← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

الطّيب خمسة مثاقيل، ومن المرّ ستّة مثاقيل، تعمل أقراصا صغارا. قال: وربّما زادوا فيها من القسط «١» والسّوسن درهمين درهمين، فربّما جعلها النساء فى المخانق علاجا من ذفر العرق. قال قوم: إنّه يقطع الثّآليل «٢» كلّها اذا استعمل مسحوقا، وهو ينفع من القروح، ولا سيّما السّحج «٣» بين الأفخاذ وفى المغابن «٤» ، وينبت اللحم فى القروح العميقة «٥»

стр. 3817

وادّعى قوم أنه يخرج السّلّاء «١» والشّوك مسحوقا؛ وهو مسكّن للصّداع رطبه وطبيخ مائه، ودهنه معطّس بل شمّه نفسه؛ وقال قوم: تعطيسه لحبسه البخار، ولعلّ ذلك لتضادّ قوّتيه: الجالية «٢» والمانعة فى الأدمغة الرقيقة الفضول؛ وشمّه نفسه معطّس لمن هو حارّ الدماغ؛ وبزره يشدّ اللّثة؛ وهو يسكّن وجع العين من الحرارة، وكذلك طبيخ يابسه صالح لغلظ الجفون اذا اكتحل به، وكذلك دهنه وعصارته؛ قال: وإنما ينفع من الرّمد اذا قطعت منه زوائده البيض «٣» . قال: واذا تجرّع ماء الورد نفع من الغشى؛ قال: والورد جيّد للكبد والمعدة؛ ومربّاه بالعسل يقوّى المعدة، وهو الجلنجبين «٤» ، ويعين على الهضم؛ ودهن الورد يطفئ التهاب المعدة، وكذلك طلاء المعدة بالورد نفسه؛ وشرابه نافع لمن فى معدته استرخاء؛ قال: وهو يسكّن وجع المقعدة طليا عليها بريشة، ووجع الرحم من الحرارة، وكذلك طبيخ يابسه «٥» ؛ وهو نافع لأوجاع المعى «٦» ، ويحتقن بطبيخه لقروح المعى «٧» ، وشرابه يشرب لذلك؛ قال: والنّوم على المفروش منه يقطع الشّهوة؛ هذا ما قاله الشيخ فى الورد، والذى جرّبته أنا منه أنّ زهر الورد الأصفر يجفّف ويسحق بالملح فيكون دواء جيّدا للجراح يلحمها بسرعة.

стр. 3818

وأمّا ما جاء فى وصف الورد نظما ونثرا - فقال أبو العلاء صاعد الأندلسىّ: ودونك يا سيّدى وردة ... يذكّرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها راسها وقال أبو عبادة البحترىّ: أتاك الربيع الطّلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلّما وقد نبّه النّوروز «١» فى غسق الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما يفتّحه برد النّدى فكأنّما ... يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما وقال محمد بن عبد الله بن طاهر- ويروى لعلّى بن الجهم-: أما ترى شجرات الورد مظهرة ... لنا بدائع قد ركّبن فى قضب كأنّهنّ يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطه شذر من الذهب وقال الناشى: قضب الزبرجد قد حملن شقائقا ... أثمارهنّ قراضة العقيان وكأنّ قطر الطّلّ فى أهدابه ... دمع مرته فواتر الأجفان وقال ابن طاهر- ويروى لابن بسام: أما ترى الورد يدعو للورود الى ... خمر معتّقة فى لونها صهب مداهن من يواقيت مركّبة ... على الزّبرجد فى أجوافها ذهب

стр. 3819

كأنّه حين يبدو من مطالعه ... صبّ يقبّل حبّا وهو يرتقب خاف «١» الملال اذا طالت إقامته ... فظلّ يظهر أحيانا ويحتجب [وقال العماد الأصفهانىّ «٢» ] : قلت للورد ما لشوكك يدمى ... كلّ ما قد أسوته من جراح قال لى هذه الرياحين جند ... أنا سلطانها وشوكى سلاحى وقال آخر: الورد أحسن منظر ... تستمتع الألحاظ منه فاذا انقضت أيّامه ... أتت الخدود تنوب عنه وقال أبو طالب الرّقّىّ: ووردة فى بنان معطار ... حيّت بها فى بديع أسرار كأنّها وجنة الحبيب وقد ... نقّطها عاشق بدينار وقال أبو هلال العسكرىّ: مرّ بنا يهتزّ فى خطوه ... كالغصن «٣» غبّ العارض السارى شممت «٤» فى وجنته وردة ... جاءت من المسك بأخبار

стр. 3820

تلوح فى حمرتها صفرة ... كالخدّ منقوطا بدينار وقال آخر: كأنّما الوردة لمّا بدت ... فى كفّ من أهوى ويهوانى حمرة خدّيه وفى وسطها ... صفرة لونى حين يلقانى وقال آخر: جمع الورد خصالا ... لم تكن فى نظرائه حسن لون جعل الزّه «١» ... رة من تحت لوائه ونسيما عطّر المجلس من فرط ذكائه ... فاذا غاب وولىّ عوّض الناس بمائه وقال آخر: وذى لونين لون المسك فيه ... يروق بحمرة فوق اصفرار كمعشوقين ضمّهما اعتناق ... على حدثان عهد بالمزار وقال الطّغرائىّ: ألم تر أنّ جند الورد وافى ... بصفر «٢» فى مطارده وحمر أتى مستلئما بالشوك فيه ... نصال زمرّد وتراس تبر فجلّى بالسرور هموم قلبى ... وطارد بالنشاط بنات صدرى فما عذرى إذا أنا لم أقابل ... أياديه بسكر أو بشكر

стр. 3821

ومما قيل فى ذم الورد ومدحه - قال ابن الرّومى: يا مادح الورد لا تنفكّ عن غلط ... ألست تنظره فى كف ملتقطه كأنّه سرم بغل حين يخرجه ... عند البراز وباقى الرّوث فى وسطه وقال ابن المعتزّ فى الردّ عليه: يا هاجى الورد لا حيّيت من رجل ... غلطت والمرء قد يؤتى «١» على غلطه هل تنبت الأرض شيئا من أزاهرها ... اذا تحلّت يحاكى الوشى «٢» فى نمطه أحلى وأشهر من ورد له أرج ... كأنّما المسك مذرور على وسطه كأنّه خدّ حبّى حين ملّكنى ... حلّ السراويل بعد الطّول من سخطه وقال العسكرىّ: أفضّل الورد على النرجس ... لا أجعل الأنجم كالأشمس ليس الذى يقعد فى مجلس ... مثل الّذى يمثل فى المجلس وكتب أبو دلف الى عبد الله بن طاهر. أرى ودّكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وحبّى لكم كالآس «٣» حسنا ونضرة ... له زهرة تبقى اذا فنى الورد

стр. 3822

فأجابه ابن طاهر [يقول «١» ] وشبّهت ودّى الورد وهو شبيهه ... وهل زهرة إلّا وسيّدها الورد وودّك كالآس المرير مذاقه ... وليس له فى الطّيب قبل ولا بعد وممّا وصف به الورد الأبيض [قول «٢» ] محمد بن قيس: جاءت بورد أبيض ... شبّهته عند العيان بمداهن من فضّة ... فيها بقايا زعفران وقال السّرىّ الرفّاء: وروض كساه الغيث اذ جاد «٣» دمعه ... مجاسد وشى من بهار «٤» ومنثور «٥» بدا أبيض الورد الجنىّ كأنّما ... تنسّم «٦» للنّاشى «٧» بمسك وكافور كأنّ اصفرارا منه تحت ابيضاضه ... برادة تبر فى مداهن بلّور

стр. 3823

وقال ابن المعتزّ: أتاك الورد مبيضّا مصونا ... كمعشوق تكنّفه صدود كأنّ وجوهه لمّا توافت ... بدور فى مطالعها سعود بياض فى جوانبه احمرار ... كما احمرّت من الخجل الخدود وممّا وصف به الأصفر قول شاعر: رعى الله وردا غدا أصفرا ... بهيّا نضيرا يحاكى النّضارا وسقّى غصونا به أثمرت ... وحمّلن منه شموسا صغارا وقال الطّغرائىّ: شجرات ورد أصفر بعثت «١» ... فى قلب كلّ متيّم طربا سبكت «٢» يد الغيم اللّجين لها ... وكسته صبغا مونقا عجبا من «٣» ذا رأى من قبلها شجرا ... سقى اللّجين فاثمر الذّهبا خرطت «٤» نهود زبرجد حملت ... أجوافها من عسجد لعبا فاذا الصّبا فتقت كمائمها ... سحرا وماد الغصن وانتصبا شبهتها بخريدة طرحت ... فى الخضر من أثوابها لهبا «٥»

стр. 3824

وممّا وصف به الورد الأزرق - قال بعض الشعراء وقد وصف بستانا: وبه وارد من الورد قد أينع ... فى رقّة الهواء اللّطيف شبّهوه بدمعة العاشق الآ ... لف نالته جفوة من أليف فهو يحكيه رقّة ومثال ال ... قرص «١» لونا فى خدّ ظبى تريف «٢» ورق أزرق كزرق يواقيت ... تطلّعن من لجين مشوف «٣» ومما قيل فى الورد الأسود قول «٤» مؤيّد الدّين الطّغرائىّ «٥» : لله أسود ورد ظلّ يلحظنا ... من الرّياض بأحداق اليعافير «٦» كأنّها وجنات الزّنج نقّطها ... كفّ الإمام «٧» بأنصاف الدّنانير

стр. 3825

وقال آخر فيه: وورد أسود خلناه لمّا ... تنشّق نشره ملك الزّمان مداهن عنبر غضّ وفيها ... بقايا من سحيق الزعفران وأما ما جاء فيه نثرا - فقال أبو حفص عمر بن برد الأصغر رسالة قدّم فيها الورد على سائر الرّياحين، وهى رقعة خاطب بها ابن جهور: أمّا بعد يا سيّدى ومن أنا أفديه، فإنّه ذكر بعض أهل الأدب المتقدّمين فيه، وذوى الظّرف المعتنين بملح معانيه؛ أنّ صنوفا من الرّياحين، وأجناسا من نوار البساتين، جمعها فى بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها، وهاجس هجس فى ضمائرها، لم يكن لها «١» بدّ من التفاوض فيه والتّحاور، والتحاكم من أجله والتناصف؛ وأجمعت على أنّ ما ثبت فى ذلك من العهد، ونفذ من الحلف؛ ماض على من غاب شخصه، ولم يئن «٢» منها «٣» وقته؛ فقام قائمها فقال: يا معشر الشّجر، وعامّة الزّهر؛ إن اللّطيف الخبير الّذى خلق المخلوقات، وذرأ «٤» البريّات؛ باين بين أشكالها وصفاتها، وباعد بين منحها وأعطياتها، فجعل عبدا وملكا، وخلق قبيحا وحسنا؛ فضّل على بعض بعضا حتى اعتدل بعدله الكلّ، واتّسق على لطف قدرته الجميع؛ وانّ لكلّ واحد منها جمالا فى صورته، ورقّة فى محاسنه، واعتدالا فى قدّه، وعبقا فى نسيمه، ومائيّة فى ديباجته؛ قد عطفت علينا الأعين، وثنيت إلينا الأنفس، وزهت بمحاضرتنا المجالس؛ حتّى سفرنا بين الأحبّة، ووصلنا أسباب القلوب، وتحمّلنا لطائف

стр. 3826

الرّسائل، وصيغ فينا القريض، وركّبت فى محاسننا الأعاريض، فطمح بنا العجب، وازدهانا الكبر، وحملنا تفضيل من فضّلنا، وإيثار من آثرنا، على أن نسينا الفكر فى أمرنا، والتمهيد لعواقبنا، والتّطييب لأخبارنا؛ وادّعينا الفضل بأسره، والكمال بأجمعه؛ ولم نعلم أنّ فينا من له المزيّة علينا، ومن هو أولى بالرآسة منّا؛ وهو الورد الذى إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا، ولم نسبح فى بحر عمانا، ولم نمل مع هوانا؛ دنّا له، ودعونا اليه؛ فمن لقيه منّا حيّاه بالملك؛ ومن لم يدرك زمن سلطانه، ودولة أوانه؛ اعتقد ما عقد عليه، ولبّى الى مادعى اليه؛ فهو الأكرم حسبا، والأشرف زمنا؛ إن فقد عينه لم يفقد أثره، أو غاب شخصه لم يغب عرفه؛ وهو أحمر والحمرة لون الدّم، والدّم صديق الرّوح؛ وهو كالياقوت المنضّد، فى أطباق الزّبرجد، عليها فريد العسجد؛ وأمّا الأشعار فبمحاسنه حسنت، وباعتدال زمانه وزنت. وفى فصل منها: وكان ممّن حضر هذا المجلس من رؤساء النّوّار والأزهار، النّرجس الأصفر والبنفسج والبهار؛ والخيرىّ- وهو «١» النّمّام- فقال النرجس

стр. 3827

الأصفر: والذى مهّد لى فى حجر الثّرى، وأرضعنى ثدى الحيا؛ لقد جئت «١» بها أوضح من لبّة الصّباح، وأسطع من لسان المصباح؛ ولقد كنت أستر «٢» من التعبّد له، والشغف به، والأسف على تعاقب «٣» الموت دون لقائه؛ ما أنحل جسمى ومكّن سقمى؛ وإذ قد أمكن البوح بالشّكوى، فقد خفّ ثقل البلوى؛ ثمّ قام البنفسج فقال: على الخبير والله [سقطت، أنا والله «٤» ] المتعبّد له، والداعى اليه والمشغوف به، وكفى ما بوجهى من ندب «٥» ؛ ولكن فى التأسّى بك أنس؛ ثم قام البهار فقال: لا تنظرنّ الى غضارة نبتى «٦» ، ونضارة ورقى؛ وانظر إلىّ وقد صرت حدقة باهتة «٧» تشير اليه، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه.

стр. 3828

ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى ثمّ قام الخيرىّ فقال: والّذى أعطاه الفضل دونى، ومدّ له بالبيعة يمينى؛ ما اجترأت قطّ إجلالا له، واستحياء منه، على أن أتنفّس «١» نهارا، أو أساعد فى لذّة صديقا أو جارا، فلذلك جعلت اللّيل سترا، واتّخذت جوانحه كنّا. فلمّا استوت آراؤها قالت: إنّ لنا أصحابا، وأشكالا وأترابا؛ لا نلتقى بها فى زمن، ولا نجاورها فى وطن؛ فهلم فلنكتب بذلك عقدا ينفذ على الأقاصى والأدانى؛ فكتبوا رقعة نسختها: هذا ما تحالف عليه أصناف الشجر، وضروب «٢» الزّهر؛ وسميّها «٣» وشتويّها، وربعيّها وقيظيّها؛ حيث ما نجمت من تلعة «٤» أو ربوة، وتفتّحت فى قرارة «٥» أو حديقة؛

стр. 3829

عند ما راجعت من بصائرها، وألهمت من رشادها، واعترفت بما أسلفت من هفواتها؛ وأعطت للورد قيادها، وملّكته أمرها؛ وعرفت أنّه أميرها المقدّم بخصاله فيها، والمؤمّر بسوابقه «١» عليها؛ واعتقدت له السمع والطاعة، والتزمت له الرّقّ والعبوديّة، وبرئت من كلّ زهر نازعته نفسه المباهاة له، والانتزاء «٢» عليه؛ فى كلّ وطن، ومع كلّ زمان؛ فأيّة زهرة قصّ عليها لسان الأيّام هذا الحلف، فلتتعرّف إرشادها منه «٣» ، وقوام أمرها به؛ [والله أعلم «٤» ] . ومن رسالة لبعض فضلاء أصبهان ممّن ذكرهم العماد الأصبهانىّ فى الخريدة «٥» وصف فيها الرياض والرّياحين، وفضّل الورد على جميعها، وهى رسالة مطوّلة فى هذا النوع وغيره، جاء منها: فى يوم استعار نضارته من عصر الصّبا، واكتسى صحّته من عليل الصّبا؛ ونجمت فيه نجوم الرّبيع، خالية من المقابلة «٦» والتّربيع؛

стр. 3830

وتقابل «١» إشراق زهره ونهاره، فراق يجرى «٢» جداوله وأنهاره؛ وأقبل فيه جيشه بفوارسه وجياده، وعساكره وأجناده، بين رافع لواء زبرجدىّ، وحامل مطرد «٣» عسجدىّ، وصاحب رداء لازوردىّ «٤» ؛ ومعلم «٥» قد أطلق عنانه، ورامح قد خضب سنانه؛ وأخذت الأرض زينتها وزخارفها، ولبست حليتها ومطارفها «٦» ؛ ومادت كثبانها

стр. 3831

بخمائلها، وماست قضبانها فى غلائلها؛ فبرزت بين جبين متوّج، وخدّ مضرّج؛ وصدغ مخلّق «١» ، وخصر ممنطق؛ ونادت الشمس بلسان الجذل: يا بعد ما بين برج الجدى «٢» والحمل ... وفصّل فصل الرّبيع الرياض عقودا ورصّع منها حليّا ... وفاخر بالأرض أفق السّماء فحلّى الثّرى بنجوم الثّريّا ونثر منثوره «٣» ياقوتا ودرّا وزمرّذا، وجمع بين ضدّين: من برد برد وتوقّد جذا؛ فشمخ بالمناكب، على الكواكب؛ وتاه بالضّوج «٤» ، على الأوج؛ وطاول بالاكام علا الرّكام «٥» ؛ فهنالك برز النرجس من بين الرّياحين، وقال: الصمت لا يحمد

стр. 3832

فى كلّ حين؛ ومن لم يفصح بتعريف نفسه، وتفضيل يومه على أمسه، فهو مغبون فى جنسه، أنا حدق الحدائق، ونزهة الرّامق؛ أخطر بين جسد زبرجدىّ، وفرع كافورىّ وعسجدىّ؛ إلىّ ينسب حسن العيون، وعندى يوجد ضعف الجفون: تنافس فىّ نفوس الكرام ... اذا ما أديرت كئوس المدام فأسبى الجليس اذا ما حضرت ... بلحظ الفتاة وقدّ الغلام فأيقظ لمباهلته الأقحوان، وقال: الآن آن ظهورى وحان؛ ما هذه العجرفة والتّباهى! لقد نطقت بعجائب النّواهى؛ وتالله ما صدقت سنّ بكرك «١» ، ولا امتاز عرفك من نكرك؛ فبم تتيه على أقرانك، وتتكبّر على سجرائك «٢» وأخدانك؟! أنسيت تنكيس رأسك بين النّدماء، وإمساك رمقك ببلّة من الماء، وأنّك لا تبيت إلّا موثقا محبوسا، ولا تشمّ إلا صاغرا منكوسا، ولا تستخدم إلّا قائما، ويا سوء يومك اذا أصبحت نائما؟! ألا عطفت علىّ جيد الالتفات، وأشرت إلىّ بأحسن الصّفات، فقلت: لله درّك من زهر كملت محاسنه، وصفا من غديره آسنه، وتبسّم عن مؤشّر «٣» الثغور، وجمع فرعه بين لونى التبر والكافور؛ فتتوّج بالتيجان المشرقه

стр. 3833

المرصّعة بخلاصة النّضار والرّقه «١» ؛ ألم تعلم أنّى فوز المغانى، ونزهة الرانى، ومباسم الغوانى؟ لا يحكم لشاعر بالإحسان، أو ينسب إلىّ حسن ثغور الحسان. أنا زهر الرّبا ونور الرياض ... وعيون ترنو بغير اغتماض لن ترانى إلّا بشاطى غدير ... باسما أو مضاحكا لحياض فشقّ الشقيق عن زفير ووجيب، ولدغه بحمة لسان مجيب، وقال: لقد تجاوزت بنفسك مدى الحدّ، وضربت فى افتخارك بكهام فليل الحدّ؛ أليس ندى الطّلّ يزينك، وإغبابه يشينك؟ ومتى نضب غديرك، بدا تغييرك؛ ما أراك بغير مضاهاة الثغور تفتخر، فهل هى على الحقيقة إلّا عظم نخر؟ بل أنا نزهة الناظر، وبغية الحاضر «٢» ؛ جسدى من قضبان الياقوت، وفرعى من المسك المفتوت. أفوق اذا مست بين الريا ... ض زهوا على مائسات القدود وأفضل لونا وحسنا اذا ... حضرت على حسن لون الخدود فمالت اليه الخزامى «٣» ، وكادت تميل به جذابا والتزاما؛ وقالت: «أسمع جعجعة» ولا أرى طحنا» وقعقعة «٥» ولا أنظر إلّا شنّا، لقد ارتكبت جللا، واستغزرت «٦» غللا؛

стр. 3834

ما أقبح عاقبة العجل، وأقرب الواثق «١» من الخجل! حتّام تنبض «٢» ولا تزمى، وإلام تومض ولا تهمى؟ أبكتمة لونك تفتخر، وبعظم كونك تشمخرّ، ألست الخشن الجلده، الدموىّ البرده، البعيد عن محلّ التقريب والشّمّ، الطريد عن رتبة التقبيل والضّمّ؟ لكن أنا الملبس «٣» المشار اليه، والعطر المنصوص عليه، مدحت بالطّيب واللّون، وتخيّرت للتسربل والصّون؛ وجمّعت منّى الحلل، وتوّجت منّى الكلل. واللّون، وتخيّرت للتسربل والصّون؛ وجمّعت منّى الحلل، وتوّجت منّى الكلل. فضلت على زهر الربيع برتبة ... بها صدق الراوون للشعر إذ قالوا كأنّ الخزامى جمّعت لك حلّة ... عليك بها فى الطّيب واللّون سربال فأنهضت لمعارضتها البنفسج، وألجم جواد مناضلتها وأسرج، وقال: يا ساكنة الشّهباء «٤» ، لقد جئت بالداهية الدّهياء، أضبح «٥» الثعالب، وإرسال «٦» الأرانب، ما يغنى عنك وصف الشعراء، وأنت منبوذة بالعراء؛ بعدت عن محاسن أخلاق البريّة وقربت من مراتع البهائم البرّيّة؛ وحرمت برد نسيم العراق؛ وضعفت «٧» ساقك عن

стр. 3835

حمل ساق؛ إنما أنا نزهة الأمصار، ومسرّة الأبصار؛ وطيب النّفوس، وربيب الكئوس، المحمول على الرءوس، المحبوب الى الرئيس والمرءوس؛ ذو العرق الذكىّ والعرف المسكىّ: رئيس الرّياحين المضيف بلونه ... جمالا الى ورد الخدود المضرّج اذا ما جنان الأرض بالنّور «١» زخرفت ... فتعريفها من طيب زهر البنفسج فغضب لذلك جورىّ «٢» الورد، ووثب لو استطاع وثبة الورد «٣» ؛ ثم قال: أركزا «٤» كأحاديث الضّبع «٥» . وزمجرة كرمجرة السّبع. ذهب بك الشتاء وبرده. وشغل عنك الرّبيع وورده. أطعت هوى النفس الأمّاره، ونطقت بحضرة الإماره؛ وأنت لا تنقضى ساعتك حتّى تربدّ، ولا ينصرم يومك حتى تذبل وتسودّ؛ ثم تستحيل أوراقك، ويفارقك وراقك «٦» . وتشعث قمّتك. وتنزر قيمتك. أتراك لولا قرص الخدود، هل كنت فى الألوان «٧» بمعدود؟. أما علمت أنّى مدعوّ بالأمير المقدّم

стр. 3836

والميمون المقدام. أنا الزائر فى كلّ عام، القادم بمسرّة الخاصّ والعامّ. لا تشرف الأيّام إلّا باسمى؛ ولا تفتخر الأجسام إلّا بمشابهة جسمى؛ فبى يفتن «١» النظر، وأنا السيّد المنتظر. واذا انقضت مدّتى، وقضيت عدّتى. أقصدتنى حنيّة «٢» الفرقة بسهام الفرق، واستولى علىّ والى «٣» الحرق. فولّد تلهّبى رشحا من العرق، قام لهم مقامى. وساوى عندهم بين رحلتى ومقامى؛ يعرّض كلّ وقت بذكرى، ويعرّف لديهم نكرى، ويجدّد عندهم شكرى. أخلّف نفسى عندهم بعد رحلتى ... فسيّان قربى ان تأمّلت والبعد وقد فضّل الكندىّ «٤» بى عند قوله ... فإنّك «٥» ماء الورد إن ذهب الورد ومن انشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانىّ فى شهور سنة ستّ وسبعمائة، رسالة ترجمها (بأنوار السعد، ونوّار المجد، فى المفاخرة بين النّرجس والورد) ، قال: الحمد لله الذى أضحك ثغور الأزهار، بكاء عيون الأمطار، وأنطق خطباء الأطيار، على منابر الاشجار؛ وعقد عليها من النّوّار إكليلا، وأمر الغزالة أن تسلّ عليها عند بروزها من الإبريز سيفا صقيلا؛ حمى حدائقها بأحداق نرجسها، فنمّ لسان النسيم بطيب نفسها؛ أبدع فى تركيب حلّها وعقدها، فثغور

стр. 3837

الأقحوان تقبّل خدود وردها؛ خلخلت سوقها فضلات الجداول، واطّردت أنهارها كالأيم «١» وقد حثّ بأطراف العوامل «٢» ، فحكت المبارد متونا، والحيّات بطونا؛ أحمده على نعمه التى تأرّج نشرها، وبدا على جبين الدهر بشرها؛ حمدا تخضلّ من ترادف سيبها «٣» أغصانه، وتثمر بأنواع السعادة أفنانه؛ وأصلّى على سيّدنا محمد الذى عطّر الكون مسكىّ رسالته، ووطّد القواعد الشرعيّة مرهف بسالته؛ صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما توّجت الغمائم رءوس الرّبا، وسحب ذيل الصّبا على أزهار روضها مهبّ الصّبا؛ وبعد، فإنّ أولى ما وقعت المفاخرة بين غصنين نشآ فى جنّه، وبارقتين تألّقتا فى دجنّه؛ وزهرتين تفتّحتا فى كمامه، وقطرتين صدرتا من غمامه؛ ولمّا كان النرجس والورد قريعى هذه الصّفات، وقارعى هذه الصّفاة، تطاول كلّ منهما الى انه النديم، والخلّ الّذى لا يملّه الحميم؛ طالما عطّر بنشره الأكوان، وغازل بعيونه الغزلان؛ وأنارت شموس سعوده، وقبّلت حمرة خدوده؛ أحببت أن أقيمهما فى موقف المناضلة، وأشخّصهما «٤» فى معرض المفاضلة؛ ليبرهن كلّ منهما على ما ادّعى أنّه فى وطابه، ويبدى شعائر ما تقلّده وتحلّى به؛ فبالامتحان يظهر الزّيف، ولا يقبل الحيف؛ فعندها حدّق النرجس بأحداقه، وقام على قصبة ساقه؛ وتهيأ لمناضلة خصمه، وشرع يبدى شرائع حكمه؛ وقال: أشبهت العيون وأشبهت الخدود فلا فرق، ولقد علمت ما بينهما مثل ما بين القدم والفرق «٥» ؛ فأنا حارس مجلس

стр. 3838

الشراب، والنديم المعوّل عليه بين الأحباب؛ تسمّيت بأحسن الأسامى، فلست لى بمسامى؛ تسمّت بى الحسان، ومست فى حلل مصبّغات الألوان؛ ولو اعتبرت بحمرة خجلك، وتشقيق جيوب حللك؛ ما قمت فى موقف المفاخر، ولا فهت ببنت شفة فى معرض المفاخر؛ فتضرّج خدّ الورد حمره، وأوقد من الغيظ لمناضلته جمره؛ وقال: مت بداء الحسد فقد علاك اصفراره، وأين منك الطّرف كما ادّعيت ولم يبد عليك احوراره؛ صدقت، ولكن أنت أشبه بالعين المخصوصة باليرقان والصفرة المنوطة بالأيهقان «١» ؛ فلقد عشت عيونك السقيمة من أشعّة شموسى ووقفت على قصب ساقك حيث استقرّ كرسىّ جلوسى؛ فأنا دائرة الجمال، المشتملة على قطب الكمال، ربّتنى الدرارىّ «٢» بدرّها، وقلّدتنى نفيس درّها؛ فنشرت أعلامى العقيانيّة على زهرتها، وأشبهت شكلها وحسن زهرتها؛ فهزّ النرجس رماحه الزبرجديّه، فتلقّاها الورد بحجفته «٣» الذهبيّة، وقال «٤» : اردد هذه العقود النفيسة الى هواديها، فقد علم كذبك حاضرها وباديها؛ والطم خدودك حزنا على فوات مقامى وقصورك عن بلوغ مرامى؛ من أين لك مداهن درّ حشوهنّ عسجد؛ لست أبالى

стр. 3839

بنفسك تصوّب أم تصعّد؛ أما ترانى قد نشرت على رماح من زبرجد طالما حرست حمى الرياض، ولبست أحسن اللّباس وهو البياض، وقمت خطيبا على منبر الصّين «١» حمى الرياض، ولبست أحسن اللّباس وهو البياض، وقمت خطيبا على منبر الصّين وقلّدت إمرة الرياحين؟ فأنا ناطر «٢» هذا الفضل، وناظر هذا الفصل؛ سبقتك الى الوجود مكانا «٣» أعدم مكانك، ولم يرض زمانى يجاور زمانك، لبثك «٤» على وجه البسيطة قليل، وحالك- كما علمت- ليس بالجليل؛ تتلوّن كما يتلوّن الغول، من أحمرك وأصفرك وأبيضك المملول «٥» ؛ فلقد رماك ابن الرومىّ بسهام هجائه، وجعلك عرضة لنوائب الدهر ولأوائه «٦» ؛ حيث قال: كأنه سرم بغل حين يخرجه ... الى البراز وباقى الرّوث فى وسطه وحيث مدحنى وقال: أين العيون من الخدود نفاسة ... ورآسة لولا القياس الفاسد فمثل هذه المسبّة لا يضمحلّ أثرها، ولا ينقطع خبرها؛ ولله درّ القائل: النرجس الغضّ له رتبة ... أشبه شىء بالعيون المراض قام على قضبانه مبديا ... فخاره المشهود بين الرياض

стр. 3840

ولو لم أغمض عن مساويك عينى، وأترك للصلح [موضعا «١» ] بينك وبينى، لكنت أبديت أضعاف مساويك، لأننى فى الرتبة غير مساويك؛ فعندها اشتعل الورد من كلامه، وظهر على جسده أثر كلامه؛ وقال: لقد تعدّيت طورك وستعرف جورك وكورك «٢» ؛ لكن قحة العيون مخصوصة بالأنذال، والتجرّى على الملوك من شعائر الجهّال؛ فأنا سلطان الرياحين، وبذلك وقّع لى فى سائر الدواوين؛ كأننى وجنة حبّ وقد نقّطت بدينار، أو أنامل خود عندميّة ضمّت على قراضة نضار؛ أشبهت الشموس شكلا، وفقت البدور مثلا؛ أنظم كما تنظم العقود، وأصل كما يصل الحبيب بعد الصدود، وأمّا افتخارك بالحراسة فهى محلّ الأسقاط، والوظيفة المنوطة بالأنباط؛ وأمّا كونك سبقتنى فهو على حكم الحجبه، والمبشّر بوصولى وإن كان أضمر بغضه لا حبّه؛ فلمّا علم أوان حطّ رحالى حثّ رحاله، وأشاع فى أصحابه ارتحاله؛ وقال: قد أظلّنا وصول ملك لا يجارى، ورئيس لا يبارى؛ وأين زمانك من زمانى، ومكانك من مكانى؟ لا أظهر إلا والثّرى قد اكتسى سندسىّ أديمه وفاح مسكىّ نسيمه؛ وخطبت أطياره، واخضلّت أزهاره؛ وصدحت بلابله، وتأرّجت خمائله؛ واطّردت أنهاره، وتعانقت أغصانه وأشجاره؛ بزغت شموسى فى فلك غياضه، وتكلّل خدّى عرقا من أنداء رياضه؛ فأنا بينها الطّراز المذهّب، والملك المعظّم المهذّب؛ اذا برزت فى لياليك المعتمه، وظهرت فى أراضيك المقتمه؛ وسهرت عيونك فى ليل شتائك «٣» ، وقاسيت برد مائك وطول عنائك؛ ولكم بين الشتاء والربيع، كما بين الرئيس والوضيع؛ يا جبلىّ الطباع، لقد صرّتك «٤» رياحى، وصفّرت

стр. 3841

عينك حمرة خمرة ارتياحى؛ وأمّا ثلبك بقصر مدّتى، وسرعة بلى جدّتى؛ فدليل على عدم عقلك؛ وسقوط معقولك ونقلك؛ أما علمت أنّ المكثر للزيارة مملول، وعقد ودّه محلول؛ لو بقيت الشمس على الدوام، لملّتها أنفس الأنام؛ ولك بذلك عبره، وأنت فى هذا الموطن من أهل الخبره؛ لمّا أقمت ملّك الناشق، ولم يعرّج عليك العاشق؛ ولقد عجبت من رقاعة عصّبت رأسك بالحماقه، وادّعيت شبه العيون وأنت أشبه شىء بصفرة بيض على رقاقه؛ إن ذهبت عينك لم يبق لك أثر، كلّا ولا يوجد لمجدك خبر؛ لكن أنا ان ذهبت عينى فأثرى على أردان الأماجد يفوح، وعلى ممرّ الأعصر يغدو ويروح؛ فأنا أثر بعد عين، فدع عنك التحلّى بالمين؛ ولله درّ القائل: يا حبّذا الورد مذ حيّا بطلعته ... وعطّر الأفق منه نشره العبق كالشمس شكلا ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرّطب فى تضريجه عرق فعميت عيون النرجس من بزوغ أنواره، ونكّست أعلامه الزبرجديّة لنضارة نوّاره؛ فعندها قال الورد: هذه الشقراء «١» والميدان، ان كانت لك خبرة بمبارزة الأقران؛ فلمّا أورده لظى الحرب، ولم يكن من رجال الطّعن والضرب، وألزمه الحجّة، وعرّفه المحجّه؛ وبان بهرجه من إبريزه، وتحقّق موادّ تبريزه؛ دمعت عينه أسفا، على ما أبداه من الجفا؛ ثم قال: ما أنا أوّل من بحث بظلفه عن حتفه وجدع مارن أنفه بكفّه؛ لقد قيل: عادات السادات، سادات العادات؛ وعادة الملك- أدام الله انهمار السّحب على خمائله الذهبيه، وأطلع فى فلك الاعتلاء أنواره الشمسية- الصفح عمّن كثر ندمه، وزلّت قدمه؛ ومن نشر أعلام

стр. 3842

الاستغفار، خليق أن يقبل منه ما يبديه من الاعتذار؛ وما أنا أوّل من هفا ولا أنت أوّل من عفا؛ ليت شعرى، أين حياؤه من وقاحتى، وأين رشاقته من كثافتى؛ الخفارة لائحة عليه، وأمور الرياحين تساق اليه؛ فعندها قال الورد: من شأننا الصفح عما أتيته، فقد جنيت ثمار الندم بما جنيته؛ فكن قرير العين، ولا تعد لمثلها فالمؤمن لا يلدغ «١» من جحر مرتين؛ واحذر أن تطاول من هو أعلى منك محلّه وأبهج فى ارتداء السيادة حلّه؛ والآن فقد تولّد من بياضك وحمرتى اجتماع «٢» ، والتأم شعث أمرنا بعد أن طار شعاع «٣» ؛ أما علمت أنّ الامتحان، يظهر رتبة الإنسان؛ ومن سعادة جدّك، وقوفك عند حدّك؛ فكن لما قلته بالمرصاد، وان عدت لمثلها فترقّب أوّل «٤» النحل وآخر صاد؛ ونسأل الله تعالى أن يهدينا الى الرّشد، وأن يذهب عنا ضغائن الحسد؛ بمنّه وكرمه؛ [انه على ما يشاء قدير، وبالإجابة «٥» جدير] .

стр. 3843

وأما النّسرين «١» وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: طبع النسرين حار يابس فى الثالثة «٢» ؛ وهو منقّ ملطّف، وزهره أخصّ بذلك، وينفع من برد العصب، ويقتل الديدان فى الأذن؛ وينفع من الطّنين والدّوىّ؛ وينفع من وجع الأسنان؛ والبرّىّ تلطخ به الجبهة فيسكّن الصّداع؛ وهو يفتّح سدد المنخرين؛ واذا شرب مع أربع درخميات «٣» سكّن القىء، ويسكّن الفؤاق وخصوصا البرّىّ منه؛ والله أعلم. وأما ما جاء فى وصفه - فقال شاعر [منشدا «٤» ] : أكرم بنسرين تذيع الصّبا ... من نشره مسكا وكافورا ما إن رأينا قطّ من قبله ... زبرجدا يثمر بلوّرا وقال آخر: انظر لنسرين يلوح ... على قضيب أملد كمداهن من فضّة ... فيها برادة عسجد حيّتك من أيدى الغصو ... ن بها أكفّ زبرجد

стр. 3844

وقال عبد الرحمن «١» بن علىّ النحوىّ: زان حسن الحدائق النّسرين ... فالحجا فى رياضه مفتون قد جرى فوقه اللّجين وإلّا ... فهو من ماء فضّة مدهون أشبهته طلى الحسان بياضا ... وحوته شبه القدود غصون وقال آخر فيه ملغزا: ومشموم له عرف ذكىّ ... وفى تصحيفه بعض الشّهور «٢» اذا أسقطت خمسيه تراه ... عيانا فى السماء «٣» وفى الطّيور وأوّله «٤» وآخره سواء ... وباقيه يشحّ به ضميرى وأما البان «٥» وما قيل فيه - فقال أبو على بن سينا فى ماهية البان: حبّه أكبر من الحمّص، الى البياض، وله لبّ ليّن دهنىّ؛ وطبعه حارّ فى الثالثة، يابس

стр. 3845

فى الثانية. وقال: إنه منقّ، خصوصا لبّه، يقطع الأخلاط الغليظة، ويفتّح مع الخلّ والماء سدد الأحشاء. قال: وقشره قابض، ولا يخلو دهنه من قبض وفى جميعه جلاء وتقطيع؛ وحبّه ينفع من البرش والنّمش والكلف والبهق وآثار القروح وكذلك دهنه. [قال «١» : وينفع من الأورام الصّلبة كلّها إذا وقع فى المراهم، ومن الثّآليل «٢» ، وهو بالخلّ ينفع من التقشّر والجرب المتقرّح والبثور اللّبنيّة «٣» ؛ وهو يسخّن العصب، ويليّن التشنّج وصلابات العصب، وخصوصا دهنه] . قال: وينفع من الرّعاف لقبضه، ودهنه يوافق وجع الأذن والدوىّ فيها، خصوصا مع شحم البطّ؛ وطبيخ أصله ينفع من وجع الأسنان مضمضة؛ وهو ينفع من صلابة الطّحال والكبد اذا شرب بخلّ ممزوج وزن درهمين منه؛ والمثقال من حبّه يسهل بلغما خاما «٤» اذا شرب بالعسل، وكذلك دهنه اذا احتملت فتيلة مغموسة فيه.

стр. 3846

وأما ما جاء فى باكورة الخلاف - قال شاعر: أوّل ثغر الربيع مبتسما ... نور خلاف درّ مضاحكه قضبانه القانئات فى لمع ... من لؤلؤ وضح «١» مسالكه بشير صدق جاء الربيع به ... يخبر أن زيّنت ممالكه وقال آخر: عود خلاف أتى وفاقا ... من الملاهى بلا خلاف مرصّع قشره بنور ... ألّف من لؤلؤ ولاف «٢» وقال أبو عبادة البحترىّ «٣» : هذا الربيع كأنما أنواره ... أولاد فارس فى ثياب الروم وترى الخلاف كشارب من قهوة ... ثمل الى شرب المدامة يومى بسط البسيطة سندسا وتبرقعت ... قلل المياه «٤» بلؤلؤ منظوم وقال مؤيّد الدّين الطّغرائىّ: غصون الخلاف اكتست فانبرت ... لها الطير دارسة شدوها مقدّمة لورود الربي ... ع تشخص أبصارنا نحوها أحسّت برحلة فصل الشتا ... فجاءت وقد قلبت فروها

стр. 3847

وقال [آخر، وهو شهاب الدين أحمد، عرف بأبى «١» ] جلنك «٢» الحلبىّ: لله «٣» بستان حللنا دوحه ... فى لذة «٤» قد فتّحت أبوابها والبان تحسبه سنانير رأت ... بعض «٥» الكلاب فنفّشت أذنابها وكتب الصاحب بن عبّاد- وقد أهدى باكورة خلاف- قد نوّرت «٦» لتنوير الخلاف فضائل لا تحصى، ومحاسن يطول أن تستقصى؛ منها أنه أوّل ثغر يتبسم عند الربيع ويضحك، ودرّ يعقد على القضبان ويسلك؛ ولتمايله ادّكار لقدود «٧» الأحباب، وتهييج لسواكن الاضطراب؛ وحمل الىّ قضيب منه ذاته متعادله، ولذّاته متقابله؛ فأنفذته مع رقعتى هذه اليك، وسألت الله أن يعيده ألف حول عليك. قال، وقلت «٨» :

стр. 3848

وقضيب من الخلاف بديع ... مستخصّ بأحسن الترصيع قد نعى شرّة الشتاء الينا ... وسعى فى جلاء وجه الربيع وحكى من أحبّ عرفا وظرفا ... واهتزازا يثير نار الضلوع وأمّا النّيلوفر «١» وما قيل فيه - فقال ابن التلميذ: النّيلوفر اسم فارسىّ معناه النيلىّ الأجنحة، والنيلىّ الأرياش. وربما سمى بالفارسية «٢» اسما معناه كرنب الماء؛ وسماه جالينوس: كرنب الماء؛ وحبّه يسمّى حبّ العروس، وفيه حلاوة. وقال أبو بكر بن وحشيّة فى توليده: ان أخذتم ظلفى الغزال من يديه، وقرنيه جميعا، وطمرتم ذلك فى التراب الندىّ، خرج من ذلك النبات الذى يسمّى شاكريا «٣» ، وهو النّيلوفر، وقال أيضا: وان أخذتم عينى الغزال وقرنيه وظلفا واحدا من يديه، وطمرتم ذلك فى التراب، خرج منه الشاكريا الأزرق؛ فان طمرتم ظلفيه من رجليه وقرنه الأيسر مع كفّ من بعره، خرج منه الشاكريا الأحمر؛ فان نقصتم من هذا أحد ظلفى رجليه، خرج الشاكريا الأصفر. قال: والهند

стр. 3849

تسّميه نينوفر، والنّبط تسمّيه نيلوفريا، والعرب تسميه نيلوفه، والفرس تسميه نيلوفر «١» . وقال الشيخ الرئيس أبو على بن سينا: والنّيلوفر «٢» الهندىّ فى حكم اليبروح «٣» ؛ وأقواه الأبيض الأصل؛ وبزره أقوى من حبّه «٤» . قال: وطبعه بارد رطب فى الثانية «٥» ؛ وشرابه شديد التطفئة، ملطّف جدّا، وأصله بالماء على البهق نافع خصوصا الأسود، وأصله مع الزفت على داء الثعلب «٦» ، وخصوصا الأسود؛ وشرابه جيّد للسّعال والشّوصة «٧» . قال: وأصله ينفع من الأورام الحارّة؛ وأصله وبزره للقروح؛ وأصله ينفع أورام الطّحال شربا وضمادا، وينفع «٨» الاحتلام، ويكسر شهوة

стр. 3850

الباه اذا شرب منه درهم بشراب الخشخاش؛ وهو يجمد المنىّ بخاصيّة فيه، وخصوصا أصله؛ وهو منوّم، مسكّن للصّداع الحارّ الصفراوىّ، لكنّه يضعف؛ وأصله ينفع من الإسهال المزمن وقروح المعى وأوجاع المثانة ضمادا؛ وبزره أقوى فى كل شىء، حتى إنه يمنع نزف الحيض؛ وأصل الأصفر منه وبزره اذا شربا «١» نفعا سيلان الرطوبة المزمنة من الرحم؛ وشرابه مليّن للبطن، نافع من الحمّيات الحارّة، شديد التطفئة «٢» ؛ [والله المستعان «٣» ] . وأمّا ما جاء فى وصفه - فقال أبو بكر الزّبيدىّ «٤» الأندلسىّ: وبركة «٥» أحيا بها ماؤها ... من زهرها كلّ نبات عجيب كأنّ نيلوفرها عاشق ... نهاره يرقب وجه الحبيب حتى اذا الليل بدا نجمه ... وانصرف المحبوب خوف الرقيب

стр. 3851

أطبق جفنيه عسى فى الكرى ... يبصر من فارقه عن قريب وقال آخر «١» : يا حبّذا بركة نيلوفر ... قد جمّعت من كلّ فنّ عجيب أزرق فى أحمر فى أبيض ... كقرصة فى صحن خدّ الحبيب كأنه يعشق شمس الضحى ... فانظره فى الصبح وعند المغيب اذا تجلّت يتجلّى لها ... حتى اذا غاب سناها يغيب يرنو اليها مبصرا يومه ... ولا يحاشى نظرات الرقيب لا يبتغى وجها سوى وجهها ... فعل محبّ مخلص فى حبيب وقال التّنوخىّ «٢» : فكأنّه فى الماء صاحب مذهب ... أغراه وسواس بأن لم يطهر وقال آخر «٣» : كلّنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندى كدبابيس عسجد ... نصبها من زبرجد وقال آخر «٤» : اشرب على بركة نيلوفر ... محمرّة الأوراق خضراء كأنّما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء

стр. 3852

وقال آخر: ونيلوفر صافحته الرياح ... وعانقه الماء صفوا ورنقا تخيّل أوراقه فى الغدي ... ر ألسنة النار حمرا وزرقا وقال آخر: صفر الدّرارى «١» تضمّها شرف ... مفتضح عند نشرها العطر تحملها خيزرانة ذبلت ... ذبول صبّ أذابه الهجر وقال ابن الرومىّ» : يرتاح للنّيلوفر القلب الذى ... لا يستفيق من الغرام وجهده والورد أصبح فى الروائح عبده ... والنرجس المسكىّ «٣» خادم عبده يا حسنه فى بركة قد أصبحت ... محشوّة مسكا يشاب بندّه وكأنّه فيها وقد لحظ الصّبا ... ورمى المنام ببعده وبصدّه مهجور حبّ ظلّ يرفع رأسه ... كالمستجير بربّه من ضدّه وكأنّه إذ غاب عند مسائه ... فى الماء فانحجبت نضارة قدّه صبّ يهدّده الحبيب بهجره ... ظلما فغرّق نفسه من وجده وقال مؤيّد الدّين الطّغرائىّ: ونيلوفر أعناقه أبدا صفر ... كأنّ به سكرا وليس به سكر

стр. 3853

اذا انفتحت أوراقه فكأنّها ... وقد ظهرت ألوانها البيض والصّفر أنامل صبّاغ صبغن بنيله ... وراحتها بيضاء فى وسطها تبر وقال السّرىّ الرّفّاء: وبركة حفّت بنيلوفر ... ألوانه بالحسن منعوته نهاره ينظر عن مقلة ... ساجية الألحاظ مبهوته وإن بدا الليل فأجفانه ... فى لجّة البركة مسبوته كأنّما كلّ قضيب له ... يحمل فى أعلاه ياقوته وقال آخر «١» : وبركة تزهو بنيلوفر ... نسيمه يشبه نشر الحبيب مفتّح الأجفان فى يومه «٢» ... حتى اذا الشمس دنت للمغيب أطبق جفنيه على حبّه ... وغاض فى البركة خوف الرقيب وقال آخر «٣» : تحبّ «٤» الشمس لا تبغى سواها ... وتلحظها بمقلة مستهام اذا غابت تكنّفها اشتياق ... فنامت كى تراها فى المنام وقال الرّفّاء: يا حسن نيلوفر شغفت به ... يمنحه الماء صفو مشروبه كأنّه عاشق به ظمأ ... توهّم الماء ريق محبوبه

стр. 3854

وقال آخر: وشاخص نحو عين الشمس يرمقها ... حتى اذا غربت أغضى بتنكيس تراه من قطع المرجان فى قضب ... زرق الشوابير «١» أمثال الدّبابيس كأنّه ودروع الماء تشمله ... تحت الشّعاع أكاليل الطّواويس وقال آخر: ونيلوفر قد لاح فى زىّ فاقد ... حبيبا فمنه يستعير لباسه يظلّ نهارا شاخص الطّرف لاحظا ... ويغمس جنح الليل فى الماء راسه كأنّ عليه للظّلام مراقبا ... فيهرب منه أو يخاف اختلاسه وقال مؤيّد الدّين الطّغرائىّ: نيلوفر يسبح فى لجّة ... عليه ألوان من اللّبس مظاهر ثوب حداد على ... ثوب بياض علّ بالورس فالشّطر من أعلاه فى مأتم ... وشطره الأسفل فى عرس مغمّض طول الدّجى ناعس ... جفونه تفتح فى الشمس

стр. 3855

الباب الثانى من القسم الثالث من الفنّ الرابع فيما يشمّ [رطبا «١» ] ولا يستقطر ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى البنفسج والنرجس والياسمين والآس والزعفران والحبق فأما البنفسج وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: طبع البنفسج بارد رطب فى الأولى. وقال قوم: انه حارّ فى الأولى. قال: ولا شكّ فى برودته. وأمّا أفعاله وخواصّه ، فقيل: انه يولّد دما معتدلا؛ وهو يسكّن الأورام الحارّة ضمادا مع سويق الشعير؛ وكذلك ورقه. قال: ودهن البنفسج طلاء جيّد للجرب؛ وهو يسكّن الصّداع الدّموىّ شمّا وطلاء. قال: وينفع من الرمد الحارّ «٢» ومن السّعال الحارّ؛ ويليّن الصدر، خصوصا المربّى منه بالسكّر؛ وشرابه نافع من ذات الجنب والرّئة والتهاب المعدة؛ وشرابه ينفع من وجع الكلى؛ ويابسه يسهل الصفراء؛ و [شرابه أيضا «٣» ] يليّن الطبيعة برفق. وأما ما جاء فى وصفه - فقال أبو القاسم بن هذيل الأندلسىّ- ويروى لابن المعتزّ-: بنفسج جمّعت أوراقه فحكت «٤» ... كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت
следующие страницы →