الباب الثانى من القسم الأوّل من الفن الثانى (فى وصف أعضاء الإنسان وتشبيهها)
وما وصف به طيب الريق والنّكهة، وحسن الحديث، والنّغمة، واعتدال القدود، ووصف مشى النساء. وهو مرتب على ترتيب بنية الإنسان في المذكر والمؤنث.
فأما الشّعر وما قيل فيه، قال الثعالبىّ عن أئمة اللغة:
العقيقة، الشعر الذى يولد به الإنسان.
الفروة، شعر معظم الرأس.
الناصية، شعر مقدّم الرأس.
الذّؤابة، شعر مؤخّر الرأس.
الفرع، شعر رأس المرأة.
الغديرة، شعر ذؤابتها.
الغفر، شعر ساقها.
الدّبب، شعر وجهها.
الوفرة، ما بلغ شحمة الأذن من الشعر.
الّلمّة، ما ألمّ بالمنكب منه.
الطّرّة، ما غشّى الجبهة منه.
الجمّة والغفرة، ما غطّى الرأس منه.
стр. 457
الهدب، شعر أشفار العين.
الشارب، شعر الشّفة العليا.
العنفقة، شعر الشفة السّفلى.
المسربة، شعر الصدر. وفي الحديث أنه كان ﵊ دقيق المسربة.
الشّعرة، العانة.
الإسب، شعر الأست.
الزّبب، شعر بدن الرجل. ويقال بل هو كثرة الشعر في الاذنين.
فصل فى تفصيل أوصافه
يقال: شعر جفال، إذا كان كثيرا.
ووحف، إذا كان متصلا.
وكثّ، إذا كان كثيرا كثيفا مجتمعا.
ومعلنكس، ومعلنكك، إذا زادت كثافته.
ومنسدر، إذا كان منبسطا.
وسبط، إذا كان مسترسلا.
ورجل، إذا كان غير جعد ولا سبط.
وقطط، إذا كان شديد الجعودة.
ومقلعطّ، إذا زاد على القطط.
ومفلفل، إذا كان نهاية في الجعودة كشعر الزّنج.
стр. 458
وسخام، إذا كان حسنا ليّنا.
ومغدودن، إذا كان طويلا ناعما.
وقال الأصمعىّ: من لم يخفّ شعره قبل الثلاثين لم يصلع أبدا؛ ومن لم يحمل اللحم قبل الثلاثين لم يحمله أبدا.
ومما وصف به الشعر، قال نصر بن أحمد، عفا الله تعالى عنه:
سلسل الشّعر فوق وجه، فحاكى ... ظلمة الليل فوق ضوء الصّباح.
وقال ابن الرومىّ:
وفاحم وارد يقبّل مم ... شاه إذا اختال مرسلا غدره.
قبل كاللّيل من مفارقه ... منحدرا لا يذمّ منحدره.
حتّى تناهى إلى مواطنه ... يلثم من كلّ موطئ عفره.
كأنّه عاشق دنا شغفا ... حتّى قضى من حبيبه وطره.
وقال فتح الدّين بن عبد الظاهر:
حلّ ثلاثا يوم حمّامه ... ذوائبا يعبق منها الغوال.
فقلت، والقصد ذؤاباته: ... يا سهرى في ذى اللّيال الطّوال!
وقال آخر:
قد علّق القلب بدبّوقة ... وجنّ منها فهو مفتون؟
واعجيا للعشق في حكمه ... بشعره قبّد مجنون.
стр. 459
وقال آخر:
رأيت على قدّ الحبيب ذؤابة ... فعينى على تلك الذّؤابة تهمع.
يقول لى الواشون: مالك باكيا؟ ... فقلت: بعينى شعرة فهى تدمع.
وقال آخر:
وشعرة عاينها ناظرى ... على قوام مائس الخطره.
فسال دمعا وهمى جفنه، ... والدّمع لا شكّ من الشّعره.
وقال آخر:
ولربّ ممشوق القوام تضمّه ... ممشوقة، فتعانقا غصنين.
أرخت ذوائبها وأسبل شعره، ... فتقابلا قمرين في ليلين!
ومما وصفت به شعور النساء؛ قال بكر بن النطّاح:
بيضاء تسحب من قيام فرغها ... وتغيب فيه فهو جثل أسحم.
فكأنّها فيه نهار ساطع، ... وكأنّه ليل عليها مظلم.
وقال آخر:
نشرت علىّ ذوائبا من شعرها، ... حذر الكواشح والعدوّ المحنق.
فكأنّنى وكأنها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
سبته بوحف في العقاص كأنّه ... عناقيد، دلّاها من الكرم قاطف.
أسيلات أبدان، دقّاق حضورها، ... وثيرات ما التفّت عليه الملاحف.
стр. 460
وقال المتنبى:
ومن كلّما جرّدتها من ثيابها، ... كساها ثيابا غيرها الشّعر الوحف.
وقال أيضا:
دعت خلاخيلها ذوائبها، ... فجئن من فرقها إلى القدم.
وقال في أخرى:
نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... فى ليلة، فأرت ليالى أربعا.
واستقبلت قمر السماء بوجهها، ... فأرتنى القمرين في وقت معا.
وقد ألمّ في ذلك بقول ابن المعتزّ:
سقتنى في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب.
فأمسيت في ليلين بالشّعر والدّجى، ... وشمسين من خمر وخدّ حبيب.
وقال ابن المعتزّ:
فلمّا أن قضت وطرا وهمّت ... على عجل بأخذ للرّداء،
رأت شخص الرّقيب على تدان ... فأسبلت الظّلام على الضّياء.
وغاب الصبح منها تحت ليل، ... وظلّ الماء يقطر فوق ماء.
وقال ابن لنكك:
هل طالب ثأر من قد أهدرت دمه ... بيض، عليهنّ نذر قتل من عشقا؟
من العقائل ما يخطرن عن عرض ... إلّا أرينك في قدّ قنا ونقا.
رواعف بخدود زانها سبج ... قد زرفن [١] الحسن في أصداغها حلقا.
стр. 461
نواشر في الضّحى من فرعها غسقا، ... وفي ظلام الدّجى من وجهها فلقا.
أعرن غيد ظباء روّعت غيدا، ... والورد توريد خدّ، والمها حدقا.
وقال ابن دريد الأزدىّ:
غرّاء لو جلت الخدود شعاعها ... للشّمس عند طلوعها، لم تشرق.
غصن على دعص تألّق فوقه ... قمر تألّق تحت ليل مطبق.
لو قيل للحسن: احتكم لم يعدها. ... أو قيل: خاطب غيرها! لم ينطق.
فكأنّنا من فرعها في مغرب، ... وكأنّنا من وجهها في مشرق.
وقال آخر:
جعودة شعرها تحكى غديرا ... يصفّقه الجنوب مع الشّمال.
ذكر ما قيل في الشيب والخضاب من المدح والذم
فأما مدح الشيب، فقد
ورد عن رسول الله ﷺ : «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» .
وقال ابن أبى شيبة: «نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب وقال: هو نور المؤمن» .
وفي الحديث عن النبىّ ﷺ : «ان أوّل من رأى الشيب إبراهيم الخليل ﵇، فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال له: الوقار، فقال: رب زدنى وقارا» .
стр. 462
وتأمل حكيم شيبه فقال: مرحبا بزهرة الحنكة ويمن الهدى ومقدّمة العفّة ولباس التقوى.
وقيل: دخل أبو دلف على المأمون وعنده جارية له، وكان أبو دلف قد ترك الخضاب، فأشار المأمون إلى الجارية فقالت له: شبت يا أبا دلف، إنا لله وإنا اليه راجعون. فسكت عنها أبو دلف، فقال له المأمون: أجبها، فقال:
تهزّأت إذ رأت شيبى فقلت لها: ... لا تهزئى من يطل عمر به يشب!
شيب الرجال لهم زين ومكرمة، ... وشيبكن لكنّ الويل فاكتئبى!
فينا لكنّ- وإن شيب بدا- أرب، ... وليس فيكنّ بعد الشّيب من أرب!
وقال آخر:
أهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا، ... أهلا به من وافد ونزيل!
أهدى الوقار وذاد كلّ جهالة ... كانت، وساق إلى كلّ جميل.
فصحبت في أهل التقى أهل النهى ... ولقيت بالتعظيم والتبجيل.
ورأى لى الشّبّان فضل جلالة ... لما اكتهلت، وكنت غير جليل.
فإذا رأونى مقبلا، نهضوا معا: ... فعل المقرّ لهيبة التفضيل.
إن قلت، كنت مصدّقا في منطقى، ... ماضى المقالة حاضر التعديل.
وقال مسلم بن الوليد:
الشّيب كره، وكره أن يفارقنى ... اعجب لشىء على البغضاء مودود.
وقال علىّ بن محمد الكوفىّ:
بكى للشّيب، ثم بكى عليه ... وكان أعزّ من فقد الشّباب.
فقل للشّيب: لا تبرح حميدا ... إذا نادى شبابك بالذّهاب.
стр. 463
وقال العسكرىّ:
يودّ أنّ شيبه ... إذ جاء لا ينصرف.
يخلف ريعان الصّبا ... والموت منه خلف.
وقال ابن المعتزّ:
قد يشيب الفتى، وليس عجيبا ... أن يرى النّور في القضيب الرّطيب.
وقال أبو تمام:
ولا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأى والأدب.
وقال أبو الفتح البستى:
يا شيبتى دومى ولا تترحّلى ... وتيقّنى أنّى بوصلك مولع!
قد كنت أجزع من حلولك مرة، ... فالآن من خوف ارتحالك أجزع!
وقال آخر:
فأمّا المشيب فصبح بدا ... وأما الشّباب فليل أفل.
سقى الله هذا وهذا معا ... فنعم المولّى ونعم البدل!.
وقال أبو الفتح كشاجم:
تفكّرت في شيب الفتى وشبابه ... فأيقنت أن الحقّ للشّيب واجب.
يصاحبنى شرخ الشباب فينقضى، ... وشيبى لى حتّى الممات مصاحب.
وقال أبو العلاء السروىّ، شاعر اليتيمة:
حىّ شيبا أتى لغير رحيل، ... وشبابا مضى لغير إياب!
أىّ شىء يكون أحسن من عا ... ج مشيب في آبنوس شباب؟
стр. 464
وقال أبو عوانة الكاتب:
هزئت إذرأت مشيبى، وهل غي ... ر المصابيح زينة للسماء؟
وتولّت فقلت قولا بإفصا ... ح لها، لا بالرّمز والإيماء:
إنما الشيب في المفارق كالنّو ... ر بدا والسّواد كالظلماء.
لا محيص عن المشيب أو المو ... ت، فكن للحوباء أو للنّماء!
إن عمرا عوّضت فيه عن المو ... ت بشيب من أعظم النّعماء!
وقال ابن عبد ربه:
كأنّ سواد لمته ظلام ... يطلّ من المشيب عليه نور.
وقال أبو عبد الله الاسباطى:
لا يرعك المشيب، يا ابنة عبد ال ... لّه، فالشيب زينة ووقار!
إنما تحسن الرّياض إذا ما ... ضحكت في ظلالها الأنوار.
وأما ما ورد في ذم الشيب، قال قيس بن عاصم رحمة الله عليه: الشيب خطام المنيّة.
وقال غيره: الشيب نذير الموت.
وقد ورد في بعض التفاسير في قوله ﵎ (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ)
. قيل: هو الشيب.
وقال أعرابىّ: كنت أنكر البيضاء، فصرت أنكر السوداء؛ فيا خير مبدول ويا شرّ بدل.
стр. 465
وقيل للنبىّ ﷺ : عجّل عليك الشيب يا رسول الله، قال: «شيّبتني هود وأخواتها»
. قيل: هى عبس، والمرسلات، والنازعات.
وقيل لعبد الملك بن مروان: عجّل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيبنى ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقال بعضهم: خرجت إلى ناحية الطّفاوة، فإذا أنا بامرأة لم أر أجمل منها، فقلت:
أيتها المرأة، إن كان لك زوج فبارك الله له فيك، وإلا فأعلمينى. قال فقالت:
وما تصنع بى؟ وفيّ شىء لا أراك ترتضيه. قلت: وما هو؟ قالت: شيب في رأسى.
قال: فثنيت عنان دابتى راجعا، فصاحت بى: على رسلك، أخبرك بشىء، فوقفت وقلت: وما هو، يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد، وهذا رأسى فكشفت عن عناقيد كالحمم، وقالت: والله ما رأيت برأسى بياضا قطّ، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منك ما تكره منا، وأنشدت:
أرى شيب الرّجال من الغوانى ... بموضع شيبهنّ من الرجال!
قال: فرجعت خجلا، كاسف البال.
قال أبو تمام:
غدا الشيب مختطا بفودىّ خطّة ... سبيل الرّدى منها إلى النفس مهيع.
هو الزّور يجفى، والمعاشر يجتوى، ... وذو الإلف يقلى، والجديد يرقّع.
له منظر في العين أبيض ناصع، ... ولكنه في القلب أسود أسفع.
وقال آخر:
تقول لمّا رأت مشيبى ... بدا، وعندى له انقباض:
لا ترج عطفا عليك منّى، ... سوّد ما بيننا البياض!
стр. 466
وقال آخر:
وقالوا: مشيب المرء فيه وقاره، ... وما علموا أن المشيب هو العيب.
وأىّ وقار لامرئ عرّى الصّبا، ... ومن خلفه شيب وقدّامه شيب؟
وقال آخر:
من شاب، قد مات وهو حىّ، ... يمشى على الأرض مشى هالك!
لو كان عمر الفتى حسابا ... كان له شيبه فذلك [١] .
وقال محمود الورّاق:
بكيت لقرب الأجل، ... وبعد فوات الأمل!
ووافق شيب طرا ... بعقب شباب رحل.
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل.
طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدّول!
وقال عبيد بن الأبرص:
والشيب شين لمن أمسى بساحته! ... لله درّ شباب اللّمة الخالى.
وقال البحترىّ:
وددت بياض السيف يوم لقيننى ... مكان بياض الشيب حلّ بمفرقى.
وقال أبو العتاهية:
عريت عن الشباب، وكان غضّا، ... كما يعرى من الورق القضيب.
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب!
стр. 467
وقال آخر:
يا حسرتا أين الشباب الذى ... على تعدّيه المشيب اعتدى؟
شبت، فما أنفكّ من حسرة ... والشيب في الرأس رسول الرّدى!
إنّ مدى العمر قريب فما ... بقاء نفسى بعد قرب المدى؟
وقال آخر:
هذا عذارك بالمشيب مطرّز ... فقبول عذرك في التصابى معوز!
ولقد علمت- وما علمت توهّما- ... أن المشيب لهدم عمرك يرمز.
وقال أيضا:
ألست ترى نجوم الشّيب لاحت ... وشيب المرء عنوان الفساد!
وقال أيضا:
أبلى جديدى هذان الجديدان ... والشأن في أن هذا الشّيب ينعانى!
كأنما اعتمّ رأسى منه بالجبل الر ... اسى، فأوهنى ثقلا وأوهانى.
وقال آخر:
لما رأت وضح المشيب بعارضى ... صدّت صدود مجانب متحمّل.
فجعلت أطلب وصلها بتلطّف، ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلى!
وقال كشاجم:
ضحكت! من شيبة ضحكت ... لسواد اللّمّة الرجله
ثم قالت وهى هازئة: ... جاء هذا الشيب بالعجله!
قلت: من حبّيك، لا كبر، ... شاب رأسى فانثنت خجله.
стр. 468
وثنت جفنا على كحل ... هى منه الدّهر مكتحله.
أكثرت منه تعجّبها! ... فهى تجنيه وتعجب له.
وقال أبو تمام:
دقة في الحياة تدعى جلالا، ... مثل ما سمّى اللّديغ سليما.
غرّة مرّة ألا إنّما كن ... ت أغرّا أيام كنت بهيما.
وقال ابن المعتز:
لقد أبغضت نفسى في مشيبى ... فكيف تحبّنى الخود الكعاب؟
وقال أبو هلال العسكرىّ:
فلا تعجبا أن يعبن المشيبا ... فما عبن من ذاك إلا معيبا!
إذا كان شيبى بغيضا إلىّ ... فكيف يكون إليها حبيبا؟
وقال محمد بن أميّة:
رأين الغوانى الشيب لاح بعارضى، ... فأعرضن عنّى بالخدود النّواضر.
وكنّ إذا أبصرننى أو سمعن بى، ... دنون فرقّعن اللّوى بالمحاجر.
وقال آخر:
قالت، وقد راعها مشيبى: ... كنت ابن عمّ فصرت عمّا.
واستهزأت بى، فقلت أيضا: ... قد كنت بنتا فصرت أمّا.
وقال آخر:
تضاحكت لمّا رأت ... شيبا تلالا غرره.
قلت لها: لا تعجبى ... أنبيك، عندى خبره.
هذا غمام للردّى، ... ودمع عينى مطره.
стр. 469
ومما قيل في الخضاب من المدح، ما
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «غيّروا هذا الشيب، وجنّبوه السواد» .
وكان أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه يخضب بالحناء وبالكتم.
وقد مدح الشعراء الخضاب.
فمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:
وقالوا: النّصول مشيب جديد! ... فقلت: الخضاب شباب جديد!
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود.
وقال أبو الطيب المتنبى:
وما خضب الناس البياض لأنّه ... قبيح، ولكن أحسن الشّعر فاحمه.
وقال محمود الورّاق:
للضّيف أن يقرى ويعرف حقّه! ... والشيب ضيفك، فاقره بخضاب.
وقال عبدان الأصبهانىّ:
فى مشيبى شماتة لعداتى، ... وهو ناع منغّض لحياتى.
ويعيب الخضاب قوم، وفيه ... أىّ أنس إلى حضور وفاتى.
لا ومن يعلم السرائر منّى ... ما به رمت خلّة الغانيات.
إنما رمت أن يغيّب عنى ... ما ترينيه كلّ يوم مراتى.
وهو ناع إلىّ نفسى، ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النّعات؟
стр. 470
وقال ابن الرومىّ:
يا بياض المشيب سوّدت وجهى، ... عند بيض الوجوه سود القرون!
فلعمرى، لأخفينّك جهدى ... عن عيانى وعن عيان العيون!
ولعمرى، لأمنعنّك أن تض ... حك في رأس آسف محزون!
بخضاب فيه ابيضاض لوجهى ... وسواد لوجهك الملعون!
وقال آخر:
نهى الشيب الغوانى عن وصالى ... وأوقع بين أحبابى وبينى.
فلست بتارك تدبير ذقنى ... إلى أن ينقضى أمدى لحينى.
أدبّر لحيتى ما دمت حيّا ... وأعتقها ولكن بعد عينى.
وقال آخر:
قالوا: فلان لم يشب، ... وأرى المشيب عليه أبطا.
فأجبتهم: لولا حدي ... ث الصّبغ لانكشف المغطّى.
ومما قيل في ذم الخضاب: قال محمود الورّاق، ﵀:
يا خاضب الشيب الّذى ... فى كلّ ثالثة يعود.
إن النّصول إذا بدا ... فكأنه شيب جديد.
وله بديهة روعة ... مكروهها أبدا عتيد.
فدع المشيب لما أرا ... د فلن يعود لما تريد.
وقال آخر:
تستّر بالخضاب، وأىّ شىء. ... أدلّ على المشيب من الخضاب؟
стр. 471
وقال ابن الرومىّ:
قل للمسوّد حين سوّد: هكذا ... غشّ الغوانى في الهوى إياكا!
كذب الغوانى في سواد عذاره، ... فكذبنه في ودّهنّ كذاكا!
وقال المتنبى:
ومن هوى كلّ من ليست مموّهة ... تركت لون مشيبى غير مخضوب.
ومن هوى الصدق في قولى وعادته ... رغبت عن شعر في الوجه مكذوب.
وقال الأمير شهاب الدين بن يغمور عفا الله عنه:
يا صابغ الشّيب، والأيام تظهره: ... هذا الشباب، وحقّ الله مصنوع!
إن الجديد إذا ما كان في خلق ... يبين للناس أن الثوب مرقوع.
وأما ما وصف به الوجه، فمن ذلك ما قيل في المذكر قال الوجيهىّ:
مستقبل بالذى يهوى، وإن كثرت ... منه الإساءة، معذور بما صنعا.
فى وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب، وجيها حيثما شفعا.
وقال الآخر:
رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيّهما أنور؟
سوى أنّ ذاك قريب المزار ... وهذا بعيد لمن ينظر.
وذاك يغيب وذا حاضر ... فما من يغيب كمن يحضر.
ونفع الهلال كثير لنا ... ونفع الحبيب لنا أكثر.
стр. 472
وقال ابن لنكك:
البدر والشمس المني ... رة والدّمى والكوكب:
أضحت ضرائر وجهه ... من حيث يطلع تغرب.
وكأنّ جمر جوانحى ... فى خدّه يتلّهب.
وكأنّ غصن قوامه ... من ماء دمعى يشرب.
وصوالج في صدغه ... بسواد قلبى تلعب.
وقال ابن المعدّل:
نظرت إلى من زيّن الله وجهه، ... فيا نظرة كادت على عاشق تقضى!
وكبّرت عشرا، ثم قلت لصاحبى: ... متى نزل البدر المنير إلى الأرض؟
وقال الخبز أرزّى:
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النّظر
فلم أدر من حيرتى فيهما ... هلال الدّجى من هلال البشر!
فلولا التورّد في الوجنتين ... وما راعنى من سواد الشّعر،
لكنت أظنّ الهلال الحبيب ... وكنت أظنّ الحبيب القمر!
وقال أبو الشيص:
تخشع شمس النهار طالعة ... حين تراه، ويخشع القمر.
تعرفه أنه يفوقهما ... بالحسن، فى عين من له بصر.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
ووجه نشرّب ماء النعيم، ... فلو عصر الحسن منه العصر.
стр. 473
وقال آخر:
ليس فيها أن يقال لها: ... كملت، لو أن ذا كملا.
كلّ جزء من محاسنها ... صائر من حسنها مثلا.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وفتاة إن يغب بدر الدّجى، ... فلنا في وجهها عنه خلف.
أجمع الناس على تفضيلها، ... وهواهم في سواها مختلف.
وقال الجمانىّ من أبيات:
نرى الشمس والبدر معناهما ... بها واحدا، وهما معنيان.
إذا طلعت وجهها، أشرقا ... بطلعتها، وهما آفلان.
ومما وصف به صفاء الوجه ورقّة البشرة، فمن ذلك ما قيل مذكرا.
قال أبو نواس:
نظرت إلى وجهه نظرة ... فأبصرت وجهى في وجهه.
وقال آخر.
أعد نظرا! فما في الخدّ نبت، ... حماه الله من ريب المنون!
ولكن رقّ ماء الوجه حتّى ... أراك مثال أهداب الجفون!
ومثله قول الآخر:
ولما استدارت أعين الناس حوله ... تلاحظه كيف استقلّ وسارا،
تمثّلت الأهداب في ماء وجهه، ... فظنّوا خيال الشّعر فيه عذارا.
стр. 474
وقال الأرّجانىّ
ما أنس، لا أنسى له موقفا، ... والعيس قد ثوّرهنّ الحداه.
لمّا تجلّى وجهه طالعا، ... وقد ترامت نظرات الوشاه.
قابلنى حين بدت أدمعى ... فى خدّه المصقول مثل المراه.
يوهم صحبى أنه مسعدى ... بأدمع لم تذرها مقلتاه.
وإنما قلّدنى منّة ... بدمع عين من جفونى امتراه.
ولم تقع في خدّه قطرة ... إلا خيالات دموع البكاه.
وقال أيضا:
وأغيد رقّ ماء الوجه منه، ... فلو أرخى لثاما عنه، سالا.
تبين سوادها الأبصار فيه، ... فحيث لحظت منه، حسبت خالا.
ومن ذلك ما قيل في المؤنث، قال بشار
وما ظفرت عينى غداة لقيتها ... شىء، سوى أطرافها والمحاجر.
بحوراء من حور الجنان عزيزة، ... يرى وجهه في وجهها كلّ ناظر.
وقال السرىّ الرفاء
بيضاء تنظر من طرف تقلّبه ... مفرّق بين أجساد وأرواح.
ماء النعيم على ديباج وحنبها ... يجول بين حتى ورد وتفّاح.
رقّت فلو مرج الماء القراح بها ... والراح، لامترجت بالماء والراح
стр. 475
وقال آخر:
ليس فيها أن يقال لها: ... كملت، لو أن ذا كملا.
كلّ جزء من محاسنها ... صائر من حسنها مثلا.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وفتاة إن يغب بدر الدّجى، ... فلنا في وجهها عنه خلف.
أجمع الناس على تفضيلها، ... وهواهم في سواها مختلف.
وقال الجمانىّ من أبيات:
نرى الشمس والبدر معناهما ... بها واحدا، وهما معنيان.
إذا طلعت وجهها، أشرقا ... بطلعتها، وهما آفلان.
ومما وصف به صفاء الوجه ورقّة البشرة، فمن ذلك ما قيل مذكرا .
قال أبو نواس:
نظرت إلى وجهه نظرة ... فأبصرت وجهى في وجهه.
وقال آخر.
أعد نظرا! فما في الخدّ نبت، ... حماه الله من ريب المنون!
ولكن رقّ ماء الوجه حتّى ... أراك مثال أهداب الجفون!
ومثله قول الآخر:
ولما استدارت أعين الناس حوله ... تلاحظه كيف استقلّ وسارا،
تمثّلت الأهداب في ماء وجهه، ... فظنّوا خيال الشّعر فيه عذارا.
стр. 476
وقال الأرّجانىّ
ما أنس، لا أنسى له موقفا، ... والعيس قد ثوّرهنّ الحداه.
لمّا تجلّى وجهه طالعا، ... وقد ترامت نظرات الوشاه.
قابلنى حين بدت أدمعى ... فى خدّه المصقول مثل المراه.
يوهم صحبى أنه مسعدى ... بأدمع لم تذرها مقلتاه.
وإنما قلّدنى منّة ... بدمع عين من جفونى امتراه.
ولم تقع في خدّه قطرة ... إلا خيالات دموع البكاه.
وقال أيضا:
وأغيد رقّ ماء الوجه منه، ... فلو أرخى لثاما عنه، سالا.
تبين سوادها الأبصار فيه، ... فحيث لحظت منه، حسبت خالا.
ومن ذلك ما قيل في المؤنث، قال بشار
وما ظفرت عينى غداة لقيتها ... شىء، سوى أطرافها والمحاجر.
بحوراء من حور الجنان عزيزة ... يرى وجهه في وجهها كلّ ناظر.
وقال السرىّ الرفاء
بيضاء تنظر من طرف تقلّبه ... مفرّق بين أجساد وأرواح.
ماء النعيم على ديباج وجنبها ... يجول بين حتى ورد وتفّاح.
رقّت فلو مرج الماء القراح بها ... والراح، لامترجت بالماء والراح
стр. 477
وقال الأرّجانىّ من أبيات:
ولمّا تلاقينا، وللعين عادة ... تثير وشاة عند كلّ لقاء،
بدت أدمعى في خدّها من صقاله، ... فغاروا وظنوا أن بكت لبكائى!
ومما قيل في صفرة الوجه، فمن ذلك ما قيل مذكرا.
قال أبو عبادة البحترىّ:
بدت صفرة في وجهه، إنّ حمدهم ... من الدّرّ ما اصفرّت نواحيه في العقد.
وقال آخر:
لم تشن وجهه المليح، ولكن ... جعلت ورد وجنتيه بهارا.
وقال الأرّجانىّ وأجاد:
راق ماء الحياة من وجنتيه، ... فهو مرآة أوجه العشّاق!
ومن ذلك ما قيل في المؤنث، قال سلم الخاسر:
تبدّت فقلت: الشمس عند طلوعها ... بوجه غنىّ اللون عن أثر الورس!
فقلت لأصحابى، وبى مثل ما بهم، ... على مرية: ما هاهنا مطلع الشمس!
وقال أبو تمام:
صفراء- صفرة صحة- قد ركّبت ... جثمانها في ثوب سقم أصفر.
وقال مسعود الأصبهانىّ، شاعر الخريدة:
وقينة قال لها ناقص: ... كملت، لولا صفرة اللون.
قلت: اتّئد! فالشمس مصفرّة، ... وهى صلاح الأرض في الكون!
стр. 478
ومما قيل في السّمرة، قال شاعر:
كيف لا أعشق ظبيا ... سارحا في ظلّ ملك.
إنما السّمرة فيه ... مزج كافور بمسك.
وقال آخر:
يا ذا الذى يذهب أمواله ... فى حبّ هذا الأسمر الفائق!
ما الذهب الصامت مستكثرا ... إذهابه في الذهب الناطق!
وقال آخر:
ذهبىّ اللون! تحسب من ... وجنتيه النار تقتدح.
خوّفونى من فضيحته! ... ليته وافى، وأفتضح!
ومما قيل في السّواد (وهو يختص بالمؤنث) :
قال الزركشىّ في «دنانير» البرمكية:
أشبهك المسك، وأشبهته: ... قائمة في لونه قاعده.
لا شكّ، إذ لونكما واحد، ... أنكما من طينة واحده.
وقال ابن الرومىّ:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق.
فأقبلت نحوها الضمائر وال ... أبصار، يعبقن أيّما عبق!
يفترّ ذاك السواد عن يقق ... فى ثغرها كاللّآلئ النّسق.
كأنّها، والمزاح يضحكها، ... ليل تفرّى دجاه عن غسق.
стр. 479
وقال الصنوبرىّ
يا غصنا من سبج رطب، ... أضبح منك الدرّ في كرب!
حبّك من قلبى مكان الذى ... أشبهته من حبّة القلب.
وقال محمد بن عبد الله السلامىّ، شاعر اليتيمة عفا الله عنه:
يا ربّ غانية بيضاء تصبحنى ... من العتاب كؤوسا ليس تنساغ.
أشتاق طرّتها أو صدغها ومعى ... من كلّها طرر سود وأصداغ!
كأننا، لا أتاح الله فرقتنا! ... يا كعبة المسك، يا زنجيّة، زاغ.
وقال آخر:
أحبّ النساء السّود من أجل تكتم، ... ومن أجلها أحببت من كان أسودا!
فجئنى بمثل المسك أطيب نفحة! ... وجئنى بمثل الليل أطيب مرقدا!
وقال العسكرىّ:
صرفت ودّى إلى السّودان من هجر، ... ولا التفتّ إلى روم ولا خزر!
أصبحت أعشق من وجه ومن بدن ... ما يعشق الناس من عين ومن شعر.
فإن حسبت سواد الخدّ منقصة، ... فانظر إلى سفعة في وجنة القمر!
وقال بشار وأجاد:
يكون الخال في خدّ نقىّ ... فيكسبه الملاحة والجمالا،
ويونقه لأعين مبصريه، ... فكيف إذا رأيت اللون خالا؟
وقال أبو علىّ بن رشيق:
دعائك الحسن فاستجيبى ... باسمك في صبغة وطيب.
نيهى على البيص واستطيلى، ... تبه شباب على مشيب!
стр. 480
ولا يرعك اسودادلون ... كمقلة الشادن الرّبيب.
فإنما النّور عن سواد ... فى أعين الناس والقلوب!
وقال آخر:
إن أزهرت ليلا نجوم السما ... بيضا على أسود مرخى الإزار.
وأوجب العكس مثالا لها، ... فالسّود في الأرض نجوم النهار.
ومما وصف به أثر الجدرىّ في الوجه، فمن ذلك قول الناجم:
يا قمرا جدّر لما استوى ... واكتسب الملح بتلك الكلوم!
أظنّه غنّى لشمس الضّحى ... فنقّطته فرحا بالنّجوم.
وقال آخر:
وقالوا: شابه الجدرىّ، فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم!
فقلت: ملاحة نثرت عليه! ... وما حسن السماء بلا نجوم؟
ومثله قول الآخر:
أيّها العائبون وجها مليحا ... نثر الحسن فيه نبذ خدوش!
أىّ أفق بها بغير نجوم؟ ... أىّ ثوب زها بغير نقوش؟
وقال أبو زيد القاضى:
غاية الحاسد الذى لام فيه ... أن رأى فوق خدّه جدريّا.
إنما وجهه هلال تمام، ... جعلوا برقعا عليه الثريّا!
стр. 481
وقال أبو تمام بن رباح
خدّك مرآة كلّ حسن، ... تحسن من حسنها الصّفات!
مالى أرى فوقه نجوما، ... قد كسفت وهى نيّرات!
ومما قيل في الحواجب، فمن محاسنها: الزّجج، والبلج.
فأما الزّجج، فدقة الحاجبين وامتدادهما.
وأما البلج، فهو أن يكون بينهما فرجة. والعرب تستحب ذلك.
ومن معايبها: القرن، والزّبب، والمعط.
فالقرن، اتصال الحاجبين. والعرب تكرهه.
والزّبب، كثرة شعرهما.
والمعط، تساقط الشعر عن بعض أجزائهما.
ومما وصفت به الحواجب، قال الزاهى:
وأغيد مجدول القوام جبينه ... سنا القمر البدرىّ في الغصن الرّطب.
تنكّب قوس الحاجبين فسهمه ... لواحظه المرضى، وبرجاسه قلبى!
وقال عبد الله بن أبى الشيص:
حذرت الهوى حتّى رميت من الهوى ... بأصرد سهم من قسى الحواجب.
وقال محمد بن عبد الرحمن الكوفىّ:
ومستلب عين الغزال وقد ترى ... بجبهته عين الغزالة ماثلا.
تناول قوس الحاجبين مفوّقا ... بأسهم ألحاظ تشكّ المقاتلا.
стр. 482
وقال آخر:
غزانى الهوى في جيشه وجنوده ... وعبّى علىّ الخيل من كلّ جانب.
بميمنة أعلامها أعين المها ... وميسرة تقضى بزجّ الحواجب.
وقال آخر:
لها حاجبان، الحسن والغنج منهما ... كأنهما نونان من خطّ ماشق.
ومما قيل في العيون ووصفها، فمن محاسنها:
الدّعج، وهو شدّة السّواد مع سعة المقلة.
البرج، وهو شدّة سوادها وشدّة بياضها.
النّجل، سعتها.
الكحل، سواد جفونها من غير كحل.
الحور، اتساع سوادها كأعين الظباء. وقيل: هو سواد العين وشدّة بياضها.
الوطف، طول أشفارها؛ وفي الحديث أنه كان ﵊ في أشفاره وطف.
الشّهلة، حمرة في سوادها.
ومن معايبها:
الحوص، ضيق العين.
الخوص، غؤورها مع الضيق.
الشّتر، انقلاب الجفن.
العمش، هو أن العين لا تزال سائلة رامصة.
стр. 483
الكمش، أن لا تكاد تبصر.
الغطش، شبه العمش.
الجهر، أن لا تبصر نهارا.
العشا، أن لا تبصر ليلا.
الخزر، أن ينظر بمؤخر عينه.
الغضن، أن يكسر عينه حتّى تتغضّن جفونه.
القبل، أن يكون كأنه ينظر إلى أنفه. وهو أهون من الحول.
الشّطور، أن تراه ينظر إليك وهو ينظر إلى غيرك. وهو قريب من صفة الأحول.
وفيه يقول الشاعر:
حمدت إلهى إذ بلانى بحبّه ... وبى حول أغنى عن النظر الشّزر.
نظرت إليه- والرقيب يظنّنى ... نظرت إليه- فاسترحت من العذر.
الشّوص، أن ينظر بإحدى عينيه ويميل وجهه في شق العين التى ينظر بها.
الخفش، صغر العين وضعف البصر. ويقال إنه فساد في العين يضيق له الجفن من غير وجع.
الدّوش، ضيق العين وفساد البصر.
الإطراق، استرخاء الجفن.
الجحوظ، خروج المقلة وظهورها من الحجاج.
البخق، أن يذهب البصر؛ والعين منفتحة.
الكمه، أن يولد الإنسان وهو أعمى.
البخص، أن يكون فوق العين أو تحتها لحم ناتئ.
стр. 484
فصل فى عوارض العين
يقال:
حسرت عينه، إذا اعتراها كلال من طول النظر.
زرّت عينه، إذا توقّدت من خوف.
سدرت عينه، إذا لم تكد تبصر.
اسمدرّت عينه، إذا لاحت لها سمادير؛ وهى ما يتراءى لها من أشباه الذّباب وغيره.
قدعت عينه، إذا ضعفت من الإكباب على النظر.
حرجت عينه، إذا حارت.
قال ذو الرمّة:
وتحرج العين فيها حين تنتقب
هجمت، إذا غارت.
ونقنقت، إذا زاد غؤورها؛ وكذلك حجلت وهجّجت.
ذهبت، إذا رأت ذهبا كثيرا فحارت فيه.
شخصت، إذا لم تكد تطرف من الحيرة.
فصل فى كيفية النظر وهيئته
إذا نظر الإنسان إلى الشىء بمجامع عينيه، قيل: قد رمقه.
فإذا نظر من جانب أذنه، قيل: لحظه.
стр. 485
فإذا نظر إليه بعجلة، قيل: لمحه.
فإذا رماه ببصره مع حدّة، قيل: حدجه بطرفه.
(وفي حديث ابن مسعود «حدّث القوم ما حدجوك بأبصارهم» ) .
فإن نظر إليه بشدّة وحدّة، قيل: أرشقه وأسفّ النظر إليه.
(وفي حديث الشعبىّ أنه كره أن يسفّ الرجل إلى أمّه وأخته وابنته) .
فإن نظر إليه نظر المتعجّب أو الكاره المبغض، قيل: شفنه وشفن إليه شفونا وشفنا.
فإن أعاره لحظ العداوة، قيل: نظر إليه شزرا.
فإن نظر إليه بعين المحبة، قيل: نظر إليه نظرة ذى علق.
فإن نظر إليه نظرة المستثبت، قيل: توضّحه.
فإن نظر إليه واضعا يده على حاجبه مستظلّا بها من الشمس ليستبين المنظور إليه. قيل استكفّه واستوضحه واستشرفه.
فإن شر الثوب ورفعه لينظر إلى صفاقته: قيل استشفّه.
فإن نظر إلى الشىء كاللّمحة ثم خفى عنه، قيل: لاحه لوحة. قال الشاعر:
وهل تنفعنّى لوحة لو ألواحها
فإن نظر إلى جميع ما في المكان حتّى يعرفه، قيل: نفضه نفضا.
فإن نظر في كتاب أو حساب، قيل: تصفّحه.
فإن فتح عينيه لشدّة النظر، قيل: حدّق.
فإن لألأهما، قيل برّق.
فإن انقلب حملاق عينيه، قيل: حملق.
فإن عاب سواد عينيه من الفزع، قيل برق بصره.
стр. 486
فإن فتح عين مفزّع أو مهدّد، قيل: حمّج.
فإن بالغ في فتحها وأحدّ النظر عند الخوف، قيل: حدّج.
فإن كسر عينه عند النظر، قيل: دنقش وطرفش.
فإن فتح عينه وجعل لا يطرف، قيل: شخص. وفي القرآن العزيز: (شاخصة أبصارهم) .
فإن أدام النظر مع سكون، قيل: أسجد.
فإن نظر إلى أفق الهلال ليراه، قيل: تبصّره.
فإن أتبع الشىء بصره، قيل: أتأره بصره.
وقد أوسع الشعراء في وصف العيون ووصفوها بالمرض والسّقم، وإن كانت صحيحة. فمن ذلك قول الشاعر:
برّح السّقم بى وليس صحيحا ... من رأت عينه عيونا مراضا.
إنّ للأعين المراض سهاما ... صيّرت أنفس الورى أغراضا.
جوهر الحسن منذ أعرض للقل ... ب ثنى الجسم كلّه أعراضا.
وقال جرير:
إنّ العيون التى في طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا.
يصرعن ذا الّلبّ حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا.
وقال ذو الرمّة:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين [١] بالألباب ما تفعل الخمر.
стр. 487
فإذا نظر إليه بعجلة، قيل: لمحه.
فإذا رماه ببصره مع حدّة، قيل: حدجه بطرفه.
(وفي حديث ابن مسعود «حدّث القوم ما حدجوك بأبصارهم» ) .
فإن نظر إليه بشدّة وحدّة، قيل: أرشقه وأسفّ النظر إليه.
(وفي حديث الشعبىّ أنه كره أن يسفّ الرجل إلى أمّه وأخته وابنته) .
فإن نظر إليه نظر المتعجّب أو الكاره المبغض، قيل: شفنه وشفن إليه شفونا وشفنا.
فإن أعاره لحظ العداوة، قيل: نظر إليه شزرا.
فإن نظر إليه بعين المحبة، قيل: نظر إليه نظرة ذى علق.
فإن نظر إليه نظرة المستثبت، قيل: توضّحه.
فإن نظر إليه واضعا يده على حاجبه مستظلّا بها من الشمس ليستبين المنظور إليه. قيل استكفّه واستوضحه واستشرفه.
فإن نشر الثوب ورفعه لينظر إلى صفاقته: قيل استشفّه.
فإن نظر إلى الشىء كاللّمحة ثم خفى عنه، قيل: لاحه لوحة. قال الشاعر:
وهل تنفعنّى لوحة لو ألواحها
فإن نظر إلى جميع ما في المكان حتّى يعرفه، قيل: نفضه نفضا.
فإن نظر في كتاب أو حساب، قيل: تصفّحه.
فإن فتح عينيه لشدّة النظر، قيل: حدّق.
فإن لألأهما، قيل برّق.
فإن انقلب حملاق عينيه، قيل: حملق.
فإن عاب سواد عينيه من الفزع، قيل برق بصره.
стр. 488
فإن فتح عين مفزّع أو مهدّد، قيل: حمّج.
فإن بالغ في فتحها وأحدّ النظر عند الخوف، قيل: حدّج.
فإن كسر عينه عند النظر، قيل: دنقش وطرفش.
فإن فتح عينه وجعل لا يطرف، قيل: شخص. وفي القرآن العزيز: (شاخصة أبصارهم) .
فإن أدام النظر مع سكون، قيل: أسجد.
فإن نظر إلى أفق الهلال ليراه، قيل: تبصّره.
فإن أتبع الشىء بصره، قيل: أتأره بصره.
وقد أوسع الشعراء في وصف العيون ووصفوها بالمرض والسّقم، وإن كانت صحيحة. فمن ذلك قول الشاعر:
برّح السّقم بى وليس صحيحا ... من رأت عينه عيونا مراضا.
إنّ للأعين المراض سهاما ... صيّرت أنفس الورى أغراضا.
جوهر الحسن منذ أعرض للقل ... ب ثنى الجسم كلّه أعراضا.
وقال جرير:
إنّ العيون التى في طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا.
يصرعن ذا الّلبّ حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا.
وقال ذو الرمّة:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين [١] بالألباب ما تفعل الخمر.
стр. 489
وقال أبو تمام:
متطلّب بصدوده قتلى ... فرد المحاسن وجهه شغلى.
ألحاظه في الخلق مسرعة ... فيما تريد كسرعة النّبل.
وقال آخر:
ألحاظكم تجرحنا في ألحشاء ... ولحظنا يجرحكم في الخدود.
جرح بجرح، فاجعلوا ذا بذا! ... فما الّذى أوجب هذا الصّدود؟
وقال آخر:
ومقلة شادن أودت بقلبى، ... كأنّ السّقم لى ولها لباس.
يسلّ اللحظ منها مشرفيّا ... لقتلى، ثم يغمده النّعاس.
وقال ابن الرومىّ:
يا عليلا، جعل العلّ ... ة مفتاحا لظلمى!
ليس في الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمى.
بك سقم في جفون، ... سقمها أكّد سقمى.
وقال تاج الدين بن أيوب:
أسقمنى طرفك السّقيم، وقد ... حكاه منّى في سقمه الجسد!
هبّ نسيم من نحو أرضك لى ... فزادنى في هواك ما أجد.
وهاج شوقى، والنار ما برحت ... عند هبوب الرّياح تتّقد.
وقال ابن المعتز:
ضعيفة أجفانه، ... والقلب منه حجر!
كأنما ألحاظه ... من فعله تعتذر.
стр. 490
ومما وصفت به العيون على لفظ التأنيث، فمن ذلك ما قاله عدىّ بن الرقاع:
وكأنّها بين النّساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم.
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت ... فى عينه سنة وليس بنائم.
وقال الناجم:
كاد الغزال يكونها، ... لكنّما هو دونها.
والنّرجس الغضّ الجن ... ىّ أغضّ منه جفونها.
من كان يعرف فضلها ... فعن القياس يصونها.
وقال أبو دلف:
نقتنص الآساد من غيلها، ... وأعين العين لنا صائده!
ينبو الحسام العضب عنا وقد ... تكلم فينا النظرة القاصدة!
تهابنا الأسد، ونخشى المها: ... آبدة ما مثلها آبذه!
وقال آخر:
لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في المعاجر!
أمضى وأنفذ في القلو ... ب من الخناجر في الحناجر!
وقال آخر:
ينظرن من خلل السّجوف كأنّما ... يمطرن أحشاء الكريم نبالا!
وقال أبو فراس الحمدانىّ عفا الله تعالى عنه ورحمه:
وبيض بألحاظ العيون كأنّما ... هززن سيوفا أو سللن خناجرا.
تصدّين لى يوما بمنعرج اللّوى ... فغادرن قلبى بالتصبّر غادرا.
стр. 491
سفرن بدورا، وانتقبن أهلّة، ... ومسن غصونا، والتفتن جآذرا.
وأطلعن في الأجياد للدّرّ أنجما ... جعلن لحبّات القلوب ضرائرا.
وقال ابن الرومىّ:
نظرت، فأقصدت الفؤاد بطرفها، ... ثم انثنت عنّى، فكدت أهيم!
ويلاى! إن نظرت وإن هى أعرضت: ... وقع السّهام ونزعهنّ أليم!
وقال أيضا:
لطرفها وهو مصروف كموقعه ... فى القلب حين يروع القلب موقعه.
تصدّ بالطّرف لا كالسّهم تصرفه ... عنّى، ولكنّه كالسّهم تنزعه.
وقال الأرّجانى:
نقبوهنّ خشية العشّاق! ... أو لم تكف فتنة الأحداق؟
إنّ في الأعين المراض لشغلا ... للمعنّى عن الخدود الرّقاق!
كلّ ما فات في الليالى المواضى ... فهو في ذمّة اللّيالى البواقى.
وقال أيضا:
سترن المحاسن إلا العيونا ... كما يشهد المعرك الدّارعونا.
سللن سيوفا ولاقيننا! ... فلا تسأل اليوم ماذا لقينا.
كسرن الجفون ولولا الرّضا، ... بحكم الغرام كسرنا الجفونا.
وحسب الشهيد سرورا بأن ... يعاين حورا مع القتل عينا.
وقال أبو نواس:
ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم.
стр. 492
وقال آخر:
يا من تكحّل طرفها ... بالسّحر لا بالإثمد!
نفسى كما عذّبتها ... وقتلتها بالإثم، دى [١] !
ومما قيل في أدواء العين، فمن ذلك:
الغمص، أن لا تزال العين ترمص.
اللّحح، أسوأ الغمص.
اللّخص، التصاق الجفون.
العائر، الرّمد الشديد. وفيه يقول النابغة:
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد.
وكذلك الساهك.
الغرب، ورم في المآقى.
السّبل، أن يكون على بياضها وسوادها شبه غشاء.
السّجا [٢] ، أن يعسر على الإنسان فتح عينيه إذا انتبه من النوم:
الظّفر، ظهور ظفرة (وهى جليدة تغشى العين من تلقاء المآقى) .
الطّرفة، أن يحدث في العين نقطة حمراء.
الانتشار، أن يتسع ثقب الناظر حتّى يلحق البياض من كل جانب.
الحثر، أن يخرج في العين حبّ وهو الجرب.
القمر، أن يعرض للعين فترة وفساد. يقال: قمرت عينه.
стр. 493
ومما قيل في أرمد، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتز (وقيل إنها لابن الرومىّ، وقيل للناجم) :
قالوا: اشتكت عينه! فقلت لهم: ... من كثرة الفتك نالها الوصب!
حمرتها من دماء من قتلت، ... والدم في النّصل شاهد عجب.
وقال ابن منير الطرابلسىّ:
رنا وفي طرفه احمرار، ... يغضّ من سحر مقلتيه.
وفاض من نرجسيه ماء، ... ضرّجه ورد وجنتيه.
فقلت يا ممرضى بوجه، ... أظنّ دائى سرى إليه!
هيهات، لا تجحدنّ قتلى! ... هذا دمى شاهد عليه!
وقال الواثق بالله:
لى حبيب قد طال شوقى إليه، ... لا أسميّه من حذارى. عليه.
لم تكن عينه لتجحد قتلى، ... ودمى شاهد على وجنتيه!
وقال الصولىّ:
يكسر لى طرفا به حمرة، ... قد خلط النّرجس في ورده.
ما احمرّت العين، ولكنّه ... يكحلها من وردتى خدّه!
وقال آخر:
قالوا: بدت في عينه حمرة ... قد حازها من وردة الخدّ.
فقلت لم يرمد ولكنه ... يصافح النّرجس بالورد!
стр. 494
وقال أبو عبد الله بن الحدّاد الوزير:
يا شاكى الرّمد الذى بشكاته، ... قد صار دهرى فيه ليلة أرمدا!
الله والإشفاق يعلم أنّنى ... لو أستطيع فدا، لكنت لك الفدا!
كم من دم سفكت جفونك لم تزل ... تخفى وتكتم سفكه حتّى بدا.
لم يشتمل بدم غرار مهنّد ... إلا وقد أهدى النفوس إلى الرّدى.
وقال أبو الفرج الببغاء:
بنفسى ما يشكوه من راح طرفه ... ونرجسه مما دهى حسنه ورد!
أراقت دمى ظلما محاسن وجهه، ... فأضحت وفي عينيه آثاره تبدو!
غدت عينه كالجمر حتّى كأنما ... سقى عينه من ماء توريده الخدّ.
لئن أصبحت رمداء مقلة مالكى، ... لقد طال ما استشفت به مقل رمد!
وقال آخر:
قضب الهند والقنا أخدانك! ... والمقادير في الورى أعوانك!
أيّها ذا الأمير ما رمدت عي ... نك! حاشا لها، ولا أجفانك!
بل حكت فعلك الكريم لبضحى ... شانها في العلى سواء وشانك.
فهى تحمرّ مثل سيفك في الرّو ... ع، وتصفو كما صفا إحسانك.
وقال آخر وأجاد:
لقد جار ما تشكوه في الحكم واعتدى ... وأسرف في أفعاله وتمرّدا!
فمن لى بأن لو كنت أعرف حيلة ... تصيّر أجفانى لأجفانك الفدا؟
دهت عينك العين التى قد قضى القضا ... بأنك فيها سوف تصبح أرمدا.
стр. 495
فمذ بدّلت من نرجس بشقائق، ... أعادت لجين الدمع منّى عسجدا.
سللت حسام اللحظ منها على الورى، ... وقد كان أحرى أن يصان ويغمدا!
فأنت الذى أبليتها بالذى بها، ... إذا السيف لم يغمد تراكبه الصّدا.
ومما قيل في أرمد غطى عينيه بشعريّة، [١] قول السراج الورّاق:
شعريّتى، مذرمدت قد حجبت ... طرفى عنكم، فصرت محبوسا.
الحمد لله! زادنى شرفا: ... كنت سراجا فصرت فانوسا.
وقال آخر:
غطّى على عينيه شعريّة، ... تشعل في القلب لهيب الغرام.
كأنّه البدر بدا نصفه، ... ونصفه الآخر تحت الغمام!
وقال آخر:
لا تحسبوا شعريّة أصبحت ... من رمد في وجهه مرسله.
وإنما وجنته كعبة، ... أستارها من فوقها مسبله.
ومن رقعة كتبها أرمد (وهو عبد الله بن عثمان الواثقى) عفا الله عنه. قال:
صادف ورود كتابه رمدا في عينى قد حصرنى في الظّلمه، وحبسنى بين الغم والغمّه، وتركنى أدرك بيدى ما كنت أدرك بعينى: كليل سلاح البصر، قصير خطو النظر. قد ثكلت مصباح وجهى، وعدمت بعضى، الذى هو آثر عندى