← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وأمّا علامة المجسّة- فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش فى غير رقّة، وصلابة المنقار فى غير دقّة. وأمّا علامة الشمائل- فقلّة الاختيال، وصفاء البصر، وثبات النظر، وشدّة الحذر، وحسن التّلفّت، وقلّة الرّعدة عند الفزع، وخفّة النهوض إذا طار، وترك المبادرة إذا لقط. وأمّا علامة الحركة- فالطيران فى علوّ، ومدّ العنق فى سموّ، وقلّة الاضطراب فى جوّ السماء، وضمّ الجناحين فى الهواء، وتتابع الرّكض فى غير اختلاط، وحسن القصد فى غير دوران، وشدّة المدّ فى الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الصفات فهو الطائر الكامل. وقد وصف الجاحظ الحمام فى كتاب الحيوان وبسط فيه القول ووسّع المجال. ونحن الآن نورد ملخّص ما قاله فيه، قال: ومن مناقب الحمام حبّه للناس وأنس الناس به، وهو من الطير الميامين. وهو إذا علم الذكر منه أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد، تقدّما فى إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق «١» الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة «٢» الدّقاق، حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا متداخلا فى الموضع الذى اتّخذاه واصطنعاه عشّا بقدر جثمان الحمامة؛ ثم أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة لتحفظ البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كتفى الجؤجؤ، ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسندا للبيض؛ ثم يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان تلك الأفحوصة يسخّنانها

стр. 3537

ويدفئانها ويطيّبانها «١» وينفيان عنها طباعها الأول ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما، لكى تقع البيضة إذا وقعت فى موضع يكون أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام مع الحضانة [والوثارة «٢» ] ، كى لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا تنكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخونة والرّخاوة والصّلابة. ثم إن ضربها المخاض وطرّقت ببيضها، بدرت إلى الموضع الذى قد أعدّته وتحاملت إليه، إلّا أن يقرعها رعد قاصف أو ريح عاصف فإنها ربما رمت بها دون الأفحوصة. والرّعد ربّما أفسد البيض. فإذا وضعت البيض فى ذلك المكان الذى أعدّاه لا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه حتى تنتهى أيّامه ويتمّ ميقاته؛ فعند ذلك ينصدع البيض عن الفرخ، فيخرج عارى الجلد صغير الجناح مستدّ الحلقوم؛ فيعلمان أنّه لا يتّسع حلقه وحوصلته للغذاء، فلا يكون لهما همّ إلّا أن ينفخا فى حلق الفرخ الرّيح لتتّسع الحوصلة بعد التحامها. ثم يعلمان أنه وإن اتّسعت الحوصلة لا يحمل فى أوّل اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطّعم. ثم يعلمان أنّ الحوصلة تضعف عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم فيأكلان من شروج «٣» أصول الحيطان- وهو شىء من الملح المحض والتراب الخالص، وهذا هو السّبخ- فيزقّانه به. حتى إذا علما أنه قد اندبغ «٤» واشتدّ زقّاه بالحبّ الذى قد غبّ فى حواصلهما؛ ثم يزقّانه بعد ذلك بالحبّ والماء. حتى إذا علما أنه قد أطاق

стр. 3538

اللّقط معناه بعض المنع ليحتاج إلى اللّقط فيتعوّده. فإذا علما أنّ إرادته قد تمّت وأنه قد قوى على اللّقط وبلغ بنفسه منتهى حاجته، ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما، وتنتزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطّف. ثم يبتدئان العمل ثانيا على ذلك النظام وتلك المقدّمات. فسبحان الهادى الملهم. قال: ثم يبتدئ الذّكر بالدّعاء والطّراد؛ وتبتدئ الأنثى بالتّأتّى والاستدعاء، ثم تزيف «١» وتشكل «٢» ، وتمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها؛ ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويكون بينهما قبل وارتشاف وإدخال فمها فى فمه؛ وذلك هو التّطاعم والمطاعمة. قال الشاعر: لم أعطها «٣» بيدى إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد بالجيد كما تطاعم فى خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد قال أبو عثمان: ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر حضنا يسيرا. والأنثى كالمرأة فى كفالة الصبىّ، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض؟؟؟ صراخا كالأطفال فى البيت يحتاجون إلى الطعام والشّراب صار أكثر ساعات الزّقّ على الذكر. وقال: قال مثنّى بن زهير- وهو إمام الناس فى البصرة بالحمام-: لم أر شيئا قطّ فى رجل ولا امرأة إلّا وقد رأيت مثله فى الذكر والأنثى من الحمام. رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها أو سيّدها. ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة؛ ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس. ورأيت

стр. 3539

حمامة لا تزيف إلّا بعد طراد شديد وشدّة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها، ورأيت من النساء كذلك. ورأيت حمامة لها زوج وهى تمكّن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك فى النساء. ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن. ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت الحمام الذكر يقمط الذكر. ورأيت أنثى كانت لا تقمط إلّا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكرا يقمطها ويدعها حتى تقمطه. ورأيت ذكرا يقمط الذكور وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمط الذكور ولا يدعها تقمطه؛ ورأيت أنثى تزيف للذكور ولا تدع شيئا منها يقمطها؛ ورأيت هذه الأصناف كلّها فى السّحّاقات واللّاطة. قال: وامتنعت علىّ خصلة فو الله لقد رأيتها؛ لأنى رأيت من النساء من تزنى أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوّج؛ ومن الرجال من يلوط أبدا ويزنى أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقى ولا يزاوج، ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر أو أنثى وتقمط الذكورة والإناث ولا تزاوج، ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها، كالمرأة. قال: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه ومع تلك ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض فى أكثر حالاتها ثلاث بيضات. قال: ورأيت حمامة تزاوج هذا الحمام ثم تتحوّل منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك فى الإناث، ورأيت الذكر كثير النّسل قويّا على القمط. قال الجاحظ: والحمام يبيض عشرة أشهر من السنة؛ فإذا صانوه وحفظوه وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده باض فى جميع السنة. والفواخت والأطرغلّات «١»

стр. 3540

والحمام البرّىّ تبيض مرّتين فى السنة. قال: ويتمّ خلق الحمام فى أقلّ من عشرة أيام. والحمامة فى أكثر أمرها يكون «١» أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى؛ وهى تبيض أوّلا البيضة التى فيها الذكر ثم تقيم يوما وليلة وتبيض الأخرى. وتحضن ما بين السبعة عشر يوما إلى العشرين. والأنثى أبرّ بالبيض، والذكر أبرّ بالفراخ. ولقد أطنب أبو عثمان الجاحظ وأوغل وبسط القول فى ذكر الحمام وأوصافه ومناقبه والمغالاة فى ثمنه والحرص على اقتنائه، حتى إنه قال: وللحمام من الفضيلة والفخر أنّ الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار؛ ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا عقاب. قال: وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذى جاء من الغاية ثم دخلت بغداد والبصرة، وجدت ذلك بلا معاناة. وهذا يدلّ على أنّ قوله فيه كان مشهورا عندهم فى وقته. ثم قال: والحمام إذا جاء من الغاية بيع الذّكر من فراخه بعشرين دينارا وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر [وبيعت البيضة «٢» بخمسة دنانير] ؛ فيقوم الزوج منها من الغلّة مقام ضيعة، حتى ينهض بمؤونة العيال وبقضاء الدّين، وتبنى من غلّاته «٣» وأثمان رقابه الدّور والجنان وتبتاع الحوانيت. ثم وصف حجر الحمام ومقاصيرها المبنيّة فى ذلك الزمان وما يعانيه أهلها من حديثها «٤» والاحتفال بها فى المسابقة وغيرها. وأطال فى ذلك. وقال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، أن يكون طائرا من بهائم الطير يجىء من مسافة كذا إلى مسافة كذا. قال: ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا

стр. 3541

إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن «١» وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ. قال النابغة: واحكم كحكم فتاة «٢» الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع «٣» وارد الثّمد يحفّه «٤» جانبا نيق «٥» وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فأكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد قال الأصمعىّ: لما أراد أن يمدح الحاسب وسرعة إصابته شدّد الأمر وضيّقه عليه ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا والطير أخفّ من غيره؛ ثم جعله

стр. 3542

حماما والحمام أسرع الطير وأكثر اجتهادا فى السرعة إذا كثر عددهنّ، وذلك أنه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: «يحفّه جانبا نيق وتتبعه» ، فأراد أن الحمام إذا كان فى مضيق من الهواء كان أسرع من أن يتسع عليه الفضاء. والله أعلم بالصواب. ذكر ما قيل فى طوق الحمامة يقال: إنّ نوحا ﷺ لما كان فى السفينة بعث الغراب ليكشف له هل ظهر من الأرض موضع، فوقع على جيفة فلم يرجع إليه؛ فبعث بالحمامة، فاستجعلت على نوح الطّوق الذى فى عنقها فجعل لها ذلك جعلا. وفى ذلك يقول أميّة بن أبى الصّلت: وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدلّ على المهالك لا تهاب تلمّس هل ترى فى الأرض عينا ... وعاينه من الماء العباب «١» فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليه «٢» الثّأط «٣» والطّين الكباب «٤» فلمّا فرّسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السّخاب «٥» إذا ماتت تورّثه بنيها ... وإن تقتل فليس لها «٦» استلاب

стр. 3543

وقال أيضا فيها: سمع الله لابن آدم نوح ... ربّنا ذو الجلال والإفضال حين أوفى بذى الحمامة والنا ... س جميعا فى فلكه كالعيال حابسا خوفه عليه رسولا ... من خفاف الحمام كالتّمثال فرشاها على الرّسالة طوقا ... وخضابا علامة غير بال فأتته بالصّدق لمّا رشاها ... وبقطف لمّا بدا عثكال «١» قوله: «فرشاها» أى جعل لها جعلا. وقال فيها: وما كان أصحاب الحمامة خيفة ... غداة غدت منهم تضمّ الخوافيا رسولا لهم والله يحكم أمره ... يبين لهم هل برنس التّرب باديا فجاءت بقطف آية مستبينة ... فأصبح منها موضع الطين جاديا «٢» على خطمها واستوهبت ثم طوقها ... وقالت ألا لا تجعل الطوق حاليا ولا ذهبا إنى أخاف نبالهم ... يخالونه مالى وليس بماليا وزدنى على طوقى من الحلى زينة ... تصيب إذا أتبعت طوقى خضابيا وزدنى لطرف الطين منك بنعمة ... وورّث إذا ما متّ طوقى حماميا يكون لأولادى جمالا وزينة ... وعنوان زينى زينة من ترابيا

стр. 3544

ذكر شىء مما وصف به هذا النوع نظما ونثرا قال عبد الواحد بن فتوح الأندلسىّ يصف حماما بسرعة الطيران والسّبق: يجتاب أودية السّحاب بخافق ... كالبرق أومض فى السّحاب فأبرقا لو سابق الريح الجنوب لغاية ... يوما لجاءك مثلها أو أسبقا يستقرب الأرض البسيطة مذهبا ... والأفق ذا السّقف الرفيعة مرتقى ويظلّ يسترقى السماء بخافق ... فى الجوّ تحسبه الشّهاب المحرقا يبدو فيعجب من رآه لحسنه ... وتكاد آية عنقه أن تنطقا مترقرقا من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلب زئبقا وقال أبو هلال العسكرىّ فى حمام أبلق: ومتّفقات الشكل مختلفاته ... لبسن ظلاما بالصباح مرقّعا أخذن من الكافور أنفا ومنسرا «١» ... وخضّبن بالحنّاء كفّا وإصبعا وترنو بأبصار إذا ما أدرنها ... جلون عقيقا للعيون مرصّعا تطير بأمثال الجلام كأنّها ... جنادل تدحوها ثلاثا وأربعا تبوع «٢» بها فى الجوّ من غير فترة ... كأنّ مجاديفا تبوع بها معا إذا هى عبّت فى الغدير حسبتها ... تزقّ فراخا فى المغاور جوّعا وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ من رسالة يصف طائرا جاء من غاية: «وكان هذا الطائر أحد الرسل المسيّرة بل المبشّره، والجنود المجرّدة بل المسخّره؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحه، وتجهّز من جيوش المقاصد والاقلام

стр. 3545

أسلحه؛ وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر؛ وتزوى لها حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمّة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّه؛ وتكون مراكب للأغراض لمّا كانت الأجنحة قلوعا، وتركب الجوّ بحرا يصفّق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا؛ وتعلّق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها. ومن بلاغات البطائق استعارت ما هى به مشهورة من السّجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهى إليها دائمة الرّجع. وقد سكنت البروج فهى أنجم، وأعدّت فى كنائنها فهى للحاجات أسهم. وقد كادت تكون ملائكة فإذا نيطت بالرّقاع، صارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقد باعد الله بين أسفارها وقرّبها، وجعلها طيف اليقظة الذى صدق العين وما كذبها. وقد أخذت عهود الأمانة فهى فى أعناقها أطواقا، فأدّتها من أذنابها أوراقا؛ فصارت خوافى وراء الخوافى، وغطّت سرّها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافى «١» ؛ ترغم النّوى بتقريب العهود، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود؛ فهى أنبياء «٢» الطير لكثرة ما تأتى به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء» . والله أعلم بالصواب. وأما الببّغاء وما قيل فيها - والببّغاء طائر هندىّ، وحبشىّ. حسن الخلق، دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوّة على حكاية الأصوات بالتلقين والتعليم؛ تتخذه الملوك وأكابر الناس فى منازلهم. وفى لونه الأخضر والأغير والأسود والأحمر

стр. 3546

والأصفر والأبيض. وهذه الألوان كلّها قليلة نادرة الوجود إلّا الأخضر والأغبر. وقد شاهدت أنا بالقاهرة المعزّيّة درّة «١» بيضاء. وحكى أنه أهدى إلى معزّ الدولة «٢» ابن بويه ببغداد هديّة من اليمن كان فيها ببّغاء بيضاء، سوداء المنقار والرجلين، وعلى رأسها ذؤابة فستقيّة. وهذا الطائر يتناول الطّعم برجله. وله منقار معقّف قصير يكسر به ما صلب وينقب به ما تعسّر نقبه. وهو فى مأكله ومشربه كالإنسان التّرف الظريف. والناس يحتالون على تلقينه بأن ينصبوا تجاهه مرآة يرى خياله فيها ويتكلّم الإنسان من ورائها، فيتوهّم الطائر أنّ خياله فى المرآة هو المتكلّم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من ذلك الصوت. وقال المولى تاج الدين عبد الباقى اليمانىّ ﵀ فيها ملغزا: يا سيّدا أبدع فى المقال ... ويا رئيسا فاق فى المعالى ما حيوان مشبه الإنسان ... مرتّل الآيات فى القرآن ذو مبسم صيغ من النّضار ... ومقلة قد ركّبت من قار ومخلب يكسّر الصّليبا ... ومنطق يفاخر الخطيبا ذو حلّة بنديّة البرود ... منسوجة من أخضر البنود كروضة قد أينعت أزهارها ... وأدهشتنا بالغنا أطيارها

стр. 3547

قد جمعت فى ذاته ألوان ... كأنّه فى خلقه بستان فذاته من ناصع الزّبرجد ... ونوره مركّب من عسجد وتارة يبصر من أقاحى ... خلقته «١» فى سائر النواحى وعرفه من خالص المداد ... ونطقه مستحكم الإيراد يأكل بالكفّ خلاف الطير ... ويغتدى وهو قدير السّير إن لقط الحبّ لدى تفريقه ... رأيت درّا جال فى عقيقه يحفظ بيت المرء فى المغيب ... ويغتدى كالحارس المرهوب سميّه فى أسفل البحار ... مستودع فى آخر التيّار إليه يعزى الشاعر المجيد ... والكاتب النّحرير والمجيد فاكشف معمّى ما لغزت يا إمام ... واسلم على مرّ الدهور فى الدّوام

стр. 3548

الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الطير الليلىّ ويشتمل هذا الباب على ذكر ما قيل فى الخفّاش، والكروان، والبوم، والصّدى. فأمّا الخفّاش وما قيل فيه - فالخفّاش ليس من الطير فى شىء؛ فإنه ذو أذنين ظاهرتين وأسنان وخطم وخصيتين بارزتين، ويبول كما تبول ذوات الأربع، ويحيض، ويلد، ويرضع، ولا ريش له. قال بعض المفسّرين لكتاب الله : إنّ الخفّاش هو الطائر الذى خلقه عيسى بن مريم ﵇ بإذن الله تعالى؛ ولذلك هو مباين لصنعة الخالق؛ ولهذا سائر الطير تقهره وتبغضه؛ فما كان منها يأكل اللحم أكله، وما لا يأكل اللحم قتله؛ فلذلك لا يطير إلّا ليلا. وطعامه البعوض والفراش يصيدهما وقت طيرانه، ولا يبلغ ذلك إلا بما فيه من سرعة الاختطاف وشدّة الطيران ولين الأعطاف. وهو مع ذلك ليس بذى ريش وإنما هو لحم مغشّى بجلد صلب كأنّه جلد ضفدع، وهو يطير بغير ريش؛ وهذا من العجب. وهو لا يطير فى ضوء ولا ظلمة. وسبب ذلك أنه ضعيف حاسّة البصر، قليل شعاع العين؛ فالشمس تضعف بصره عن التحديق فى شعاعها، والظلمة تغمر ضياء بصره؛ فهو يجعل طيرانه لطلب قوته وقت غروب الشمس وظهور الشّفق. [وذلك وقت هيج البعوض وانتشاره «١» ] . ومنازله تكون فى الجبال وصدوع الصخور وبسيط

стр. 3549

الفيافى وجزائر البحر والأماكن الخربة المهجورة. وهو يطلب قرب الناس؛ فإذا كان فى بيوتهم قصد أرفع مكان وأحصنه فيكون فيه. ويذكر بطول العمر، ويكبر حتى يكون فى قدر الحدأة وأكبر. وهو يلد ما بين الثلاثة إلى التسعة. ويسفد غالبا وهو طائر فى الهواء. وهو يحمل ولده تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه لإشفاقه عليه. وربّما أرضعت الأنثى ولدها وهى طائرة. أخبرنى من شاهد ذلك ممن يعتمد على نقله. وهو متى أصابه شجر الدّلب خدر. قال الجاحظ: والخفّاش يأتى الرّمّانة وهى على شجرتها فينقب عنها ويأكل جميع ما فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده. قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصّقور والبوازى ولكثير من جوارح الطير، وهى تسمن عنها وتصحّ أبدانها عليها، ولها فى ذلك عمل محمود ناجع عظيم النفع بيّن الأثر. وقال بعض الشعراء فى الخفّاش ملغزا: وطائر جناحه فى رجله ... أبعد شىء فصّه من وصله» لم يوصف «٢» الله بخلق مثله ... وهو على تآلف فى شكله لو بيع فى سوق له لم أغله وقال آخر: أبى علماء الناس أن يخبروننى ... وقد ذهبوا فى العلم فى كلّ مذهب بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب

стр. 3550

وأمّا الكروان وما قيل فيه - والكروان طائر من طبعه وعادته الطيران فى الليل، والإدلاج والصّياح بالأسحار، والإشراف على مواضع العساكر. ويوصف بالحمق؛ ومن حمقه أنه يقال له: أطرق كرا، فيلصق بالأرض حتى يرمى. وتقول العرب: «أطرق كرا أطرق كرا إنّ النّعامة فى القرى «١» » . وأمّا البوم وما قيل فيه - ويقال: إنه الصّدى، ويقال: بل الصّدى ذكر البوم، وللبوم ذكر له منه. ويقال: إنه خمسة أصناف: منه ما يصيد الأرنب. ومنه صنف له لونان يأوى الاكام والبرّيّة. ومنه المدبّج بالصّفرة، وله حواجب وقرون من ريش، ويسكن الجدران. ومنه الهام ويسمّى «الغبشيّة «٢» » . ومنه «القن» وهو يصيح كالهام لكنّ صوته أدقّ. وكل هذه الأصناف تحب الخلوة بنفسها. وهى تبغض الغربان، وسائر أصناف الطير تبغضها؛ فإنّ الطيور إذا رأينها يطرن حولها وينتفن ريشها؛ فلذلك صيّاد والطيور يجعلونها فى مصايدهم؛ لأن الطيور إذا رأوها اجتمعوا عليها، فتصاد عند ذلك.

стр. 3551

وأما الصّدى وما قيل فيه - فالعرب تزعم أن الإنسان إذا مات أو قتل تتصوّر نفسه فى صورة طائر تصرخ على قبره مستوحشة لجسدها. وفى ذلك يقول توبة: ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح ويحكون على ذلك حكاية «١» . وتقول العرب: إنّ هذا الطائر يكون صغيرا ثم يكبر حتى يصير فى قدر البوم، ويسمّونه الهام، واحده هامة. وهو يتوحّش ويصيح ويوجد فى الدّيار المعطّلة والنّواويس «٢» وحيث مصارع القتلى وأجداث الأموات. ويقولون: إنه لا يزال عند ولد الميّت ومخلفيه ليعلم ما يكون بعده فيخبره. وهذا كلّه أراه من خرافات العرب وأكاذيبها. وما زالوا على ذلك حتى جاء الإسلام فنهى رسول الله ﷺ عنه فقال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة» الحديث. والله أعلم.

стр. 3552

الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الهمج وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فيه: إنه ليس من الطير، ولكنّه مما يطير كالحشرات مما يمشى. والذى أطلق عليه اسم الهمج هو مما يشتمل عليه هذا الباب، وهو النّحل، والزّنبور، والعنكبوت، والجراد، ودود القزّ، والذّباب، والبعوض، والبراغيث، والحرقوص. فأمّا النحل وما قيل فيه - قال الله : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) . وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه: أنّ رجلا أتى النبىّ ﷺ فقال: إن أخى يشتكى بطنه يا رسول الله؛ فقال النبىّ ﷺ : «اسقه عسلا» . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال: «اسقه عسلا» . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال: «اسقه عسلا» . ثم أتاه فى الرابعة؛ فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا» ؛ فسقاه فبرئ الرجل. وقال أرسطو: النحل تسعة أصناف: ستّة منها يأوى بعضها إلى بعض، وذكر أسماءها باليونانيّة. وغذاء «١» النحل من الفضول «٢» الحلوة والرّطوبات. والنحل

стр. 3553

لا تقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد؛ وإن قعدت على زهر آخر فإنما تقعد عليه بعد أن تنصرف إلى الخليّة. وبيوتها من أعجب المبانى؛ لأنها مبنيّة على الشكل الذى لا ينتهك ولا ينخرق، كأنه حرّر بآلة وقياس هندسىّ. وإذا هلك شىء من النحل فى باطن الخلايا أخرجته الأحياء إلى خارجها. وهو يعمل فى فصل الربيع والخريف. والرّبيعى أجود من الخريفىّ. والصغير منه أعمل من الكبير. وهو يشرب من الماء النقىّ العذب الصّافى، ويطلبه حيث كان. وهو يسلخ جلده كالحيّات. وتوافقه الأصوات المطربة. ويجتمع للتصفيق بالأيدى والرّقص. والسوس يضرّه. ودواؤه أن يطرح فى كل خليّة كفّ من الملح، وأن تفتح فى كلّ شهر مرّة وتدخّن بأخثاء البقر. وقد وصف الشعراء الشّهد والعسل فى أشعارها؛ فمن ذلك قول إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ يصف شهدة بعث بها إليه بعض أصدقائه: لله ريقة نحل ... رعى الرّبى والشّعابا وجاب أرضا فأرضا ... يغشى مصابا مصابا «١» حتّى ارتوى من شفاء ... يمجّ منه رضابا إن شئت كان طعاما ... أو شئت كان شرابا وكتب مع هذه الأبيات رسالة، جاء منها: «وكفى النّحلة فضيلة ذات، وجلالة صفات؛ أنّها أوحى إليها، وأثنى فى الكتاب عليها؛ تعلم مساقط الأنداء، وراء البيداء؛ فتقع هناك على نوّارة عبقه، وبهارة «٢» أنقه؛ ثم تصدر عنها [بما تطبعه

стр. 3554

شمعه، وتبدعه صنعه؛ وترتشف منها «١» ] ما تحفظه رضابا، وتلفظه شرابا؛ وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى، وأحكم مبتنى. وأمّا الزّنبور وما قيل فيه - والزنبور يسمّى «الدّبر» . وهو جبلىّ وسهلىّ. فالجبلىّ يأوى الجبال والأماكن الخشنة، وقد يعشّش على الشّجر، ولونه إلى السواد. والسّهلىّ أحمر اللون ويتّخذ عشّه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل النّمل، وهو يختفى فى الشتاء فلا يظهر، وأكثره يهلك. ومن السّهلىّ صنف مختلف الألوان مستطيل؛ وفى طبعه الشّره يطلب المطابخ ويأكل اللحم، ويطير مفردا ويسكن بطن الأرض. وصنف الزنبور جميعه مقسوم فى وسطه؛ وهو لذلك لا يتنفّس من جوفه البتّة. ومتى غمس فى الدّهن سكنت حركاته وذلك لضيق منافذه. وقد وصفه الشعراء. فمن ذلك قول السّلامىّ: ولابس لون واحد وهو طائر ... ملوّنة أبراده وهو واقع أغرّ تردّى طيلسانا مدبّجا ... وسود المنايا فى حشاه ودائع إذا حكّ «٢» أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع «٣» يخاف إذا ولّى ويؤمن مقبلا ... ويخفى عن الأقران ما هو صانع بدا فارسىّ الزّىّ يعقد خصره ... عليه قباء زيّنته الوشائع «٤»

стр. 3555

فمعجره «١» الوردىّ أحمر ناصع ... ومئزره التّبرىّ أصغر فاقع يرجّع ألحان الغريض ومعبد ... ويسقى كؤوسا ملؤها السمّ ناقع وقال السّرىّ الرّفّاء يصفه: ومخطف «٢» الخصر برده حبر «٣» ... نحذره وهو خائف حذر مجنّح طار فى مجنّحة ... تصعد طورا به وتنحدر كأنّها والرياح تنثرها ... غرائب الزّهر حين تنتثر «٤» لها حمات كأنها شعر ... تظهر مسودّة وتستتر قد أذهبت فى الجبين «٥» غرّته ... إذ فضّضت فى جيادنا الغرر سلاحه الدّهر فى مؤخّره ... يطعن طورا به وينتصر كأنّ شطر الذى يجرّده ... من بين فكّيه حيّة ذكر وأمّا العنكبوت وما قيل فيه - قد ضرب الله المثل فى الوهن بالعنكبوت؛ فقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) . والعنكبوت أصناف: منها صنف يسمّى «الرّتيلا» «٦» من ذوات السموم القواتل، وهو عنكبوت

стр. 3556

صغير. ومنه صنف طويل الأرجل. ومنه صنف يسمّى «اللّيث» يصيد الذّباب، وله ست عيون وثمانى أرجل؛ وقال الجاحظ: ولد العنكبوت يقوى على النّسج ساعة يولد، وذلك من غير تلقين ولا تعليم. وأوّل ما يولد دودا صغارا، ثم يتغيّر ويصير عنكبوتا. وهو يطاول فى السّفاد «١» . ومنه ما هو كبير ونسجه ردىء، ومنه ما هو دقيق. وهو فى نسجه يمدّ السّدى ثم يعمل اللّحمة، ويبتدئ من الوسط؛ ويهيّئ موضعا لما يصيده يكون له كالخزانة. والأنثى منه هى التى تنسج، والذكر يحلّ وينقض. والتى تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها. وفم العنكبوت مشقوق بالطول. وهو إذا صاد الذّباب يثب عليه وثوب الفهد. وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ نسج العنكبوت يقطع نزف الدّم إذا جعل على الجراحة، وإذا وضع نسجه على القروح منعها أن ترم وعلى الجراحات «٢» . وإذا طبخ العنكبوت الذى هو غليظ النّسج أبيضه بدهن الورد وقطّر فى الأذن سكّن وجعها. قال: وقال بعضهم: إنّ نسج العنكبوت إذا خلط ببعض المراهم ووضع على الجبهة والصّدغين أبرأ حمّى الغبّ. قال: وزعم بعضهم أنّ نسج الصّنف الذى يكون نسجه كثيفا أبيض إذا شدّ فى خيط وعلّق على العنق والعضد أبرأ حمّى الغبّ. وقال ابن الرومىّ يصف فهد العنكبوب: أعجب مستفاد ... أفادنى زمانى من الفهود فهد ... فى الاسم والعيان

стр. 3557

تلك ذوات أربع ... وذاك ذو ثمان كأنما ارجله ... مخالب النّغران «١» سيفاه سيفا بطل ... والدرع درع جان مستأنس ما إن بنى ... والإنس فى مكان وصائد وهو من ال ... مصيد «٢» فى أمان ذبابه فى كفّه ال ... طائر مثل الو؟؟؟ وليس يبغى بدلا ... بطائر الخوان إذا دنا فلم يكن ... بينهما عقدان عانقه أسرع من ... تعانق الأجفان بخفّة الوثوب بل ... بجرأة الجنان فهو عزيز عزّة ... فى غاية الهوان وقال خلف الأحمر فى الرّتيلاء: ابعث له يا ربّ ذات أرجل ... فى فمها أحجن «٣» مثل المنجل دهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل وأمّا الجراد وما قيل فيه - فالجراد أحد جند الله الذى عذّب الله به قوم فرعون؛ قال الله تعالى: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ

стр. 3558

وَالضَّفادِعَ) . والعرب تقول: سرأ؟؟؟ الجرادة إذا باضت. فإذا خرج من بيضه فهو «دبى» ، ويخرج دودا أصهب إلى البياض. فإذا تلوّنت فيه خطوط صفر وسود وبيض فهو «المسيّح» . فإذا ضمّ جناحيه فذاك «الكتفان» ؛ لأنه حينئذ يكتف [فى «١» ] المشى. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو «الغوغاء» والواحدة غوغاءة؛ وذلك حين يستقلّ فيموج بعضه فى بعض و [لا «٢» ] يتوجّه إلى جهة. فإذا بدت فى لونه الحمرة والصفرة واختلف فى ألوانه فهو «الخيفان» . فإذا اصفرّت الذكور واسودّت الإناث سمّى حينئذ «جرادا» . [وهو إذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصّلدة والصخور الصّلبة التى لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه فتنفرج له، ثم يلقى بيضه فى ذلك الصّدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضنا له ومربّيا «٣» ] . والجرادة لها ستّ أرجل: يدان فى صدرها، وقائمتان فى وسطها، ورجلان فى مؤخّر جسدها. وطرفا رجليها منشاران. والجراد من الحيوان الذى ينقاد إلى رئيس [يجتمع إليه كالعسكر، إن ظعن أوّله تتابع كلّه ظاعنا؛ وإذا نزل أوّله نزل جميعه «٤» ] . ولعابه سمّ على الأشجار، لا يقع على شىء منها إلا أهلكه. والجرادة فيها شبه من عشرة من جبابرة الحيوان، وهى: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا إيّل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل ورجلا نعامة، وذنب حيّة. قال شاعر «٥» : لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعى الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم

стр. 3559

وقال أبو علىّ بن سينا: أجود الجراد السمين الذى لا جناح له؛ وأرجل الجراد تقلع الثآليل فيما يقال. قال: يؤخذ من مستديراتها اثنتا عشرة وتنزع رءوسها وأطرافها ويجعل معها قليل آس يابس وتشرب للاستسقاء كما هى. قال: والجراد نافع لتقطير البول؛ وإذا تبخّر به نفع عسره وخصوصا فى النساء. ويتبخّر به من البواسير. والذى لا أجنحة له يشوى ويؤكل للسع العقرب. وقال بعض الأعراب وذكر فساده: «باكرنا وسمىّ «١» ، ثم خلفه ولىّ؛ حتى كأنّ الأرض وشى منشور، عليه لؤلؤ منثور؛ ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد، فأخربت البلاد، وأهلكت العباد. فسبحان من يهلك القوىّ الأكول، بالضعيف المأكول» . وقال العسكرىّ يصف جرادة: أجنحة كأنّها ... أردية من قصب لكنّها منقوطة ... مثل صدور الكتب بأرجل كأنّها ... مناشر من ذهب وقال أيضا: وأعرابيّة ترتاد «٢» زادا ... فتمرق من بلاد فى بلاد غدت تمشى بمنشار كليل ... تبوع «٣» به قرارة كلّ واد وتنشر فى الهواء رداء «٤» شرى ... على أطرافه نقط المداد

стр. 3560

وقال يعلى بن إبراهيم الأندلسىّ: وخيفانة صفراء مسودّة القرا «١» ... أتتك بلون أسود فوق أصفر وأجنحة قد ألحقتها لرؤية «٢» ... تقاصر عن أثناء برد محبّر وقال آخر: جرادة حنّت «٣» القلوب لها ... حين أشارت بناظرى ربرب صفراء جسم يشوبها رقط ... فى نقط من عبيرها الأشهب كأنها والجناح حلّتها ... راقصة فى ممسّك مذهب ووقفت على حكاية عجيبة فى أمر الجراد، نقلها ابن حلب «٤» راغب فى تاريخه فى حوادث سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، قال: قال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ: حدّثنا القاضى بهاء الدّين بن شدّاد قاضى حلب فى يوم الثلاثاء من عشر [شهر] ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقدم علينا فى صفر منها، قال: كان الجراد بالشأم قد زاد أمره وعظم خطبه وأمحلت السّنة بعد السّنة ولم يسلم من الزرع إلا أقلّه؛ فأعلم الملك الظاهر «٥» غازى صاحب حلب عن طائر يسمى «السّمندل» ،

стр. 3561

إذا ظهر الجراد ببلاد أحضر إليها ماء من مكان مخصوص فتبعه ذلك الطائر ووقع على الجراد فأتلفه واستخرج بيضه من التراب ونظّف البلاد منه. قال: فندب ثلاثة نفر من العجم ذوى قوّة فى أبدانهم وصبر على مشقّة المشى فى أسفارهم، وأزاح علّتهم بنفقة وسّعها عليهم، وساروا على خوزستان، واستدلّوا على الضّيعة التى هى من عملها وفيها هذا الماء، فوصلوا إليها وحملوا من الماء، ووجدوا هذه العين على وجه الأرض لا تبلغ إلى أن تفيض فتسيح ولا إلى أن تغيض فتستقى. ومن تدبير هذا الماء إلى أن يتمّ به المراد ان يحمله الماشى ولا يركب، وإذا نزل بمنزلة علّقه ولا يضعه على الأرض؛ وكان الملك الظاهر قد سيّر معهم دوابّ يركبها من لم يحمل الماء بالنّوبة ويمشى من يحمله؛ ومن عادة من يحمله ألّا ينفرد بنفسه وألّا يسير إلّا فى قافلة وأن يعلم أهلها بما معه ويشهدهم أنه ما ركب ظهر دابّة فى حال حمله، وأنه مشى والماء فى إنائه فى يده؛ وكلّما وصلت قافلة إلى بلد أدّى شهود القافلة ما شهدوا به عند الحاكم؛ ويتنجّز حامل الماء كتبا حكميّة من قضاة البلاد فى أمر الماء بصحّة نسبه وكيفيّة حمله. قال: ولم يزالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى حلب، فعلّق ذلك الماء ووصل ذلك الطائر فى جمع كجمع الجراد وأكثر، وهو يشبه السّمانى فى قدره ولونه، ووقع على الجراد فأتلفه واستأصله. قيل: إنّه كان يأكل الجرادة واثنتين والثلاث والأربع فى دفعة ويرميها فى الحال من بطنه، وإنه يتتبّع مكان بيضه فى الأرض فيبحث عنه بمناقيره وأخرجه، حتى صارت الأرض كالغربال من أثر نقره، وإنّ الجراد ارتفع من الشأم وكشفت به البلوى. قال: وأمر هذا الماء مشهور معلوم مستفيض.

стр. 3562

وأمّا دود القزّ وما قيل فيه - ودود القزّ وإن لم يكن من الهمج الذى له جناح، فمآل أمره أن يصير له جناح؛ ولذلك أوردناه فى هذا الباب وألحقناه بهذا النّوع. ودود القزّ أوّل ما يكون بزرا فى قدر حبّ التين، وهو البيض الذى يتكوّن فيه الدّود. ويكون خروجه منه فى أوّل فصل الربيع. ويخرج أصغر من الذّرّ، وفى لونه. وإذا تأخّر خروجه وضعه النساء تحت ثديّهنّ فى صرر. فإذا خرج غذّى بورق التوت. ويأخذ فى النّمو إلى أن تصير الدودة منه فى قدر الإصبع وينتقل من السواد إلى البياض [أوّلا فأوّلا «١» ] ، وذلك فى مدّة ستين يوما فما دونها. وله فى غضون هذه المدّة نومات لا يأكل فيها شيئا البتّة، كلّ نومة يومان؛ فإذا استيقظ أكل أضعاف ما كان يأكل قبل النوم. فإذا أكمل المدّة امتلأ حريرا فلا يبقى فيه مساغ لمأكل، فيقطع الأكل عند ذلك ويهيج للنّسج؛ فأىّ شىء تعلّق به نسج عليه. وهو ينسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن يخرج ما فى جوفه، وهو أرقّ من العنكبوت «٢» ، ويكمل عليه ما يبنيه، فيكون كهيئة اللّوزة «٣» . ويبقى محبوسا فى غزله قريبا من عشرين يوما، ثم ينقب عن نفسه ويخرج فراشا أبيض ذا جناحين لا يسكنان عن الاضطراب وقرنين وعينين. وهو إذا نقب عن نفسه وخرج لا ينتفع من نسجه بحرير لأنه يقطع طاقاته. وعند خروجه

стр. 3563

يهيج للسفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان ساعة زمانيّة ثم يفترقان، وتنثر الأنثى البزر على الصفة التى ذكرناها على خرق بيض تكون قد فرشت له. فإذا نفد ما فيهما من السفاد والبزر ماتا. هذا إذا أريد من الدود البزر. وإذا أريد منه الحرير ترك ذلك النسج فى الشمس بعض يوم فيموت. وقد جعله بعض الشعراء مثلا للحريص على جمع المال، فقال: يفنى الحريص لجمع المال مدّته ... وللحوادث والورّاث ما يدع كدودة القزّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذى تبنيه ينتفع وهو كثير العوارض. وأكثر ما يعرض له الفساد إذا اطعم ورق التّوت الحامض. ويهلك من صوت الرعد وضرب الطّست والهاون، ومن رائحة الخلّ والدّخان. وكثرة الحرّ تهلكه وتذيبه؛ وكذلك البرد الشديد فإنه يبطئ به. ويؤذيه مسّ الجنب والحائض، ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنمل والوزغ. وأمّا الذّباب وما قيل فيه - فقد ضرب الله به المثل فقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) . فهذا مثل ضربه الله تعالى لضعف الناس وعجزهم عن الإتيان بمخلوق. وجاء فى الحديث: «إذا سقط الذّباب فى طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه فإنّ فى أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء» . ويقال: إنه يغمس جناح الداء ويرفع جناح الشفاء، فلهذا ندب إلى غمسه. والعرب تجعل النحل والفراش والدّبر من الذّباب.

стр. 3564

قال الجاحظ: «والذباب ضروب سوى ما ذكروا «١» من الفراش والنحل والزّنابير» ؛ فمنها الشّعراء «٢» . قال الراجز «٣» : ذباب شعراء ونبت مائل «٤» وللكلاب ذباب على حدة يتخلّق منها فلا يريد سواها. ومنها ذباب الكلأ والرّياض؛ وكلّ نوع منها يألف ما خلق منه» . ومنها الذّباب الذى يقتل الإبل وهو أزرق. والذّباب الذى يسقط على الدّوابّ وهو أصفر. ويقال: إنّ الذّباب يكثر إذا هاجت ريح الجنوب وإنّه يخلق فى تلك الساعة؛ وإذا هبّت ريح الشمال خفّ وتلاشى. وهو من ذوات الخراطيم، وكذلك البعوض. ويقال: إنّ الذّباب لا يعمّر أكثر من أربعين يوما. قال الجاحظ: «وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط «٥» ، وربّما رأيت الحائط وكأنّ عليه مسحا شديد السواد من كثرة [ما عليه من «٦» ] » الذباب. ويقال: إن اللّبن إذا ضرب بالكندس «٧» ونضح به بيت لم يدخله ذباب. ومن عجيب أمر الذباب أنّه يلقى رجيعه على الشىء الأبيض أسود وعلى الأسود

стр. 3565

أبيض. ويقال: إنه لا يظهر إلّا فى «١» مواضع العفونات والقاذورات، ومبتدأ خلقه منها، ثم يكون من السّفاد. قال الجاحظ: ويقال: إنّ الذّباب لا يقرب قدرا فيه كمأة. والذّباب بطئ فى سفاده، وربّما بقى الذّكر على ظهر الأنثى عامّة النّهار؛ فهو يتجاوز فى ذلك البعير والخنزير. وهو من الحيوان الشّمسى لأنه يخفى فى الشتاء ويظهر فى الصيف. وللذّباب يدان زائدتان فى مقدّم يديه يتّقى بهما الأذى عن عينيه فإنهما بغير أجفان. والعرب تضرب به المثل فى الزّهو فتقول: «أزهى من ذباب» . قالوا: لأنّه يسقط على أنف الملك الجبّار وعلى موق عينيه ويطرده فلا ينطرد. ويضرب به المثل فى القذر واستطابة النّتن. فإذا عجز الذّباب عن شمّ شىء فلا شىء أنتن منه. وقال ابن عبدل فى محمد بن حسّان بن سعد ورماه بالبخر: وما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند «٢» يرين حلاوة ويخفن موتا ... ذعافا إن هممن له بورد ويقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان؛ وكانت من كنى عبد الملك بن مروان. وقد وصف الشعراء الذّباب؛ فمن ذلك قول عنترة: جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة «٣» كالدّرهم فترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنّم غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم

стр. 3566

وقال العسكرىّ وجمع بين البراغيث والبعوض والذّباب: وبدا فغنّانى البعوض تطرّبا ... فهرقت كأس النوم إذ غنّانى ثم انبرى البرغوث ينقط أضلعى ... نقط المعلّم مشكل القرآن حتى إذا كشف الصباح قناعه ... قرأت لى الذّبّان بالألحان وأمّا البعوض وما قيل فيه - والبعوض صنفان: صنف يشبه القراد، لكن أرجله خفيّة ورطوبته ظاهرة، يسمّى بالعراق والشأم «الجرجس» و «الفسافس» ، وبمصر «البقّ» . ويشمّ رائحة الإنسان ويتعلّق به. وله لسع شديد. ولدمه إذا قتل رائحة كريهة. ويقال: إنّه يتولّد من النّفس الحارّ [ولشدّة رغبته فى الإنسان لا يتمالك إذا شمّ رائحته، فإذا كان فى السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه «١» ] . وهذا الصنف ليس من الطير. والصنف الثانى طائر ويسمّيه أهل العراق «البقّ» و «البعوض» . ويسمّيه أهل مصر «الناموس» . وهو يتولّد من الماء الراكد، فإذا صار الماء رقراقا استحال دعاميص «٢» ، ثم تستحيل الدعاميص فراشا. والبعوض فى خلقة الفيل إلّا أنّه أكثر منه أعضاء، فإنّ للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا، وله مع هذه الأعضاء يدان زائدتان وأربعة أجنحة. وخرطوم البعوض [أجوف «٣» ] نافذ الخرق؛ فإذا طعن به جلد الإنسان استقى به الدّم وقذف به إلى جوفه. وفيه من الشّره أن يمتصّ من دم الإنسان إلى أن ينشقّ ويموت، أو يمتصّ إلى أن يعجز عن الطيران. ومن عجيب أمره أنه ربّما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع، فيبقى

стр. 3567

طريحا فى الصحراء فيجتمع حوله السّباع والطير التى تأكل الجيف، فمن أكل منها منه مات لوقته فى موضعه. ويقال: إنّ بعض جبابرة الولاة بالعراق كان يقتل بالبعوض، فيأمر بمن يريد قتله أن يجرّد من ثيابه ويربط ويخرج إلى بعض الآجام التى بالبطائح فيوجد فى أسرع وقت عظاما عارية من جلد ولحم. وقال الجاحظ: بعوض البطائح كجرّارات «١» الأهواز وعقارب شهرزور. وربّما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلّا العظام العارية. وقد أكثر الشعراء فى وصف البعوض؛ فمن ذلك قول فرج بن خلف الأندلسىّ: بعوض جعلن دمى قهوة ... وغنّيننى بصنوف الأغان «٢» كأنّ عروقى أو تارهنّ ... وجسمى الرّباب وهنّ القيان «٣» وقال آخر: إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللّحن مغنّياتها لم تطرب السامع خافضاتها ... وأرّق العينين رافعاتها صغيرة كبيرة أذاتها ... تنفضّ عن بغيتها بغاتها ولا يصيب أبدا رماتها ... رامحة خرطومها قناتها وقال أبو هلال العسكرىّ: غناء يسخن العين ... وينفى فرح القلب ولا يأتى على الزّمر ... ولا يجرى مع الضرب غناء البقّ باللّيل ... ينافى طرب الشّرب

стр. 3568

إذا ما طرق المرء ... جرى فى طلق الكرب إذا ما نقب الجلد ... ة أخفى أثر النّقب سوى حمر خفيّات ... تحاكى نقط الكتب وأمّا البراغيث وما قيل فيها - والبرغوث أسود أحدب. وهو من الحيوان الذى لا يمشى؛ وإنما أوردناه مع ذى الجناح لأنه ذو وثب لا يقصر عن الطيران؛ ومنه أيضا ما يمشى ولا يثب. وقالوا: إنه يطيل السّفاد، ويبيض ويفرّخ. وأصله متولّد من التراب فى المواضع المظلمة. وهو يكثر ويستطيل ويؤذى فى أواخر الشتاء وفصل الربيع. وإذا اشتدّ عليه الحرّ هلك. ومن جناس الكلام فيه قولهم: أذى البراغيث إذا البرى غيث. يعنون بالبرى التراب إذا نزل عليه المطر. والبرغوث يكمن بالنهار ويظهر بالليل. ويشتدّ أذاه للإنسان إذا أخذ مضجعه. وهو يطول لبثه بمصر؛ ولا يوجد فى البلاد الحارّة مثل صعيد مصر ولا فى البلاد الشديدة البرد. وقد أكثر الشعراء فى وصف البراغيث وأفعالها؛ فمن ذلك قول أبى الرّمّاح الأسدىّ وكان قد سكن مصر: تطاول بالفسطاط ليلى ولم أكن ... بحنو الغضى ليلى علىّ يطول يؤرّقنى حدب صغار أذلّة ... وإنّ الذى يوقظنه لذليل إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث إلىّ سبيل

стр. 3569

وقال العسكرىّ من أبيات: ومن براغيث تنفى النوم عن بصرى ... كأنّ جفنىّ عن عينى قصيران يطلبن منّى ثأرا لست أعرفه ... إلّا عداوة سودان لبيضان وقال أبو [الحسن أحمد بن «١» ] أيّوب البصرى المعروف بالناهى: لا أعذل الليل فى تطاوله ... لو كان يدرى ما نحن فيه نقص لى فى البراغيث والبعوض إذا ... يلحفنا حندس الظلام قصص إذا تغنّى بعوضه طربا ... ساعد برغوثه الغنا فرقص وقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهانىّ: بات البراغيث فى الفراش معى ... تقسمنى قسمة المواريث أكلننى بعد ما شربن دمى ... فمن مغيثى من البراغيث وقال أيضا فيها: إنّ البراغيث إذا ساورت ... من كنّها ترقص أو تقرص وكلّما غنّت بعوض لها ... فهى على شرب دمى أحرص تقفز من ثم إلى هاهنا ... كأنها زنجيّة ترقص وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدّينورىّ: وحمش القوائم حدب الظهور ... طرقن فراشى على غرّة وينقطننى بخراطيمهنّ ... كنقط المصاحف بالحمرة وقال ابن المعتزّ: وبراغيث إن ظفرن بجسمى ... خلت فى كلّ موضع منه خالا

стр. 3570

وأمّا الحرقوص وما قيل فيه - فقد ذكره الجاحظ فى كتاب الحيوان فقال: وزعموا أنه دويبّة أكبر من البرغوث؛ وأكثر ما ينبت لها جناحان بعد حين. وعضّة الحرقوص أشدّ من عضّة البرغوث. قالوا: والحرقوص يسمّى النّهيك. وأكثر ما يعضّ أحراح النساء وخصى الرجال. قال أعرابى وقد عضّ الحرقوص خصيتيه: لقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلا نقرّ ولا نهارا يغالبن الرجال على خصاهم ... وفى الأحراح دسّا وانجحارا وقالت امرأة تشير إلى زوجها: يغار من الحرقوص إن عضّ عضّة ... بفخذىّ منها ما يجذّ غيور «١» لقد وقع الحرقوص منّى موقعا ... أرى لذّة الدّنيا إليه تصير

стр. 3571

الباب السابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى أنواع الأسماك قال ابن أبى الأشعث: السمك يستنشق الماء بأصداغه فيقوم له مقام الهواء للإنسان. والسمك كلّه شره كثير الأكل، وحاسّة السمع والشمّ فيه أقوى منها فى الإنسان. واستدلّ على ذلك بأدلّة يطول شرحها. وحاسّة البصر فيه ليست كالسمع والشمّ وإنما أضعف. ولسانه غليظ قصير شبيه باللسان وليس لسانا. وله أضراس ليست للمضغ عليها وإنما لقتل ما يفترسه من حيوان الماء، ويفرغ فيه سمّا يكون سببا لقتله. وصغار السمك تحترز من كباره بأن تطلب الماء القليل. الذى لا يحمل الكبار. واختلف الناس فى سفاد السمك، فالأكثر على أنه يسفد مثل الحيّة. وقال الجاحظ: وفى السمك القواطع والأوابد كالطير. ومن أصناف السمك ما هو فى شكل الحيّات. قال: وهى إما أن تكون كانت برّيّة أو جبليّة فاكتسحتها السيول وألقتها فى الماء الدائم فتوالدت فيه؛ وإما أن تكون أمهاتها وآباؤها من دوابّ الماء. وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى الأدوية المفردة: أفضل السمك فى جثّته ما كان ليس بكبير جدّا ولا صلب اللحم ولا يابسه، لا دسومة فيه كأنه يتفتّت، والذى لا مخاطيّة ولا سهوكة فيه وطعمه لذيذ، فإن اللذيذ مناسب، وما هو دسم دسومة غير مفرطة ولا غليظة ولا شحميّة ولا حرّيفة، والذى لا يسرع إليه النّتن إذا فصل عن الماء. ويختار من السمك الصّلب اللحم ما هو أصغر، ومن الرّخص

стр. 3572

اللحم ما هو أكبر إلى حدّ ما. وصلب اللحم مملوحا خير منه طريّا. وأمّا فى الأجناس فالشبابيط أفضلها، ثم البنّىّ، والبياح «١» البحرىّ لا بأس به. وأما فى مأواه «٢» فالذى يأوى الأماكن الصخريّة ثم الرمليّة والمياه العذبة الجارية التى لا قذر فيها ولا حمأة وليست بطيحيّة «٣» ولا نزّيّة ولا من البحيرات الصغار التى لا تسقيها الأنهار ولا فيها عيون. قال: والسمك البحرىّ محمود لطيف؛ وأفضل أصنافه الذى لا يكون إلا فى البحر واللّجة. والذى يأوى ماء مكشوفا ترفرف الرّياح عليه أجود من الذى بخلافه. والذى يأوى ماء كثير الاضطراب والتموّج أجود من الذى يأوى الماء الراكد. والسمك البحرىّ لطيف اللحم لا سيما إذا كان مأواه فى الشطوط صخرا أو رملا؛ والذى يصير من البحر الى أنهار عذبة يعارض جرية الماء بالطبع لطيف كثير الرّياضة. وأمّا غذاؤه، فالذى يغتذى بالحشيش وأصول النبات خير من الذى يغتذى الأقذار التى تطرح من البلاد إلى المستنقعات. وأفضل ما يؤكل السمك اسفيدباجا «٤» ثم المشوىّ على الطّابق. وأما المقلىّ. فيصلح لأصحاب المعد القويّة ومعه الأبازير «٥» . والمشوىّ أغذى وأبطأ نزولا، والمطبوخ بالضدّ. وأفضل طبيخه أن يطبخ الماء حتى يغلى ثم يلقى فيه.

стр. 3573

وأمّا المالح، فخيره ما كان طريّا قريب العهد بالتمليح. وأحمده الممقور «١» بالخلّ والتّوابل. وأمّا طبعه، فجميع السمك بارد رطب، لكن بعضه أسخن بالقياس إلى مزاج السمك مثل الكوسج «٢» والمارماهيج «٣» . وأمّا أفعاله وخواصّه، فالطّرىّ منه يولّد البلغم المائىّ مرخ للأعصاب، غير موافق إلا للمعدة الحارّة جدّا. قال: وجلد السمك المعروف «بسيفيانوس» «٤» فى ناحية بيت المقدس إن ذرّ رماد جلده فى عيون «٥» المواشى أذهب بياضها. والمالح من أصناف السمك يخرج السّلّاء «٦» من المناشب «٧» . قال: ورأس «سماريس» «٨» محرقا يقلع اللحم

стр. 3574

الزائد فى القروح ويمنع سعتها ويقلع الثآليل «١» واليوث «٢» . وماء السمك المالح ينفع من القروح العفنة ويغسلها. قال: واذا احتقن بسلاقة المالح مرارا نفع من وجع الورك. والسمك الصغار الذى تسمّيه أهل الشام «٣» ومصر «الصّير» إذا تمضمض صاحب القلاع «٤» الخبيث بالمرّىّ «٥» الذى يتّخذ منه نفعه. و «الرّعّاد» الحىّ إذا قرّب من رأس المصدوع أخدره [عن الحسّ «٦» بالصداع] . قال: وجلد «سيفيانوس» تحكّ به الأجفان الجربة فينفع، وجلده المحرق أيضا يدخل فى أدوية العين؛ ويذهب «٧» الاكتحال به مع الملح الظّفرة «٨» ، وأكله مقليّا «٩» يورث غشاوة العين بل جميع السمك؛ ورءوس

стр. 3575

السّمكات المملوحة المجفّفة تنفع اللهاة «١» الوارمة، وعلاج جيّد من شقاق المقعدة «٢» . وغراء السمك يلقى فى الأحساء فينفع نفث الدّم. قال: وحوصلة سيفيانوس تليّن البطن مع صعوبة انهضامها. قال: ورأس المالح [من «٣» ] سماريس محرقا يجعل على عضّة الكلب الكلب ولسعة العقرب فينفع ذلك، وكذلك كلّ سمكة. ومرقة كلّ سمك تنفع من السموم المشروبة والنّهوش. قال: [والسمك «٤» ينفع من عسر النّفس والرّبو واليرقان ويسهّل البلغم وينفع من خناق الرّحم] . وقد وصف الشعراء السمك فى أشعارها؛ فمن ذلك قول ابن الرّومى يخاطب رئيسا «٥» ويستدعى منه سمكا: عسرت علينا دعوة «٦» السّمك ... أنّى وجودك ضامن الدّرك اعلم وقيت الجهل أنك فى ... قصر تلته مطارح الشّبك وبنات «٧» دجلة فى فنائكم ... مأسورة فى كلّ معترك
следующие страницы →