← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الضخم الكبير منها. ويقال: إن الإوز إذا فرغ من السّفاد وسبح فى الماء فإنما يفعل ذلك لتمام اللّذة. والأنثى تحضن بيضها ثلاثين يوما. والذكور تحنو على الفراخ. ولكلّ منها قضيب يسفد به كالبطّ. والإوزّ البطائحىّ، وهو المعروف بمصر بالعراقىّ، يخالف الحبىّ فى الصياح؛ لأن الخبىّ تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحىّ بخلاف ذلك. والخبىّ من الطير الأوابد التى لا تبرح من الأماكن التى تربّى فيها لثقل أجسامها، وإذا نهضت فلا ترتفع من الأرض إلّا يسيرا. والعراقيّات من الطير القواطع التى تنتقل من مكان إلى آخر، وترى فى وقت دون وقت. وقال ابن رشيق يصف فحل إوزّ: نظرت إلى فحل الإوزّ فخلته ... من الثّقل فى وحل وما هو فى وحل ينقّل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشى فى النّعل له عنق كالصّولجان ومخطم ... حكى طرف العرجون من يانع النّخل يداخله زهو فيلحظ من عل «١» ... جوانبه ألحاظ متّهم العقل يضمّ جناحيه إليه كما ارتدى ... رداء جديدا من بنى البدو ذو جهل *** وأمّا البطّ وما قيل فيه - وهو أصناف: منها الوحشىّ، والأهلىّ. ومن الوحشىّ «اللّقلق» » ؛ ومن الأهلىّ «الصّينىّ» . وفراخه تخرج كاسية كاسبة.

стр. 3502

وقيل: إن بالزّابج بطّا بيضا وحمرا ورقطا طوال الأعناق قصار الأرجل. والبطّ يطير على وجه الماء، وليس من طير الماء، لأنه لا يأويه دائما ولا يغتذى بالسمك. وهو يأكل النبات والبذور؛ وله قضيب يخرج من دبره كذكر الكلب عظيم جدّا بالنسبة إليه؛ فى رأسه زرّ كالفلكة «١» ؛ فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب لجنبه؛ ويحصل له عند السّفاد من الالتحام ما يحصل للكلب. وقال أبو علىّ بن سينا: وطبع البطّ حارّ أسخن من جميع الطيور الأهلية. قال قال بعضهم: هو يسخّن المبرود ويورث المحرور «٢» حمّى. قال: وشحمه عظيم فى تسكين الوجع وتسكين اللذع من عمق البدن؛ وهو أفضل شحوم الطير. ولحمه يكثر الرّياح، وقانصته كثيرة الغذاء، ولحمه يسمّن، وهو بطىء فى المعدة ثقيل، وإذا انهضم كان أغذى من جميع لحوم الطير؛ وهو يزيد فى الباه ويكثر المنىّ. *** وأمّا النّحام «٣» وما قيل فيه - قالوا: والنّحام يكون أفرادا وأزواجا. وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا «٤» فنام ذكوره ولا تنام إناثه. وتعدّ لها مباتات، إذا ذعرت فى واحد منها طارت إلى آخر. ويقال: إنه لا يسفد ولا يخرج فراخه بالحضن وإنما تبيض الأنثى من زقّ الذكر. وإذا باضت تغرّبت وبقى الذّكر عند البيض يذرق عليه ليس إلّا، فيقوم ذرقه مقام الحضن. فإذا تمّت مدّة ذلك خرجت

стр. 3503

الفراخ لا حراك بها؛ فتجىء الأنثى فتنفخ فى مناقيرها حتى يجرى ذلك النفخ فيها روحا، ثم يتعاون الذّكر والأنثى جميعا على التربية. وإذا قويت الفراخ على الطّعم وأمكنها التكسّب لنفسها طردها الذّكر. *** وأمّا الأنيس وما قيل فيه - فقال أرسطو: إنّه حادّ البصر، وصوته يشبه صوت الجمل ويحاكيه. ومأواه فى قرب الأنهار وفى الأماكن الكثيرة المياه الملتفّة الشجر. وله لون حسن وتدبير فى معاشه. والناس يتغالون به إذا وقع لهم ويجعلونه فى بيوتهم. *** وأمّا القاوند وما قيل فيه - قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه: كنت أسمع بشحم القاوند ولم أدر ما هو: حيوان هوائىّ أم مائىّ أم أرضىّ، حتى وقفت على كتاب موضوع فى طبائع الحيوان وخواصّه ليس عليه اسم المصنّف، فرأيته قد قال: «القاوند طائر يتّخذ وكره على ساحل البحر ويحضن بيضه سبعة أيّام، وفى اليوم السابع يخرج فراخه ثم يزقّها سبعة أيام. والمسافرون فى البحر يتيمّنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الرّيح وحلول أيام السفر» . *** وأمّا الخطّاف وما قيل فيه - والخطّاف يسمّى «زوّار الهند» . وهو من الطيور القواطع التى تقطع البلاد البعيدة إلى الناس رغبة فى القرب منهم والإلف بهم، وهو مع ذلك لا يبنى بيته إلّا فى أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم. ومن عجيب حاله أنّ عينه تقلع فترجع؛ وهو لا يرى أبدا يقف على شىء يأكله،

стр. 3504

ولا يرى يسافد ولا يجتمع بأنثاه. والأنثى تبيض مرّة واحدة فى السنة، وقيل: مرتين؛ وكلاهما قاله الجاحظ. والخفّاش عدوّ الخطّاف؛ فهو إذا فرّخ وضع فى أعشاشه قضبان الكرفس، فلا يؤذى فراخه إذا شمّ رائحة الكرفس. وهو لا يفرّخ فى عشّ عتيق حتى يطيّنه بطين جديد. وهو يبنى عشّه بالطين والتّبن. فإذا لم يجد طينا مهيّأ ألقى نفسه فى الماء ثم تمرّغ فى التّراب حتى يمتلئ جناحاه ثم يجمعه بمنقاره. وهو يسوّى فى الطّعم بين فراخه. ولا يترك فى عشّه زبلا بل يلقيه خارجا. وأصحاب اليرقان يلطّخون فراخ الخطّاف بالزعفران؛ فإذا رآها صفرا ظنّ أنّ اليرقان أصابها من شدّة الحرّ، فيذهب ويأتيها بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجر أصفر، فيأخذه المحتال فيعلّقه على نفسه أو يحكّه ويشرب من مائه [يسيرا «١» ] فيبرأ. والخطّاف متى سمع صوت الرّعد مات. وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: قال ديسقوريدس: إنّ أوّل بطن للخطّاف إذا شقّ وجد فيه حصاتان، إحداهما ذات لون واحد والأخرى ذات ألوان كثيرة، إذا جعلتا فى جلد عجل قبل أن يصيبه تراب وربط على عضد المصروع ورقبته انتفع به، قال: وقد جرّبت ذلك وأبرأ المصروع. قال: وأكل الخطّاف يحدّ البصر، وقد يجفّف ويسقى. والشربة منه مثقال. وقيل: إنّ دماغه بعسل نافع من ابتداء الماء، وكذلك دماغ الخفّاش. قال: وإن ملّح الخطّاف وجفّف وشرب منه درهمان نفع من الخناق. قال بعض الأطباء: المشهور عند الأطباء أن عشّ الخطاطيف إذا حلّ فى ماء وصفّى وشرب سهّل الولادة.

стр. 3505

وقد ألمّ الشعراء فى أشعارهم بوصف الخطّاف؛ فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابى: وهنديّة الأوطان زنجيّة الخلق ... مسوّدة الأثواب محمرّة الحدق كأنّ بها حزنا وقد لبست له ... حدادا وأذرت من مدامعها العلق «١» إذا صرصرت صرّت بآخر صوتها ... كما صرّ ملوى العود بالوتر الحزق «٢» تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها ... ففى كلّ عام نلتقى ثم نفترق وقال السّرىّ الرّفّاء يصفها من أبيات ويذكر غرفة: وغرفتنا بين السحائب تلتقى ... لهنّ عليها «٣» كلّة ورواق تقسّم زوّار من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاق أعاجم تلتذّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق أنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشميتها غدر بنا وإباق مواصلة والورد فى شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق وقال أيضا: وغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرة فى كلّ عام تزورها مبيّضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها لهنّ لغات معجمات كأنها ... صرير نعال «٤» السّبت عال صريرها

стр. 3506

وقال أبو هلال العسكرىّ: وزائرة فى كلّ عام تزورنا ... فيخبر عن طيب الزمان مزارها تخبّر أنّ الجوّ رقّ قميصه ... وأنّ رياضا قد توشّى إزارها وأنّ وجوه الغدر راق بياضها ... وأنّ متون الأرض راع اخضرارها تحنّ إلينا وهى من غير شكلنا ... فتدنو على بعد من الشكل دارها ويعجبنا وسط العراص وقوعها «١» ... ويؤنسنا بين الدّيار مطارها أغار على ضوء الصباح قميصها ... وفاز بألوان الليالى خمارها تصيح كما صرّت نعال عرائس ... تمشت إلينا هندها ونوارها وقال آخر: أهلا بخطّاف أتانا زائرا ... غردا يذكّر بالزمان الباسم لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام العاتم وقال أبو نواس: كأن أصواتها فى الجوّ طائرة ... صوت الجلام «٢» إذا ما قصّت الشّعرا *** وأمّا القيق والزّرزور وما قيل فيهما - والقيق: طائر فى قدر الحمام اللّطيف؛ وأهل الشأم يسمّونه «أبا زريق «٣» » . وفى طبعه كثرة الإلف بالناس، وقبول التعليم، وسرعة الإدراك لما يلقّن من الكلام مبيّنا حتى لا يشك سامعه

стр. 3507

إذا لم يره أنه إنسان؛ وربما زاد على الببّغاء. وله حكايات وأخبار فى الذكاء والفطنة يطول شرحها، وهو طائر مشهور بذلك. *** وأمّا الزّرزور - فيقال: إنّه ضرب من الغراب يسمّى «الغداف» ؛ ويقال: إنّه «الزّاغ» . وهو يقبل التعليم، ولا يرى إلّا فى أيام الربيع. ولونه أرقط لكن السواد أغلب. وقد يوجد فى لونه الأبيض، وهو قليل جدّا. وقال بعض شعراء الأندلس: يا ربّ أعجم صامت لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطق جون الإهاب أعير قوّة صفرة ... كاللّيل طرّزه وميض البارق حكم من التّدبير أعجزت الورى ... ورأى بها المخلوق لطف الخالق وقال آخر: أمنبر ذاك أم قضيب ... يقرعه مصقع خطيب يختال فى بردتى شباب ... لم يتوضّح بها مشيب أخرس لكنّه فصيح ... أبله لكنّه لبيب وقال الوزير أبو القاسم بن الجدّ «١» الأندلسىّ من رسالة «٢» كتبها إلى الوزير أبى الحسن ابن سراج جوابا عن رقعة وصلت منه إليه، يشفع لرجل يعرف بالزّريزير؛ ابتدأها بأن قال:

стр. 3508

حسنت لك أبا الحسن ضرائب الأيام، وتشوّفت نحوك غرائب الكلام، واهتزّت لمكاتبتك «١» أعطاف الأقلام، وجادت على محلك «٢» ألطاف الغمام، وأشادت «٣» بفضلك ونبلك أصناف الأنام. فإن «٤» كان روض العهد أعزّك الله لم يصبه من تعهّدنا «٥» طلّ ولا وابل، ولا سجعت «٦» على أيكه ورق ولا بلابل؛ فإن «٧» أزهاره على شرب الصّفاء نابته، وأشجاره فى ترب الوفاء راسخة ثابته. وقد آن الآن لعقم «٨» شجره أن تطلع من الثمر ألوانا، ولعجم طيره أن تسجع من النّغم ألحانا؛ بما سقط لدىّ ووقع علىّ من طائر شهىّ الصفير، مبنىّ الاسم على التصغير؛ فإنه رجّع باسمك حينا، وابتدع فى نوبة شكرك تلحينا، وحرّك من شوقى إليك سكونا، ودمّث «٩» فى قلبى لودّك وكونا «١٠» . ثم أسمعنى أثناء ترنّمه كلاما وصف به نفسه، لو تغنّت به الورقاء، لأذنت «١١» له العنقاء؛ أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام؛ أو سمعه قيس ابن عاصم فى ناديه، وبين أعاديه، لحلّ الزّمع «١٢» حباه، واستردّ الطّرب صباه: كلاما «١٣» لو ان البقل يزهى بمثله ... زها البقل واخضرّ الغضا بمصيف فتلقّيت فضل صاحبه بالتّسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.

стр. 3509

وبعد، فإنى أعود إلى ذكر [ذلك «١» ] الحيوان الغريد، والشيطان المريد؛ فأقول: لئن سمّى بالزّريزير، لقد صغّر للتكبير «٢» ؛ كما قيل: حريقيص وسقطه «٣» يحرق الحرج، ودويهية وهى تلتهم الأرواح والمهج. ومعلوم أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور فى فهم التلقين، وحسن اليقين. فإذا علّم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطق لسانه بالقبيح، وتراه يقوم كالنصيح، ويدعو للخير بلسان فصيح. فمن أحبّ الاتّعاظ، لقى منه قسّ «٤» إياد بعكاظ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصلىّ للرشيد. فطورا يبكيك بأشجى من مراثى أربد» ، وحينا يسلّيك بأحلى من أغانى معبد «٦» . فسبحان من جعله هاديا خطيبا، وشاديا مطربا مطيبا. ولما طار ببلاد الغرب ووقع، ورقى فى أكنافها وصقع؛ وعاين ما اتّفق «٧» فيها فى هذا العام من عدم الزيتون، فى تلك البطون والمتون؛ أزمع عنها فرارا، ولم يجد بها قرارا؛ لأن هذا الثمر «٨» بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه؛ إليه يقطع، وعليه يقع؛ كما يقع على العسل الذّباب، وتقطع إلى العراد «٩» الضّباب؛ فاستخفّه هائج التذكار، نحو تلك

стр. 3510

الأوكار؛ حيث يكتسى ريشه حريرا، ويحتشى جوفه «١» بريرا، ويحتسى قراحا «٢» نميرا، ويغتدى على رهطه «٣» أميرا. فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك؛ يترنّم بالثّناء، ترنّم الذباب فى الرّوضة الغنّاء؛ وقد هزّ قوادم الجناح، لعادة الاستمناح؛ وحبّر من لمع الأسجاع، ما يصلح للانتجاع؛ واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه «٤» حدائقه، ولا تلفحه «٥» ودائقه؛ لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه؛ مع أنه لا يعدم فى جنابك حبّا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشّا وثيرا.. فإذا ما أراد كنت رشاء ... وإذا ما أراد كنت قليبا والله تعالى يكفيه فيما ينوبه شرّ الجوارح، ويقيه شؤم السانح والبارح؛ بمنّه وكرمه. *** وأمّا السمانى وما قيل فيه - يقال: إن السّمانى هو السّلوى. وهو من الطيور القواطع التى لا يعلم من أين تأتى. ويقال: إنه يخرج من البحر المالح؛ فإنه يرى وهو يطير عليه أوان ظهوره وأحد جناحيه منغمس فى الماء والآخر منتشر كالقلع. وأكثر من يعتنى بتربيته أهل مصر ويتغالون فى ثمنه ويحتفلون بأمره، حتى ينتهى ثمن جيّده إلى ألف درهم بعد أن يباع كلّ عشرة منها بدرهم وأرخص. وهو صنفان: ربيعىّ وطرماهىّ؛ فالرّبيعىّ القادم الراحل. والطّرماهىّ القاطن فى الأرض والبلاد الخصيبة، ويبيض ويفرّح فيها كالحجل. وسبب مغالاتهم فى أثمانها لأجل كثرة صياحها وعدد أصواتها. وقد وجد فيها ما صاح فى الليلة

стр. 3511

الواحدة إلى الثانية من النهار أربعة آلاف وستمائة صوت. والصوت عندهم أن يفصل بينه وبين الصوت الثانى بسكتة. وهم فى تربيته يبدءون بإطعامه دقاق القمح (وهو القمح الصغير الذى لا يمسكه الغربال لصغره) مدّة شهر؛ وتكون ذلك الوقت مجتمعة فى قفص كبير يسمّونه «المرح» ؛ ثم يفرد بعد ذلك كلّ سمانى بمفرده فى قفص ويطعم الدّخن والشّادانق «١» . ويصيح فى مبتدأ أمره مقدار شهر ثم يسكت مدّة شهرين. وينقل إلى أقفاص أخر يعتنون بجودتها ويرفعونها على البراريد (والبراريد عصىّ تعلّق عليها الأقفاص) فيصيح بعد تلك السكتة أربعة أشهر. فإذا دخل فصل الخريف وهبط الماء سكت مدّة شهرين وتقرنص، ثم يصيح أحيانا ويسكت أحيانا. وهو لا يطول عمره أكثر من سنة ونصف. وأوّل ما يصيح قبل أن يتفصّح بالوعوعة، وحكاية صوته: «وع وع» ؛ ثم يصيح بعد ذلك: «شقشلق» . وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى كتاب الأدوية المفردة: إنه يخاف من أكل لحوم السّمانى من التمدّد والتّشنّج. *** وأمّا الهدهد وما قيل فيه - والهدهد طائر معروف. وقال الجاحظ فيه: والعرب كانوا يزعمون أن القنزعة التى على رأسه ثواب من الله على ما كان من برّه لأمّه، لمّا ماتت جعل قبرها فى رأسه؛ فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة. وهو طائر منتن البدن من جوهره وذاته. والأعراب يجعلون ذلك

стр. 3512

النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التى كانت على رأسه. ويستدلّون على ذلك بقول أميّة بن أبى الصّلت حيث يقول من أبيات: غيم وظلماء وغيث سحابة ... أزمان كفّن واستراد الهدهد يبغى الفرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها فى قفاه يمهد مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله ... فى الطير يحملها ولا يتأوّد من أمّه فجزى بصالح حملها ... ولدا وكلّف ظهره ما يعقد فتراه يدلج ماشيا بجنازة ... بقفاه ما اختلف الجديد المسند وزعم صاحب الفراسة: أن سبب نتنه أنّه يطلب الزّبل؛ فإذا وجده نقل منه وابتنى بيتا منه؛ فإذا طال مكثه فى ذلك البيت، وفى مثله ولد، اختلط ريشه وبدنه بتلك الرائحة فورث ابنه النّتن، كما ورثه هو من أبيه، وكما ورثه أبوه من جدّه. قال شاعر: وأنتن من هدهد ميّت ... أصيب فكفّن فى جورب ويقال عنه: إنه يرى الماء فى باطن الأرض كما يراه الإنسان فى باطن الزّجاج. وزعموا: أنه كان دليل سليمان ﵇ على الماء ولذلك تفقّده، على أحد أقوال المفسر بن لكتاب الله تعالى. وقال الجاحظ فيه: إنه وفىّ حفوظ؛ وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم يشرب، ولا يزال يصيح حتى تعود إليه، فإن لم تعد لا يسفد بعدها أنثى أبدا، ولا يزال يصيح عليها ما عاش، ولم ينل بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك رمقه.

стр. 3513

ووصفه أبو الشّيص «١» فقال: لا تأمننّ على سرّى وسرّكم ... غيرى وغيرك أوطىّ القراطيس أو طائر سأجلّيه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس سود براثنه ميل ذوائبه ... صفر حمالقه فى الحسن مغموس قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته فى ملك بلقيس وقال آخر من أبيات: كأنّه إذ أتاه من قرى سبإ ... مبشّرا قد كساه تاج بلقيس يبدو له فوق ظهر الأرض باطنها ... كما تبدّت لنا الأقذاء فى الكوس «٢» *** وأمّا العقعق وما قيل فيه - ويسمى العقعق أيضا «كندشا» . وهو طائر لا يأوى تحت سقف ولا يستظل به، بل يهيّئ وكره فى المواضع المشرفة الفسيحة. وفى طبعه الزّنا والخيانة والسرقة والخبث؛ والعرب تضرب به المثل فى ذلك كلّه. وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدّلب خوفا عليه من الخفّاش، فإنه متى قرب منه مذر «٣» وفسد وتغيّر من ساعته. وتقول العرب فى أمثالها: «أموق من عقعق» . وهو شديد الاستلاب والاختطاف لما يراه من الحلى الثمين. قال إبراهيم الموصلىّ فيه: إذا بارك الله فى طائر ... فلا بارك الله فى العقعق

стр. 3514

قصير الذّنابى طويل الجناح ... متى ما يجد غفلة يسرق يقلّب عينين فى رأسه ... كأنهما قطرتا زئبق وكان سبب قوله لهذا الشعر فيه ما حكاه إسحاق بن إبراهيم قال: كان لى عقعق وأنا صبىّ قد ربّيته، وكان يتكلّم بكلّ شىء يسمعه؛ فسرق خاتم ياقوت كان أبى قد نزعه من إصبعه ودخل الخلاء ثم خرج فلم يجده، فضرب الغلام الذى كان واقفا، فلم يقف له على خبر. فبينا أنا ذات يوم فى دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا وأخرج الخاتم منه، فلعب به طويلا ثم دفنه؛ فأخذته وجئت به الى أبى، فسرّ به وقال هذا الشعر. *** وأمّا العصافير وما قيل فيها - والعصافير ضروب كثيرة: منها «العصفور البيوتىّ» و «عصفور الشّوك» و «عصفور النّوفر» «١» . ومن ضروبها «القبّرة» و «حسّون» و «البلبل» . فأمّا العصفور البيوتىّ - ففى طباعه اختلاف: ففيه من طبائع سباع الطير أنه يلقم فراخه ولا يزقّها، ويصيد أجناسا من الحيوان كالنّمل إذا طار والجراد، ويأكل اللّحم. والذى فيه من طباع بهائم الطير أنه ليس بذى مخلب ولا منسر؛ وهو إذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث وأخّر الدّابرة؛ وسباع الطير تقدّم إصبعين وتؤخّر إصبعين؛ ويأكل الحبّ والبقول. ويتميّز الذكر منها من الأنثى بلحية سوداء. وهو لا يعرف المشى وإنما يرفع رجليه ويثب. وهو كثير السّفاد،

стр. 3515

وربما سفد فى الساعة الواحدة خمسين مرّة، ولذلك عمره قصير فإنّه لا يعمّر غالبا أكثر من سنة؛ وإناثها تعمّر أكثر من ذكورها. والمثل يضرب فى التحقير والتصغير بأحلام العصافير. قال دريد بن الصّمّة: يا آل سفيان ما بالى وبالكم ... أنتم كبير وفى الأحلام عصفور «١» وقال حسّان بن ثابت: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير *** وأما عصفور الشّوك - فزعم أرسطو أنّ بينه وبين الحمار عداوة، لأن الحمار إذا كان به دبر حكّه بالشّوك الذى يأوى إليه هذا العصفور فيقتله؛ وربما نهق الحمار فتسقط فراخه أو بيضه خوفا منه؛ فلذلك هذا العصفور إذا رأى الحمار رفرف «٢» فوق رأسه وعلى عنقه وآذاه ونقره فى عقره أنّى كان. *** وأما عصفور النّيلوفر - وهو لا يوجد غالبا إلا بثغر دمياط، وشأنه غريب؛ وذلك أنه عصفور صغير جدّا، فإذا كان قبل غروب الشمس جاء إلى برك النّوفر «٣» فيجد النّوفرة وهى طافحة على وجه الماء مفتوحة فيقعد فى وسطها، فإذا

стр. 3516

حصل فيها انطبقت عليه وانغمست فى الماء طول الليل؛ فإذا طلعت الشمس طفت النّوفرة على وجه الماء وانفتحت، فيخرج منها ويطير الى غروب الشمس، فيأتى ويفعل كفعله. *** وأما القبّرة - فقد عدّوها من أنواع العصافير. وهى غبراء كبيرة المنقار على رأسها قبّرة. وهذا الضرب قاسى القلب. وفى طبعه أنّه لا يهوله صوت صائح به، وربمّا رمى بالحجر فاستخف بالرامى ولطئ إلى الأرض حتى يتجاوزه الحجر. وهو يضع وكره على الجادّة رغبة فى الأنس بالناس. *** وأما حسّون - وتسميه أهل الأندلس «أمّ الحسن» والمصريون «السقاية» لأنه إذا كان فى القفص استقى الماء من إناء «١» بآلة لطيفة يوضع له فيها خيط، فتراه يرفع الخيط بإحدى رجليه ويضعه تحت رجله الأخرى حتى يصل إليه ذلك الإناء اللطيف فيشرب منه. وهو ذو ألوان حسنة التركيب والتأليف من الحمرة والصفرة والسواد والبياض والخضرة والزّرقة. وله صوت حسن مطرب. ووصفه أبو هلال العسكرىّ فقال: ومفتنّة الألوان بيض وجوهها ... ونمر تراقيها «٢» وصفر جنوبها كأنّ دراريعا «٣» عليها قصيرة ... مرقّعة أعطافها وجيوبها

стр. 3517

وأما البلبل - وهو «العندليب» ، وتسميه أهل المدينة «النغر» . وهو طائر أغبر الرأس لطيف القدّ، مأواه الشجر. قال الجاحظ: البلبل موصوف بحسن الصوت والحنجرة. ومن شأنه «١» إذا كان غير حاذق أن يطارحه إنسان بشكل صوته، فيتدرّب ويتعلّم ويحسن صوته. وقد وصف أبو هلال العسكرىّ البلابل فقال: مررت بدكن القمص سود العمائم ... تغنّى على أطراف غيد نواعم زهين بأصداغ تروق كأنّها ... نجوم على أعضاد أسود فاحم ترى ذهبا منهنّ تحت مآخر ... لها ولجينا نطنه بالقوادم وقال آخر: كيف ألحى وقد خلعت على الله ... وعذارى وقد هتكت قناعى وتعشّقت بلبلا أنا منه ... فى انزعاج إلى الصّبا والتياع «٢» أنا من ريشه المدبّج فى زه ... ر ومن شجو صوته فى سماع ومن رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ الكاتب فى الخريدة، وهى لبعض فضلاء أصبهان، ذكر فيها وصف الرّياض ومفاخرة الرّياحين، وفضّل فيها الورد، وانتهى بعد ذكر الورد إلى وصف البلابل، فقال:

стр. 3518

«فلما ارتفع صدر النّهار، وانقطع جدال الأزهار؛ سمع من خلل «١» الحديقة زقزقة «٢» عندليب، قد اتخذ وكرا على حاشية قليب «٣» ؛ كان يستتر به عن الجمع، ويجعله دريئة لاستراق السّمع. وحين أتقن ما وعاه، وأودعه سمعه وأرعاه «٤» ؛ انتحى غصنا رطيبا، فأوفى عليه خطيبا؛ ثم قال: يا فتنة الخليقه، لقد جئت بالشّنعاء الفليقه «٥» ؛ وربّ بسم استحال احتداما، ولن تعدم الحسناء ذاما. إلام ترفل فى دلال زهوك، وتغفل عن رذائل سهوك! وحتّام تتيه على الأكفاء والأقران، كأنّك أنت صاحب القرآن! ألست من عجبك بنفسك، واسترابتك بأبناء جنسك؛ لا تزال مشتملا شوك الغصون، معتصما منها بأشباه المعاقل والحصون!. لكنك متى انقضى مهبّ الشّمال، وعدل عن اليمين إلى الشّمال؛ خيف عليك نفح الإحراق، وتعّريت من حلل الأوراق؛ وأصبحت للأرض فراشا، وتلعّب بك الهواء فعدت فراشا. ثم ما قدر جورتك حتى تجور! وهل ينتج حضوره «٦» إلا الفجور!. هذا إذا كنتم على الأصل الثابت، وعرفتم فى أكرم المغارس والمنابت؛ فكيف وأنتم بين رملّى وجبلىّ، ونهبورىّ «٧» أو تيهورىّ. وهب أنك ورهطك تفرّدتم بممايلة القدود، وتوحّدتم «٨» بمشابهة الخدود؛ وصرتم درر البحور، وعلّقتم على الجباه والنّحور؛ وتحوّلتم جمانا ومرجانا، وحلّيتم مناطق وتيجانا؛ أقدرتم على

стр. 3519

مباراة الشّحارير» ، ومجاراة القمارى النّحارير! أم ملكتم تهييج البلابل «٢» ، قبل أصوات البلابل! أم وجدتم سبيلا إلى ولوج القلوب والأسماع، واتّخاذ «٣» الطّرب والسّماع؟! هيهات هيهات، بعد عنكم ما فات! بل نحن ذوات الأطواق، وبنات الغصون والأوراق؛ إنما يكمل صيتكم بنغمات أصواتنا، ويزهو غناؤكم بصحة غنائنا؛ ويحسن تمايل دو حكم بترنّمنا ونوحنا، ويروق غديركم بهديرنا، ويشوق تهديلكم «٤» بهديلنا. لم تزالوا حملة أثقالنا، رمهود أطفالنا؛ وجياد شجعاننا، ومنابر خطبائنا. فروعكم محطّ أرحلنا، ورءوسكم مساقط أرجلنا. إذا أوفى مطربنا على عوده، وعبث بملوى عوده؛ وشدّ المثالث والمثانى، شدّ الثّقلين الأوّل والثانى؛ فقد أحيا باللحن الأيكىّ، وبذّ يحيى «٥» المكّىّ؛ وأعاد إبراهيم «٦» ، كحاطب الليل البهيم؛ وخرق له «٧» أثواب

стр. 3520

مخارق «١» طربا وحسدا، ولم يسلم منه سليم «٢» غيظا وكمدا؛ وأخذ قلب ابن جامع «٣» بمجامعه، وطوّقه من الإقرار غلّا بمجامعه؛ حتى كأنّه بصحّة ضربه وإتقان أوتاره، يطلب عندهم قديم أحقاده وأوتاره. فهى تصبى «٤» الأبصار لونا قريبا ... وتسرّ الأسماع ضربا بعيدا خضب الكفّ من دم القلب وابت ... زّ سويداءه فطوّق جيدا أعجمىّ اللّسان مستعرب اللح ... ن يعيد الخلّى صبّا عميدا كلّ وقت تراه من فرط شجو ... مظهرا فى الغناء لحنا جديدا تارة يجعل النّشيد بسيطا ... ويعيد البسيط طورا نشيدا معبد لو رآه أصبح عبدا ... ولبيد «٥» أمسى لديه بليدا ضلّ عن إلفه وأقلقه الوج ... د فأمسى بكاؤه تغريدا

стр. 3521

لو عارض الخليل «١» فى عروضه لبكّته، أو ناظر ابن السّكّيت «٢» فى إصلاحه لسكّته؛ أو جادل الفارسىّ «٣» لفرسه وجذله، أو نازل الكوفىّ «٤» لأكفأه عن رتبته وأنزله» .

стр. 3522

الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى بغاث الطير ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى القمرىّ، والدّبسىّ، والورشان، والفواخت والشّفنين، واليعتبط، والنّوّاح، والقطا، واليمام وأصنافه، والببّغاء. وهذه الأصناف قد عدّها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أو أكثرها فى الحمام، فقال: الحمام وحشى، وأهلىّ، وبيوتىّ، وطورانىّ. وكلّ طائر يعرف بالنّواح وحسن الصّوت والدّعاء والتّرجيع فهو حمام وإن خالف بعضه بعضا فى الصّورة واللون وفى بعض النّوح ولحن الهديل. قال: وزعم أفليمون «١» صاحب الفراسة أنّ الحمام يتّخذ لضروب، منها ما يتّخذ للأنس والنّساء «٢» والبيوت، ومنها ما يتّخذ للفراخ، ومنها ما يتخذ للزّجال والسّباق. والزّجال: إرسال الحمام الهوادى. ثم ذكر من أوصاف الحمام وما فيه من ضروب المعرفة والمنافع ما نورده عند ذكرنا للحمام المشتهر بهذه التّسمية، وهو الذى أشار الجاحظ إليه. فلنذكر تفصيل ما قدّمناه من هذه الأصناف، فنقول وبالله التوفيق:

стр. 3523

*** أمّا القمرىّ وما قيل فيه - فقد قالوا: إنما سمّى القمرىّ بهذه التسمية لبياضه، والأقمر: الأبيض. وحكاية صوته تشبه ضحك الإنسان. وهو شديد المودّة والرحمة. أما مودّته فإنه يفرّخ على فنن من أفنان شجرة عليها أعشاش لأبناء جنسه، فيصابحها فى كلّ يوم. وأمّا رحمته فإنه يربّى ولده ويعفّ عن أنثاه ما دام ولده صغيرا. ومن عادته أنه يعمل عشّه فى طرف فنن دائم الاهتزاز، احترازا على فرخه لئلا يسعى إليه من الحيوان الماشى ما يقتله. وقال أبو الفتح كشاجم [يصفه من أبيات رثاه بها أوّلها «١» ] : ومطوّق من حسن صنعة «٢» ربه ... طوقين خلتهما من النّوّار [منها «٣» :] لهفى على القمرىّ لهفا دائما ... يكوى الحشا بجوى كلذع النار لون الغمامة لونه ومناسب ... فى خلقه الأقلام بالمنقار *** وأمّا الدّبسىّ وما قيل فيه - وإنما سمّى الدّبسىّ بذلك للونه، لأنّ الدّبسة حمرة فى سواد. قالوا: والدّبسىّ أصناف، منها المصرىّ، والحجازىّ، والعراقىّ. وأفخر هذه الأصناف المصرىّ [ولونه الدكنة «٤» ] . وهو لا يرى ساقطا على وجه الأرض، بل له فى الشتاء مشتى، وفى الصيف مصيف. ولا يعرف له وكر «٥» .

стр. 3524

وأمّا الورشان وما قيل فيه - والورشان أصناف منها النّوبىّ وهو ورشان أسود؛ ومنها الحجازىّ. والنوبىّ أشجاها صوتا. وهذا الطائر يوصف بالحنوّ على أولاده، حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها فى يد القانص «١» . وقال أبو بكر الصّنوبرىّ فيه: أنا فى نزهتين من بستانى «٢» ... حين أخلوبه ومن ورشان طائر قلب من يغنّيه أولى ... منه عند الغناء بالطّيران مسمع «٣» يودع المسامع ما شا ... ءت وما لم تشأ من الألحان فى رداء من سوسن وقميص ... زرّرته عليه تشرينان «٤» قد تغشّى لون السماء قراه «٥» ... وتراءى فى جيده الفرقدان وأمّا الفواخت وما قيل فيها - والفواخت عراقيّة ليست حجازيّة. وفيها فصاحة وحسن صوت. وفى طبعها أنها تأنس بالناس، وتعشّش فى الدّور.

стр. 3525

والعرب تضرب بها فى الكذب المثل، فيقولون: «أكذب من فاختة» ؛ فإنّ حكاية صوتها عندهم: «هذا أوان الرّطب» . قال شاعر: أكذب من فاختة ... تقول وسط الكرب والطّلع لم يبدلنا ... هذا أوان الرّطب وهو يعمّر. وحكى أرسطو أن منه ما عاش أربعين سنة. وقال أبو هلال العسكرىّ: مررت بمطراب الغداة كأنها ... تعلّ من الإشراق راحا مفلفلا منمّرة كدراء تحسب أنها ... تجلّل من جلد السّحاب «١» مفصّلا بدت تجتلى للعين طوقا ممّسكا ... وطرفا كما ترنو الغزالة أكحلا لها ذنب وافى الجوانب مثلما ... تقشّر «٢» طلعا أو تجرّد منصلا إذا حلّقت فى الجوّ خلت جناحها «٣» ... يردّ صفيرا أو يحرّك جلجلا وأمّا الشّفنين وما قيل فيه - والشفنين من الطير التى تترنّم؛ وصوته فى ترنّمه يشبه صوت الرّباب. وفى طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب «٤» ، يأوى الى بعض فراخه حتى يموت؛ وكذلك الأنثى إذا فقدت الذّكر. وهو متى سمن سقط ريشه وامتنع من السّفاد؛ فهو لذلك لا يشبع. وهو طائر يؤثر «٥» العزلة.

стр. 3526

وأمّا اليعتبط وما قيل فيه - وإنما سمّى اليعتبط بهذه التسمية لصوته، وهو شريف فى طيور الحجاز. وحاله حال القمرىّ، ولكنه أحرّ منه مزاجا وأعلى صوتا. قال كشاجم: وناطق لم يخش فى النطق غلط ... ما قال شيئا قطّ إلا يعتبط وأمّا النّوّاح وما قيل فيه - والنوّاح: طائر كالقمرىّ، وحاله كحاله؛ إلّا أنّه أحرّ منه مزاجا وأرطب وأدمث وأشرف «١» . قالوا: يكاد النّوّاح يكون للأطيار الدّمثة ملكا، وهو يهيجها إلى التّصويت لأنه أشجاها صوتا؛ وجميعها تهوى استماع صوته. وهو أيضا يسرّه استماع صوت نفسه. والله أعلم بالصواب. *** وأمّا القطا وما قيل فيه - والقطا نوعان: «كدرىّ» و «جونىّ» . والكدريّة غبر الألوان، رقش الظهور والبطون، صفر الحلوق، قصار الأذناب؛ وهى ألطف من الجون. والجونيّة سود بطون الأجنحة والقوادم بيض اللّبان «٢» وفيه طوقان أسود وأصفر؛ وظهورها غبر رقط تعلوها صفرة. وتسمّى الجونيّة غتما «٣» ؛ لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوّتت إنما تغرغر بصوت فى حلقها. والكدريّة فصيحة تنادى باسمها تقول: قطاقطا؛ ولهذا يضرب بها المثل فى الصدق.

стр. 3527

وتوصف القطا بحسن المشى لتقارب خطاها. والعرب تشبّه مشى النّساء الخفرات بمشيها إذا أرادوا مدحهنّ. قال شاعر يصف القطاة- واختلف فى الشاعر من هو، فقيل: هو [أوس بن «١» ] غلفاء الهجيمىّ، وقيل: مزاحم العقيلى، وقيل: العباس بن يزيد بن الأسود الكندىّ، وقيل: العجير السّلولىّ، وقيل: عمرو بن عقيل بن الحجّاج الهجيمىّ؛ قال أبو الفرج الأصفهانىّ: وهو أصحّ الأقوال-: أمّا القطاة فإنّى سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتى بعض ما فيها سكّاء «٢» مخطوبة «٣» فى ريشها طرق «٤» ... سود قوادمها صهب خوافيها منقارها كنواة القسب «٥» قلّمها ... بمبرد حاذق الكفّين باريها تمشى كمشى فتاة الحىّ مسرعة ... حذار قوم إلى ستر يواريها تسقى الفراخ بأفواه مرقّقة ... مثل القوارير سدّت من أعاليها كأن هيدبة «٦» من فوق جؤجئها ... أو جرو «٧» حنظلة لم يعد راميها «٨» وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ: ولربّ طيّار خفيف قد جرى ... فشلا بجار خلفه طيّار

стр. 3528

من كلّ قاصرة الخطا مختالة ... مشى الفتاة تجرّ فضل إزار مخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمإ بكأس عقار لا تستقرّ بها الأيادى «١» خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار وقال المرّار أو العكبّ «٢» التغلبىّ- وهى أجود قصيدة قيلت فى القطا-: بلاد مروراة «٣» يحاربها القطا ... ترى الفرخ فى حافاتها يتحرّق يظلّ بها فرخ القطاة كأنّه ... يتيم جفا عنه «٤» مواليه مطرق بديمومة «٥» قد بات فيها وعينه ... على مره «٦» تغضى مرارا وترمق شبيه بلا شىء هنا لك شخصه ... يواريه قيض «٧» حوله متفلّق له محجر «٨» ناب وعين مريضة ... وشدق بمثل الزعفران مخلّق تعاجيه «٩» كحلاء المدامع حرّة ... لها ذنب ساج وجيد مطوّق

стр. 3529

سماكيّة «١» كدريّة عرعريّة «٢» ... سكاكيّة «٣» عفراء سمراء عسلق «٤» إذا غادرته تبتغى ما يعيشه ... كفاها رذاياها الرّقيع «٥» الهبنّق غدت تستقى من منهل ليس دونه ... مسيرة شهر للقطا متعلّق لأزغب مطروح بجوز تنوفة ... تلظّى سموما قيظه فهو أورق «٦» تراه إذا أمسى وقد كاد جلده ... من الحرّ عن أوصاله يتمزّق غدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرة ... بها حين يزهاها الجناحان أولق «٧» تيمّم ضحضاحا من الماء قد بدت ... دعا ميصه «٨» فالماء أطحل «٩» أطرق «١٠» فلما أتته مقدحرّا «١١» تغوّثت «١٢» ... تغوّث مخنوق فتطفو وتغرق

стр. 3530

تجرّ «١» وتلقى فى سقاء كأنّه ... من الحنظل العامىّ جر ومعلّق فلمّا ارتوت من مائها لم يكن لها ... أناة وقد كادت من الرّىّ تبصق طمت «٢» طموة صعدا ومدّت جرانها ... وطارت كما طار الشّهاب «٣» المحلّق ذكر شىء من الأوصاف والتشبيهات الشعريّة الجامعة لمجموع هذا النوع الذى ذكرناه من ذلك قول بعض الشعراء: وقبلى أبكى كلّ من كان ذا هوى ... هتوف البواكى والدّيار البلاقع وهنّ على الأفلاق «٤» من كلّ جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطّمة بالدّرّ خضر روائع ترى طررا بين الخوافى كأنّها ... حواشى برود زينّتها الوشائع ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحنّاء منها الأصابع وقال أبو الأسود الدؤلىّ من أبيات: وساجع فى فروع الأيك هيّجنى ... لم أدر لم ناح ممّا بى ولم سجعا أباكيا إلفه من بعد فرقته ... أم جازعا للنّوى من قبل أن تقعا يدعو حمامته والطير هاجعة ... فما هجعت له ليلا ولا هجعا

стр. 3531

موشّح «١» سندسا خضر مناكبه ... ترى من المسك فى أذياله لمعا له من الآس طوق فوق لبّته ... من البنفسج والخيرىّ «٢» قد جمعا كأنما عبّ «٣» فى مسودّ غالية ... وحلّ من تحته الكافور فانتقعا «٤» كأنّ عينيه من حسن اصفرارهما ... فصّان من حجر الياقوت قد قطعا كأنّ رجليه من حسن احمرارهما ... ما رقّ من شعب المرجان فاتّسعا شكا النّوى فبكى خوف الأسى فرمى ... بين الجوانح من أوجاعه وجعا والريح تخفضه طورا وترفعه ... طورا فمنخفضا يدعو ومرتفعا كأنه راهب فى رأس صومعة ... يتلو الزّبور ونجم الصبح قد طلعا وقال ابن «٥» اللّبانة الأندلسىّ: وعلى فروع الأيك شاد يحتوى ... طرفى لآخر تحتويه الأضلع يندى له رطب الهواء فيغتدى ... ويظلّه ورق الغصون فيهجع تخذ الأراك أريكة لمنامه ... فله إلى الأسحار فيها موضع حتى إذا ما هزّه نفس الصّبا ... والصبح، هزّك منه شدو مبدع فكأنما تلك الأراكة منبر ... وكأنه فيها خطيب مصقع

стр. 3532

وقال بعض الأعراب [يصف مطوّقة «١» ] : دعت فوق ساق دعوة لو تناولت ... بها الصّخر من أعلى أبان «٢» تحدّرا تبكّى بعين ليس تذرى دموعها ... ولكنّها تذرى الدموع تذكّرا محلّاة طوق ليس تخشى انفصامه ... إذا همّ أن يبلى تجدّد آخرا لها «٣» وشح دون التّراقى وفوقها ... وصدر كمقطوف البنفسج أخضرا تنازعها الألوان «٤» شتّى صقالها ... بدا لتلالى الشمس فيه تحيرا «٥» وقال شاعر أندلسىّ: وما شاقنى إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والجسر مفتّق طوق لازوردىّ كلكل ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظهر أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التّبر حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضّة مدّ من حبر توسّد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طىّ الجناح مع النّحر ولمّا رأى دمعى مراقا أرابه ... بكائى فاستولى على الغصن النّضر وحثّ جناحيه وصفّق طائرا ... فطار بقلبى حيث طار وما يدرى وقال آخر: كأنّ بنحرها والجيد منها ... إذا ما أمكنت للنّاظرينا مخطّا كان من قلم لطيف ... فخطّ بجيدها والنحر نونا

стр. 3533

وقال ابن الرّومى: مطوّقة تبكى ولم أر باكيا ... بدا ما بدا من شجوها لم يسلّب «١» وقد أوردنا فى باب الغزل والنّسيب من هذا المعنى فيما قيل على لسان الورقاء ما يستغنى عن تكراره. وأمّا اليمام وأصنافه وما وصف به وما قيل فيه - فالعرب تقول: إن هذه التسمية واقعة على النوع الذى تسمّيه عامّة الناس الحمام؛ وهو أصناف مختلفة الأشكال والألوان والأفعال، منها «الرّواعب» و «المراعيش» و «العدّاد» و «الميساق» و «الشّدّاد» و «القلّاب» و «الشّقّاق» و «المنسوب» . فأمّا الرّواعب - وهو ألوان كثيرة. وزعم الجاحظ أنه تولّد بين ورشان ذكر وحمام أنثى، فأخذ من الأب الجثّة ومن الأمّ الصوت، وفاته سرعة الطيران فلم يشبههما فيه؛ وله من عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتى صار ذلك سببا للزيادة فى ثمنه والحرص على اتّخاذه. وأمّا المراعيش - وهى تطير مرتفعة حتى تغيب عن النظر فترى فى الجوّ كالنّجم.

стр. 3534

وأمّا العدّاد - فهو طير ضخم، قليل الطيران [كثير الفراخ «١» ] . وأمّا المسياق - وهو أضخم من العدّاد وأنبل، ثقيل الجسم لا يستطيع الطيران إلّا قليلا. وأمّا الشدّاد - فهو لا يلزم الطيران فى الجوّ، وله قوّة فى جناحه [حتى يقال إنّه ربما يكسر الجوزبه، ولا يأتى من الغاية لبله فيه «٢» ] . وأصحاب الرّغبات فى تربية هذا الصّنف يلقونه على البصريّات فيخرج من بينهما حمام يسمّى «المضرّب» يجتمع فيه هداية البصرىّ وشدّة الشّدّاد. والشدّاد يطير صعدا حتى يرى كالنّجم. وفى ذنبه إحدى وثلاثون ريشة. وأمّا القلّاب - فتسميّه العراقيون «الملّاح» ؛ وسمّى بذلك لتقلّبه فى طيرانه. والشّقّاق «٣» - وطيرانه تحويم. وأمّا المنسوب «٤» - ويسمّيه العراقيّون «الهوادى» ، والمصريون «٥» يسمونه «البصارى» [يعنون «٦» البصرية] ، وهو بالنسبة إلى ما تقدّم ذكره كالعتاق من

стр. 3535

الخيل، وما عداه فيها كالبراذين. وفيها «العلوىّ» وهو ألطف جرما وأسرع طيرانا؛ وهو يطلب وكره ولو أرسل من مسافة ألف فرسخ، ويحمل البطائق ويأتى بها من المسافة البعيدة فى المدّة القريبة. قالوا: وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ فى يوم واحد. وسباع الطير تطلبه أشدّ طلب. وخوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره. وهو أطير منه ومن سباع الطير كلّها؛ لكنه يذعر فيجهل باب المخلص. والمحمود منه ما وصفه الجاحظ عن أفليمون صاحب الفراسة أنه قال: جميع الفراسة لا تخرج عن «١» أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، والثانى المجسّة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة. فأمّا التقطيع- فانتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظم ولا صغر، وعظم القرطمتين «٢» ونقاؤهما، واتّساع المنخرين، وانهرات الشّدقين، وسعة الجوف، ثم حسن خلقة العينين مع توقّدهما، وقصر المنقار فى غير دقّة، ثمّ اتّساع الصدر، وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وانكماش الجناحين، وطول القوادم فى غير إفراط، ولحوق بعض الخوافى ببعض، وصلابة القصب فى غير انتفاخ ولا يبس، واجتماع الخلق فى غير الجعودة والكزازة «٣» ، وعظم الفخذين «٤» ، وقصر السّاقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذّنب وخفّته من غير تفنين «٥» وتفريق، ثم توقّد الحدقتين وصفاء اللّون. فهذه علامة الفراسة فى التقطيع.

стр. 3536

وأمّا علامة المجسّة- فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش فى غير رقّة، وصلابة المنقار فى غير دقّة. وأمّا علامة الشمائل- فقلّة الاختيال، وصفاء البصر، وثبات النظر، وشدّة الحذر، وحسن التّلفّت، وقلّة الرّعدة عند الفزع، وخفّة النهوض إذا طار، وترك المبادرة إذا لقط. وأمّا علامة الحركة- فالطيران فى علوّ، ومدّ العنق فى سموّ، وقلّة الاضطراب فى جوّ السماء، وضمّ الجناحين فى الهواء، وتتابع الرّكض فى غير اختلاط، وحسن القصد فى غير دوران، وشدّة المدّ فى الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الصفات فهو الطائر الكامل. وقد وصف الجاحظ الحمام فى كتاب الحيوان وبسط فيه القول ووسّع المجال. ونحن الآن نورد ملخّص ما قاله فيه، قال: ومن مناقب الحمام حبّه للناس وأنس الناس به، وهو من الطير الميامين. وهو إذا علم الذكر منه أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد، تقدّما فى إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق «١» الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة «٢» الدّقاق، حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا متداخلا فى الموضع الذى اتّخذاه واصطنعاه عشّا بقدر جثمان الحمامة؛ ثم أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة لتحفظ البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كتفى الجؤجؤ، ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسندا للبيض؛ ثم يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان تلك الأفحوصة يسخّنانها

стр. 3537

ويدفئانها ويطيّبانها «١» وينفيان عنها طباعها الأول ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما، لكى تقع البيضة إذا وقعت فى موضع يكون أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام مع الحضانة [والوثارة «٢» ] ، كى لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا تنكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخونة والرّخاوة والصّلابة. ثم إن ضربها المخاض وطرّقت ببيضها، بدرت إلى الموضع الذى قد أعدّته وتحاملت إليه، إلّا أن يقرعها رعد قاصف أو ريح عاصف فإنها ربما رمت بها دون الأفحوصة. والرّعد ربّما أفسد البيض. فإذا وضعت البيض فى ذلك المكان الذى أعدّاه لا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه حتى تنتهى أيّامه ويتمّ ميقاته؛ فعند ذلك ينصدع البيض عن الفرخ، فيخرج عارى الجلد صغير الجناح مستدّ الحلقوم؛ فيعلمان أنّه لا يتّسع حلقه وحوصلته للغذاء، فلا يكون لهما همّ إلّا أن ينفخا فى حلق الفرخ الرّيح لتتّسع الحوصلة بعد التحامها. ثم يعلمان أنه وإن اتّسعت الحوصلة لا يحمل فى أوّل اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطّعم. ثم يعلمان أنّ الحوصلة تضعف عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم فيأكلان من شروج «٣» أصول الحيطان- وهو شىء من الملح المحض والتراب الخالص، وهذا هو السّبخ- فيزقّانه به. حتى إذا علما أنه قد اندبغ «٤» واشتدّ زقّاه بالحبّ الذى قد غبّ فى حواصلهما؛ ثم يزقّانه بعد ذلك بالحبّ والماء. حتى إذا علما أنه قد أطاق

стр. 3538

اللّقط معناه بعض المنع ليحتاج إلى اللّقط فيتعوّده. فإذا علما أنّ إرادته قد تمّت وأنه قد قوى على اللّقط وبلغ بنفسه منتهى حاجته، ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما، وتنتزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطّف. ثم يبتدئان العمل ثانيا على ذلك النظام وتلك المقدّمات. فسبحان الهادى الملهم. قال: ثم يبتدئ الذّكر بالدّعاء والطّراد؛ وتبتدئ الأنثى بالتّأتّى والاستدعاء، ثم تزيف «١» وتشكل «٢» ، وتمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها؛ ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويكون بينهما قبل وارتشاف وإدخال فمها فى فمه؛ وذلك هو التّطاعم والمطاعمة. قال الشاعر: لم أعطها «٣» بيدى إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد بالجيد كما تطاعم فى خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد قال أبو عثمان: ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر حضنا يسيرا. والأنثى كالمرأة فى كفالة الصبىّ، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض؟؟؟ صراخا كالأطفال فى البيت يحتاجون إلى الطعام والشّراب صار أكثر ساعات الزّقّ على الذكر. وقال: قال مثنّى بن زهير- وهو إمام الناس فى البصرة بالحمام-: لم أر شيئا قطّ فى رجل ولا امرأة إلّا وقد رأيت مثله فى الذكر والأنثى من الحمام. رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها أو سيّدها. ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة؛ ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس. ورأيت

стр. 3539

حمامة لا تزيف إلّا بعد طراد شديد وشدّة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها، ورأيت من النساء كذلك. ورأيت حمامة لها زوج وهى تمكّن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك فى النساء. ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن. ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت الحمام الذكر يقمط الذكر. ورأيت أنثى كانت لا تقمط إلّا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكرا يقمطها ويدعها حتى تقمطه. ورأيت ذكرا يقمط الذكور وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمط الذكور ولا يدعها تقمطه؛ ورأيت أنثى تزيف للذكور ولا تدع شيئا منها يقمطها؛ ورأيت هذه الأصناف كلّها فى السّحّاقات واللّاطة. قال: وامتنعت علىّ خصلة فو الله لقد رأيتها؛ لأنى رأيت من النساء من تزنى أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوّج؛ ومن الرجال من يلوط أبدا ويزنى أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقى ولا يزاوج، ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر أو أنثى وتقمط الذكورة والإناث ولا تزاوج، ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها، كالمرأة. قال: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه ومع تلك ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض فى أكثر حالاتها ثلاث بيضات. قال: ورأيت حمامة تزاوج هذا الحمام ثم تتحوّل منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك فى الإناث، ورأيت الذكر كثير النّسل قويّا على القمط. قال الجاحظ: والحمام يبيض عشرة أشهر من السنة؛ فإذا صانوه وحفظوه وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده باض فى جميع السنة. والفواخت والأطرغلّات «١»

стр. 3540

والحمام البرّىّ تبيض مرّتين فى السنة. قال: ويتمّ خلق الحمام فى أقلّ من عشرة أيام. والحمامة فى أكثر أمرها يكون «١» أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى؛ وهى تبيض أوّلا البيضة التى فيها الذكر ثم تقيم يوما وليلة وتبيض الأخرى. وتحضن ما بين السبعة عشر يوما إلى العشرين. والأنثى أبرّ بالبيض، والذكر أبرّ بالفراخ. ولقد أطنب أبو عثمان الجاحظ وأوغل وبسط القول فى ذكر الحمام وأوصافه ومناقبه والمغالاة فى ثمنه والحرص على اقتنائه، حتى إنه قال: وللحمام من الفضيلة والفخر أنّ الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار؛ ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا عقاب. قال: وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذى جاء من الغاية ثم دخلت بغداد والبصرة، وجدت ذلك بلا معاناة. وهذا يدلّ على أنّ قوله فيه كان مشهورا عندهم فى وقته. ثم قال: والحمام إذا جاء من الغاية بيع الذّكر من فراخه بعشرين دينارا وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر [وبيعت البيضة «٢» بخمسة دنانير] ؛ فيقوم الزوج منها من الغلّة مقام ضيعة، حتى ينهض بمؤونة العيال وبقضاء الدّين، وتبنى من غلّاته «٣» وأثمان رقابه الدّور والجنان وتبتاع الحوانيت. ثم وصف حجر الحمام ومقاصيرها المبنيّة فى ذلك الزمان وما يعانيه أهلها من حديثها «٤» والاحتفال بها فى المسابقة وغيرها. وأطال فى ذلك. وقال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، أن يكون طائرا من بهائم الطير يجىء من مسافة كذا إلى مسافة كذا. قال: ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا
следующие страницы →