الباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الأوّل
١- فى ذكر الملائكة
قال رسول الله ﷺ : «أطّت [١] السماء، وحقّ لها أن تئطّ.
ما فيها موضع أربع أصابع، إلّا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد» .
والملائكة أولو أجنحة: مثنى، وثلاث، ورباع، وأكثر من ذلك. فإنه قد ورد أن جبريل ﵇ له ستمائة جناح. وهى الصورة التي رآه النبىّ ﷺ فيها مرّتين:
إحداهما فى الأرض، وقد سدّ ما بين الخافقين. ووصفه الله تعالى بالقوّة، فقال تعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)
. ومن قوّته، أنه اقتلع مدائن قوم لوط، وكانت خمس مدائن، من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء، حتّى إنّ أهل السماء يسمعون نبّاح كلابهم، وأصوات دجاجهم؛ ثمّ قلبها.
والمرّة الثانية، رآه ﷺ عند سدرة المنتهى. قال الله تعالى:
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) .
وكان هبوط جبريل ﵇ على الأنبياء (صلوات الله عليهم) ورجوعه فى أوحى [٢] من رجع الطّرف.
стр. 37
وعظماء الملائكة أربعة، وهم: إسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل.
وأقربهم من الله تعالى منزلة، إسرافيل.
فإذا أراد الله تعالى بوحى، جاء اللوح المحفوظ حتّى يقرع جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر فيه. فإن كان إلى السماء، دفعه إلى ميكائيل؛ وإن كان إلى الأرض، دفعه إلى جبرائيل؛ وإن كان بموت أحد، أمر به عزرائيل. صلوات الله عليهم! وقد روى فى قوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)
، هم أربعة من الملائكة:
جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. فجبريل على الجنود والرياح، وميكائيل على القطر والنبات، وعزرئيل على قبض الأرواح، وإسرافيل يبلّغهم ما يؤمرون به.
وجعل الله تعالى لهم أن يتمثلوا للبشر على ما شاءوا من الصور، كما كان جبريل يتمثل سيدنا رسول الله ﷺ على صورة دحية الكلبىّ مرارا، وفى صورة غيره من لرجال؛ وكما تمثّل لمريم ﵍ بشرا سويا. ونزلت الملائكة فى غزوة بدر على الخيول المسوّمة، وقد سدلوا ذوائب عمائمهم على مناكبهم. وهم مخلوقون من نور. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين!
стр. 38
الباب الرابع من القسم الأوّل من الفن الأوّل
١- فى الكواكب السبعة المتحيرة
قال الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)
. ذهب المفسرون إلى أنها هى الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمرّيخ، والشمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر.
وقالوا: إن هذه الكواكب هى المعنيّة بقوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) .
وسميت كنّسا لأنها تجرى فى البروج ثم تكنس أى تستتر كما تكنس الظباء؛ وخنسا لاستقامتها ورجوعها. وقيل الخنّس والكنّس منها خمسة، دون الشمس والقمر.
وسميت خنّسا لأن الخنوس فى كلام العرب الانقباض. وفى الحديث الشريف «الشيطان بوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس» أى انقبض ورجع. فيكون فى الكوكب بمعنى الرجوع. وكنّسا من قول العرب كنس الظبى اذا دخل الكناس، وهو مقرّه؛ ويكون فى الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.
وأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.
فقالوا فى زحل: زحل فلان إذا أبطأ، وبذلك سمّى هذا الكوكب لبطئه فى السماء.
وقيل الزّحل والزّحيل [١] الحقد وهو فى طبعه. وهذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول الله وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ) .
стр. 39
وقالوا فى المشترى: إنه إنما سمّى بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. وقيل لأنه نجم الشراء والبيع، ودليل الأموال، والأرباح.
وقالوا فى المرّيخ: إنه مأخوذ من المرخ (وهو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا) فسمّى بذلك لأحمراره. وقال آخرون المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمى به لا يستمرّ فى ممرّه. وكذلك المرّيخ، فيه التواء كثير فى سيره وحكمه، فشبه بذلك.
وقالوا فى الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التى فى المخنقة تسمّى «شمسة» .
وقالوا فى الزّهرة: إنها مشتقة من الزاهر، وهو الأبيض النّيّر من كل شىء.
وقالوا فى عطارد: إنه النافذ فى الأمور، ولهذا سمّى بالكاتب. وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه.
وقالوا فى القمر: إنه مأخوذ من القمرة، وهى البياض؛ والأقمر الأبيض.
والفرس تسمّى هذه الكواكب بلغتها «كيوان» ويعنون به زحل؛ و «تير» ، ويعنون به المشترى (وبعضهم يسميه «البرجيس» ) ؛ و «بهرام» ويعنون به المرّيخ؛ و «مهر» ويعنون به الشمس؛ و «أناهيد» ويعنون به الزّهرة (وبعضهم يسميها «بيدخت» ) ، و «هرمس» (ويعنون به عطارد) ، و «ماه» (ويعنون به القمر) .
وقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب فى بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:
لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدا ... مادام للسّبعة الأفلاك أحكام!
مهر، وماه، وكيوان، وتير معا ... وهرمس، وأناهيد، وبهرام!
стр. 40
وقال أبو إسحاق الصابى:
نل المنى فى يومك الأجود، ... مستنجحا بالطالع الأسعد!
وارق كمرقى زحل صاعدا ... إلى المعالى أشرف المقصد!
وفض كفيض المشترى بالنّدى ... إذا اعتلى فى أفقه الأبعد!
وزد على المرّيخ سطوا بمن ... عاداك من ذى نخوة أصيد!
واطلع كما تطلع شمس الضّحى ... كاسفة للحندس الأسود!
وخذ من الزّهرة أفعالها ... فى عيشك المستقبل الأرغد!
وضاه بالأقلام فى جريها ... عطارد الكاتب ذا السّودد!
وباه بالمنظر بدر الدّجى ... وافضله فى بهجته وازدد!
وقد اختص كلّ كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة، وما يتمثّل به مما فيه ذكرها، وما ورد فى ذلك من الأوصاف والتشبيهات: نظما ونثرا مما وقفت عليه فى أثناء مطالعتى لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم. وعدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطويّة وقبح الأعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم فى الوجود تأثيرات وأفعالا. أعاذنا الله تعالى من ذلك!
٢- ذكر ما قيل فى الشمس
(والشمس هى النيّر الأعظم) وقد ذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى إلى أن نور الشمس والقمر فى سائر السماوات بدليل قول الله (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) .
стр. 41
وجاء فى الحديث
عن النبىّ ﷺ أنه قال: «الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفاؤهما إلى الأرض»
وفى حديث آخر
«وجوههما إلى العرش وأقفاؤهما إلى الأرض»
. وفى حديث آخر
«ان الشمس تكون فى الصيف فى السماء الخامسة، وفى الشتاء فى السماء السابعة تحت عرش الرحمن»
. وزعموا أن حركتهما وحركة سائر الكواكب مستقيمة غير مستديرة، وأن الشمس تقطع سماء الدنيا فى يومها، وتغيب فى الأرض فى عين حمئة. ومعنى حمئة ذات حمأة.
وقد جاء فى تفسير قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)
أى إلى موضع قرارها، لأنها تجرى إلى أبعد منازلها فى الغروب، ثم ترجع؛ ومن قرأ «لا مستقرّ» لها أى هى دائبة السير ليلا ونهارا. وهى قراءة شاذة [١] .
وقد قال الله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ)
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تجرى لمستقر لها تحت العرش، فتخرّ ساجدة؛ فلا تزال كذلك حتّى يؤذن لها فى الطلوع. ويوشك أن يقال لها: ارجعى من حيث جئت؛ وذلك طلوعها من مغربها.
وذهب وهب بن منبّه إلى أن الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة، وقد تعلق بكل عروة ملك؛ يجرّونها فى السماء ودونها البحر المسجور فى موج مكفوف كأنه جبل ممدود فى الهواء، ولو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شىء حتّى الجبال والصخور. وروى عن كعب أنه قال: «خلق الله القمر من نور وخلق الشمس من نار» .
стр. 42
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً)
، والسراج لا يكون إلا من نار؛ وهما مضيآن لأهل السماوات؛ كما يضيآن لأهل الأرض.
وقد تقدّم الدليل على ذلك.
٣- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الشمس
يقال: أشهر من الشمس، أحسن من الشمس. أدلّ على الصبح من الشمس.
ومن أنصاف الأبيات:
وهل شمس تكون بلا شعاع
فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
ولو لم تغب شمس النهار، لملّت
الشمس نمّامة واللّيل قوّاد
الشمس طالعة إن غيّب القمر
وربّما تنكسف الشمس
والشمس تنحطّ فى المجرى وترتفع
إذا الشمس لم تغرب، فلا طلع البدر
ومن الابيات قول الطائى:
فإنّى رأيت الشّمس زيدت محبّة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد.
وقال علىّ بن الجهم.
والشّمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد.
وقال أبو تمّام:
وإنّ ضريح الرأى والحزم لأمرئ ... إذا بلغته الشمس، أن يتحوّلا.
стр. 43
وقوله:
وكلّ كسوف فى الدّرارى شنيعة، ... ولكنّه فى الشمس والبدر أشنع.
وقوله أيضا:
أعندك الشمس تجرى فى منازلها، ... وأنت مشتغل الالحاظ بالقمر؟
وقال البحترىّ:
كذاك الشّمس تبعد أن تسامى، ... ويدنو الضّوء منها والشّعاع.
وقال ابن الرومى:
ورأيته كالشّمس: إن هى لم تنل ... فالدّفء منها والضّياء ينال.
وقال أيضا:
كالشّمس لا تبدو فضيلتها ... حتّى تغشّى الأرض بالظّلم.
وقال أيضا:
كالشمس فى كبد السماء محلّها، ... وشعاعها فى سائر الآفاق.
وقال العبّاس بن الأحنف:
هى الشمس مسكنها فى السماء. ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا!
وقال أبو عبيد البكرىّ:
والشمس يستغنى، إذا طلعت، ... أن يستضاء بغرّة البدر.
وقال أبو الطيب المتنبى:
كالشمس لا تبتغى بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها.
стр. 44
وقال ابن لنكك البصرىّ:
وهبك كالشّمس فى حسن؛ ألم ترها ... يفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر؟
وقال ابن عبّاد:
فقلت: وشمس الضّحى تحتمى ... إذا بسطت فى المصيف الأذى.
وقال ابن مسعويه الخالدىّ:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست فى منازلها.
وقال أبو الفتح البستىّ:
فالحرّ حرّ عزيز النّفس حيث ثوى، ... والشّمس فى كلّ برج ذات أنوار.
٤- ذكر ما جاء فى وصف الشمس وتشبيهها
من ذلك قول الوزير المهلّبىّ:
الشّمس فى مشرقها قد بدت ... منيرة ليس لها حاجب.
كأنّها بودقة أحميت، ... يجول فيها ذهب ذائب.
وقال ظافر الحدّاد:
أنظر لقرن الشّمس بازغة ... فى الشّرق تبدو ثم ترتفع!
كسبيكة الزّجّاج ذائبة ... حمراء ينفخها فتتّسع.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
والشمس واضحة الجبين كأنّها ... وجه المليحة فى الخمار الأزرق!
стр. 45
وكأنّها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق!
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:
أو ما ترى شمس الأصيل عليلة ... تزداد من بين المغارب مغربا؟
مالت لتحجب شخصها فكأنها ... مدّت على الدّنيا ملاء مذهبا!
ومما وصفت به- وقد قابلت القمر- قول الشاعر:
أما ترى الشمس، وهى طالعة، ... تمنع عنّا إدامة النّظر؟
حمراء صفراء فى تلوّنها ... كأنّها تشتكى من السّهر.
مثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر.
وقال مؤيد الدين الطغرائى، عفا الله عنه ورحمه:
وكأنّما الشمس المنيرة إذ بدت، ... والبدر يجنح للمغيب وما غرب،
متحاربان: لذا مجنّ صاغه ... من فضّة، ولذا مجنّ من ذهب.
ومن أحسن ما وصفت به فى الطلوع والزوال والغروب قول أعرابىّ.
مخبّأة: أمّا إذا اللّيل جنّها ... فتخفى وأما فى النّهار فتظهر.
إذا انشقّ عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وانجاب الحجاب المسترّ
وألبس عرض الأفق لونا كأنّه ... على الأفق الغربىّ ثوب معصفر
عليها دروع الزّعفران، يشوبه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر:
ترى الظّلّ يطوى حين تبدو وتارة ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر.
فأفنت قرونا، وهى فى ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كلّ يوم وتنشر!
стр. 46
وقال آخر:
وبدالنا ترس من الذّهب الذى ... لم ينتزع من معدن بتعمّل.
مرآة نور لم تشن بصياغة ... كلّا ولا جليت بكفّ الصّيقل.
تسمو إلى كبد السماء كأنّها ... تبغى هناك دفاع أمر معضل.
حتّى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل.
ثم انثنت تبغى الحدور كأنها ... طير أسفّ مخافة من أجدل.
ومما وصفت به، وقد قابلت الغيم، قول ابن المعتز:
تظلّ الشمس ترمقنا بطرف ... خفىّ لحظه من خلف ستر.
تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنّين يحاول نيل بكر.
وقال آخر:
وعين الشمس ترنو من بعيد ... رنوّ البكر من خلف السّتور.
وقال محمد بن رشيق:
فكأنّ الشّمس بكر حجّبت ... وكأنّ الغيم ستر قد ستر [١] .
٥- ذكر شىء مما وصفت به على طريق الذمّ
فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن عمير، وقد سئل عنها فقال: مظهرة للدّاء، مثقّلة للهواء، مبلاة للثوب، جالبة للهب.
وقال آخر: الشمس تشحب اللون، وتغيّر العرق، وترخى البدن، وتثير المرّة.
إذا احتجمت فيها، أمرضتك؛ وإن أطلت النوم فيها، أفلجتك؛ وإن قربت منها، صرت زنجيّا، وإن بعدت عنها، صرت صقلّيّا.
стр. 47
وقال ابن سنا الملك:
لا كانت الشمس! فكم أصدأت ... ضفحة خدّ كالحسام الصّقيل!
وكم وكم صدّت بوادى الكرى ... طيف خيال جاءنى عن خليل!
وأعدمتنى من نجوم الدّجى ... ومنه روضا بين ظلّ ظليل!
تكذب فى الوعد؛ وبرهانه ... أنّ سراب القفر منها سليل.
وهى إذا أبصرها مبصر ... حديد طرف، راح عنها كليل.
يا علّة المهموم، يا جلدة ال ... محموم، يا زفرة صبّ نحيل!
يا قرحة المشرق عند الضّحى، ... وسلحة المغرب عند الأصيل!
أنت عجوز، لم تبرّجت لى، ... وقد بدا منك لعاب يسيل؟
وقال التيفاشىّ، عفا الله تعالى عنه ورحمه:
فى خلقة الشمس وأخلاقها ... شتّى عيوب ستة تذكر.
رمداء، عمشاء، إذا أصبحت؛ ... عمياء عند اللّيل، لا تبصر.
ويغتدى البدر لها كاسفا ... وجرمها من جرمه أكبر.
حرورها فى القيظ لا تتّقى ... ودفؤها فى القرّ مستحقر.
وخلقها خلق المليك الذى ... ينكث فى العهد ولا يصبر.
ليست بحسناء. وما حسن من ... يحسر عنه اللحظ لا يبصر؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا ... ولا تسوّد بيض العذر واللّمم.
وكان حالهما فى الحكم واحدة ... لو اختصمنا من الدّنيا إلى حكم.
стр. 48
٦- ذكر ما قيل فى الكسوف
روى أن الشمس كسفت فى عهد رسول الله ﷺ ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله
فقال النبىّ ﷺ «إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوّف بهما عباده، وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبّروا وصلّوا حتّى يكشف ما بكم» .
وقال محمد بن هانئ فى الكسوف.
هى الحوادث لا تبقى ولا تذر! ... ما للبريّة من محتومها وزر!
لو كان ينجى علوّ من بوائقها، ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر!
٧- ذكر أسماء الشمس اللغوية
وللشمس أسماء نطقت بها العرب. فمنها: ذكاء، والجارية، والجونة، والغزالة، واللاهة [١] ، والضّحى، والضّحّ، ويوح (بالياء المثناة والباء الموحدة) ، والشّرق، وحناذ، والعين، والمؤوّبة، والسّراج.
стр. 49
٨- ذكر عبّاد الشمس
قال الشهرستانىّ فى كتابه المترجم «بالملل والنحل» : إن عبدة الشمس طائفة من الهنود يسمّون الديبكينية [١] أى عباد الشمس؛ ومذهبهم مذهب الصابئة. وتوجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر الإلهية والربوبيّة عليها. ويزعمون أن الشمس ملك من الملائكة، وأن لها نفسا وعقلا، ومنها نور الكواكب، وضياء العالم، وتكوّن الموجودات السفلية. وهى ملك يستحق التعظيم، والسجود، والتبخير، والدعاء. ومن سنتهم أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. وللصنم بيت خاصّ بنوه باسمه ووقفوا عليه ضياعا، وله سدنة وقوّام. فتأتى هذه الطائفة إلى البيت، ويصلّون فيه ثلاث كرّات.
ويأتى أصحاب العلل والأمراض فيصومون له، ويصلّون، ويدعون، ويستشفون به.
٩- ذكر ما قيل فى القمر
(وهو النير الثانى) ذهب وهب بن منبّه أن القمر موضوع على عجلة فى فلك، والفلك يدور بأمر الله تعالى إلى ناحية المغرب، والعجلة يجرّها ثلاثمائة وستون ملكا إلى ناحية المشرق؛ وتدوير العجلة من تدوير الفلك الأعظم؛ وتدوير فلك القمر من تدوير العجلة.
ويقال: إن القمر كان كالشمس فى الضياء. فلم يكن يعرف الليل من النهار، فأمر الله تعالى جبريل أن يمرّ عليه بجناحه، فمرّ عليه، فمحاه. فهو ما ترى فيه من السواد.
стр. 50
وبهذا القول فسر قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً) .
قالوا: ولا يسمّى قمرا إلا بعد مضىّ ثلاث ليال من استهلاله. والأقمر هو الأبيض.
١٠- ذكر ما قيل فى القمر
(من استهلاله إلى انقضاء الشهر وأسماء لياليه) قالوا: وللقمر من أوّل الشهر إلى آخره خمس حالات؛ وللياليه عشرة أسماء أما حالاته الخمس:
فالأولى: الهلالية، وهى خروجه من تحت شعاع الشمس وظهوره فى الغرب فى أوّل الشهر.
الثانية: أن يفضل فيه النور على الظلمة، وذلك فى الليلة السابعة من الشهر.
الثالثة: الاستقبال، وهو كونه فى البرج السابع من بروج الشمس، ويسمّى الامتلاء لامتلاء القمر فيه نورا، وذلك فى الليلة الرابعة عشرة من الشهر، ويسمّى القمر فيها بدرا لكماله، ويسمّى بذلك لامتلائه، وقيل لمبادرته الشمس بالطلوع، وتسمّى الليلة التى قبلها (وهى الثالثة عشرة) ليلة السّواء لاستواء القمر فيها، وقيل: لاستواء ليلها ونهارها فى الضياء، وهى ليلة التّمام.
الرابعة: أن تفضل الظلمة فيه على النور، وذلك فى الليلة الثانية والعشرين من الشهر.
стр. 51
الخامسة: المحاقيّة، وهى مدّة استتاره بشعاع الشمس؛ ويسمّى ذلك أيضا سرارا، وذلك فى الليلة التاسعة والعشرين، ويمكن أن يغيب ثلاث ليال لا يرى ويهلّ فى اليوم الرابع، ويسمّى حينئذ قمرا لا هلالا؛ والشمس تعطيه من نورها كلّ ليلة ما يستضىء به نصف سبع قرصه حتّى يكمل، ثم يسلبه من الليلة الخامسة عشرة، فى كل ليلة نصف سبع قرصه حتّى لا يبقى فيه نور فيستتر.
وأما أسماء لياليه، فإنه يقال لأوّل ثلاثة منها غرر، والثانية شهب، والثالثة زهر، والرابعة بهر، والخامسة بيض، والسادسة درع، والسابعة [١] حنادس، والثامنة ظلم، والتاسعة داد، والعاشرة ليلتان منها محاق وليلة سرار؛ ويسمّون الليلة الثامنة والعشرين الدّعجاء، والليلة التاسعة والعشرين الدّهماء، والليلة الموفية ثلاثين اللّيلاء، ويسمّونها ليلة البراء لتبرّى القمر من الشمس.
١١- ذكر أسماء القمر اللّغوية
وللقمر أسماء نطقت بها العرب. فمنها: القمر، والباهر، والبدر، والطّوس، والجلم، والغاسق، والوبّاص، والزّبرقان، والمنشقّ، والواضح [٢] ، والباحور، والأبرص، والزّمهرير. ومنه قول الله : (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً)
وقول بعض العرب.
وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزّمهرير ما ظهر.
стр. 52
ومن أسمائه: السّنمّار، والسّاهور.
والفخت ضوءه، والأخذ [١] منزلته. وكذلك الوكس، وهى المنزلة التى يكسف فيها:
والهالة دارته.
١٢- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر القمر
يقال فى أمثالهم:
أضيع من قمر الشتاء! قيل لأنه لا يجلس فيه.
إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر.
ويقال: أضوأ من القمر؛ وأتمّ من البدر.
ومن أنصاف الأبيات:
أريها السّها وترينى القمر
لا تخرج الأقمار من هالاتها
هكذا البدر فى الظّلام يوافى
كذاك كسوف البدر عند تمامه
ومن الأبيات قول الطائى:
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا.
وقال ابن أبى البغل، والبيت الثانى لابن بحر:
المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضعيفا ضئيلا ثم يتّسق.
«يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصا ثم ينمحق» .
وقال أبو الفرج الببغا:
ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى فى السّرار فما خلص!
стр. 53
١٣- ذكر ما قيل فى وصفه وتشبيهه
من ذلك قول عبد الله بن المعتتر فى الهلال:
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حموله من عنبر!
وقول عبد الجبار بن حمديس الصقلىّ:
وربّ صبح رقبناه، وقد طلعت ... بقيّة البدر فى أولى بشائره!
كأنّما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصّبح، ألقى نعل حافره!
وقال آخر:
قد انقضت دولة الصّيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد!
يتهلو الثّريّا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود!
وقال أبو هلال العسكرىّ:
فى هلال كأنّه حيّة الرّم ... ل أصابت على اليفاع مقيلا
. بات فى معصم الظّلام سوارا ... وعلى مفرق الدّجى إكليلا.
وقال آخر:
والجوّ صاف والهلال مشنّف ... بالزّهرة الزّهراء نحو المغرب.
كصحيفة زرقاء فيها نقطة ... من فضة من تحت نون مذهب.
وقال آخر:
قلت لمّا دنت لمغربها الشّم ... س ولاح الهلال للنّظّار:
أقرض الشّرق صنوه الغرب دينا ... را فأعطاه الرّهن نصف سوار.
стр. 54
وقال أبو العلاء المعرّى:
ولاح هلال مثل نون أجادها ... بذوب النّضار الكاتب ابن هلال.
وقال آخر:
وكأنّ الهلال نون لجين ... غرقت فى صحيفة زرقاء.
وقال أبو عاصم البصرىّ من شعراء اليتيمة:
رأيت الهلال، وقد أحدقت ... نجوم الثّريّا لكى تسبقه.
فشبّهته وهو فى إثرها ... وبينهما الزّهرة المشرقه،
بقوس لرام رمى طائرا ... فأتبع فى إثره بندقه.
وقال آخر:
ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبّات زرقاء اللّباس.
وقال الواوا الدمشقىّ ﵀:
وكأنّ الهلال تحت الثّريّا ... ملك فوق رأسه إكليل!
وقال إبراهيم بن محمد المرادىّ، من شعراء الأنموذج، ملغزا فيه:
دع ذا! وقل للنّاس: ما طارق، ... يطرقكم جهرا ولا يتّقى؟
ليس له روح على أنّه ... يركب ظهر الأدهم الأبلق.
شيخ رأى آدم فى عصره ... وهو إلى الآن بخدّ نقى.
ومدّ وسط السّجن مع قومه ... لا ينبرى من نهجه الضّيّق.
هذا ويمشى الأرض فى ليلة ... أعجب به من موثق مطلق.
стр. 55
فتارة ينزل تحت الثّرى ... وتارة وسط السّما يرتقى.
وتارة يوجد فى مغرب ... وتارة يوجد فى المشرق.
وتارة تحسبه سابحا ... يسرى بشاطى البحر كالزّورق.
وتارة تحسبه وهو فى ... أستاره والبعض منه بقى،
ذبابة من صارم مرهف ... بارزة من جفنه المطبق.
يدنو إلى عرس له حسنها ... يختطف الأبصار بالرّونق.
حتّى اذا جامعها يرتدى ... بحلّة سوداء كالمحرق.
وهو على عادته دائما ... يجامع الأنثى ولا يتّقى.
ثم يجوب القفر من أجلها ... مشتملا فى مطرف أزرق.
حتّى اذا قابلها ثانيا ... تشكّه بالرّمح فى المفرق.
وبعد ذا تلبسه حلّة ... يا حسنها فى لونها المونق!
فجسمه من ذهب جامد ... وجلده صيغ من الزّئبق.
وهو إذا أبصرته هكذا ... أملح من صاحبة القرطق.
وقال ابن المعتز:
نظرت فى يوم لذّة عجبا ... وافى به للسّعود مقدار.
يقابل الشمس فيه بدردجى ... يأخذ من نورها ويمتار.
كصيرفىّ يروح منتقدا ... فى كفّه درهم ودينار.
стр. 56
وقال عبد الله بن علىّ الكاتب:
كشف البدر وجهه لتمام، ... فوجوه النّجوم مستترات
. وكأنّ البدر التّمام عروس، ... وكأنّ النّجوم مستنقبات.
١٤- ذكر شىء مما قيل فيه على طريق الذم
حكى أن أعرابيا رأى رجلا يرقب الهلال. فقال له: ما ترقب فيه، وفيه عيوب لو كانت فى الحمار لردّ بها؟ قال: وما هى؟ فقال: إنه يهدم العمر، ويقترب الأجل، ويحلّ الدّين، ويقرض الكتّان، ويشجب اللون، ويفسد اللحم، ويفضح الطارق، ويدلّ السارق.
ومن عيوبه أن الإنسان إذا نام فى ضوئه حدث فى بدنه نوع من الاسترخاء والكسل، ويهيج عليه الزكام والصّداع؛ وإذا وضعت لحوم الحيوانات مكشوفة فى ضوئه، تغيرت طعومها وروائحها.
وقال ابن الرومىّ:
ربّ عرض منزّه عن قبيح ... دنّسته معرّضات الهجاء.
لو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر، رماه بالخطّة الشّنعاء.
قال: يا بدر أنت تغدر بالسّا ... رى وتزرى بزورة الحسناء.
كلف فى شحوب وجهك يحكى ... نكتّا فوق وجنة برصاء.
يعتريك المحاق ثمّ يحليّ ... ك شبيه القلامة الحجناء.
стр. 57
ويليك النّقصان فى آخر الشّهر ... فيمحوك من أديم السّماء.
فإذا البدر نيل بالهجو، هل يأ ... من ذو الفضل ألسن الشّعراء؟
لا لأجل المديح، بل خيفة الهج ... وأخذنا جوائز الخلفاء!
هذا ما أمكن إيراده فى القمر، فلنذكر خبر عبّاد القمر.
١٥- ذكر عبّاد القمر
قال الشهرستانىّ: عبّاد القمر طائفة من الهنود يسمّون الحندر بكتية [١] ، أى عبّاد القمر. يزعمون أن القمر ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلىّ، ومنه نضج الأشياء المتكوّنة واتصالها إلى كمالها؛ وبزيادته ونقصانه تعرف الأزمان والساعات؛ وهو تلو الشمس وقرينها، ومنها نوره، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه؛ ومن سنّتهم أنهم اتخذوا صنما على عجلة تجرّه أربعة، [٢] وبيده جوهرة؛ ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر، ولا يفطروا حتّى يطلع القمر، ثم يأتون الصنم بالطعام والشراب واللبن، ثم يرغبون إليه وينظرون إلى القمر، ويسألونه حوائجهم؛ فإذا استهل الشهر علوا السّطوح، وأوقدوا الدّخن، ودعوا عند رؤيته، ورغبوا إليه، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا إليه إلا على وجوه حسنة. وفى نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار، أخذوا فى الرقص واللعب بالمعازف بين يدى الصنم والقمر.
стр. 58
١٦- ذكر ما قيل فى الكواكب المتحيرة
والكواكب الخمسة الباقية من الكواكب السبعة تسمّى المتحيرة. ثلاثة منها علوية تعلو أفلاكها فلك الشمس، وهى: زحل، والمشترى، والمرّيخ؛ واثنان سفلية فلكهما تحت فلك الشمس، وهى: الزّهرة، وعطارد.
وسمّيت هذه الكواكب المتحيرة لأنها ترجع أحيانا عن سمت مسيرها بالحركة الشرقية، وتتبع الغربية. فهذا الأرتداد فيها شبه التحير.
١٧- ذكر عباد الروحانيات
(وما احتجوا به فى سبب عبادتهم لها [١] ) وعباد الروحانيات هم الصابئة. يقال: صبأ الرجل إذا مال وزاغ.
ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان.
وكانت الصابئة تقول: إنا نحتاج فى معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه، إلى متوسط؛ ولكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا.
وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب؛ والجسمانىّ بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يماثلنا فى الصورة والمادّة.
قالوا: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) .
وقالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرّب إليه بالمتوسطات المقرّبين لديه، وهم الروحانيون المقدّسون المطهرون، جوهرا وفعلا وحالة.
стр. 59
أما الجوهر فهم المقدّسون عن الموادّ الجسمانية، المبرؤون عن القوى الجسدانية، أى منزّهون عن الحركات المكانية، والتغييرات الزمانية؛ قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) .
وإنما أرشدنا إلى هذا معلمنا الأوّل، عاذيمون، وهرمس. فنحن نتقرّب إليهم، ونتوكل عليهم، وهم أربابنا، وآلهتنا، ووسائلنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة. فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا من دنس الشهوات الطبيعية، ونهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتّى يحصل لنا مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات. فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبأ فى جميع أمورنا إليهم. فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم. وهذا التطهير والتهذيب ليس إلا باكتسابنا، ورياضتنا، وفطامنا لأنفسنا عن دنيّات الشهوات، باستمداد من جهة الرّوحانيات؛ والاستمداد هو التضرّع والابتهال. بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم. فيحصل لنفوسنا استعداد أو استمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعى الوحى واحدا.
قالوا: والأنبياء أمثالنا فى النوع، وأشكالنا فى الصورة، ومشاركونا فى المادّة.
يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا فى الصورة. أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأيّة مزية لهم لزم مشايعتهم؟ (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) .
قال: وأما الفعل، فالروحانيات هم الأسباب المتوسطون فى الاختراع، والإيجاد،
стр. 60
وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدإ إلى كمال، يستمدّون القوّة من الحضرة القدسية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفليه.
فمنها- مدبرات الكواكب السبعة السيّارة فى أفلاكها، وهى هياكلها. فلكل روحانى هيكل، ولكل هيكل فلك. ونسبة الروحانىّ إلى ذلك الهيكل الذى اختص به نسبة الروح إلى الجسد. فهو ربه ومديره ومدبره.
وكانوا يسمون الهياكل أربابا (وربما يسمونها أباء) ، والعناصر أمهات.
ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات فى الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامثراجات فى المركبات فتتبعها قوّى جسمانية، وتركب عليها نفوس روحانية، مثل أنواع النبات والحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحانىّ كلىّ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحانىّ جزئىّ. فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك.
ومنها- مدبرات الآثار العلوية الظاهرة فى الجوّ مما يصعد من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياج؛ وما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهب؛ وما يحدث فى الجوّ من الرعد والبرق والسحاب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرّة؛ وما يحدث فى الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة إلى غير ذلك.
ومنها- متوسطات القوى السارية فى جميع الموجودات، ومدبرات الهداية الشائعة فى جميع الكائنات، حتى لا ترى موجودا ما خاليا عن قوّة وهداية، إذا كان قابلا لهما.
قالوا: وأما الحالة، فأحوال الروحانيات من الرّوح، والرّيحان، والنعمة، واللذة، والراحة، والبهجة، والسرور فى جوار رب العالمين، كيف تخفى؟ ثم طعامهم وشرابهم
стр. 61
التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد؛ وأنسهم بذكر الله وطاعته، فمن قائم وراكع وساجد، ومن قاعد لا يريد تبدل حالته لما هو فيه من النعمة واللذة، ومن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ساكن لا يتحرّك، ومتحرّك لا يسكن، وكروبىّ [١] فى عالم القبض، وروحانىّ فى عالم البسط (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ) .
وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء فى المفاضلة بين الروحانىّ المحض والبشرية النبوية، ليس هذا موضع إيرادها.
فلنذكر إن شاء الله تعالى بيوت الهياكل، تلو ما ذكرناه من عباد الروحانيات ومحتجّاتهم!
١٨- ذكر بيوت الهياكل (وأماكنها ونسبتها إلى الكواكب)
قالوا: ثم لم تقتصر الصابئة على التقرّب إلى الروحانيات بأعيانها، والتلقى بذواتها حتّى اتخذوا أصناما على هيئة الكواكب السبعة، وجعلوا لها بيوتا، وسمّوا البيوت بالهياكل، وجعلوا الهياكل الأفلاك للكواكب. وعظموا هذه الأصنام التى صنعوها، وزعموا أنهم إذا عظموها تحرّكت لهم الكواكب السبعة العلوية بكل ما يريدون.
وحكى المسعودىّ فى كتابه المترجم «بمروج الذهب ومعادن الجوهر» أن هذه الطائفة تزعم أن البيت الحرام هيكل زحل، وإنما طال بقاء هذا البيت على مرور الدهور، معظما فى سائر العصور، لأن زحل تولّاه: إذ من شأنه الثبوت [٢] .
стр. 62
ومن البيوت المشهورة [١] :
بيت على رأس جبل أصفهان، يسمّى مارس [٢] ، ثم اتخذه بعض ملوك المجوس بيت نار؛ وبيت ببلاد الهند، وبيت ببلخ، بناه منوشهر على اسم القمر، وكان الموكل بسدانته يسمونه برمك، وإليه تنسب البرامكة؛ وبيت غمدان باليمن، بناه الضحاك على اسم الزّهرة؛ وبيت بفرغانة [٣] ، على اسم الشمس، يعرف بكاوسان، بناه كاوس [٤] أحد ملوك الفرس، وخربه المعتضد [٥] بالله؛ وبيت ببلاد الصين، بناه ولد عامور بن شوبل [٦] بن يافث، وقيل بناه بعض ملوك الترك [٧] .
وحكى غير المسعودى أن البيت الأوّل الكعبة. ويذكرون أن إدريس ﵇ أوصى به، وأوصى أن يكون الحج إليه وهو عندهم بيت زحل؛ والبيت
стр. 63
الثانى وهو بيت المرّيخ، يزعمون انه كان بصور من الساحل الشامىّ؛ والبيت الثالث وهو بيت المشترى، كان بدمشق بناه جيرون بن سعد بن عاد، وموضعه الآن الجامع الأموىّ؛ والبيت الرابع وهو بيت الشمس بمصر، ويسمى عين شمس، وآثاره باقية الى وقتنا هذا [١] ؛ والبيت الخامس وهو بيت الزهرة، كان بمنبج وخرب؛ والبيت السادس بيت عطارد، وكان بصيدا من الساحل الشامىّ وخرب؛ والبيت السابع وهو بيت القمر، كان بحرّان؛ وهو بيت الصابئة الأعظم.
الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الأوّل
١- فى الكواكب الثابتة
ذهب بعض من تكلم فى ذلك أن هذه الكواكب معلقة فى سماء الدنيا كالقناديل، وأنها مخلوقة من نور.
وقال آخرون: إنها معلقة بأيدى ملائكة. وفسر بهذا القول قوله تعالى (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ)
. يقال انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة.
وهذه الكواكب فى سماء الدنيا بنص الكتاب العزيز، لقول الله : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) .
стр. 64
وقال قتادة: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاثة: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها فى البر والبحر. فمن تأوّل غير هذا فقد أخطأ.
قالوا: وإنما سميت بالثوابت، وإن كانت متحرّكة لأنها ثابتة الابعاد على الأبد، لا يقرب أحدها من الآخر، ولا يبعد عنه، ولا يزيد، ولا ينقص، ولا تتغيّر عن جهاتها. لأنها تتحرّك بحركتها الطبيعية حول قطبى العالم. ولهذا سميت ثابتة. وهى فى فلك ثامن غير أفلاك الكواكب السبعة السيارة. ودليل ذلك أن للكواكب السبعة حركات أسرع من حركات هذه.
٢- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الكواكب
يقال: أناى من كوكب؛ أبعد من مناط النجم؛ أهدى من النجم.
ومن أنصاف الأبيات:
وأين نزيل الأرض عند الكواكب؟ ... وأين الثّريّا من يد لمتناول؟
والكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
ومن الأبيات قول أبى تمّام عفا الله عنه:
كالنّجم إن سافرت كان مواكبا ... وإذا حططت الرحل كان جليسا.
وقال أبو نواس:
أين النّجوم الثّابتا ... ت من الأهلّة والبدور؟
وقال آخر:
وكنّا فى اجتماع كالثّريّا، ... فصرنا فرقة كبنات نعش!
стр. 65
وقال آخر:
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر، ... لم يعل موضع فرقد من فرقد.
وقال الوزير أبو الفتح البستىّ:
وللنّجم من بعد الرّجوع استقامة ... وللشّمس من بعد الغروب طلوع.
وقال جحظة:
مثل الّذى يرجو البلو ... غ إلى الكواكب وهو مقعد.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا، ... عمرك الله! كيف يلتقيان؟
هى شاميّة إذا ما استهلّت، ... وسهيل إذا استهلّ يمانى.
وقال آخر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه، ... لعمر أبيك، إلا الفرقدان!
٣- ذكر ما قيل فى وصف الكواكب وتشبيهها
من ذلك ما قاله ابن حجّاج فى المجرّة:
يا صاحبىّ استيقظا من رقدة ... تزرى على عقل اللّبيب الأكيس!
هذى المجرّة والنّجوم كأنّها ... نهر تدفّق فى حديقة نرجس!
وقال آخر:
وكأنّ المجرّ جدول ماء ... نوّر الأقحوان فى جانبيه.
стр. 66
وقال المهذب بن الزبير فيها:
وترى المجرّة والنّجوم كأنّها ... تسقى الرياض بجدول ملآن.
لو لم يكن نهرا، لما عامت به ... أبدا نجوم الحوت والسّرطان.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
تبدو المجرّة منجرّا ذوائبها ... كالماء ينساح أو كالأيم [١] ينساب.
وقال هشام بن إلياس فى الجوزاء:
فكأنّما جوزاؤه فى غربها ... بيضاء سابحة ببركة زئبق.
وكأنّما أومت ثلاث أنامل ... منها تقول: إلى ثلاث نلتقى!
وقال آخر:
وكأنّ الجوزاء لمّا استقلّت ... وتدلّت، سرادق ممدود.
وقال العلوىّ فيها أيضا:
ها إنّها الجوزاء فى أفقها ... واهية ناعسة تسحب.
نطاقها واه لدى أفقها ... ينسلّ منها كوكب كوكب.
وقال ابن وكيع فيها:
قم فاسقنى صافية ... تهتك جنح الغسق!
أما ترى الصّبح بدا ... فى ثوب ليل خلق؟
стр. 67
أما ترى جوزاءه ... كأنّها فى الأفق،
منطقة من ذهب ... فوق قباء أزرق؟
وقال كعب الغنوىّ:
وقد مالت الجوزاء حتّى كانّها ... فساطيط ركب بالفلاة نزول.
وقال امرؤ القيس فى الثّريّا:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل.
وقال ابن الطّثريّة:
إذا ما الثّريّا فى السّماء كأنّها ... جمان وهى من سلكه، فتبدّدا.
وقال المبرّد:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعترضت، ... يراها حديد العين ستّة أنجم.
على كبد الجرباء وهى كأنّها ... جبيرة درّ ركّبت فوق معصم.
وقال عبد الله بن المعتز:
فناولنيها، والثّريّا كأنّها ... جنى نرجس حيّا النّدامى بها الساقى.
وقال أيضا:
كأنّ الثّريّا فى أواخر ليلها ... تفتّح نور أو لجام مفضّض.
وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة فيها:
فسمونا، والفجر يضحك فى الشّر ... ق إلينا مبشّرا بالصّباح.
стр. 68
والثّريّا كراية أو لجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح،
وكأنّ النّجوم فى يد ساق ... يتهادى تهادى الأقداح.
وقال ابن المعتز:
ولاحت لساريها الثّريّا كأنّها ... على الأفق الغربىّ قرط مسلسل.
وقال أبو نضلة:
وتأمّلت الثّريّا ... فى طلوع ومغيب.
فتخيّرت لها التش ... بيه فى المعنى المصيب.
وهى كأس فى شروق ... وهى قرط فى غروب.
وقال آخر:
كأنّ الثّريّا هودج فوق ناقة ... يسير بها حاد مع الليل مزعج،
وقد لمعت بين النّجوم كأنّها ... قوارير فيها زئبق يترجرج.
وقال ابن سكرة الهاشمىّ:
ترى الثّريّا، والغرب يجذبها ... والبدر يهوى والفجر ينفجر.
كفّ عروس لاحت خواتمها ... أو عقد درّ فى البحر ينتثر.
وقال محمد بن الحسن الحاتمىّ:
وخلت الثّريّا كفّ عذراء طفلة ... مختّمة بالدّرّ منها الأنامل.
تخيّلتها فى الجوّ طرّة جعبة ... ملوكيّة لم تعتلقها حمائل.
كأنّ نبالا ستّة من لآلئ ... يوافى بها فى قبّة الأفق نابل.
стр. 69
وقال أحمد بن إبراهيم الضبىّ، شاعر اليتيمة:
خلت الثريا إذ بدت ... طالعة فى الحندس:
مرسلة من لؤلؤ ... أو باقة من نرجس
وقال أبو العلاء المعترىّ فى سهيل.
وسهيل كوجنة الحبّ فى اللّو ... ن وقلب المحبّ فى الخفقان.
مستبدّا كأنّه الفارس المع ... لّم يبدو معارض الفرسان.
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد لاح للسّارى سهيل كأنّه ... على كلّ نجم فى السّماء رقيب!
وقال الشريف بن طباطبا:
وسهيل كأنّه قلب صبّ ... فاجأته بالخوف عين الرقيب.
وقال أبو عبادة البحترىّ:
كأنّ سهيلا شخص ظمآن جانح ... من اللّيل فى نهر من الماء يكرع.
وقال ابن طباطبا:
كأنّ سهيلا، والنّجوم أمامه ... يعارضها، راع أمام قطيع.
وقال الشريف الرضىّ فى الفرقدين:
وهبّت لضوء الفرقدين نواظرى ... إلى أن بدا ضوء من الفجر ساطع.
كأنّهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإنّى سامع!
стр. 70
وقال آخر:
قلت للفرقدين واللّيل مرخ ... ستر ظلمائه على الآفاق:
ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق!
وقال القاضى التنوخىّ:
وأشقر الجوّ قد لاجت كواكبه ... فيه كدرّ على الياقوت منثور.
وقال القاضى الفاضل، عبد الرحيم من رسالة:
«سرنا، وروضة السماء فيها من الزهر زهر، ومن المجرّة نهر؛ والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أقاح، أو كالزّنج شعله من الرمح جراح، والكواكب سائرات المواكب لا معرّس لها دون الصّباح؛ وسهيل كالظمآن تدلّى إلى الأرض ليشرب، أو الكريم أنف من المقام بدار الذّل فتغرّب. فكأنه قبس تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدى الصباح؛ أو ناظر يغضّه الغيظ ويفتحه، او معنى يغمضه الحسن ثم يشرحه؛ أو صديق لجماعة الكواكب مغاضب، أو رقيب على المواكب مواكب؛ أو فارس يحمى الأعقاب، أو داع به إليها وقد شردت عن الأصحاب. والجوزاء كالسرادق المضروب، أو الهودج المنصوب؛ أو الشجرة المنوّرة، أو الحبر المصوّرة. والثريا قد همّ عنقودها أن يتدلّى، وجيش الليل قد همّ أن يتولّى» .
стр. 71
القسم الثانى من الفن الأوّل فى الآثار العلوية وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل من القسم الثانى من الفن الأوّل
١- فى السحاب، وسبب حدوثه، وفى الثّلج والبرد
والسحاب من الآثار العلوية.
روى أبو الفرج بن الجوزىّ بإسناد يرفعه إلى عبيد ابن عمير أنه قال: يبعث الله ريحا فتقمّ الأرض، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، وذلك أنها تحمل الماء فتمجّه.
فى السحاب، ثم يمريه فيدرّكما تدرّ اللّقحة.
وقد روى فى الأثر أن الرياح أربع: ريح تقم؛ وريح تثير، فتجعله كسفا؛ وريح تؤلّف، فتجعله ركاما؛ وريح تمطر.
وروى عن عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النّتوج بولدها.
وروى عن عكرمة (رضى الله عنه) أنه قال: ينزل الله الماء من السماء السابعة
стр. 72
فتقع القطرة على السحاب مثل البعير، والسحاب للمطر كالغربال ينزل منه بقدر.
ولولا ذلك لأفسد ما على الأرض.
وقال الزمخشرى فى تفسيره: السحاب من السماء ينحدر، ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم أنه يأخذ من البحر. ويؤيد ذلك قوله (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) .
٢- ذكر ما قيل فى ترتيب السحاب
(وأسمائه اللغوية وأصنافه) قال أبو منصور، عبد الملك بن محمد الثعالبىّ فى فقه اللغة، ينقله عن أئمتها:
أوّل ما ينشأ السحاب، فهو نشء.
فإذا انسحب فى الهواء، فهو السحاب.
فإذا تغيرت وتغممت له السماء، فهو الغمام.
فإذا كان غيم ينشأ فى عرض السماء فلا تبصره، وإنما تسمع رعده، فهو العقر.
فإذا أطلّ وأظلّ السماء، فهو العارض.
فإذا كان ذا رعد وبرق، فهو العرّاص.
فإذا كانت السحابة قطعا صغارا متدانيا بعضها من بعض، فهى النّمرة.
فإذا كانت متفرّقة، فهى القزع.
فإذا كانت قطعا متراكمة، فهى الكرفئ (واحدتها كرفئة) .
فإذا كانت قطعا كأنها قطع الجبال، فهى قلع، وكنهور (واحدتها كنهورة) .
فإذا كانت قطعا رقاقا، فهى الطّخارير (واحدتها طخرور) .
стр. 73
فإذا كانت حولها قطع من السحاب، فهى مكلّلة.
فإذا كانت سوداء، فهى طخياء، ومتطخطخة.
فإذا رأيتها وخسبتها ما طرة، فهى مخيّلة.
فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضا، فهو المكفهّر.
فإذا ارتفع ولم ينبسط، فهو النّشاص.
فإذا تقطع فى أقطار السماء وتلبّد بعضه فوق بعض، فهو القرد.
فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق، فهو العماء، والعماية، والطّخاء، والطّخاف، والطّهاء.
فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء، فهو الحبىّ.
فإذا عنّ، فهو العنان.
فإذا أظل الأرض، فهو الدّجن.
فإذا اسودّ وتراكب، فهو المحمومى.
فإذا تعلق سحاب دون السحاب، فهو الرّباب.
فإذا كان سحاب فوق سحاب، فهو الغفارة.
فإذا تدلّى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة، فهو الهيدب.
فإذا كان ذا ماء كثير، فهو القنيف.
فإذا كان أبيض، فهو المزن، والصّبير.
فإذا كان لرعده صوت، فهو الهزيم.
стр. 74
فإذا اشتدّ صوت رعده، فهو الأجشّ.
فإذا كان باردا وليس فيه ماء، فهو الصّرّاد [١] .
فإذا كان ذا صوت شديد، فهو الصّيّب.
فإذا أهرق ماءه، فهو الجهام (وقيل بل الجهام الذى لا ماء فيه) .
٣- ذكر ما قيل فى ترتيب المطر
قال الثعالبىّ ﵀: أخفّ المطر وأضعفه الطّلّ، ثم الرّذاذ، ثم البغش والدّثّ ومثله الرّكّ، ثم الرّهمة.
ويقال أيضا: أوّله رشّ وطشّ، ثم طلّ وزذاذ، ثم نضح ونضخ، وهو قطر بين قطرين، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجود.
٤- ذكر ما قيل فى فعل السحاب والمطر
يقال إذا أتت السماء بالمطر اليسير [٢] الخفيف: حفشت، وحشكت.
فإذا استمرّ قطرها، قيل: هطلت، وهتنت.
فإذا صبّت الماء، قيل: همعت، وهضبت.
فإذا ارتفع صوت وقعها، قيل: انهلّت، واستهلّت.
стр. 75
فإذا سال المطر بكثرة، قيل: انسكب، وانبعق.
فإذا سال يركب بعضه بعضا، قيل: اثعنجر، واثعنجج.
فإذا دام أياما لا يقلع، قيل: أثجم، وأغبط، وأدجن.
فإذا أقلع، قيل: أنجم، وأفصم، وأفصى.
٥- ذكر أسماء أمطار الأزمنة
قالت العرب: أوّل ما يبدأ المطر فى إقبال الشتاء، فاسمه الخريف، ثم يليه الوسمىّ، ثم الرّبيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
وقيل المطر الأوّل هو الوسمىّ، ثم يليه الولى، ثم الربيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
٦- ذكر أسماء المطر اللغوية
قال الثعالبىّ:
إذا أحيا الأرض بعد موتها، فهو الحيا.
فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهو الغيث.
فإذا دام مع سكون، فهو الدّيمة. والضّرب فوق ذلك قليلا، والهطل فوقه.
فإذا زاد، فهو الهتلان، والهتّان، والتّهتان.
فإذا كان القطر صغارا كانه شذر، فهو القطقط.
فإذا كانت مطرة ضعيفة، فهى الرّهمة.
فإذا كانت ليست بالكثيرة، فهى الغبية، والحفشة، والحشكة.