Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
فمنها صغد سمرقند
- الذى تحفّ به بساتين كست زهرتها من الأرض عاريها «١» ، وأصبح للسماء بكاء فى جوانبها وللرّوض ابتسام فى نواحيها؛ تتخلّلها قصور يتضاءل سنا النّجم فى آفاقها، وتحتجب الغزالة عند طلوعها حياء من بهجتها وإشراقها.
ومنها شعب بوّان «٢»
- الذى غدت مغانيه «٣» مغانى للزّمان، وقصرت الألسن عن وصف محاسنه وطالت إلى اقتطاف ثمره البنان؛ تكاد شمسه تغرب عند الإشراق، ولا تتخلل أشجاره إلا والحياء يعيدها فى قبضة الإطراق؛ يستغنى بغدرانه عن صوب الصّيّب، ولقد أبدع فى وصفه أبو الطّيّب:
مغانى الشّعب طيبا «٤» فى المغانى «٥» ... بمنزلة الرّبيع من الزمان
стр. 3887
ولكنّ الفتى العربىّ فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنّة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان
[طبت فرساننا والخيل حتّى ... خشيت وان كرمن من الحران] «١»
غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان «٢»
فسرت وقد حجبن الشمس عنّى ... وجئن من الضّياء بما كفانى
وألقى الشرق «٣» منها فى ثيابى ... دنانيرا تفرّ من البنان
لها ثمر تشير اليك منه ... بأشربة وقفن بلا أوانى «٤»
وأمواه يصلّ «٥» بها حصاها ... صليل الحلى فى أيدى الغوانى
اذا غنّى الحمام الورق فيها ... أجابتها أغانىّ القيان
ومن بالشّعب أحوج من حمام ... اذا غنّى وناح الى بيان «٦»
стр. 3888
وقد يتقارب «١» الوصفان جدّا ... وموصوفاهما متباعدان
يقول بشعب «٢» بوّان حصانى ... أعن هذا تسير الى الطّعان
أبوكم آدم سنّ المعاصى ... وعلّمكم مفارقة الجنان
وأجاد السّلامىّ حيث قال:
اشرب على الشّعب واحلل روضة أنفا «٣» ... قد زاد فى حسنه فازدد به شغفا
إذ ألبس الهيف من أغصانه حللا ... ولقّن العجم من أطياره نتفا
ونمّرت «٤» حسنه الأغصان مثمرة ... من نازع قرطا أو لابس شنفا «٥»
والماء يثنى على أعطافها أزرا ... والريح تعقد من أطرافها شرفا
والشمس تخرق من أشجارها «٦» طرفا ... بنورها فترينا تحتها طرفا
من قائل نسجت درعا مفضّضة ... أو قائل ذهّبت أو فضّضت صحفا
ظلّت تزفّ الى الدنيا محاسنها ... وتستعيد لها الألطاف والتّحفا
من عارض وكفا «٧» أو بارق خطفا ... أو طائر هتفا أو سائر وقفا
стр. 3889
ولست أحصى حصى الياقوت فيه ولا ... درّا أصادفه فى مائه صدفا
بظنّ من وقفت فيه الشجون به ... أنّ الصّبابة شابت والهوى «١» خرفا
تعسّف «٢» الشوق فيه كلّ ذى شجن ... والشوق ألطفه ما كان معتسفا
فاحلل عرا الهمّ واشربها معتّقة ... رقّ النسيم مباراة لها وصفا
ومنها نهر الأبلّة «٣»
- الّذى طوله أربع فراسخ، ورءوس نخله على وجه الأرض شوارف وأصولها فى الثّرى رواسخ؛ بجانبيه بساتين إن هبّ النسيم بأغصانها تعانقت وتمايلت، وإن لعب بأفنانها تناظرت وتماثلت؛ كأنّما غرست فى يوم واحد شجراته، وقامت على خطّ الاستواء نخلاته؛ وفيه يقول التّنوخىّ شاعر اليتيمة:
стр. 3890
واذا نظرت إلى الأبلّة خلتها ... من جنّة الفردوس حين تخيّل
كم منزل فى نهرها الى السّرور ... بأنّه فى غيره لا ينزل
فكأنّما تلك القصور عرائس ... والزهر وشى فهى فيه ترفل
غنّت قيان الطّير فى أرجائه ... هزجا يقلّ له الثقيل الأوّل
وتعانقت تلك الغصون فأذكرت ... يوم الوداع وعيرهم تترحّل
ربع الربيع بها فحاكت كفّه ... حللا بها عقد الهموم تحلّل
فمدبّج وموشّح ومدّنر ... ومعمّد ومحبّر ومهلّل «١»
فتخال ذا عينا وذا ثغرا وذا ... خدّا يعضّض تارة ويقبّل
ومنها غوطة «٢» دمشق
- الّتى هى شرك العقول وقيد الخواطر، وعقال النفوس ونزهة النواظر، خلخلت الأنهار أسؤق أشجارها، وجاست المياه خلال ديارها؛ وصافحت أيدى النسيم أكفّ غدرانها، ومثّلت فى باطنها موائس أغصانها؛ يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان «٣» ، ويتوهّم المتأمّل لثمراتها أنّها أشربة قد وقفت بغير أوان «٤» فى كلّ أوان؛ فيالها
стр. 3891
من رياض من لم يطف بزهرها من قبل أن يحلّق «١» فقد قصّر، ومن غياض من لم يشاهدها فى إبّانها فقد فاته من عمره الأكثر.
وهذه الأربعة الأماكن أجمع جوّابوا الأقطار على تفضيلها على ما عداها، وتمييزها على ما سواها.
وللناس فى وصف الرياض محاسن سنذكر منها النّزر اليسير ،
ونقتصر على لمعة ليس لنضارتها نظير.
فمن ذلك قول الثّعالبىّ فى (سحر البلاغة وسرّ البراعة) : روضة رقّت حواشيها وتأنّق واشيها؛ أشجارها كالعرائس فى حللها وزخارفها، والقيان فى وشيها ومطارفها؛ باسطة زرابيّها «٢» وأنماطها، ناشرة حبرها ورياطها؛ كأنّما احتفلت لوفد، أو هى من.
حبيب على وعد.
ومن كلامه «٣» أيضا: روضة قد تضوّعت بالأرج الطّيب أرجاؤها، وتبرّجت فى ظلل الغمام صحراؤها؛ وتنافحت بنوافج «٤» المسك أنوارها، وتفاوضت «٥» بغرائب المنطق أطيارها؛ بها أشجار كأنّ الخرّد أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلّتها عقودها.
стр. 3892
ومن كلام الفتح بن خاقان فى (قلائد العقيان) : حتى استقرّوا «١» بالرّوض فحلّوا منه ذرا أيك ربيع مفوّفة بالأزهار، ومطرّزة بالجداول والأنهار؛ والغصون تختال فى أدواحها، وتنثنى فى أكفّ أرواحها.
ومن كلامه أيضا: روض مفترّ المباسم، معطّر الرياح النّواسم؛ قد صقل الربيع حوذانه «٢» ، وأنطق بلبله وورشانه «٣» ، وألحف غصونه برودا مخضرّه، وجعل إشراقه للشمس ضرّه، وأزاهيره تنير على الكواكب، وتختال فى خلع الغمائم السّواكب.
ومن كلامه: روضة لم يجل فى مثلها ناظر، ولم تدّع حسنها الخدود النّواضر؛ غصون تثنّيها الرياح، ومياه لها انسياح؛ وحدائق تهدى الأرج والعرف، وتبهج النفس وتمتع الطّرف.
ومن كلامه: روضة قد تأرّجت نفحاتها، وتدبّجت ساحاتها، وتفتّحت كمائمها، وأفصحت حمائمها؛ وتجرّدت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها بعيون الجآذر «٤» .
وقد أكثر الشعراء فى وصف الرّياض والغصون- فمن ذلك قول ابن الرّومىّ:
стр. 3893
حيّتك عنّا شمال طاف طائفها ... فى جنّة قد حوت روحا وريحانا
هبّت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّا بها وتداعى الطير إعلانا
ورق تغنّى على خضر مهدّلة ... تسمو بها وتشمّ «١» الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزّه عطفيه نشوانا
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:
سقيا لها من بطاح أنس ... ودوح حسن بها مطلّ
فما ترى غير وجه شمس ... أطلّ فيه عذار ظلّ
وقال أيضا من أبيات:
والرّوض محنىّ المعاطف خلته ... نشوان تعطفه الصّبا فيميل
ريّان فضّضه النّدى ثم انجلى ... عنه فذهّب صفحتيه أصيل
وقال الأخيطل الأهوازىّ [منشدا] :
الروض ينشر رفرفا «٢» وحريرا ... ومطارفا من سندس وحبيرا
حلّ الربيع نقاب كلّ خميلة ... فأراك من صور النبات سفورا
غيد القوام اذا النسيم أمالها ... ألقين عند صدورهنّ نحورا
ينحلّ عنهنّ النّدى فتخال ما ... ينحلّ عنها لؤلؤا منثورا
كسل النعيم يدبّ فى حركاتها ... فيريك فى أعطافهنّ فتورا
وقال أبو عبادة البحترىّ:
هذى الرياض بدا لطرفك نورها ... فأرتك أحسن من رباط السّندس
стр. 3894
ينشرن وشيا مذهبا ومدبّجا ... ومطارفا نسجت لغير الملبس
وأرتك كافورا وتبرا مشرقا ... فى قائم مثل الزّمرد أملس
متمايل الأعطاف فى حركاته ... كسل النعيم وفترة المتنفّس
متحلّيا من كلّ حسن مونق ... متنفّسا بالمسك أىّ تنفّس
وقال التّنوخىّ:
أما ترى الروض قد وافاك مبتسما ... ومدّ نحو النّدامى للسّلام يدا
فأخضر ناضر فى أبيض يقق ... وأصفر فاقع فى أحمر نضدا
مثل الرّقيب بدا للعاشقين ضحى ... فاحمرّ خجلا واصفرّ ذا كمدا
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ:
تشبّه الرّوض بالحبائب قد ... زاد المحبّين فى محبّتها
كم من قدود هناك من قضب ... تميل من لينها ونعمتها
كم وجنة خالها يلوح لنا ... سواده فى صفاء حمرتها
وكم ثنايا تسبى بنكهتها ... وكم عيون تصبى بلحظتها
تسارق «١» الغمز غمز خائفة ... رقيبها من خفاء نظرتها
وقال أبو طاهر [بن] «٢» الخبزأرزىّ:
وروضة راضها النّدى فغدا ... لها من الزّهر أنجم زهر
تنشر فيها أيدى الرّبيع لنا ... ثوبا من الوشى حاكه الفطر
стр. 3895
وقال منصور بن الحاكم:
روضة غضّة علاها ضباب ... قد تجلّت خلالها الأنوار
فهى تحكى مجامرا مذكيات ... قد علاها من البخور بخار
وقال سعيد بن حميد مقسما:
لا وزهر الرياض تجرى عليها ... باكيات «١» ضواحك النّوّار
صافحتها الرياح فاعتنق الرو ... ض ومالت طواله للقصار
لائذا بعضه ببعض كقوم ... فى عتاب مكّرر واعتذار
ما خلفناك بالقبيح ولا الذمّ ... على البعد واقتراب المزار
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وروضة حالية الصدور ... كاسية البطون والظهور
محمودة المخبور والمنظور ... مونقة المطوىّ والمنشور
معجبة الظاهر والمستور ... ضاحكة كالوافد المحبور
باكية كالعاشق المهجور ... شذّرها الغيث بلا شذور
شقائق كناظر المخمور ... وأقحوان كثغور الحور
ونرجس كأنجم الدّيجور ... والطّلّ منثور على المنثور
يرصّع الياقوت بالبلّور
وقال أيضا:
لبس الماء والهواء صفاء ... واكتسى الروض بهجة وبهاء
فكأنّ النّهاء «٢» صرن رياضا ... وكأنّ الرياض عدن نهاء
стр. 3896
وكأنّ الهواء صار رحيقا ... وكأنّ الرحيق صار هواء
وتخال السماء بالليل أرضا ... وترى الأرض بالنهار سماء
جلّلتها الأنوار زهرا وصفرا ... يوم ظلّت تنادم «١» الأنواء
فتراها ما بين نور ونوء ... تتكافا تبسّما وبكاء
وتظلّ الأشجار تتّخذ الحسن ... قميصا أو الجمال رداء
وترى السّرو كالمنابر تزهى ... وترى الطير فوقها خطباء
وقال كشاجم:
أرتك يد الغيث آثارها ... وأعلنت الأرض أسرارها
وكانت أكنّت لكانونها ... خبيئا فأعطته آذارها
فما تقع العين إلّا على ... رياض تصنّف أنوارها
يفتّح فيها نسيم الصّبا ... خباها ويهتك أستارها
ويسفح فيها دماء الشّقيق ... ندّى ظلّ يفتضّ أبكارها
ويدنى إلى بعضها بعضها ... كضمّ الأحبّة زوّارها
كأنّ تفتّحها بالضّحى «٢» ... عذارى تحلّل أزرارها
تغضّ لنرجسها أعينا ... وطورا تحدّق أبصارها
اذا مزنة سكبت ماءها ... على بقعة أشعلت نارها
وقال البسّامىّ «٣» :
أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... مخضرّة واكتسى بالنّور عاريها
стр. 3897
فالسماء بكاء فى جوانبها ... وللربيع ابتسام فى نواحيها
وقال آخر:
قهقه زهر الربيع فاستبشر ... واكتست الأرض مطرفا أخضر
ترى ربيعا نوّاره ذهب ... ماء لجين حصباؤه جوهر
عطّل صبّاغه الخدود بما ... ورّد من صبغها وما عصفر
لابس قمص من العقيق على ... غلائل من زبرجد أخضر
وقال المعوّج:
حقاق من النّوّار مزرورة العرا ... على قطع الياقوت واللؤلؤ الغضّ
فهنّ على الأغصان أحقاق فضّة ... وبالأمس كانت مطبقات على الغمض
وقال ابن الساعاتىّ:
لله ما شقّ من جيب الرياض بها «١» ... وحبّذا من ذيول السّحب ما سحبا
يا ضاحك الومض والأنواء باكية ... أشبهت لمياء إلّا الظّلم «٢» والشّنبا
وقال أيضا:
يا حبّذا زمن الربيع ودوحه ... قيد النواظر بل عقال الأنفس
وافاك يبسم والغمام معبّس ... فاعجب لطلعة باسم ومعبّس
جليت عرائسه فهمّ قلوبنا ... واللهو بين مقوّض ومعرّس «٣»
стр. 3898
أنفاسه من عنبر وسماؤه ... من لؤلؤ وبساطه من سندس
وقال أبو عبادة البحترىّ:
ولا زال مخضرّ من الروض يانع ... عليه بمحمرّ من النّور جاسد
يذكّرنى ريّا الأحبّة كلّما ... تنفّس فى جنح من الليل بارد
وقال السّروىّ «١» :
غدونا على الرّوض الّذى طلّه النّدى ... سحيرا وأوداج الأباريق تسفك
فلم أر شيئا كان أحسن منظرا ... من النّور يجرى دمعه وهو يضحك
وقال آخر:
حظّ عين وحظّ سمع ربيعا ... ن وتغريد بلبل وهزار
فى جلاء من الزمان ووجه الأرض ... يكسى وشائع النّوّار
بابيضاض محدّق «٢» باخضرار ... واصفرار مبطّن باحمرار
كلّما أشرقت شموس الأقاحى ... خلت إحدى الشّموس شمس النهار
وقال كشاجم:
وروض عن صنيع الغيث راض ... كما رضى الصديق عن الصديق
اذا ما القطر أسعده صبوحا ... أتمّ له الصنيعة فى الغبوق
يعير الرّيح بالنفحات ريحا ... كأنّ ثراه من مسك سحيق
كأنّ الطّلّ منتثرا عليه ... بقايا الدّمع فى خدّ المشوق
كأنّ غصونه سقيت رحيقا ... فماست ميس شرّاب الرحيق
стр. 3899
كأنّ شقائق النّعمان فيه ... محضّرة كئوسا من عقيق
كأنّ النرجس البرّىّ فيه ... مداهن من لجين للخلوق
يذكّرنى بنفسجه بقايا ... صنيع اللّطم فى الخدّ الرقيق
وقال ابن سكّرة الهاشمىّ:
أما ترى الروضة قد نوّرت ... وظاهر الرّوضة قد أعشبا
كأنّما الأرض سماء لنا ... نقطف منها كوكبا كوكبا
وقال علىّ بن عطيّة البلنسىّ:
أديراها على الزّهر المندّى ... فحكم الصّبح فى الظّلماء ماضى
وكأس الراح تنظر عن حباب ... ينوب لنا عن الحدق المراض
وما غربت نجوم اللّيل لكن ... نقلن من السّماء الى الرياض
وقال شاعر أندلسىّ:
وفتيان صدق عرّسوا تحت دوحة ... وما لهم غير النبات فراش
كأنّهم والنّور يسقط فوقهم ... مصابيح تهوى نحوهنّ فراش
وقال أبو محمد الحسن بن علىّ بن وكيع التّنّيسىّ:
أسفر عن بهجته الدهر الأغر ... وابتسم الروض لنا عن الزّهر
أبدى لنا فصل الربيع منظرا ... بمثله تفتن ألباب البشر
وشيا ولكن حاكه صانعه ... لا لابتذال اللّبس لكن للنظر
عاينه طرف السماء فانثنت ... عشقا له تبكى بأجفان المطر
فالأرض فى زىّ عروس فوقها ... من أدمع القطر نثار من درر
وشى طواه فى الثّرى صيانة ... حتّى اذا ملّ من الطّىّ نشر
стр. 3900
وقال أبو طاهر [بن] «١» أبى الرّبيع:
وكأنّ مولىّ «٢» الرياض ضرائر ... تزهى بخضرتها على الخضراء
قد أبرزت زهراتها وازّيّنت ... وتعطّرت وتبرّجت للرّائى
والنّور منحسر القناع كما بدت ... للناظرين محاسن العذراء
والنبت ريّان المهزّة مائل ... شرق محاجر زهره بالماء
الباب الثانى من القسم الرابع من الفنّ الرابع فى الأزهار
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الخيرى- وهو المنثور- والسّوسن، والآذريون والخرّم، والشّقيق، والبهار، والأقحوان
فأمّا الخيرىّ
«٣» وما قيل فيه- فالخيرىّ هو المنثور- وهو مما أولع الشعراء بوصفه.
فمن ذلك قول ابن وكيع التّنّيسىّ:
انظر الى المنثور فى ميدانه ... يرنو إلى الناظر من حيث نظر
كجوهر مختلف ألوانه ... أسلمه سلك نظام فانتثر
стр. 3901
وقال آخر:
انظر الى المنثور ما بيننا ... وقد كساه الطلّ قمصانا
كأنّما صاغته أيدى الحيا ... من أحمر الياقوت قضبانا
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة يذكر كونه لا تظهر رائحته إلّا ليلا:
وخيريّة بين النّسيم وبينها ... حديث اذا جنّ الظلام يطيب
يدبّ مع الإمساء حتّى كأنّما ... له خلف أستار الظّلام حبيب
وقال أبو هلال العسكرىّ:
ألوان منثور يريك حسنها ... ألوان ياقوت زها فى عقده
يا حسنها فى كفّ من يشبهها ... فانظر إلى النّدّ بكفّ ندّه
من أشهل «١» كعينه وأبيض ... كثغره وأحمر كخدّه
وأصفر مثل صريع حبّه ... إذا تغشّته غواشى صدّه
وقال آخر:
عجبت من الخيرىّ أمتع فى الدّجى ... وأصبح ريّاه مع الصّبح تحجب
فخلت الرّيا طبعا له مثل ناسك ... يرائى نهارا وهو باللّيل يشرب
وقال آخر:
ما أكرم الخيرىّ فى فعله ... يسهر إذ نور الرّبا ناعس
كأنّما خاف عليه العدا ... فهو له فى ليله حارس
وقال ابن الحدّاد:
عاف النهار مخافة الرقباء ... فسرى يضمّخ حلّة الظّلماء
стр. 3902
يطوى شذاه عن الأنوف نهاره ... ويجود فى الظّلماء بالإفشاء
متهتّك فى طبعه متستّر ... وكذا تكون شمائل الظّرفاء
لمّا رأى حبّ الأنوف لعرفه ... لبس الغياهب خيفة الرّقباء
كالطّيف لا يصل الجفون لسهدها ... ويهبّ فيها ساعة الإغفاء
وقال أبو العلاء السّروىّ:
أهدى إلىّ فنون الشّوق والأرق ... نسيم رائحة الخيرىّ فى طبق
كأنّه عاشق يطوى صبابته ... صبحا وينشرها فى ظلمة الغسق
وكلّ ذى لوعة فاللّيل راحته ... والليل أخفى لو يل الواله القلق
وقال آخر:
ينمّ مع الإظلام طيب نسيمه ... ويخفى مع الإصباح كالمتستّر
كعاطرة ليلا لوعد محبّها ... وكاتمة صبحا نسيم التعطّر
وقال ابن الرّومىّ:
خيرىّ ورد أتاك فى طبقه ... قد ملأ الخافقين من عبقه
قد خلع العاشقون ما صنع الهجر ... بألوانهم على ورقه
وأما السّوسن «١» وما قيل فيه
- فقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا
стр. 3903
فى طبع السّوسن: الأبيض البستانىّ منه حارّ يابس فى الثانية؛ والإيرساء «١» أشدّ تسخينا وتجفيفا؛ والإيرساء هو أصل السّوسن الاسمانجونى. قال وأصله جلّاء، مجفّف باعتدال؛ ودهنه ألطف وأشدّ تحليلا وتليينا مطيّبا كان أم غير مطيّب؛ والإيرساء أقوى فى جميع ذلك؛ وهو قابض، وفيه شفاء للأوجاع والعفونات؛ وينفع من الكلف والنّمش، وخصوصا أصله؛ وينقّى الوجه غسلا به ويصقله، ويزيل تشنّجه «٢» ؛ وإن دقّ بزره وورقه ناعما وعمل منه ضماد بالشراب على الحمرة «٣» نفعها، وكذلك على الأورام البلغميّة الفجّة «والجرب المتقرّح «٤» والخشكريشات «٥» » وأصله ينفع من حرق الماء الحارّ، لأنه مجفّف مع جلاء وباعتدال، وكذلك ورقه مطبوخا، والأحسن أن يكون استعماله بدهن الورد وعصارة الإيرساء، وغيره يطبخ فى الخلّ والعسل فى إناء من نحاس للقروح المزمنة والجراحات. والبستانىّ أفضل الأدوية لحرق
стр. 3904
الماء الحارّ؛ وهو جيّد لانقطاع العصب؛ وتتخذ «١» من أصل البرّىّ مضمضة لوجع الأسنان؛ ويوافق دهنه قروح الرأس والنّخالة؛ واذا قطر فى الأذن سكّن الدّوىّ؛ وهو ردىء للمعدة، وخصوصا دهنه؛ ودهنه محلّل مليّن لصلابة الرّحم شربا وتمريخا؛ وكذلك اذا طبخ أصله بدهن الورد، ولا نظير له فى أمراض الرّحم، وكذلك دهن الإيرساء؛ ويخرج الجنين؛ وينفع من المغص؛ [و] «٢» اذا طبخ أصله وحده بالخلّ أو مع بزر البنج «٣» ودقيق الحنطة سكّن الأورام الحارّة العارضة للأنثيين؛ واذا شرب من دهنه مقدار أوقيّة ونصف أسهل؛ ويصلح لأصحاب إيلاوس «٤» الصّفراوىّ؛ ودهن الإيرساء يفتّح أفواه البواسير، وكذلك أصل السّوسن كيف كان؛ وهو ينفع من لسع الهوامّ، خصوصا العقرب هو وعصارته وشرابه وبزره شربا؛ ودهنه درياق [للبنج] .
وأما ما جاء فى وصفه
- فقال الأخيطل الأهوازىّ:
سقيا لأرض اذا ما نمت أرّقنى «٥» ... بعد الهدوء بها قرع النّواقيس
стр. 3905
كأنّ سوسنها فى كلّ شارفة «١» ... على الميادين أذناب الطّواويس
وقال أيضا فيه:
وكأنّ سوسنها سبائك فضّة ... غضّ النبات فأزرق أو أحمر
حملت سقيط الطّلّ فى ورقاته ... فكأنّه متبسّم مستعبر
وقال الصّنوبرىّ- ويروى للرّفّاء-:
انظر الى السّوسن فى منبته ... فانّه نبت عجيب المنظر
كأنّه ملاعق من ذهب ... قد خطّ فيها نقط من عنبر
وقال آخر:
انظر الى السّوسن فى ... جماله المنعوت
مثل كئوس خرطت ... من أزرق الياقوت
وقال آخر:
يا ربّ سوسنة قبّلتها شغفا ... وما لها غير نشر المسك من ريق
مصفرّة الوجه مبيضّ جوانبها ... كأنّها عاشق فى حجر معشوق
وقال آخر:
إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسّوسن المجتنى ثناياه
يا حسنه ضاحكا له عبق ... كطيب ريح الحبيب ريّاه
وقال شاعر أندلسىّ:
سوسنة بيضاء أوراقها ... فيها خطوط من سواد خفى
كأنّه دارس خطّ بدت ... أشكاله فى الرّقّ من مصحف
стр. 3906
وقال شاعر متطيّرا بإهدائه:
[يا ذا «١» الذى أهدى لنا السّوسنا ... ما كنت فى إهدائه محسنا]
أوّله سوء فقد ساءنى ... يا ليت أنّى لم «٢» أر السّوسنا
[وقال آخر] :
سوسنة أعطيتنيها فما ... كنت بإعطائى لها محسنه
أوّلها سوء فان جئت بالآخر ... منها فهو سوء سنه
وأمّا الآذريون «٣» وما قيل فيه
- فالآذريون ورد أصفر لا ريح له ألبتّة؛ وهو صنف من الأقحوان، ومنه ما نوّاره أحمر. وقال ابن البيطار فى جامعه:
انّه نوّار ذهبىّ، فى وسطه [رأس صغير «٤» ] أسود، واسمه بالفارسيّة: آذركون، ومعناه لون النار.
وقال أبو علىّ بن سينا: طبعه حارّ يابس فى الثالثة؛ وانه ينفع من داء الثعلب مسحوقا بخلّ؛ ورماده بالخلّ لعرق النّسا. وقال ديسقوريدوس: إنّ الحبلى اذا مسّته أو تحمّلت منه أسقطت من ساعتها؛ وهو ينفع من السّمومات كلّها وخصوصا اللّدوغ.
وأما ما جاء فى وصفه
- فقال شاعر يصفه:
تاه الربيع بآذريونه وزها ... لمّا بدا منه فى جنح الدّجى أرج
стр. 3907
كأنّ أغصانه فيروزج «١» بهج ... من فوقه ذهب فى وسطه سبج «٢»
وقال التّنوخىّ:
وآذريون مثل خدّ متيّم ... لأحشائه خوف «٣» الفراق وجيب
شموس لها من حين تطلع شمسها ... [طلوع] وفى وقت الغروب غروب
تفتّح إن لاحت سرورا بضوئها ... كما سرّ بالرأى المصيب مصيب
وتنضمّ إن جاء الظلام كأنّه ... رقيب عليها والضياء حبيب
وقال ابن وكيع:
قم فاسقنى صافية ... تسلب قلبى فكره
فى روضة كأنّها ... خريدة فى حبره
كأنّ آذريونها ... أسوده وأحمره
سحيق مسك مودع ... فى خرق معصفره
وقال عبد الله بن المعتزّ:
كأنّ آذريونها ... تحت «٤» سماء هاميه
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه
стр. 3908
وقال آخر:
أظرف بآذريونة أبصرتها ... فى الروض تلمع كاتّقاد الكوكب
وكأنّها لمّا تكامل حسنها ... مسك تفتّت فى إناء مذهب
وكأنّما تشريفها من فوقها ... حبب يفرّج عن رحيق أكهب «١»
وقال السّرىّ الرّفّاء:
وروضة آذريون «٢» ذرّ بوسطها «٣» ... نوافج «٤» مسك هيّجت قلب مهتاج
تراها عيونا بالنّهار روانيا ... وعند غروب الشمس أزرار ديباج
وقال الطّغرائىّ:
وكأنّ آذريون روضتنا ... كانون فحم حوله لهب
أوجام جزع وسطه سبج ... أو سؤر مسك جامه ذهب
وأما الخرّم وما قيل فيه
- فالخرّم هو الخزامى «٥» ؛ وهو عند المغاربة السّوسن الأزرق.
стр. 3909
قال ابن الرّومىّ يصفه:
وخرّم فى صبغة الطيالسه ... يحكى الطّواويس غدت مطاوسه «١»
كأنّما تلك الفروع المائسه «٢» ... تغمسها فى اللّازورد «٣» غامسه
وقال الشّمشاطىّ يصفه:
وخرّم مثل لون اللازورد جرى ... منها «٤» على فضّة بيضاء جاريها
كأنّهنّ خدود اللّاطمات ضحى ... أو الطّواويس حلّتها خوافيها
ما عمّضت لعيون «٥» الشمس أعينها ... إلّا على لمع من نورها فيها
وقال شاعر أندلسىّ:
عاف لون البياض ثوب أخيه «٦» ... وتبدّى فى حلّة زرقاء
لتراه العيون فى حلّة يحكى ... سنا نورها أديم السماء
стр. 3910
لو حواها الطاووس أصبح لا شكّ ... مهنّا بملك طير الهواء
عزّة فى طباعه وعلوّ ... قد أنافا به على العلياء
وأما الشّقيق وما قيل فيه
- فالشقيق يسمّى الشّقائق والشّقر.
قال أبو الخير العشّاب: فى ألوانه الأبيض والأسود والأحمر والوردىّ والرّمادىّ والأصفر؛ وفيه بستانىّ وبرّىّ؛ فالبستانىّ، هو الخشخاش الأبيض.
قال: ومن أنواعه شقائق «١» النّعمان، ومن الشقائق نوع يسمّى الماميثا «٢» ، ولونه أصفر فاقع.
وقال أبو علىّ بن سينا: هو حارّ فى الثانية، رطب؛ وهو جلّاء محلّل. قال:
يسوّد الشّعر اذا خلط بقشر الجوز؛ واذا استعمل ورقه وقضبانه كما هو أو مطبوخا حسّن الشّعر. قال: ويابسه ينفع من القروح الوسخة؛ وعصارته سعوط لتنقية الرأس والدّماغ؛ وأصله يمضغ لجذب الرطوبات من الرأس؛ وعصارته «٣» نافعة من ظلمة البصر وبياضه وآثار قروح العين؛ واذا طبخ بالطّلاء وتضمّد به [أبرأ] «٤»
стр. 3911
الأورام الصّلبة؛ واذا طبخ ورقه بقضبانه بحشيش السّعتر «١» وأكل أدرّ اللّبن؛ وهو يدرّ الطّمث «٢» ؛ والله أعلم.
وأمّا ما جاء فى وصفه
- فقال ابن الرّومىّ:
تصوغ لنا كفّ الربيع حدائقا ... كعقد عقيق بين سمط لآلى
وفيهنّ نوّار الشقائق قد حكى ... خدود غوان نقّطت بغوالى
وقال أبو الفتح كشاجم «٣» :
فرّج القلب «٤» غاية التفريح ... ابتهاجى ما بين روض بهيج
فكأنّ الشّقيق فيه أكاليل ... عقيق على رءوس زنوج
[وقال آخر «٥» ] :
طرب الشقائق للحمام وقد شجا ... شجو القيان فشقّ فضل ردائه
стр. 3912
وتحيّرت ما بين إثمد مأقه ... فى الخدّ دمعته وبين حيائه
فكأنّه الحبشىّ يصبغ «١» جسمه ... فثيابه مخضلّة بدمائه
[وقال القاضى عياض «٢» ] :
انظر «٣» الى الزّرع وخاماته ... تحكى وقد مالت أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح
[وقال الصّنوبرىّ «٤» ] :
كم خدود مصونة من شقيق ... لم تبذّل للّثم أو للعضاض
اعترض ناظر الشقيق ففيه ... طرف ما يملّها ذو اعتراض
جمم «٥» سرّحت بلا مشط «٦» أو ... طرر قصّصت بلا مقراض
حمرة فوق خضرة وسواد ... بين هذين معلم ببياض
وقال أيضا فيه:
وجوه شقائق تبدو وتخفى ... على قضب تميد بهنّ ضعفا
تراها كالعذارى مسبلات ... عليها من عميم «٧» النّبت سجفا
تنازعت الخدود الحمر حسنا ... فما إن أخطأت منهنّ حرفا
стр. 3913
اذا طلعت أرتك السّرج تذكى ... وان غربت أرتك السّرج تطفا
تخال اذا هى اعتدلت قواما ... زجاجات ملئن الخمر صرفا
يزيد بهنّ روض الحزن حسنا ... اذا ما زهرهنّ بهنّ حفّا
وقال أيضا من أبيات:
وكأنّ محمرّ الشّقيق ... اذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشرن ... على رماح من زبرجد
[وقال آخر] :
شقيقة شقّ على الورد ما ... قد لبست من كثرة الصّبغ
كأنّها فى حسنها وجنة ... يلوح فيها طرف «١» الصّدغ
وقال الأخيطل الأهوازىّ:
هذى الشقائق قد أبصرت حمرتها ... فوق «٢» السواد «٣» على أعناقها الذّلل
كأنّه دمعة قد غسّلت «٤» كحلا ... جالت «٥» بها وقفة فى وجنتى خجل «٦»
وقال كشاجم من أبيات:
فانظر بعينك أغصان الشقائق فى ... فروعها زهر فى الحسن أمثال
стр. 3914
من كلّ مشرفة الأوراق ناضرة ... لها على الغصن إيقاد وإشعال
حمراء من صبغة البارى بقدرته ... مصقولة لم ينلها قطّ صقّال
كأنّما وجنات أربع جمعت ... فكلّ واحدة فى صحنها خال
وقال مؤيّد الدّين الطّغرائىّ:
وترى شقائقه خلال رياضها ... أوفت مطاردها على أزهارها
فكأنّها والريح تصقل خدّها ... والسّحب تملؤها بصوب قطارها
أقداح ياقوت لطاف أترعت ... راحا فبات المسك سؤر قرارها
وكأنها وجنات غيد أحدقت ... بخدودها حمرا خطوط عذارها
وأمّا ما وصف به البهار «١»
- فمن ذلك قول الصّنوبرىّ:
وروضة لا يزال يبتسم النّوار ... فيها ابتسام مسرور
كأنّما أوجه البهار بها ... وقد بدت أوجه الدنانير
وقال أحمد بن برد الأندلسىّ:
تأمّل فقد شقّ البهار مقلّصا «٢» ... كمائمه عن نوره الخضل النّدى
مداهن تبر فى أنامل فضّة ... على أذرع مخروطة من زبرجد
стр. 3915
وقال ابن درّاج «١» القسطلّىّ «٢» من أبيات:
بهار يروق بمسك ذكى ... وصبغ بديع وخلق عجب
غصون الزبرجد قد أورقت ... لنا فضّة موّهت بالذهب
[وقال آخر] :
بهر البهار عيوننا فقلوبنا ... مسحورة بجماله السّحّار
كسواعد من سندس وأكفّها ... من فضّة حملت كئوس نضار
وأمّا الأقحوان «٣» وما قيل فيه
- فقال أبو الخير العشّاب: الأقحوان هو البابونج؛ وهو نوعان: نوع ينبت فى الجبال الباردة جدّا، ونوع يزرع فى البساتين؛ فما كان جبليا فهو البابونج، وما كان مزروعا فهو أقحوان؛ ومنه ما زهره أصفر كلّه؛ ومنه ما زهره أبيض، وفى وسطه لمعة صفراء؛ ومنه الحوذان «٤» ، وورقه يشبه ورق الخيرىّ «٥» الأصفر؛ وهو مشرّف تشريف المنشار، ويعرف برأس الذّهب؛ ويسمّى بمصر: الكركاش؛ وأهل مصر يعتنون بأمره فى وقت نزول الشمس برج الحمل، ويحتفلون به، فيخرج كثير من عوامّهم وبعض الجند وغيرهم الى البرّ
стр. 3916
ويقطعونه فى الساعة التى تحلّ الشمس فيها الحمل «١» بمناخل من الذهب يصوغونها برسمه، أو بدنانير؛ ومنهم من يتكلّم بكلام شبه الرّقية، لا ينطق بغيره ما دام يحصده، ويجمعون ما يقطعونه من ذلك بالذهب، ويدّخرونه فى صناديقهم، ويزعمون أنّ من قطعه على وضعه «٢» ملك فى تلك السنة بعدد ما يقطعه منه دنانير إن قطعه بالذهب، ودراهم إن قطعه بالفضّة.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: طبع الأقحوان حارّ فى الثالثة، يابس فى الثانية. قال: وهو مسخّن منضج، مفتّح للسّدد، وفى الأحمر منه قبض ومنع لأنواع السّيلان، مع ما فيه من التحليل؛ وهو يدرّ العرق، وكذلك دهنه مسوحا؛ ويفتّح أفواه العروق، محلّل، ملطّف للأورام والبثور، محلّل للورم الحارّ فى المعدة والدم الجامد فيها؛ وينفع جميع الأورام الباردة؛ وينفع من النّواصير؛ ويقشّر الخشكريشات «٣» والقروح النّضيجة «٤» ؛ وينفع من جراحات العصب، ومن التواء العصب اذا بلّت صوفة بطبيخه ووضعت عليه؛ وهو مسبت؛ واذا شمّ رطبه نوّم؛ ودهنه نافع من أوجاع الأذن؛ وهو ينفع من الرّبو اذا شرب يابسه «٥» كما يشرب الإفتيمون «٦» .
стр. 3917
قال: وهو ردىء لفم المعدة، إلا أنّه يحلّل يابسا «١» ، ويجفّف ما يتحلّب «٢» اليها؛ ويحلّل الدم الجامد فيها.
قال: وهو يدرّ بقوّة، ويحلّل الدم الجامد فى المثانة بماء العسل، ويفتّت الحصاة، واذا شرب مع زهره وفقّاحه فى الشّراب أدرّ الطّمث، وكذلك احتمال دهنه فانّه يدرّ بقوّة، واحتمال دهنه يحلّل صلابة الرّحم، ويفتّح الرّحم؛ ويشرب يابسا بالسّكنجبين كما يشرب الإفتيمون فيسهل سوداء وبلغما؛ وينفع من أورام
стр. 3918
المقعدة الحارّة؛ ويفتّح البواسير هو ودهنه؛ وينفع من ادرة «١» الماء بعد أن تشقّ؛ وينفع من القولنج «٢» ووجع المثانة، وصلابة الطّحال، هذه منافعه الطّبيّة.
وأمّا ما وصفه «٣» به الشعراء
- فقد أكثر الشعراء من تشبيهه بالثغور وتشبيه الثغور به، وتشبيه الثغور به أكثر فى أشعارهم من تشبيهه بالثغور؛ وقد أجاد ظافر الحدّاد الإسكندرىّ فى وصفه حيث قال:
والأقحوانة تحكى ثغر غانية ... تبسّمت عنه من عجب ومن عجب
فى القدّ والبرد والرّيق الشهىّ وطيب ... الرّيح واللّون والتفليج والشّنب
كشمسة «٤» من لجين فى زبرجدة ... قد شرّفت حول مسمار من الذهب
[وقال آخر] :
والأقحوانة تجلى «٥» وهى ضاحكة ... عن واضح غير ذى ظلم ولا شنب
كأنّها شمسة من فضّة حرست ... خوف الوقوع بمسمار من الذهب
وهذا والذى قبله من بديع التشبيه؛ وهو أجود من تشبيهها بالثغور وأصنع فإنّها لا تشبّه بالثغر حقيقة إلّا من وجه واحد، وهذا قد شبّهها ووصفها بجميع صفاتها وهيئتها.
стр. 3919
وقال ابن عبّاد:
ومن لؤلؤ فى الأقحوان منظّم ... على ذكت مصفرّة كالفرائد
يذكّرنا ريّا الأحبّة كلّما ... تنفّس فى جنح من الليل بارد
وقال آخر:
كلّ يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء
وسطها جمّة من الشّذر حفّت ... بثغور من فضّة بيضاء
وقال جمال الدين علىّ بن أبى منصور «١» المصرىّ:
انظر فقد أبدى الأقاح «٢» مباسما ... ضحكت بدرّ فى قدود زبرجد
كفصوص درّ لطّفت أجرامها ... قد نظّمت من حول «٣» شمسة عسجد
[وقال آخر] :
ظفرت يدى للأقحوان بزهرة ... باهت بها فى الرّوضة الأزهار
أبدت ذراع زبرجد وأناملا ... من فضّة فى كفّها دينار
[وقال آخر] :
كأنّ نور الأقاحى ... إذ لاح غبّ القطر
أنامل من لجين ... أكفّها من تبر
стр. 3920
[وقال آخر] :
لدى أقحوانات يطفن بناضر ... من الورد محمّر الثياب نضيد
اذا الريح هزّتها توهّمت أنها ... ثغور هوت قصدا لعضّ خدود
الباب الثالث من القسم الرابع من الفنّ الرابع «١» فى الصّموغ
ويشتمل هذا الباب من الصّموغ على ثمانية وعشرين صنفا. وهى الكافور والكهربا، وعلك الأنباط، وعلك الرّوم- وهو المصطكا- وعلك البطم وصمغ الينبوت «٢» ، وصمغ قوفىّ «٣» ، والكثيراء، والكندر، والفربيون، والصّبر، والمرّ والكمكام «٤» ، والضّجاج، والأشّق، وتراب القىء، والقنّة، والحلتيت، والأنزروت والسّكبينج، والسادوران «٥» ، ودم الأخوين، والميعة، وصمغ قبعرين «٦» ، والمقل الأزرق والصّمغ العربىّ، والقطران، والزّفت.
стр. 3921
فأما الكافور «١» وما قيل فيه
- فهو أشرف الصّموغ قدرا، وأحقّها بالتقديم وأحرى؛ لفضله فى التركيب، ودخوله فى أصناف الأدوية والطّيب؛ ويقال فيه: (القافور) بالقاف بدل الكاف؛ ويقال: إنّه صمغ شجرة سفحيّة بحريّة «٢» عظيمة تظلّ مائة رجل، تكون بأطراف الهند. وتزعم التّجار أنّه يوجد فى الشجرة الواحدة أصناف من الكافور، فيميّزون كلّ صنف على حدته؛ وله مظانّ: منها (فنصور) «٣» وهى جزيرة محيطها سبعمائة فرسخ، وتعرف أرضها بأرض الذهب؛ والكافور المنسوب اليها أفضل ممّا عداه، ومن مظانّه موضع يعرف بأربشير «٤» ، ومنها الزّابج «٥» ؛ والمنسوب اليها أدنى أصنافه. قالوا: وكيفيّة جمعه أن تقصد شجرته فى وقت معلوم من السنة فتحفر حولها حفرة، ويجعل فى الحفرة إناء كبير، ثم يقبل الرّجل وبيده فأس عظيمة، وهو ملثّم، مسدود الأنف، ويمكّن الإناء من أصل الشجرة، ثمّ يضربها
стр. 3922
بالفأس ضربة، ويطرح الفأس من يده، ويهرب خشية أن يفور فى وجهه ما يخرج من الشجرة من الكافور، فانّه متى أصاب وجهه قتله، ويجمع ما يخرج من الشجرة عقيب تلك الضربة فى ذلك الإناء الموضوع فى أصلها، فاذا برد فى الإناء جعلوه فى أوعية وقطعوا تلك الشجرة، وتركوها حتى تجفّ، ثم تقطع أجزاء صغارا أو كبارا. وذهب آخرون الى أنّه بين اللّحاء والعود مثل الصّمغ قطعا صغارا وكبارا.
وقال آخرون: بل يشقّون الخشب فيجدون الكافور فى قلب العود منظّما مثل الملح، فيقلعونه منه، وهذا هو الأصحّ عندهم. وقد زعم آخرون أنّ الكافور يلتقط من شجر فى غياض ملتفّة فى سفوح جبال، وبين تلك الغياض والبحر مسيرة أيّام وأنّ الببور «١» تألف تلك الغياض، ولا يصل أحد إلى التقاطه خوفا منها إلّا فى وقت معلوم من السنة، وهو زمن هياج هذا الحيوان، لأنّه اذا هاج مرض، فتخرج إناثه وذكوره الى البحر فتستشفى بمائه نحوا من شهر، فيلتقط فى ذلك الوقت.
قالوا: ولولا ذلك لكان الكافور كثيرا جدا.
والكافور أصناف:
أفضلها الرّباحىّ «٢» ، وأجود الرّباحىّ الفنصورىّ «٣» . قالوا:
стр. 3923
ولا يوجد هذا الصّنف إلّا فى رءوس الشجر وفروعها، ولونه أحمر ملمّع، ثم يصعّد هناك فيكون منه الكافور الأبيض، وإنّما سمّى الكافور رباحيّا، لأن أوّل من وقع عليه ملك يقال له: (رباح) ، فنسب اليه؛ ومن الرّباحىّ صنف يسمّى المهنشان «١» وهو حبّ أبيض برّاق، ناعم الفرك، ذكىّ الرائحة؛ ومنه صنف يعرف بالبرتك «٢» ناعم الفرك، ذكىّ الرائحة، وليس له صفاء المهنشان، وبعده صنف يعرف بالسّرحان «٣» وهو أكبر حبّا من المهنشان، إلّا أنّه كثير الخشب، ولونه يضرب الى السواد ناعم الفرك، ومنه صنف يسمّى موطيان «٤» ، ناعم الفرك، يضرب الى الحمرة، ومنه صنف يسمّى المهاى لبصيصه، وهو حبّ أحمر الظاهر أبيض فى الفرك، جافّ الجوهر، ومنه صنف يعرف بالرقرق «٥» ، وصنف يعرف بالإسفرك «٦» ، وهو غثاء الكافور، وبعده صنف يسمّى الكندج «٧» ، يشبه لونه نشارة الساج «٨» ، إلّا أن فيه لينا
стр. 3924
ودهانة، وفى حبّه كبر، اذا كسر وجد داخله أسود، فاذا فرك وجد أبيض، وكلّ هذه الأصناف لا تدخل إلّا فى الأدوية، إلّا الرّباحىّ المجلوب من أرض (فنصور) فانّه لا ينبغى أن يستعمل إلّا فى الطّيب لجودته وحسنه، وقد ذكر محمد بن أحمد ابن سعيد التّميمىّ المقدسىّ فى كتابه المترجم (بجيب العروس) من الكافور أصنافا كثيرة، منها الذى أوردناه.
وقال أبو علىّ بن سينا: طبع الكافور بارد يابس فى الثالثة، واستعماله يسرع الشّيب، ويمنع الأورام الحارّة، واذا خلط بالخلّ أو مع عصير البسر أو مع ماء الآس «١» أو ماء الباذروج «٢» منع الرّعاف؛ و [نفع] الصّداع [الحارّ «٣» ] ؛ وهو يقوّى حواسّ المحرور؛ وهو يقطع الباه، ويولّد حصى الكلية والمثانة.
وأمّا الكهربا وما قيل فيه
- فالكهربا يسمّى مصباح الرّوم. وقال عبد الله بن البيطار فى مفرداته: من زعم أنّ الكهربا صمغ الحور الرّومىّ فليس قوله بصحيح. والكهربا صنفان: منها ما يجلب من بلاد الرّوم والمشرق؛ ومنها ما يوجد بالأندلس فى غربيّها عند سواحل البحر تحت الأرض، ويوجد فى واحات مصر. ويقال: إنّه رطوبة تقطر من الدّوم من ورقه، شبيهة بالعسل، يكون
стр. 3925
منها الكهربا، وقد يوجد فى داخلها الذّباب والتّين والحجارة. وأمّا من زعم أنّه صمغ الحور «١» الرّومىّ المعروف بالتّوز «٢» ، فيقول: إنّ صمغته ذهبية، تسيل فى النّهر الّذى يسمّى أمريدانوس «٣» ، فتجمد فيه، فيكون منه الكهربا؛ ولهذا الشجر ثمرة تسمّى السّدد «٤» والكهربا يجذب التّبن الى نفسه، ولذلك يسمّى كاه «٥» ربا، أى سالب التّبن؛ وأجوده الشّمعىّ اللّون.
وقال ابن سينا: طبع الكهربا حارّ قليلا، يابس فى الثالثة «٦» ؛ وهو قابض وخصوصا للدّم من أىّ موضع كان. قال، وقال بعضهم: إنّه يعلّق على الأورام
следующие страницы →