Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
يمسى ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عددا من الأميال
وتراه يكمن بعضه فى بعضه ... فتطيش عنه أسهم الأهوال
عيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكى ثدىّ رضاعة الأطفال
وكأنّ أقلاما غرزن بظهره ... مسّ المداد رءوسها ببلال
تتهارب الحيّات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالى
وكأنّه الخنزير إلّا جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال
*** وأمّا الفئران وما قيل فيها
- قد سمّاها رسول الله ﷺ الفويسقة. والفأر ضروب تقع على جميعها هذه التّسمية وهى «الجرذ» و «الفأر» معروفان- وهما كالجواميس والبقر- و «الزّباب» و «الخلد» و «اليربوع» و «فأرة البيش» «١» و «فأرة المسك» و «فأرة الإبل» .
فأمّا الجرذ والفأر
- وهما من حيوان البيوت والبرّ. قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الفأر مما جمع له بين حاسّة السمع والبصر. وليس فى الحيوان أفسد منه. ومن فساده أنه يجد قارورة الدّهن وهى ضيّقة الفم فيدخل ذنبه فيها
стр. 3432
ويمتصّه. فإن قصر ذنبه عن بلوغ الدّهن عمد إلى النّوى والأحجار الصّغار فيلقيهما فيها، فيطفو ما فيها فيمتصّه بذنبه، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفد جميع ما فيها.
وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنّه، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان مرتفع إلى مستفل فتنكسر؛ فإن عجّزه ذلك استعان بفأر آخر فيعتنقها أحدهما بيديه ورجليه وينقلب على قفاه؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلّق به فى حائط؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها جميعا.
أخبرنى بذلك من شاهده. والمثل يضرب به فى الفساد والسّرقة والنسيان والحذر.
وفى طبع الجرذ البرّىّ وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق خوفا من الحافر «١» [أن يهدم عليه «٢» بيته] . ويقال: إنه يخلق من الطّين، وإنه يتولّد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها «٣» . وقال صاحب كتاب مباهج الفكر: إنه رأى ذلك عيانا «٤» فى سفط «٥» ميدوم من جيزة مصر.
وقال الجاحظ: لعمرى إن جرذان أنطاكية لتساجل السّنانير فى الحرب، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. قال: وهى بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم. قال: ومن الفأر ما إذا عضّ قتل. قال: ومن الأعاجيب
стр. 3433
فى قرض الفأر أنّ قوما من أهل الفراسة ينظرون إلى قرضه ويتفرّسون منه أحوالا.
ويزعمون أنّ أبا جعفر المنصور نزل فى بعض القرى فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ؛ فقال لهم الرّفّاء: إنّ هاهنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير وشرّ، فما عليكم أن تعرضوه عليهم قبل إصلاحه؟
فبعث المنصور إلى شيخهم؛ فلما نظر إلى موضع القرض وثب قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذّابا.
وفى الفأر منافع ذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا، فقال: دم الفأر يقلع الثآليل، وزبله نافع على داء الثعلب وخصوصا لطخا بالعسل، وخصوصا المحرق. قال:
وإذا شوى الفأر وجفّف وأطعم الصبىّ انقطع سيلان اللّعاب من فمه. قال: واتّفق الناس أنّ الفأر إذا شقّ ووضع على لدغ العقرب نفع. والله أعلم.
وقد وصف الشعراء الفأر وشبّهوه فى أشعارهم وذكروا سوء فعله. فمن ذلك قول أعرابىّ [وقد دخل البصرة فاشترى خبزا فأكله الفأر «١» ] :
عجّل ربّ الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى التّباب ... كحل العيون وقص «٢» الرّقاب
مجرّرات فضل الأذناب ... مثل مدارى «٣» الطّفلة الكعاب
стр. 3434
كيف لها بأنمر وثّاب «١» ... منهرت الشّدق حديد النّاب
كأنما يكشر عن حراب ... يفرسها كالأسد الوثّاب
وقال أبو بكر «٢» الصّنوبرىّ:
يالحدب الظّهور قعس «٣» الرّقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب
للطاف آذانها «٤» والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب
خلقت للفساد مذخلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب
ناقبات فى الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النّقّاب
آكلات كلّ المآكل لا تس ... أمها شاربات كلّ الشّراب
آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب
وقال فى فأرة بيضاء:
وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لإطعام السّنانير
إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور
стр. 3435
وأمّا الزّباب
- فإنه فأر أصمّ، يكون فى الرمل. والعرب تضرب به المثل فى السرقة. يقولون: «أسرق من زبابة» .
وأمّا الخلد
- فهو أعمى لا يدرك شيئا إلّا بالشّمّ «١» ، [إلا أن «٢» ] عينيه كاملتان، لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشقّ. وهو ترابىّ مستقرّ فى باطن الأرض؛ وهى له كالماء للسمك. وليس له على ظهر الأرض قوّة ولا نشاط؛ بل يبقى مطروحا كالميّت فتخطفه الجوارح أو يموت. وهو حديد حاسّة الشمّ. ومتى شمّ رائحة طيّبة هرب. وهو يحبّ رائحة الكرّاث والبصل؛ وربما صيد بهما. ومن دأبه طول الكدّ ودوام الحفر. وفى تركيبه أنه لا يفرط فى الطّلب ولا يقصّر عنه. وله وقت يظهر فيه لا يخطئه ولا يغلط «٣» فى المقدار. ويضرب به المثل فى حدّة السمع؛ فيقال: «أسمع من خلد» .
*** وأما اليربوع
- فهو حيوان طويل الرّجلين، قصير اليدين جدّا. وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، فى طرفه شبه التّوارة. ولونه لون الغزال. ويقال لولده «درص» ، والجمع أدراص. قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: كلّ دابة حشاها الله خبثا فهى قصيرة اليدين. وهو يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها
стр. 3436
له مقام الماء. وهو يؤثر النسيم ويكره البخار «١» . وهو يتّخذ حجره على نشز من الأرض ويحفره، ويفتح له أبوابا على مهبّ الرياح وتسمّى «النّافقاء» «٢» و «القاصعاء» و «الدّامّاء» و «الرّاهطاء» . فإذا طلب من أحد هذه الأبواب خرج من الآخر.
وهو يجترّ ويبعر. وله كرش وأسنان وأضراس. وهو من الحيوان الذى ينقاد إلى رئيس منه. والرئيس منها إذا كان فيها يرتفع عنها فيكون فى مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق. فإن رأى ما يخافه عليها صرّ بأسنانه وصوّت، فتسمعه فتنصرف إلى حجرتها؛ وإن أغفل ذلك ورأت ما تخافه قبل أن يراه قتلته، لتضييعه الحزم وغفلته، ونصبت غيره لرياستها. وإذا أرادت اليرابيع الخروج من حجرتها لطلب المعاش خرج الرئيس قبلها وأشرف؛ فإذا لم ير ما يخافه عليها صرّ لها وصوّت فتخرج. قالوا: ويتولّد من اليربوع والفأرة ولد يسمى «القرنب» .
*** وأما فأرة المسك
- فقال الجاحظ: إنها دويبّة تكون فى بلاد تبّت «٣» تصاد لنوافجها وسررها. فإذا اصطيدت عصبت سرّتها بعصاب وهى مدلّاة فيجتمع فيها دمها؛ فإذا اجتمع ذبحت، ثم تقوّر السّرّة المعصوبة وتدفن فى الشّعير حينا
стр. 3437
فيستحيل ذلك الدّم المختنق الجامد مسكا ذكيّا بعد أن كان منتنا. ويقال: إن هذه الفأرة توجد فى بلاد الزّابج «١» وتحمل إلى السّند، وإن المسك يخرج من خصيتى ذكورها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب. ويقال: إن الفأر الفارسىّ أطيب ريحا من كل طيب، وربما ضاهى ريح المسك. وهو أجرد أشقر، شعره إلى الصّفرة، شديد كحل العينين، طويل الأذنين، قصير الذّنب.
*** وأما فأرة الإبل
- فليست بحيوان، وإنما هى رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورد ينتجها طيب الرّعى. قال الشاعر «٢» :
لها فأرة ذفراء «٣» كلّ عشيّة ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه
*** وأمّا القراد وما قيل فيه
- فقد قالوا: أوّل ما يكون «قمقامة» «٤» وهو الذى لا يكاد يرى من صغره، ثم يصير «حمنانة» ثم يصير «قرادا» ثم يصير «حلما» .
ويقال للقراد: «العلّ» و «الطّلح» و «القتين» و «البرام» و «القرشام» .
стр. 3438
والقراد يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتّلطّخ بالثّلط «١» والأبوال؛ كما يخلق القمل من عرق الإنسان. وفى طبع القراد أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها؛ حتى إنّ أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الأرشية «٢» وآلات السّقى، فتبيت الرجال عند البئر تنتظر مجىء الإبل، فيعرفون قربها من القراد بانبعاثه فى جوف الليل وسرعة حركته ومروره، فإذا رأوا ذلك منه تهيّئوا للعمل.
ويقول من اعتنى بالحيوان وتكلّم فى طبائعه: إنّ لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه.
وهم يضربون المثل بالقراد فى أشياء، فيقولون: «أسمع من قراد» ، و «ألزق «٣» من قراد» ، وما هو إلا قراد ثفر «٤» . وأنشد الجاحظ لبعض الشعراء فى القراد:
ألا يا عباد الله هل لقبيلة ... إذا ظهرت فى الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هى تتهى ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
*** وأمّا النّمل والذّرّ وما قيل فيهما
- قال الله : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)
. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله ﷺ نزل منزلا
стр. 3439
فانطلق لحاجة فجاء من حاجته وقد أوقد رجل على قرية نمل إمّا فى شجرة وإمّا فى الأرض؛ فقال رسول الله ﷺ : «من فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال:
«نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فعضّته نملة فقام إلى نمل كثير تحت الشجرة فقتلهنّ فقيل له: أفلا نملة واحدة» . وعنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النّمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحن الله فهلّا نملة واحدة» . وجاء فى الأثر: أنّ سليمان بن داود ﵉ خرج يستسقى، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن سقيك؛ فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا. فقال للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعاء غيركم.
وقال الجاحظ: وكان ثمامة يزعم أنّ النمل ضأن الذّرّ. قال: والذى عندى أنّ النمل والذرّ مثل الفأر والجرذ، والبقر والجواميس. قال: والذّرّ أجود فهما وأصغر جثّة.
وزعم ابن أبى الأشعث أنّ النمل لا يتزاوج ولا يتوالد ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شىء حقير فى الأرض فينمو حتى يصير بيظا «١» فيتكوّن منه.
والنمل من الحيوان المحتال فى طلب المعاش يتفرّق لذلك؛ فإذا وجد شيئا أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه. وكلّ واحد مجتهد فى إصلاح شأن العامّة
стр. 3440
غير مختلس لشىء من الرزق دون صحبه. ويقال: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله فى طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر، فيتسلّق فى الحائط ويمشى على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقى نفسه عليه. وفى طبعه وعادته أن يحتكر فى زمن الصيف لزمن الشتاء. وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّندّى من مجاورة بطن الأرض، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها. وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر فى موضع القطمير من وسط الحبّة (وهو الموضع الذى يبتدئ منه النّبات) ؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافا؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعا، لأن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت. فالنمل من هذا الوجه فى غاية الحزم. فسبحان الملهم لا إله غيره.
وليس شىء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة.
والنّمل يشمّ ما ليس له ريح ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا. ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته. وفى ذلك يقول أبو العتاهية:
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتّى يطير فقد دنا عطبه
ومن أصناف النّمل صنف يسمّى «نمل الأسد» ؛ سمّى بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل. وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنه متولّد، وأن أباه أكل لحما، وأمّه أكلت نباتا، فنتج بينهما على هذه الصفة.
وقد وصفه الشعراء؛ فمن ذلك قول شاعر «١» :
غزاة يولّى الليث عنهنّ هاربا ... وليست لها نبل حداد ولا عمد
стр. 3441
قصار الخطا حمش القوائم ضمّر ... مشمّرة لا تشتكى الأين والحرد «١»
وتعدو على الأقران فى حومة الوغى ... نشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا ذكرت طيب الهياج تنّفست ... تنفّس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان «٢» تريد قضاضة ... وتلك الصّعاليك الغرائب فى البلد «٣»
وفيهنّ أجناس تشابهن صورة ... وباينّ فى الهمّات واللون والجسد «٤»
فمنهنّ كمت كالعناكيب أرجلا ... وساع الخطا قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هى خلّدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرّشد
وسود خفاف الجسم لو عضّت الصّفا ... رأيت الصّفا من وقع أسنانها قدد «٥»
يفدن علينا مفسدات جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وحىّ أناخوا فى المنازل باللّوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا
إذا اختلفوا فى الدار ظلّت كأنها ... تبدّد فيها الريح بزر قطونا
إذا طرقوا قدرى مع الليل أصبحت ... بواطنها مثل الظواهر جونا
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا «٦» ... كما مرّ مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفّا فى الديار كأنما ... يجرّون خيطا فى التراب منينا «٧»
стр. 3442
وفى كل بيت من بيوتى قرية ... تضمّ صنوفا منهم وفنونا
فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة ... وفيه قريّات يسعن مئينا
*** وأمّا القمل والصّؤاب وما قيل فيهما
- قال الجاحظ: ذكروا عن إياس بن معاوية أنه يزعم أنّ الصّئبان ذكورة القمل، وأنّ القمل من الشكل الذى تكون إناثه أعظم من ذكورته.
قال الجاحظ: والقمل يعترى من العرق والوسخ إذا علاهما ثوب أو ريش أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم. والقملة يكون لونها بحسب لون الشعر فى السّواد والبياض والشّمط وفى لون الحضاب، وينصل إذا نصل. قال:
والقمل يعرض لثياب كل إنسان إذا عرض لها الوسخ أو العرق أو الخموم، إلا ثياب المجذّمين فإنهم لا يقملون. وإذا قمل إنسان وأفرط عليه القمل زأبق رأسه فيتناثر القمل. قال: وربما كان الإنسان قمل الطّباع وإن تنظّف وتعطّر وبدّل أثوابه؛ كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوّام رضى الله عنهما، حتى استأذنا رسول الله ﷺ فى لباس الحرير؛ فأذن لهما فيه لهذه الضرورة ولدفع هذا الضرر.
وقد وصف الشعراء القمل فى أشعارهم؛ فمن ذلك قول بعض العقيليّين وقد مرّ بأبى العلاء العقيلىّ وهو يتفلّى، فقال:
وإذا مررت به مررت بقانص ... متصيّد فى شرقة «١» مقرور
للقمل حول أبى العلاء مصارع ... ما بين مقتول وبين عقير «٢»
стр. 3443
فكأنهنّ إذا علون قميصه ... فذّ وتوءم سمسم مقشور
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى بعدو «١» مغير
وقال الحسن بن هانئ فى رجل اسمه أيّوب:
من ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيّوب ثيابه «٢»
يكفيه منها نظرة ... فتعلّ من علق «٣» حرابه
يا ربّ «٤» محترز بجي ... ب الرّدن تكنفه صؤابه
فاشى النّكاية «٥» غير مع ... لوم إذا دبّ انسيابه
أو طامرىّ «٦» واثب ... لم ينجه عنه وثابه
أهوى له بمزلّق ال ... عرنين إصبعه نصابه «٧»
لله درّك من أخى ... قنص أصابعه كلابه
стр. 3444
القسم الخامس من الفن الثالث فى أجناس الطير وأنواع السمك
وفيه سبعة أبواب: ستة منها فى الطير، وباب فى السمك. وذيّلت عليه بباب ثامن أوردت فيه ذكر شىء مما قيل فى آلات صيد البرّ والبحر.
قال الجاحظ فى كتاب الحيوان: إنّ الحيوان على أربعة أقسام: شىء يطير، وشىء يعوم، وشىء ينساح، وشىء يمشى؛ إلّا أنّ كل طائر يمشى، وليس كلّ شىء يمشى طائرا. قال: واسم طائر يقع على ثلاثة أشياء: صورة، وطبيعة، وجناح؛ وليس بالرّيش والفوادم والأباهر «١» والخوافى يسمى طائرا ولا بعدمه يسقط ذلك عنه.
ألا ترى أنّ الخفّاش والوطواط من الطير وإن كانا أمرطين ليس لهما ريش ولا زغب ولا شكير.
قال: والطير كلّه سبع وبهيمة وهمج. والسّباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق، والأحرار، والجوارح. ومنها البغاث، وهو كلّ ما عظم من الطير سبعا كان أو بهيمة إذا لم يكن من ذوات السّلاح والمخالب المعقّفة كالنّسور والرّخم والغربان وما أشبهها من لئام السّباع. ثم الخشاش وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه وكان عديم السلاح.
وقال: إذا باض الطائر بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتلطيف بل يكون الجانب الذى يبدأ بالخروج الجانب الأعظم. وما كان من البيض مستطيلا
стр. 3445
محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذكور.
والبيضة عند خروجها تكون ليّنة القشر غير جاسئة ولا يابسة ولا جامدة. قال:
والبيض الذى يتولّد من الريح والتراب أصغر وألطف، وهو فى الطّيب دون الآخر.
ويكون بيض الريح من الدّجاج والقبج «١» والحمام والطاوس والإوزّ. قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض يكون صلاحا لبدن الطائر كما يكون صلاحا لبدن البيض.
قال: وزعم ناس أنّ بيض الرّيح إنما يكون عن سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما، فإن ذلك قد عرف من فراريج لم ترديكا قطّ. والآخر أن بيض الرّيح لم يكن منه فروخ قطّ. وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه فى الشتاء.
فهذه جمل من أحوال الطير فرّقها الجاحظ فى كتابه فى عدّة مواضع جمعناها وألّفنا بعضها إلى بعض. فلنذكر كلّ جنس من الطير، ونشرح ما يخصّه من الكلام وما قيل فيه. وغير الجاحظ قسّم الطير إلى أقسام، فجعل منها سباعا، وكلابا، وبهائم، وبغاثا، وليليّا، وهمجا؛ وعلى ذلك بوّبنا هذا القسم؛ على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 3446
الباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الثالث فى سباع الطير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى العقاب والبزاة والصقور والشّواهين، وأصناف ذلك، وما يتصف به كلّ طير منها وما فيه من الطبائع والعادة، وما يصيد، وما فيه من الأمارات الدّالّة على نجابته وفراهته، وغير ذلك مما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
ذكر ما قيل فى العقاب
يقال: إنّ العقاب جميعه أنثى وليس فيه ذكر. ويسمى عند أهل اللغة «العنقاء» . وهى «عقاب» و «زمّج» .
فأما العقاب
فيقال: إنّ ذكورها من طير آخر لطيف الجرم. وهى تبيض فى الغالب ثلاث بيضات فيخرج لها فرخان. قال الجاحظ: ثم اختلفوا، فقال بعضهم: لأنها لا تحضن إلّا بيضتين؛ وقال آخرون:
قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ ولكنها ترمى بالواحد استثقالا للتكليف على ثلاثة؛ وقال آخرون: ليس ذلك إلّا لما يعتريها من الضعف عند الصيد، كما يعترى النّفساء من الوهن والضعف. وهى تحضن ثلاثين يوما. وما عداها من الجوارح تبيض بيضتين فى كل سنة وتحضن عشرين يوما.
قالوا: وفى طبع الذكر أنه يمتحن أنثاه هل هى محافظة له أو مؤاتية لغيره من غير جنسه، بأن يصوّب نظر فرخيه إلى شعاع الشمس، فإن ثبت عليه تحقّق أنها فراخه وأمسكها، وإن نبا بصره عن شعاع الشمس ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية وطردها من وكره ورمى بالفرخين.
стр. 3447
والعقاب خفيفة الجناح، سريعة الطيران، فهى إن شاءت ارتفعت على كل شىء وإن شاءت كانت بقربه. يقال: إنها تتغدّى بالعراق وتتعشّى باليمن. وربما صادت حمر الوحش، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها فى الماء حتى يبتلّ جناحاها، ثم تتمرّغ فى التراب وتطير حتى تقع على هامة الحمار، ثم تصفّق على عينيه بجناحيها فتملؤهما ترابا، فلا يرى الحمار أين يذهب فيؤخذ. وهى مولعة بصيد الحيّات. وفى طبعها قبل أن تتدرّب أنها لا تراوغ صيدا ولا تعنى فى طلبه، ولا تزال موفية على شرف عال؛ فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئا انقضّت عليه، فتتركه لها وتنجو بنفسها. ومتى جاعت لم يمتنع عليها الذئب. وهى شديدة الخوف من الإنسان. ويقال: إنها إذا هرمت وثقل جناحها وأظلم بصرها التمست غديرا؛ فإذا وجدته حلّقت طائرة فى الهواء ثم تقع من حالق فى ذلك الغدير فتنغمس فيه مرارا، فيصحّ جسمها ويقوى بصرها ويعود ريشها ناشئا إلى حالته الأولى.
وهى متى ثقلت عن النهوض أو عميت حملتها الفراخ على ظهورها ونقلتها من مكان إلى آخر لطلب الصيد وتعولها إلى أن تموت. ومن عجيب ما ألهمت أنها إذا اشتكت كبدها رفعت «١» الأرانب والثعالب فى الهواء وأكلت أكبادها فتبرأ.
وهى تأكل الحيّات إلّا رءوسها، والطير إلا قلوبها. قال امرؤ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
ومنسرها الأعلى يعظم ويتعقّف حتى يكون ذلك سبب هلاكها؛ لأنها لا تنال به الطّعم إذا كان كذلك. وأوّل من صاد بها أهل المغرب. وحكى أنّ قيصر أهدى إلى كسرى عقابا، وكتب إليه: علّمها فإنها تعمل عملا أكثر من الصقور
стр. 3448
التى أعجبتك. فأمر بها فأرسلت على ظبى عرض لها فقدّته، فأعجبه ما رأى منها؛ ثم جوّعها ليصيد بها، فوثبت على صبىّ من حاشيته فقتلته؛ فقال كسرى: غزانا قيصر فى بلادنا بغير جيش. ثم أهدى له نمرا وكتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظّباء «١» وما قرب منها من الوحش؛ وكتم عنه ما صنعت العقاب. فأعجب به قيصر. فغفل عنه يوما فافترس بعض فتيانه؛ فقال: صادنا كسرى؛ فإن كنّا صدناه فلا بأس. فلمّا اتّصل ذلك بكسرى قال: أنا أبو ساسان.
وأجود العقاب ما جلب من سرت «٢» وبلاد المغرب.
وقد وصفها الشعراء فمن ذلك ما قاله أبو الفرج الببّغاء:
ما كلّ ذات مخلب وناب ... من سائر الجارح والكلاب
بمدرك فى الجدّ «٣» والطّلاب ... أيسر ما يدرك بالعقاب
شريفة الصّبغة والأنساب ... تطير من جناحها فى غاب
وتستر الأرض عن السّحاب ... وتحجب الشمس بلا حجاب
يظلّ منها الجوّ فى اغتراب ... مستوحشا للطير كالمرتاب
ذكيّة تنظر من شهاب ... ذات جران «٤» واسع الجلباب
ومنكب ضخم أثيث «٥» رابى ... ومنسر موثّق النّصاب
стр. 3449
راحتى ليث شرى غلّاب ... نيطت إلى براثن صلاب
[مرهفة أمضى من الحراب ... وكلّ ما حلّق فى الضّباب «١» ]
لملكها خاضعة الرّقاب
*** وأمّا الزّمّج
- فهو الصّنف الثانى من العقاب، ويعدّ من خفاف الجوارح.
وهو سريع الحركة شديد الوثبة. ويوصف بالغدر. ومن عادته أنه يتلقّف الطائر كما يتلّقفه البازى، ويصيد على وجه الأرض كما تصيد العقاب. ويحمد من خلقه أن يكون أحمر اللون، ولا يحمد ما قرنص «٢» منه وحشيّا.
وقد وصفه أبو الفرج الببّغاء فقال:
يا ربّ سرب آمن لم يزعج ... غاديته قبل الصّباح الأبلج
بزمّج أدلق «٣» حوش «٤» أهوج ... مضبّر «٥» المنكب صلب المنسج «٦»
стр. 3450
ذى قصب عبل «١» أصمّ مدمج ... وجؤجؤ «٢» كالجوشن «٣» المدرّج
وعنق سام طويل أعوج ... ومنسر أقنى فسيح مسرج
منخرق المدخل رحب المخرج ... ومقلة تشفّ عن فيروزج
ناظرة من لهب مؤجّج ... وهامة كالحجر المدملج
ومخلب كالمعول المعوّج
стр. 3451
ذكر ما قيل فى البازى
قالوا: والبازى خمسة أصناف، وهى البازى، والزّرّق، والباشق، والعفصىّ، والبيدق.
فأمّا البازى
- فهو الثانى من الجوارح، وهو أحرّ هذه الأصناف الخمسة مزاجا، لأنه قليل الصبر على العطش. ومأواه مساقط الشجر العاديّة الملتفّة والظلّ الظّليل ومطّرد المياه. وهو لا يتّخذ وكرا إلّا فى شجرة لها شوك. وإذا أراد أن يفرّخ بنى لنفسه بيتا وسقّفه تسقيفا جيّدا يقيه من المطر ويدفع عنه وهج الحرّ. وسبيله «١» فى البرد أن يدفأ بالنار ويجعل تحت كفّيه وبر الثعالب واللّبود؛ وفى الصيف أن يجعل فى بيت كنين «٢» بارد النّسيم ويفرش له الرّيحان والخلاف «٣» . وهو خفيف الجناح، سريع الطيران، يلفّ طيرانه كالتفاف الفواخت؛ «٤» ويسهل عليه أن يزجّ بنفسه «٥» صاعدا
стр. 3452
وهابطا وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته. والإناث منه أجرأ على عظام الطير من الذّكور. ويقال: إن الإناث إذا كان وقت سفادها يغشاها جميع أنواع الضّوارى: الزّرّق والشاهين والصّقر، وإنها تبيض من كل طائر يغشاها؛ ولهذا تجىء مختلفة الأخلاق «١» . والبازى يصيد ما بين العصفور والكركىّ «٢» . ومن عادته أنه إذا أخطأ صيده رفاته وكان فى برّيّة لا شجر فيها ولّى ممعنا حتى يجد كهفا أو جدارا يأوى اليه؛ ولهذا علّق عليه الجرس ليدلّ على مكانه إذا خفى.
وصفة الجيّد منه المحمود فى فعله أن يكون قليل الريش، أحمر العينين حادّهما، وأن تكونا مقبلتين على منسره وحجاجاهما «٣» مطلّين عليهما، ولا يكون وضعهما فى جنبى رأسه كوضع عينى الحمام. والأزرق منه دون الأحمر العين؛ والأصفر دونهما.
وسعة أشداقه تدلّ على قوّة الافتراس. ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط الى ذنبه، وأن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، وذراعاه قصيرتين غليظتين، وأشاجع «٤» كفّيه عارية، وأصابعه متفرّقة [ولا تكون مجتمعة ككفّ الغراب «٥» ] ، ومخلبه أسود، ويكون طويل المنسر دقيقه. وأفخر ألوانه الأبيض ثم الأشهب، وهما لونان يدلّان على الفراهة والكرم. وأما الأسود الظهر المنقّش الصدر بالبياض والسواد فهو يدلّ على الشدّة والصّلابة. وإن اتّفق أن يكون هذا أحمر العين كان نهاية. وهذا اللون فى البزاة
стр. 3453
كالكميت فى الخيل. والأحمر فى البزاة أخبثها. وبعض الناس يقول: أشرف البزاة الطّغرل، ثم البازى التامّ وهو الذى وصفناه آنفا. والطّغرل: طائر عزيز نادر الوقوع لا يعرفه غير التّرك، لأنه يكون فى بلاد الخزر وما والاها وما بين خوارزم إلى إرمينية، وهو يجمع صيد البازى والشاهين. وقيل: إنه لا يعقر شيئا بمخلبه إلّا سمّه.
وأوّل من صاد البازى «لذريق» أحد ملوك الروم الأوّل؛ وذلك أنه رأى بازيا إذا علا كتف «١» ، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يسمو درق «٢» ؛ فاتّبعه حتى اقتحم شجرة ملتفّة كثيرة الدّغل؛ فأعجبته صورته، فقال: هذا طائر له سلاح تتزيّن بمثله الملوك؛ فأمر بجمع عدّة من البزاة فجمعت وجعلت فى مجلسه. فعرض لبعضها أيم «٣» فوثب عليه؛ فقال: ملك يغضب كما تغضب الملوك. ثم أمر به فنصب على كندرة «٤» بين يديه؛ وكان هناك ثعلب فمرّ به مجتازا، فوثب عليه فما أفلت منه إلّا جريحا؛ فقال لذريق: هذا جبّار يمنع حماه. ثم أمر به فضرّى على الصيد؛ واتخذته الملوك بعده.
وقد وصفته الشعراء والأدباء؛ فمن ذلك قول الناشى:
لما تعرّى الليل عن أنساجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه
غدوت أبغى الصيد من منهاجه ... بأقمر أبدع فى نتاجه
ألبسه الخالق من ديباجه ... ثوبا كفى الصانع من نساجه
стр. 3454
حال من الساق إلى أوداجه «١» ... وشيا يحار الطّرف فى اندراجه
فى نسق منه وفى انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه «٢»
بزينة كفته عزّ تاجه ... منسره يثنى على خلاجه
وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرء فى إدلاجه
بعينه كفته عن سراجه
وقال ابن المعتزّ يصف عين البازى:
ومقلة تصدقه إذا رمق «٣» ... كأنها نرجسة بلا ورق
وقال أيضا فيه:
وفتيان غدوا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافها صدأ الدّروع
وقال أيضا:
ومنسر عضب الشباة دامى ... كعقدك الخمسين بالإبهام «٤»
وخافق للصّيد ذى اصطلام ... ينشره للنّهض والإقدام
كنشرك البرد على المستام
стр. 3455
ووصفه أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ فقال من رسالة:
«طائر يستدلّ بظاهر صفاته، على كرم ذاته؛ طورا ينظر نظر الخيلاء فى عطفه كأنما يزهى جبّار، وتارة يرمى نحو السماء بطرفه «١» كأنما له هناك اعتبار. وأخلق به أن ينقضّ على قنيصه شهابا، ويلوى به ذهابا، ويحرقه توقّدا والتهابا. وقد أقيم له سابغ الذّنابى والجناح، كفيلين فى مطالبه بالنّجاح. جيّد العين والأثر، حديد السمع والبصر. يكاد يحسّ بما يجرى ببال، ويسرى من خيال. قد جمع بين عزّة مليك، وطاعة مملوك. فهو بما يشتمل عليه من علوّ الهمه، ويرجع إليه بمقتضى الحدمه؛ مؤهّل لإحراز ما تقتضيه شمائله، وإنجاز ما تعدبه مخايله. وخليق بمحكم تأديبه، وجودة تركيبه؛ أن لو مثل له النجم قنصا، أو جرى [بذكره «٢» ] البرق قصصا؛ لاختطفه أسرع من لحظه، وأطوع من لفظه؛ وانتسفه «٣» أمضى من سهم، وأجرى من وهم. وقد أقسم بشرف جوهره، وكريم عنصره؛ لا يوجّه مسفّرا، إلا غادر قنيصه معفّرا، وآب إلى يد من أرسله مظفّرا؛ مورّد المخلب والمنقار، كأنما اختضب بحنّاء أو كرع فى عقار» .
[وله من أبيات يمدح «٤» بها] :
طرد القنيص بكلّ «٥» قيد طريدة ... زجل «٦» الجناح مورّد الأظفار
стр. 3456
علتفّة أعطافه بحبيرة «١» ... مكحولة أجفانه بنضار
يرمى به الأمد البعيد فينثنى ... مخضوب راء الظّفر والمنقار
*** وأما الزّرّق
- وهو الصّنف الثانى من البازى. هو باز لطيف، إلا أن مزاجه أحرّ وأيبس، وهو لذلك أشدّ جناحا وأسرع طيرانا وأقوى إقداما. وفيه ختل وخبث؛ وذلك أنه إذا أرسل على طائر طار فى غير مطاره ثم عطف عليه وأظهر الشدّة بعد اللين. وخير ألوانه الأسود الظهر الأبيض الصدر الأحمر العين. ووصفه المحمود منه أن يكون أعدلها خلقا، وأقلّها ريشا، وأثقلها محملا، وأملأها فخذا، وأرحبها شدقا، وأوسعها عينا، وأصغرها رأسا، وأصفاها حدقة، وأطولها عنقا، وأقصرها خافية، وأشدّها لحما، وأن يكون أخضر الرجلين، وسيع المخالب، متعرّيا «٢» من اللحم. والله أعلم.
*** وأمّا الباشق
- وهو الصنف الثالث من البازى. وهو أحرّ وأيبس من الزّرّق، وهو هلع قلق ذعر، يأنس وقتا ويستوحش وقتا. ونفسه قويّة جافية «٣» . فإذا أنس منه الصغير بلغ منه كلّ المراد. وأجود الباشق ما أخذ فرخا لم يلق من قوادمه ريشة. وهو متى تمّ تأنيسه وجد منه باز خفيف المحمل ظريف الشمائل.
ومن صفاته المحمودة أن يكون صغير المنظر، ثقيل المحمل، طويل الساقين والفخذين، عظيم السّلاح بالنسبة إلى جسمه.
стр. 3457
وقال بعض الشعراء يصفه:
إذا بارك الله فى طائر ... فخصّ من الطير إسبهرقى
له هامة كلّلت باللّجين ... فسال اللّجين على المفرق
يقلّب عينين فى رأسه ... كأنهما نقطتا زئبق
واشرب لونا له مذهبا ... كلون الغزالة فى المشرق
حمام الحمام وحتف القطا ... وصاعقة القبج والعقعق
وأحنى عليك إلى أن يعود ... إليك من الوالد «١» المشفق
فأكرم به وبكفّ الأمير ... وبالدّستبان «٢» إذا يلتقى
وقال أبو الفتح كشاجم:
يسمو فيخفى فى الهواء وينكفى ... عجلا فينقضّ انقضاض الطارق
وكأن جؤجؤه وريش جناحه ... خضبا «٣» بنقش يد الفتاة العاتق «٤»
وكأنما سكن الهوى أعضاءه ... فأعارهنّ نحول جسم العاشق
ذا مقلة ذهبيّة فى هامة ... محفوفة من ريشها بحدائق
ومخالب مثل الأهلّة طالما ... أدمين كفّ البازيار الحاذق
وإذا انبرى نحو الطريدة خلته ... كالرّيح فى الأسماع أو كالبارق
стр. 3458
وإذا دعاه البازيار رأيته ... أدنى وأطوع من محبّ وامق
وإذا القطاة تخلّفت من خوفه ... لم يعد أن يهوى بها من حالق
ومن رسالة لبعض فضلاء الأندلس، جاء منها:
«كأنما اكتحل بلهب، أو انتعل بذهب. ملتفّ فى سبره «١» ، وملتحف بحبره. من سيوفه منقاره، ومن رماحه أظفاره. ومن اللواتى تتنافس الملوك فيها، تمسكها عجبا بها وتيها. فهى على أيديها آية باديه، ونعمة من الله ناميه. تبذل لك الجهد صراحا، وتعيرك فى نيل بغيتك جناحا. وتتّفق معك فى طلب الأرزاق، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق. ثم تلوذ بك لياذ من يرجوك، وتفى لك وفاء لا يلتزمه لك ابنك ولا أخوك» . ثم ذكر حمامة صادها، فقال:
«اختطفها أسرع من اللّحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أعجل من اللّفظ، وكأنها هى منه؛ ثم جعل يتناولها بعقد السبعين، ويدخلها فى أضيق من التسعين «٢» .
وكان لها موتا عاجلا، وكانت له قوتا حاصلا» . والله الهادى للصواب.
*** وأمّا العفصىّ
- وهو الصنف الرابع من البازى. وهو من الباشق كالزّرّق من البازى، إلا أنه أصغر الجوارح نفسا، وأضعفها حيلة، وأشدّها ذعرا، وأيبسها مزاجا. وربما صاد العصفور وتركه لخوفه وحذره. ومن عادته أنه يرصد الطير
стр. 3459
أيام حضانه «١» ، فإذا طار عن وكره خلفه فيه وكسر بيضه ورماه وباض مكانه وطار عنه فيحضنه صاحب الوكر؛ فهو أبدا لا يحضن ولا يربّى.
*** وأمّا البيدق
- وهو الصنف الخامس من البازى، وهو لا يصيد غير العصافير. وقد وصفه كشاجم فقال:
حسبى من البزاة والزّرارق «٢» ... ببيدق يصيد صيد الباشق
مؤدّب مدرّب الخلائق ... أصيد من معشوقة لعاشق
يسبق فى السّرعة كلّ سابق ... ليس له عن «٣» صيده من عائق
ربّيته وكنت عين الواثق «٤» ... أنّ الفرازين «٥» من البيادق
стр. 3460
ذكر ما قيل فى الصقر
والصقر ثلاثة أصناف، وهى صقر، وكونج، ويؤيؤ.
فأمّا الصقر
- فهو النوع الثالث من الجوارح. والعرب تسمّى كل طائر يصيد صقرا، ما خلا النّسر والعقاب، وتسمّيه «الأكدر» و «الأجدل» . وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدّوابّ، لأنه أصبر على الشدّة وأشدّ إقداما على جلّة الطير كالكراكىّ والحبارج «١» . قالوا: ومزاجه أبرد من سائر ما تقدّم ذكره من الجوارح وأرطب.
وهو يضرّى على الغزال والأرنب ولا يضرّى على الطير لأنها تفوته. وفعله فى صيده الانقضاض «٢» والصّدم. وهو غير صافّ «٣» بجناحه ولا خافق به. ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف البازى. ويقال: إنه أهدأ نفسا من البازى، وأسرع أنسا بالناس «٤» ، وأكثر رضا وقناعة. وهو يغتذى بلحوم ذوات الأربع. وهو يعاف المياه ولا يقربها، وذلك لبرد مزاجه. وفى طبعه أنه لا يركب الأشجار ولا الشوامخ من الجبال، ولا يأوى إلّا المقابر والكهوف وصدوع الجبال. وهو ينقى بالتّمعّك «٥» فى الرّمل والتراب.
ومن صفاته المحمودة الدّالّة على نجابته وفراهته: أن يكون أحمر اللّون، عظيم الهامة، واسع العينين، تامّ المنسر، طويل العنق والجناحين، رحب الصدر، ممتلئ
стр. 3461
الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين والذّنب، قريب القفدة «١» من الفقار، سبط الكفّ، غليظ الأصابع فيروزجها، أسود اللسان. والله الموفّق.
وأوّل من صاد بالصقر وضرّاه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة. وسبب ذلك أنه وقف فى بعض الأيّام على صيّاد قد نصب شبكة للعصافير؛ فانقضّ أكدر على عصفور قد علق فى الشبكة فجعل يأكله وقد علق الأكدر واندقّ جناحاه، والحارث ينظر إليه ويعجب من فعله؛ فأمر به فحمل فرمى به فى كسر بيت ووكّل به من يطعمه؛ وأنس الصقر بالموكّل به، حتى صار إذا جاءه باللحم ودعاه أجاب؛ ثم صار يطعمه على يده وصار يحمله. فبينما هو يوما حامله إذ رأى حمامة، فطار عن يده إليها فأخذها وأكلها. فأمر الحارث عند ذلك باتّخاذها وتدريبها والتصيّد بها.
فبينا هو يسير يوما إذ لاحت أرنب فطار الصقر إليها وأخذها؛ فلما رآه يصيد الطير والأرانب ازداد به إعجابا واغتباطا. واتخذته العرب بعده.
ووصفه الشعراء؛ فمن ذلك ما قاله كشاجم يصفه:
غدونا وطرف النجم وسنان غائر ... وقد نزل الإصباح والليل سائر «٢»
بأجدل من حمر الصقور مؤدّب ... وأكرم ما قرّبت منها «٣» الأحامر «٤»
جرىء على قتل الظّباء وإنّنى ... ليعجبنى أن يكسر الوحش طائر
قصير الذّنابى والقدامى كأنّها ... قوادم نسر أو سيوف بواتر
стр. 3462
ورقّش منه جؤجؤ فكأنّه ... أعارته إعجام الحروف الدّفاتر
فما زلت بالإضمار حتى صنعته ... وليس يحوز السبق إلّا الضّوامر
وتحمله منّا أكفّ كريمة ... كما زهيت «١» بالخاطبين المنابر
وعنّ لنا من جانب السّفح ربرب ... على سنن تستنّ منه الجاذر
فجلّى «٢» وحلّت عقدة السير فانتحى «٣» ... لأوّلها إذ أمكنته الأواخر
يحثّ جناحيه على حرّ وجهها «٤» ... كما فصّلت فوق الخدود المعاجر «٥»
وما تمّ رجع الطّرف حتى رأيتها ... مصرّعة تهوى إليها الخناجر
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وأجدل يفهم نطق الناطق ... ململم «٦» الهامة فخم العاتق
أقنى المخاليب طلوب مارق ... كأنها نونات كفّ ماشق
ذى جؤجؤ لابس وشى رائق ... كمبتدا اللّامات فى المهارق «٧»
أو كامتداد الكحل فى الحمالق ... ونجّمت باللّحظ عين الرامق
عشرا من الإوزّ فى غلافق «٨» ... فمرّ كالرّيح بعزم صادق
стр. 3463
حتى دنا منهنّ مثل السارق ... ثم علاها بجناح خافق
فطفقت من هالك أو فائق «١»
وقال أيضا:
وأجدل لم يخل من تأديب ... يرى بعيد الشىء كالقريب
يهوى هوىّ الدّلو فى القليب ... بناظر مستعجم مقلوب
كناظر الأقبل «٢» ذى التّقطيب ... رأى إوزّا فى ثرى رطيب «٣»
فطار كالمستوهل المرعوب ... ينفذ فى الشمال والجنوب
*** وأمّا الكونج
- وهو الصنف الثانى من الصقر. ويسمّى بمصر والشأم السّقاوية «٤» . ونسبته من الصقر كنسبة الزّرّق من البازى، إلا أنه أحرّ منه؛ ولذلك هو أخفّ منه جناحا. وهو يصيد الأرنب، ويعجز عن الغزال لصغره؛ ويصيد أشياء من طير الماء. وشدّة نفسه أقلّ من شدّة بدنه؛ ولأجل ذلك هو أطول فى البيوت لبثا، وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر. وفى وصفه يقول بعض الشعراء:
إن لم يكن صقر فعندى كونج ... كأنّ نقش ريشه المدرّج
برد من الموشىّ أو مدبّج ... فكم به للطير قلب مزعج
ممزّق بدمه مضرّج ... بمثله عنّا الهموم تفرج
стр. 3464
وأمّا اليؤيؤ
- وهو الصّنف الثالث من الصقر. ويسمّيه أهل مصر والشأم «الجلم» لخفّة جناحيه وسرعتهما. وهو طائر قصير الذّنب. ومزاجه بالإضافة الى الباشق بارد رطب، لأنه أصبر منه نفسا وأثقل حركة. ويشرب الماء شربا ضروريّا كما يشربه الباشق. ومزاجه بالنسبة الى الصقر حارّ يابس، ولذلك هو أشجع منه، لأنه يتعلّق بما يفترسه، ويصيد ما هو أجلّ منه كالدّرّاج.
ويقال: إنّ أوّل من صاد به واتّخذه للّعب بهرام «١» جور؛ وذلك أنه شاهد يؤيؤا يطارد قبّرة ويراوغها ويرتفع معها إلى أن صادها؛ فأعجبه واتخذه وصاد به.
وقال عبد الله النّاشى يصفه:
ويؤيؤ مهذّب رشيق ... كأنّ عينيه «٢» على التحقيق
فصّان مخروطان من عقيق
وقال أبو نواس:
قد «٣» أغتدى والصبح فى دجاه ... كطرّة البرد «٤» على مثناه
بيؤيؤ يعجب من رآه ... ما فى اليآيى يؤيؤ شرواه «٥»
стр. 3465
أزرق لا تكذبه عيناه ... فلو يرى القانص ما يراه
[فدّاه بالأمّ وقد فدّاه «١» ]
وقال أبو اسحاق الصّابى يصفه من رسالة:
«وكم من قبّر «٢» أطلقنا عليه يؤيؤا «٣» لنا فعرج إلى السماء عروجا، ولجّج فى أثره تلجيجا؛ فكان «٤» ذلك يعتصم منه بالخلّاق، وهذا يستطعمه من الرّزّاق؛ حتى غابا عن النّظّار، واحتجبا عن الأبصار؛ وصارا كالغيب «٥» المرجّم، والظنّ المتوهّم؛ ثم خطفه ووقع «٦» به وهما كهيئة الطائر الواحد؛ فأعجبنا أمرهما، وأطربنا منظرهما» .
ذكر ما قيل فى الشاهين
والشاهين ثلاثة أصناف، وهى شاهين، وأنيقى، وقطامىّ.
فأما الشاهين
- واسمه بالفارسية شوذانه، فعرّبته العرب على ألفاظ شتّى منها: شوذانق وشوذق وشوذنيق وشيذنوق «٧» . ويقال: إنه من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس؛ ولذلك تكون حركته من العلو إلى السّفل شديدة. وليس يحلّق
стр. 3466
فى طلب الصّيد على خطّ مستقيم إنما يحوم لثقل «١» جناحه، حتى إذا سامت الفريسة انقضّ عليها هاويا من علو فضربها وفارقها صاعدا؛ فإن سقطت على الأرض أخذها، وإن لم تسقط أعاد ضربها [لتسقط «٢» ] ؛ وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه. ومع ذلك كلّه فهو أسرع الجوارح وأخفّها وأشدّها ضراوة على الصيد.
إلّا أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من الحرص؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. ويزعمون أنّ عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفّه.
وقال بعض من تكلّم فى هذا النوع: الشاهين كاسمه. يريد [شاهين «٣» ] الميزان؛ [لأنه «٤» ] لا يحتمل أدنى حال من الشّبع ولا أيسر حال من الجوع.
والمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل «٥» الفخذين، قصير الساقين، قريب القفدة «٦» من الظهر، قليل الرّيش ليّنه، تامّ الخوافى، دقيق الذّنب، إذا صلّب عليه «٧» جناحيه لم يفضل عنهما شىء منه. فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركىّ [ولا يفوته «٨» ] . وزعم بعضهم «٩» أنّ السّود من الشواهين هى المحمودة؛ وأن السواد أصل لونها، وإنما أحالته التّربة. ويكون فى الشواهين الملمّع. والله أعلم.
стр. 3467
وأوّل من صاد بالشّواهين قسطنطين [ملك عمّوريّة «١» ] . حكى أنه خرج يوما يتصيّد، حتى إذا أتى إلى مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء؛ فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده، فأخذه وضرّاه؛ ثم ريضت له الشّواهين بعد ذلك وعلّمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظلّه من الشمس؛ فكانت تنحدر مرّة وترتفع أخرى، فإذا نزل وقعت حوله.
وقد وصف الشعراء الشواهين وشبّهوها؛ فمن ذلك قول النّاشى:
هل لك يا قنّاص فى شاهين ... شوذانق مؤدّب أمين
جاء به السائس من رزين «٢» ... ضرّاه بالتّخشين والتّليين
حتى لأغناه عن التلقين ... يكاد للتثقيف والتّمرين
يعرف معنى الوحى بالجفون ... يظلّ من جناحه المزين
فى قرطق «٣» من خزّه الثمين ... يشبه من طرازه المصون
برد أنوشروان أو شيرين «٤» ... أحوى مجارى الدّمع والشؤون
ذى منسر مؤلّل مسنون ... واف كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف النون ... يبدى اسمه معناه للعيون
وقال أبو الفتح كشاجم وبدأ بالكركىّ:
يا ربّ أسراب من الكراكى ... مطمعة السكون فى الحراك
بعيدة المنال والإدراك ... كدر وبيض اللّون كالأفناك «٥»
стр. 3468
تقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن «١» قبل لغط المكاكى «٢»
وقبل تغريد الحمام الباكى ... بفاتك يربى على الفتّاك
مؤدّب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك «٣»
مثل الكمىّ فى السّلاح الشّاكى ... ذى منسر ضخم له شكّاك
ومخلب بحدّه بتّاك «٤» ... للحجب عن قلوبها هتّاك
حتى إذا قلت له دراك ... وحلّقت تسمو إلى الأفلاك
ممتدّة الأعناق والأوراك ... موقنة بعاجل الهلاك
غادرها تهوى على الدّكاك «٥» ... أسرى بكفّيه بلا فكاك
يا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنّة الشاهين ما أقواك
لم تكذبى فراسة الأملاك ... إيّاك أعنى مادحا إيّاك
*** وأمّا الأنيقىّ
- وهو الصّنف الثانى من الشاهين. وتسميه أهل العراق الكرّك. وهو دون الشاهين فى القوّة، إلا أنّ فيه سرعة. وهو يصيد العصافير.
وفيه يقول الشاعر:
غنيت عن الجوارح بالأنيقى ... بمثل الرّيح أو لمع البروق
أصبّ به على العصفور حتفا ... فأرميه بصخرة منجنيق
стр. 3469
وأمّا القطامىّ
- وهو الصّنف الثالث من الشاهين، وتسميه أهل العراق «البهرجة» . يقال: إنه فى طبع الشاهين، والعرب تخالف ذلك، وتسمّى بعض الصقور القطامىّ؛ والمعتنون بالجوارح يخالفونهم فى ذلك.
فصل
وممّا ناسب الجوارح فى الافتراس وأكل اللحم الحىّ «الصّرد» ، ويسمّى «الشّقرّاق» «١» و «الأخطب» و «الأخيل» . وقيل: إنّ من أسمائه «الواق» «٢» وبعضهم يسمّيه «بازى العصافير» . [وهو طائر مولّع بسواد وبياض، ضخم المنقار «٣» ] .
وفى طبعه شره وشراسة وسرقة لفراخ غيره ونفور من الناس. وهو [يصيد الحيّات «٤» و] يغتذى باللّحم، ويأوى الأشجار ذوات الشّوك وفى رءوس التّلاع، حذرا على نفسه [ممن يصيده «٥» ] . وهو يتحيّل فى صيد ما دونه من الطير كالعصفور «٦» .
هذا ما ظفرت به فى أثناء المطالعة من سباع الطير ممّا تكلّم عليه أرباب هذا الفن. وقد أهملوا أصنافا
، منها ما هو أجلّ من جميع ما ذكرناه، وهو «السّنقر» .
стр. 3470
والسّنقر
- طائر شريف، حسن الشّكل، أبيض اللّون بنقط سود.
والملوك تتغالى فيه وتشتريه بالثمن الكثير. وكان فيما مضى من السنين القريبة يشترى من التّجار بألف دينار؛ ثم تناقص ثمنه حتى استقرّ الآن بخمسة آلاف درهم. ولهم عادة: أنّ التّجار إذا حملوه وأتوا به من بلاد الفرنج فمات منهم فى الطريق قبل وصولهم أحضروا ريشه إلى أبواب الملوك، فيعطون نصف ثمنه إذا أتوا به حيّا؛ كل ذلك ترغيبا لهم فى حملها ونقلها إلى الديار المصريّة. وهذا الطير لا يشتريه غير السلطان ولا يلعب به غيره من الأمراء إلا من أنعم السلطان عليه به. والله أعلم.
وممّا أهملوا الكلام فيه «الكوهيّة» و «الصيفيّة» و «الزغزغى»
، وهو يعدّ من أصناف الصقر. ولم أجد من أثق بنقله وعلمه بهذه الأصناف فأنقل عنه أخلاقها وطبائعها وعاداتها.
وقال أبو إسحاق الصابى فى وصف الجوارح من رسالة طرديّة جاء منها:
«وعلى أيدينا جوارح مؤلّلة المخالب والمناسر، مذرّبة «١» النّصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر؛ بعيدة المرامى والمطارح؛ ذكيّة القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس؛ سابغة الأذناب، كريمة الأنساب؛ صلبة «٢» الأعواد، قويّة الأوصال؛ تزيد إذا ألحمت «٣» شرها وقرما، وتتضاعف إذا أشبعت كلبا ونهما. ثم خرج إلى وصف الحمام فقال: «فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها؛ كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا؛ فلم نسمع إلا مسمّيا، ولم نر إلا مذكّيا» .
следующие страницы →