Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
فى طلب الصّيد على خطّ مستقيم إنما يحوم لثقل «١» جناحه، حتى إذا سامت الفريسة انقضّ عليها هاويا من علو فضربها وفارقها صاعدا؛ فإن سقطت على الأرض أخذها، وإن لم تسقط أعاد ضربها [لتسقط «٢» ] ؛ وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه. ومع ذلك كلّه فهو أسرع الجوارح وأخفّها وأشدّها ضراوة على الصيد.
إلّا أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من الحرص؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. ويزعمون أنّ عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفّه.
وقال بعض من تكلّم فى هذا النوع: الشاهين كاسمه. يريد [شاهين «٣» ] الميزان؛ [لأنه «٤» ] لا يحتمل أدنى حال من الشّبع ولا أيسر حال من الجوع.
والمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل «٥» الفخذين، قصير الساقين، قريب القفدة «٦» من الظهر، قليل الرّيش ليّنه، تامّ الخوافى، دقيق الذّنب، إذا صلّب عليه «٧» جناحيه لم يفضل عنهما شىء منه. فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركىّ [ولا يفوته «٨» ] . وزعم بعضهم «٩» أنّ السّود من الشواهين هى المحمودة؛ وأن السواد أصل لونها، وإنما أحالته التّربة. ويكون فى الشواهين الملمّع. والله أعلم.
стр. 3467
وأوّل من صاد بالشّواهين قسطنطين [ملك عمّوريّة «١» ] . حكى أنه خرج يوما يتصيّد، حتى إذا أتى إلى مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء؛ فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده، فأخذه وضرّاه؛ ثم ريضت له الشّواهين بعد ذلك وعلّمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظلّه من الشمس؛ فكانت تنحدر مرّة وترتفع أخرى، فإذا نزل وقعت حوله.
وقد وصف الشعراء الشواهين وشبّهوها؛ فمن ذلك قول النّاشى:
هل لك يا قنّاص فى شاهين ... شوذانق مؤدّب أمين
جاء به السائس من رزين «٢» ... ضرّاه بالتّخشين والتّليين
حتى لأغناه عن التلقين ... يكاد للتثقيف والتّمرين
يعرف معنى الوحى بالجفون ... يظلّ من جناحه المزين
فى قرطق «٣» من خزّه الثمين ... يشبه من طرازه المصون
برد أنوشروان أو شيرين «٤» ... أحوى مجارى الدّمع والشؤون
ذى منسر مؤلّل مسنون ... واف كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف النون ... يبدى اسمه معناه للعيون
وقال أبو الفتح كشاجم وبدأ بالكركىّ:
يا ربّ أسراب من الكراكى ... مطمعة السكون فى الحراك
بعيدة المنال والإدراك ... كدر وبيض اللّون كالأفناك «٥»
стр. 3468
تقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن «١» قبل لغط المكاكى «٢»
وقبل تغريد الحمام الباكى ... بفاتك يربى على الفتّاك
مؤدّب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك «٣»
مثل الكمىّ فى السّلاح الشّاكى ... ذى منسر ضخم له شكّاك
ومخلب بحدّه بتّاك «٤» ... للحجب عن قلوبها هتّاك
حتى إذا قلت له دراك ... وحلّقت تسمو إلى الأفلاك
ممتدّة الأعناق والأوراك ... موقنة بعاجل الهلاك
غادرها تهوى على الدّكاك «٥» ... أسرى بكفّيه بلا فكاك
يا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنّة الشاهين ما أقواك
لم تكذبى فراسة الأملاك ... إيّاك أعنى مادحا إيّاك
*** وأمّا الأنيقىّ
- وهو الصّنف الثانى من الشاهين. وتسميه أهل العراق الكرّك. وهو دون الشاهين فى القوّة، إلا أنّ فيه سرعة. وهو يصيد العصافير.
وفيه يقول الشاعر:
غنيت عن الجوارح بالأنيقى ... بمثل الرّيح أو لمع البروق
أصبّ به على العصفور حتفا ... فأرميه بصخرة منجنيق
стр. 3469
وأمّا القطامىّ
- وهو الصّنف الثالث من الشاهين، وتسميه أهل العراق «البهرجة» . يقال: إنه فى طبع الشاهين، والعرب تخالف ذلك، وتسمّى بعض الصقور القطامىّ؛ والمعتنون بالجوارح يخالفونهم فى ذلك.
فصل
وممّا ناسب الجوارح فى الافتراس وأكل اللحم الحىّ «الصّرد» ، ويسمّى «الشّقرّاق» «١» و «الأخطب» و «الأخيل» . وقيل: إنّ من أسمائه «الواق» «٢» وبعضهم يسمّيه «بازى العصافير» . [وهو طائر مولّع بسواد وبياض، ضخم المنقار «٣» ] .
وفى طبعه شره وشراسة وسرقة لفراخ غيره ونفور من الناس. وهو [يصيد الحيّات «٤» و] يغتذى باللّحم، ويأوى الأشجار ذوات الشّوك وفى رءوس التّلاع، حذرا على نفسه [ممن يصيده «٥» ] . وهو يتحيّل فى صيد ما دونه من الطير كالعصفور «٦» .
هذا ما ظفرت به فى أثناء المطالعة من سباع الطير ممّا تكلّم عليه أرباب هذا الفن. وقد أهملوا أصنافا
، منها ما هو أجلّ من جميع ما ذكرناه، وهو «السّنقر» .
стр. 3470
والسّنقر
- طائر شريف، حسن الشّكل، أبيض اللّون بنقط سود.
والملوك تتغالى فيه وتشتريه بالثمن الكثير. وكان فيما مضى من السنين القريبة يشترى من التّجار بألف دينار؛ ثم تناقص ثمنه حتى استقرّ الآن بخمسة آلاف درهم. ولهم عادة: أنّ التّجار إذا حملوه وأتوا به من بلاد الفرنج فمات منهم فى الطريق قبل وصولهم أحضروا ريشه إلى أبواب الملوك، فيعطون نصف ثمنه إذا أتوا به حيّا؛ كل ذلك ترغيبا لهم فى حملها ونقلها إلى الديار المصريّة. وهذا الطير لا يشتريه غير السلطان ولا يلعب به غيره من الأمراء إلا من أنعم السلطان عليه به. والله أعلم.
وممّا أهملوا الكلام فيه «الكوهيّة» و «الصيفيّة» و «الزغزغى»
، وهو يعدّ من أصناف الصقر. ولم أجد من أثق بنقله وعلمه بهذه الأصناف فأنقل عنه أخلاقها وطبائعها وعاداتها.
وقال أبو إسحاق الصابى فى وصف الجوارح من رسالة طرديّة جاء منها:
«وعلى أيدينا جوارح مؤلّلة المخالب والمناسر، مذرّبة «١» النّصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر؛ بعيدة المرامى والمطارح؛ ذكيّة القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس؛ سابغة الأذناب، كريمة الأنساب؛ صلبة «٢» الأعواد، قويّة الأوصال؛ تزيد إذا ألحمت «٣» شرها وقرما، وتتضاعف إذا أشبعت كلبا ونهما. ثم خرج إلى وصف الحمام فقال: «فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها؛ كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا؛ فلم نسمع إلا مسمّيا، ولم نر إلا مذكّيا» .
стр. 3471
الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الثالث فى كلاب الطّير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى النّسر، والرّخم، والحدأة، والغراب.
وإنما سمّيت هذه الأصناف بالكلاب لأنها تأكل الميتة والجيف وتقصدها وتقع عليها، فهى فى ذلك شبيهة بالكلاب.
ذكر ما قيل فى النّسر
والنّسر ذو منسر وليس بذى محلب، وإنما له أظفار حداد [كالمخالب. وهو يسفد كما يسفد الديك «١» ] . وزعم من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّ الأنثى من هذا النوع تبيض من نظر الذّكر إليها، وأنها لا تحضن [بيضها «٢» ] وإنما تبيض فى الأماكن العالية التى يقرعها حرّ الشمس وهجيرها، فيقوم ذلك للبيض مقام الحضن.
والنّسر يوصف بحدّة حاسّة البصر؛ حتى إنه يقال: إنه يرى الجيفة عن مسافة أربعمائة فرسخ. وكذلك حاسّة الشّمّ؛ إلا أنّه إذا شمّ الطّيب مات. وهو أشدّ الطير طيرانا وأقواها جناحا؛ حتى زعموا أنه يطير ما بين المشرق والمغرب فى يوم واحد. وهذا القول أراه من التّغالى فيه. وسائر الجوارح تخافه. وهو [شره نهم رغيب «٣» ] ؛ إذا سقط على الجيفة وامتلأ منها لم يستطع عند ذلك الطيران
стр. 3472
حتى يثب عدّة وثبات يرفع فيها نفسه فى الهواء طبقة بعد طبقة حتى تدخل تحته الرّيح. ومن أصابه بعد امتلائه وأعجله عن الوثوب أمكنه ضربه إن شاء «١» بعصا وإن شاء بغيرها. قالوا: والأنثى تخاف على بيضها وفراخها من الخفّاش فتفرش فى وكرها ورق الدّلب «٢» ليفرّ منه. والنّسر أشدّ الطير حزنا على [فراق «٣» ] إلفه؛ يقال:
إن الأنثى إذا فقدت الذّكر امتنعت عن الطّعم أياما ولزمت الوكر؛ وربما قتلها الحزن. وهو طويل العمر؛ يقال: إنه يعمّر ألف سنة. وفيه ألوان: منها الأسود البهيم، والأربد وهو لون الرّماد، والأكدر مثله. وهو يتبع الجيوش طمعا فى الوقوع على جيف القتلى والدّوابّ.
ذكر ما قيل فى الرخم
يقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم.
والرخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة والأماكن الوحشية والجبال الشامخة وصدوع الصخر؛ ولذلك يضرب المثل ببيض الأنوق. قال الشاعر:
طلب الأبلق «٤» العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الانوق
والرّخم من أحبّ الحيوان فى العذرة، لا شىء يحبّها كحبّه إلّا الجعل. وقال المفضّل لمحمد بن سهل: إنّا لا نعرف طائرا ألأم لؤما ولا أقذر طعمة ولا أظهر
стр. 3473
موقا من الزّحمة. فقال محمد بن سهل: وما حمقها وهى تحضن بيضها، وتحمى فراخها، وتحبّ ولدها، ولا تمكّن إلّا زوجها، وتقطع فى أوّل القواطع «١» ، وترجع فى أوّل الرّواجع، ولا تطير فى التّحسير «٢» ، ولا تغترّ بالشّكير، ولا تربّ «٣» بالوكور، ولا تسقط على الجفير!.
قال الجاحظ: أمّا قوله: «تقطع فى أوّل القواطع وترجع فى أوّل الرّواجع» ، فإنّ الرّماة وأصحاب الحبائل والقنّاص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أنّ القواطع قد قطعت، فبقطع الرخمة يستدلّون، فلا بدّ للرّخمة من أن تنجو سالمة إذ كانت أوّل طالع عليهم. وأمّا قوله: «ولا تطير فى التّحسير ولا تغترّ بالشّكير» ؛ فإنها تدع الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشّكير وهو أوّل ما ينبت من الريش فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا. وأما قوله: «ولا تربّ بالوكور» ، فإن الوكور لا تكون إلا فى عرض الجبل، وهى لا ترضى إلا بأعالى الهضاب ثم بمواضع الصّدوع وخلال الصخور حيث يمتنع على جميع الخلق المصير إلى أفراخها؛ ولذلك قال الكميت:
ولا تجعلونى فى رجائى ودّكم ... كراج على بيض الأنوق احتبالها «٤»
وأمّا قوله: «ولا تسقط على الجفير» ، فإنما يعنى جعبة السهام. يقول: إذا رأته علمت أنّ هناك سهاما فلا تسقط فى موضع تخاف فيه وقع السّهام.
стр. 3474
قال: والرّخم من الطير التى تتبع الجيوش والحجّاج لما يسقط من كسرى «١» الدّوابّ. وإذا فقدت الميتة عمدت إلى العظم فحملته وارتفعت به فى الهواء ثم تلقيه فيقع على الصخور فينكسر فتأكل ما فيه. والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى الحدأة
قالوا: والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثا وخرج منها ثلاثة أفرخ.
وهى تحضن عشرين يوما. ومن ألوانها الأسود والأربد. ويقال: إنها لا تصيد وإنما تخطف. وهى تقف فى الطيران، وليس ذلك لغيرها من الكواسر، وزعم ابن وحشيّة: أنّ العقاب والحدأة يتبدّلان، فتصير الحدأة عقابا والعقاب حدأة. وهذا أراه من الخرافات. ويقال: إنّ الحدأة من جوارح سليمان ﵇ وإنها امتنعت من أن تؤلّف أو تملك لغيره، لأنها من الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده.
وهى لا تختطف إلا من يمين من تختطف منه دون شماله. وليس فيها لحم، وإنما عظام وعصب وجلد وريش. ولم أقف على شعر فيها فأضعه.
ذكر ما قيل فى الغراب
قالوا: والغراب أصناف، وهى «الغداف» و «الزّاغ الأكحل» و «الزاغ الأورق» . والغراب يحكى جميع ما يسمعه، وهو فى ذلك أعجب من الببّغاء.
ويقال: إنّ متولّى ثغر الإسكندريّة أهدى إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس غرابا أبيض؛ وهو غريب نادر الوقوع. ويقال فى صوت الغراب:
نغق ينغق نغيقا، ونعب ينعب نعيبا. فإذا مرّت عليه السنون الكثيرة وغلظ صوته
стр. 3475
قيل فيه: شحج يشحج شحيجا. وفى طبعه الاستتار عند السّفاد وهو يسفد مواجهة «١» ، ولا يعود إلى الأنثى إذا سفدها أبدا، وذلك لقلّة وفائه.
قال الجاحظ: واذا خرج الفرخ حضنته الأنثى دون الذكر، ويأتيها الذّكر بالطّعم. قال: والغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاثها وليس من أحرارها، ومن ذوات المخالب المعقّفة والأظفار الجارحة، ومن ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر؛ وهو مع ذلك قوىّ البدن، لا يتعاطى الصيد، وربما راوغ العصفور. ولا يصيد الجرادة إلا أن يلقاها فى سدّ «٢» من جراد. وهو إن أصاب جيفة نال منها وإلا مات هزالا. ويتقمّم كما تتقمّم بهائم الطير وضعافها. وليس ببهيمة لمكان أكله الجيف؛ وليس بسبع لعجزه عن الصيد.
قال: وهو إمّا أن يكون حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزّنج لأنهم شرار الناس وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا، فلا تكون له معرفة ولا جمال؛ وإما أن يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضادّ أعضائه دليلا على فساد أمره.
والبقع ألأم من السّود وأضعف.
قال: ومن الغربان غراب الليل، وهو الذى ترك أخلاق الغربان وتشبّه بأخلاق البوم. وقد رأيت أنا ببلنياس «٣» - وهى على ساحل البحر الرومىّ- غربانا كثيرة جدّا، فإذا كان وقت الفجر صاحت كلّها صياحا عظيما مزعجا؛ فهم يعرفون طلوع الفجر بصياحها.
стр. 3476
قال: ومنها غراب البين؛ وهو نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة بالضّعف واللؤم. والآحر إنما لزمه هذا الاسم لأنّ الغراب إذا بان أهل الدار للنّجعة وقع فى مواضع بيوتهم يتلمّس ويتقمّم، فتشاءموا به وتطيّروا منه، إذ كان لا يلمّ بمنازلهم إلا إذا بانوا منها؛ فسمّوه غراب البين. ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزّجر والطّيرة، وعلموا أنه نافذ البصر صافى العين، فسمّوه الأعور؛ من أسماء الأضداد.
قال: والغدفان جنس من الغربان؛ وهى لئام جدّا. ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب. والعرب يتعايرون بأكل لحوم الغربان. وفى ذلك يقول وعلة الجرمىّ «١» :
فما بالعار ما عيّرتمونا ... شواء النّاهضات مع الخبيص «٢»
فما لحم الغراب لنا بزاد ... ولا سرطان «٣» أنهار البريص «٤»
والغربان من الأجناس التى تقتل فى الحلّ والحرم، وسمّيت بالفسق.
قال الجاحظ: وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات كان عندهم من أجود الطّلّسمات؛ وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا فى الخريف فترى النخيل وبعضها مصروم وعلى كل نخلة عدد كثير من الغربان؛
стр. 3477
وليس فيها شىء يقرب نخلة واحدة من النخيل التى لم تصرم ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. قال: فلو أنّ الله تعالى أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها التمر لذهب جميعه. فإذا صرموا ما على النخلة تسابق الغربان إلى ما سقط من التمر فى جوف القلب «١» وأصول الكرب «٢» تستخرجه وتأكله.
ومما يتمثّل به فى الغراب: يقولون: «أحذر من غراب» . و «أصحّ من غراب» . و «أصفى نظرا من غراب» . و «أسود من غراب» .
ومما وصفت به الغربان- فمن ذلك قول عنترة:
حرق «٣» الجناح كأن لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع
وقال الطّرمّاح بن حكيم:
وجرى ببينهم غداة تحمّلوا ... من ذى الأثارب شاحج يتعبّد «٤»
شنج «٥» النّسا أدفى «٦» الجناح كأنه ... فى الدار إثر الظاعنين مقيّد
стр. 3478
وقال أبو يوسف بن هارون الزّيادىّ الأندلسىّ:
أبا حاتم ما أنت حاتم طيّئ ... وما أنت إلا حاتم الحدثان
خطبت ففرّقت الجميع بلكنة ... فما الظنّ لو تعطى بيان لسان
كأنّهم من سرعة البين أودعوا ... جناحيك واستحثثت «١» للطيران
وقال أحمد بن فرج الجبّائى:
أمّا الغراب فمؤذن بتغرّب ... وشكا «٢» فصدّق بالنّوى أو كذّب
داجى القناع كأن فى إظلامه ... إظلام يوم تفرّق وتغرّب
стр. 3479
الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الثالث فى بهائم الطير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى «الدّرّاج» و «الحبارى» و «الطاوس» و «الدّيك» و «الدّجاج» و «الحجل» و «الكركىّ» و «الإوزّ» و «البطّ» و «النّحام» «١» و «الأنيس» و «القاوند» و «الخطّاف» و «القيق» و «الزّرزور» و «السّمانى» و «الهدهد» و «العقعق» و «العصافير» .
قال الجاحظ: والبهيمة من الطير ما أكل الحبّ خالصا.
فأمّا الدّرّاج وما قيل فيه
- قال الجاحظ: إنه يبيض بين العشب، ولا سيما فيما طال منه والتوى.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: لحم الدّرّاج أفضل من الفواخت وأعدل وألطف وأيبس. قال: وهو يزيد فى الدّماغ والفهم، ويزيد فى المنىّ.
وقال أبو طالب المأمونىّ:
قد بعثنا بذات حسن بديع ... كنبات الرّبيع بل هى أحسن
فى رداء من جلّنار وآس ... وقميص من ياسمين وسوسن
وقال آخر:
صدور من الدّرّاج نمّق وشيها ... وصلن بأطراف اللّجين السّواذج
وأحداق تبر فى خدود شقائق ... تلألأ حسنا كاشتعال المسارج
стр. 3480
وأذناب طلع فى ظهور ملاعق ... مجزّعة الأعطاف صهب الدّمالج
فإن فخر الطاوس يوما بحسنه ... فلا حسن إلّا دون حسن الدّرارج
*** وأمّا الحبارى وما قيل فيه
- وتسمّيه أهل مصر الحبرج «١» .
قال الجاحظ: والحبارى أشدّ الطير طيرانا وأبعدها «٢» سقطا وأطولها شوطا وأقلّها عرجة «٣» ؛ وذلك أنه يصاد بالبصرة فيشقّ عن حوصلته بعد الذّبح فتوجد فيها الحبّة الخضراء لم تتغيّر ولم تفسد؛ والحبّة الخضراء من شجر البطم «٤» ومنابتها جبال الثغور الشاميّة. والحبارى له خزانة بين دبره وأمعائه، لا يزال فيها سلح رقيق لزج؛ فمتى ألحّ عليه جارح ذرق عليه فتمعّط «٥» ريشه. ولذلك يقال: الحبارى سلاحه سلاحه.
قال الشاعر:
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأى صقرا وأشرد من نعام
وهو يغتذى بسلحه إذا جاع. ويقال: الحبارى دجاجة البرّ تأكل كل ما دبّ حتى الخنافس؛ فلذلك يعاف أكله.
ووصف أبو نواس الحباريات فقال:
يخطرن فى برانس قشوب ... من حبر ظوهرن بالتّذهيب
فهنّ أمثال النّصارى الشّيب
стр. 3481
وأما الطاوس وما قيل فيه
- فهو ألوان منها الأخضر، والأرقط، والأبيض؛ ويوجد فى كلها الخيلاء. ولا تعرف هذه الألوان إلا فى بلاد الزّابج.
وفى طبع الطاوس الخيلاء والإعجاب بريشه. والأنثى تبيض بعد أن يمضى من عمرها ثلاث سنين. ولا يحصل التلوّن فى ريش الذّكر إلا بعد مضىّ هذه المدّة.
وتبيض الأنثى «١» مرتين فى السنة، فى كل مرّة اثنتى عشرة بيضة.
وقال الجاحظ: أوّل ما تبيض ثمانى بيضات، وتبيض أيضا بيض الرّيح.
ويسفد الذّكر فى أوان الربيع. ويلقى ريشه فى فصل الخريف، كما يلقى الشجر ورقه فيه؛ فإذا بدأت الأشجار تكتسى الأوراق بدأ الطاوس فاكتسى ريشا.
والذكر كثير العبث بالأنثى. والفرخ يخرج من البيضة [كاسيا «٢» ] كاسبا.
وزعم أرسطو أن الطاوس يعمّر خمسا وعشرين سنة. وقال أبو الصّلت [امية بن عبد «٣» العزيز الأندلسىّ] يصفه:
أبدى لنا الطاوس عن منظر ... لم ترعينى مثله منظرا
متوّج المفرق إلّا يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصرا
فى كل عضو ذهب مفرغ ... فى سندس من ريشه أخضرا
نزهة من أبصر، فى طيّها ... عبرة من فكّر واستبصرا
تبارك الخالق فى كلّ ما ... أبدعه منه وما صوّرا
стр. 3482
وقال فيه أيضا:
أهلا به لمّا بدا فى مشيه ... يختال فى حلل من الخيلاء
كالرّوضة الغنّاء أشرف فوقه ... ذنب له كالدّوحة الغنّاء
ناديته لو كان يفهم منطقى ... أو يستطيع إجابة لندائى
يا رافعا قوس السماء ولابسا ... للحسن روض الحزن غبّ سماء
أيقنت أنك فى الطيور مملّك ... لمّا رأيتك منه تحت لواء
وقال أبو الفتح كشاجم من قصيدة ذكر فيها طاوسا:
[وأىّ عذر لمقلة بعد الطّ ... اوس عنها إن لم تفض بدم «١» ]
رزئته روضة تروق ولم ... أسمع بروض سعى على قدم
متوّجا خلعة «٢» حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم
كأنه يزدجرد منتصبا ... يبنى فيعلى مآثر العجم
يطبق أجفانه ويحسر عن ... فصّين يستصحبان «٣» فى الظّلم
أدلّ بالحسن فاستذال له ... ذيلا من الكبر غير محتشم
ثم مشى مشية العروس فمن ... مستظرف معجب ومبتسم
*** وأما الدّيك والدّجاج وما قيل فيهما
- قالوا: والدّجاج ثلاثة أصناف: «نبطىّ» وهو ما يتّخذ فى القرى والبيوت، و «هندىّ» وهو عظم
стр. 3483
الخلق يتّخذ لحسن شكله، و «حبشىّ» وهو نوع بديع الحسن أرقط: نقطة سوداء ونقطة بيضاء، وله قرطان أخضران.
قالوا: والدّجاجة تجمع البيض بعد السّفاد فى أحد عشر يوما؛ وهى تبيض فى السنة كلها ما خلا شهرين شتويين. والذى عرّفناه نحن بديار مصر أنّ البيض لا ينقطع أبدا فى الفصول الأربعة، فيدلّ على أنها تبيض دائما. ومن الدّجاج ما يبيض فى اليوم مرّتين. والبيضة تكون عند خروجها ليّنة القشر جدّا؛ فإذا أصابها الهواء يبست. وربما وجد فى البيضة محّان. وقال أرسطو: باضت دجاجة فيما مضى ثمانى عشرة بيضة لكل بيضة محّان، ثم حضنت البيض فخرج من كل بيضة فرخان، أحدهما أعظم جثة من الآخر.
والدّجاجة تحضن عشرين يوما. وخلق الفرّوج يتبيّن إذا مضت عليه ثلاثة أيام. ويعرف الذّكر من الأنثى بأن يعلّق الفرّوج برأسه «١» فان تحرّك فذكر، وإن سكن فأنثى.
قال الجاحظ: والفرخ يخلق من البياض ويغتذى بالصّفرة ويتمّ خلقه لعشرة أيام؛ والرأس وحده يكون أكبر من سائر جسده. والدّجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها محّ، وإذا لم يكن له محّ لا يخلق منه فرّوج.
والدّجاجة تخشى ابن آوى دون سائر السّباع؛ وذلك أنه يمرّ عليها فى القرى ما يمرّ من السباع وغيرها فلا تخشاه؛ فإذا مرّ عليها ابن آوى وهى على سطح نالها
стр. 3484
من الفزع منه ما تلقى [به «١» ] نفسها إليه. وهى إذا قابلت الدّيك تشهّته «٢» ورامت السّفاد. والدّجاجة توصف بقلّة النوم. والفرّوج يخرج من البيضة كاسيا كاسبا، سريع الحركة، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه؛ ثم هو كلّما كبر ماق وحمق وزال كيسه. وهو مشترك الطبيعة: يأكل اللّحم، ويحسو الدّم، ويصيد الذّباب، وذلك من طباع الجوارح؛ ويلقط الحبوب، ويأكل البقول، وذلك من طباع بهائم الطير.
والله أعلم بالصواب.
ذكر ما جاء فى الدّيكة من الأحاديث وما عدّ من فضائلها وعاداتها ومنافعها
جاء فى الحديث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ ديكا صرخ عند النبىّ ﷺ ، فسبّه بعض أصحابه، فقال: «لا تسبّه فإنّه يدعو إلى الصلاة» .
وعن زيد بن خالد الجعفىّ: أن النبىّ ﷺ نهى عن سبّ الدّيك وقال: «إنّه يؤذّن للصلاة» . وعن سالم بن أبى الجعد يرفعه: أنّ النبىّ ﷺ قال: «إنّ ممّا خلق الله لديكا عرفه تحت العرش وبراثنه فى الأرض السّفلى وجناحاه فى الهواء فإذا ذهب ثلثا الليل وبقى ثلث ضرب بجناحيه ثم قال سبّحوا الملك القدّوس سبّوح قدّوس لا شريك له فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الدّيكة» . وعن كعب: «إنّ لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه فى أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الدّيكة يقول سبحان القدّوس الملك الرحمن لا إله غيره» .
وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إنّ الدّيك الأبيض صديقى
стр. 3485
وعدوّ عدوّ الله يحرس دار صاحبه وسبع دور» . وكان النبىّ ﷺ يبيّته معه فى البيت. وروى أنّ أصحاب النبىّ ﷺ كانوا يسافرون بالدّيكة.
قال الجاحظ: وزعم أصحاب التّجربة أن كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الدّيك الأبيض الأفرق «١» إنه لا يزال ينكب فى أهله وماله.
وقال فى كتاب الحيوان فى المناظرة بين الدّيك والكلب: وفى الديك الشّجاعة والصبر والجولان والثّقافة والتّسديد؛ وذلك أنه يقدّر إيقاع صيصيته «٢» بعين الديك الآخر أو مذبحه فلا يخطئ. قال: ثم معرفته بالليل وساعاته وارتفاق بنى آدم بمعرفته وصوته، يتعرّف آناء الليل وعدد الساعات ومقادير الأوقات ثم يقسّط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. فليعلم الحكماء أنه فوق الإسطرلاب وفوق مقدار الجزر»
والمدّ على منازل القمر، حتى كأن طبعه فلك [على حدته «٤» ] .
ومن عجيب أحوال الدّيكة أنها إذا كانت فى مكان ثم دخل عليها ديك غريب سفدته جميعا. والدّيك يضرب به المثل فى السخاء، وذلك أنه ينقر الحبّ ويحمله بطرفى منقاره إلى الدّجاج، فإذا ظفر بشىء من الحبّ والدّجاج غيب دعاهنّ إليه وقنع منه بدون حاجته توفيرا «٥» عليهنّ. قالوا: والدّيكة تعظم بدبيل «٦» السّند حتى تكون مثل النّعام.
стр. 3486
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ مرقة الديوك العتق لها خاصّيّات، سنذكرها. قال: والوجه الذى ذكره جالينوس فى طبخها أن تذبح بعد علفها وبعد إعدائها إلى أن تنبتّ «١» فتسقط فتذبح، ثم يخرج ما فى بطنها ويملأ بطنها ملحا ويخاط ويطبخ بعشرين قسطا ماء حتى ينتهى إلى الثّلث ويشرب. قال: ثم يزاد فى ذلك ما نذكره. قال: وأجود الدّيكة ما لم يصقع «٢» بعد. وأجود الدّجاج ما لم يبض، والعتيق ردىء. قال: ولحم الفراريج أحرّ من لحم الدّجاج الكبير. وخصىّ الدّيوك محمود سريع الهضم. ومرقة الدّيوك المذكورة توافق الرّعشة ووجع المفاصل. ولحم الدّجاج الفتىّ يزيد فى العقل، ودماغها يمنع النّزف الرّعافىّ العارض من حجب الدّماغ. ومرقة الدّيوك المذكورة نافعة من الرّبور. ولحم الدّجاج يصفّى الصوت. ومرقة الدّيك الهرم المعمولة بالقرطم والشّبث تنفع من جميع ذلك.
ومرقة الديوك نافعة لوجع المعدة من الرّيح، وتنفع القولنج جدّا. ولحم الدّجاج الفتىّ يزيد فى المنىّ؛ والمرقة المذكورة [مع البسفايج «٣» ] تسهّل السّوداء، ومع القرطم تسهّل البلغم. وقد تطبخ بالأدوية القابضة للسّحج «٤» ، وباللّبن لقروح المثانة.
والمرقة نافعة من الحميّات المزمنة. قال: والدّجاج المشقوق عن قلبه أو الديك يوضع على نهش الهوامّ ويبدّل كلّ ساعة فيمنع من فشوّ السمّ. وفى السموم المشروبة يتحسّى طبيخه «٥» بالشّبث والملح ويتقيّأ.
стр. 3487
ومن الحكايات التى تعدّ من خرافات العرب ما حكاه بعضهم عن الرّياشىّ «١» قال: كنّا عند الأصمعىّ، فوقف عليه أعرابىّ فقال: أنت الأصمعى؟ قال: نعم؛ قال: أنت أعلم أهل الحضر بكلام العرب؟ قال: يزعمون؛ قال: ما معنى قول أميّة بن أبى الصلت:
وما ذاك إلّا الدّيك شارب خمرة ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا «٢»
فلما استقلّ الصبح نادى بصوته ... ألا يا غراب هل رددت ردائيا
فقال الأصمعىّ: إنّ العرب كانت تزعم أنّ الدّيك كان ذا جناح يطير به فى الجوّ وأنّ الغراب كان ذا جناح كجناح الدّيك لا يطير به وأنهما تنادما ليلة فى حانة يشربان فنفد شرابهما؛ فقال الغراب للدّيك: لو أعرتنى جناحك لأتيتك بشراب؛ فأعاره جناحه، فطار ولم يرجع إليه؛ فزعموا أنّ الديك إنما يصيح عند الفجر استدعاء لجناحه من الغراب؛ فضحك الأعرابىّ وقال: ما أنت إلا شيطان.
وهذه الحكاية ذكرها الجاحظ فى كتاب الحيوان بنحو ما حكى عن الأصمعىّ، وساق أبيات أميّة بن أبى الصّلت، وهى:
ولا «٣» غرو إلّا الديك مدمن خمرة ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا
ومرهنه عند الغراب جبينه ... فأوفيت مرهونا وخان مسابيا «٤»
أدلّ علىّ الدّيك أنّى كما ترى ... فأقبل على شأنى وهاك ردائيا
стр. 3488
أمنتك «١» لا تلبث من الدهر ساعة ... ولا نصفها حتى تؤوب مآبيا
ولا تدركنك الشمس عند طلوعها ... فأغلق «٢» فيهم أو يطول ثوائيا
فردّ الغراب والرداء يحوزه ... إلى الدّيك وعدا كاذبا وأمانيا
بأيّة ذنب أو بأيّة حجّة ... أدعك فلا تدعو علىّ ولاليا «٣»
فإنى نذرت حجّة لن أعوقها ... فلا تدعونّى دعوة من ورائيا
تطيّرت منها والدّعاء يعوقنى ... وأزمعت حجّا أن أطير أماميا
فلا تيأسن إنى مع الصبح باكرا ... أوافى غدا نحو الحجيج الغواديا
كحب امرئ فاكهته قبل حجّتى ... وآثرت عمدا شأنه قبل شانيا
هنا لك ظنّ الدّيك أن زال زوله ... وطال عليه الليل أن لا مفاديا
فلما أضاء الصبح طرّب صرخة ... ألا يا غراب هل سمعت ندائيا
على ودّه لو كان ثم يجيبه ... وكان له ندمان صدق مواتيا
وأمسى الغراب يضرب الأرض كلّها ... عتيقا «٤» وأضحى الدّيك فى القدّ عانيا
فذلك مما أسهت الخمر لبّه ... ونادم ندمانا من الطير عاديا «٥»
ومن الحكايات التى لا بأس بإيرادها فى هذا الموضع ما حكاه الجاحظ قال:
قال أبو الحسن: حدّثنى أعرابىّ كان نزل البصرة قال: قدم علىّ أعرابىّ من البادية فأنزلته، وكان عندى دجاج كثير ولى امرأة وابنان وابنتان منها؛ فقلت لامرأتى: بادرى واشوى لنا دجاجة وقدّميها إلينا نتغدّها. فلما حضر الغداء جلسنا جميعا أنا وامرأتى
стр. 3489
وابناى وابنتاى والأعرابىّ. قال: فدفعنا إليه الدجاجة فقلنا له: اقسمها بيننا، نريد بذلك أن نضحك منه؛ فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتى قسمتها بينكم؛ قلنا: فإنّا نرضى. فأخذ رأس الدجاجة فقطعه وناولنيه وقال: الرأس للرئيس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين، ثم قطع الساقين وقال: الساقان للابنتين، ثم قطع الزّمكّى «١» وقال: العجز للعجوز، وقال: الزّور «٢» للزائر؛ قال: فأخذ الدجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلمّا كان من الغد قلت لامرأتى: اشوى لنا خمس دجاجات، فلما حضر الغداء قلنا له: اقسم بيننا؛ فقال: إنى أظن أنكم وجدتم فى أنفسكم؛ قلنا:
لم نجد فاقسم بيننا؛ قال: أقسم شفعا أو وترا؟ قلنا: اقسم وترا؛ قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة، ثم رمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: وابناك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال:
وأنا ودجاجتان ثلاثة وأخذ دجاجتين وسخر بنا. فرآنا ننظر إلى دجاجتيه فقال:
ما تنظرون! لعلكم كرهتم قسمتى! الوتر لا يجىء إلّا هكذا، فهل لكم فى قسمة الشّفع؟ قلنا نعم؛ فضمّهنّ «٣» إليه ثم قال: أنت وابناك ودجاجة أربعة، ورمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهنّ بدجاجة؛ ثم قال: وأنا وثلاث دجاجات أربعة وضمّ إليه الثلاث، ورفع يديه إلى السماء فقال:
اللهمّ لك الحمد، أنت فهّمتنيها. هكذا ساقها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
وحكى غيره هذه الحكاية عن الأصمعىّ وفيها زيادة، قال: حكى الأصمعىّ: بينا
стр. 3490
أنا فى البادية إذا أنا بأعرابىّ على ناقة وهى ترقص به فى الآل؛ فلمّا دنا منّى سلّم علىّ، فسلّمت عليه وقلت: يا أخا العرب
قوم بخفّان «١» عهدناهم ... سقاهم الله من النّو
ما النّو؟ فقال:
نوء السّماكين وريّاهما ... نور تلالا بعد إيماضه ضو «٢»
فقلت: ما الضّو يا أخا العرب؟ فقال:
ضوء تلالا فى دجى ليلة ... مقمرة مسفرة لو
فقلت: لو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
لو مرّ فيها سائر راكب ... على نجيب الأرض منطو
فقلت: منطو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
منطوى الكشح هضيم الحشى ... كالباز ينقضّ من الجوّ
فقلت: ما الجوّ يا أخا العرب؟ فقال:
جوّ السما والريح تعلو به ... فاشتمّ ريح الأرض فاعلوّ
فقلت: فاعلو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
فاعلو لما قد فات من صيده ... لا بدّ أن تلقى ويلقوا
فقلت: ماذا يلقوا يا أخا العرب؟ فقال:
يلقوا بأسياف يمانيّة ... وعن قليل سوف يفنوا
стр. 3491
فقلت: ما يفنوا يا أخا العرب؟ فقال:
إن كنت تنكر «١» ما قلته ... فأنت عندى رجل بوّ
فقلت: وما البوّ يا أخا العرب؟ فقال:
البوّ من يفقد عن أمّه ... يا أحمق الناس فرح أو
قلت: أو إيش؟ فقال:
تندفع الكفّ بصفع القفا ... تسمع ما بينهما قوّ
فقلت: يا أخا العرب، هل لك فى الضيافة؟ فقال: لا يأبى الكرامة إلّا لئيم؛ فأتيت به منزلى. ثم ساق الحكاية بنحو ما تقدّم، إلا أنه قال: فأتيته فى اليوم الثانى بثلاث دجاجات، وقلت: نحن كما علمت، اقسمها بيننا أزواجا؛ فقال: أنت وابناك ودجاجة زوج، وامرأتك وابنتاها ودجاجة زوج، وأنا ودجاجة زوج.
وساق خبر الخمسة فى اليوم الثالث كما تقدّم.
*** ذكر شىء مما وصفت به الشعراء البيضة والدّجاجة والدّيك
فمن ذلك ما وصفوا به البيضة. قال أبو الفرج الأصبهانىّ من أبيات:
فيها بدائع صنعة ولطائف ... ألّفن بالتّقدير والتلفيق
خلطان مائيّان ما اختلطا على ... شكل ومختلف المزاج رقيق
فبياضها ورق وزئبق محّها ... فى حقّ عاج بطّنت بدبيقى «٢»
стр. 3492
وقال شاعر:
وصفراء فى بيضاء رقّت غلالة ... لها وصفا ما فوقها من ثيابها
جماد ولكن بعد عشرين ليلة «١» ... ترى نفسها معمورة من خرابها
وقال كشاجم من أبيات يذكر فيها جونة «٢» أهديت إليه وفيها بيض مسلوق مصبوغ أحمر:
وجاءنا فيها بيض أحمر ... كأنه العقيق ما لم يقشر
حتى إذا قدّمه مقشّرا ... أبرز من تحت عقيق دررا
حتى إذا ما قطّع البيض فلق ... رأيت منه ذهبا تحت ورق
يخال أنّ الشطر منه من لمح ... أعاره تلوينه قوس قزح
ومما قيل فى الدّجاجة والدّيك
قال الشاعر:
غدوت بشربة من ذات عرق «٣» ... أبا الدّهناء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل «٤» ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير
كأن الديك ديك بنى نمير ... أمير المؤمنين على السّرير
كأن دجاجهم فى الدار رقطا ... وفود الروم فى قمص الحرير
стр. 3493
فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرجل القصير
أدافعهنّ بالكفّين عنّى ... وأمسح جانب القمر المنير
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ من أبيات يصف ديكا:
مغرّد الليل ما يألوك تغريدا ... ملّ الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا
لما تطرّب هزّ العطف من طرب ... ومدّ للصوت لمّا مدّه الجيدا
كلابس مطرفا مرخ جوانبه «١» ... تضاحك البيض من أطرافه السّودا
حالى المقلّد لو قيست قلادته ... بالورد قصّر عنها الورد توريدا
ران بفصّى عقيق يدركان له ... من حدّة فيهما ما ليس محدودا
تقول هذا عقيد «٢» الملك منتسبا ... فى آل كسرى عليه التاج معقودا
أو فارس شدّ مهمازيه حين رأى ... لواء قائده للحرب معقودا
وقال أبو هلال العسكرىّ:
متوّج بعقيق ... مقرّط بلجين
عليه قرطق وشى ... مشمّر الكمّين «٣»
قد زيّن النّحر منه ... ثنتان كالوردتين
حتى إذا الصبح يبدو ... مطرّز الطّرّتين
دعا فأسمع منّا ... من كان ذا أذنين
يزهى بطوق وتاج ... كأنه ذو رعين»
стр. 3494
وقال الأسعد بن بلّيطة «١» :
وقام لنا ينعى الدّجى ذو شقيقة «٢» ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا «٣»
إذا صاح أصغى سمعه لندائه ... وبادر ضربا من قوادمه الإبطا
ومهما اطمأنت نفسه قام صارخا ... على خيزران «٤» نيط من ظفره خرطا
كأنّ أنوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كفّ مارية «٥» القرطا
[سبى حلّة الطاوس «٦» حسن لباسها ... ولم يكفه حتى سبى المشية البطّا]
وقال أبو عبد الله المالكىّ:
رعى الله ذا صوت أنسنا بصوته ... وقد بان فى وجه الظلام شحوب
دعا من بعيد صاحبا فأجابه ... يخبّرنا أنّ الصباح قريب
وقال ابن المعتزّ:
بشّر بالصبح هاتف هتفا ... صاح «٧» من اللّيل بعد ما انتصفا
стр. 3495
مذكّر بالصّبوح صاح لنا ... كأنّه فوق منبر وقفا
صفّق إمّا ارتياحة لسنا ال ... فجر وإمّا على الدّجى أسفا
وقال أيضا فيه:
وقام فوق الجدار مشترف ... كمثل طرف علاه أسوار «١»
رافع رأس طورا وخافضه ... كأنما العرف منه منشار
وقال السّرىّ الرّفّاء:
كشف الصباح قناعه فتألّقا ... وسطا على اللّيل البهيم وأبرقا «٢»
وعلا فلاح على الجدار موشّح ... بالوشى توّج بالعقيق وطوّقا
مرخ فضول التاج من لبّاته ... ومشمّر وشيا عليه منمّقا
وقال أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىّ يرثى ديكا ويصفه:
أبنىّ منزلنا ونشو محلّنا ... وغذىّ أيدينا نداء مشوق
لهفى عليك أبا النّذير «٣» لو انّه ... دفع المنايا عنك لهف شفيق
وعلى شمائلك اللّواتى ما نمت ... حتى ذوت من بعد حسن سموق
لما بقعت «٤» وصرت علق مضنّة «٥» ... ونشأت نشو المقبل الموموق
وتكاملت جمل الجمال بأسرها ... لك من جليل خالص ودقيق
стр. 3496
وكسيت «١» كالطاوس ريشا لامعا ... متلألئا ذا رونق وبريق
من صفرة مع خضرة فى حمرة ... تخييلها يخفى على التّحقيق «٢»
عرض يجلّ عن القياس وجوهر ... لطفت معانيه عن التّدقيق
وكأنّ سالفتيك تبر سائل ... وعلى المفارق منك تاج عقيق
وكأنّ مجرى الصوت منك، إذا نبت ... وجفت «٣» عن الأسماع بحّ حلوق،
ناى رقيق «٤» ناعم قرنت به ... نغم مؤلّفة من الموسيقى
تزقو وتصفق بالجناح كمنتش ... وصلت يداه الصوت بالتّصفيق
وخطرت «٥» ملتحفا بمرط حبّرت ... فيه بديع الوشى كفّ أنيق
كالجلّنارة أو ضياء «٦» عقيقة ... أو لمع نار أو وميض بروق
أو قهوة تختال فى بلّورة ... بتألّق اللّمعان والتّزويق «٧»
وكأنما الجادىّ جاد بصبغه ... لك أو غدوت مضمّخا بخلوق
وقال شاعر أندلسىّ:
وكائن نفى النوم من عين فان ... بديع الملاحة حلو المعانى
بأجفان عينيه ياقوتتان ... كأنّ وميضهما جمرتان
стр. 3497
على رأسه التاج مستشرفا ... كتاج ابن هرمز فى المهرجان
وقرطان من جوهر أحمر ... يزينانه زين قرط الحصان
له عنق حولها رونق ... كما حوت الخمر إحدى القنانى
ودار برائله «١» حولها ... لها ثوب شعر من الزعفران
ودارت بجؤجئه حلّة ... تروق كما راقك الخسروانى
وقام له ذنب معجب ... كباقة زهر بدت من بنان
وقاس جناحا على ساقه ... كما قيس ستر على خيزران
وصفّق تصفيق مستهتر ... بمحمّرة من بنات الدّنان
وغرّد تغريد ذى لوعة ... يبوح بأشواقه للغوانى
وقال أبو علىّ بن رشيق حيث مزّق عنه جلباب الممادح، وتركه من شمل الذمّ فى الرأى الفاضح:
قام بلا عقل ولا دين ... يخلط تصفيقا بتأذين
فنبّه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا من غير ما حين
بصرخة تبعث موتى البكرى ... قد أذكرت نفخ سرافين «٢»
كأنّها فى حلقه غصّة ... أغصّه الله بسكّين
стр. 3498
وأما الحجل وما قيل فيه
- والحجل طائر يسمّى: «دجاج البرّ» وهو صنفان: نجدىّ، وتهامىّ. فالنجدىّ أخضر أحمر الرجلين. والتّهامىّ فيه بياض وخضرة. وسمّى الذكر «يعقوب» ، والفرخ الذّكر «السّلك» ، والأنثى «السّلكة» .
وهو من الطير الذى يخرج فرخه كاسيا كاسبا. ويقال: إنّ الحجلة إذا لم تلقح تمرّغت فى التراب ورشّته على أصول ريشها فتلقح. ويقال: إنها تبيض بسماع صوت الذّكر وبريح تهبّ من ناحيته.
قال أبو عثمان الجاحظ: وإذا باضت الحجلة ميّز الذكر الذكور منها فيحضنها، وميّزت الأنثى الإناث فتحضنها، وكذلك هما فى التربية. قال: وكلّ واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة. ولا تلقح الأنثى بالبيض، ولا يلقح الذكر إلّا بعد مضىّ ثلاث سنين. والذكر شديد الغيرة على الأنثى. فإذا اجتمع ذكران اقتتلا، فأيّهما غلب ذلّ له الآخر؛ وذهبت الأنثى مع الغالب. والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عشّ أخرى وغلبتها على بيضها. وقد وصف «١» أبو علىّ بن رشيق القيراوانىّ الحجل فقال:
ما أغربت فى زيّها «٢» ... إلّا يعاقيب الحجل
جاءتك مثقلة التّرا ... ئب بالحلىّ وبالحلل
صفر الجفون كأنما ... باتت بتبر تكتحل
стр. 3499
مشقوقة شقّ الزّ ... جاج لمن تأمّل أو عقل
وصلت مذابحها الرءو ... س بحمرة فيها شعل
لولا اختلاف الجنس وال ... تركيب جاءت فى المثل
كلحى الثمانين التى ... خضبت ومنها ما نصل
أو كاللّثام أزاله ... فرط التّلفّت والعجل
وتخالهنّ جواريا ... لا يزدرين من العطل
رمت الثّياب الى ورا ... ء عن المناكب تتجدل
وبدت سراويلاتها ... يسحبن وشيا من قبل
حمر من الرّكبات فى ... لون الشقائق أو أجلّ
عقّدنها فوق الصدو ... ر مخالسات للقبل
وشددن بالأعضاد من ... حذر عليها أن تحلّ
وكأنما باتت أصا ... بعها بحنّاء تعلّ «١»
من يستحلّ لصيدها ... فأنا امرؤ لا أستحلّ
*** وأمّا الكركىّ وما قيل فيه
- ويقال: إنه «الغرنيق» ؛ ويقال:
إن الغرنيق صنف منه. وهو طائر أخضر طويل المنقار والرجلين. وسفاده فى السّرعة كالعصفور. وله مشات ومصايف. وفى طبعه التّناصر؛ ولهذا أنّه لا يطير متقطّعا ولا متباعدا بل صفّا واحدا، يقدمها واحد منها كالرئيس لها المقدّم
стр. 3500
عليها وهى تتبعه، يكون كذلك حينا، ثم يخلفه آخر منها. وفى طبع الكركىّ وعادته أنّ أبويه إذا كبرا عالهما.
وقال أرسطو: إن الغرانيق من الطير القواطع وليست من الأوابد، وإنها إذا أحسّت بتغيّر الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها. وكلّ منها ينام على إحدى رجليه قائما. ويقال: إن الكراكىّ إذا كبرت اسودّ ريشها وهو فى شيبتها رمادىّ.
وقد ظهر بالديار المصريّة فى شهور سنة خمس عشرة وسبعمائة صنف من الكراكىّ أبيض اللون ناصع البياض حسن الصورة، وهو أكبر جثّة من الكركىّ المعتاد.
وقال النّاشى فى وصف الكراكىّ:
ومورد يجذل قلب الوامق ... منظّم بالغرّ والغرانق
وكلّ طير صافر أو ناعق ... مكتهل وبالغ ولاحق
موشيّة الصدور والعواتق ... بكل وشى فاخر وفائق
تختال فى أجنحة خوافق ... كأنما تختال فى قراطق
يرفلن فى قمص وفى يلامق «١» ... كأنّهنّ زهر الحدائق
حمر الحداق كحل الحمالق ... كأنما يجلن فى مخانق «٢»
*** وأمّا الإوزّ وما قيل فيه
- والإوزّ ثلاثة أصناف: بطائحىّ وهو الطويل الأسود [بزرقة «٣» ] ، وتركىّ وهو المدوّر المائل إلى البياض، وخبىّ «٤» وهو
стр. 3501
الضخم الكبير منها. ويقال: إن الإوز إذا فرغ من السّفاد وسبح فى الماء فإنما يفعل ذلك لتمام اللّذة. والأنثى تحضن بيضها ثلاثين يوما. والذكور تحنو على الفراخ. ولكلّ منها قضيب يسفد به كالبطّ. والإوزّ البطائحىّ، وهو المعروف بمصر بالعراقىّ، يخالف الحبىّ فى الصياح؛ لأن الخبىّ تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحىّ بخلاف ذلك. والخبىّ من الطير الأوابد التى لا تبرح من الأماكن التى تربّى فيها لثقل أجسامها، وإذا نهضت فلا ترتفع من الأرض إلّا يسيرا.
والعراقيّات من الطير القواطع التى تنتقل من مكان إلى آخر، وترى فى وقت دون وقت.
وقال ابن رشيق يصف فحل إوزّ:
نظرت إلى فحل الإوزّ فخلته ... من الثّقل فى وحل وما هو فى وحل
ينقّل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشى فى النّعل
له عنق كالصّولجان ومخطم ... حكى طرف العرجون من يانع النّخل
يداخله زهو فيلحظ من عل «١» ... جوانبه ألحاظ متّهم العقل
يضمّ جناحيه إليه كما ارتدى ... رداء جديدا من بنى البدو ذو جهل
*** وأمّا البطّ وما قيل فيه
- وهو أصناف: منها الوحشىّ، والأهلىّ.
ومن الوحشىّ «اللّقلق»
» ؛ ومن الأهلىّ «الصّينىّ» . وفراخه تخرج كاسية كاسبة.
стр. 3502
وقيل: إن بالزّابج بطّا بيضا وحمرا ورقطا طوال الأعناق قصار الأرجل. والبطّ يطير على وجه الماء، وليس من طير الماء، لأنه لا يأويه دائما ولا يغتذى بالسمك. وهو يأكل النبات والبذور؛ وله قضيب يخرج من دبره كذكر الكلب عظيم جدّا بالنسبة إليه؛ فى رأسه زرّ كالفلكة «١» ؛ فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب لجنبه؛ ويحصل له عند السّفاد من الالتحام ما يحصل للكلب.
وقال أبو علىّ بن سينا: وطبع البطّ حارّ أسخن من جميع الطيور الأهلية. قال قال بعضهم: هو يسخّن المبرود ويورث المحرور «٢» حمّى. قال: وشحمه عظيم فى تسكين الوجع وتسكين اللذع من عمق البدن؛ وهو أفضل شحوم الطير. ولحمه يكثر الرّياح، وقانصته كثيرة الغذاء، ولحمه يسمّن، وهو بطىء فى المعدة ثقيل، وإذا انهضم كان أغذى من جميع لحوم الطير؛ وهو يزيد فى الباه ويكثر المنىّ.
*** وأمّا النّحام «٣» وما قيل فيه
- قالوا: والنّحام يكون أفرادا وأزواجا.
وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا «٤» فنام ذكوره ولا تنام إناثه. وتعدّ لها مباتات، إذا ذعرت فى واحد منها طارت إلى آخر. ويقال: إنه لا يسفد ولا يخرج فراخه بالحضن وإنما تبيض الأنثى من زقّ الذكر. وإذا باضت تغرّبت وبقى الذّكر عند البيض يذرق عليه ليس إلّا، فيقوم ذرقه مقام الحضن. فإذا تمّت مدّة ذلك خرجت
стр. 3503
الفراخ لا حراك بها؛ فتجىء الأنثى فتنفخ فى مناقيرها حتى يجرى ذلك النفخ فيها روحا، ثم يتعاون الذّكر والأنثى جميعا على التربية. وإذا قويت الفراخ على الطّعم وأمكنها التكسّب لنفسها طردها الذّكر.
*** وأمّا الأنيس وما قيل فيه
- فقال أرسطو: إنّه حادّ البصر، وصوته يشبه صوت الجمل ويحاكيه. ومأواه فى قرب الأنهار وفى الأماكن الكثيرة المياه الملتفّة الشجر. وله لون حسن وتدبير فى معاشه. والناس يتغالون به إذا وقع لهم ويجعلونه فى بيوتهم.
*** وأمّا القاوند وما قيل فيه
- قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه: كنت أسمع بشحم القاوند ولم أدر ما هو: حيوان هوائىّ أم مائىّ أم أرضىّ، حتى وقفت على كتاب موضوع فى طبائع الحيوان وخواصّه ليس عليه اسم المصنّف، فرأيته قد قال: «القاوند طائر يتّخذ وكره على ساحل البحر ويحضن بيضه سبعة أيّام، وفى اليوم السابع يخرج فراخه ثم يزقّها سبعة أيام. والمسافرون فى البحر يتيمّنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الرّيح وحلول أيام السفر» .
*** وأمّا الخطّاف وما قيل فيه
- والخطّاف يسمّى «زوّار الهند» .
وهو من الطيور القواطع التى تقطع البلاد البعيدة إلى الناس رغبة فى القرب منهم والإلف بهم، وهو مع ذلك لا يبنى بيته إلّا فى أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم.
ومن عجيب حاله أنّ عينه تقلع فترجع؛ وهو لا يرى أبدا يقف على شىء يأكله،
стр. 3504
ولا يرى يسافد ولا يجتمع بأنثاه. والأنثى تبيض مرّة واحدة فى السنة، وقيل:
مرتين؛ وكلاهما قاله الجاحظ. والخفّاش عدوّ الخطّاف؛ فهو إذا فرّخ وضع فى أعشاشه قضبان الكرفس، فلا يؤذى فراخه إذا شمّ رائحة الكرفس. وهو لا يفرّخ فى عشّ عتيق حتى يطيّنه بطين جديد. وهو يبنى عشّه بالطين والتّبن. فإذا لم يجد طينا مهيّأ ألقى نفسه فى الماء ثم تمرّغ فى التّراب حتى يمتلئ جناحاه ثم يجمعه بمنقاره.
وهو يسوّى فى الطّعم بين فراخه. ولا يترك فى عشّه زبلا بل يلقيه خارجا.
وأصحاب اليرقان يلطّخون فراخ الخطّاف بالزعفران؛ فإذا رآها صفرا ظنّ أنّ اليرقان أصابها من شدّة الحرّ، فيذهب ويأتيها بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجر أصفر، فيأخذه المحتال فيعلّقه على نفسه أو يحكّه ويشرب من مائه [يسيرا «١» ] فيبرأ.
والخطّاف متى سمع صوت الرّعد مات.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: قال ديسقوريدس: إنّ أوّل بطن للخطّاف إذا شقّ وجد فيه حصاتان، إحداهما ذات لون واحد والأخرى ذات ألوان كثيرة، إذا جعلتا فى جلد عجل قبل أن يصيبه تراب وربط على عضد المصروع ورقبته انتفع به، قال: وقد جرّبت ذلك وأبرأ المصروع. قال: وأكل الخطّاف يحدّ البصر، وقد يجفّف ويسقى. والشربة منه مثقال. وقيل: إنّ دماغه بعسل نافع من ابتداء الماء، وكذلك دماغ الخفّاش. قال: وإن ملّح الخطّاف وجفّف وشرب منه درهمان نفع من الخناق. قال بعض الأطباء: المشهور عند الأطباء أن عشّ الخطاطيف إذا حلّ فى ماء وصفّى وشرب سهّل الولادة.
стр. 3505
وقد ألمّ الشعراء فى أشعارهم بوصف الخطّاف؛ فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابى:
وهنديّة الأوطان زنجيّة الخلق ... مسوّدة الأثواب محمرّة الحدق
كأنّ بها حزنا وقد لبست له ... حدادا وأذرت من مدامعها العلق «١»
إذا صرصرت صرّت بآخر صوتها ... كما صرّ ملوى العود بالوتر الحزق «٢»
تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها ... ففى كلّ عام نلتقى ثم نفترق
وقال السّرىّ الرّفّاء يصفها من أبيات ويذكر غرفة:
وغرفتنا بين السحائب تلتقى ... لهنّ عليها «٣» كلّة ورواق
تقسّم زوّار من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاق
أعاجم تلتذّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق
أنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشميتها غدر بنا وإباق
مواصلة والورد فى شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق
وقال أيضا:
وغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرة فى كلّ عام تزورها
مبيّضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها
لهنّ لغات معجمات كأنها ... صرير نعال «٤» السّبت عال صريرها
следующие страницы →