Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
الباب الثانى من القسم الثّانى من الفنّ الرابع فيما لثمره نوى لا يؤكل
ويشتمل هذا الباب على عشرة «١» أصناف، وهى النّخل وما يشبهه، وهو النّارجيل، والفوفل والكاذىّ «٢» والخزم، ثمّ الزّيتون والخرنوب والإجّاص والقراسيا «٣» والزّعرور والخوخ والمشمش والعنّاب والنّبق.
فأمّا النّخل وما قيل فيه
- فقال الله تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ
؛ وقال عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما-:
قال رسول الله ﷺ : «إنّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنّها مثل المسلم؛ فحدّثونى ما هى» ؟ فوقع الناس فى شجر البوادى؛ قال عبد الله:
ووقع فى نفسى أنّها النّخلة، فاستحييت؛ ثمّ قالوا: حدّثنا ما هى يا رسول الله؟ قال:
«هى النخلة» ؛ قال عبد الله: فحدّثت أبى بما وقع فى نفسى؛ فقال: لأن تكون قلتها أحبّ إلىّ من كذا وكذا.
وفى لفظ عنه، قال: كنّا عند النّبىّ ﷺ فأتى بجمّار، فقال:
«إنّ من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم» الحديث.
стр. 3747
وفى لفظ عنه- رضى الله عنه- أنّ النبىّ ﷺ قال: «إنّ من الشجر لما بركته كبركة المسلم» وساق الحديث.
وللنّخلة أسماء نطقت بها العرب من حين تبدو صغيرة إلى أن تكبر، وكذلك الرّطب من حين يكون طلعا إلى أن يصير رطبا؛ تقول العرب لصغار النخل:
الجثيث والهراء والودىّ والفسيل والأشاء «١» .
وقال الثّعالبىّ فى (فقه اللّغة) : إذا كانت النخلة صغيرة فهى الفسيلة والوديّة.
فاذا كانت قصيرة تناولها اليد فهى القاعد؛ «وفى «٢» (غريب المصنّف) : العضيد، والجمع:
عضدان» . فإذا صار لها جذع [لا «٣» ] يتناول منه المتناول فهى جبّارة. فإذا ارتفعت عن ذلك فهى الرّقلة والعيدانة. فاذا زادت فهى باسقة. فاذا تناهت فى الطّول مع انجراد فهى سحوق.
فصل فى نعوتها
اذا كانت النخلة على الماء فهى كارعة ومكرعة. فاذا حملت فى صغرها فهى مهتجنة. فاذا كانت تدرك فى أوّل النخل فهى بكور. فاذا كانت تحمل سنة وسنة
стр. 3748
لا تحمل فهى سنهاء. فاذا كان بسرها ينتثر وهو أخضر فهى خضيرة. فاذا دقّت من أسفلها وانجرد كربها فهى صنبور. فاذا مالت فبنى تحتها دكّان تعتمد عليه فهى رجبيّة «١» . فاذا كانت منفردة عن أخواتها فهى عوانة.
ويقال للطّلع «٢» : الكافور، والضّحك «٣» ، والإغريض. فإذا انعقد سمّته «٤» السّياب «٥» .
فاذا اخضرّ قبل أن يشتدّ سمّته الجدال. فإذا عظم فهو البسر. فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطّم. فاذا تغيّرت البسرة إلى الحمرة فهى شقحة. فاذا ظهرت الحمرة فهو الزّهو «٦» ، وقد أزهى. فاذا بدت فيه نقط «٧» من الإرطاب نصفها فهى المجزّع «٨» . فإذا بلغ ثلثيها فهى حلقانة. فإذا جرى الإرطاب فيها فهى منسبتة.
وللشّعراء فى النّخل أوصاف، فمن ذلك ما أنشده الأصمعىّ «٩» :
غدت سلمى تعاتبنى وقالت ... رأيتك لا تريغ «١٠» لنا معاشا
стр. 3749
فقلت لها: أما يكفيك دهم ... اذا أمحلت «١» كنّ لنا رياشا «٢»
بوارك ما يبالين اللّيالى ... ضربن «٣» لنا وللأيّام جاشا «٤»
اذا ما الغاديات ظلمن «٥» مدّت ... بأسباب ننال بها انتعاشا
ترى أمطاءها «٦» بالبسر هدلا «٧» ... من الألوان ترتعش ارتعاشا
وعن الشّعبىّ قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- إنّ «٨» رسلى أخبرونى أنّ بأرضك شجرة كالرجل القائم تفلّق عن مثل آذان الحمر، ثمّ يصير مثل اللّؤلؤ، ثم يعود كالزّمرّد الأخضر، ثمّ يصير كالياقوت الأحمر والأصفر
стр. 3750
ثمّ يرطب فيكون كأطيب فالوذ «١» اتّخذ، ثمّ يجفّ فيكون عصمة «٢» للمقيم، وزادا للمسافر فإن كان رسلى صدقونى فهى الشجرة الّتى نبتت على مريم بنت عمران. فكتب اليه عمر- رضى الله عنه-: إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتّخذ عيسى إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
أخذ عبد الصّمد بن المعدّل هذه التشبيهات، فقال يصف النّخل فى أرجوزة أوّلها:
حدائق ملتفّة الجنان ... رست بشاطى ترع ريّان
تمتار «٣» بالأعجاز للأذقان ... لا ترهب المحل من الأزمان
إن هى أبدت زينة المردان «٤» ... لا حت بكافور على إهان «٥»
يطلع منها كيد الإنسان ... إذا بدت ملمومة البنان
علّت بورس «٦» أو بزعفران ... حتّى اذا شبّه بالآذان
стр. 3751
من حمر الوحش لدى العيان ... شقّقه علجان ماهران
عن لؤلؤ صيغ على قضبان ... مصوغة «١» من ذهب خلصان
ثمّ يرى للسّبع والثّمانى ... قد حال مثل الشّذر «٢» فى الجمان
يضحك عن مشتبه الأقران ... كأنّه فى ناضر الأغصان
زمرّد لاح على تيجان ... حتّى إذا تمّ له شهران
وانسدلت عثاكل القنوان ... كأنّها قضب من العقيان
فصّلن بالياقوت والمرجان ... رأيته مختلف الألوان
من قانىء أحمر أرجوانى ... وفاقع أصفر كالنّيران
مثل الأكاليل على الغوانى «٣»
ونحوه قول أبى هلال العسكرىّ:
ونخيل وقفن فى معطف الرّم ... ل وقوف الحبشان فى التّيجان
شربت بالأعجاز حتّى تروّت ... وتراءت بزينة الرّحمن
طلع الطّلع فى الجماجم منها ... كأكفّ خرجن من أردان
فتراها كأنّها كمت «٤» الخي ... ل توافت مصرّة «٥» الآذان
стр. 3752
أهو الطّلع أم سلاسل عاج ... حملت فى سفائن العقيان
ثمّ عادت شبائها تتباهى ... بأعل شبائه أقران
خرزات من الزّبرجد خضر ... وهبتها السّلوك للقضبان
ثمّ حال النّجار واختلف الشّكل ... فلاحت بجوهر ألوان
بين صفر فواقع تتباهى ... فى شماريخها وحمر قوانى
وقال النّمر بن تولب:
ضربن العرق فى ينبوع عين ... طلبن معينه حتّى روينا
بنات الدّهر لا يخشين محلا ... اذا لم تبق سائمة بقينا
كأنّ فروعهنّ بكلّ ريح ... عذارى بالذوائب ينتضينا «١»
وقال النابغة:
صغار النّوى مكنوزة ليس قشرها ... اذا طار قشر التّمر عنها بطائر
من الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر
وقال السّرىّ الرّفّاء:
وكأنّ ظلّ النّخل حول قبابها ... ظلّ الغمام إذا الهجير توقّدا
من كلّ خضراء الذّوائب زيّنت ... بثمارها جيدا لها ومقلّدا
خرقت أسافلهنّ أعماق الثّرى ... حتّى اتّخذن البحر فيه «٢» موردا
стр. 3753
شجر إذا ما الصّبح أسفر لم ينح ... للأمن طائره ولكن غرّدا
وقال شهاب الدّين الشّطنوفىّ:
كأنّ النّخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسنا قباب زبرجد
وقد علّقت من حولها [زينة لها] ... قناديل ياقوت بأمراس عسجد
وأمّا الجمّار وما قيل فيه- فالجمّار، هو رأس النّخل، واذا قطعت الجمّارة لا تعيش النخلة بعدها أبدا.
وقال الشيخ الرئيس: طبعه بارد فى الثانية، يابس فى الأولى؛ وهو قابض؛ وينفع من خشونة الحلق؛ ويقبض الإسهال والنّزف؛ وينفع من لسع الزّنبور ضمادا.
وقال شاعر يصفه:
جمّارة كالماء تبدو لنا ... ما بين أطمار من اللّيف
جسم رطيب اللّمس لكنّه ... قد لفّ فى ثوب من الصّوف
وأمّا ما وصف به الطّلع- فمن ذلك قول كشاجم:
أفدى الّذى أهدى إلينا طلعة ... أهدت إلى قلب المشوق بلابلا
فكأنّما هى زورق من صندل ... قد أو دعوه من اللّجين سلاسلا
وقال ابن وكيع:
طلع هتكنا عنه أستاره ... من بعد ما قد كان مستورا
كأنّه لمّا بدا ضاحكا ... فى العين تشبيها وتقديرا
[درج «١» من الصّندل قد أودعت ... فيه يد العطّار كافورا]
стр. 3754
وقال محمّد بن القاسم العلوىّ:
وطلع هتكنا عنه جيب قميصه ... فيا حسنه فى لونه حين هتّكا
حكى صدر خود من بنى الرّوم هزّها ... سماع فشقّت عنه ثوبا ممسّكا
وقال كشاجم «١» :
ولا بس ثوبا من الحرير ... مضمّخ الظاهر بالعبير
مضمّن الباطن ثوب «٢» نور ... يفترّ عن مكنونة الثّغور
كأنّما فتّ من الكافور
وقال أيضا:
قد أتانا الّذى بعثت إلينا ... وهو شىء فى وقتنا معدوم
طلعة غضّة أتتنا تحاكى ... سفطا فيه لؤلؤ منظوم
وقال الرّبيع «٣» بن أبى الحقيق اليهودىّ يرثى كعب بن الأشرف:
ذو «٤» نخيل فى تلاع جمّة ... تخرج الطّلع كأمثال الأكف
стр. 3755
وأمّا البلح والبسر والتّمر
- فروى عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
قال رسول الله ﷺ : «من تصبّح كلّ يوم سبع تمرات- يعنى «١» عجوة- لم يضرّه فى ذلك اليوم سمّ ولا سحر» خرّجه البخارىّ فى صحيحه.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ طبعهما «٢» بارد يابس فى الثانية؛ والبسر أقبض من القسب «٣» ؛ واذا أكل وشرب الماء على أثره نفخ، وان كان أوّل ما يحلو قرقر أكثر، ويحدثان السّدد فى الأحشاء؛ وطبيخ البسر يسكّن اللهيب مع حفظ الحرارة الغريزيّة؛ والإكثار منهما يولّد فى البدن أخلاطا غليظة؛ والبسر يصدّع، وكثيره يسكر؛ وهما رديئان للصّدر والرّئة، ويحدثان السّدد فى الكبد، وهضمهما بطىء؛ والهشّ أقلّ هضما؛ وغذاؤهما يسير، وكلّ واحد منهما يعقل البطن. قال: والبلح يغزر البول؛ واذا شرب بخلّ عفص منع سيلان الرّحم ونزف البواسير؛ وكثرة استعمالهما توقع فى القشعريرة «٤» .
وقد وصف الشعراء البلح والبسر فى أشعارهم
- فمن ذلك ما قاله ابن وكيع التّنّيسىّ فى البلح:
أما ترى النّخل طارحا «٥» بلحا ... جاء بشيرا بدولة الرّطب
стр. 3756
كأنّه والعيون تنظره ... إذا بدا زهره على القضب
مكاحل من زمرّد خرطت ... مقمّعات الرءوس بالذّهب
وقال عبد الصمد:
كأنّه فى ناضر الأغصان ... زمرّد لاح على تيجان
وقال كمال الدّين بن بشائر الإخميمىّ- وهو عصرىّ-:
حيّا بها رائحة ... كالمسك للمستنشق
وقال شبّهها لنا ... فقلت غير مطرق
مكحلة مخروطة ... من دهنج «١» موثّق
سدادها من ذهب ... وميلها من ورق «٢»
وقال شاعر يصف البسر الأحمر:
أما ترى النّخل حاملات ... بسرا حكى لونه الشّقيقا
كأنّما خوصه عليه ... زمرّد مثمر عقيقا
[وقال ابن «٣» المعتزّ] :
كقطع الياقوت يانعات ... بخالص التّبر مقمّعات
[وقال فى «٤» الأصفر] :
أما ترى البسر الّذى ... قد حاز كلّ العجب
كيف غدا فى لونه ... كعاشق مكتئب
مكاحل من فضّة ... قد طليت بالذّهب
стр. 3757
ووصفوا الرّطب والتّمر- فمن ذلك ما قاله محمد بن شرف القيروانىّ:
ومطبوخ بغير عقيد «١» نار ... عزمت على جناه بآبتكار
توابيت تبدّت من عقيق ... مقمّعة بمسبوك النّضار
ترى لصفاء جوهرها نواها ... كألسنة العصافير الصّغار
وقال ابن الرّومىّ:
بعثت ببرنىّ «٢» جنىّ كأنّه ... مخازن تبر قد ملئن من الشّهد
مختّمة الأطراف تنقدّ قمصها ... عن العسل الماذىّ «٣» والعنبر الهندى
تنقّل من خضر الثياب وصفرها ... الى حمرها ما بين وشى الى برد
فكم لبثت فى شاهق لا ترى به ... ولا تجتنى باللّحظ إلّا من البعد
ألّذ من السّلوى وأحلى من المنى ... وأعذب من وصل الحبيب على الصّمدّ
وقال محمد بن شرف القيروانىّ [فى التّمر «٤» ] :
أما ترى التّمر يحكى ... فى الحسن للنّظّار
مخازنا من عقيق ... قد قمّعت بنضار
كأنّما زعفران ... فيه مع الشّهد جارى
يشفّ مثل كئوس ... مملوءة من عقار
стр. 3758
[وحيث «١» ] انتهينا من وصف النخل وثمرته على اختلافها إلى ما وصفناه فلنذكر أعجوبة نقلها محمّد بن علىّ «٢» بن يوسف بن جلب راغب فى تاريخ مصر فى حوادث سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة فقال: اتّفق يوم النّوروز «٣» فى هذه السنة لسبع خلون من شهر ربيع الأوّل، فأكل الناس الرّطب قبل النّوروز، ولم يبق فى النّخل شىء من الرّطب، ثمّ حمل النّخل حملا ثانيا، فأكل الناس البلح والبسر مرّة ثانية؛ ولم يتّفق مثل هذا فى سنة من السّنين، ولا سمع فى تاريخ إلى وقتنا هذا.
ولنصل ذكر النخل بما يشبهه، وهو النّارجيل والفوفل والكاذىّ والخزم.
فأمّا النّارجيل
- ويسمّى الرّانج، وسمّاه ابن سينا الجوز الهندىّ، وهو المشهور من أسمائه على ألسنة العوامّ- فهى نخلة طويلة تميل بمرتقيها حتّى تدنيه من الأرض للينها، ولها أقناء، يكون فى القنو الكريم ثلاثون نارجيلة، ولها لبن يسمّى
стр. 3759
الأطواق «١» ، يشرب، حلو، يسكر سكرا معتدلا؛ وأهل الهند يصنعون من النّارجيل الرّطب سكّرا، إلّا أنّه لا ييبس ويكون كالرّمل «٢» .
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فيه: جيّده الطرىّ الشديد البياض؛ ويجب أن يؤخذ عنه قشر لبّه. قال: وطبعه حارّ فى أوّل الثانية، يابس فى الأولى، وفيه رطوبة فضليّة؛ والرّطب منه رطب فى الأولى. وقال فى أفعاله وخواصّه: هو ثقيل، غير ردىء الغذاء؛ وقشر لبّه لا ينهضم. قال: ويجب ألّا يتناول عليه الطعام إلّا بعد ساعة؛ ودهنه الطرىّ أفضل كيموسا من السّمن، ولا يلزج المعدة؛ ودهنه للبواسير، وخصوصا دهن العتيق منه، لا سيّما مع دهن المشمش مشروبا من كلّ واحد مثقال.
وقال كشاجم يصفه:
وذات قشر أسود حشوها ... كافورة موموقة المنظر
قد نشرت فى رأسها وفرة ... تسترها عن ناظر المبصر
كأنّها جمجمة ألبست ... ذوائبا من خالص العنبر
وأمّا الفوفل
- فقال أبو حنيفة: هى نخلة مثل نخلة النّارجيل، تحمل كبائس فيها الفوفل مثل التّمر، فمنه أسود، ومنه أحمر. وقال الشيخ الرئيس: قوّة الفوفل قريبة من قوّة الصّندل؛ وهو مبرد بقوّة، قابض؛ وهو جيّد للأورام الحارّة الغليظة؛ وموافق لمن به التهاب فى عينه.
стр. 3760
وأمّا الكاذىّ «١»
- فقال «٢» : هى نخلة، إلّا أنّها لا تطول طول النّخل، فاذا أطلعت الطّلعة قطعت قبل أن تنشقّ، ثمّ تلقى فى الدّهن، وتترك حتّى يأخذ الدّهن رائحتها، فيتطيّب به، فإن تركت الطّلعة حتّى تنشقّ صار بلحا، ويتناثر ولم توجد له رائحة.
وأمّا الخزم «٣»
- فقال «٤» : هو شجرة كالدّوم، له أقناء وبسر أسود إذا أينع إلّا أنّه مرّ عفص لا يأكله الناس؛ وتتّخذ من خوصه وعسبه «٥» الحبال، فلا يكون شىء أقوى منها.
وأمّا الزّيتون وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: الزّيتون يغذو قليلا؛ وورق البرّىّ جيّد للدّاحس «٦» ، ويمنع العرق مسحا؛ وصمغ البرّىّ ينفع من
стр. 3761
الجرب المتقرّح والقوابى «١» ، وينفع الغشاوة والبياض، ويجلو العين ووسخ قروحها ويخرج الجنين.
وماء الزّيتون المملّح يحقن به لعرق النّسا؛ وورقه يطبخ بماء الحصرم حتّى يصير كالعسل، وتطلى به الأسنان المتأكّلة فينفعها «٢» ؛ وعصارة ورقه للجحوظ.
قال: والزّيتون الأسود مع نواه من جملة البخورات للرّبو وأمراض الرئة؛ والزّيتون الغليظ المملوح يثير الشهوة، ويقوّى المعدة، ويولّد كيموسا قابضا؛ والمخلّل أقبل الجميع للهضم وأسرعه.
وقال ابن وكيع يصفه:
انظر إلى زيتوننا ... فيه شفاء المهج
بدا لنا كأعين ... شهل «٣» وذات دعج
مخضرّه زبرجد ... مسودّه من سبج «٤»
وأمّا الخرنوب وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: أصلحه الخرنوب الشامىّ المجفّف؛ وهو قابض، والرّطب منه مطلق. قال: واذا دلكت الثآليل
стр. 3762
بالخرنوب النّبطىّ الفجّ دلكا شديدا أذهبها ألبتّة؛ والمضمضة بطبيخه جيّدة لوجع الأسنان؛ والرّطب من الشامىّ ردىء «١» للمعدة لا ينهضم؛ واليابس أبطأ انهضاما. قال:
والجلوس فى طبيخه يقوّى المعدة «٢» ؛ وفيه إدرار؛ والنّبطىّ نافع من سيلان الطّمث المفرط أكلا واحتمالا «٣» . وقال جالينوس: ليت «٤» هذه الشجرة لم تجلب إلى بلاد «٥» أخرى. وحكى أنّ سليمان ﵇ كان من عادته أن يعتكف فى البيت المقدّس المدد الطّوال، وكانت تخرج له فى كلّ يوم من محرابه شجرة، فيسألها عن اسمها فتخبره، فخرجت له شجرة الخرنوب، فسألها عن اسمها، فأخبرته، فبكى، وقال:
نعيت إلىّ نفسى؛ فقيل له فى ذلك، فقال: الخرنوب خراب؛ ومات بعد ذلك بقليل؛ وقال شاعر فيه:
لمّا أتى الخرنوب فى طبق ... حنّت اليه النّفوس والمهج
كأنّه فى كمال حالته ... حبّ عقيق أصدافها سبج
стр. 3763
وأمّا الإجّاص «١» وما قيل فيه
- فقال أبو بكر بن وحشيّة فى توليده:
إن خلطتم اليبروح «٢» بورق العنّاب ومثل نصف وزن اليبروح كندسا «٣» ، وزرعتموه فى أىّ البلاد، خرج عن ذلك شجر الإجّاص الحامض؛ وإن أردتموه حلوا فاخلطوا مع اليبروح خمير دقيق الشعير والحنطة مختلطين، وقد طال اختمارهما حتى حمضا، فإنّه يخرج عنه شجر الإجّاص الحلو، وذلك بعد أن يخلط بما تقدّم، ومن الخمر الحديث برطل.
وقال الشيخ الرئيس فى الإجّاص: البستى منه أقوى من الأسود، والأصفر أقوى من الأحمر، والأبيض الكبير «٤» ثقيل قليل الإسهال، والأرمنىّ أحلى الجميع
стр. 3764
وأشدّه إسهالا، وأجوده الكبار السّمينة؛ وطبعه بارد فى أوّل الثانية رطب فى آخرها. وقال فى أفعاله وخواصّه: صمغه ملطّف قطّاع مغرّ؛ وفى الدّمشقىّ عقل وقبض عند ديسقوريدس؛ وقال «١» جالينوس: والذى لم ينضج فيه قبض وغذاؤه قليل، وليؤكل قبل الطعام، ويشرب المرطوب بعده ماء العسل والنّبيذ وصمغه ملحم للقروح، وبالخلّ يقلع القوباء. وخاصّة إن كان معه عسل أو سكّر وخصوصا فى الصّبيان؛ وورقه اذا تمضمض بمائه منع من النوازل الى اللّوزتين «٢» واللهاة؛ واذا اكتحل بصمغه قوّى البصر؛ والمزّ «٣» منه يسكّن التهاب القلب، وهو أشدّ قمعا للصّفراء؛ والحلو منه يرخى المعدة بترطيبه ويبردها؛ وبالجملة لا يلائمها؛ والحلو منه أشدّ إسهالا للصّفراء؛ والرّطب أشدّ إسهالا من اليابس؛ والدّمشقىّ يعقل البطن عند بعضهم؛ والبرّىّ ما دام لم ينضج جدّا «٤» ففيه قبض إجماعا. وقال جالينوس: إنّ ديسقوريدس أخطأ فى قوله: إنّ الدّمشقىّ يقبض، بل هو مسهل وصمغه يفتّت الحصاة، وماؤه يدرّ الطّمث، وكلّما صغر كان أقلّ إسهالا.
وقال سليمان «٥» بن بطّال الأندلسىّ يصفه:
بعثت ما يندر لكنّه ... فى وصفه النّاعت لم يبرر «٦»
стр. 3765
جيشا من الزّنج ولكنّه ... جيش متى يلقى العدا يقهر
ينفى لك الصّفراء مهزومة ... والزّنج أعداء بنى الأصفر
وقال آخر:
كأنّما الإجّاص فى صبغه ... مسترق فى اللّون صبغ المهج
لم يخط «١» فى لون وفى منظر ... مستحسن الوصف وعرف «٢» أرج
قطائع «٣» العنبر ملمومة ... أو خرزات خرطت من سبج «٤»
وممّا وصف به القراسيا «٥»
- قال شاعر:
وحبوب كأنّها حدق الأع ... ين سود دموعهنّ دماء
مائلات «٦» مثل النّجوم علينا ... فى بروج لها الغصون سماء
واذا ما نثرتها ففصوص ... صبغتها بمائها الظّلماء
من يذقها يذق رضاب غزال ... فهى والخمر فى المذاق سواء
стр. 3766
وأمّا الزّعرور وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: الزّعرور يسمّى مثلّث العجم «١» ، ومنه نوع تسمّيه اليونانيّون هيقيليمون «٢» ، وربّما سمّوه التّفاح البرّىّ؛ وشجره يشبه شجر التّفاح حتّى فى ورقه، إلّا أنّه أصغر منه، عفص الطّعم؛ وهو قابض، يقمع الصّفراء، ويحبس السيلانات أكثر من كلّ ثمرة.
وفى وصفه يقول ابن رافع:
كأنّما الزّعرور لمّا بدا ... فى حسن تقدير ومرأى أنيق
جلاجل مخضوبة عندما «٣» ... أو خرزات خرطت من عقيق
يضوع من ريّاه إمّا هفا ... به نسيم الرّيح مسك فتيق
стр. 3767
وقال أيضا فيه:
انظر إلى زعرورنا المنعوت ... نكهته كالعنبر المفتوت
كأنّه فى الوصف والنّعوت ... بنادق من أحمر الياقوت
وأمّا الخوخ وما قيل فيه
- فالشاميّون يسمّونه الدّراقن-؛ قال الشيخ الرئيس: طبع الخوخ بارد فى أوّل الثانية، رطب فى الأولى دون آخرها، ورطوبته سريعة العفونة؛ وهو مليّن، وفيه قبض ما، وأقبضه المقدّد، وفيه منع للسّيلان؛ والفجّ منه قابض أيضا؛ واذا قطر ماء ورقه فى الأذن قتل الدّيدان؛ ودهنه ينفع من الشّقيقة «١» وأوجاع الأذن الحارّة والباردة؛ والنّضيج منه جيّد للمعدة «٢» ، وفيه تشهية للطّعام؛ ويجب ألّا يؤكل على غيره فيفسد عليه ويفسده، بل يقدّم على الطّعام؛ وقديده بطىء الهضم ليس بجيّد الغذاء. قال: واذا ضمدت بورقه السّرّة قتل ديدان البطن، وكذلك إن شربت عصارة فقّاحه «٣» وورقه؛ والنّضيج منه يليّن البطن؛ والفجّ عاقل. قال: وقد قال بعضهم: إنّه يزيد فى الباه، ويشبه أن يكون ذلك للأبدان الحارّة «٤» .
وأمّا ما وصف به من الشّعر
- فمن ذلك قول شاعر:
فى الخوخ أعجوبة لناظره ... ما مثلها جاء فى الأحاديث
стр. 3768
كأنّه وجنة الحبيب وقد ... أثّر فيها قرص البراغيث
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ:
أهدى الينا الزمان خوخا ... منظره منظر أنيق
من كلّ مخصوصة بحسن ... معناه فى مثلها دقيق
صفراء حمراء مستفيد ... بهجتها «١» التّبر والعقيق
ذات أديمين ذا بهار «٢» ... لمجتنيه، وذا شقيق «٣»
كوجنة ألبست خلوقا «٤» ... فزال عن بعضها الخلوق
стр. 3769
وقال أبو بكر بن القرطبيّة:
وطيّب الرّيق عذب آب فى آب «١» ... وزار مشتملا فى زىّ أعراب
فى مخمل الثّوب لم تخمل رآسته ... بين الفواكه من نقص ولا عاب
خالسته نظرى فآحمرّ من خجل ... ثمّ انثنى معرضا عنّى كمرتاب
من اسمه فيه مقلوبا ومبتدأ ... أربى على اللّوز فى تطريز جلباب
وقال أيضا:
وبنت ندى مخطّطة الأعالى ... بمجمرّ كلون الأرجوان
كوجنة غادة خافت رقيبا ... فغطّتها بمجمرّ البنان
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وخوخة ملء يد الجانية ... تملك لحظ الأعين الرّانيه
مصفرّة الوجنة محمرّة ... كأنّها عاشقة ساليه
وأمّا المشمش وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: أجود المشمش الأرمنىّ، فإنّه لا يسرع إليه الفساد ولا الحموضة؛ واذا أكل المشمش فيجب أن يؤخذ من المصطكا والأنيسون بالسويّة وزن درهم أو درهمين فى خمر صرف أو نبيذ زبيب أو نبيذ عسل. قال: وطبعه بارد رطب فى الثانية، ودهن نواه حارّ يابس فى الثانية «٢» ، وخلطه سريع العفونة؛ وهو «٣» يسكّن العطش؛ ودهن نواه ينفع
стр. 3770
من البواسير؛ وهو يولّد الحمّيات لسرعة تعفّنه؛ ونقيع المقدّد منه ينفع من الحمّيات الحارّة.
وقد وصفه الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول بعض الشعراء:
افدى حبيبا جاءنى متحفا ... بمشمش أحلى من السّكّر
فخلته حين تأمّلته ... بنادقا من ذهب أحمر
وقال ابن وكيع:
بدا مشمش الأشجار يذكو شهابه ... على خضر أغصان من الرّىّ ميّد
حكى وحكت أشجاره فى اخضرارها ... جلاجل تبر فى قباب زبرجد
وقال ابن رشيق:
كأنّما المشمش لمّا بدت ... أشجاره وهو بها يلتهب
خضر قباب الملك حفّت بها ... جلاجل مصقولة من ذهب
وقال ابن المعتزّ:
ومشمش بان منه أعجب العجب ... يدعو النفوس الى اللّذّات والطّرب
كأنّه فى غصون الّدوح حين بدا ... بنادق خرطت من خالص الذّهب
وقال ابن الرّومىّ:
قشر من الذّهب المصفّى حشوه ... شهد لذيذ طعمه للجانى
ظلنا لديه ندير فى كاساتنا ... خمرا تشعشع «١» كالعقيق القانى
وكأنّما الأفلاك من طرب بنا ... نثرت كواكبها على الأغصان
стр. 3771
وقال أيضا يذمّه:
اذا ما رأيت الدّهر بستان مشمش ... فأيقن يقينا أنّه لطبيب
يغلّ له ما لا يغلّ لربّه ... يغلّ مريضا حمل كلّ قضيب
وأمّا العنّاب وما قيل فيه
- فقال أبو بكر بن وحشيّة فى توليده: وإن أردتم العنّاب الكبار فخذوا بطّيخة هنديّة فقوّروا رأسها من جهة الرأس، واحشوا اليبروح «١» فيها، وأعيدوا القوارة فى موضعها، وصبّوا اللّبن الحامض بزبده عليها وازرعوها فى الأرض، وعمّقوا لها الحفر قليلا، واسقوها فى أوّل زرعها، فإنّها تخرج شجرة تحمل عنّابا كبارا كأمثال الإجاص اللّطيف.
وقال الشيخ: أجود العنّاب أعظمه؛ وطبعه بارد إلى الأولى معتدل فى اليبوسة والرطوبة، وهو إلى قليل رطوبة؛ وينفع حدّة الدّم الحارّ. قال: أظنّ ذلك لتغليظه «٢» الدّم، وتلزيجه إيّاه. قال: والّذى يظنّ من أنّه يصفّى الدّم ويغسله ظنّ لست أميل اليه؛ وغذاؤه يسير، وهضمه عسير. قال: والقول الجيّد فيه ما قاله جالينوس:
«ما وجدت للعنّاب فى حفظ الصّحّة ولا إزالة المرض أثرا، لكن وجدته عسير الهضم، قليل الغذاء» . قال الشيخ: والعنّاب ينفع الصّدر والرّئة، وهو ردىء للمعدة. وقيل: إنّه نافع لوجع الكلية والمثانة؛
وقد وصفه الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول ابن القرطبيّة:
أما ترى شجر العنّاب موقرة ... بكلّ أحمر لمّاع من الخرز
стр. 3772
وقد تدلّت به الأغصان مائلة ... مثل العثا كيل من صدر إلى عجز
وقد حمته عن الأيدى أسنّتها ... حذار مفترس أو خوف منتهز
وقال أبو طالب المأمونىّ:
يروقنى العنّاب ... فبى اليه انصباب «١»
اذ لاح لى منه أطرا ... ف من أحبّ الرّطاب
يحكى فرائد درّ ... لها العقيق إهاب
وقال ابن رافع:
أحبب بعنّاب بدا أنيق ... كمثل لون وجنة المعشوق
أو خرز لمّت من العقيق ... أو كقلوب الطّير فى التحقيق
جاءت بها شغواء «٢» رأس نبق «٣» ... كأنّما اشتقّ من الشّقيق
أو كان يسقى بجنى الرّحيق ... أحلى من السّكّر فى الحلوق
فى نكهة العنبر والمخلوق
وقال أيضا فيه:
كأنّما العنّاب لمّا بدا ... يلوح فى أعطاف غصن أنيق
تطريف من تطريفها من دمى ... أو خرزات خرطت من عقيق
أو كقلوب الطّير جاءت بها ... أفراخها شغواء فى رأس نيق
وقال فيه:
كأنّما العنّاب فى دوحه ... لمّا تناهى حسنه واستتم
أقراط ياقوت تبدّت لنا ... أو انمل قد طرّفت بالعنم
стр. 3773
وأمّا النّبق وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس: الرّطب من النّبق واليابس فيهما تجفيف وتلطيف؛ ودخان السّدر شديد القبض؛ والنّبق قابض وخصوصا سويقه «١» ، ويمنع تساقط الشّعر، ويطوّله، ويقوّيه، ويليّنه؛ وورق السّدر يليّن الورم الحارّ ويحلّله؛ وينفع من الرّبو وأمراض الرّئة؛ وهو مقوّ للمعدة عاقل للطبيعة؛ وينفع من نزف الحيض والطّمث، ومن قروح الأمعاء، خصوصا سويقه؛ وينفع من الإسهال الكائن بسبب ضعف المعدة. قال: والسّدر يحتقن بطبيخه، ويشرب لهذه العلل، ولسيلان الرّحم.
وقد وصفه الشعراء وشبّهوه
- فمن ذلك قول شاعر:
وأشجار نبق قد تكامل حسنها ... أتت بغريب فى الثّمار بديع
فمن أحمر قان وأصفر فاقع ... ويانع مخضرّ كزهر ربيع
[وقال آخر] :
وسدرة كل يوم ... من حسنها فى فنون
كأنّما النّبق فيها ... وقد بدا للعيون
جلاجل من نضار ... قد علّقت فى الغصون
وقال كشاجم من أبيات:
فى ظلّ سدر مثمر دانى العذب ... فيه لأنواع من الطّير صخب
اذا الرّياح زعزعت تلك الشّعب ... أهدى لنا بنادقا من الذّهب
стр. 3774
وقال عبد الله بن المعتزّ:
انظر إلى النّبق الّذى ... فيه الشّفاء لكلّ ذائق
فكأنّه فى دوحه ... واللّيل ممدود السّرادق
ذهب تبهرجه الصّيارف ... صار حبّا للمخانق «١»
وقال أبو الفرج الببغاء:
انظر إلى النّبق البديع المنظر ... الطّيّب الرّيح اللّذيذ المخبر
أحلى مذاقا من مذاق السّكّر ... كخرز من كهرباء أصفر
стр. 3775
الباب الثالث من القسم الثانى من الفنّ الرابع فيما ليس لثمره قشر ولا نوى
ويشتمل هذا الباب على ثمانية أصناف، وهى العنب والتّين والتّوت والتّفّاح والسّفرجل والكمّثرى واللّفّاح والأترجّ
فأمّا العنب وما قيل فيه
- فشجرة العنب: الكرمة، والجمع كرم وكروم. والجفنة: الكرمة؛ ويقال فيها: الجفنة بفتحتين «١» . ويقال للقضيب منها: الحبلة وقيل: الحبلة، أصل الكرمة: والقضيب: السّرغ بغين معجمة، والجمع سروغ، رواه أبو عمرو عن ثعلب؛ وقال أبو بكر: السّرغ بعين غير معجمة: قضيب من قضبان الكرم. وفى القضيب الأبنة، والجمع أبن، وهى العقد التى تكون فيه. فاذا أخرج القضيب ورقه قيل: قد أطلع. فاذا ظهر حمله قيل: قد أحثر «٢» وحثر. فاذا صار حصرما قيل: حصرم؛ ويقال للحصرم: الكحب، الواحدة كحبة؛ ولما تساقط من العنب: الهرور. فاذا اسودّ نصف حبّه «٣» قيل: شطّر تشطيرا. فإذا اسودّت الحبّة إلّا دون نصفها قيل: قد حلقم يحلقم. فاذا اسودّ بعض حبّه قيل: قد أوشم
стр. 3776
إيشاما؛ ولا يقال للعنب الأبيض: أوشم. فاذا فشا فيه الإيشام قيل: قد أطعم.
فاذا أدرك غاية الإدراك قيل: ينع وأينع وطاب. والعنقود معروف ما دام عليه حبّه. فاذا أكل فهو شمراخ. ويقال لمعلق الحبّ من الشّمراخ: القمع؛ ويقال اذا جنى: قد قطف قطافا. فاذا يبس، فهو الزّبيب والعنجد «١» . والقطف: العنقود؛ وفى التنزيل: (قطوفها دانية) .
قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: الأبيض أحمد من الأسود اذا تساويا فى سائر الصّفات من المائيّة والرّقّة والحلاوة وغير ذلك؛ والمتروك بعد القطف يومين أو ثلاثة خير من المقطوف فى يومه.
وأمّا طبعه
- فإنّ قشره بارد يابس بطىء الهضم؛ وحشوه حارّ رطب؛ وحبّه بارد يابس؛ والمقطوف منه فى الوقت ينفخ؛ والمعلّق حتّى يضمر قشره جيّد الغذاء، مقوّ للبدن؛ وغذاؤه شبيه بغذاء التّين فى قلّة الرّداءة وكثرة الغذاء، وان كان أقلّ من غذاء التّين؛ والنّضيج أقلّ ضررا من غير النّضيج؛ واذا لم ينهضم العنب كان غذاؤه فجّا نيئا؛ وغذاء العنب بحاله أكثر من غذاء عصيره، ولكنّ عصيره أسرع نفوذا وانحدارا. قال: والزّبيب صديق الكبد والمعدة؛ والعنب والزّبيب بعجمهما جيّد «٢» لأوجاع المعى؛ والزّبيب ينفع الكلى والمثانة؛ والعنب المقطوف فى الوقت يحرّك البطن وينفخ؛ وكلّ عنب فإنّه مضرّ للمثانة؛ والله أعلم.
стр. 3777
وأمّا ما وصفت به الكروم والأعناب نظما ونثرا
- فمن ذلك ما قاله مؤيّد الدّين الطّغرائىّ:
وكرمة أعراقها فى الثّرى ... بعيدة المنزع والمضرب
كريمة تلتفّ أغصانها الغضّة ... بالأقرب فالأقرب
تمتاح من قعر الثّرى ريّها ... أشطانها «١» عفوا «٢» ولم تجذب «٣»
ألقحها الرّيح وصوب الحيا ... والشمس فى المشرق والمغرب
فأعقبت حائلها «٤» بعد ما ... عاشت زمانا وهى لم تعقب
ووضعتها «٥» نخبا تنتمى ... الى أب أكرم به من أب
وألحفتها خضر أوراقها ... مغذوّة بالحلب الأعذب
وأسلمتها الشمس من صبغة ... التلويح للأغرب «٦» فالأغرب
فمهرت فيها «٧» وجاءت بما ... يبهر من مستحسن معجب
стр. 3778
وبدّلت خضر عناقيدها ... بالأدهم اليحموم «١» والأشهب
واستسلفت ماء وجاءت به ... مدامة كالقبس الملهب
ولم تزل بالرّفق حتّى اكتسى ... لجينها من صبغها المذهب
فالأشقر المنتوج من نسلها ... سليل ذاك الأشهب المنجب
ترى الثّريّا من عناقيدها ... تلوح فى أخضر كالغيهب
ألقابها شتّى وألوانها «٢» ... متّفقات النّجر والمنصب
كم درّة فيها وكم جزعة «٣» ... صحيحة التّدوير لم تثقب
كأنّما الحالك منها لدى ... أبيضها اللامع كالكوكب
جيلان «٤» من زنج وروم غدت ... فى جنن خضر لها تختبى «٥»
كأنّما تحمل حبّاتها ... أكارع النّغران «٦» بالمخلب
أطيب بها حلّا «٧» ومحظورة ... فى كرمها أو كأسها أطيب
стр. 3779
وقال آخر «١» :
رحنا إلى حديقة ... بكلّ حسن محدقه
كأنّما عنقودها ... زنج جنوا فى سرقه
فأصبحت رءوسهم ... على الذّرا معلّقه
وقال ابن المعتزّ:
ظلّت عنا قيدها يخرجن من ورق ... كما احتبى الزّنج فى خضر من الأزر
وقال النّاجم:
معرّش للكروم منتشر ... أوراقه الخضر دون مرآها
فكلّ كرم هو السماء دجى ... وكلّ عنقوده «٢» ثريّاها
وقال الرّفّاء:
يحملن «٣» أوعية المدام كأنّما ... يحملنها بأكارع النّغران «٤»
وقال الصّاحب بن عبّاد:
وحبّة من عنب قطفتها ... تحسدها العقود فى التّرائب
كأنّها من بعد تمييزى لها ... لؤلؤة قد ثقبت من جانب
وقال ابن المعتزّ:
وحبّة من عنب ... من المنى متّخذه
كأنّها لؤلؤة ... فى بطنها زمرّذه
стр. 3780
وقال البادنىّ «١» :
وعناقيد تراها ... اذ تمايلن مميلا
ركّبت فيها لآل ... لم تثقّب فتزولا
وقال عبد المحسن الصورىّ يصف عنبا أهدى إليه وهو مغطّى بورقه:
جاءنا منك تحفة أنا «٢» منها ... أبدا فى تضاعف السّرّاء
عنب أسود كأنّ عليه ... حللا من حنادس الظّلماء
خلته فى خلال أوراقه الخض ... ر ولون اسوداده والصّفاء
كقموع «٣» على أنامل خود ... لحن من كمّ لاذة «٤» خضراء
وقال ابن الرومىّ يصف العنب الرّازقىّ «٥» :
كأنّ الرازقىّ وقد تباهى ... وتاهت بالعناقيد الكروم
قوارير بماء الورد ملآى ... تشفّ ولؤلؤ فيها يعوم
стр. 3781
وتحسبه من العسل المصفّى ... اذا اختلفت عليك به الطّعوم
فكلّ مجمّع منه ثريّا ... وكلّ مفرّق منه نجوم
وقال فيه أيضا:
ورازقىّ مخطف «١» الخصور ... كأنّه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكا إلى الشّطور ... وفى الأعالى ماء ورد جورى «٢»
لم يبق منه وهج الحرور ... إلّا ضياء فى ظروف نور
له مذاق العسل المشور «٣» ... ورقّة الماء على الصّدور
ونفحة «٤» المسك مع الكافور ... لو أنّه يبقى على الدّهور
قرّط آذان الحسان الحور ... بلا فريد وبلا شذور
وقال أبو الوليد بن زيدون وقد أهداه:
قد بعثناه ينفع الأعضاء ... حين يجلو بلطفه السّخناء «٥»
جاء يزهى بمستشفّ رقيق ... خدع العين رقّة وصفاء
تنفذ العين منه فى ظرف نور ... ملأته أيدى الشّموس ضياء
اكسبته الأيّام برد هواء ... فهو جسم قد صيغ نارا وماء «٦»
منظر يبهج القلوب وطعم ... يسكر النفس شهده استمراء
стр. 3782
فضل السابق المقدّم فى السّنخ «١» ... فأزرى بطعمه إزراء
غير أنّى بعثت هذا غذاء ... يشتهيه الفتى وذاك دواء
ملطف يبرد المزاج اذا جا ... ش بحرّ ويقمع الصفراء
ومعين لواصل الصّوم يسرى ... برده فى الحشا ويروى الظّماء
فاقبل النّزر شافعا لأياديك ... الّتى بعضها يفوت الثّناء
وقال أبو طالب المأمونىّ يصف الزّبيب الطّائفىّ:
وطائفىّ من الزّبيب به ... ينتقل الشّرب «٢» حين ينتقل
كأنّه فى الإناء أوعية ... من النّواجيد «٣» ملؤها عسل
وأمّا التّين وما قيل فيه
- فقال ابن وحشيّة فى توليده: وإن خلطتم من اليبروح «٤» الرّطب أصلا وفرعا، ومثل وزنه من العسل والشّمع، وزرعتموه فى الأرض كما تزرعون سائر الأشياء، وصببتم عليه وقت زرعه من الماء ما تعلمون أنه قد وصل اليه، ثمّ تركتموه ولم تزيدوه، خرج من ذلك التين الأصفر الشديد الحلاوة؛ وإن خلطتم باليبروح أربع ثومات وبصلة، وسحقتم الجميع، وزرعتموه
стр. 3783
خرج عن ذلك التّين الأسود المتوسّط بين السواد الشديد، والأحمر، وهو الّذى ينفط «١» الفم. وأخبرنى من يرجع إلى قوله ويوثق بنقله من حكّام المسلمين أنّ بثغر الإسكندريّة صنفا من التّين أسود يسمّى الغرابىّ، اذا نضج يكتب بالبياض فربّما وجد فى بعضه مكتوبا اسم الله تعالى؛ وأخبرنى أيضا أنّه رأى ذلك كثيرا؛ وأخبرنى أنّه أخبر من ثقات أنّه فيه ما يوجد مكتوبا عليه: (لا إله إلّا الله محمد رسول الله) ؛ وسألته: هل يتحيّل على ذلك بشىء؟ فقال: لا، وأنّه خلقة من الله تعالى؛ فسبحان القادر على كلّ شىء.
وأمّا المختار من التّين وما قيل فى طبعه وخواصّه
- فقد قال الشيخ الرئيس: أجود التّين الأبيض ثمّ الأحمر ثمّ الأسود؛ والشديد النّضج منه خيره، وقريب من ألّا يضرّ؛ واليابس محمود فى أفعاله، إلّا أنّ الّدم المتولّد منه غير جيّد إلّا أن يكون مع الجوز فيجود كيموسه، وبعد الجوز اللّوز؛ وأخفّ الجميع الأبيض. وطبعه: الرّطب منه حارّ قليلا؛ ورطبه كثير المائيّة، قليل الدّوائيّة؛ والفجّ منه جلّاء إلى البرد ما هو إلّا لبنه؛ واليابس منه حارّ فى الأولى فى آخرها لطيف. قال: واليابس منه قوىّ الجلاء، منضج محلّل؛ واللّحيم أكثر إنضاجا؛ وفيه تغرية وتقطيع وتلطيف. قال: والتين أغذى من سائر الفواكه؛ وعصارة ورقه قويّة التسخين والجلاء؛ وفيه تليين نافع «٢» يدفع العفونات إلى الجلد. قال:
وفى تناوله تسكين للحرارة؛ ولبنه يجمد الذوائب من الدّماء والألبان، ويذيب الجامد؛ والرّطب منه سريع الغور والنّفوذ فى المعدة وفى البدن. قال: وشراب التّين لطيف
стр. 3784
ردىء الخلط. قال: ولقضبان التّين من اللّطافة ما يهرّئ اللّحم إذا طبخ بها؛ وفى الجمّيز قوّة جاذبة من عمق البدن وتحليل لما جذب. قال: والفجّ منه يطلى به، ويضمد به على الخيلان «١» والثّآليل «٢» وأصنافها والبهق، وكذلك ورقه؛ وتناوله يصلح اللّون الفاسد، وينضج الدّماميل. قال: ولبن الجمّيز وعصارة ورقه يقلعان آثار الوشم وبقيروطىّ «٣» على شقاق «٤» البرد. قال: وتضمد به الأورام الصّلبة، وبالجميّز مطبوخا مع دقيق الشّعير؛ والفجّ منه على البهق؛ وينضج الدّماميل، ويجذب رطبه الحصف «٥» ؛ وطبيخه ينفع لأورام الحلق وأورام أصول الأذنين غرغرة كذلك مع قشور الرّمّان، وللدّاحس «٦» مع الفانيذ «٧» ، ويضرّ اليابس أورام الكبد والطّحال بحلاوته؛ وأمّا اذا كان الورم صلبا لم يضرّ ولم ينفع، إلّا أن يخلط بالملطّفات المحلّلات فينفع جدّا؛
стр. 3785
والجمّيز شديد التحليل للأورام العسرة. قال: وطبيخ التّين برغوة الخردل يطلى به على الحكّة: وورقه ينفع من القوباء؛ وإن استعمل مع قشور الرّمّان أبرأ الدّاحس «١» ، ومع القلقند «٢» لقروح الساقين الخبيثة؛ ولبن الجمّيز ملزق للجراحات. قال ورطب التّين ويابسه ينفع الصّرع «٣» ؛ ويقطر طبيخه مع رغوة الخردل فى الأذن التى بها طنين؛ وينفع لبنه أو عصارة قضبانه قبل أن تورق اذا جعل فى السّنّ المتأكّلة؛ وينفع استعماله على أورام ما تحت الأذن ضمادا؛ والفجّ منه يبرئ قروح الرأس ذرورا؛ ولبنه مع العسل ينفع الغشاوة الرّطبة فى العين وابتداء الماء وغلظ الطّبقات؛ وتدلك بورقه خشونة الأجفان وجربها؛ والرّطب واليابس ينفعان من خشونة الحلق ويوافقان الصّدر وقصبة الرئة، وشراب التّين يدرّ اللّبن؛ وينفع من السّعال المزمن وأوجاع الصّدر؛ وينفع من أورام القصبة والرّئة. قال والتّين يفتّح سدد الكبد
следующие страницы →