما إذا كان مع الأفاعى فى جونة «١» وجاع ابتلعها من قبل رءوسها، ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضّته فقتلته. ومن أصنافها ما يسمى «الأصلة» ، وهو ثعبان عظيم جدّا، وله وجه كوجه الإنسان؛ ويقال: إنه يصير كذلك إذا مرّت عليه ألوف من السنين. وهو يقتل بالنظر وبالنفخ. ومنهم من يسمّى هذا النوع الصّلّ، ويقول: إنّ أصل خلقته على هذه الصفة. قال: وفى البادية حيّة يقال لها «الحفّاث» تأكل الفأر وأشباهه. وهى عظيمة، ولها وعيد منكر ونفخ وإظهار للصولة، وليس وراء ذلك شىء؛ والجاهل ربما مات من الفزع منها. قالوا: والثعبان «٢» والأفعى فإنه يقتل بما يحدثه من الفزع؛ لأن الرجل إذا فزع تفتّحت مسامّه ومنافسه، فيتوغّل السمّ فى موضع الصّميم «٣» وأعماق البدن. فإن

стр. 3402

نهشت «١» النائم والمغمى عليه والمجنون والطفل الصغير لم تقتله «٢» البتّة. وزعم صاحب المنطق أنّ بالحبشة حيّات لها أجنحة. وأخبرنى المولى شرف الدين أحمد بن اليزدىّ قال: كنت بمدينة الرّملة «٣» فى شهور سنة اثنتين وسبعمائة صحبة الصاحب شرف الدين بن الخليل ومعه القاضى الحاكم وجماعة كثيرة من الناس وفيهم عدولى «٤» وغيرهم؛ فنظرنا نحو السماء فإذا نحن بحيّتين عظيمتين طائرتين فى الهواء قاصدتين صوب البحر، كلّ منهما فى غلظ الثنيانة «٥» ، وإن إحداهما مستقيمة فى طيرانها والأخرى تتعوّج من قبل رأسها ووسطها وذنبها، وكانتا من الأرض بحيث لا يبلغهما السهم، قال: فسطّرنا بذلك محضرا على عدّة نسخ. وحكى بعض المؤرّخين: أنه وجد فى خزائن المستنصر بالله «٦» العبيدى أحد خلفاء مصر بيضة محلّاة بالذّهب ظنّوا أنها بيضة نعامة؛ فجعل الناس يتعجّبون من تحليتها

стр. 3403

بالذّهب؛ فذكروا ذلك للمستكفى، فقال: إنها بيضة حيّة كان بعض الملوك أهداها لجدّى القائم «١» بأمر الله. ومن كتاب نشوار المحاضرة قال حدّثنا أبو إسحاق إبرهيم بن الورّاق قال حدّثنى عمى أبو الحسين «٢» : أن الحصينىّ حدّثه عن أبى العبّاس بن الفرات قال حدّثنى أبى قال: قال لى جعفر «٣» الخيّاط: أمرنى المأمون ونحن بالروم أن أقتصّ» الطريق لئلا يكون به جواسيس للعدوّ؛ فأخذت معى جماعة من أصحابى فرسانا ورجّالة وسلكت الطريق، فعنّ لى شعب فقصدته لئلا يكون فيه كمين من الجواسيس، وتقدّمنى الرّجّالة فرأيتهم قد وقفوا؛ فأسرعت اليهم وسألتهم عن خبرهم، فقالوا: انظر؛ فنظرت فإذا رجل من الرجّالة قد قعد لقضاء حاجته، ومشى أصحابه، فقصدته حيّة من وراء ظهره فابتلعته من رجليه إلى صدره وهو يستغيث ويصيح؛ فلم يكن لنا فيه حيلة وخفت أن آمر الرّجالة برمى الحيّة بالنّشّاب فيصيب الرجل فأكون أنا قتلته. فبسط الرجل يديه وانتهى بلع الحيّة إلى إبطيه، فرأيتها وقد انضمّت على

стр. 3404

ما ابتلعته منه ضمّة سمعنا تكسير عظامه فى جوفها، فمات وسقطت يداه فابتلعته حينئذ بأسره. فقلت: الآن أقصدوها بالنّشّاب؛ فرشقناها جميعا فأثبتناها فى موضعها حتى قتلناها؛ فأمرت بشق بطنها لأعاين جسم الرّجل، فلم نجد فى بطنها من جلد ولا عظم ولا غيرهما إلا شيئا كالخيط الأسود، فإذا هى قد أحرقته فى لحظة واحدة. ويقال: إن بجزائر الصين حيات تبتلع الإبل والبقر وشبهها. قال الجاحظ: حدّثنى أبو جعفر المكفوف النحوىّ العنبرىّ وأخوه روح الكاتب ورجال من بنى العنبر: أنّ عندهم فى رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب حيلة؛ وزعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ فى رمال بلعنبر وامتنعت الأرض على الحافى والمنتعل، غمست هذه الحيّة ذنبها فى الأرض ثم انتصبت كأنها عود مركوز أو عود نابت «١» ، فيجىء الطائر الصغير والجرادة، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه وقع على رأس الحيّة على أنها عود، فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها ابتلعته وبقيت على انتصابها؛ وإن كان طائرا يشبعها أكلته وانصرفت؛ وإن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه فى الصيف والقيظ. قال: وزعم لى رجال من الصّقالبة خصيان وفحول أنّ الحيّة فى بلادهم تأتى البقرة المحفّلة «٢» فتنطوى على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها ثم تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها حتى تلتقم الخلف، فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم «٣» ؛ فلا تزال الحيّة

стр. 3405

تمصّ اللبن، وكلما مصّت استرخت؛ فإذا كادت تتلف أرساتها. وزعموا أنّ تلك البقرة إما أن تتلف، وإما أن يصيبها داء فى ضرعها وفساد شديد يعسر دواؤه. وهذا الباب طويل؛ وقد أوردنا منه ما فيه غنية. فلنذكر ما قيل فى أصناف الحيّات وأوصافها. ذكر أسماء الحيّات وأوصافها - يقال: «الجانّ» «١» و «الشيطان» هى الحيّة الخبيثة. و «الحنش» : ما يصاد من الحيّات. و «الحيّوت» : الذكر منها. و «الحفّاث» و «الحضب» «٢» : الضخم منها. و «الأسود» : العظيم وفيه سواد؛ ويقال: الأسود هو الداهية؛ وله خصيتان كخصيتى الجدى، وشعر أسود، وعرف طويل، وصنان كصنان التّيس. و «الشّجاع» : أسود أملس يضرب إلى البياض، خبيث؛ ويقال: إنه دقيق لطيف. و «الأعيرج» : حيّة صمّاء لا تقبل الرّقى وتطفر كما تطفر الأفعى. ويقال: الأعيرج: حيّة أريقط نحو من ذراع، وهو أخبث من الأسود. وقال ابن الأعرابىّ: الأعيرج أخبث الحيّات، يقفز على الفارس حتى يصير معه فى سرجه. وقال الليث عن الخليل: الأفعى التى لا تنفع معها رقية ولا درياق، وهى دقيقة العنق عريضة الرأس. وقال غيره: هى التى إذا مشت منثنية جرشت بعض أسنانها ببعض. وقال غيره: هى التى لها رأس عريض ولها قرنان. والأفعوان» : الذكر من الأفاعى. و «العربدّ» و «العسودّ» حية تنفخ ولا تؤذى. و «الأرقم» : الذى فيه سواد وبياض، و «الأرقش» نحوه. و «ذو الطّفيتين» : الذى له خطّان أسودان. و «الأبتر» : القصير الذنب. و «الخشخاش» : الحيّة الخفيفة. و «الثعبان» : العظيم منها، وكذلك «الأيم»

стр. 3406

و «الأين» . و «ابن قترة» : حيّة شبيهة بالقضيب من الفضّة فى قدر الشّبر والفتر، وهى أخبث الحيّات، فإذا قرب من الانسان تراءى فى الهواء فوقع عليه من أعلاه. و «ابن طبق» : حيّة صفراء؛ ومن طبعها أن تنام ستة أيام ثم تنتبه فى اليوم السابع. ولا تنفخ شيئا إلا أهلكته قبل أن يتحرّك. وربما مرّ بها الرجل وهى نائمة فيأخذها كأنها سوار من ذهب، فإن استيقظت وهى فى كفّه خرّ ميتا. ومن أمثال العرب «أصابته إحدى بنات طبق» . قال الليث: «السّفّ» «١» : الحيّة التى تطير فى الهواء. وأنشد: وحتى لو انّ السّفّ ذا الريش عضّنى ... لما ضرّنى من فيه ناب ولا ثعر «٢» و «النّضناض» «٣» : الذى لا يسكن فى مكان. ومن أسمائها «القزة» «٤» و «الهلال» و «الرّعّاصة» «٥» . ذكر ما فى لحوم الحيّات من المنافع والأدوية قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: والحيّة يستعمل مطبوخها بالماء والملح والشّبث، وقد يزاد عليها الزّيت. قال: وأجود لحمه لحم الأنثى؛ وأجود سلخه «٦» سلخ

стр. 3407

الذّكر. وطبع «١» الحيّة إلى التجفيف فى لحمها قوىّ؛ وأما التسخين فليس بشديد؛ وسلخه شديد التجفيف أيضا. وخاصيّة لحمه أنه ينفذ الفضول إلى الجلد، سيّما إذا كان الإنسان غير نقىّ. قال: ولحمه إذا استعمل أطال العمر، وقوّى القوّة، وحفظ الحواسّ «٢» والشباب- أمّا قوله: «أطال العمر» فيردّ هذا القول ما ورد فى الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «فرغ ربّك من أربع خلق وخلق ورزق وأجل» «٣» . وأما ما عدا ذلك فغير مردود عليه-. قال: وأكله ينفع من الجذام نفعا عظيما؛ وإذا استعمل على داء الثعلب «٤» نفع نفعا عظيما. ولحمها ومرقها بعد إسقاط طرفها يمنع تزيّد الخنازير «٥» ، وكذلك سلخها. ومرقتها إذا تحسّيت «٦» وأكل لحمها نفع من أوجاع العصب، وكذلك سلخها. قال: وسلخها إذا طبخ فى شراب وقطّر منه فى الأذن سكن وجعها؛ ويتمضمض بخلّ طبخ فيه السّلخ لوجع السّن. قال: وزعم جالينوس أنه إذا أخذت خيوط كثيرة، وخصوصا المصبوغة بالأرجوان، وخنق بها أفعى ولفّ واحد منها على عنق صاحب أورام اللهاة والحلق ظهر نفع عجيب. ومرقته ولحمه يقوّيان البصر. قال: واتفقوا على أنّ شحم الأفعى يمنع نزول الماء إلى العين، ولكنّ الإنسان لا يجسر على ذلك. وإذا شقّت الحيّة ووضعت على نهش الأفاعى سكن الوجع.

стр. 3408

ذكر شىء مما وصفت به الأفاعى قال بعض الشعراء يصف حيّة: لا ينبت العشب فى واد تكون به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر جرداء شابكة الأنياب «١» ذابلة ... ينبو من اليبس عن يافوخها «٢» الحجر لو شرّحت بالمدى ما مسّها بلل ... ولو تكنّفها «٣» الحاوون ما قدروا قد جاهدوها فما قام الرّقاة «٤» لها ... وخاتلوها «٥» فما نالوا «٦» ولا ظفروا يكبو لها الورل «٧» العادى إذا نفخت ... جبنا «٨» ويهرب منها الحيّة الذّكر وقال خلف الأحمر: وكأنّما لبست بأعلى جسمها ... بردا من الأثواب أنهجه «٩» البلى فى عينها قبل «١٠» وفى خيشومها ... فطس وفى أنيابها مثل المدى

стр. 3409

وقال آخر: أرقم كالدّرع فيه وشم ... منمنم الظّهر واللّبان «١» يزحف كالسّيل من تلاع ... كأن عينيه كوكبان يهشم ما مسّ من نبات ... ويجذب النّفس بالعنان وقال ابن المعتزّ: أنعت رقشاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السيف لم يعلق به بلل تلقى إذا انسلخت فى الأرض جلدتها ... كأنها كمّ درع قدّه بطل وقال الظاهر «٢» البصرىّ شاعر اليتيمة: سرت وصحبى وسط قاع صفصف ... إذ أشرفت من فوق «٣» طود مشرف رقشاء ترنو من قليب أجوف ... تومى «٤» برأس مثل رأس المجرف وذنب مندمج «٥» معقّف ... حتى إذا أبصرتها لا تنكفى «٦» علوتها بحدّ سيف مرهف ... [فظلّ «٧» يجرى دمها كالقرقف «٨» ] أتلفتها لما أرادت تلفى

стр. 3410

وقال خلف الأحمر: له عنق مخضّرة مدّ ظهره ... وشوم كتحبير اليمانى المرقّم إلى هامة مثل الرّحى مستديرة ... بها نقط سود وعينان كالدّم وقال آخر «١» : وحنش كحلقة السّوار ... غايته شبر من الأشبار كأنه قضيب ماء جارى ... يفترّ عن مثل تلظّى النّار وقال خلف الأحمر «٢» : صلّ صفّا لا تنطوى من القصر ... طويلة الإطراف من غير حسر «٣» داهية «٤» قد صغرت من الكبر ... مهروتة الشّدقين حولاء النّظر تفترّ عن عوج حداد كالإبر

стр. 3411

وقال أبو هلال العسكرىّ: وخفيفة الحركات تفترع الرّبى ... كالبرق يلمع فى الغمام الرّائح منقوطة تحكى صدور صحائف ... إبّان تبدو من بطون صفائح ترضى من الدنيا بظلّ صخيرة ... ومن المعيشة باشتمام روائح «١» وقال ابن المعتز: كأننى ساورتنى يوم بينهم ... رقشاء مجدولة فى لونها برق [كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصن تفتح فيه النّور والورق «٢» ] ينسل منها لسان تستغيث به ... كما تعوّذ بالسبّابة الفرق «٣» وقال الهذلىّ فى مزاحف الحيّات: كأنّ مزاحف الحيّات وهنا «٤» ... قبيل الصبح آثار السّياط وقال آخر: كأنّ مزاحفه أنسع «٥» ... جررن فرادى ومنها ثنى «٦»

стр. 3412

ذكر ما قيل فى العقارب قال الجاحظ: والعقارب أصناف: منها الجرّارة، والطيّارة، وماله ذنب كالحربة، وماله ذنب معقّف؛ وفيها السّود، والخضر، والصّفر. وهى من ذوات الذّرو «١» . ويقال: إنّ الأنثى من هذا النوع إذا حملت يكون حتفها فى ولادتها؛ لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتى تنقبها، وتكون الولادة من ذلك النّقب، فتخرج والأمهات ميتة. وفى ذلك يقول الشاعر: وحاملة لا تحمل الدّهر حملها ... تموت ويحيا «٢» حملها حين تعطب وقال أيضا: إنها تلد من فيها مرّتين، وتحمل أولادها على ظهرها وهى فى قدر القمل كثيرة العدد. قال: والعقرب شرّ ما تكون إذا كانت حبلى؛ ولها ثمان أرجل لها أظلاف مثل أظلاف الثور، وعيناها فى ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشىّ عليه ولا النائم، إلا أن يتحرّك شىء من بدنه؛ فإنها عند ذلك تضربه؛ وضربها له إنما هو من خوفها منه. وهى تأوى إلى الخنافس وتسالمها، وتصادق من الحيّات كلّ أسود سالخ. وربما لسعت الأفعى فتموت. وفيها ما يلسع بعضه بعضا فيموت الملسوع. ويقال: إنها تستخرج من بيوتها بالجراد؛ لأنها تحرص على أكله. ومتى أدخل الكّرّاث فى حجرها وأخرج تبعته وما معها من نوعها. وهى إذا خرجت من جحرها تضرب كلّ ما لقيته من حيوان أو نبات أو جماد.

стр. 3413

وقيل لبعض الأطبّاء: إنّ فلانا يقول: إنما أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع؛ فقال: ما أقلّ علمه بها! إنها تنفع إذا شقّ بطنها ووضعت على مكان اللّسعة. وقد تجعل فى جوف فخّار مسدود الرأس مطيّن الجوانب، ثم توضع الفخّارة فى تنّور؛ فإذا صارت العقرب رمادا سقى من ذلك الرماد من به حصاة نصف دانق فتفتّتها من غير أن تضرّ شيئا من الأعضاء. وقد تلسع من به حمّى عتيقة فتقلع عنه. وقد تلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج. وقد تلقى العقرب فى الدّهن وتترك فيه حتى يأخذ منها ويجتذب قواها، فيكون ذلك الدّهن مصرّفا للأورام الغليظة. وقال الشيخ الرئيس: زيت العقارب نافع من أوجاع الأذن. فهذه منافعها. وقال الجاحظ: ومن أعاجيب العقرب أنها لا تسبح ولا تتحرّك إذا ألقيت فى الماء، كان الماء جاريا أو ساكنا. قال: وهى تطلب الإنسان وتقصده؛ فإذا قصدها فرّت منه. وهى إذا ضربت الإنسان هربت هرب من قد أساء. قال: ومن أعاجيب ما فى العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول «١» يموت بعضها من لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعتها شىء [غير العقارب «٢» ] ، ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت وتلسع آخر فتموت هى؛ فدلّ ذلك على أنها كما تعطى تأخذ. ويقال: إن الذى تموت هى إذا لسعته تكون أمّه قد لسعت وهى حامل به. قال: ومن أعاجيبها أنها تضرب الطّست والقمقم النّحاس فتخرقه، وربما ضربته فثبتت إبرتها فيه. قال: والعقارب القاتلة تكون فى موضعين: بشهرزور من بلاد الجبل، وعسكر مكرم «٣» من بلاد الأهواز، وهى جرّارات؛ وإذا لسعت قتلت؛ وربما تناثر لحم من

стр. 3414

لسعته أو تعفّن ويسترخى حتى لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة إعدائه. وهى فى غاية الصغر؛ فإن أكبر ما يوجد منها تكون زنته دانقا واحدا؛ والذى يوجد منها كبيرا تكون زنته ثلاث حبّات أرز؛ فإن وزنت بشعيرة رجحت الشعيرة عنها. وهى مع نزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها. قال: وبنصيبين عقارب قتّالة يقال: إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهرزور ورمى بها فى كيزان بالمجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم «١» . وقد وصف الشعراء العقرب وشبّهوها فى أشعارهم ؛ فمن ذلك قول السّرىّ الرفّاء: سارية فى الظّلام مهدية ... إلى النفوس الرّدى بلا حرج شائلة «٢» ، فى ذنيبها حمة ... كأنها سبجة من السّبج «٣» وقال آخر: ونضوة «٤» تعرف باسم ولقب ... ما بين عينيها هلال منتصب موجودة معدومة عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب بخنجر تسلّه عند الغضب ... كأنه شعلة نار تلتهب وقال آخر: تحمل رمحا ذا كعوب مشتهر ... فيه سنان بالحريق مستعر أنّف «٥» تأنيفا على حين قدر ... تأنيف أنف القوس شدّت بالوتر

стр. 3415

وقال عبد الصمد بن المعذّل: [يدعو بها على عدوّ له «١» ] . يا ربّ ذى إفك كثير خدعه «٢» ... مستجهل الحلم «٣» خبيث مرتعه [يسرى إلى عرض الصديق قذعه ... صبّت عليه حين جمّت بدعه «٤» ] ذات ذنابى متلف من يلسعه ... تخفضه طورا وطورا ترفعه أسود كالسّبجة فيه مبضعه ... ينطف منه سمّه وسلمعه «٥» تسرع فيه الحتف حين [تشرعه ... يبرز كالقرنين حين «٦» ] تطلعه فى مثل صدر السّبت «٧» حين تقطعه ... لا تصنع الرقشاء ما قد تصنعه وقال ابن حمديس: ومشرعة بالموت للطعن صعدة «٨» ... فلا قرن إن نادته يوما يجيبها تذيقك حرّ السّمّ من وخز إبرة ... إذا لسبت «٩» ماذا يلاقى لسيبها إذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقان «١٠» دبّ فيها شحوبها لها سورة خصّت بمنكر صورة ... ترى العين فيها كلّ شىء يريبها لها طعنة لا تستبين لناظر ... ولا يرسل المسبار «١١» فيها طبيبها

стр. 3416

نسيت بها قيسا «١» وذكرى طعينه «٢» ... وقد دقّ معناها وجلّ ندوبها «٣» تجىء كأمّ الشّبل غضبى توقّدت ... وقد توّج اليأفوخ «٤» منها عسيبها «٥» عدوّ مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالى رقدة يستطيبها ولولا دفاع الله عنّا بلطفه ... لصبّت من الدنيا علينا خطوبها

стр. 3417

الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثالث فيما هو ليس قاتلا بفعله من ذوات السموم ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الخنافس، والوزغ، والضبّ، وابن عرس، والحرباء، والقنافذ، والفيران، والقراد، والنمل، والذرّ، والقمل، والصّؤاب. *** فأمّا الخنافس وما قيل فيها - قالوا: والخنافس تتولّد من عفونة الأرض. وهى أصناف، منها الخنفس المعروف؛ ومنها «الجعل» ويسمّى «الكبرتل» . وهو يتولّد من أخثاء البقر، وهو يموت إذا شمّ رائحة الطّيب، وإذا دفن فى الورد مات، وإذا أخرج منه ودفن فى الرّوث عاش. والغالب أنه لا يموت حقيقة وإنما يخدر وتبطل حركته؛ فإذا عولج بما نشأ منه قوى. والله أعلم. وله ستّ أرجل، وسنام مرتفع. وهو لا يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان. وجناحاه يظهران إذا أراد الطيران ويخفيان إذا مشى. ومن عادة الجعل أن يحرس النّيام؛ فمن قام منهم لقضاء الحاجة تبعه طمعا أنه إنما يريد الغائط؛ والغائط قوت الجعل. وقال أبو عثمان عمرو بن بحر: وزعم الأعراب أنّ بين ذكور الخنافس وإناث الجعلان تسافدا، وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا. قال: وأنشد سيويه لبعض الأعراب يهجو عدوّا له: عاديتنا يا خنفسا أمّ الجعل ... عداوة الأوعال حيّات الجبل

стр. 3418

ويقال: إنّ الجعل يظلّ دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان. والعرب تقول فى أمثالها: «ألجّ من خنفساء» و «أفحش من فاسية» وهى الخنفساء. وفى لجاجة الخنفساء يقول الأحمر «١» : لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء «٢» قليل الصواب ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب ومن أصناف الخنافس صنف يقال له «حمار قبّان» . وهو يتولّد فى «٣» الأماكن النديّة [على ظهره شبه المجنّ. ومنها صنف يسمّى «بنات وردان» . وهى أيضا تتولّد فى الأماكن النديّة «٤» ] ، وأكثر ما تكون فى الحمّامات والسّقايات. وفيها من الألوان الأسود، والأصهب، والأبيض. قال بعض الشعراء يصف بنات وردان: بنات وردان جنس ليس ينعته ... خلق كنعتى فى وصفى وتشبيهى كمثل أنصاف بسر أحمر تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه *** ومنها «الصّراصر والجنادب» «٥» . ولها صوت لا يفتر بالليل، فإذا طلع الفجر فقد. وفيه من الألوان الأسود وهو جندب «٦» الجبال والآكام السّود؛ والأبرق «٧» وهو جندب الطلح والسّمر والغضا؛ والأبيض وهو جندب الصحارى. قال السّرىّ الرّفّاء يصف جندبة:

стр. 3419

وجندبة تمشى بساق كأنّها ... على فخذ كالعود «١» منشار عرعر ممسّكة «٢» تجلو الجناح «٣» كأنّها ... عروس تجلّت فى عطاف «٤» معنبر *** وأمّا الوزغ وما قيل فيه - والوزغ يسمّى «سامّ أبرص» . وزعموا أنه أصمّ، وأنّ السبب فى صممه وبرصه أن الدوابّ كلّها حين ألقى إبراهيم ﵇ فى نار النّمرود كانت تطفئ عنه، وأنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص. وروى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها أنّها قالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ وفى يدى عكّاز فيه زجّ «٥» ، فقال: «يا عائشة ما تصنعين بهذا» ؟ قلت: أقتل به الوزغ فى بيتى؛ قال: «إن تفعلى فإنّ الدوابّ كلّها حين ألقى إبراهيم فى النار كانت تطفئ عنه وإنّ هذا كان ينفخ عليه فصمّ وبرص» . وفى حديث آخر عنها رضى الله عنها: أنّ رسول الله ﷺ قال للوزغ الفويسق. قالوا: وفى طبع الوزغ أنه لا يدخل إلى بيت فيه زعفران. والحيّات تألف الوزغ، كما تألف العقارب الحنافس. وهو يطاعم الحيّات ويزاقّها. وهو يقبل

стр. 3420

اللّقاح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيّة. وقيل: إنّ نصيبه من السّم نصيب متوسّط، لا يكمل أن يقتل، ومتى دبر «١» جاء منه سمّ قاتل. ومتى قتل ووضع على جحر حيّة هربت منه. وهو يقيم فى حجره أربعة أشهر الشتاء. وقال الشيخ الرئيس: إذا ضمد به على الشوك والسّلّاء «٢» جذبه، وعلى الثآليل «٣» يقلعها. قال: وقيل: إنّ المجفّف منه إذا خلط بالزيت أنبت الشعر على القرع. وبوله ودمه عجيب النّفع من فتق الصّبيان إذا جلسوا «٤» فى طبيخه. وقد يجعل فى بوله أو دمه شىء من المسك ويجعل فى إحليل الصبىّ فيكون بالغ النفع فى الفتق. وقيل: إنّ كبده تسكّن وجع الضّرس، وتشقّ وتوضع على لسع العقرب فيسكن. *** وأمّا الضبّ وما قيل فيه - قال الجاحظ فى كتاب الحيوان: إنّ من أعاجيب الضبّ أنّ له أيرين وللضبّة حرين؛ قال: وهذا شىء لا يعرف إلّا لهما. هذا قول الأعراب فى تخصيصهما بذلك. وقالت الحكماء: إنّ السّقنقور «٥»

стр. 3421

له أيران، والحرذون «١» كذلك. قال: وقال جالينوس: الضب الذى له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. ومما يستدلّ به على أنّ للضبّ أيرين قول الفزارىّ: سبحل «٢» له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف فى البلاد وناعل واسم أير الضبّ: النّزك. وسئل أبو حيّة النّميرىّ عن ذلك، فزعم «٣» أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة، الأصل واحد والفرع اثنان. وللأنثى مدخلان. وعلى ذلك أنشد الكسائىّ رحمه الله تعالى: تفرّقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرّق أير الضبّ والأصل واحد ويقال: إنّ الضبّة إذا أرادت أن تبيض حفرت فى الأرض حفرة ثم رمت بالبيض فيها وطمّته بالتراب، وتتعاهده كل يوم حتى يخرج، وذلك فى أربعين يوما. وهى تبيض سبعين بيضة وأكثر. وبيضها يشبه بيض الحمام. ويخرج الحسل وهو مطيق للكسب. قالوا: والضبّ يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدّق فى الشمس. وهو يغتذى بالنسيم، ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم. قال الجاحظ: وزعم عمرو بن مسافر: أنّ الضبّة تبيض ستين بيضة وتسدّ عليهنّ باب الحجر ثم تدعهنّ أربعين يوما، فيتفقّص «٤» البيض ويظهر ما فيه، فتحفر عنهن عند ذلك. فإذا كشفت عنهن أحضرن «٥» وأحضرت فى أثرهنّ، فتأكل

стр. 3422

ما أدركت منهنّ. ويحفر المنفلت منها لنفسه حجرا، ويرعى من البقل. فلذلك توصف بالعقوق. ويضرب به المثل فى أكل حسوله. وفى ذلك يقول الشاعر: أكلت بنيك أكل الضبّ حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد قالوا: وفى ذنب الضبّ من القوّة ما يضرب به الحيّة فربما قطعها. والضبّ طويل العمر. وفى طبعه أنه يرجع فى قيئه. وهو شديد الإعجاب بالتمر. ويقال: إنه يمكث ليلة بعد الذّبح ثم يقرّب إلى النار فيتحرّك. قال الجاحظ: وزعمت العرب أنّ الضبّ يعدّ العقرب فى جحره؛ فإذا سمع صوت الحرش «١» استثفرها «٢» فألزقها بأصل عجب «٣» ذنبه وضمّه عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته. وقيل: بل العقارب تألف الضّباب وتسالمها وتأوى إليها. قال التّميمىّ: أتأنس بى ونجرك غير نجرى ... كما أنس «٤» العقارب والضّباب والضبّ من الحيوان المأكول؛ إلّا أنّ العرب تعيّر بنى تميم بأكل لحم الضبّ. والدليل على إباحته ما جاء فى الحديث الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان فى بيت ميمونة «٥» رضى الله عنها، فقدّمت له مائدة وعليها ضبّ مشوىّ، فأهوى بيده ليأكل منه؛ فقيل له: يا رسول الله، إنه ضبّ؛ فرفع يده. فقال له

стр. 3423

خالد بن الوليد: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: «لا ولكنه ليس فى بلاد قومى فأنا لا آكله» ؛ فأكله خالد بن الوليد بحضرة رسول الله ﷺ فلم ينهه؛ ولو كان حراما لنهاه ﷺ عن أكله ولأخبر بتحريمه لمّا سئل عنه. وقال أبو نواس يعيّر بأكل الضبّ: إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا «١» كيف أكلك للضّبّ وقال عمرو «٢» بن الأهتم من أبيات: ورددناهم إلى حرّتيهم «٣» ... حيث لا يأكلون غير الضّباب وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: زبل الضبّ نافع لبياض العين، وينفع من نزول الماء. وقد وصفه الحمّانىّ فقال وذكر أرضا: ترى ضبّها مطلعا رأسه ... كما مدّ ساعده الأقطع له ظاهر مثل برد موشّى «٤» ... وبطن كما حسر الأصلع هو الضبّ ما مدّ سكّانه ... وإن ضمّه فهو الضّفدع

стр. 3424

وأما الحرباء وما قيل فيها - والحرباء لها أصابع، وأظنها لنبش التراب. ولونها أسود وأصفر ومختلط الألوان كالفهد. وهذه التسمية تقع على ذكورها وإناثها «١» . والحرباء إذا كان فى الشمس كان كثير التلوّن، فإذا انتقل إلى الظل كان أقل تلوّنا. وإذا قارب الموت أو مات أصفرّ. وهو أبدا يطلب الشمس، فإذا طلعت وجّه وجهه نحوها. فمتى غاب عنه جرمها فلا يراها أصابه نوع من الجنون. وإذا غابت الشمس ذهب ليطلب معاشه ليله كلّه حتى يصبح. ولسانه طويل جدّا، يقال: إنه مقدار ذراع، فهو يبلغ به ما بعد عنه من الذّباب. والأنثى منه تكنى أمّ حبين. وهو يوصف بالحزم لأنه حيث ينظر إلى الشمس يقبض بيده على خوط «٢» ، فإذا تقلّب نحو الشمس حيث ما مالت [لا «٣» ] يرسل ذلك الخوط من يده حتى يقبض بيده الأخرى خوطا آخر. وفيه يقول الشاعر «٤» : أنّى أتيح له «٥» حرباء تنضبة «٦» ... لا يرسل السّاق إلا ممسكا ساقا

стр. 3425

وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه يلومه على مقامه بوطنه حين «١» نبابه؛ فقال من رسالة: «أعجزت فى الإباء، عن خلق الحرباء؛ أدلى لسانا كالرّشاء، يبلغ به ما يشاء؛ وناط همّته بالشمس، مع بعدها عن اللمس؛ وأنف من ضيق الوجار، ففرّخ فى الأشجار؛ وسئم العيش المسخوط، فاستبدل خوطا بخوط؛ فهو كالخطيب، على الغصن الرّطيب. وإنّ صواب الرّأى والحزم لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا وقال ذو الرّمّة: كأنّ يدى حربائها متشمّسا ... يدا مذنب «٢» يستغفر الله تائب وقال فيه أيضا: وقد جعل الحرباء يصفرّ «٣» لونه ... وتخضرّ من لفح الهجير غباغبه «٤» ويشبح «٥» بالكفّين شبحا كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه

стр. 3426

وقال فيه أيضا: يصلّى «١» بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذع إلّا أنّه لا يكبّر إذا حوّل «٢» الظّلّ العشىّ رأيته ... حنيفا وفى وقت «٣» الضّحى يتنصّر *** وأمّا ابن عرس وما قيل فيه - وابن عرس من حيوان البيوت، وهو حديد النفس شجيع فطن. وأكثر ما يكون بمصر فى المنازل. وله صوت قوىّ يدلّ على شجاعته. وقيل: إنه الحيوان المسّمى «بالدّلق» «٤» ، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد. وفى طبعه أنه يسرق ما يظفر به من الذّهب، والفضّة، وأنه متى وجد حبوبا متفرّقة خلطها. وهو عدوّ الفأر يصيده ويقتله، والفأر يخافه. وقال الجاحظ: وابن عرس يقاتل الحيّة؛ وإذا قاتلها بدأ بأكل السّذاب؛ لأنّ الحيّة تؤلمها رائحة السّذاب؛ كما قدّمنا. وابن عرس يفعل فى الطير ما يفعل الذئب فى الغنم من الذّبح. وهو إذا عجز عن الوصول إليها استدار بعجزه وفسا إلى جهتها، فربما قتل الفراريج رائحة فسائه.

стр. 3427

ومن ذكائه وفطنته ما حكى: أنّ رجلا صاد فرخا منها فجعله فى قفص؛ فرأته أمّه فذهبت وعادت بدينار فى فمها فألقته بين يدى الرجل كأنها تريد فداء ولدها منه به، فتركه ولم يتناوله، فذهبت وأتت بدينار آخر فلم يأخذه، فلم تزل تذهب وتعود فى كل مرّة بدينار إلى خمسة دنانير وهو لا يمسك الذهب، فذهبت وعادت بصرّ فارغة وألقتها بين يديه كأنها تقول: إنه لم يبق شىء؛ فلم يطلق ولدها ولا ضمّ الدنانير. فلمّا رأته على ذلك عمدت إلى دينار منها فأخذته وعادت به إلى جحرها؛ فخشى أن تفعل ذلك ببقيّة الدنانير، فأخذها وأطلق فرخها؛ فأعادت إليه الدينار. وقالت الحكماء: لحم ابن عرس نافع من الصّرع. والله أعلم «١» . *** وأمّا القنافذ وما قيل فيها - وواحدها قنفذ. وهى صنفان: قنفذ ودلدل. فالقنفذ يكون بأرض مصر فى قدر الفأر. والدلدل يكون بالشأم والعراق وخراسان فى قدر الكلب القلطىّ «٢» . ويقال: إنه يسفد «٣» قائما وبطن الأنثى لاصق ببطن الذكر. والأنثى تبيض خمس بيضات؛ وليس هو كالبيض الذى له قشر يابس بل هو شبيه باللّحم. وتصرّف القنافذ بالليل أكثر من تصرّفها بالنهار. قال أيمن بن خريم: كقنفذ الرّمل لا تخفى مدارجه ... حتى إذا نام عنه الناس لم ينم

стр. 3428

والقنفذ يستأنس فى البيوت، ويختفى أياما ثم يظهر. وهو إذا جاع صعد إلى الكروم وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق؛ فإن كان له فراخ تمرّغ على ما بقى فيشتبك فى شوكه، وذلك بعد تفريطه من عمشوشه «١» ، ويذهب به إلى فراخه. وهو مولع بأكل الأفاعى، ولا يبالى قبض على رأسها أو غيره من بدنها، فإنه إن قبض على رأسها أكلها بغير كلفة عليه ولا مشقّة؛ وإن قبض على وسطها أو ذنبها استدار وتجمّع ونفخ بدنه، فمتى ضربته أصابها شوكه، فهى تهرب منه؛ وطلبه لها بقدر هربها منه. والدّلدل إذا رأى ما يكرهه انقبض فيخرج منه شوك كالمدارى فى طول الشّبر، فيجرح ما يصيبه من الحيوان. ويقال: إنّ شوكه شعر، وإنما لمّا غلظ وغلب عليه اليبس صار شوكا. وقال ابن سينا: فى رماد القنفذ جلاء وتحليل. وملحه ينفع «٢» من داء الفيل. ولحمه ينفع من الجذام؛ لشدّة تحليله وتجفيفه. ولحمه المملّح ينفع من الفالج والتّشنّج وأمراض العصب كلّها وداء الفيل، وينفع من السّلّ ومن سوء المزاج. ومملوحه مع السّكبينج «٣» جيّد للاستسقاء ووجع الكلى، وينفع من يبول من الصبيان فى الفراش؛ حتى إنّ إدمان أكله ربما عسّر البول. ولحمه ينفع من الحمّيات المزمنة ومن نهش الهوامّ. والله أعلم.

стр. 3429

وقد وصفه البلغاء والشعراء فى رسائلها وأشعارها - فمن ذلك ما قاله الأمير شمس المعالى «١» من رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه وقد أهدى له دلدلا: «قد أتحفتك يا سيّدى بعلق نفيس، وتحفة رئيس؛ يتعجّب المتأمّل من أحواله، ويحار الناعت فى أوصافه وأعماله؛ ويتبلّد المعتبر فى آياته، ويكلّ الناظر فى معجزاته؛ فما يدرى ببديهة النظر والفؤاد، أمن الحيوان هو أم من الجماد؛ حتى إذا أعطى متدبّره النّظر أوفى حقوقه، والفحص أكمل شروطه، علم أنه كمّى سلاحه فى حضنه، ورام سهامه فى ضمنه؛ ومقاتل رماحه على ظهره، ومخاتل سرّه خلاف جهره، ومحارب حصنه من نفسه؛ يلقاك بأخشن من حدّ السيف، ويستتر بألين من وبر الخيف «٢» . متى جمّع أطرافه، وضمّ إليه أصوافه؛ حسبته رابية ناتيه، أو تلعة باديه. وهو أمضى من الأجل، وأرمى من بنى ثعل «٣» . إن رأته الأراقم رأت حتف نفسها، أو عاينته الأساود أيقنت بفناء جنسها؛ صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه، وفارس ظلام لا يخاف من حنادسه؛ فيه من الضّبّ مثل، ومن الفأر شكل؛ ومن الورل نسب، ومن الدّلدل سبب. ومن أوابده أنه يسودّ إذا هرم وشاب، ويصير كأكبر ما يكون من الكلاب.

стр. 3430

وقال أبو محمد اليزيدىّ «١» [يذكر قنفذا «٢» رآه، فأطعمه وسقاه] : وطارق ليل جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلّا ما تحدّث سامر قريناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفّاق الحشى وهو سادر «٣» جميل المحيّا فى الرّضا فاذا أبى «٤» ... حمته من الضيم الرّماح الشّواجر ولست تراه واضعا لسلاحه ... مدى الدّهر موتورا ولا هو واتر وقال [آخر «٥» ] من أبيات يرثيه فيها ويصفه: عجبت له من شيهم «٦» متحصّن ... بنبل من السّرد «٧» المضاعف تبرق وأنّى اهتدى سهم المنيّة نحوه ... وفى كلّ عضو منه سهم مفوّق ولو كان كفّ الدهر تستخشن الرّدى ... لكان بكفّ الدّهر لا يتعلّق وقال أبو «٨» بكر الخوارزمىّ يصفه: ومدجّج وسلاحه من نفسه ... شاكى الدّوابر أعزل الأقبال

стр. 3431

يمسى ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عددا من الأميال وتراه يكمن بعضه فى بعضه ... فتطيش عنه أسهم الأهوال عيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكى ثدىّ رضاعة الأطفال وكأنّ أقلاما غرزن بظهره ... مسّ المداد رءوسها ببلال تتهارب الحيّات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالى وكأنّه الخنزير إلّا جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال *** وأمّا الفئران وما قيل فيها - قد سمّاها رسول الله ﷺ الفويسقة. والفأر ضروب تقع على جميعها هذه التّسمية وهى «الجرذ» و «الفأر» معروفان- وهما كالجواميس والبقر- و «الزّباب» و «الخلد» و «اليربوع» و «فأرة البيش» «١» و «فأرة المسك» و «فأرة الإبل» . فأمّا الجرذ والفأر - وهما من حيوان البيوت والبرّ. قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الفأر مما جمع له بين حاسّة السمع والبصر. وليس فى الحيوان أفسد منه. ومن فساده أنه يجد قارورة الدّهن وهى ضيّقة الفم فيدخل ذنبه فيها

стр. 3432

ويمتصّه. فإن قصر ذنبه عن بلوغ الدّهن عمد إلى النّوى والأحجار الصّغار فيلقيهما فيها، فيطفو ما فيها فيمتصّه بذنبه، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفد جميع ما فيها. وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنّه، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان مرتفع إلى مستفل فتنكسر؛ فإن عجّزه ذلك استعان بفأر آخر فيعتنقها أحدهما بيديه ورجليه وينقلب على قفاه؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلّق به فى حائط؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها جميعا. أخبرنى بذلك من شاهده. والمثل يضرب به فى الفساد والسّرقة والنسيان والحذر. وفى طبع الجرذ البرّىّ وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق خوفا من الحافر «١» [أن يهدم عليه «٢» بيته] . ويقال: إنه يخلق من الطّين، وإنه يتولّد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها «٣» . وقال صاحب كتاب مباهج الفكر: إنه رأى ذلك عيانا «٤» فى سفط «٥» ميدوم من جيزة مصر. وقال الجاحظ: لعمرى إن جرذان أنطاكية لتساجل السّنانير فى الحرب، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. قال: وهى بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم. قال: ومن الفأر ما إذا عضّ قتل. قال: ومن الأعاجيب

стр. 3433

فى قرض الفأر أنّ قوما من أهل الفراسة ينظرون إلى قرضه ويتفرّسون منه أحوالا. ويزعمون أنّ أبا جعفر المنصور نزل فى بعض القرى فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ؛ فقال لهم الرّفّاء: إنّ هاهنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير وشرّ، فما عليكم أن تعرضوه عليهم قبل إصلاحه؟ فبعث المنصور إلى شيخهم؛ فلما نظر إلى موضع القرض وثب قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذّابا. وفى الفأر منافع ذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا، فقال: دم الفأر يقلع الثآليل، وزبله نافع على داء الثعلب وخصوصا لطخا بالعسل، وخصوصا المحرق. قال: وإذا شوى الفأر وجفّف وأطعم الصبىّ انقطع سيلان اللّعاب من فمه. قال: واتّفق الناس أنّ الفأر إذا شقّ ووضع على لدغ العقرب نفع. والله أعلم. وقد وصف الشعراء الفأر وشبّهوه فى أشعارهم وذكروا سوء فعله. فمن ذلك قول أعرابىّ [وقد دخل البصرة فاشترى خبزا فأكله الفأر «١» ] : عجّل ربّ الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب حتى يعجّلن إلى التّباب ... كحل العيون وقص «٢» الرّقاب مجرّرات فضل الأذناب ... مثل مدارى «٣» الطّفلة الكعاب

стр. 3434

كيف لها بأنمر وثّاب «١» ... منهرت الشّدق حديد النّاب كأنما يكشر عن حراب ... يفرسها كالأسد الوثّاب وقال أبو بكر «٢» الصّنوبرىّ: يالحدب الظّهور قعس «٣» الرّقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب للطاف آذانها «٤» والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب خلقت للفساد مذخلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب ناقبات فى الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النّقّاب آكلات كلّ المآكل لا تس ... أمها شاربات كلّ الشّراب آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب وقال فى فأرة بيضاء: وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لإطعام السّنانير إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور

стр. 3435

وأمّا الزّباب - فإنه فأر أصمّ، يكون فى الرمل. والعرب تضرب به المثل فى السرقة. يقولون: «أسرق من زبابة» . وأمّا الخلد - فهو أعمى لا يدرك شيئا إلّا بالشّمّ «١» ، [إلا أن «٢» ] عينيه كاملتان، لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشقّ. وهو ترابىّ مستقرّ فى باطن الأرض؛ وهى له كالماء للسمك. وليس له على ظهر الأرض قوّة ولا نشاط؛ بل يبقى مطروحا كالميّت فتخطفه الجوارح أو يموت. وهو حديد حاسّة الشمّ. ومتى شمّ رائحة طيّبة هرب. وهو يحبّ رائحة الكرّاث والبصل؛ وربما صيد بهما. ومن دأبه طول الكدّ ودوام الحفر. وفى تركيبه أنه لا يفرط فى الطّلب ولا يقصّر عنه. وله وقت يظهر فيه لا يخطئه ولا يغلط «٣» فى المقدار. ويضرب به المثل فى حدّة السمع؛ فيقال: «أسمع من خلد» . *** وأما اليربوع - فهو حيوان طويل الرّجلين، قصير اليدين جدّا. وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، فى طرفه شبه التّوارة. ولونه لون الغزال. ويقال لولده «درص» ، والجمع أدراص. قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: كلّ دابة حشاها الله خبثا فهى قصيرة اليدين. وهو يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها
следующие страницы →