← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الباب السابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى أنواع الأسماك قال ابن أبى الأشعث: السمك يستنشق الماء بأصداغه فيقوم له مقام الهواء للإنسان. والسمك كلّه شره كثير الأكل، وحاسّة السمع والشمّ فيه أقوى منها فى الإنسان. واستدلّ على ذلك بأدلّة يطول شرحها. وحاسّة البصر فيه ليست كالسمع والشمّ وإنما أضعف. ولسانه غليظ قصير شبيه باللسان وليس لسانا. وله أضراس ليست للمضغ عليها وإنما لقتل ما يفترسه من حيوان الماء، ويفرغ فيه سمّا يكون سببا لقتله. وصغار السمك تحترز من كباره بأن تطلب الماء القليل. الذى لا يحمل الكبار. واختلف الناس فى سفاد السمك، فالأكثر على أنه يسفد مثل الحيّة. وقال الجاحظ: وفى السمك القواطع والأوابد كالطير. ومن أصناف السمك ما هو فى شكل الحيّات. قال: وهى إما أن تكون كانت برّيّة أو جبليّة فاكتسحتها السيول وألقتها فى الماء الدائم فتوالدت فيه؛ وإما أن تكون أمهاتها وآباؤها من دوابّ الماء. وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى الأدوية المفردة: أفضل السمك فى جثّته ما كان ليس بكبير جدّا ولا صلب اللحم ولا يابسه، لا دسومة فيه كأنه يتفتّت، والذى لا مخاطيّة ولا سهوكة فيه وطعمه لذيذ، فإن اللذيذ مناسب، وما هو دسم دسومة غير مفرطة ولا غليظة ولا شحميّة ولا حرّيفة، والذى لا يسرع إليه النّتن إذا فصل عن الماء. ويختار من السمك الصّلب اللحم ما هو أصغر، ومن الرّخص

стр. 3572

اللحم ما هو أكبر إلى حدّ ما. وصلب اللحم مملوحا خير منه طريّا. وأمّا فى الأجناس فالشبابيط أفضلها، ثم البنّىّ، والبياح «١» البحرىّ لا بأس به. وأما فى مأواه «٢» فالذى يأوى الأماكن الصخريّة ثم الرمليّة والمياه العذبة الجارية التى لا قذر فيها ولا حمأة وليست بطيحيّة «٣» ولا نزّيّة ولا من البحيرات الصغار التى لا تسقيها الأنهار ولا فيها عيون. قال: والسمك البحرىّ محمود لطيف؛ وأفضل أصنافه الذى لا يكون إلا فى البحر واللّجة. والذى يأوى ماء مكشوفا ترفرف الرّياح عليه أجود من الذى بخلافه. والذى يأوى ماء كثير الاضطراب والتموّج أجود من الذى يأوى الماء الراكد. والسمك البحرىّ لطيف اللحم لا سيما إذا كان مأواه فى الشطوط صخرا أو رملا؛ والذى يصير من البحر الى أنهار عذبة يعارض جرية الماء بالطبع لطيف كثير الرّياضة. وأمّا غذاؤه، فالذى يغتذى بالحشيش وأصول النبات خير من الذى يغتذى الأقذار التى تطرح من البلاد إلى المستنقعات. وأفضل ما يؤكل السمك اسفيدباجا «٤» ثم المشوىّ على الطّابق. وأما المقلىّ. فيصلح لأصحاب المعد القويّة ومعه الأبازير «٥» . والمشوىّ أغذى وأبطأ نزولا، والمطبوخ بالضدّ. وأفضل طبيخه أن يطبخ الماء حتى يغلى ثم يلقى فيه.

стр. 3573

وأمّا المالح، فخيره ما كان طريّا قريب العهد بالتمليح. وأحمده الممقور «١» بالخلّ والتّوابل. وأمّا طبعه، فجميع السمك بارد رطب، لكن بعضه أسخن بالقياس إلى مزاج السمك مثل الكوسج «٢» والمارماهيج «٣» . وأمّا أفعاله وخواصّه، فالطّرىّ منه يولّد البلغم المائىّ مرخ للأعصاب، غير موافق إلا للمعدة الحارّة جدّا. قال: وجلد السمك المعروف «بسيفيانوس» «٤» فى ناحية بيت المقدس إن ذرّ رماد جلده فى عيون «٥» المواشى أذهب بياضها. والمالح من أصناف السمك يخرج السّلّاء «٦» من المناشب «٧» . قال: ورأس «سماريس» «٨» محرقا يقلع اللحم

стр. 3574

الزائد فى القروح ويمنع سعتها ويقلع الثآليل «١» واليوث «٢» . وماء السمك المالح ينفع من القروح العفنة ويغسلها. قال: واذا احتقن بسلاقة المالح مرارا نفع من وجع الورك. والسمك الصغار الذى تسمّيه أهل الشام «٣» ومصر «الصّير» إذا تمضمض صاحب القلاع «٤» الخبيث بالمرّىّ «٥» الذى يتّخذ منه نفعه. و «الرّعّاد» الحىّ إذا قرّب من رأس المصدوع أخدره [عن الحسّ «٦» بالصداع] . قال: وجلد «سيفيانوس» تحكّ به الأجفان الجربة فينفع، وجلده المحرق أيضا يدخل فى أدوية العين؛ ويذهب «٧» الاكتحال به مع الملح الظّفرة «٨» ، وأكله مقليّا «٩» يورث غشاوة العين بل جميع السمك؛ ورءوس

стр. 3575

السّمكات المملوحة المجفّفة تنفع اللهاة «١» الوارمة، وعلاج جيّد من شقاق المقعدة «٢» . وغراء السمك يلقى فى الأحساء فينفع نفث الدّم. قال: وحوصلة سيفيانوس تليّن البطن مع صعوبة انهضامها. قال: ورأس المالح [من «٣» ] سماريس محرقا يجعل على عضّة الكلب الكلب ولسعة العقرب فينفع ذلك، وكذلك كلّ سمكة. ومرقة كلّ سمك تنفع من السموم المشروبة والنّهوش. قال: [والسمك «٤» ينفع من عسر النّفس والرّبو واليرقان ويسهّل البلغم وينفع من خناق الرّحم] . وقد وصف الشعراء السمك فى أشعارها؛ فمن ذلك قول ابن الرّومى يخاطب رئيسا «٥» ويستدعى منه سمكا: عسرت علينا دعوة «٦» السّمك ... أنّى وجودك ضامن الدّرك اعلم وقيت الجهل أنك فى ... قصر تلته مطارح الشّبك وبنات «٧» دجلة فى فنائكم ... مأسورة فى كلّ معترك

стр. 3576

بيض كأمثال السبائك بل ... مشحونة بالشحم كالعكك «١» حسنت مناظرها وساعدها ... طعم كحلّ معاقد التّكك فليصطد الصيّاد حاجتنا ... يصطد مودّتنا بلا شرك وقال أبو الفتح كشاجم: ومحجوبة بالماء عن كل ناظر ... ولكنها فى حجبها تتخطّف أخذنا عليهنّ السبيل بأعين ... رواصد إلّا انّها ليس تطرف فجئنا «٢» بها بيض المتون كأنّها ... خناجر فى أيماننا تتعطّف وقال أبو عبادة البحترىّ وذكر بركة: لا يبلغ السمك المقصور «٣» غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها يعمن فيها بأوساط مجنّحة ... كالطير تنفض فى جوّ خوافيها وقال أبو طالب المأمونىّ فى المقلىّ منه: ماويّة فضيّة لحمها ... ألذّ ما يأكله الآكل يضمّها من جلدها جوشن «٤» ... مذيّل «٥» فهو لها شامل لوّنت من فضّتها عسجدا ... بالقلى لما ضافنى نازل

стр. 3577

وقال أيضا: مائيّة فى النار مصليّة» ... يصبغ من فضّتها عسجد كأنّما جلدتها جوشن ... مزرفن «٢» الصّنعة أو مبرد وقال عطاء بن يعقوب يصف سمكة من رسالة يستدعى بها صديقا، جاء منها: «قد أهدى لنا صديق سمكه، قد لبست من جلدها شبكه؛ تشبه حملا شكلا وقدّا، أو جرابا قد امتلأ زبدا؛ كأنها أرادت أن تحارب نجم السّماك، أو حوت الأفلاك؛ فلبست من جلدها جوشنا مزرّدا «٣» . وسلّت من ذنها سيفا مجرّدا» . وقال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلّب يصف سمكا: «أتيت ببنات بيض البطون، زرق العيون، سود المتون، حدب الظهور، معقّفات الأذناب، صغار الرءوس، غلاظ القصر «٤» ، عراض السّرر» . هذا ما اتفق إيراده فى السمك المطلق. فلنذكر أصنافا من أنواع الأسماك. ذكر شىء من أنواع الأسماك وأنواع الأسماك كثيرة جدّا، منها ما يعرفه الناس، ومنها ما لم يعرفوه، ومنها ما يكون فى أماكن من البحار دون غيرها. وقد ذهب بعضهم أنّ كلّ حيوان

стр. 3578

فى البرّ يكون مثله فى البحر. فلنورد فى هذا الفصل ما أمكن إيراده، وهو الدّلفين، والرّعّاد، والتّمساح، والسّقنقور، والسّلحفاة، واللّجأة، والفرس النهرىّ، والجند بيدستر والقندس «١» ، والقاقم، والضّفادع، والسّرطان، وشىء من عجائب الحيوان المائىّ، على حكم الاختصار حيث تعذّر الاستيعاب. فأمّا الدّلفين - وهو كالزّق المنفوخ، وله رأس صغير جدّا. وهو يوجد فى بحر النيل يقذفه البحر الملح إليه. ويقال: ليس فى دوابّ البحر ماله رئة «٢» غيره؛ فلذلك يسمع له التنفّس والنّفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب فى نجاته؛ فإنه لا يزال يدفعه الى البرّ [حتى ينجيه «٣» ] . وهو من أقوى الدوابّ المائيّة. ولا يؤذى ولا يأكل غير السمك. وربما ظهر على وجه الماء وهو نائم كالميّت. وهو يلد ويرضع. وأولاده تتبعه حيث ذهب؛ ولا يلد إلّا فى الصيف. وفى طبعه الأنس بالناس وخصوصا الصبيان. وإذا صيد جاءت الدّلافين لقتال صائده، فإذا أطلقه لها انصرفت. وأهل المراكب فى البحر الفارسىّ اذا رأوه استبشروا به وأيقنوا ببلوغ الأرب سيّما الغزاة. وأمّا الرّعّاد - ويكون فى نيل مصر، ولم أسمع به فى غيره. وفيه من الخاصيّة أنه لا يستطيع أحد من الناس أن يمسّه. ومتى وضع الانسان يده عليه

стр. 3579

نزعها بحركته وصاح صيحة منكرة ربما دهش الإنسان لها؛ ويجد الرجل فى فؤاده خفقانا من ذلك. وهو متى وقع فى شبكة الصيّاد ارتعدت يداه عند إخراج الشبكة من الماء أو جذب الحبل، فيعلم أنه قد وقع له السمك الرّعّاد. وأمّا التّمساح - وهو أيضا لا يكون إلا فى نيل مصر؛ وزعم قوم أنه يوجد فى مهران «١» السّند، لزعمهم أنه من النيل. وهو شديد البطش فى الماء. وهو يعظم إلى أن ينتهى فى الطول إلى عشرين ذراعا فى عرض ذراعين. ويفترس الفرس والإنسان. ولا يقوى على قتاله من الحيوان إلّا الجاموس. وله يدان ورجلان وذنب طويل يضرب به ويلفّ. وهو لا يصاد إلّا أن يضرب فى إبطيه، ومنهما مقتله. ويقال: إنه إذا أراد السّفاد خرج هو والأنثى إلى البرّ فيقلبها على ظهرها ويستبطنها؛ فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكّن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها. وهى تبيض فى البرّ، فما وقع فى الماء صار تمساحا وما بقى فى البرّ صار سقنقورا. والتّمساح يحرّك فكّه الأعلى دون الأسفل، ولسانه معلّق به. ويقال: إنه ليس له مخرج، وإنّ جوفه إذا امتلأ خرج إلى البرّ وفتح فمه فيجىء طائر صغير أرقط فينقر بمنقاره ما فى جوفه ويخرجه، وذلك غذاء الطائر وراحة للتمساح. وفى رأس هذا الطائر شوكة فإذا غلّق «٢» التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. ويقال: إن للتمساح ستين سنّا وستين عرقا، ويسفد ستين مرّة، ويبيض ستين بيضة.

стр. 3580

ويوجد فى جلده ممّا يلى بطنه سلعة «١» كالبيضة فيها رطوبة لها رائحة كالمسك، وتنقطع رائحتها بعد أشهر. ووصفه شاعر فقال: وذى هامة كالتّرس يفغر عن فم ... يضمّ على مثل الحسام المثلّم ويفترّ عن مثل المناشير ركّبت ... على مشفر مثل القليب المهدّم مشى فى شواة من فقارة غيلم ... وسقّف «٢» لحيا عن مناكب شيهم وأمّا السّقنقور - ويسمى الحرذون البحرىّ. ويقال: إنه ورل مائىّ. ومنه ما هو مصرىّ، وما هو هندىّ، وما يتولّد فى بحر القلزم وببلاد الحبشة. وهو يغتذى فى الماء بالسمك وفى البرّ بالقطا. وأنثاه تبيض عشرين بيضة وتدفنها فى الرّمل، فيكون ذلك حضنها. وجلده خشن مدبّج بالسواد والصفرة. وهو إذا عضّ إنسانا وسبقه الإنسان إلى الماء فاغتسل منه مات السقنقور؛ وإن سبق السقنقور الإنسان إلى الماء مات الإنسان. وبين السقنقور وبين الحيّة عداوة عظيمة، متى ظفر أحدهما بصاحبه قتله. وقال الشيخ الرئيس: أجود السقنقور ما صيد فى الرّبيع وقت هيجانه. وأجود أعضائه السّرّة. وهو ينفع من العلل الباردة فى العصب. وملحه يهيج الباه فكيف لحمه، وخصوصا لحم سرّته وما يلى كليتيه وخصوصا شحمها.

стр. 3581

وأمّا السّلحفاة واللّجأة - يقال: إنّ اللّجأة تبيض فى البرّ، فما أقام به سمّى سلحفاة، وما وقع فى البحر سمّى لجأة. فأمّا ما يبقى فى البرّ فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله. وقد رأيت فى سنة سبع وسبعمائة بالقاهرة المعزّيّة سلحفاة تحمل الرجل وتمشى به وهو قائم على ظهرها. وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله؛ وربما وجد منها ما زنته أربعمائة رطل. وتبيض أنثاه أربعمائة بيضة. وهى تحضن بيضها بالنظر إليه والرّصد له لا غير. وللذّكر نزكان وللأنثى فرجان. والذكر يطيل المكث فى السّفاد. والعرب تكنيها «أمّ طبق» . ويزعمون أنها تبيض تسعا وتسعين بيضة، وتبيض تمام المائة بيضة يخرج منها أسود (أى ثعبان) . وهو مولع بأكل الحيّات؛ وإذا أكل الأفعى أكل صعترا جبليّا؛ فإذا أكثر من أكل الحيّات والصّعتر هلك. وله تحيّل فيما يصيده من الطائر، وهو أنه يصعد من الماء ويتمرّغ فى التراب ويأتى موضعا قد سقط الطير عليه ليشرب، فيخفى على الطير بكدرة لونه التى اكتسبها من الماء والتراب، فيصيد منها ما يكون له قوتا ويدخل به الماء فيموت الطائر فيأكله. ووصفها شاعر فقال: وسلحفاة سمج ... سكونها والحركه شبّهتها بديلم ... ىّ ساقط فى معركه مستتر بترسه «١» ... عمّن عسى أن يهلكه

стр. 3582

وقال أبو بكر الخوارزمىّ يصف لجأة: بنت ماء بدت لنا من بعيد ... مثل ما قد طوى البحارىّ؟؟؟ «١» سفره رأسها رأس حيّة وقراها «٢» ... ظهر ترس وجلدها جلد صخره مثل فهر «٣» العطّار دقّ به العط ... ر فحلّت «٤» طرائق الطّيب ظهره يقطع الخوف رأسها فإذا ما ... أمنته فرأسها مستقرّه وقال آخر: لحى الله ذات فم أخرس ... تطيل من العىّ وسواسها تكبّ على ظهرها ترسها ... وتظهر من جلّها فاسها «٥» إذا الحذر أقلق أحشاءها ... وضيّق بالخوف أنفاسها تضمّ الى نحرها كفّها ... وتدخل فى جوفها راسها وأمّا الفرس النّهرىّ - وهو عظيم الجثة، وخلقه خلق الفرس، إلا أنّ وجهه أوسع؛ وله أظلاف كالبقرة؛ وذنبه مثل ذنب الخنزير؛ وصوته يشبه صوت الفرس. وهو لا يوجد إلّا فى نيل مصر. وهو يخرج من الماء الى البرّ، ويرعى

стр. 3583

الزرع. واذا قصد الزرع لا يبتدئ من أوّله، ولكنه يجوز منه قطعة بقدر ما يأكل ويبتدئ منها بحيث يكون وجهه إلى البحر. وهو يقتل التمساح ويقهره. وأهل الديار المصريّة إذا رأوا أثر حافره فى البرّ تباشروا بزيادة النيل وكثرة الخصب. وفى سنة اثنتين وسبعمائة طلع الفرس النهرىّ إلى البرّ بالجيزة وأبعد عن البحر، فتحيّل عليه وقتل. وأهل النّوبة يصيدونه كثيرا، ويتّخذون من جلده سياطا يسوقون بها الإبل. وأمّا الجند بيدستر - وهو السّمّور، ويسمى «كلب الماء» . ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق «١» وما يليها. وهو على هيئة الثعلب، أحمر اللّون، لا يدان له، وله رجلان وذنب طويل، ورأسه كرأس الإنسان، ووجهه مستدير. وهو يمشى متّكئا على صدره كانه يمشى على أربع، وله أربع خصى: ثنتان ظاهرتان وثنتان باطنتان. وهو إذا رأى الصيّادين يجدون فى طلبه لأجل الجند بيدستر، وهو خصيتاه الظاهرتان، قطعهما بفيه ورمى بهما إليهم؛ إذ لا حاجة لهم إلا بهما. فإن لم يرهما الصيّادون وداموا فى الجدّ فى طلبه استلقى على ظهره ليريهم الدّم، فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون عنه. وهو إذا قطع الظاهرتين ظهر الباطنتان وعوّض عنهما غيرهما. وفى داخل الخصية شبه الدّم أو العسل زهم الرائحة سريع التّفرّك إذا جفّ. ويقال: إنه يوكّر «٢» على الأرض ويولد «٣» عليها ويرعى فيها، ويهرب إلى الماء ويعتصم به؛ ويمكنه أن يلبث فى قعره حابسا لنفسه زمانا ثم يخرج [الى الهواء «٤» ] .

стр. 3584

وأمّا حيوان القندس «١» والقاقم - فالقندس يغتذى بالسمك والنّبات. ويقال: إنّ فيه سادة وعبيدا؛ وإنه يتّخذ مساكن مرتّبة على ترتيب مساكن الناس. والسادة يتّخذون فى بيوتهم صففا «٢» مرتفعة يكونون عليها، وفى أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أنفاقا إلى البرّ وأبوابا إلى النهر. وبعض هذا الحيوان يغير على بعض. والسادة لا تتكسّب، وإنما يتكسّب لها العبيد. ويعرف جلد السيّد من جلد العبد بحسن لونه وبصيصه «٣» . وأهل تلك البلاد يسلخون خراطيم القندس والسّمّور ويتعاملون بها كما يتعامل بالدّنانير والدراهم بحيث يكون عليها ختم الملك. وجلد هذا الحيوان هو الذى يعمل شرابيش «٤» الأمراء وأطواق التّشاريف ودوائرها. والقاقم: حيوان يشبه السّنجاب إلّا أنه أبرد منه وأرطب؛ ولهذا هو أبيض يقق. وهو يجلب من بحر الخزر. وجلده يشبه جلد الفنك «٥» . وأما الضفادع - وهى أصناف كثيرة، تكون من سفاد وغير سفاد. وهى تبيض فى البرّ وتعيش فى الماء. والذى من غير سفاد يتولّد من المياه الضعيفة، ومن العفونات، وغبّ الأمطار الغزيرة، حتى يتوهّم المتوهّم أنه يسقط من السّحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة عقيب المطر. ويقال: إنه يخلق فى تلك الساعة.

стр. 3585

والضّفدع من الحيوان الذى لا عظم له. وفيه ما ينقّ. وما ليس ينقّ. وليس صوت ما ينقّ من فيه ولكنه من جلود رقاق تكون إلى جانب أذنيه؛ فإذا أراد النقيق انفتحت فيخرج الصوت منها. وهى تنطبق فى زمن الشتاء فلا تنفتح حتى يعتدل الجوّ. قال الجاحظ: والضّفدع لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل الماء، فإذا صار فى فيه بعض الماء صاح؛ ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء. قال: والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت. وتوصف بحدّة السمع إذا كانت خارج الماء. ويضرب بها المثل فى السمع والحذر، فيقال: «أحذر من ضفدع» و «أسمع من ضفدع» . وقال شاعر يصف الضفادع: ومقعدات زانهنّ أرجل ... كقعدة الناكح حين ينزل يكسين وشيا وعيون تكحل وقال آخر: دعتك فى فاضة «١» مدنّرة ... ليس لها طرّة ولا هدب قد نسجت من زبرجد فجرى ... بين تضاعيف نسجها الذّهب يظلّ صمتا نهاره فإذا ... أدركه الليل بات يصطخب وهو وإن لم يغطّ مقلته ... جفن ولا امتدّ خلفه ذنب يعجبنى ما أراه منه ففى ... خلقته واختلافها عجب

стр. 3586

وأمّا السّرطان وما قيل فيه - وهو ذو فكّين ومخالب وأظفار حداد، كثير الأسنان، صلب الظّهر، سريع العدو، وعيناه على كتفيه، وفمه فى صدره، وفكّاه مشقوقان من جانبين. وله ثمانى أرجل. وهو يمشى على جانب واحد؛ ويستنشق الماء والهواء معا. وهو يسلخ جلده فى السنة ستّ مرات. ويتّخذ بجحره بابين، أحدهما إلى الماء والثانى إلى البرّ. فإذا سلخ جلده سدّ عليه ما يلى الماء خوفا من السمك وترك ما يلى البرّ مفتوحا؛ فإذا جفّت رطوبته واشتدّ، فتح ما يلى الماء وطلب معاشه. قال شاعر يصفه: فى سرطان الماء أعجوبة ... ظاهرة للخلق لا تخفى مستضعف المنّة لكنّه ... أبطش من حاربته كفّا يسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدّرها نصفا وقال أبو عبيد «١» البكرىّ فى كتابه المترجم بالمسالك والممالك: إنّ ببحر الصين سرطانات تخرج كالذراع والشبر، فإذا صارت الى البرّ عادت حجارة وانقلبت عن الحيوانيّة؛ والأطباء يتخذون منها كحلا يجلو البياض.

стр. 3587

ذكر شىء من عجائب الحيوان المائىّ وعجائب البحر كثيرة جدّا لا يستغرب ما نذكر منها؛ ولذلك قيل: «حدّث عن البحر ولا حرج» . وقد حكى صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه، قال: رأيت فى بعض المجاميع المجهولة أنّ فى بعض البحار شاة شعراء تكون فى البرّ مع البهائم حين الرّعى؛ فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء، وتأكل السمك. قال: وذكر لها خواصّ. قال: وذكر بعضهم دابّة سمّاها «خزّ الماء» ولم يسمّ المكان الذى تكون فيه، وقال: إنها مثال ابن عرس أو أكبر قليلا، سباحتها فى الماء كجريها فى البرّ، لها وبر ناعم تعمل منه ثياب الخزّ، وهذا الوبر موجود تأتى به التّجّار من البحر الرومىّ يباع بالقاهرة، ويسمّونه صوف السمك؛ وهو أخضر اللّون؛ ويقال: إنه إذا طلع من البحر يكون أبيض يققا، فإذا صار إلى البرّ وأصابه النسيم انقلب إلى الخضرة. وهم يغزلونه ويلحمون به الثياب المسداة بالحرير، وقيمته لا تقصر عن قيمة الحرير وربما يزيد عليه. وأرخص ما ابتعته أنا حسابا عن وزن كلّ مائة درهم أربعين درهما. وبه تخنق الأفاعى بمصر، تفتل منه خيوط تسمّى إذا خنق بها الأفاعى حبال الخناق، لها نفع فى تحليل مرض الخناق. ويقال: إن ببحر الرّوم- وربما بغيره أيضا- حيوانا يسمّونه «بنات الماء» يشبهن «١» النساء، لهنّ شعور سباط «٢» ، ألوانهنّ إلى السّمرة، ذوات فروج عظام وثدىّ، ولهنّ قهقهة وضحك وكلام لا يفهم؛ وربما يقعن لأصحاب المراكب وغيرهم

стр. 3588

فينكحونهنّ فيجدون لنكاحهنّ لذّة عظيمة ثم يعيدونهنّ إلى البحر. وفى البحر أيضا أمثال الرجال، يقال: إنّهم يظهرون [بالإسكندريّة «١» و] بالبرلس ورشيد فى صورة الإنسان بجلود لزجة، لهم بكاء وعويل إذا وقعوا فى أيدى الناس؛ [وذلك أنهم ربما برزوا عن البحر إلى البرّ يتشمّسون فيقع بهم الصيّادون «٢» ] ؛ فإذا سمع الناس بكاءهم أطلقوهم رحمة لهم.

стр. 3589

الباب الثامن وهو الذيل على القسم الخامس من الفن الثالث [ويشتمل «١» هذا الباب] على ذكر شىء مما وصفت به آلات الصيد فى البرّ والبحر ووصف رماة البندق، وما يجرى هذا المجرى. ذكر شىء مما قيل فى رماة البندق - ومما وصفت به الجلاهق «٢» وهو قسىّ البندق. من ذلك ما كتب به أبو إسحاق الصّابى من رسالة إلى [أبى الفرج «٣» ] محمد بن العباس [بن فسابخش «٤» ] ، جاء منها: «أقبلت رفقة الرّماة قد برزت قبل الذّرور «٥» والشروق، وشمّرت عن الأذرع والسّوق؛ مقلّدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها «٦» ، وناسبتها فى آثارها ونكاياتها؛ تحمل من البندق الملموم، ما هو فى الصحّة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم؛ كأنما خرط بالجهر «٧» ، فجاء

стр. 3590

كبنات الفهر؛ قد اختير طينه، وملك «١» عجينه؛ فهو كالكافور «٢» المصّاعد فى اللّمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر فى الشمّ والمخبر؛ مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه؛ كافل بمطاعم حامليه، محقّق لآمال آمليه؛ ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام؛ يعرج إليها وهو سمّ ناقع، ويهبط بها وهى رزق نافع» . ومنها فى وصف القسىّ: «وبأيديهم قسىّ مكسوّة بأغشية السّندس، مشتملة منها «٣» بأحسن ملبس؛ مثل الكماة فى جواشنها ودروعها، والجياد فى جلالها «٤» وقطوعها؛ حتى إذا جرّدت من تلك المطارف، وانتضيت «٥» من تلك الملاحف؛ رأيت منها قدودا مخطفة «٦» رشيقه، وألوانا معجبة أنيقه؛ صلبة المكاسر «٧» والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم؛ خطّيّة الأسماء والمناسب، سمهريّة الأعراق والمناصب؛ ركّبت من شظايا الرّماح الداعسه، وقرون الأوعال الناخسه «٨» ؛ فحازت الشرف من طرفيها، واستولت عليه

стр. 3591

بكلتا يديها؛ قد انحنت انحناء المشيخة النّسّاك، وصالت صيال الفتية الفتّاك؛ واستبدلت من قديمها فى عزّ «١» الفوارس، بحديثها من نفيس الملابس؛ وانتقلت من جدّها فى طراد المغارات «٢» ، إلى هزلها فى طرد المسهرات «٣» ؛ ظواهرها صفر وارسه «٤» ، ودواخلها سود دامسه؛ كأنّ شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر فى بطونها؛ أو زعفرانا جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها «٥» ؛ أو قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حبّات رمل اعتنق «٦» السود منها صفر» . وجاء منها فى وصف الوتر: «فلمّا توسّطوا تلك الروضه، وانشروا فى أكناف «٧» تلك الغيضه؛ وثبتت للرّمى أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم؛ وتروها «٨» بكل وتر فوق «٩» سهمه منه، وهو مفارق للسهم وخارج عنه؛ مضاعف عليها من وترين، كأنّه شخص ذو جسدين، أو عناق «١٠» ضمّ

стр. 3592

ضجيعين؛ فى وسطه عين كشرجة كيس مختوم، أو سرّة بطن خميص مهضوم؛ تروع قلب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض» . وقال ضياء الدين بن الأثير الجزرىّ من رسالة فى وصف القسىّ. وذكر الرّماة، جاء منها: «وإذا تناولوها بأيديهم قلت: أهلّة طالعة فى أكفّ أقمار، وإذا مثّل غناؤها وغناؤهم قلت: منايا مسوقة «١» فى أيدى أقدار؛ وتلك قسىّ وضعت للّعب لا للنّضال، ولردى الطير لا لردى الرجال. فإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفى اللين والصلابه، وصيغت من نوعين «٢» غريبين فحازت معنى الغرابه؛ فهى مركّبة من حيوان ونبات، مؤلّفة منهما [على «٣» ] بعد الشّتات؛ هذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البرّ ومجاهله. ومن صفاتها أنها لا تتمكّن من البطش إلا حين تشدّ، ولا تنطلق فى شأنها إلا حين تعطف وتردّ. ولها بنات أحكم تصويرها، وصحّح تدويرها؛ فهى فى لونها صندليّة الإهاب، وكأنها صيغت لقوّتها من حجر لا من تراب؛ فإذا «٤» حذفها نحو الأطيار [أحد «٥» ] ، قيل: وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد، فلا ترى حينئذ إلا قتيلا بالمقتل الذى لا يجب فى مثله من قود؛ فهى كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، ومنزلة لها من السماء على أمّ رءوسها» .

стр. 3593

ومن إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبى الكاتب- أمتع الله ببقائه، وزاد فى علوّه وارتقائه- رسالة فى رمى البندق، وصف فيها الرّماة، ومواضع الرّمى ووقته، والقسىّ، وأفعال الرّماة، وجميع طير الواجب «١» ، لم أقف فيما طالعته لمتقدّم ولا متأخّر [على «٢» ] أجمع لهذا الفن منها؛ وهى مما يستعين بها الكاتب على إنشاء ما يقصده من قدم «٣» البندق فى أى نوع أراد من طير الواجب. وقد أوردتها بجملتها؛ لحسن التئامها، واتّساق نظامها؛ وجودة ترتيبها، وبديع تهذيبها. وهى: «الرّياضة- أطال الله بقاء الجناب الفلانىّ، وجعل حبّه كقلب عدوّه واجبا، وسعده كوصف عبده للمسارّ جالبا وللمضارّ حاجبا- تبعث النفس على مجانبة الدّعة والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم فى الرّكون إلى الوكون «٤» ؛ وتحضّها على أخذ حظّها من كلّ فنّ حسن، وتحثّها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللّسن؛ وتأخذ بها طورا فى الجدّ وطورا فى اللّعب، وتصرّفها فى ملاذّ السموّ فى المشاقّ التى يستروح إليها التّعب؛ فتارة تحمل الأكابر والعظماء فى طلب الصيد على مواصلة السّرى، ومقاطعة الكرى؛ ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار؛ ومكابدة الهواجر «٥» ،

стр. 3594

ومبادرة الأوابد التى لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر؛ وذلك من محاسن أوصافهم التى يذمّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها؛ وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق «١» ، وتحدوهم فى سلوك طريقها مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق؛ فيعتسفون إليها الدّجى، إذا سجى؛ ويقتحمون فى بلوغها حرق «٢» النهار، إذا انهار؛ ويتنعّمون بوعثاء السفر، فى بلوغ الظّفر؛ ويستصغرون ركوب الخطر، فى إدراك الوطر؛ ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على اليوم؛ والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام. ولمّا عدنا من الصيد الذى اتّصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه؛ تقنا إلى أن نشفع صيد السّوانح برمى الصوادح، وأن نفعل فى الطير الجوانح بأهلّة القسىّ ما تفعل الجوارح؛ تفضيلا لملازمة الارتحال، على الإقامة فى الرّحال «٣» ؛ وأخذا بقولهم: لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة ... إلّا التّنقّل من حال إلى حال فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتسير من الأفق الغربىّ إلى جانب رمسها؛ وتغازل عيون النّوّار بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض الى وجوه العوّد؛ فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق، أو عليل يقضى بين صحبه بقايا مدّة الرّمق؛ وقد اخضلّت عيون النّور لوداعها، وهمّ الروض بخلع «٤» حلّته المموّهة بذهب شعاعها.

стр. 3595

والطلّ فى أعين النّوّار تحسبه ... دمعا تحيّر لم يرقأ ولم يكف كلؤلؤ ظلّ عطف الغصن متّشحا ... بعقده وتبدّى منه فى شنف «١» يضمّ من سندس الأوراق فى صرر ... خضر ويخبا من الأزهار فى صدف والشمس فى طفل الإمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفى كعاشق سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراءاهم على شرف إلى أن نضا المغرب عن الأفق ذهب قلائدها، وعوّضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها «٢» ؛ فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلّه، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلّا تحلّه؛ ونهضنا وبرد الليل موشّع «٣» ، وعقده مرصّع؛ وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر «٤» ؛ وبدره فى خدر سراره مستكنّ، وفجره فى حشى مطالعه مستجنّ؛ كأنّ امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل، وكأنّ ثريّاه لامتداده معلقة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل. ولاحت نجوم الليل زهرا كأنّها ... عقود على خود «٥» من الزّنج تنظم محلّقة فى الجوّ تحسب أنها ... طيور على نهر المجرّة حوّم إذا لاح بازى الصبح ولّت يؤمّها «٦» ... إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم

стр. 3596

إلى حدائق ملتفّه، وجداول محتفّه؛ إذا جمّش النسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب، وإذا فرك من المياه متونها انسابت فى الجداول انسياب الحباب «١» ، ورقصت فى المناهل رقص الحباب «٢» ؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران، وطلّها فى خدود الورد منبثّ «٣» وفى طرر الريحان حيران؛ وطائرها غرد، وماؤها مطّرد؛ وغصنها تارة يعطفه النسيم اليه فينعطف، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف؛ مع ما فى تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب؛ إذ كلّما اعتلّ النسيم صحّ الأرج وكلّما خرّ الماء شمخ القضيب. فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت ... أعطافها رسل «٤» الصّبا أحباب فلها إذا افترقت من استعطافها ... صلح ومن سجع الحمام عتاب وكأنّها حول العيون موائسا ... شرب وهاتيك المياه شراب فغديرها كأس وعذب نطافها «٥» ... راح وأضواء النجوم حباب تحيط بملق نطافها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها فى نفس الأمر راكد وفى رأى العين طاف؛ إذا دغدغها «٦» النسيم حسبت ماءها بتمايل الظّلال فيه يتبرّج ويميل؛ وإذا اطّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون

стр. 3597

فيه تارة تتموّج وتارة تسيل؛ فكأنّه محبّ هام بالغصون هوى فمثّلها فى قلبه، وكأنّ النسيم كلف بها غار من دنوّها إليه فميّلها عن قربه. والسّرو مثل عرائس ... لفّت عليهنّ الملاء شمّرن فضل الأزر عن ... سوق خلاخلهنّ ماء والنهر كالمرآة تب ... صر وجهها فيه السماء وكأنّ صوافّ «١» الطير المبيضة بتلك الملق خيام، أو ظباء بأعلى الرّقمتين قيام، أو أباريق فضّة رءوسها لها فدام «٢» ، ومناقيرها المحمّرة أوائل ما انسكب من المدام؛ وكأنّ رقابها «٣» رماح أسنّتها من ذهب، أو شموع أسود رءوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب. وكنّا كالطير الجليل عدّه، وكطراز العمر الأوّل جدّه. من كلّ أبلج كالنّسيم لطافة ... عفّ الضّمير مهذّب الأخلاق مثل البدور ملاحة وكعمرها ... عددّا ومثل الشّمس فى الإشراق ومعهم قسىّ كالغصون فى لطافتها ولينها، والأهلّة فى نحافتها وتكوينها، والأزاهر فى ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبّجه، ومتونها مدرّجه؛ كأنّها الشّولّة «٤» فى انعطافها، أو أرواق الظّباء «٥» فى التفافها؛ لأوتارها عند القوادم أوتار «٦» ، ولبنادقها

стр. 3598

فى الحواصل أوكار؛ إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه، وإن أنبضت «١» لرمى بدا «٢» لها أنها أحقّ به ممّن يصيبه. ولعل ذاك الصّوت زجر لبندقها أن يبطئ فى سيره، أو يتخطّى الغرض إلى غيره؛ أو وحشة لمفارقة أفلاذ «٣» كبدها، أو أسف على خروج بنيها عن يدها؛ على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء. مثل العقارب أذنابا معقّدة ... لمن تأمّلها أو حقّق النّظرا إن مدّها قمر منهم وعاينه ... مسافر الطير فيها أو نوى «٤» سفرا فهو المسىء اختيارا إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعا فى العقرب القمرا ومن البنادق كرات متّفقة السّرد، متّحدة العكس والطّرد؛ كأنّما خرطت من المندل «٥» الرّطب أو عجنت من العنبر الورد؛ تسرى كالشّهب فى الظلام، وتسبق إلى مقاتل الطير مسدّدات السّهام. مثل النجوم إذا ما سرن فى أفق ... عن الأهلّة لكن نونها راء «٦» ما فاتها من نجوم اللّيل إن رمقت ... إلّا ثبات «٧» يرى فيها وأضواء

стр. 3599

تسرى ولا يشعر الليل البهيم بها ... كأنّها فى جفون الليل إغفاء وتسمع الطير إذ تهفو قوادمه ... خوافقا فى الدّياجى وهى صمّاء تصونها جرأوة «١» كأنّها جرج «٢» درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر؛ أو كنانة نبل، أو غمامة وبل؛ حالكة الأديم، كأنّما رقمت بالشّفق حلّة ليلها البهيم. كأنّها فى وصفها مشرق ... تنبثّ منه «٣» فى الدّجى الأنجم أو ديمة قد أطلعت قوسها ... ملوّنا وانبثقت تسجم فاتخذ كلّ له مركزا، وتقاضى من الإصابة وعدا منجزا، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزا. كأنّهم فى يمن أفعالهم ... فى نظر المنصف والجاحد قد ولدوا فى طالع واحد ... وأشرقوا فى مطلع واحد فسرت علينا من الطير عصابه، أظلّتنا من أجنحتها سحابه؛ من كلّ طائر أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفّ «٤» يبغى ماء جماما فورد ولكن السمّ منقعا، وحلّق فى الفضاء يبتغى ملعبا فبات هو وأشياعه سجّدا للقسىّ وركّعا؛ فتبرّكنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل.

стр. 3600

فاستقبل أوّلنا «تمّا» «١» تمّ بدره، وعظم فى نوعه قدره؛ كأنه برق كرع فى غسق؛ أو صبح عطف على بقيّة الدّجى «٢» عطف النّسق؛ تحسبه فى أسداف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدّجى طرّة صبح؛ عليه من البياض حلّة وقار، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار. له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرّفه نسيم. كلون المشيب وعصر الشّباب ... ووقت الوصال ويوم الظّفر كأنّ الدّجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثم فرّ فأرسل إليه عن الهلال نجما، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما؛ فاستبشر بنجاحه، وكبّر عند صياحه، وحصّله من وسط الماء بجناحه. وتلاه «كىّ «٣» » نقىّ اللّباس، مشتعل شيب الراس، كأنّه فى عرانين شيبه لاوبله كبير أناس «٤» ؛ إن أسفّ فى طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النّسيم زمام؛ ذو غببة «٥» كالجراب ومنقار كالحراب، ولون يغرّ فى الدّجى كالنّجم ويخدع فى الضّحى كالسّراب؛ ظاهر الهرم، كأنّما يخبر عن عاد ويحدّث عن إرم. إن عام فى زرق الغدير حسبته ... مبيضّ غيم فى أديم سماء

стр. 3601

أوطار فى أفق السماء ظننته ... فى الجوّ شيخا عائما فى ماء متناقض الأوصاف فيه خفّة ال ... جهّال تحت رزانة العلماء فثنى الثانى إليه عنان بندقه، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه، فخرّ كمارد انقضّ عليه نجم من أفقه؛ فتلقّاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحته الماء من وجه الغدير. وقارنته «إوزّة» حلّتها دكناء، وحليتها حسناء؛ لها فى الفضاء مجال، وعلى طيرانها خفّة ذوات التبرّج وخفر ربّات الحجال؛ كأنّما عبّت فى ذهب، أو خاضت فى لهب؛ تختال فى مشيتها كالكاعب، وتتأنّى فى خطوها كاللّاعب «١» ؛ وتعطو بجيدها كالظّبى الغرير، وتتدافع فى سيرها مشى القطاة إلى الغدير. إذا أقبلت تمشى فخطرة كاعب ... رداح «٢» وإن صاحت فصولة حازم «٣» وإن أقلعت قالت لها الريح ليت لى ... خفا ذى الخوافى أو قوى ذى القوادم فأنعم بها فى البعد زاد مسافر ... وأحسن بها فى القرب تحفة قادم فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها؛ فلجّت فى ترفّعها ممعنه، ثم نزلت على حكمه مذعنه؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط.

стр. 3602

وحاذتها «لغلغة» تحكى لون وشيها، وتصف حسن مشيها؛ وتربى عليها بغرّتها، وتنافسها فى المحاسن كضرّتها؛ كأنّها مدامة قطبت «١» بمائها، أو غمامة شفّت عن بعض نجوم سمائها. بغرّة بيضاء ميمونة ... تشرق فى اللّيل كبدر التّمام وإن تبدّت فى الضّحى خلتها ... فى الحلّة الدّكناء برق الغمام فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها؛ فجدّت فى العلوّ مغذّه «٢» ، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصّيد لم تك لذّه؛ وانقضّ عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفّة «٣» طيرانها من خلفها؛ فوقعت من الأفق فى كفّه، ونفر «٤» ما فى بقايا صفّها عن صفّه. وأتت فى أثرها «أنيسة» آنسه، كأنها العذراء العانسه، أو الأدماء الكانسه «٥» ؛ عليها خفر الأبكار، [وخفّة ذوات الأوكار «٦» ] وحلاوة المعانى التى تجلى على الأفكار؛ ولها أنس الرّبيب، وإدلال الحبيب، وتلفّت الزائر المريب، من خوف الرّقيب؛ ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشّقيق؛ وصدر بهىّ الملبوس، شهىّ إلى النّفوس، كأنّما رقم فيه النّهار بالليل أو نقش فيه العاج بالآبنوس «٧» ؛ وجناح ينجيها من العطب، يحكى لونه المندل الرّطب إلّا «٨» أنّه حطب. مدبّجة الصدر تفويفه ... أضاف إلى اللّيل ضوء النهار لها عنق خاله من رآه ... شقائق قد سيّجت «٩» بالبهار

стр. 3603

فوثب الخامس منها «١» إلى الغنيمه، ونظم فى سلك رميه تلك الدّرّة اليتيمة «٢» ؛ وحصل بتحصيلها بين الرّماة على الرتبة الجسيمه. وأتى على صوتها «حبرج» تسبق همّته جناحه، ويغلب خفق قوادمه صياحه؛ مدبّج المطا، كأنما خلع حلّة منكبيه على القطا؛ ينظر من لهب، ويخطو على رجلين من ذهب. يزور الرّياض ويجفو الحياض ... ويشبه فى اللّون كدر القطا ويهوى الزّروع ويلهو بها ... ولا يرد الماء إلا خطا فبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه؛ فخرّ على الألاءة «٣» كبسطام بن قيس «٤» ، وانقضّ عليه راميه فخصله «٥» بحذق وحمله بكيس. وتعذّر على السابع مرامه، ونبا به عن بلوغ الأرب مقامه؛ فصعد هو وترب له إلى جبل، وثبت فى موقفه من لم يكن له بمرافقتهما قبل. فعنّ له «نسر» ذو قوادم شداد، ومناسر حداد، كأنه من نسور لقمان بن عاد؛ تحسبه فى السماء ثالث أخويه، وتخاله فى الفضاء قبّته المنسوبة إليه؛ قد حلق كالفقراء راسه، وجعل ممّا قصر من الدّلوق الدّكن لباسه؛ واشتمل من الرّياش العسلىّ إزارا، واختار

стр. 3604

العزلة فلا يجد له إلّا فى قنن الجبال الشواهق مزارا؛ قد شابت نواصى الليالى وهو لم يشب، ومضت الدهور وهو من الحوادث فى معقل أشب. مليك طيور الأرض شرقا ومغربا ... وفى الأفق الأعلى له أخوان له حال فتّاك وحلية ناسك ... وإسراع مقدام وفترة وان فدنا من مطاره، وتوخّى ببندقه عنقه فوقع فى منقاره؛ فكأنما هدّ منه صخرا، أو هدم بناء مشمخرّا؛ ونظر إلى رفيقه، مبشرا له بما امتاز به عن فريقه. وإذا به قد أظلّته «عقاب» كاسر، كأنما أضلّت صيدا أفلت من المناسر؛ إن حطّت فسحاب انكشف، وإن قامت «١» فكأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف؛ بعيدة ما بين المناكب، إذا أقلعت لجّت فى علوّ كأنّما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب. ترى الطير والوحش فى كفّها ... ومنقارها ذا عظام مزاله فلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمّت غزاله فوثب إليها الثامن وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأوّل بندقة فما أخطأ قادمة جناحها؛ فأهوت كعود صرع، أو طود صدع؛ قد ذهب باسها، وتذهّب بدمها لباسها؛ وكذلك القدر يخادع الجوّ عن عقابه، ويستنزل الأعصم «٢» من عقابه؛ فحملها بجناحها المهيض «٣» ، ورفعها بعد الترفّع فى أوج جوّها من الحضيض؛ ونزلا إلى الرّفقه، جذلين بربح الصّفقه.

стр. 3605

فوجد التاسع قد مرّ به «كركىّ» طويل السّفار، سريع التّفار؛ شهىّ الفراق» ، كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق؛ لقوادمه فى الجوّ هفيف «٢» ، ولأديمه لون سماء طرأ عليها غيم خفيف؛ تحنّ إلى صوته الجوارح، وتعجب من قوّته الرّياح البوارح؛ له أثر حمرة فى رأسه كوميض جمر تحت رماد، أو بقيّة جرح تحت ضماد؛ أو فصّ عقيق شفّت عنه بقايا ثماد؛ ذو منقار كسنان، وعنق كعنان «٣» ؛ كأنّما ينوس، على عودين من آبنوس «٤» . إذا بدا فى أفق مقلعا ... والجوّ كالماء تفاويفه حسبته فى لجّة مركبا ... رجلاه فى الأفق مجاديفه فصبر له حتى جازه «٥» مجليّا، وعطف عليه مصلّيا؛ فخرّ مضرّجا بدمه، وسقط مشرفا على عدمه. وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبة من حمأ مسنون؛ فكثر «٦» التكبير من أجله، وحمله راميه من على وجه الأرض برجله. وحاذاه «غرنوق» حكاه فى زيّه وقدره، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنيه مكان شنفه. له من الكركىّ أوصافه ... سوى سواد الصدر والرّاس إن شال رجلا وانبرى قائما ... ألفيته هيئة برجاس

стр. 3606

فأصغى العاشر له منصتا، ورماه ملتفتا؛ فخرّ كأنّه صريع الألحان، أو نزيف «١» بنت الحان؛ فأهوى إلى رجله بيده وأيده «٢» ، وانقضّ عليه انقضاض الكاسر على صيده. وتبعه فى المطار «صوغ «٣» » ، كأنّه من النّضار مصوغ؛ تحسبه عاشقا قد مدّ صفحته، أو بارقا قد بثّ لفحته. طويلة رجلاه مسودّة ... كأنّما منقاره خنجر مثل عجوز رأسها أشمط ... جاءت وفى قمّتها «٤» معجر «٥» فاستقبله الحادى عشر ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب؛ فسقط كفارس تقطّر عن جواده، أو وامق أصيبت حبّة فؤاده؛ فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه. واقترن به «مرزم» له فى السماء سمىّ معروف، ذو منقار كصدغ «٦» معطوف؛ كأنّ رياشه فلق «٧» اتّصل به شفق، أو ماء صاف علق بأطرافه علق. له جسم من الثّلج ... على رجلين من نار إذا أقلع ليلا قل ... ت برق فى الدّجى سارى

стр. 3607

فانتحاه الثانى عشر ميمّما، ورماه مصمّما؛ فأصابه فى زوره، وحصّله من فوره، وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره. والتحق به «شبيطر «١» » كأنه مدية مبيطر «٢» ؛ ينحطّ كالسيل ويكرّ على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونه بين ضدّين يقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل؛ يتلوّى فى منقاره الأيم «٣» ، تلوّى التّنّين فى الغيم. تراه فى الجوّ ممتدّا وفى فمه ... من الأفاعى شجاع أرقم ذكر كأنه قوس رام عنقه يدها ... ورأسه رأسها والحيّة الوتر فصوّب الثالث عشر إليه ببندقه، فقطع لحيه «٤» وعنقه؛ فوقع كالصّرح الممرّد، أو الطّراف «٥» الممدّد. واتّبعه «عنّاز «٦» » أصبح فى اللّون ضدّه، وفى الشكل ندّه؛ كأنه ليل ضمّ الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره. تراه فى الجوّ عند الصبح حين بدا ... مسودّ أجنحة مبيضّ حيزوم كأسود حبشىّ عام فى نهر ... وضمّ فى صدره طفلا من الرّوم

стр. 3608

فنهض تمام القوم إلى التّتمّه، وأسفرت عن نجح الجماعة تلك الليلة المدلهمّه؛ وغدا ذلك الطير الواجب واجبا «١» ، وكمل العدد به قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا؛ فيالها ليلة حصرنا بها الصوادح فى الفضاء المتّسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كلّ شمل مجتمع؛ وأضحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النّظام، أو شرب كأنّ رقابهم من اللّين لم يخلق لهنّ عظام؛ وأصبحنا مثنين على مقامنا، منثنين بالظّفر إلى مستقرّنا ومقامنا؛ داعين للمولى جهدنا، مذعنين له قبلنا أو ردّنا؛ حاملين ما صرعنا الى بين يديه، عاملين على التشرّف بخدمته والانتماء إليه. فأنت الذى لم يلف من لا يودّه ... ويدعو له فى السرّ أو يدّعى له فإن كان رمى أنت توضح طرقه ... وإن كان جيش أنت تحمى رعيله «٢» والله تعالى يجعل الآمال منوطة به وقد فعل، ويجعله كهفا للأولياء وقد جعل. ومن إنشاء المولى علاء «٣» الدّين علىّ بن عبد الظاهر [فى] قدمة بندق. ابتدأها بأن قال: «الحمد لله مهيّئ أسباب الارتياح، ومهنّئ أوقات الانشراح، ومطلق الأيدى فى الاقتناص فليس عليها فى صيد ذوات الجناح جناح؛

стр. 3609

ومزيّن السماء بمصابيح «١» أنوارها، وموشّى الأرض بروضها ونوّارها؛ ومنوّر الأيام بشموسها والليالى بأقمارها، ومطرّز مطارف الآفاق بمطار أطيارها. والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله وصحبه الذين أنجدهم الله من ملائكته بأولى أجنحه، وأهوى بصرائعهم «٢» وأوهى قوى ممانعهم بعزائمهم المنجحه. وبعد، فإنّ القنص شغفت به قلوب ذوى العزائم؛ وصيّرته عنوانا للحرب إذ حمام الحمام فيه على الفرائس حوائم؛ تلتذّ نفوسهم بالمطاردة فيه وترتاح، وتهواه فلو تمكنت لركبت اليه أعناق الرياح؛ ترد منه مورد الظّفر، وتتمتّع فيه بنزه تقسّم الحسن فيهن بين السمع والبصر، وتتملّى عند السرور إليه برياض دبّجها صوب من المطر لا صوب من الفكر، ويطوى من الأرض ما نشرت أيدى السماء به برودا أبهى من الحبر «٣» ؛ فتارة تستنزل من العواصم الظباء العواصى، وآونة تقتنص الطير وقد تحصّنت من بروج السّحب فى الصّياصى «٤» ببعوثها الدّانية من كلّ قاصى. وأحسن أنواعه الذى جمع لمعاينه بين روضة ورياضه، وغدر مفاضه؛ ومغازلة عيون النّور وهى تدمع حين طرفها بذيله نسيم الصباح، ومباكرة اللذّات من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادى من ثغور الأقاح؛ رمى البندق الذى هو عقلة المستوفز «٥» ، وانتهاز غفلة الطائر المتحرّز؛ ونزهة القلوب التى إن طالت لا تملّ؛ وإن اجتاز المتنزّه بموطنها لم يؤجر «٦» . أحلى من صيد الظباء، وأشهى من لمح ملح الحسناء؛

стр. 3610

لا يحتاج إلى ركض جواد، ولا يجتاح فيه خفض العيش جواد «١» ، ولا يهاجر متعاطيه إلى الهواجر، ولا يحجر على نفسه فى الإفضاء إلى المحاجر «٢» ؛ أربابه يرتاضون فى الروضة الغنّاء، ويسمعون من نغمات الأوتار وشدو الأطيار مختلف الألحان والغناء؛ ويمتطون الليل طرفا، ويستنيرون من النجوم شموعا لا تقطّ ولا تطفا؛ قد اتخذ كل منهم مقاما أكرم به من مقام، وهام باللذة فترك كرائم كراه وكذا عادة المستهام؛ وسبح فى لجج الليل وكرع فى نهر النهار، وتجلّى فى حلل الصدق وتخلى عن خلل العار. يهوون لذّة القنص فى الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفّس، ويرسلون رسل المنايا إلى صرائعهم فما تتنفّس. إذا برزوا عند الغروب توارت شمس الأصيل حياء، وذهبت فى حلّتها الذهبيّة حين بهروها سنا وسناء؛ تراهم كالزّهر أو الأزهار، أو عقد نظم باللّجين والزّمرّد والنّضار؛ أوجههم فى أفلاك قسيّهم أقمار، كولدان جنان، وأعطاف أغصان؛ قد طاف بهم سياج المسرّة وأحدق، وحلّوا بثياب سندس خضر وإستبرق؛ كأنّ الأرض ضاهت بهم السماء، فصيّرت قسيّهم أفلاكها، وغررهم نجومها، وعزائمهم صواعقها وبنادقهم رجومها؛ يخفق منهم قلب كلّ خافقه، وتقدم بعوثهم على ذوات القوادم فبينا هى مترافقة إذا بها متفارقه، وكأن صوافّ الطير لديهم فى جوّ السماء، سطور فى صفيحة زرقاء؛ أو كأنها فى التئامها، عقود درّ فى نظامها؛ يفرطون سلكها، ويقرّبون هلكها، ويغدرون بها فى الغدر، ويجسرون عليها فى الجسور، وتقايض بنادقهم صرائعهم فيصير وكر الطير الجراوة وجراوة البنادق حواصل الطيور. وإذا أسفروا وجه صباح، سمعت للطير صياحا والطرب كلّه فى ذلك الصياح؛ وإن عشوا مقاماتهم وجه عشاء رأيت الطير وهى لدى محاريب
следующие страницы →