← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

من البيت، فكلّمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال: اشتر بهذه طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما، وبدرهم خبزا، وبدرهم خمرا؛ فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثانى فعل به كذلك؛ وفى اليوم الثالث كذلك. ثم قال: إنى أحبّ أن تكتب لى أمانا إن أنت ملّكت يوما من الدهر. قال: تسخّر منّى؟ قال: إنى لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتّخذها عندى يدا! فكلّمته أمّه فقالت: ما عليك إن كان، وإلّا لم ينقصك شيئا، فكتب له أمانا. فقال له: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بينى وبينك فاجعل لى آية تعرفنى بها. قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها، فكساه وأعطاه. ثم إنّ ملك بنى إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ﵉ ويدنى مجلسه ويستشيره فى أمره ولا يقطع أمرا دونه، وإنه هوى أن يتزوّج بنت امرأته. - قال وقيل: كانت بنت أخيه، قال الثعلبىّ: وهو الأصحّ «١» إن شاء الله- فسأله عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لن أرضاها لك. فبلغ ذلك أمّها فحقدت على يحيى ﵇ حين نهاه أن يتزوّج بنتها، فعمدت أمّ الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمراء وطيبّتها وألبستها من الحلىّ، وألبستها فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها الى الملك، وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرّض إليه، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا فى طست، ففعلت. فلمّا أخذ منه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطينى ما أسألك. قال: ما تسألينى؟ قالت: أسألك

стр. 4657

أن تبعث إلى يحيى بن زكريّا فتؤتى برأسه فى طست. فقال: ويحك! سلينى غير هذا. قالت: ما أريد إلّا هذا. فلمّا أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه، والرأس يتكلّم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا يحلّ لك. فلمّا أصبح إذا دمه يغلى، فأمر بتراب فألقى عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلى، فألقى عليه أيضا فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو فى ذلك يغلى. فبلغ صيحون ملك بابل ذلك فنادى فى الناس، وأراد أنّ يبعث إليهم جيشا [ويؤمّر عليهم رجلا «١» ] . فأتاه بختنصّر فكلّمه وقال: إنّ الذى كنت أرسلت تلك المرّة ضعيف، وإنّى قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهليها [فابعثنى «٢» ] فبعثه. فسار بختنصّر، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصّنوا منه فى مدائنهم فلم يطقهم. فلمّا اشتدّ عليه المقام وجاع أصحابه وأرادوا الرجوع خرجت امرأة عجوز من عجائز بنى إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟ فأتى بها إليه. فقالت: إنه بلغنى أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامى وجاع أصحابى، فلست أستطيع المقام فوق الذى كان منّى. فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطينى ما أسألك، فتقتل من أمرتك بقتله، وتكفّ إذا أمرتك أن تكفّ؟ فقال لها نعم. قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم اجعل فى كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنّا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريّا، فإنها سوف تسّاقط، ففعلوا؛ فتساقطت المدينة فدخلوا من جوانبها. فقالت: كفّ يدك واقتل على هذا الدم حتى يسكن، وانطلقت به الى دم يحيى بن زكريّا، وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألفا. فلمّا سكن الدم قالت له: كفّ يدك فإنّ الله تعالى إذا قتل نبىّ لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله. وأتاه

стр. 4658

صاحب الصحيفة بصحيفته فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرّب بيت المقدس وأمر أن تطرح الجيف فيه، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة. قال: وأعانه الروم على خرابه من أجل أنّ بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. قال: فلمّا خرّبه بختنصّر ذهب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت الملك، فلمّا قدم وجد صيحون ملك بابل قد مات فملّك مكانه. ذكر خبر بختنصّر مع دانيال قال: ولمّا سار بختنصّر إلى بابل وملّك بعد موت الملك كان معه دانيال، وكان أكرم الناس عليه هو وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم فسألهم؛ فقالوا: أجل، إنّ لنا ربّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم. فأمر أن يخدّ» لهم أخدود فخدّ لهم وألقوا فيه وهم ستّة، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قال: اذهبوا بنا لنأكل ونشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم عادوا فوجدوهم سبعة والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدا. فقالوا: ما بال هذا السابع إنما كانوا ستّة! فخرج السابع إلى بختنصّر، وكان ملكا من الملائكة، فلطمه لطمة فصار من الوحش [ومسخه «٢» الله] سبع سنين، [ثم ردّه الله الى صورته وردّ عليه ملكه «٣» ] . هذا ما حكاه السّدىّ. وروى الثعلبىّ بسنده إلى وهب قال: لمّا سار بختنصّر الى بابل وملّك بعد موت ملكها واستتبّ أمره لبث على ذلك مدّة، ثم رأى رؤيا عجيبة فأفزعته وسأل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تعبيرها. فبلغ ذلك دانيال وكان فى السجن

стр. 4659

مع أصحابه وقد أحبّه صاحب السجن وأعجب به لمّا رأى من حسن سمته. فقال له دانيال: إنك قد أحسنت إلىّ، وإنّ صاحبكم قد رأى رؤيا، فدلّه علىّ لأعبرّها له. فجاء السجّان فأخبر بختنصّر بقصّة دانيال، فاستدعاه فجاء إليه. وكان من عادة من حضر بين يدى الملك أن يسجد له، فلما أتوا بدانيال قام بين يديه ولم يسجد له. فقال: ما الذى منعك من السجود؟ فقال: إن لى ربّا آتانى العلم والحكمة وأمرنى ألّا أسجد لغيره، فخشيت إن سجدت لغيره أن ينزع منّى الحكمة والعلم ويهلكنى. فأعجب به وقال: نعم ما فعلت حيث وفّيت بعهده، وأجللت علمه؛ ثم قال: هل عندك علم هذه الرؤيا؟ قال: نعم وأبشر، فأخبره برؤيا قبل أن يخبره الملك بها، وعبّرها له. قال الثعلبىّ: وكانت الرؤيا على ما أخبرنا به عبد الله بن حامد فى إسناده عن وهب بن منبّه قال: إنّ بختنصّر رأى فى آخر زمانه صنما رأسه من ذهب، وصدره من فضّة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه من فخّار، ثم رأى حجرا من السماء وقع عليه فدقّه، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها فى الأرض وفرعها فى السماء، ثم رأى عليها رجلا بيده فأس وسمع مناديا ينادى: اضرب جذعها ليتفرّق الطير من فروعها، وتتفرّق الدوابّ والسباع من تحتها، واترك أصلها قائما. فعبّرها دانيال ﵇ له فقال: أمّا الصنم الذى رأيت، فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك. وأما الصدر الذى من فضة فابنك يملك من بعدك. وأما البطن الذى رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك. وأما ما رأيت من الفخذين من حديد فيتفرّق الناس فرقتين فى فارس يكون أشدّ الملوك. وأما الفخّار فآخر ملكهم يكون دون الحديد. وأما الحجر الذى رأيته قد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبىّ يبعثه الله تعالى فى آخر الزمان فيفرّق ملكهم كلّه، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب.

стр. 4660

وأما الشجرة التى رأيت والطير التى عليها والسّباع والدوابّ التى تحتها وما أمر بقطعها، فيذهب ملكك ويردّك الله طائرا تكون نسرا ملك الطير، ثم يردّك الله ثورا ملك الدوّاب، ثم يردّك الله أسدا ملك السباع والوحش سبع سنين، وفى كل ذلك قلبك قلب إنسان، حتى تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض، يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائما فإن ملكك قائم. قال: فمسخ بختنصّر نسرا فى الطيور، وثورا فى الدوّاب، وأسدا فى السباع، فكان مسخه كله سبع سنين، ثم ردّ الله تعالى إليه ملكه، فآمن ودعا الناس إلى الله تعالى. قال: وسئل وهب بن منبّه: أكان بختنصّر مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: مات مؤمنا، ومنهم من قال: مات كافرا؛ لأنه حرّق بيت المقدس وكتب الله وقتل الأنبياء، فغضب الله تعالى عليه ولم يقبل توبته. قالوا: فلمّا عبّر دانيال لبختنصّر رؤياه أكرمه وصحبه واستشاره فى أموره وقرّبه منه حتى كان أكرم الناس عليه وأحبّهم إليه، فحسده المجوس على ذلك ووشوا به وبأصحابه الى بختنصّر فقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم وسألهم فقالوا: إنّ لنا ربّا نعبده ولسنا نأكل من ذبائحكم. فأمر بختنصّر بأخدود، فخدّ لهم وألقوا فيه، وهم ستّة، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قالوا: انطلقوا لنأكل ونشرب، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدا ولم ينكأهم «١» بشىء، ووجدوا معهم رجلا فعدوّهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع وإنما

стр. 4661

كانوا ستّة! فخرج إليهم السابع، وكان ملكا من الملائكة، فلطم بختنصّر لطمة فصار فى الوحوش، ومسخه الله تعالى سبع سنين ثم ردّه الله تعالى إلى صورته وردّ عليه ملكه. قال السّدىّ: ثم إن بختنصر لمّا رجع إلى صورته بعد المسخ وردّ الله تعالى عليه ملكه، كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه، فحسدته المجوس ووشوا به ثانية فقالوا لبخنتصّر: إنّ دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عار. فجعل بختنصّر لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقالوا للبوّابين: أنظروا أوّل من يخرج إليكم ليبول فاضربوه بالطّبرزين «١» ، وإن قال لكم أنا بختنصّر فقولوا له: كذبت، بختنصّر أمرنا بهذا. فحبس الله تعالى عن دانيال البول، وكان أوّل من قام من القوم يريد البول بختنصّر. فقام مدلّا وذلك ليلا، فخرج يسحب ثيابه، فشدّ عليه البوّاب فقال: أنا بختنصّر. فقال: كذبت، بختنصّر أمرنى أن أقتل أوّل من يخرج، فضربه فقتله. وحكى محمد بن إسحاق بن يسار فى سبب هلاك بختنصّر غير ما حكاه السّدّىّ، وذلك أنه قال بإسناده: لمّا أراد الله تعالى هلاك بختنصّر انبعث فقال لمن كان فى يده من بنى إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذى خرّبته، وهؤلاء الناس الذين قتلتهم من هم؟ وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله ومسجد من مساجده، وهؤلاء أهله، كانوا من ذرارى الأنبياء فظلموا وتعدّوا وعصوا، فسلّطت عليهم بذنوبهم، وكان ربّهم ربّ السموات والأرض وربّ الخلق كلهم، يكرمهم ويمنعهم

стр. 4662

ويعزّهم، فلمّا فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله تعالى وسلّط عليهم غيرهم. قال: فأخبرونى ما الذى يطلع بى الى السماء العليا لعلّى أطّلع إليها وأقتل من فيها وأتّخذها ملكا فإنى قد فرغت من الأرض ومن فيها؟ قالوا: ما يقدر على هذا أحد من الخلائق. قال: لتفعلنّ أو لأقتلّنكم عن آخركم. فبكوا وتضرّعوا إلى الله تعالى، فبعث الله عليه بقدرته ليريه ضعفه وهوانه بعوضة فدخلت فى منخره ثم ساخت فيه حتى عضّت بأمّ دماغه فما يقرّ ولا يسكن حتى يوجأ «١» له رأسه على أمّ دماغه. فلمّا عرف أنه الموت قال لخاصّته من أهله: اذا متّ فشقّوا رأسى فانظروا ما هذا الذى قتلنى. فلمّا مات شقّوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضّة بأمّ دماغه ليرى الله تعالى عباده قدرته وسلطانه، ونجّى الله تعالى من بقى فى يديه من بنى إسرائيل وردّهم إلى إيليا والشام، فبنوا فيه وربوا وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه. قال: فيزعمون أنّ الله تعالى أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا ولحقوابهم. قال: ثم إنهم لمّا رجعوا الى الشام وقد أحرق التوراة وليس معهم عهد من الله تعالى جدّد الله توراتهم وردّها عليهم على لسان عزير، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: وكان عمر بختنصّر بأيام مسخه نيّفا وخمسين سنة وخمسين يوما. فلمّا مات بختنصّر استخلف [ابنه «٢» ] بلسطاس «٣» . وكانت آنية بيت المقدّس التى حملها بختنصّر إلى بابل باقية، فنجّسها بلحوم الخنازير وأكل وشرب فيها، وأقصى دانيال ولم يقبل منه، واعتز له دانيال. فبينما بلسطاس ذات يوم إذ بدت له كف بغير ساعد وكتبت ثلاثة أحرف بمشهده ثم غابت، فعجب من ذلك ولم يدر ما هى، فاستدعى دانيال واعتذر اليه وسأله أن يقرأ تلك الكتابة ويخبره بتأويلها. فقرأها دانيال، فإذا

стр. 4663

هى: «بسم الله الرحمن الرحيم. وزن فخفّ «١» ، ووعد فنجز، وجمع فتفرّق» . فقال دانيال: أمّا قوله وزن فخفّ، أى وزن عملك فى الميزان فخفّ. ووعد ملك فنجز اليوم، وجمع فتفرّق، أى جمع لك ولوالدك من قبلك ملك عظيم فتفرّق اليوم فلا يرجع إلى يوم القيامة. فلم يلبث إلا قليلا حتى أهلكهم الله تعالى وضعف ملكهم، وبقى دانيال بأرض بابل إلى أن مات بالسّوس «٢» . فهذه الأقاويل التى وردت فى بختنصّر هى على ما جاء فى التفسير «٣» والمبتدا «٤» . وأمّا قول من قال إنه كان مرزبانا للهراسف الملك الفارسىّ فسنذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار ملوك الفرس، على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى فى موضعه وهو فى الباب الثالث من القسم الرابع من هذا الفنّ فى السفر الثالث عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا. وهذه الاخبار التى قدّمنا ذكرها أوردها أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره وفى كتابه المترجم ب «يواقيت البيان فى قصص القرآن» . وقال فى تفسيره: إلّا أنّ رواية من روى أن بختنصّر غزا بنى إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريّا ﵉ غلط عند أهل السّير والأخبار والعلم بأمور الماضين من أهل الكتاب والمسلمين. وذلك أنهم مجمعون على أن بختنصّر غزا بنى إسرائيل عند قتلهم نبيّهم شعيا وفى عهد إرميا بن حلقيّا ﵈، وهى الوقعة الأولى التى قال الله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا يعنى بختنصّر وجنوده. قال الثعلبىّ قالوا: ومن عهد إرميا وتخريب بختنصّر البيت المقدّس الى مولد يحيى بن زكريّا أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة. والله أعلم.

стр. 4664

ذكر خبر عمارة بيت المقدس بعد أن خرّبه بختنصّر وخبر الذى مرّ على قرية قال الله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ «١» ... الآية. قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: اختلفوا فى ذلك المارّ من كان، فقال عكرمة وقتادة والرّبيع بن أنس والضحّاك والسّدّىّ وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة «٢» وسلم الخوّاص: هو عزير بن شرخيا. وقال وهب بن منبّه وعبد الله بن عبيد ابن عمير: هو إرميا بن حلقيّا، وكان من سبط هارون بن عمران، وقد تقدّم ذكره. قال: واختلفوا أيضا فى القرية التى مرّ عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: هى بيت المقدس. وقال الضحّاك: هى الأرض المقدّسة. وقال ابن زيد: هى الأرض التى أهلك الله تعالى بها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقال الكلبىّ: هى دير سابرا باذ. وقال السّدّىّ: هى سلماباذ. وقيل: هى ذيرهزقل «٣» . وقيل: هى قرية العنب، وهى على فرسخين من بيت المقدس.

стр. 4665

قال فالذى يقول: إن المارّ إرميا وإنّ القرية بيت المقدّس، هو ما رواه محمد ابن إسحاق بن يسار عن وهب بن منبّه: أنه لمّا كان من أمر إرميا ما قدّمناه، وأنه طار لمّا التهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبواب بيت المقدس حتى خالط إرميا الوحش ودخل بختنصّر وجنوده بيت المقدس وخرّب كما تقدّم. فلمّا رجع بختنصّر عن بيت المقدّس أقبل إرميا على حمار له معه عصير عنب فى ركوة «١» وسلّة تين حتى غشى إيلياء «٢» . فلمّا وقف عليها ورأى خرابها قال: «أنّى يحيى هذه الله بعد موتها» !. قال: ثم ربط إرميا حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الرّوح مائة عام وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله تعالى عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من نومه سبعون سنة أرسل الله ملكا إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له: «بوسك «٣» » فقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمّر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أحسن ما كانت، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، فجعلوا يعمّرونها فعمّرت، ونجّى الله تعالى من بقى من بنى إسرائيل ولم يمت ببابل أحد منهم وردّهم الله تعالى إلى بيت المقدس وعمّروها ثلاثين سنة حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه؛ وذلك بعد أن خرّبت سبعين سنة. فلمّا مضت المائة سنة أحيا الله منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرّقة بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء: أيّتها العظام البالية إن الله

стр. 4666

يأمرك أن تجتمعى، فاجتمع بعضها إلى بعض واتّصل بعضها ببعض. ثم نودى: إن الله يأمرك أن تكتسى لحما وجلدا فكان كذلك. ثم نودى: إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق. وعمّر الله تعالى إرميا، فهو الذى يرى فى الفلوات؛ فذلك قوله تعالى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أى أحياه قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وذلك أن الله تعالى أماته ضحى فى أوّل النهار وأحياه بعد مائة عام فى آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: «لبثت يوما» ، وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيّة من الشمس فقال: «أو بعض يوم» ، بمعنى بل بعض يوم قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعنى التّين وَشَرابِكَ يعنى العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ أى لم يتغيّر وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» . قال وهب: ليس فى الجنة كلب ولا حمار إلا كلب أصحاب أهل الكهف وحمار إرميا الذى أماته الله مائة عام ثم بعثه. هذا قول من قال إنه إرميا بن حلقيّا. وأمّا من قال إنه عزير، فإنه يقول: إنّ بختنصّر لمّا خرّب بيت المقدس قتل أربعين ألفا من قرّاء التوراة والعلماء، وقتل منهم أبا عزير وحده. وكان عزير يومئذ غلاما قد قرأ التوراة وتقدّم فى العلم، وأقدمه بختنصّر مع بنى إسرائيل إلى أرض بابل، وهو من ولد هارون. فلمّا نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل على دير هزقل على شطّ دجلة، وطاف فى القرية فلم يرفيها أحدا، وعامّة شجرها حامل، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب وشرب منه، وجعل فضل الفاكهة

стр. 4667

فى سلّة وفضل العصير فى زقّ. فلمّا رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها الآية، وساق فيه نحو ما تقدّم فى خبر إرميا. وقال قوم فى قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ إنّ الله تعالى لم يمت حماره فأحيا الله تعالى عينيه ورأسه وسائر جسده ميّت فقال له: «أنظر الى حمارك» فنظر الى حماره قائما كهيئته يوم ربطه حيّا، لم يطعم ولم يشرب مائة عام، ونظر الى الرّمّة فى عنقه جديدة؛ وهذا قول الضحّاك وقتادة. وقال الآخرون: أراد عظام حماره كما تقدّم فى قصّة إرميا. وقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أى عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. وقال الضحّاك: وهو أنه عاد إلى قريته وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللّحية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أحيا الله تعالى عزيرا بعد مائة سنة، فركب حماره حتى جاء محلّته «١» ، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله، وإذا هو بعجوز عمياء قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير وهى ابنة عشرين سنة، وكانت قد عرفته وعقلته؛ فلما أصابها الكبر والزّمن «٢» قال لها عزير: يا هذه، هذا منزل «٣» عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس. قال: فإنى عزير. قالت: سبحان الله! فإنّ عزيرا قد فقدناه من مائة سنة. قال: فإنّى أنا عزير، إنّ الله أماتنى مائة سنة ثم بعثنى. قالت: فإن عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة، يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله

стр. 4668

يردّ علىّ بصرى حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربّه تعالى فاستجاب له ومسح بيده على وجهها وعينيها فصحّتا، وأخذ بيدها وقال لها: قومى بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت اليه فقالت: أشهد أنك عزير. فانطلقت إلى محلّة بنى إسرائيل وهم فى أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبنو ابنه شيوخ فى المجالس، فنادت: هذا عزير قد قدم وجاءكم، فكذّبوها. فقالت: وأنا فلانة مولاتكم دعا لى ربّه فردّ الله علىّ عبنىّ وأطلق رجلىّ، وزعم أنّ الله أماته مائة عام ثم بعثه. فنهض الناس وأقبلوا إليه، فقال ابنه: إنه كان لأبى شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه وإذا هو عزير. وأمّا خبر فتنة اليهود به وقولهم عزير ابن الله، فقد روى عطيّة العوفىّ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان عزير من أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعملوا بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحقّ، وكان التابوت فيهم. فلمّا رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، وأرسل عليهم مرضا، فاستطلقت بطونهم، حتى إنّ الرجل يمسّ كبده، حتى نسوا التوراة وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم. وكان عزير دعا الله وابتهل إليه أن يردّ إليه الذى نسخ من صدورهم. فبينما هو يصلّى ويبتهل إلى الله تعالى إذ نزل نور من السماء فدخل فى جوفه، فعاد إليه الذى كان ذهب من التوراة، فأذّن فى قومه فقال: يا قوم، قد أتانى الله التوراة وردّها إلىّ، فطفق يعلّمهم، فمكثوا ما شاء الله وهو يعلّمهم. ثم إنّ التابوت نزل بعد ذلك. فلمّا رأوا

стр. 4669

التابوت عرضوا ما كان فيه على الذى كان يعلّمهم عزير فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتى عزير هذا إلّا وهو ابن الله. وقال السّدّىّ وابن عبّاس فى رواية عمّار بن ياسر: إنما قالت اليهود هذا لأنّ العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا التوراة فى الجبال وغيرها، ولحق عزير بالجبال والوحوش، وجعل يتعبّد فى رءوس الجبال ولا يخالط الناس ولا ينزل إلّا يوم عيد، وجعل يبكى ويقول: يا ربّ تركت بنى إسرائيل بغير عالم، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرّة الى العيد، فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد تمثّلت له عند قبر من القبور تبكى وتقول: يا مطعماه، ويا كاسياه!. فقال لها عزير: يا هذه اتقى الله واصبرى واحتسبى، أما علمت أنّ الموت مكتوب على الناس!. وقال لها: ويحك! من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل؟ (يعنى زوجها التى كانت تندبه) . قالت له: الله تعالى. قال: فإن الله تعالى حىّ لا يموت. فقالت: يا عزير، من كان يعلّم العلماء قبل بنى إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكى عليهم وقد علمت أنّ الموت حقّ وأن الله حىّ لم يمت. فلمّا علم عزير أنه قد خصم ولّى مدبرا. فقالت له: يا عزير، لست بامرأة ولكنّى الدنيا. أما أنه ستنبع لك فى مصلّاك عين وتنبت لك شجرة، فكلّ من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلّ ركعتين؛ فإنه سيأتيك شيخ، فما أعطاك فخذ منه. فلمّا أصبح نبعت العين فى مصلّاه ونبتت الشجرة، ففعل ما أمرته به، وجاء شيخ وقال له: افتح فاك، ففتح فاه فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرّات، ثم قال له: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك. قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلّا زيد فى علمه، فرجع إليهم وهو أعلم الناس بالتوراة. فقال: يا بنى إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة. فقالوا:

стр. 4670

يا عزير، ما كنت كذّابا. فربط على كلّ إصبع له قلما وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة كلّها عن ظهر قلبه، فأحيا لبنى إسرائيل التوراة وأحيا لهم السّنّة. فلمّا رجع العلماء استخرجوا كتبهم التى كانوا دفنوها، فعارضوا بها توراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله تعالى هذا إلّا أنه ابنه. وقال الكلبىّ: إنّ بختنصّر لمّا ظهر على بنى إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل مرّة قرّاء التوراة، كان عزير إذ ذاك غلاما صغيرا، فاستضعفه فلم يقتله، ولم يدر أنه يقرأ التوراة. فلمّا توفّى مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيرا ليجدّد لهم التوراة ويكون لهم آية، فأتاهم فقال: أنا عزير. فكذّبوه وقالوا: إن كنت عزيرا كما تزعم فاتل علينا التوراة. فكتبها وقال: هذه التوراة. ثم إنّ رجلا قال: إنّ أبى حدّثنى عن جدّى أن التوراة جعلت فى خابية ثم دفنت فى كرم. فانطلقوا معه حتى احتفروها وأخرجوا التوراة، فعارضوها بما كتب عزير فلم يجدوه غادر منها [آية ولا «١» ] حرفا، فعجبوا وقالوا: إن الله لم يقذف التوراة فى قلب رجل واحد منّا بعد ما ذهبت من قلوبنا إلّا أنه ابنه؛ فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.

стр. 4671

الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الخامس فى قصة ذى النّون يونس بن متّى ﵇ وخبر بلوقيا ذكر قصة ذى النّون يونس بن متّى ﵇ قال الكسائىّ ﵀ قال وهب بن منبّه: كان متّى رجلا صالحا من أهل بيت النبوّة، ولم يرزق الولد الى آخر عمره بعد أن أسنّ هو وزوجته، فسأل الله تعالى الولد، فنودى: إنّ الله قد استجاب دعاءك، فانطلق إلى حضيرة التوبة، وهو الموضع الذى أمر الله تعالى بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فيه لمّا عبدوا العجل. فصار إلى هناك وإذا بملك قد هبط من السماء فضرب قبة على باب حضيرة التوبة، وذلك فى ليلة عاشوراء، وأمرهما أن يدخلاها فدخلا وواقعها، فحملت بيونس، ثم انصرفا إلى منزلها. فلمّا صار لها أربعة أشهر توفّى متّى وبقيت امرأته أرملة ليس لها إلّا قصعة كانت لآل هارون، فكانت تصيب رزقها فى المساء والصباح من عند الله. فلمّا وضعت يونس لم يكن لها لبن يكفيه، فكانت أمّه تأتى إلى الرّعاة وتسألهم اللبن فلا يجيبونها، فكانت تقول: اللهمّ هذا الولد هبتك فلا تهلكه جوعا، فكانت المواشى تأتيه وتمجّ «١» عليه بضرعها حتى يشبع، فإذا شبع يقول: الحمد لله «٢» ، فآمن به جماعة من الرّعاة، فبقى كذلك حتى فطمته أمه،

стр. 4672

وكان يسمّى يتيم بنى إسرائيل، حتى أتت عليه سبع سنين، فأقبل على أمه فقال: يا أمّاه، لا ينبغى أن تذهب أيّامى بالبطالة، وأريد أن تلبسينى ثوبا من الصوف حتى ألحق بالعبّاد وأكون معهم. فقالت: يا بنىّ، أنت صغير ولم يأن لك أن تسيح. فلم يزل بأمّه حتى أجابته إلى ذلك ولحق بالعبّاد واشتهر ذكره فيهم بكثرة العبادة حتى استكمل من العمر خمسا وعشرين سنة، فرأى فى منامه: إنّ الله يأمرك أن تمضى الى مدينة الرّملة «١» فإنّ فيها وليّا من أوليائى وله ابنة عفيفة فتزوّجها منه. فلمّا أصبح عزم على المسير، وصحبه جماعة من بنى إسرائيل من أصحابه، وسار حتى دخل مدينة الرّملة، وسأل عنه فقيل: إنه فى السّوق يبيع ويشترى. فعجب يونس من ذلك وجاء الى السّوق فرآه وهو يبيع الطّيب ويكثر الضّحك. فقال يونس: ليس هذا من صفات الأولياء والعبّاد. فنظر إليه زكريّا «٢» وقام إليه وصافحه وسلّم عليه باسمه واسم أبيه. قال: وكيف عرفتنى؟ قال: رأيتك فى المنام وأمرت أن أزوّج ابنتى منك. وتوجّه به إلى منزله وقدّم له الطعام فأكلا، وذكر له رؤياه وأنها سبب مسيره الى الرملة، ثم سأله عن مكسبه بالبيع والشراء فقال: أمّا البيع والشراء فمباح، والتاجر فاجر إلّا من أخذ الحقّ وأعطاه، واتقى الله ولم يمدح سلعته. فلمّا أقبل الليل نزع زكريّا ما كان عليه من الثياب ولبس الصوف ودخل محرابه ولم يزل فى صلاته ودعائه وتضرّعه حتى أصبح، فنزع الصوف ولبس ما كان عليه بالأمس وبرز إلى السوق ويونس معه، فكان ذلك دأبه. ثم زوّج ابنته من يونس ووهب لها بعض ماله. وأقام يونس عنده، ورزق الله يونس من زوجته ولدين ومات زكريّا، فاحتمل يونس زوجته إلى بيت

стр. 4673

المقدس وأقام هناك يعبد الله تعالى. وشعيا يومئذ بيت المقدس وهو نبىّ فى بنى إسرائيل إلى أن بعث الله تعالى يونس نبيّا. قال: وكان فى بلاد نينوى «١» ملك «٢» وكانت جيوشه كثيرة، قيل: إنها كانت تزيد على عشرة آلاف قائد «٣» . وكان إذا غزا تكون معه تماثيل من الأسود والفيلة متّخذة من النحاس والحديد، يخرج من أفواهها لهب النّيران، ومعه رجال يلعبون بالنيران. فغزا هذا الملك بنى إسرائيل على هذه الصورة، فقتل من بنى إسرائيل وسبى، ثم عاد الى بلاد نينوى، وغزاهم ثانية وتكرّرت غزواته فيهم. فأوحى الله تعالى إلى شعيا نبىّ بنى إسرائيل أن يختار من عبّاد بنى إسرائيل أمينا قويّا يبعثه إلى بلاد نينوى رسولا إلى من بها من الملوك وغيرهم؛ فإنهم قد جحدوا حقّى وأنكروا معرفتى. فدخل شعيا على حزقيّا الملك وأمره أن ينادى فى عبّاد بيت المقدس، وبها يومئذ عشرة آلاف عابد، لباسهم الشعر والصوف ونعالهم الخوص، فنادى فيهم بالاجتماع فاجتمعوا، فآختار منهم ثلاثة واختار من الثلاثة يونس بن متّى، ثم قال له حزقيّا: إن الله أوحى إلى نبيّه شعيا أن يختار من جملة هؤلاء العبّاد والزّهّاد أعبدهم وأتقاهم، وقد وقع اختياره عليك لتبعث [إلى أهل «٤» ] بلاد نينوى. قال يونس: إن فى بنى إسرائيل من هو أعبد منّى وأزهد، فابعث أيها الملك غيرى. قال: لا أبعث سواك، فانهض

стр. 4674

ولا تخالفنى فإنّ هذا عن أمر الله. فانصرف يونس إلى أمّه وأخبرها الخبر واستشارها، فقالت: إن الله أنطق الملك فى حقّك بالرسالة فسر كما أمرت ولا تعص الله ونبيّنا شعيا وملكنا حزقيّا. فعزم على المسير وودّع أمّه وحمل أهله حتى بلغ شاطئ دجلة، فنزل هناك وفكّر فى أمره وضعفه وعياله وقال: كيف لى بمطاولة الجبابرة والفراعنة! وأقبل على أهله وقال: قد عزمت على الفرار، فنهاه أهله عن ذلك. فسكت وقام ليعبر دجلة إلى بلاد نينوى فعبر بولده الأكبر، ثم رجع وأخذ ولده الثانى. فلمّا توسّط دجلة زاد الماء فغرق ابنه الذى كان معه، وكان فى يده نقرة» من الذهب كان قد ورثها من حميه فغرقت، وجاء ذئب إلى ولده الذى عبربه فاحتمله. فصاحت المرأة: يا يونس، إن ابنك أخذه الذئب. فخرج من الماء يعدو خلف الذئب فالتفت إليه وقال: ارجع يا يونس فإنى مأمور، فرجع يونس باكيا على ولديه. فلمّا بلغ الشطّ لم ير أهله، فجلس يبكى. فأوحى الله إليه: إنك شكوت كثرة العيال، وقد أرحتك منهم، فاذهب الآن إلى قومك فإنى سأردّ عليك أهلك وولديك وأنا على كل شىء قدير. فطابت نفسه وسار حتى بلغ بلاد نينوى فتوسّط سوقها ونادى: يا قوم، قولوا بأجمعكم: لا إله إلا الله وأنّى يونس عبده ورسوله. فلمّا سمعوا ذلك أقبلوا على ملكهم وأخبروه به وبمقالته. فأحضره الملك وقال له: من أين أنت؟ قال: رسول الله إليك وإلى أهل مملكتك فآمنوا بى تنجوا من النار. فأمر الملك بحبسه ثم بعث إليه وزيره، وهو من أهل بيت المقدس، واسمه سنجير «٢» ، فقال له: ادخل على هذا الرجل يونس وتعرّف أمره. فدخل عليه وسأله عن اسمه واسم أبيه، ومن أين أقبل وفيماذا جاء. فذكر له أنه رسول الله

стр. 4675

إليهم. فقال له الوزير: أرى أن ترفق فإنى أخشى عليك من هذا الملك فإنه جبّار. وانصرف الوزير إلى الملك وقال له: قد عرفت الرجل، وقد ذكر أنه رسول من إله السماء. فهمّ الملك بقتله، فآستوهبه الوزير منه على أن يكون فى البلد ولا يقول مثل مقالته. فاستدعى الوزير يونس وذكر له ذلك. فقال له: أمّا القتل فلا أخشى منه، والرسالة فلا أتركها حتى يحكم الله بينى وبينه. ثم إنّ الملك خلّى سبيله على أنه مجنون. فلم يزل يونس يدعوهم إلى طاعة الله تعالى فى كل يوم عامّة نهاره، حتى إذا جاء المساء أتى شطّ دجلة فيصلّى حتى يصبح، ثم يعود إليهم والناس يضربونه ويرجمونه ويسبّونه حتى ضجر فاستغاث إلى ربّه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنك دعوت القوم فلا تعجل عليهم وادعهم أربعين يوما، فإن آمنوا وإلّا جاءهم العذاب. فدعاهم حتى استكمل العدّة ولم يؤمنوا. فأوحى الله إليه أن اخرج من بين أظهرهم، فخرج حتى بلغ شاطئ دجلة، فقعد ينظر إلى العذاب كيف ينزل بالقوم. فأمر الله تعالى جبريل أن يرسل على قوم يونس سحابة فيها ألوان العذاب؛ فانطلق إلى مالك وأمره بذلك، فأخرج شرارة من الحطمة «١» على مثال سحابة سوداء مظلمة. فجاءت بها الزبانية حتى بلغت بلاد نينوى وانبسطت حتى أظلّت عليها، فظنّ القوم أنها مطر. فنظر وزير الملك إلى السحابة يخرج من أطرافها شرر النار، فدخل على الملك وقال: الحذر الحذر! فليست هذه سحابة مطر بل هى سحابة عذاب، وأخشى أن يكون ذلك لتكذيبنا يونس نبىّ الله. ثم قال: انظروا إلى يونس إن كان معكم فى بلدكم فلا تخافوا، وإن كان قد خرج عنكم فقد هلكتم. فطلبوا يونس فلم يجدوه. وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ورمتهم بشرر كالرّماد الأحمر لا يقع على

стр. 4676

شىء إلّا أحرقه. فبينا الناس يقولون: أين نطلب يونس إذا هم بالملك قد خرج عليهم وجميع أصحابه وهم يقولون: أين أنت يا يونس! فإنا لا نعود إلى مخالفتك، فلم يجدوه. فأقبل عليهم سنجير الوزير وقال: أيها الملك، إن يكن يونس قد غاب عنّا فإن إلهه لم يغب، فتعالوا حتى نتضرّع إلى الله لعلّه يرحمنا. فخرجوا بأجمعهم ونسائهم وأطفالهم إلى ظاهر البلد يبكون ويتضرّعون، فقام سنجير فيهم وقال: إلهنا إنك أمرتنا أن نعتق رقاب عبيدنا وإمائنا ونحن عبيدك وإماؤك فأعتقنا. إلهنا إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا فاغفر لنا واعف عنا. اللهم أعتقنا من عذابك فإنّا قد آمنا بنبيّك يونس وبجميع النبيّين فاغفر لنا ذنوبنا، ثم خرّوا سجّدا بأجمعهم. فأوحى الله تعالى إلى ملائكة العذاب أن ارجعوا، فانصرفت السحابة عنهم، وسمعوا صوتا: أبشروا يأهل نينوى برحمة من ربكم؛ فرجعوا إلى المدينة وقد آمنوا. وجاء يونس لينظر إلى ما نزل بهم من العذاب، فلقيه إبليس فى صورة شيخ. فقال له يونس: من أين أقبلت أيها الشيخ؟ [قال «١» ] : من نينوى. قال: فما نزل بهم اليوم؟ قال: ما نزل بنا إلّا سحابة بيضاء أمطرت مطرا جودا «٢» ، وكان يونس قد وعدنا بالعذاب فلم يكن وعلمنا كذبه. فغضب يونس وقال: لا أعود إلى قوم كذّبونى، وسار. قال الله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ «٣» . قال مجاهد وقتادة والضّحاك والكلبىّ: معناه أن لن نقضى عليه بالعقوبة، وهى رواية العوفىّ عن ابن عبّاس؛ ودليل ذلك قراءة عمر بن عبد العزيز والزّهرىّ «فظنّ أن لن نقدّر عليه» بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه نضيّق عليه الحبس.

стр. 4677

قال الكسائىّ: فلم يزل يسير حتى لحق بساحل البحر، فإذا هو بسفينة مارّة فلوّح إليهم فدخلوا إليه فقال: احملونى معكم فإنّى رجل منقطع غريب من بيت المقدس. فحملوه فقعد على كوثل «١» السفينة. فلمّا توسّطوا البحر هبّت عليهم رياح كثيرة من جميع الجوانب وأشرفوا على الغرق، فأخذوا فى الدعاء والتضرّع ويونس لا يتكلّم، فأقبل أهل السفينة عليه وقالوا: لم لم تدع أنت معنا؟ قال: لأنى مغموم لذهاب الأهل والولد. فلم يزالوا به حتى دعا، فازداد البحر هيجانا. قال يونس: اطرحونى فى البحر فإنّ هذا من أجلى. قالوا: ما نفعل. قال: فاقترعوا. فاقترعوا فوقعت القرعة عليه. فقالوا: إنّ القرعة تخطئ وتصيب، ولكن تعالوا حتى نتساهم. فجعل كل واحد منهم لنفسه سهما ثم رموابها فى البحر، فغرقت إلّا سهم يونس فإنه بقى على وجه الماء. قال الله : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ «٢» . ثم أقبل حوت عظيم من بحر الهند حتى بلغ جانب السفينة، فقام يونس ليرمى بنفسه، فتعلّق القوم به وقالوا: ألا ترى هذه الأمواج وهذا الحوت العظيم! فأقعدوه والبحر يزيد عيلهم بكثرة أمواجه وأهواله، فصار إلى جانب السفينة ليرمى بنفسه، فإذا بالحوت قد دار إلى الجانب الذى قصد أن يرمى نفسه منه، فعلم يونس أنه هو المراد، فغطّى وجهه بكسائه ورمى نفسه فى البحر «٣» فابتلعه الحوت. قال الله تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ «٤» معناه يلوم نفسه على ما فعله. وبقى فى جوف الحوت وهو يسمع

стр. 4678

تسبيح الحيتان بلغاتهم، فلم يزل كذلك حتى بلغ [الى موضع يسمع فيه صريف الأقلام «١» ] . وهو اذا سجد يكون سجوده على كبد الحوت وهو يقول له: يا يونس، أسمعنى تسبيح المغمومين المحبوسين فى حبس لم يحبس فيه أحد من الآدميّين، ويونس يقول: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، وكانت الملائكة تقول: إلهنا إنّا نسمع تسبيح مكروب كان لك شاكرا، اللهمّ ارحمه فى غربته. قال الله تعالى: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ «٢» الآية. قيل: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قال الله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «٣» أى المصلّين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «٤» . واختلف فى مدّة لبثه، فمنهم من قال: لبث أربعين يوما، وقيل: ثلاثة أيام. فلمّا انقضت المدّة التى قدّر الله عليه ألهم الله الحوت أن يرجع إلى الموضع الذى ابتلعه فيه. فشقّ ذلك على الحوت لأنه كان قد أنس به وبتسبيحه، فناداه الملك أن اقذفه من بطنك فليس هو مطعم لك. فتقدّم الحوت إلى الساحل وقذفه. قال الله تعالى: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ «٥» . قال: خرج كالفرخ الذى لا ريش له، وهو لا يقدر على القيام، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين «٦» كان لها ثلاثة أغصان: غصن قبل المشرق، وغصن قبل المغرب، والغصن الثالث على رأسه. وجاءه جبريل فقال: يا يونس، إن الله قد أعطاك من الجنة ما ترضى به، ثم أمرّ يده على رأسه وجسمه فأنبت الله شعره ولحيته، وأمر

стр. 4679

الله ظبية فوقفت بين يدى يونس وكلّمته بإذن الله، فمصّ من لبنها فقوى عند شربه؛ ثم بشّرته بإيمان قومه وأخبرته بما كان من أمرهم وسبب إيمانهم وذكرت اشتياقهم إلى رؤيته. وكانت الظبية ترعى حول يونس فإذا جاع أو عطش أرضعته، فلم يزل كذلك أربعين يوما. فنام فى بعض الأيام ثم انتبه فرأى اليقطينة قد جفّت والظبية قد غابت، فاغتمّ لذلك، فعلم يونس أن الله ضرب له مثلا بقومه، ثم هبط عليه ملك وقال: قم إلى قومك فإنهم يتمنّون رؤيتك، وأتاه بحلّتين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم سار حتى دخل قرية كثيرة الأشجار والخيرات وأهلها يقطعون تلك الأشجار ويلقون ثمارها فى الأرض، فقال: يا قوم، كيف تفعلون ذلك وتبطلون على أنفسكم ثمارها! فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنك أشفقت على قوم لا تعرفهم من قطعهم الأشجار ولم تشفق على قومك وهم مائة ألف أو يزيدون! فعلم يونس أنّ هذا مثل ضربه الله تعالى له، فقال: إلهى لا أعود إلى ذلك أبدا. ثم سار حتى دخل قرية أخرى وقت الماء، فتلّفاه رجل من أهل القرية وسأله أن ينزل عليه فنزل. فلمّا أكل وشرب نظر إلى بيت الرجل وفيه فخّار كثير يريد أن يوقد عليه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، قل لهذا الفاخرانىّ أن يكسر الفخّار الذى قد عمله. فقال يونس ذلك للفاخرانىّ، فقال: يا هذا أضفتك لما رأيت فيك من أثر الخير وإذا أنت رجل مجنون، تأمرنى أن أكسّر فخّارا قد أتعبت فيه نفسى لأنتفع بثمنه! قم الآن فاخرج من عندى، وأخرجه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنه أشفق على فخاره وسمّاك مجنونا وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره، وأنت بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكّر فى هلاكهم فترحمهم!. قال: إلهى لا أعود إلى ذلك أبدا. فلمّا أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعا، فقال له الرجل: ادع الله حتى يبارك لى فى زرعى، فدعا له فأنبته الله تعالى من ساعته

стр. 4680

وقام على سوقه، ففرح الرجل وأتى بيونس إلى منزله. فأوحى «١» الله تعالى إليه: يا يونس، قد حزنت على إرسال الجراد على الزرع ولم تزرعه، ولم تحزن على إرسال العذاب على مائة ألف أو يزيدون!. قال: إلهى تبت إليك من ذنبى لا أعود إليه أبدا. وسار حتى دخل قرية وهناك امرأة معها رجل وهو ينادى: من [يحمل «٢» ] هذه المرأة إلى بلاد نينوى [ويردّها «٣» ] إلى زوجها وله مائة مثقال من الذهب؟ فنظر إليها يونس فإذا هى امرأته، فقال: أيها الرجل، ما قصّة هذه المرأة؟ قال: إنها كانت قاعدة على شاطئ دجلة تنتظر زوجها يونس، فمرّ بها ملك من ملوك هذه القرية فاحتملها وأراد أن يفجر بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فسألها أن تدعو له بالفرج ولا يعود إلى ذلك، فدعت له. فلمّا عافاه الله لوقته دفعها إلىّ وأعطانى مائة مثقال ذهبا على أن أحملها إلى بلاد نينوى، وما يمكننى ذلك. قال يونس: أنا أحملها فأعطنى الذهب، فأعطاه إياه وسلم إليه المرأة. فسارا وقد فرحا حتى أتيا قرية أخرى، وإذا برجل يبيع سمكة، فاشتراها يونس وقعد ليصلحها فشقّ بطنها فوجد فيها تلك الصرّة الذهب التى وقعت منه فى دحلة، فقال: الحمد الله الذى ردّ علىّ أهلى ومالى، اللهمّ فاردد علىّ أولادى يا أرحم الرحمين، ثم سار فإذا هو برجل على دابّة ومن ورائه غلام، فإذا هو ولد يونس الصغير. فتعلّق به، فقال له الرجل: من أنت؟ قال: أنا يونس. فسلم اليه الغلام وقال: الحمد الله الذى ردّ الأمانة الى أهلها وخلّص ذمّتى. فسأله يونس عن قصّة الغلام فقال: أنا رجل صيّاد، وكنت قد ألقيت الشبكة فى طرف دجلة فوقع هذا الغلام فيها فأخذته، وإذا بها تف يقول:

стр. 4681

يا صيّاد، احفظ هذا الغلام حتى يأتى اليك يونس فإنه أبوه فادفعه اليه. ثم قال له: يا نبىّ الله، أدع لى أن يغنينى الله عن صيد السمك، فدعا له فرزقه الله مالا وولدا. وسار يونس حتى قرب من بلاد نينوى، فإذا هو براع على قارعة الطريق يرعى غنما وهو يقول: اللهمّ اردد علىّ والدى، فرآه يونس فعرفه وهو ولده الأكبر، فتعانقا وبكيا طويلا، ثم قال له: يا أبت إنّ هذه الأغنام لرجل فى القرية فسر معى حتى أردّها اليه، فسارا إلى القرية وإذا بشيخ على باب داره، فقال له الغلام: هذا أبى. فقام الشيخ الى يونس وسلم عليه. فقال له يونس: هل تعرف قصّة هذا الغلام؟ قال الشيخ: نعم، كنت أرعى هذه الغنم، وإذا بهذا الغلام على ظهر ذئب فكلّمنى الذئب بقدرة الله وقال: إذا جاء اليك يونس فادفع إليه هذا الغلام. ثم قال له: يا نبىّ الله، أدع الله أن يغفر لى ذنوبى وأن يميتنى فى وقتى هذا، فدعا له فقبضه الله لوقته، فغسّله يونس وكفّنه وصلى عليه ودفنه. ثم سار حتى قرب من المدينة، فإذا هو بغلام يرعى غنما فوقف يونس ﵇ وقال: يا غلام، هل من لبن؟ قال الغلام: يا هذا، والذى بعث إلينا يونس نبيّا ما ذقت اللبن منذ غاب عنّا نبيّنا يونس. قال: فأنا يونس نبىّ الله. فقبّل الغلام رأسه وقال: لو رأيتنا يا نبىّ الله ونحن نجول تحت العذاب لرحمتنا. قال: يا غلام، اذهب الآن الى المدينة وأخبر الناس أنك قد رأيتنى. قال: أخشى أن يكذّبونى. فقال: سر اليهم [وهذه الأغنام شهود «١» لك] . فمضى حتى توسّط سوق المدينة وقال: أيها الناس، البشرى فقد رجع إلينا يونس نبيّنا وقد لقيته. فاتّصل الخبر بالملك فقام عن سريره وقال: علىّ بالغلام، فأتى به، فسأله فأخبره بمقدم يونس. ففرح وخرج الملك وأهل المدينة والتقوا بيونس وأدخلوه المدينة وأجلسه الملك فى موضعه، ووقف بين يديه، وفرح به أهل المدينة. فقام

стр. 4682

يونس فيهم ما شاء الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر الى أن مات الملك وماتت امرأة يونس وولداه جميعا، فاستخلف يونس الراعى على مدينة نينوى وخرج هو وسبعون رجلا من العبّاد حتى جاء الى جبل يقال له صهيون «١» فكانوا هناك يعبدون الله حقّ عبادته، حتى مات يونس ﵇، ومات العبّاد الذين صحبوه، فقبروا هناك فى جبل صهيون، رضى الله عنهم ورحمهم. ذكر خبر بلوقيا وما شاهد من العجائب وهذه القصّة تشتمل على عجائب كثيرة ووقائع قد ينكرها بعض من يقف عليها لغرابتها وليست بمستنكره بعد أن ثبت فى صحيح البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بلّغوا عنّى ولو آية «٢» وحدّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب علىّ متعمّدا فليتبوّا مقعده من النار» . ولنأخذ الآن فى سرد القصّة. قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى كتابه المترجم بيواقيت البيان فى قصص القرآن بسند رفعه عن عبد الله بن سلّام قال:

стр. 4683

كان فى بنى إسرائيل رجل يقال له «أوشيا» وكان من علمائهم، وكان كثير المال، وكان إماما لبنى إسرائيل، وكان قد عرف نعت «١» النبىّ ﷺ فى التوراة، فخبأه وكتمه عنهم. وكان له ابن يقال له بلوقيا خليفة أبيه فى بنى إسرائيل، وذلك بعد سليمان بن داود ﵉. فلمّا مات أوشيا بقى ابنه بلوقيا والأمانة فى يده والقضاء، ففتّش يوما خزائن أبيه فوجد فيها تابوتا من حديد مقفلا بقفل حديد، فسأل الخزّان عن ذلك، فقالوا: لا ندرى. فاحتال على القفل حتى فكّه، فإذا فيه صندوق من خشب الساج، ففكّه وإذا فيه أوراق، فقرأها فإذا فيها نعت النبىّ ﷺ وأمّته وهى مختومة بالمسك، فقرأ ذلك على بنى إسرائيل ثم قال: الويل لك يا أبت من الله فيما كتبت وكتمت من الحقّ وأهله!. فقالت بنو إسرائيل: يا بلوقيا، لولا أنك إمامنا وكبيرنا لنبشنا قبره وأخرجناه منه وحرّقناه بالنار. قال: يا قوم، [لا ضير «٢» ] إنما ترك حظّ نفسه وخسر فى دينه ودنياه، فألحقوا نعت النبىّ ﷺ وأمّته بالتوراة. قال: وكانت أمّ بلوقيا فى الأحياء، فاستأذنها فى الخروج إلى بلاد الشام، وكانوا يومئذ فى بلاد مصر. فقالت: وما تصنع بالشام؟ قال: أسأل عن محمد وأمّته، فلعلّ الله تعالى أن يرزقنى الدخول فى دينه، فأذنت له. فبرز بلوقيا وقدم بلاد الشام. فبينما هو يسير إذا انتهى إلى جزيرة من جزائر البحر، فإذا هو بحيّات كأمثال الإبل عظما وفى الطّول ما شاء الله وهنّ يقلن: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. فقلن له: أيها الخلق المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمى بلوقيا، وأنا من بنى إسرائيل. فقلن: وما إسرائيل؟ قلت: من ولد آدم. فقلن: سمعنا باسم آدم ولم نسمع باسم

стр. 4684

إسرائيل. فقال بلوقيا: أيتها الحيّات من أنتنّ؟ فقلن: نحن حيّات من حيّات جهنّم ونحن نعذّب الكفّار فيها يوم القيامة. قال بلوقيا: وما تصنعن هاهنا؟ وكيف عرفتنّ محمدا؟ فقلن: إن جهنّم تفور وتزفر فى كل سنة مرّتين فتلقينا هاهنا ثم نعود إليها، فشدّة الحرّ فى الصيف من حرّها، وشدّة البرد فى الشتاء من بردها. وليس فى جهنّم درك من دركاتها، ولا باب من أبوابها، ولا سرادق من سرادقاتها إلا وقد كتب عليه: «لا إله إلّا الله محمد رسول الله» فمن أجل هذا عرفنا محمدا ﷺ . قال بلوقيا: أيتها الحيّات، هل فى جهنّم مثلكنّ أو أكبر منكنّ؟ فقلن: إن فى جهنّم حيّات تدخل إحدانا فى أنف إحداهنّ وتخرج من فمها ولا تشعر بذلك لعظمها. قال: فسلم بلوقيا عليهنّ ومضى حتى أتى جزيرة أخرى، فإذا هو بحيّات كأمثال الجذوع والسوارى، وعلى متن إحداهنّ حيّة صغرى صفراء كلما مشت اجتمعت الحيّات حولها فإذا نفخت صرن تحت الأرض خوفا منها. فلمّا رآها ورأته قالت له: أيها الخلق المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمى بلوقيا، وأنا من بنى إسرائيل من ولد ابراهيم. فاخبرينى أيتها الحيّة من أنت؟ قالت: أنا موكّلة بالحيّات واسمى تمليخا، ولولا أنى موكّلة بهنّ لقتلت الحيّات بنى آدم كلهم فى يوم واحد، ولكنّى اذا صفّرت صفرة [واحدة «١» ] وسمعن صوتى دخلن فى الماء الذى تحت الأرض. ولكن يا بلوقيا إن لقيت محمدا ﷺ فأقرئه منّى السلام. قال: ومضى بلوقيا إلى بلاد الشام فأتى بيت المقدس، وكان بها حبر من أحبارهم يسمّى عفّان الخير، فأتاه فسلم عليه وقصّ عليه قصّته. فقال له: ليس هذا زمان محمد ولا زمان أمّته، بينك وبينه بعد سنين وقرون. ثم قال عفّان: يا بلوقيا أرنى موضع الحية التى اسمها تمليخا، فإن قدرت أن أصيدها رجوت أن أنال معك ملكا

стр. 4685

عظيما ونحيا حياة طيّبة الى أن يبعث الله محمدا ﷺ فندخل فى دينه. قال: فمن حرص بلوقيا على الدخول فى دين محمد ﷺ قال: أنا أريك المكان. فقام عفّان وأخذ تابوتا من حديد وحمل فيه قدحين من فضّة فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن؛ ثم سارا جميعا حتى انتهيا الى موضع الحيّة ففتحا باب التابوت وتنحيّا. وجاءت الحيّة تبغى الرائحة فدخلت التابوت وشربت من اللبن والخمر حتى سكرت ونامت. فقام عفّان ودبّ الى التابوت دبيبا خفيفا فأغلق بابه واحتضنه وسارا جميعا فلم يمرّا بشجرة ولا بيت إلا كلمهما بإذن الله تعالى. فمرّا بشجرة يقال لها الدواء فقالت: يا عفان، من يأخذنى ويقطعنى ويدقّنى ويعصر مائى ودهنى ويطلى به قدميه فإنه يغوص البحار السبعة ولا تبتّل قدماه ولا يغرق. فقال عفّان: إيّاك طلبت، فقطع تلك الشجرة فدقّها وعصر دهنها وجعله فى كوز ثم خلّى عن الحيّة فطارت بين السماء والأرض وهى تقول: يا بنى آدم ما أجرأكم على الله تعالى، ولن تصلوا الى ما تريدون، وذهبت الحيّة. وسار عفّان وبلوقيا الى اليمّ فطليا أقدامهما ثم عبرا البحر ومشيا على الماء كما كانا يمشيان على الأرض حتى قطعا البحر الأوّل ثم الثانى، فإذا هما بجبل فى وسط البحر ليس بعال ولا متدان ترابه كالمسك، عليه غمام أبيض، وفيه كهف، وفى الكهف سرير من الذهب عليه شابّ مستلق على قفاه ذو وفرة «١» ، واضع يده اليمنى على صدره واليسرى على بطنه بمنزلة النائم وليس بنائم وهو ميّت، وعلى رأسه تنّين وخاتمه فى الشمال. قال: وكان ذلك سليمان بن داود، وملك سليمان فى خاتمه، وكانت حلقته من ذهب وفصّه من ياقوت أحمر مربّع، مكتوب عليه أربعة أسطر، فى كل سطر اسم من أسماء الله الأعظم. وكان عند عفّان علم من الكتاب، فقال بلوقيا: من هذا؟ قال: هذا سليمان بن داود، نريد أن نأخذ خاتمه

стр. 4686

فنملك ملكه ونرجو الحياة إلى أن يبعث الله محمدا ﷺ . فقال بلوقيا: أليس قد سأل سليمان ربه: «ربّ هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى» فأعطاه الله إيّاه على ما سأل، ولا ينال ملك سليمان إلى يوم القيامة لدعائه. فقال عفّان: يا بلوقيا اسكت إنّ الله معنا ومعنا اسم الله الأعظم، ولكن أنت يا بلوقيا فاقرأ التوراة. فتقدّم عفّان لينزع خاتم سليمان من إصبعه، فقال التّنين: ما أجرأك على الله! إن غلبتنا باسم الله فنحن نغلبك بقوّة الله. قال: فكلّما نفخ التنّين ذكر بلوقيا اسم الله، فلم تعمل نفخات التّنين فيهما. ودنا عفّان من السرير لينزع الخاتم من إصبع سليمان، فاشتغل بلوقيا بالنظر إلى نزول جبريل من السماء، فلمّا نزل صاح بهما صيحة ارتجّت الأرض والجبال وتزلزت منها واختلطت مياه البحار وماجت والتطمت حتى صار كلّ عذب ملحا من شدّة صيحته، وسقط عفان على وجهه، ونفخ التنّين فخرجت من بطنه شعلة نار كأنها البرق الخاطف، فاحترق عفّان وعادت نفخته فى البحر فما مرت البرقة بشىء إلّا أحرقته ولا بماء إلا أجاشته وأغلته. وذكر بلوقيا اسم الله الأعظم فلم ينله مكروه، ثم تراءى له جبريل فى صورة رجل فقال له: يابن آدم ما أجرأك على الله تعالى! فقال له بلوقيا: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا جبريل أمين ربّ العالمين. قال له يا جبريل، إنما خرجت حبّا لمحمد ودينه ولم أقصد الخطأ ولم أتعمّده. قال: فبذلك نجوت. ثم صعد جبريل إلى السماء، ومضى بلوقيا فطلى قدميه بذلك الدّهن فأضلّ الطريق الذى جاء منه وأخذ فى طريق آخر، وسار فقطع ستّة أبحر ووقع فى السابع فإذا هو بجزيرة من ذهب حشيشها الورس «١» والزعفران وأشجارها النخل والرّمان. قال بلوقيا: ما أشبه هذا المكان بالجنّة على ما وصفت!. ثم دنا من بعض تلك الأشجار فتناول من ثمرها، فقالت الشجرة: يا خاطئ ابن الخاطئ

стр. 4687

لا تأخذ منّى شيئا. فتعجّب، وإذا بحيال الشجرة قوم يتراكضون، بأيديهم سيوف مسلولة، يتناوش بعضهم بعضا بالطعن والضرب. فلمّا رأوا بلوقيا طافوا به وأحدقوا من ورائه وهمّوا به سوءا، فذكر اسم الله فهابوه وعجبوا منه وأغمدوا سيوفهم وقالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم قالوا له: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا من بنى آدم اسمى بلوقيا. قالوا: نعرف آدم ولا نعرفك فما أوقعك إلينا؟ قال: إنى خرجت فى طلب نبىّ يسمّى محمدا وإننى قد ضللت عن الطريق الذى أردته فرأيت من الأهوال كذا وكذا. قالوا: يا بلوقيا نحن من الجنّ مؤمنون، ونحن مع ملائكة الله فى السماء، ثم نزلنا إلى الأرض وقاتلنا كفرة الجنّ ونحن هاهنا مقيمون نغزوهم ونجاهدهم إلى يوم القيامة، ولسنا نموت إلى يوم القيامة وأنت لا تصبر معنا. فقال بلوقيا لملك الجنّ: يا صخر، أخبرنى عن خلق الجنّ كيف كان؟ قال: لمّا خلق الله جهنّم خلق لها سبعة أبواب وسبعة ألسن، خلق منها خلقين: خلق فى سمائه [سمّاه «١» ] حيليت «٢» ، وخلق فى أرضه [سمّاه «٣» ] تمليت «٤» . فأمّا حيليت فإنه خلق على صورة أسد، وتمليت فى صورة ذئب، وجعل الأسد ذكرا والذئب أنثى، وجعل طول كلّ واحد منهما مسيرة خمسائة عام، وجعل ذئب الذئب بمنزلة ذنب العقرب، وذنب الأسد بمنزلة الحيّة، وأمرهما أن ينتفضا فى النار انتفاضة ففعلا، فسقط من ذنب الذئب عقارب «٥» ، ومن ذنب الأسد حيّات «٦» . فعقارب جهنّم وحيّاتها من ذلك. ثم أمرهما أن يتناكحا ففعلا، فحمل الذئب من الأسد فولد سبعة بنين وسبع بنات. فأوحى الله تعالى إليهم أن يزوّج البنات من البنين كما أمر آدم، فستّة بنين

стр. 4688

أطاعوا وواحد لم يطع ولم يتزوّج فلعنه أبوه وهو إبليس. وكان اسمه الحارث، وكنيته أبو مرّة؛ فهذا أوّل خلق الجنّ. ثم قال له: يا بلوقيا إنّ دوابّنا لا تثبت مع الإنس ولكن أجلّل فرسى وأبرقعه حتى لا يعرف راكبه، فاركب عليه على اسم الله تعالى؛ فإذا انتهيت إلى أقصى أعمالى «١» على ساحل بحر كذا وإذا شيخ وشابّ ومشايخ معهما فإنك ستلقاهما هناك فادفع الفرس إليهما وامض فى حفظ الله راشدا. فجاء بلوقيا على الفرس حتى انتهى إليهم فسلم على الشيخ والشابّ ونزل عن الفرس ودفعه إليهما. وكان قد فصل من عند ملك الجنّ عند صلاة الغداة ووصل إليهما نصف النهار. فقالا لبلوقيا: مذكم فارقت الملك؟ قال: فارقته غدوة. فقالا له: ما أسرع ما جئت! قد أتعبت فرسنا. فقال بلوقيا: والله ما مددت إليه يدا ولا حرّكت عليه رجلا ولم أركضه عنفا. قالا: صدقت ولكن فرسنا أحسّ بك وبمنزلتك «٢» ، فطار ما بين السماء والأرض ليريح نفسه منك، فكم تراه جاء بك؟ قال: خمسة فراسخ أو أقلّ أو أكثر. قالا: بل جاء بك مسيرة مائة وعشرين سنة، وكان يطير بك بين السماء والأرض حول الدنيا دون «قاف» وأنت لا تعلم. فحوّلوا عنه السّرج واللّجام والبرقع وإذا العرق يقطر من كلّ شعرة منه، وله جناحان انقضّا من كثرة الطيران. فقال بلوقيا: هذا والله العجب. فقالوا: يا بلوقيا عجائب الله لا تنقضى. ثم سلم عليهم ومضى فركب اليمّ. فبينما هو يسير إذ رأى ملكا إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فسلم عليه بلوقيا، فقال له الملك: من أنت أيها الخلق المخلوق؟ فقال: أنا بلوقيا وأنا من بنى إسرائيل من ولد آدم. ثم قال له: أيّها الملك ما اسمك؟ قال: [اسمى يوحاييل وأنا موكّل بضوء النهار وظلمة الليل. فقال: فما بال يديك مبسوطتين؟ فقال له: فى يدى اليمنى ضوء النهار،

стр. 4689

وفى يدى اليسرى ظلمة الليل، ولو سبق النهار الليل لأضاءت السموات والأرضون، ولم يكن الليل أبدا، ولو سبقت الظّلمة النور لأظلمت السماء والأرض ولم يكن ضوء أبدا. وبين يديه لوح معلّق فيه سطران سطر أبيض وسطر أسود، فإذا رأيت السواد ينتقص نقصت الظلمة، وإذا رأيت السواد يزيد زدت الظّلمة، وإذا رأيت السطر الأبيض يزداد زدت فى البياض والنور، وإذا انتقص نقصت، فلذلك الليل فى الشتاء أطول والنهار أقصر؛ وفى الصيف النهار أطول والليل أقصر. ثم سلم بلوقيا ومضى، فإذا هو بملك قائم يده اليمنى فى السماء ويده اليسرى فى الأرض فى الماء تحت الثرى وهو يقول: لا إله الله محمد رسول الله. فسلم عليه بلوقيا، فقال له: من أنت وما اسمك؟ قال اسمى بلوقيا وأنا من بنى إسرائيل من ولد آدم. قال له بلوقيا: أيها الملك ما اسمك؟ قال «١» ] : اسمى ميخاييل «٢» . قال: فما لى أراك يمينك فى السماء وشمالك فى الماء؟ قال: أحبس الريح بيمينى والماء بشمالى، ولو رفعت شمالى عن الماء لزخرت البحار كلّها فى ساعة واحدة ولطمت بإذن الله تعالى، ويدى اليمنى فى الهواء أحبس الريح عن بنى آدم لأنّ فى السماء ريحا يقال لها الهائمة «٣» لو أرسلنها لقتلت من فى السماء ومن فى الأرض من بردها. فسلم عليه بلوقيا ومضى، وإذا بأربعة من الملائكة، أحدهم رأسه كرأس الثّور «٤» ؛ والآخر رأسه كرأس النسر؛ والثالث رأسه كرأس الأسد؛ والرابع رأسه كرأس الإنسان. فالذى رأسه كرأس الثّور يقول: اللهم ارفع العذاب عن البهائم، وارفع عنهم برد الشتاء وحرّ الصيف، واجعل لهم فى قلوب بنى آدم الرأفة والرحمة كيلا يكرهنّ ولا يكلّفوهن «٥» فوق طاقتهن،

стр. 4690

واجعلنى من أهل شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. وأمّا الذى رأسه كرأس النسر فيقول: اللهم ارحم الطيور ولا تعذّبها، وادفع عنها برد الشتاء وحرّ الصيف، واجعلنى من أهل شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. وأمّا الذى رأسه كرأس الأسد فإنه يقول: اللهمّ ارحم السّباع ولا تعذبها وادفع عنها برد الشتاء وحرّ الصيف، واجعلنى من أهل شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. وأمّا الذى رأسه كرأس الإنسان فإنه يقول: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، اللهمّ ارحم المسلمين ولا تعذّبهم وادفع عنهم حرّ النار، واجعلنى من أهل شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. فسلم عليهم ومضى حتى أتى على جبل قاف واذا هو بملك قائم على قاف، وهو جبل محيط بالدنيا من ياقوتة خضراء. فسلم بلوقيا على الملك، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا بلوقيا وأنا من بنى إسرائيل من ولد آدم. فقال الملك: وأين تريد؟ قال: خرجت فى طلب من يسمى محمدا. ولست أرى أمره ولا أدرى فى أىّ بلاد أنا. فقال الملك: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، قد أمرنا بالصلاة على محمد. قال بلوقيا: أيها الملك، ما اسمك؟ قال: اسمى حزقاييل. قال: وما تصنع هنا؟ قال: أنا أمين الله على قاف، واذا فى يده وتر مرّة يعقده ومرّة يحلّه، وعروق الأرض كلها مشدودة عليه والوتر فى كفّ الملك [قال «١» :] فإذا أراد الله أن يضيّق على عباده أمرنى أن أمدّ الوتر وأعقده وأرتق «٢» عروق الأرض فتضيق الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد الله أن يوسّع عليهم أمرنى أن أرخى الوتر وأفتق عروق الأرض فتتّسع الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد أن يخوّف قوما أمرنى أن أحرّك عروق تلك الأرض، فمن أجل ذلك موضع يهتزّ وموضع لا يهتزّ، وموضع يتزلزل وموضع

стр. 4691

لا يتزلزل. قال بلوقيا: أيها الملك، ما وراء قاف؟ قال: وراء قاف أربعون دنيا غير الدنيا التى جئت منها، فى كلّ دنيا أربعمائة ألف «١» باب، فى كل باب أربعة آلاف ضعف مثل الدنيا التى جئت منها، وليس فيها ظلمة بل كلّها نور وأرضها ذهب عليها حجب من نور، وسكّانها الملائكة لا يعرفون آدم ولا إبليس ولا جهنّم وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لذلك ألهموا وله خلقوا وبه أمروا الى يوم القيامة. قال بلوقيا: فما وراءهم؟ قال: حجب ووراء الحجب علم الله وقدرته. قال بلوقيا: أخبرنى أيها الملك على أىّ شىء هذا الجبل موضوعا؟ قال: على قرنى ثور واسمه قرياطيه «٢» وهو أبيض، رأسه بالمشرق ومؤخّره بالمغرب، وما بين قرنيه مسيرة ثلاثين ألف سنة وهو ساجد لربّه على صخرة بيضاء. قال بلوقيا: أيها الملك، كم الأرضون؟ وكم البحار؟ قال: الأرضون سبع، والبحار سبع. قال: فجهنّم أين هى؟ قال: تحت الأرض السابعة. قال: فسلم بلوقيا عليه ومضى حتى انتهى الى حجاب طرفه فى السماء وأسفله فى الماء، عليه باب مقفل وعليه خاتم من نور، وعلى الباب ملكان أحدهما رأسه كرأس الثور، والآخر رأسه كرأس الكبش وبدنه كبدن الثور وهما يقولان: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. قال: فسلم بلوقيا عليهما فردّا ﵇ وقالا: أيها الخلق الضعيف المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمى بلوقيا وأنا من بنى إسرائيل من ولد آدم. فقالا: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، هذه أسامى ما عرفناها. قال بلوقيا؟ كيف عرفتم محمدا ولم تعرفوا آدم ومحمد من نسله؟. فقالا: لهذا خلقنا وبذلك أمرنا، ولم نسمع باسم آدم ولا إسرائيل. فقال بلوقيا: افتحا لى الباب حتى أجوز. فقالا: ما نحسن فتحه، وإنّ لله فى السماء ملكا اسمه

стр. 4692

جبرائيل عسى أن يقدر على فتحه. فدعا بلوقيا، فأمر الله تعالى جبريل فنزل عليه وفتح الباب، ثم قال: يابن آدم ما أجرأك على الله! ثم جاز بلوقيا حتى انتهى الى بحرين: بحر مالح وبحر عذب. فلمّا وصل إليهما رأى بينهما حاجزا، وفى البحر المالح جبل من ذهب، وفى البحر العذب جبل من فضّة، وبينهما ملك على صورة النمل ومعه ملائكة على تلك الصورة. فسلم عليهم فردّوا ﵇ وقالوا له: من أنت؟ فأخبرهم بقصّته. ثم قال بلوقيا: من أنتم؟ قالوا: نحن أمناء الله تعالى على هذين البحرين لا يلتقيان ولا يبغيان. فقال لهم بلوقيا: ما هذا الجبل الأحمر؟ قالوا: هذا كنز الله فى الأرض وكلّ ذهب فى الأرض إنما هو من نصاب هذا الجبل، وكلّ ما فى الدنيا من ماء عذب هو من هذا البحر. وهذا البحر إنما يجىء من تحت العرش من قبل أن خلق الله تعالى الملائكة؛ وكل ما يجرى من ماء مالح فهو من ذلك البحر الملح. وهذا الجبل الأبيض هو من فضّة وهو كنز الله تعالى؛ وكل كنز فى الدنيا وكل معدن فضّة فهو من عروق هذا الجبل. فسلم بلوقيا عليهم ومضى حتى انتهى الى بحر عظيم، فإذا هو بحيتان كثيرة عظيمة وقد اجتمعت وبينها حوت عظيم يقضى بين الحيتان. فلمّا نظر الى بلوقيا قال: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. فسلم بلوقيا وأخبره بحال النبىّ ﷺ وأنه خرج فى طلبه، فردّ السلام ثم قال: يا بلوقيا، إن لقيت محمدا فأقرئه منّى السلام. فقال: نعم إن شاء الله. ثم قال: أيّتها الحيتان إنى جائع عطشان وماء البحر ملح وما أجد ما آكل. فقال الحوت الأعظم: يا بلوقيا سأطعمك طعاما تسير أربعين سنة لا تعيا ولا تجوع ولا تعطش، قال: فأطعمه ذلك الحوت قرصا أبيض، فأكله ومضى حتى بلغ العمران. قال: ومن قبل أن يبلغ العمران رأى شابّا يجرى على الماء كأنه البدر. فقال له بلوقيا: من أنت؟ قال: سل الذى خلفى. فسار بلوقيا يوما

стр. 4693

وليلة فإذا هو بآخر يمرّ على الماء ضوءه كضوء النجوم. فقال له بلوقيا: يا فتى، من أنت؟ قال: سل الذى خلفى. فسار بلوقيا يوما وليلة، فإذا هو بشابّ كأنه القمر يلوح فى آخر الشمس «١» ، فقال بلوقيا: أنشدك الله إلّا وقفت. قال: فوقف وقال: لماذا استحلفتنى؟ قال: خشيت أن تفوتنى مثل أصحابك الماضين، فمن كان الأوّل؟ قال: إسرافيل صاحب الصّور، والثانى ميكائيل صاحب المطر، والثالث جبرائيل أمين ربّ العالمين. فقال بلوقيا: ماذا تصنعون فى اليمّ؟ قال جبريل: حيّة من حيّات البحر قد آذت سكّانه، فدعوا الله عليها فاستجاب الله دعاءهم وأمرنا أن نسوقها الى جهنّم ليعذّب الله بها الكفّار يوم القيامة. قال بلوقيا: كم طولها وكم عرضها؟ قال: طولها مسيرة ثلاثين سنة، وعرضها مسيرة عشرين سنة. فقال بلوقيا: يا جبريل، أيكون فى جهنّم مثل هذه أو أكبر منها؟ فقال جبريل: إنّ فى جهنّم من الحيّات ما تدخل هذه فى أنف إحداهنّ ولا تشعر بها من عظم خلقتها. فسلم بلوقيا عليه ومضى الى جزيرة أخرى، وإذا هو بغلام أمرد بين قبرين، فسلم عليه بلوقيا وقال: يا شابّ، من أنت وما اسمك؟ قال: اسمى صالح. قال: فما هذان القبران؟ قال: أحدهما أبى والآخر أمّى، كانا سائحين فماتا هاهنا، وأنا عند قبريهما حتى أموت. فسلم بلوقيا ومضى حتى انتهى الى جزيرة، فإذا هو بشجرة عظيمة عليها طائر رأسه من ذهب، وعيناه من ياقوت، ومنقاره من لؤلؤ، وبدنه من زعفران، وقوائمه من زمرد، واذا مائدة موضوعة تحت الشجرة وعليها طعام وحوت مشوىّ. فسلم عليه بلوقيا فردّ عليه الطائر السلام. فقال بلوقيا: أيها الطائر من أنت؟ قال: أنا من طيور الجنّة، وأنّ الله تعالى بعثنى الى آدم بهذه المائدة لمّا هبط من الجنة وكنت معه حتى لقى حوّاء، وأنا هاهنا من ذلك

стр. 4694

الوقت، وكلّ غريب وعابر سبيل يمرّ بها ويأكل منها، وأنا أمين الله عليها الى يوم القيامة. فقال بلوقيا: ولا تتغيّر ولا تنقص! قال: طعام الجنّة لا يتغيّر ولا ينقص. فقال لبلوقيا: كل فأكل حاجته، ثم قال: أيها الطائر، هل معك أحد؟ قال: معى أبو العبّاس يأتينى أحيانا. قال: ومن أبو العبّاس؟ قال: الخضر. فلمّا ذكر اسمه اذا هو بالخضر ﵇ قد أقبل عليه ثياب بيض. قال: فما خطا خطوة إلّا نبت الحشيش تحت قدميه. فسلّم عليه بلوقيا وسأله عن حاله. قال بلوقيا: قد طالت غيبتى وأريد أن أرجع الى أمّى. قال الخضر: بينك وبينها مسيرة خمسمائة سنة، أنا أردّك فى مسيرة خمسمائة شهر. قال الطائر: إن كان بينك وبين أمّك مسيرة خمسمائة سنة أنا أردّك مسيرة خمسمائة يوم. قال الخضر: أنا أردّك إليها فى ساعة ثم قال: غمّض عينيك فغمّضهما ثم قال له: افتحهما ففتحهما، وإذا هو عند أمّه جالس. فسألها: من جاء بى؟ فقالت: جئت على متن طائر أبيض يطير بين السماء والأرض فوضعك قدّامى. قال: ثم إنّ بلوقيا حدّث بنى إسرائيل بما رأى من العجائب والأخبار، فأثبتوها وكتبوها الى يومنا هذا. فهذا ما كان من حدبث بلوقيا. والله أعلم.

стр. 4695

الباب الخامس من القسم الثالث من الفن الخامس فى أخبار زكريّا وابنه يحيى وعمران ومريم وعيسى بن مريم ﵈ ذكر نسب زكريّا وعمران ﵉ وما يتصل بذلك قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى: هو زكريّا بن برخيا بن آذن بن مسلم ابن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناحور بن شلوم ابن نهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود ﵈. وعمران بن ماتان. وقال ابن اسحاق: هو عمران «١» بن باسهم بن أمون بن منسّى بن حزقيّا بن أحزيق بن يوثام بن عزاريا بن أنصيا بن ناوش بن يارم بن يهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود. وكان زكريّا وعمران متزوّجين بأختين، فامرأة زكريّا أسباع، وقيل بليشفع بنت فاقود وهى أمّ يحيى. وامرأة عمران حنّة بنت فاقود وهى أمّ مريم بنة عمران. قالوا: وكان زكريّا نجّارا قبل أن يبعث نبيّا، وكان كثير العبادة، وكان بيت المقدس قد خلا من الأنبياء، فبينا زكريّا فى محراب جدّه داود ﵇ وقد انفتل «٢» عن صلاته إذ هبط عليه جبريل بوحى الله تعالى ونبوّته، وأعلمه أنّ
следующие страницы →