Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
ويحدّ البصر، خصوصا صمغه؛ وينفع من ابتداء الماء، وزعم إبّقراطيس «١» أنّ الهوامّ ترعى بزر الرّازيانج الطّرىّ ليقوّى بصرها، والأفاعى والحيّات تحكّ أعيانها عليه إذا خرجت من مآويها بعد الشتاء استضاءة للعين، ورطبه يغزر اللّبن، وخصوصا البستانىّ، ويدرّ البول والطّمث؛ والبرّىّ خاصّة يفتّت الحصاة؛ وفيهما «٢» منفعة للكلية والمثانة؛ والبرّىّ ينفع من تقطير البول، وينقّى النّفساء؛ واذا أكل بزره مع أصله عقل؛ وينفع من الحميّات المزمنة؛ وطبيخه بالشّراب «٣» ينفع من نهش الهوامّ؛ ويدقّ أصله ويجعل طلاء من عضّة الكلب الكلب.
«وأمّا الرّومىّ «٤»
- وهو الّذى بزره الأنيسون» - فقال جالينوس: هو حارّ فى الثانية، يابس فى الثالثة. وقال الشيخ: هو مفتّح مع قبض يسير؛ وهو مسكّن للأوجاع، محلّل للرّياح، وخصوصا إن قلى، وفيه حدّة يقارب بها الأدوية المحرقة وينفع من التهيّج فى الوجه، وورم الأطراف؛ واذا بخّر به واستنشق برائحته «٥» سكّن الصّداع؛ وإن سحق وخلط به دهن الورد وقطر فى الأذن أبرأ ممّا يعرض فى باطنها
стр. 3712
من صدع عن صدمة أو ضربة، وينفع من السّبل «١» المزمن، «ويسهّل النّفس «٢» » ويدرّ اللّبن، ويقطع العطش الكائن عن الرّطوبات البورقيّة؛ وينفع من سدد الكبد والطّحال، ومن الرّطوبات؛ ويدرّ البول والطّمث الأبيض، وينقّى الرّحم من سيلان الرّطوبات البيض؛ ويحرّك الباه، وربّما عقل البطن؛ وهو يفتّح سدد الكلى ويدفع ضرر السّموم والهوامّ، والله أعلم.
وقال ابن وكيع فى الرّازيانج:
أخذت من كفّ الغزال الأحور ... غصنا من البسباس «٣» ممطورا طرى «٤»
كأنّه فى عين كلّ مبصر ... مذبّة من الحرير الأخضر
وأمّا الكرفس وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: الكرفس منه جبلىّ ومنه برّىّ، ومنه بستانىّ، ومنه ما ينبت فى الماء وبقربه؛ وهو أعظم من البستانى
стр. 3713
وقوّته كقوّته «ومنه «١» نوع يسمّى سمرنيون «٢» » أعظم من البستانىّ أجوف السّاق إلى البياض، وقد يختلف بالبلاد، فمنه رومىّ، ومنه غيره؛ قال: وأقواه الرومىّ ثمّ «٣» الجبلىّ؛ وطبعه فى أولى الحرارة، وثانية اليبوسة. وقال روفس: البستانىّ رطب إلّا أصله، فهو يابس اتّفاقا؛ قال: وهو محلّل للنّفخ، مفتّح للسّدد، مسكّن للأوجاع؛ ومربّاه أوفق للمحرور؛ والبرّىّ ينفع لداء الثّعلب «٤» ، ولتشقيق الأظفار والثآليل «٥» وشقاق «٦» البرد؛ والبستانىّ مطيّب للنّكهة جدّا؛ والبرّىّ مقرّح إذا ضمد به ولذلك ينفع من الجرب والقوباء، ومن الجراحات الى أن تنختم، خصوصا سمرنيون «٧» وسمرنيون يوافق جميع أجزائه عرق النّسا؛ والكرفس البستانىّ يدخل فى أضمدة «٨» أوجاع العين؛ وينفع من السّعال، وخصوصا سمرنيون؛ وكذلك ضيق النّفس
стр. 3714
وعسره؛ وهو من أدوية «١» أو رام الثّدى الحارّة؛ وينفع الكبد والطّحال؛ ويحرّك الجشاء لتحليله؛ وليس سريع الانهضام والانحدار؛ وفى بزر الكرفس تغثية وتقيىء إلّا أن يقلى؛ قال: وقال بعضهم: إنّ جميع أصله نافع للمعدة. ويقول روفس:
لا، بل قد يجلب إليها رطوبات رديئة حادّة؛ وقال جالينوس: إنّه ممّا يصلح أن يؤكل مع الخسّ، فإنّه يعدل برد الخسّ؛ وبزره ينفع من الاستسقاء، وينقّى الكبد ويسخّنها؛ وهو يدرّ البول والطّمث؛ وهو ردىء للحوامل؛ وهو ينقّى الكلية والمثانة والرّحم، وينفع من عسر البول، ويخرج المشيمة، خصوصا سمرنيون ويملأ الرّحم رطوبة حرّيفة إذا أدمن أكله. قال: وقال بعضهم: الكرفس يهيّج الباه، حتى قال: يجب أن تمنع المرضعة من تناوله لئلّا يفسد لبنها لهيجان شهوة الباه؛ والرّومىّ جيّد لقولون «٢» والمثانة والكلية؛ وطبيخه مع العدس يتقيّأ به بعد شرب السّمّ؛ واذا لسعت العقرب من أكله اشتدّ به الأمر. انتهى القسم الأوّل.
стр. 3715
القسم الثانى من الفنّ الرابع فى الأشجار
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم من هذا الفنّ فيما لثمره قشر لا يؤكل
ويشتمل هذا الباب على اللّوز والجوز والجلّوز والفستق والشّاه بلّوط والصّنوبر والرّمّان والموز والنّارنج واللّيمون.
فأمّا اللّوز وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس فى طبيعته: الحلو معتدل إلى رطوبة، والمرّ حارّ يابس فى الثانية؛ وقال فى أفعاله وخواصّه: فى جميع أصناف اللّوز جلاء وتنقية وتفتيح، لكن الحلو أضعف من المرّ فى تفتيحه، لأنّه ملطّف، ودهنه أخفّ من جرمه؛ والمرّ ينفع من الكلف والنّمش والاثار، ويبسط تشنّج الوجه؛ وأصل المرّ اذا طبخ وجعل على الكلف كان دواء قويّا؛ وأكل اللّوز الحلو يسمّن؛ والمربّى بالشّراب جيّد للشّرى «١» ، ويطلى به بالعسل الساعية «٢» والنّملة ويطلى به بالخلّ أو بالشّراب على القوابى «٣» ، والمرّ أبلغ فى ذلك؛ وهو جيّد لوجع
стр. 3716
الأذن والّدوىّ فيها، وخصوصا المرّ دهنا ومسحوقا [بحاله «١» ] وممسوحا «٢» ؛ واذا غسل الرأس به وبالشراب نقىّ الرّطوبة والحزاز «٣» ونوّم؛ واذا شرب المرّ قبل الشراب منع السّكر، وخصوصا خمسين عددا؛ وشجر اللّوز المرّ إذا دقّ ناعما وخلط بالخلّ ودهن الورد وضمد به الجبين نفع الصّداع، وكذلك دهن اللّوز المرّ ينفع منه؛ وهو يقوّى البصر؛ واللّوز المرّ مع نشا «٤» الحنطة جيّد لنفث الدّم؛ وينفع من السّعال المزمن والرّبو وذات الجنب، وخصوصا دهن الحلو؛ وسويق اللّوز نافع من السّعال ونفث الدّم؛ وهو يفتّح سدد الكبد والطّحال، وخصوصا المرّ، فإنّه يفتّح السّدد العارضة فى أطراف العروق؛ واذا أكل الطرىّ بقشره نقىّ بلّة المعدة؛ وهو عسر الهضم، جيّد الخلط، قليل الغذاء؛ واذا كان بالسّكّر انحدر سريعا؛ ودهن المرّ ينقّى الكلية والمثانة ويفتّت الحصاة، خصوصا مع الإيرساء «٥» شربا، وربّما نفع ضمادا معه ومع دهن
стр. 3717
الورد «١» ؛ وينفع لأوجاع الرّحم وأورامها الحارّة وصلابتها وعسر البول ووجع الكلّى؛ ويحتمل «٢» فيدرّ الطّمث؛ والحلو نافع من القولنج لجلائه؛ والمرّ أنفع؛ ودهنه أخفّ من جرمه «٣» . قال: وينفع من عضّة الكلب الكلب.
وأمّا ما وصفه به الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول ابن المعتزّ:
ثلاثة أثواب على جسد رطب ... مخالفة الأشكال من صنعة الرّبّ
تقيه الرّدى فى ليله ونهاره ... وان كان كالمسجون فيها بلا ذنب
وقال آخر:
أما ترى اللّوز حين ترجله «٤» ... عن الأفانين كفّ مقتطف
وقشره قد جلا القلوب لنا ... كأنّها الدّرّ داخل الصّدف
وقال آخر «٥» :
جاء بلوز أخضر ... أصغره ملء اليد
كأنّما زئبره ... نبت عذار الأمرد
كأنّما قلوبه ... من توأم ومفرد
جواهر لكنّما ال ... أصداف من زبرجد
стр. 3718
وقال أبو طالب المأمونىّ:
ومستجنّ عن الجانين ممتنع ... بحلّة لم تحكها كفّ نسّاج
درّ تكوّن من عاج تضمّنه ... فى البرّ لا البحر أصداف من السّاج
وقال آخر فى لوزة بقلبين:
ومهد إلينا لوزة قد تضمّنت ... لمبصرها قلبين فيها تلاصقا
كأنّهما حبّان فازا بخلوة ... على رقبة فى مجلس فتعانقا
وأمّا الجوز وما قيل فيه
- فقال الشيخ: هو حارّ، ودرياقه للمحرورين السّكنجبين، ولضعفاء المعدة المربّى بالخلّ، وهو حارّ فى الثانية «١» يابس فى أوّلها ويبسه أقلّ من حرّه، وفيه رطوبة غليظة تذهب إذا عتق.
وأمّا أفعاله وخواصّه
- ففى مقلّوه قبض؛ وورقه وقشره كلّه قابض للنّزف؛ وقشره المحرق مجفّف بلا لذع؛ ودهن العتيق منه كالزّيت العتيق، وجلاء العتيق قوىّ، ولبّه الممضوغ يجعل على الورم السّوداوىّ المتقرّح فينفع؛ وصمغه نافع للقروح الحارّة منثورا عليها وفى المراهم؛ وهو مع عسل وسذاب ينفع التواء العصب؛ وعصارة ورقه تفتّر وتقطر فى الأذن فتنفع من المدّة. وقيل: إنّه مثقّل للّسان مبثّر للفم، وعصارة قشره وربّه «٢» يمنع «٣» الخناق، ويضرّ بالسّعال؛ وهو عسر الهضم ردىء للمعدة، والمربّى والرّطب أجود للمعدة وأقلّ ضررا؛ والمربّى بالعسل نافع للمعدة
стр. 3719
الباردة؛ وقشره يحبس نزف الطّمث؛ والمربّى نافع للكلية الباردة؛ ورماد قشره يمنع الطّمث شربا بالشراب وحملا «١» ؛ والجوز مع التّين والسّذاب دواء لجميع السّموم ومع البصل والملح ضماد على عضّة الكلب الكلب وغيره.
وأمّا ما وصفه به الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول شاعر:
جاء «٢» بجوز أخضر ... مكسّر «٣» مقشّر
كأنّما أرباعه ... مضغة علك الكندر»
وقال آخر:
والجوز مقشور يروق كأنّه ... لونا وشكلا مصطكى ممضوغ
وقال أبو طالب المأمونىّ:
ومحقّق التدوير يبعد نفعه ... من كفّ من يجنيه ما لم يكسر
درّ يسوغ لآكليه يضمّه ... صدف تكوّن جسمه من عرعر «٥»
متدرّع فى السّلم فوق غلالة «٦» ... درعا مظاهرة بثوب أخضر
стр. 3720
وأمّا الجلّوز وما قيل فيه
- فالجلّوز، هو البندق؛ وقد سمّى ابن سينا الصّنوبر بالجلّوز، وقال فى البندق: هو إلى حرارة ما ويبوسة قليلة «١» ، وفيه من القبض أكثر ممّا فى الجوز؛ وفيه نفخ، ويولّد الرّياح فى البطن؛ واذا قلى وأكل مع فلفل قليل أنضج الزّكام؛ وقال إبّقراط «٢» : البندق يزيد فى الدّماغ، وإذا أكل بماء العسل نفع من السّعال المزمن، وهو بطىء الهضم، ويهيّج القىء، وينفع من النّهوش وخصوصا مع التّين والسّذاب «٣» للدغ العقرب.
وأمّا ما وصفه به الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول شاعر:
ولقد شربت مع الغزال مدامة ... صفراء صافية بغير مزاج
فتفضّل الظّبى الغرير ببندق ... شبّهته ببنادق من ساج
وكسرته فرأيت صوفا أحمرا ... قد لفّ فيه بنادق من عاج
وقال ابن رافع:
جلّوزة من كفّ ظبى غزل ... رمى بها نحوى كمثل جلجل
أو كرة قد ثلّثت من صندل ... تكسر عن حريرة لم تغزل
стр. 3721
محمرّة فوق بياض يعتلى ... من حسنها «١» المستظرف المستكمل
فى مطعم الشّهد وعرف المندل
وأمّا الفستق وما قيل فيه
- فقال ابن وحشيّة فى توليده: وإن أردتم فستقا فخذوا كبد الماعز فشقّوها، وادفنوا فيها عظم صلب الطّاووس، وأهرقوا فوقها عصارة الشّاهترج «٢» ، واطمروها «٣» فى الأرض، فإنه بعد سبعة وعشرين يوما تخرج منها شجرة الفستق.
وقال الشيخ الرئيس: طبعه أشدّ حرارة من الجوز؛ وهو حارّ يابس «٤» فى آخر الثانية؛ وفيه رطوبة؛ وزعم بعضهم أنّه بارد، وقد أخطأ؛ وهو يفتّح سدد الكبد لمرارته وعطريّته؛ وفيه عفوصة؛ وغذاؤه يسير جدّا؛ وهو جيّد للمعدة، خصوصا الشامىّ الشبيه بحبّ الصّنوبر؛ وهو يفتّح منافذ الغذاء، ودهنه ينفع من وجع الكبد الحادث من الرطوبة والغلظ. قال [فإن «٥» ] قال قائل: «لم أجد له فى المعدة كبير
стр. 3722
مضرّة ولا منفعة» أقول: بل يمنع الغثيان، وتقلّب المعدة، ويقوّى فمها؛ وهو ينفع من نهش الهوامّ، خصوصا اذا طبخ بالشّراب.
وأمّا ما وصفه به الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابى:
والنّقل «١» من فستق حديث ... رطب تبدّى به الجفاف
لى فيه تشبيه فيلسوف ... ألفاظه عذبة خفاف
زمرّد صانه حرير ... فى حقّ عاج له غلاف
وقال آخر:
زمرّدة «٢» ملفوفة فى حريرة ... لها حقّ عاج فى غلاف أديم
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ:
وحظّى من نقل اذا ما نعتّه ... نعتّ لعمرى منه أحسن منعوت
من الفستق الشامىّ كلّ مصونة ... تصان عن الأحداق فى بطن تابوت
زبرجدة ملفوفة فى حريرة ... مضمّنة درّا مغشّى بياقوت
وقال آخر:
وفستق مستلذّ ... من بعد شرب الرّحيق
كأنه حين ترنو ... إليه عين الرّموق
حقّ من العاج يحوى ... زبرجدا فى عقيق
стр. 3723
وقال آخر يصف الضّاحك:
ومهد إلينا فستقا غير مطبق ... به زاد إحسانا على كلّ محسن
كأنّ انفتاحا منه دلّ على الّذى ... به من كمين فى حشاه مضمّن
ظماء من الأطيار حامت ففتّحت ... مناقيرها ثم استعانت بألسن
وقال آخر:
انظر الى الفستق المجلوب حين أتى ... مشقّقا فى لطيفات الطّوامير «١»
والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطّير من بين المناقير
وقال آخر:
كأنّما الفستق المملوح حين بدا ... مفتّح القشر موضوعا على طبق
وقد بدا لبّه للعين، ألسنة ... للطّير عطشى بها شىء من الرّمق
وقال آخر «٢» :
وضاحك أجفانه ... لم تكتحل بالوسن
لم أدر عن أفئدة ... تبسم أم عن ألسن
كعاشق كلّفه الغرام ... ما كلّفنى
إذا أخذت قلبه ... لم ينتفع بالبدن
وقال أبو بكر بن القرطبيّة:
صدف أبيض نقى ... ذو بهاء ورونق
стр. 3724
مسفر «١» عن جوهر ... أخضر فيه مطبق
كلّ صيغ يعزى الى ... لونه قيل فستقى
وأمّا الشّاه «٢» بلّوط وما قيل فيه
- فالشّاه بلّوط هو القسطل؛ قال ابن وحشيّة: وان أردتم الشّاه بلّوط فخذوا كليتى الخنزير وقرنى غزال، فاغرزوا فى طرفى القرنين الكليتين، وادفنوا ذلك فى الأرض، واسقوه من الماء بقدر وصوله إليه، فإنّه ينبت فى أربعة وعشرين يوما شجرة تحمل الشّاه «٣» بلّوط...... «٤» .
قال شاعر يصفه:
يا حبّذا القسطل المجرّد عن ... قشريه بعد الجفاف فى الشجر
كأنّه أوجه الصّقالبة ال ... بيض وفيها تكرمش «٥» الكبر
стр. 3725
وأمّا شجر الصّنوبر وما قيل فيه
- فشجر الصّنوبر صنفان، ذكر وأنثى؛ فالذّكر هو الأرز، وهو لا يثمر، ومنه القطران؛ والأنثى صنفان، صنف كبيرا لحبّ، وصنف صغيره، يسمّى قضم «١» قريش وقال أبو بكر بن وحشيّة فى توليده: خذوا من شجرة الخرنوب الشامىّ من عروقها الطّوال، فلفّوها على قرنى ثور، وانقعوها فى الزّيت سبعة أيّام، ثمّ اجعلوها فى الأرض، واسحقوا الكندر «٢» وذرّوه عليها اذا غرست، فانّها تنبت شجر الصّنوبر.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فيه «٣» - وسمّاه الجلّوز وقال: هو حبّ الصّنوبر الكبار، وهو أفضل «٤» غذاء من الجوز، لكنّه أبطأ انهضاما؛ وهو مركّب من جوهر مائىّ وأرضىّ، والهوائيّة فيه قليلة؛ قال: وفى لحاء شجره قبض كثير؛
стр. 3726
والدّود الّذى فيه فى قوّة الذّراريح «١» ؛ ولحاؤه «٢» ينفع من إحراق الماء الحارّ، «ويلصق «٣» الجراحات ذرورا» ومن القروح «٤» الحرقيّة «٥» ؛ وفيه قوّة مدملة «٦» ؛ وفى لحائه من القبض ما يبلغ أن يشفى السّحج «٧» إذا وضع عليه ضمادا أو ذرورا؛ ويصلح لمواقع الضربة ويدمل؛ وورقه أصلح لذلك لأنّه أرطب؛ والغرغرة بطبيخ قشره تجلب بلغما كثيرا؛ واذا سلق لحاؤه بالخلّ وتمضمض به نفع وجع الأسنان؛ ودخانه نافع من انتثار الأشفار. قال: ويغذو غذاء قويّا غليظا غير ردىء؛ ويصلح للرّطوبات الفاسدة فى الأمعاء؛ وهو بطىء الهضم، ويصلح هضمه: أمّا للمبرودين فالعسل وللمحرورين فالطّبرزذ»
، ويزداد بذلك جودة غذاء؛ والمنقوع منه فى الماء تذهب
стр. 3727
حدّته وحرافته ولذعه؛ ويبرىء من أوجاع العصب والظّهر وعرق النّسا؛ وهو نافع للاسترخاء، وينقّى الرّثة ويخرج ما فيها من القيح والخلط الغليظ، ويهيّج الباه، وخصوصا المربّى منه؛ وينفع من القيح والحصاة فى المثانة؛ وهو مع التّمر والتّين ينفع من لدغ العقرب.
وقال فى قضم «١» قريش: إنّه جيّد لقروح الكلى والمثانة.
وأمّا ما وصف به الصّنوبر وشبّه به من الشعر
- فمن ذلك قول بعض الشعراء:
صنوبر أطيب موجود ... نلت به غاية مقصودى
كأنّه حين حبانى به ... من خصّ بالإنعام والجود
حبّ لآل مشرق لونه ... فى جوف أدراج من العود
ونحوه قول الشاعر:
صنوبر ظلت به مولعا ... لأنّه أطيب موجود
كأنّه الكافور فى لونه ... تحويه أدراج من العود
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ- وذكر انتسابه إليه-:
وإذ عزينا إلى الصّنوبر لم ... نعز إلى خامل من الخشب
стр. 3728
لا بل «١» الى باسق الفروع علا ... مناسبا فى أرومة الحسب
مثل خيام الحرير تحملها ... أعمدة تحتها من الذّهب
كأنّ ما فى ذراه من ثمر ... طير وقوع على ذرا القضب
باق على الصّيف والشّتاء إذا ... شابت رءوس النّبات لم يشب
محصّن الحبّ فى جواشن «٢» قد ... أمنّ «٣» فى لبسها من الحرب
حبّ حكى الحبّ صين فى قرب «٤» ال ... أصداف حتّى بدا من القرب
ذو نثّة «٥» ما ينال من عنب ... ما نيل من طيبها ولا رطب
يا شجرا حبّه حدانى أن ... أفدى بأمّى محبّة وأبى
فالحمد لله إنّ ذا لقب ... يزيد فى حسنه على النّسب
وقال ابن رافع القيروانىّ:
يا حسنة فى العين من صنوبر ... يحكى لنا جماجما من عنبر
يفلق عن حبّ إذا لم يكسر ... مصندل إن شئت أو معصفر
كمثل أصداف نفيس الجوهر
стр. 3729
وأمّا الرّمّان والجلّنار «١»
- فقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: الرمّان الحلومنه بارد إلى الأولى رطب فيها؛ والحامض يابس «٢» فى الثانية؛ والحامض يقمع الصّفراء، ويمنع سيلان الفضول إلى الأحشاء، وخصوصا شرابه؛ وهو جلّاء مع القبض؛ وحبّ الرّمّان مع العسل طلاء للدّاحس «٣» والقروح الخبيثة؛ وأقماعه للجراحات، ولا سيّما المحرقة. قال: والحلو مليّن؛ وجميعه قليل الغذاء جيّده؛ والمزّ «٤» منه ربّما كان أنفع للمعدة من التّفّاح والسّفرجل، لكنّ حبّه ردىء؛ وأقبض أجزائه الأقماع. قال: وحبّ الرّمّان بالعسل ينفع من وجع الأذن؛ وهو طلاء لباطن الأنف؛ وينفع حبّه مسحوقا مخلوطا بالعسل من القلاع «٥» طلاء؛ وان طبخت الرّمّانة الحلوة بالشراب ثم دقّت كما هى وضمدت بها الأذن نفع من ورمها منفعة جيّدة؛ وشراب الرّمّان وربّه نافعان من الخمار؛ وعصارة الحامض تنفع من الظّفرة «٦» ؛ وهو يخشّن الصّدر والحلق؛ والحلو يليّنهما ويقوّى الصّدر؛ واذا سقى حبّ الرّمّان فى ماء المطر منع نفث الدّم؛ وجميعه ينفع من الخفقان، ويجلو الفؤاد؛ والمرّ ينفع
стр. 3730
من التهاب المعدة؛ والحلو يوافق المعدة؛ والحامض يضرّها، ومع ذلك فحبّ الرّمّان يضرّ المعدة؛ وسويقه مصلح لشهوة الحبالى، وكذلك ربّه؛ خصوصا الحامض؛ ويمصّه المحموم بعد غذائه فإنّه يمنع صعود البخار. قال: والحامض أكثر إدرارا للبول من الحلو؛ وكلاهما مدرّ؛ وسويق الرّمّان ينفع من الإسهال الصّفراوىّ؛ وقشور أصل الرّمّان بالنّبيذ تخرج الدّيدان. قال: والحلو يضرّ أصحاب الحمّيات الحارّة.
وقال فى الجلّنار «١» : هو زهر رمّان برّىّ، فارسىّ او مصرىّ، قد يكون أحمر وقد يكون أبيض، وقد يكون مورّدا، وعصارته فى طبعها كعصارة لحية التّيس «٢» ؛ قوّته قوّة شحم الرّمّان؛ وطبعه بارد فى آخر الأولى، يابس فى الثانية؛ وأفعاله وخواصّه، هو مغرّ، حابس لكلّ سيلان، ويولّد السّوداء؛ وهو جيّد للّثة الدّامية ويدمل الجراحات والقروح والعقور والشّجوج ذرورا؛ وهو يقوّى الأسنان المتحرّكة؛ وهو يعقل، وينفع من قروح الأمعاء وسيلان الرّحم ونزفها.
وأمّا ما قيل فيهما من الشعر
- فمن ذلك ما وصف به الرّمّان وشبّه به، قال أبو هلال العسكريّ:
стр. 3731
حكى الرّمّان أوّل ما تبدّى ... حقاق زبرجد يحشون درّا
فجاء الصيف يحشوه عقيقا ... ويكسوه مرور القيظ تبرا
ويحكى فى الغصون ثدىّ حور ... شققن غلائلا عنهنّ خضرا
وقال آخر:
خذوا صفة الرّمّان عنّى فإنّ لى ... بيانا عن الأوصاف غير قصير
حقاق كأمثال الكراة تضمّنت ... فصوص بلخش «١» فى غشاء حرير
وقال آخر:
لله رمّانة من فوق دوحتها ... مثالها ببديع الحسن منعوت
فالقشر حقّ نضار ضمّ داخله ... والشّحم قطن له والحبّ ياقوت
وقال آخر:
رمّانة صبغ الزّمان أديمها ... فتبسّمت فى خضرة «٢» الأغصان
فكأنّما هى حقّة من صندل «٣» ... قد أودعت خرزا من المرجان «٤»
وقال ابن قسيم الحموىّ:
ومحمرّة من بنات الغصو ... ن يمنعها ثقلها أن تميدا
منكّسة التّاج فى دستها ... تفوق الخدود وتحكى النّهودا
تفضّ فتفترّ عن مبسم ... كأنّ به من عقيق عقودا
стр. 3732
كأنّ المقابل «١» من حسنها ... ثغور تقبّل منها خدودا
وقال آخر:
رمّانة مثل نهد الكاعب الرّيم ... تزهى بشكل ولون غير مذموم
كأنّها حقّة من عسجد ملئت ... من اليواقيت نثرا غير منظوم
وقال محمّد بن «٢» عمر المقرئ «٣» الكاتب:
ورمّان رقيق القشر يحكى ... ثدىّ «٤» الغيد فى أثواب لاذ «٥»
إذا قشّرته طلعت علينا ... فصوص من عقيق أو بجاذى «٦»
وقال آخر:
ولاح رمّاننا فأبهجنا ... بين صحيح وبين مفتوت
من كلّ مصفرّة مزعفرة ... تفوق فى الحسن كلّ منعوت
كأنّها حقّة فإن فتحت ... فصرّة من فصوص ياقوت
وقال آخر:
ولابسة صدفا أصفرا ... أتتك وقد ملئت جوهرا
حبوبا كمثل لثات الحبيب ... رضابا إذا شئت أو منظرا
стр. 3733
وقال آخر:
طعم الوصال «١» يصونه طعم النّوى ... سبحان خالق ذا وذا من عود
فكأنّها والخضر من أوراقها ... خضر الثّياب على نهود الغيد
وأنشدنى الشيخ شهاب الدّين أحمد بن الجبّاس «٢» الدّمياطىّ لنفسه فى ذى الحجّة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة فى رمّانة مشقوقة يتساقط منها الحبّ:
كتمت هوى قد لجّ فى أشجانها ... وحشت حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقت من حبّها عن حبّها ... وجدا وقد أبدت خفا كتمانها
رمّانة ترمى «٣» بها أيدى النّوى ... من بعد ما رمّت «٤» على أغصانها
فاعجب وقد بكت «٥» الدّموع عقائقا ... لا من مآقيها ولا أجفانها
ومنه ما وصف به الجلّنار- قال أبو فراس الحمدانىّ:
وجلّنار مشرق ... على أعالى الشجره
كأنّ فى أغصانه ... أحمره وأصفره
стр. 3734
قراضة من ذهب ... فى خرقة معصفره
وقال ابن وكيع:
وجلّنار بهىّ ... ضرامه يتوقّد
بدا لنا فى غصون ... خضر من الرّىّ ميد
يحكى فصوص عقيق ... فى قبّة من زبرجد
وقال آخر:
كأنّما الجلّنار لمّا ... أظهره العرض للعيون
أنامل كلّها خضيب ... تنشر لاذا «١» على الغصون
وقال أبو الحسن «٢» الشّمشاطىّ:
وبدا الجلّنار مثل خدود ... قد كساها الحياء لون عقار
صبغة الله كالعقيق تراه ... أحمرا ناصعا «٣» لدى الاخضرار
وأمّا الموز وما قيل فيه
- فقال أبو بكر بن وحشيّة فى توليده: وان خلطتم باليبروح «٤» مثل وزنه من التّمر، وعجنتموهما عجنا جيّدا، ثمّ زرعتموهما
стр. 3735
وتعاهدتم ذلك بالسقى الكثير، خرج منه شجر الموز؛ وكذلك إن لجن القلقاس بالتّمر خرج منهما الموز، إلّا أنّ ما ينبت عن اليبروح أكبر موزا، وأشدّ حلاوة.
وقال الشيخ الرئيس: الموز مليّن؛ والإكثار منه يورث السّدد، ويزيد فى الصّفراء والبلغم بحسب المزاج؛ وهو نافع للخلق «١» والصّدر؛ وهو ثقيل على المعدة؛ ويجب أن يتناول المحرور بعده سكنجبينا «٢» بزوريّا، والمبرود عسلا. قال: وهو يزيد فى المنىّ، ويوافق الكلى، ويدرّ البول.
وأمّا ما وصف به وشبّه من الشّعر
- فمن ذلك قول ابن الرّومىّ:
إنّما الموز إذ تمكّن منه ... كاسمه مبدلا من الميم فاءا
وكذا فقده العزيز علينا ... كاسمه مبدلا من الزاى تاءا
فهو الفوز مثلما فقده المو ... ت لقد عمّ فضله الأحياءا
ولهذا التأويل سمّاه موزا ... من أفاد المعانى الأسماءا
стр. 3736
نكهة عذبة وطعم لذيذ ... فنعيم متابع نعماءا
لو تكون القلوب مأوى طعام ... نازعته قلوبنا الأحشاءا
وقال فيه أيضا:
للموز إحسان بلا ذنوب ... ليس بمعدود ولا محسوب
يكاد من موقعه المحبوب ... يسلمه البلع إلى القلوب
وقال الصّاحب جمال الدّين علىّ بن ظافر:
كأنّما الموز إذا ... ما جاءنا بالعجب
أنياب أفيال صغا ... ر طلّيت بالذّهب
ونحوه قول الآخر- وكأنّه مأخوذ منه-:
موز حلا فكأنّه ... عسل ولكن غير جارى
ذو باطن مثل الأقاح «١» ... وظاهر مثل النّضار
يحكى إذا قشّرته ... أنياب أفيال صغار
وحكى صاحب (بدائع البدائه) أنّ الحسن بن رشيق ومحمّد بن شرف القيروانىّ اجتمعا فى مجلس المعزّ بن باديس وبين يديه موز، فاقترح على كلّ واحد منهما أن يعمل فيه شيئا، فقال ابن شرف:
يا حبّذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ
لان إلى أن لا محسّ له ... فالفم ملآن به فارغ
стр. 3737
سيّان قلنا مأكل طيّب ... فيه وإلّا مشرب سائغ
إن قيل فيما قد حلا طيّب ... فالموز حلو طيّب بالغ
أحلى مذاقا من دماء العدا ... أمكن منها أسد والغ
وقال ابن رشيق- وتواردا فى المعنى والقافية-:
موز سريع سوغه ... من قبل مضغ الماضغ
مأكلة لاكل ... ومشرب لسائغ
فالفم من لين به ... ملان مثل فارغ
يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ
ثمّ سألهما فى مثل ذلك، فقال محمد بن شرف:
هل لك فى موز إذا ... ذقناه قلنا حبّذا
فيه شراب وغذا ... يزيل كالماء القذى
لو مات من تلذّذا ... به لقلنا: ذا بذا
وقال ابن رشيق:
لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ
فواكه وشراب ... به يفيق «١» الوقيذ «٢»
ترى القذى العين فيه ... كما يريها النّبيذ
فانظر إلى هذا التّوارد العجيب المرّة بعد المرّة.
وقال نجم الدّين بن إسرائيل يصفه:
أنعت لى موزا شهىّ المنظر ... مستحكم النّضج لذيذ المخبر
стр. 3738
كأنّه فى جلده المعصفر ... لفّات زبد عجنت بسكّر
وأنشدنى الشيخ الفاضل شهاب الدّين أحمد بن منصور الدّمياطىّ- عرف بابن الجبّاس- فى ذى الحجّة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة لنفسه وأجاد:
كأنّما الموز فى عراجنه «١» ... وقد بدا يانعا على شجره
فروع شعر برأس غانية ... عقّص من بعد ضمّ منتشره
كأنّ من ضمّه وعقّصه ... أرسل شرّابة «٢» على أثره
كأنّ أمشاطه مكاحل من ... زمرّد نظّمت على قدره
كأنّما زهره الأنيق وقد ... شقّق عنه كمام مستتره
نظام ثغر يزينه شنب «٣» ... ممتزج شهده بمعتصره
كأنّ قامات سوقه عمد ... حنت «٤» أواوينها على جدره
كأنّ أشجاره وقد نشرت ... ظلال أوراقها على ثمره
حاملة طفلها على يدها ... تقيه حرّ الهجير فى خمره
كأنّما ساقه الصّقيل وقد ... بدت عليه رقوم معتبره «٥»
стр. 3739
ساق عروس أميط مئزرها ... فبان وشى الخضاب فى حبره «١»
تصاغ من جوهر «٢» خلاخلها ... فتنجلى والنّثار من زهره
حدائق خفّفت «٣» سناجقها «٤» ... كأنّها الجيش أمّ فى زمره
وكلّ آياته فباهرة ... تبين فى ورده وفى صدره
كأنّما عمره القصير حكى ... زمان وصل الحبيب فى قصره
كأنّ عرجونه المشيب أتى ... يخبر أن حانه «٥» انقضا عمره
كأنّه البدر فى الكمال وقد ... أصيب بالخسف فى سنا قمره
كأنّه بعد قطعه وقد اصفرّ ... لما نال من أذى حجره «٦»
متيّم قد أذابه كمد ... يبيت من وجده على خطره
معلّق بالرّجاء، ظاهره ... يخبر عمّا أجنّ من خبره
يطيب ريحا ويستلذّ جنى ... على أذى زاد فوق مصطبره
كأنّه الحرّ حال محنته ... يزيد صبرا على أذى ضرره
стр. 3740
وأمّا ما وصف به وشبّه النّارنج «١»
- فمن ذلك قول شاعر:
لله أنجم نارنج توقّدها ... يكاد ينجاب عن لألائه الغسق
تبدو لعينيك فى لألائها ولها ... من الغصون بروج دوحها الأفق
تجنى به اليد جمرا ليس يطفئه ... غيث ولا اليد إذ تجنيه تحترق
كأنّه مستعار الشّبه من سفن «٢» ... مذهّب أو حباه لونه الشّفق
وقال آخر:
تأمّلها كرات من عقيق ... تروقك فى ذرا دوح وريق
صوالج من غصون ناعمات ... غذتها درّة العيش الأنيق
تخال غصونها فيها نشاوى ... بأيديهم كئوس من رحيق
عجبت لها شربن الماء ريّا ... وفى لبّاتها لهب الحريق
وقال آخر يصف نارنجة:
يا ربّ نارنجة يلهو النديم بها ... كأنّها كرة من أحمر الذّهب
أو جذوة حملتها كفّ قابسها ... لكنّها جذوة معدومة اللهب
وقال آخر:
ومورقة فى صيفها وشتائها ... يحار النّهى فى أرضها وسمائها
اذا ما زهى الكانون يوما بجمره ... نظرت إليه تحت فضل ردائها
أرى الماء يطفى كلّ نار ونارها ... تزيد حياة ما تغذّت بمائها
стр. 3741
كرات عقيق أم خدود كواعب ... بدت وهى حمر من صباغ «١» حيائها
وقال آخر:
انظر إلى منظر يلهيك منظره ... بمثله فى البرايا يضرب المثل
نار تلوح على الأغصان فى شجر ... لا الماء يطفى ولا النّيران تشتعل
وقال آخر يصف نارنجة نصفها أحمر ونصفها أخضر:
وبنت أيك دنا من لمسها قزح «٢» ... فلاح منها على أرجائها أثر
يبدو لعينيك منها منظر عجب ... زبرجد ونضار صاغه المطر
كأنّ موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجرّ عليها كفّه الخضر
وقال الصّاحب بن عبّاد:
بعثنا من النارنج ما طاب عرفه ... ونمّت على الأغصان منه نوافج «٣»
كرات من العقيان أحكم خرطها ... وأيدى النّدامى حولهنّ صوالج
وقال أبو الحسن الصّقلىّ:
تنعّم بنارنجك المجتنى ... فقد حضر السعد لمّا حضر
فيا مرحبا بقدود الغصون ... ويا مرحبا بخدود الشجر
كأنّ السماء همت بالنّضار ... فصاغت لها الأرض منه أكر
стр. 3742
وقال ابن المعتزّ:
كأنّما النّارنج لمّا بدت ... صفرته فى حمرة كاللهيب
وجنة معشوق رأى عاشقا ... فاصفرّ ثمّ احمرّ خوف الرّقيب
وقال السّرىّ الرّفّاء:
وبديعة أضحى الجمال شعارها ... صبغ الحيا «١» صبغ الحياء إزارها
حلّت عقال نسيمها وتوشّحت ... وبالأرجوان وشدّدت أزرارها
فالعين تحسر إن رأت إشراقها ... والنفس تنعم إن رأت «٢» أخبارها
فكأنّها فى الكفّ وجنة عاشق ... عبث الحياء بها فأضرم نارها
محمولة حملت عجاجة عنبر ... فإذا سرى ركب النّسيم أثارها
أمنت على أسرارها ريح الصّبا ... وهنا «٣» فضيّعت الصّبا أسرارها
وكأنّما صافحت منها جمرة ... أمنت يمينك حرّها وشرارها
ما أحسب النّارنج إلّا فتنة ... هتك الزّمان لناظر أستارها
عشقت محاسنه العيون فلو رنت ... أبدا اليه ما قضت أو طارها
وقال آخر «٤» :
سقيا لأيّامنا ونحن على ... رءوسنا نعقد الأكاليلا
فى جنّة ذلّلت لقاطفها ... قطوفها الدّانيات تذليلا
стр. 3743
كأنّ نارنجها «١» يلوح على ... أغصانها حاملا ومحمولا
سلاسل من زبرجد حملت ... من ذهب أحمر قناديلا
وقال آخر «٢» :
وأشجار نارنج كأنّ ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدّرّ
تطالعنا بين الغصون كأنّها ... خدود غوان «٣» فى ملاحفها الخضر
أتت كلّ مشتاق بريّا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدرى
وقال آخر:
حدائق أشجار كإقبال دولة ... عليك أو البشرى أتت لقعيد
أنارت بنارنج لريّاه «٤» فى الحشا ... مواقع وصل من فؤاد عميد
اذا ما حنى أغصانه فكأنّه ... صوالجة الأصداغ فوق خدود
وقال آخر:
وأغصان مقوّمة حسان ... ومنها ما يرى كالصّولجان
كأنّ بها ثديّا ناهدات ... غلائلها صبغن بزعفران
وقال آخر «٥» يصف نارنجا مختلف الألوان:
رياض من النّارنج كالأمن والمنى ... جمعن ومثل النّوم بعد التسهّد
стр. 3744
تجلّى العشا عن ناظرى كلّ ناظر ... وتجلو الصّدى عن قلب ذى اللّوعة الصّدى
فمن أخضر غضّ النّبات كأنّه ... مشارب مينا «١» أو حقاق زمرّد
ومن أحمر كالأرجوان إذا بدا ... وكالرّاح صرفا أو كخدّ مورّد
ومن أصفر كالصّبّ، يبدو كأنّه ... كرات أديرت من خلاصة عسجد
اذا لاح فى أشجاره «٢» فكأنّه ... شموس «٣» عقيق فى «٤» قباب زبرجد
وقال آخر:
أهدى لنا النّارنج عند قطافه ... أكرا تروق بمنظر وبمنخبر
ببواطن من ياسمين أبيض ... وظواهر من جلّنار أحمر
وقال آخر:
كانت هديّته لنا نارنجة ... كالفهر «٥» لفّت فى حرير أصفر
صفراء تحسب أنّها قد جدّرت ... فترى ببهجتها «٦» انتثار مجدّر «٧»
فسألتها عمّا يغيّر لونها ... قالت سألت فخذ جواب مخبّر
كنّا حبائب فوق غصن ناعم ... أوراقه مثل الفرند الأخضر
стр. 3745
فرمى الزّمان وصالنا بتفرّق ... فلذاك صفرة وجنتى وتغيّرى
وقال ابن وكيع التّنّيسىّ:
انظر إلى النّارنج فى بهجاته ... يلوح فى أفنان هاتيك الشّجر
مثل دبابيس «١» نضار أحمر ... أو كعقيق خرطت منه أكر
وقال أبو الحسن الصّقلّىّ:
ونارنجة بين الرياض نظرتها ... على غصن رطب كقامة أغيد
اذا ميّلتها الرّيح مالت كأكرة ... بدت ذهبا فى صولجان زمرّد
وأمّا ما وصف وشبّه به اللّيمو «٢»
- فمن ذلك قول الشاعر:
انظر إلى اللّيمون فى شكله ... وحسنه لمّا بدا للعيان
كأنّه بيض دجاج وقد ... لطّخه العابث بالزّعفران
وقال السرىّ الرّفّاء:
واصطبحناها على نهر ... بصفو الماء يجرى
ظلّلته شجرات ... عطرها أطيب عطر
فلك أنجمه اللّيمو ... فمن بيض وصفر
أكر من فضّة قد ... شابها تلويح تبر
وقال آخر:
يا ربّ ليمونة حيّا بها قمر ... حلو المقبّل ألمى بارد الشّنب «٣»
كأنّها كرة من فضّة خرطت ... فاستودعوها غلافا صيغ من ذهب
стр. 3746
الباب الثانى من القسم الثّانى من الفنّ الرابع فيما لثمره نوى لا يؤكل
ويشتمل هذا الباب على عشرة «١» أصناف، وهى النّخل وما يشبهه، وهو النّارجيل، والفوفل والكاذىّ «٢» والخزم، ثمّ الزّيتون والخرنوب والإجّاص والقراسيا «٣» والزّعرور والخوخ والمشمش والعنّاب والنّبق.
فأمّا النّخل وما قيل فيه
- فقال الله تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ
؛ وقال عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما-:
قال رسول الله ﷺ : «إنّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنّها مثل المسلم؛ فحدّثونى ما هى» ؟ فوقع الناس فى شجر البوادى؛ قال عبد الله:
ووقع فى نفسى أنّها النّخلة، فاستحييت؛ ثمّ قالوا: حدّثنا ما هى يا رسول الله؟ قال:
«هى النخلة» ؛ قال عبد الله: فحدّثت أبى بما وقع فى نفسى؛ فقال: لأن تكون قلتها أحبّ إلىّ من كذا وكذا.
وفى لفظ عنه، قال: كنّا عند النّبىّ ﷺ فأتى بجمّار، فقال:
«إنّ من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم» الحديث.
стр. 3747
وفى لفظ عنه- رضى الله عنه- أنّ النبىّ ﷺ قال: «إنّ من الشجر لما بركته كبركة المسلم» وساق الحديث.
وللنّخلة أسماء نطقت بها العرب من حين تبدو صغيرة إلى أن تكبر، وكذلك الرّطب من حين يكون طلعا إلى أن يصير رطبا؛ تقول العرب لصغار النخل:
الجثيث والهراء والودىّ والفسيل والأشاء «١» .
وقال الثّعالبىّ فى (فقه اللّغة) : إذا كانت النخلة صغيرة فهى الفسيلة والوديّة.
فاذا كانت قصيرة تناولها اليد فهى القاعد؛ «وفى «٢» (غريب المصنّف) : العضيد، والجمع:
عضدان» . فإذا صار لها جذع [لا «٣» ] يتناول منه المتناول فهى جبّارة. فإذا ارتفعت عن ذلك فهى الرّقلة والعيدانة. فاذا زادت فهى باسقة. فاذا تناهت فى الطّول مع انجراد فهى سحوق.
فصل فى نعوتها
اذا كانت النخلة على الماء فهى كارعة ومكرعة. فاذا حملت فى صغرها فهى مهتجنة. فاذا كانت تدرك فى أوّل النخل فهى بكور. فاذا كانت تحمل سنة وسنة
стр. 3748
لا تحمل فهى سنهاء. فاذا كان بسرها ينتثر وهو أخضر فهى خضيرة. فاذا دقّت من أسفلها وانجرد كربها فهى صنبور. فاذا مالت فبنى تحتها دكّان تعتمد عليه فهى رجبيّة «١» . فاذا كانت منفردة عن أخواتها فهى عوانة.
ويقال للطّلع «٢» : الكافور، والضّحك «٣» ، والإغريض. فإذا انعقد سمّته «٤» السّياب «٥» .
فاذا اخضرّ قبل أن يشتدّ سمّته الجدال. فإذا عظم فهو البسر. فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطّم. فاذا تغيّرت البسرة إلى الحمرة فهى شقحة. فاذا ظهرت الحمرة فهو الزّهو «٦» ، وقد أزهى. فاذا بدت فيه نقط «٧» من الإرطاب نصفها فهى المجزّع «٨» . فإذا بلغ ثلثيها فهى حلقانة. فإذا جرى الإرطاب فيها فهى منسبتة.
وللشّعراء فى النّخل أوصاف، فمن ذلك ما أنشده الأصمعىّ «٩» :
غدت سلمى تعاتبنى وقالت ... رأيتك لا تريغ «١٠» لنا معاشا
стр. 3749
فقلت لها: أما يكفيك دهم ... اذا أمحلت «١» كنّ لنا رياشا «٢»
بوارك ما يبالين اللّيالى ... ضربن «٣» لنا وللأيّام جاشا «٤»
اذا ما الغاديات ظلمن «٥» مدّت ... بأسباب ننال بها انتعاشا
ترى أمطاءها «٦» بالبسر هدلا «٧» ... من الألوان ترتعش ارتعاشا
وعن الشّعبىّ قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- إنّ «٨» رسلى أخبرونى أنّ بأرضك شجرة كالرجل القائم تفلّق عن مثل آذان الحمر، ثمّ يصير مثل اللّؤلؤ، ثم يعود كالزّمرّد الأخضر، ثمّ يصير كالياقوت الأحمر والأصفر
стр. 3750
ثمّ يرطب فيكون كأطيب فالوذ «١» اتّخذ، ثمّ يجفّ فيكون عصمة «٢» للمقيم، وزادا للمسافر فإن كان رسلى صدقونى فهى الشجرة الّتى نبتت على مريم بنت عمران. فكتب اليه عمر- رضى الله عنه-: إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتّخذ عيسى إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
أخذ عبد الصّمد بن المعدّل هذه التشبيهات، فقال يصف النّخل فى أرجوزة أوّلها:
حدائق ملتفّة الجنان ... رست بشاطى ترع ريّان
تمتار «٣» بالأعجاز للأذقان ... لا ترهب المحل من الأزمان
إن هى أبدت زينة المردان «٤» ... لا حت بكافور على إهان «٥»
يطلع منها كيد الإنسان ... إذا بدت ملمومة البنان
علّت بورس «٦» أو بزعفران ... حتّى اذا شبّه بالآذان
следующие страницы →