← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

لا يتزلزل. قال بلوقيا: أيها الملك، ما وراء قاف؟ قال: وراء قاف أربعون دنيا غير الدنيا التى جئت منها، فى كلّ دنيا أربعمائة ألف «١» باب، فى كل باب أربعة آلاف ضعف مثل الدنيا التى جئت منها، وليس فيها ظلمة بل كلّها نور وأرضها ذهب عليها حجب من نور، وسكّانها الملائكة لا يعرفون آدم ولا إبليس ولا جهنّم وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لذلك ألهموا وله خلقوا وبه أمروا الى يوم القيامة. قال بلوقيا: فما وراءهم؟ قال: حجب ووراء الحجب علم الله وقدرته. قال بلوقيا: أخبرنى أيها الملك على أىّ شىء هذا الجبل موضوعا؟ قال: على قرنى ثور واسمه قرياطيه «٢» وهو أبيض، رأسه بالمشرق ومؤخّره بالمغرب، وما بين قرنيه مسيرة ثلاثين ألف سنة وهو ساجد لربّه على صخرة بيضاء. قال بلوقيا: أيها الملك، كم الأرضون؟ وكم البحار؟ قال: الأرضون سبع، والبحار سبع. قال: فجهنّم أين هى؟ قال: تحت الأرض السابعة. قال: فسلم بلوقيا عليه ومضى حتى انتهى الى حجاب طرفه فى السماء وأسفله فى الماء، عليه باب مقفل وعليه خاتم من نور، وعلى الباب ملكان أحدهما رأسه كرأس الثور، والآخر رأسه كرأس الكبش وبدنه كبدن الثور وهما يقولان: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. قال: فسلم بلوقيا عليهما فردّا ﵇ وقالا: أيها الخلق الضعيف المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمى بلوقيا وأنا من بنى إسرائيل من ولد آدم. فقالا: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، هذه أسامى ما عرفناها. قال بلوقيا؟ كيف عرفتم محمدا ولم تعرفوا آدم ومحمد من نسله؟. فقالا: لهذا خلقنا وبذلك أمرنا، ولم نسمع باسم آدم ولا إسرائيل. فقال بلوقيا: افتحا لى الباب حتى أجوز. فقالا: ما نحسن فتحه، وإنّ لله فى السماء ملكا اسمه

стр. 4692

جبرائيل عسى أن يقدر على فتحه. فدعا بلوقيا، فأمر الله تعالى جبريل فنزل عليه وفتح الباب، ثم قال: يابن آدم ما أجرأك على الله! ثم جاز بلوقيا حتى انتهى الى بحرين: بحر مالح وبحر عذب. فلمّا وصل إليهما رأى بينهما حاجزا، وفى البحر المالح جبل من ذهب، وفى البحر العذب جبل من فضّة، وبينهما ملك على صورة النمل ومعه ملائكة على تلك الصورة. فسلم عليهم فردّوا ﵇ وقالوا له: من أنت؟ فأخبرهم بقصّته. ثم قال بلوقيا: من أنتم؟ قالوا: نحن أمناء الله تعالى على هذين البحرين لا يلتقيان ولا يبغيان. فقال لهم بلوقيا: ما هذا الجبل الأحمر؟ قالوا: هذا كنز الله فى الأرض وكلّ ذهب فى الأرض إنما هو من نصاب هذا الجبل، وكلّ ما فى الدنيا من ماء عذب هو من هذا البحر. وهذا البحر إنما يجىء من تحت العرش من قبل أن خلق الله تعالى الملائكة؛ وكل ما يجرى من ماء مالح فهو من ذلك البحر الملح. وهذا الجبل الأبيض هو من فضّة وهو كنز الله تعالى؛ وكل كنز فى الدنيا وكل معدن فضّة فهو من عروق هذا الجبل. فسلم بلوقيا عليهم ومضى حتى انتهى الى بحر عظيم، فإذا هو بحيتان كثيرة عظيمة وقد اجتمعت وبينها حوت عظيم يقضى بين الحيتان. فلمّا نظر الى بلوقيا قال: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. فسلم بلوقيا وأخبره بحال النبىّ ﷺ وأنه خرج فى طلبه، فردّ السلام ثم قال: يا بلوقيا، إن لقيت محمدا فأقرئه منّى السلام. فقال: نعم إن شاء الله. ثم قال: أيّتها الحيتان إنى جائع عطشان وماء البحر ملح وما أجد ما آكل. فقال الحوت الأعظم: يا بلوقيا سأطعمك طعاما تسير أربعين سنة لا تعيا ولا تجوع ولا تعطش، قال: فأطعمه ذلك الحوت قرصا أبيض، فأكله ومضى حتى بلغ العمران. قال: ومن قبل أن يبلغ العمران رأى شابّا يجرى على الماء كأنه البدر. فقال له بلوقيا: من أنت؟ قال: سل الذى خلفى. فسار بلوقيا يوما

стр. 4693

وليلة فإذا هو بآخر يمرّ على الماء ضوءه كضوء النجوم. فقال له بلوقيا: يا فتى، من أنت؟ قال: سل الذى خلفى. فسار بلوقيا يوما وليلة، فإذا هو بشابّ كأنه القمر يلوح فى آخر الشمس «١» ، فقال بلوقيا: أنشدك الله إلّا وقفت. قال: فوقف وقال: لماذا استحلفتنى؟ قال: خشيت أن تفوتنى مثل أصحابك الماضين، فمن كان الأوّل؟ قال: إسرافيل صاحب الصّور، والثانى ميكائيل صاحب المطر، والثالث جبرائيل أمين ربّ العالمين. فقال بلوقيا: ماذا تصنعون فى اليمّ؟ قال جبريل: حيّة من حيّات البحر قد آذت سكّانه، فدعوا الله عليها فاستجاب الله دعاءهم وأمرنا أن نسوقها الى جهنّم ليعذّب الله بها الكفّار يوم القيامة. قال بلوقيا: كم طولها وكم عرضها؟ قال: طولها مسيرة ثلاثين سنة، وعرضها مسيرة عشرين سنة. فقال بلوقيا: يا جبريل، أيكون فى جهنّم مثل هذه أو أكبر منها؟ فقال جبريل: إنّ فى جهنّم من الحيّات ما تدخل هذه فى أنف إحداهنّ ولا تشعر بها من عظم خلقتها. فسلم بلوقيا عليه ومضى الى جزيرة أخرى، وإذا هو بغلام أمرد بين قبرين، فسلم عليه بلوقيا وقال: يا شابّ، من أنت وما اسمك؟ قال: اسمى صالح. قال: فما هذان القبران؟ قال: أحدهما أبى والآخر أمّى، كانا سائحين فماتا هاهنا، وأنا عند قبريهما حتى أموت. فسلم بلوقيا ومضى حتى انتهى الى جزيرة، فإذا هو بشجرة عظيمة عليها طائر رأسه من ذهب، وعيناه من ياقوت، ومنقاره من لؤلؤ، وبدنه من زعفران، وقوائمه من زمرد، واذا مائدة موضوعة تحت الشجرة وعليها طعام وحوت مشوىّ. فسلم عليه بلوقيا فردّ عليه الطائر السلام. فقال بلوقيا: أيها الطائر من أنت؟ قال: أنا من طيور الجنّة، وأنّ الله تعالى بعثنى الى آدم بهذه المائدة لمّا هبط من الجنة وكنت معه حتى لقى حوّاء، وأنا هاهنا من ذلك

стр. 4694

الوقت، وكلّ غريب وعابر سبيل يمرّ بها ويأكل منها، وأنا أمين الله عليها الى يوم القيامة. فقال بلوقيا: ولا تتغيّر ولا تنقص! قال: طعام الجنّة لا يتغيّر ولا ينقص. فقال لبلوقيا: كل فأكل حاجته، ثم قال: أيها الطائر، هل معك أحد؟ قال: معى أبو العبّاس يأتينى أحيانا. قال: ومن أبو العبّاس؟ قال: الخضر. فلمّا ذكر اسمه اذا هو بالخضر ﵇ قد أقبل عليه ثياب بيض. قال: فما خطا خطوة إلّا نبت الحشيش تحت قدميه. فسلّم عليه بلوقيا وسأله عن حاله. قال بلوقيا: قد طالت غيبتى وأريد أن أرجع الى أمّى. قال الخضر: بينك وبينها مسيرة خمسمائة سنة، أنا أردّك فى مسيرة خمسمائة شهر. قال الطائر: إن كان بينك وبين أمّك مسيرة خمسمائة سنة أنا أردّك مسيرة خمسمائة يوم. قال الخضر: أنا أردّك إليها فى ساعة ثم قال: غمّض عينيك فغمّضهما ثم قال له: افتحهما ففتحهما، وإذا هو عند أمّه جالس. فسألها: من جاء بى؟ فقالت: جئت على متن طائر أبيض يطير بين السماء والأرض فوضعك قدّامى. قال: ثم إنّ بلوقيا حدّث بنى إسرائيل بما رأى من العجائب والأخبار، فأثبتوها وكتبوها الى يومنا هذا. فهذا ما كان من حدبث بلوقيا. والله أعلم.

стр. 4695

الباب الخامس من القسم الثالث من الفن الخامس فى أخبار زكريّا وابنه يحيى وعمران ومريم وعيسى بن مريم ﵈ ذكر نسب زكريّا وعمران ﵉ وما يتصل بذلك قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى: هو زكريّا بن برخيا بن آذن بن مسلم ابن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناحور بن شلوم ابن نهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود ﵈. وعمران بن ماتان. وقال ابن اسحاق: هو عمران «١» بن باسهم بن أمون بن منسّى بن حزقيّا بن أحزيق بن يوثام بن عزاريا بن أنصيا بن ناوش بن يارم بن يهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود. وكان زكريّا وعمران متزوّجين بأختين، فامرأة زكريّا أسباع، وقيل بليشفع بنت فاقود وهى أمّ يحيى. وامرأة عمران حنّة بنت فاقود وهى أمّ مريم بنة عمران. قالوا: وكان زكريّا نجّارا قبل أن يبعث نبيّا، وكان كثير العبادة، وكان بيت المقدس قد خلا من الأنبياء، فبينا زكريّا فى محراب جدّه داود ﵇ وقد انفتل «٢» عن صلاته إذ هبط عليه جبريل بوحى الله تعالى ونبوّته، وأعلمه أنّ

стр. 4696

الله تعالى قد بعثه رسولا إلى بنى إسرائيل. فخرّ زكريّا ساجدا لله تعالى على ذلك، وخرج إلى بنى إسرائيل ودعاهم، فكذّبه بعضهم وصدّقه آخرون. فأقام زكريّا فى بنى إسرائيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وعمران يعبد الله. وكان زكريّا وعمران لم يرزقا الولد. فبينا حنّة ذات يوم جالسة إلى جانب عمران إذ رأت حمامة تزقّ فرخا لها، فبكت شوقا منها إلى ولد، وذكرت ذلك لزوجها عمران فقال: قومى ندعو الله ربّنا فى ذلك، فقاما جميعا وصلّيا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدا، فرأى عمران فى منامه إن الله قد استجاب دعاءك. فقام إلى زوجته فواقعها فحملت منه، وقالت ما أخبر الله تعالى عنها. قال الله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «١» . قال: وكان الناس فى ذلك الزمان يتقرّبون إلى الله بتحرير أولادهم، وكانوا يخدمون بيت المقدس فى صغرهم إذا بلغوا، فمن أحبّ أن يقم على الخدمة أقام، ومن اختار الانصراف انصرف. ذكر ميلاد مريم بنة عمران ﵇ قال الكسائىّ: ولمّا حرّرتها أمّها لله تعالى قال لها زوجها: إنك حرّرت ما فى بطنك، فإن كان أنثى كيف يكون محرّرا؟ فاغتمّت لذلك حتى وضعت مريم. قال الله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٢» ثم قالت: «ربّ إنّى كنت نذرت لك ما فى بطنى محرّرا فتقبلّها منّى» . قال

стр. 4697

الله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً «١» . قال: ثم حملتها حتى دخلت بيت المقدس وزكريّا هناك فى نفر من عبّاد بنى إسرائيل، فقال لها: ما هذه يا حنّة؟ قالت: هذه ابنتى مريم، قد جعلتها محرّرة وقد قبلها الله منّى فاقبلوها ولا تردّوها، فأقبل بنو إسرائيل على زكريّا وقالوا: ما تقول فى هذه؟ قال: لابدّ لها من مكفّل إلى أن تبلغ مبلغ الخدمة ثم تكون خادمة فى المسجد. قالوا: أيّنا يكفلها؟ قال زكريّا: أنا أولى بها لأنّى زوج خالتها، ولكنّا نقترع، فأخذوا أقلامهم وصاروا إلى عين سلوان «٢» وقالوا: نرمى بأقلامنا فيها فأيّنا وقف قلمه فهو الذى يكفلها؛ فألقوها فرسبت أقلامهم جميعا إلّا قلم زكريّا فإنه طفا وغالب الجرية، فأخذها واسترضع لها بعض نساء بنى إسرائيل. ثم مات عمران والد مريم. قال: وبنى لها زكريّا بيتا لا يصعد إليه إلّا بسلّم، وكان لا يصعد إليها إلّا زكريّا يحمل إليها الطعام، وابن خال لها يقال له يوسف بن يعقوب النجّار، وكان من العبّاد المحرّرين، وكان زكريّا إذا صعد إليها وجد عندها فى الصيف فواكه الشتاء، وفى الشتاء فواكه الصيف، فيعجب من ذلك. قال الله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ «٣» .

стр. 4698

ذكر دعاء زكريا أن يرزقه الله الولد ومولد يحيى بن زكريا قال الكسائىّ: فلمّا نظر زكريّا الى ما رزق الله من الفاكهة فى غير وقتها قال: إن الذى رزق هذه الفواكه لقادر على أن يرزق من العجوز العقيم والشيخ الكبير الولد. قال الله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ «١» . قال: ولمّا أراد زكريّا أن يدعو استحيا من الله تعالى، فجلس سبعة أيّام ثم قام الى المحراب ووافق ذلك يوم عاشوراء، فكلّمه المحراب بإذن الله تعالى وقال: يا زكريّا، أوجدت ربّك بخيلا! يا زكريّا إنّ ربك أبدا رحيم. فعند ذلك عزم على الدعاء واجتهد فى العبادة، ثم رفع يديه «ونادى ربّه نداء خفيّا» معناه أخفاه عن قومه «قال ربّ إنّى وهن العظم منّى واشتعل الرأس شيبا» يعنى غلب بياضه على سواده «ولم أكن بدعائك ربّ شقيّا» معناه لم تخيّبنى فى الدعاء «وإنّى خفت الموالى من ورائى» يعنى الذرّيّة من بعدى أن تصير الحبوريّة فى غير أولاد الأنبياء «فهب لى من لدنك وليّا يرثنى ويرث من آل يعقوب» يعنى مكانى وحبوريّتى والتابوت الذى فيه وأقلام المحرّرين ومفاتيح القربان، ثم قال: «واجعله ربّ رضيّا» فى بنى إسرائيل. فاستجاب الله تعالى دعاءه وأمر جبريل أن ينزل عليه بالبشرى فأتاه وأتته الملائكة وأحدقوا بالمحراب. قال الله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى «٢» الآية. وقال تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ

стр. 4699

مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا* قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا* قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً «١» . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٢» . قال الكلبىّ: كان زكريّا يوم بشّر بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة. وروى الضحّاك عن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: كان ابن مائة وعشرين سنة. وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين. قالوا: ولمّا جامع زكريّا امرأته اغتسل وعاد الى محرابه، فجاءته نساء بنى إسرائيل وقالوا له: نرى أمرك أعجب من امرأتك، فذهب زكريّا ليتكلّم فلم يقدر على الكلام، فعلم أن امرأته قد حملت فكتب لهم فى الأرض، إنّى لا أقدر على الكلام ثلاثة أيام. قال الثعلبىّ ﵀: فإن قيل: لم أنكر زكريّا ذلك وسأل الآية بعد ما بشّرته الملائكة؟ أكان ذلك شكّا فى وحيه؟، أم إنكارا لقدرته، وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء؟! فالجواب عنه ما قال عكرمة والسّدّىّ: إنّ زكريّا لمّا سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريّا إنّ الصوت الذى سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك خفيّا كما ناديته خفيّا وكما يوحى إليك فى سائر الأمور؛ فقال ذلك دفعا للوسوسة. قال: وفيه جواب آخر، وهو أنه لم يشكّ فى الولد وإنما شكّ فى كيفيته والوجه الذى يكون منه الولد فقال: أنّى يكون لى؟ أى كيف يكون لى ولد؟ أتجعلنى وامرأتى شابّين أو ترزقنا على كبرنا، أو ترزقنى من امرأة عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فقال

стр. 4700

ذلك مستخبرا لا مستنكرا. وهذا قول الحسن. «قال ربّ اجعل لى آية قال آيتك ألّا تكلّم الناس» تكفّ عن الكلام ثلاثة أيام وتقبل بكلّيّتك على عبادتى وطاعتى؛ لأنه ما حبس لسانه عن الكلام ولكنه نهى عنه؛ ويدلّ عليه قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ . هذا قول قوم من أهل المعانى. وقال آخرون: عقل لسانه عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه، فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، لأنهم كانوا اذا صاموا لم يتكلّموا إلّا رمزا. قال: وفى بعض الأخبار أنه لمّا ولد يحيى رفع الى السماء فغذّى بأنهار الجنّة حتى فطم ثم أنزل الى أبيه، فكان يضىء البيت لنوره. واختلفوا فى تسميته بيحيى ولم سمّى بذلك؟ قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: لأنّ الله تعالى أحيا به عقر أمّه. وقال قتادة وغيره: لأنّ الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والنبوّة. وقال الحسين بن الفضل: لأنّ الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهمّ بمعصية. وقيل: سمّى بذلك لأنه استشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. ويحيى أوّل من أقرّ بعيسى ﵇ وصدّقه؛ وذلك أنه لمّا كان فى بطن أمّه استقبلها مريم وقد حملت بعيسى، فقالت لها أمّ يحيى: يا مريم، أحامل أنت؟ فقالت: لماذا تقولين؟ قالت: إنى أرى ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك؛ فذلك تصديقه وإيمانه. وكان يحيى أكبر من عيسى بستّة أشهر، وقتل قبل رفع عيسى. وقوله تعالى فيه: وَسَيِّداً وَحَصُوراً قال ابن جبير: السيّد الذى يطيع ربّه . وقال الضحّاك: السيّد الحسن الخلق. وقال عكرمة: السيّد الذى لا يغضب. وقال سفيان: السيّد الذى لا يحسد. وحصورا، قال

стр. 4701

ابن مسعود وابن عبّاس وغيرهما: هو الذى لا يأتى النساء ولا يقربهنّ، فعول بمعنى فاعل، يعنى أنه حصر نفسه عن الشهوات: وقال المبرّد: الحصور: الذى لا يدخل فى اللّعب ولا الباطل. ذكر صفة يحيى بن زكريا وحليته قال كعب الأحبار: كان يحيى بن زكريّا ﵉ حسن الوجه والصّورة، ليّن الجناح، قصير الأصابع، طويل الأنف، مقرون الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قويّا فى طاعة الله وقد ساد الناس فى عبادته. ذكر نبوّة يحيى ﵇ وسيرته وزهده قال الله تعالى: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا «١» . قيل: هو أن يحيى ﵇ قال له أقرانه من الصبيان: يا يحيى اذهب بنا نلعب؛ فقال: ألّلعب خلقت!. وقال الآخرون: هو أنه نبىّ وهو صغير، وكان يعظ الناس ويقف لهم فى أعيادهم وجمعهم يدعوهم الى الله تعالى، ثم ساح ودخل الشام يدعو الناس. ولمّا بعثه الله إلى بنى إسرائيل أمره أن يأمرهم بخمس خصال وضرب لكلّ خصلة منها مثلا: أمرهم أن يعبدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا وقال: مثل الشّرك مثل رجل اشترى عبيدا من خالص ماله ثم أسكنهم دارا له ودفع لهم مالا يتجرون فيه ويأكل كل واحد منهم ما يكفيه، ويؤدّون إليه فضل الرّبح، فعمد العبيد إلى فضل الربح فدفعوه إلى غير سيّدهم.

стр. 4702

وأمرهم بالصلاة وقال: إنّ مثل المصلّى كمثل رجل استأذن على ملك فأذن له ودخل عليه، فأقبل الملك عليه بوجهه ليسمع مقالته ويقضى حاجته، فلما دخل الرجل التفت يمينا وشمالا ولم يهمّ بحاجته، فأعرض الملك عنه بوجهه ولم يقض حاجته. وأمرهم بالصدقة وقال: مثلها كمثل رجل أسره العدوّ فاشترى منهم نفسه بثمن معلوم، فجعل يعمل فى بلادهم ويؤدّى إليهم من كسبه القليل والكثير حتى وفّى ثمنه فأعتق. وأمرهم بذكر الله تعالى وقال: مثل الذّكر مثل قوم لهم حصن ولهم عدوّ، فإذا أقبل عليهم عدوّهم دخلوا حصنهم فلم يقدر العدوّ عليهم، كذلك من ذكر الله لا يقدر عليه الشيطان. وأمرهم بالصيام وقال: مثله كالجنّة «١» لا يصل عدوّه إليه. وكان ﵇ فيهم كثير التقشّف والعبادة والزهد والسياحة إلى أن قتل ﵇. ذكر مقتل يحيى بن زكريّا وأبيه زكريّا ﵉ اختلف العلماء فى سبب قتل يحيى؛ فقال بعضهم: كان يحيى ﵇ فى زمن ملك من ملوك بنى إسرائيل، وكانت له امرأة وهى بنت ملك صيدا «٢» ، وكانت قتّالة للأنبياء والصالحين، وكانت عاهرة تبرز للناس، وكان يحيى يزجرها

стр. 4703

عن ذلك ويقول لها: لا تبرزين كاشفة عن وجهك. وكان كثيرا ما يقول لها: مكتوب فى التوراة: إنّ الزّناة يوقفون يوم القيامة وريحهم أنتن من الجيف. فأمرت بيحيى فسجن. وكان قد حبس رجل من أبناء الملوك، وكان يختلف إليها، فعلم بها وبه يحيى فزجره، فبلغ ذلك امرأة الملك فحملت بنتا لها واستقبلت بها زوجها. فقال: لم فعلت ذلك؟ فقالت: وجب لها عليك حقّ. فقال: سلينى ما شئت. فسألته أهل السجن. فظنّ أنها ترحمهم وتسرّحهم فقال: قد فعلت. فأمرت المرأة بأهل السجن فعرضوا. فلمّا مرّ بيحيى أمرت به فذبح فى طست ثم حملت الطست إلى أبيها بأمر أمّها وقالت: أيها الملك، إنى ذبحت لك ذبيحة من أعظم ما وجدت، ولو كان مثله ألفا لذبحتهم لك. فقال: ومن هو؟ قالت: يحيى بن زكريا. قال: هلكت وأهلكت أبويك. فغيّر الله ما بهم من النعم، وسلّط عليهم عدوّهم فذبح البنت وأبويها، وسلّط عليهم الكلاب حتى أكلتهم. وقال الثعلبىّ فى تفسيره: والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار قال: عبرت «١» بنو إسرائيل بعد ما عمرت الشام، وعادوا اليها بعد خراب بختنصّر إياها وسبيهم منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزير ﵇، ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الأنبياء، ففريقا يكّذبون وفريقا يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله تعالى فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى ﵈. فمات زكريا وقتل يحيى بسبب نهيه الملك عن نكاح ابنته فى قول عبد الله بن الزبير، وابنة امرأته فى قول السّدّىّ، وابنة أخيه فى قول ابن عباس رضى الله عنهما وهو الأصح إن شاء الله تعالى؛ لما روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا عليهم

стр. 4704

السلام فى اثنى عشر من الحواريّين يعلّمون الناس، فكان مما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ. قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوّجها، وكانت لها فى كل يوم حاجة يقضيها لها. فلمّا بلغ ذلك أمّها أنه نهى عن نكاح بنت الأخ قالت [لابنتها: اذا دخلت على الملك فسألك فقولى له: حاجتى أن تذبح لى يحيى بن زكريا. فلمّا دخلت عليه سألها حاجتها قالت: حاجتى أن تذبح لى يحيى بن زكريا. فقال «١» :] سلينى غير هذا. قالت: لا أسألك إلا هذا. فلمّا أبت عليه دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه فيه، فندّت من دمه قطرة على الأرض، فلم تزل تغلى حتى بعث الله ملك بابل، فقتل عليها من بنى إسرائيل حتى سكنت. وقد تقدّم أيضا خبر مقتله، وأنّ بختنصّر هو الذى قتل على دمه حتى سكن «٢» . والصحيح أن بختنصّر إنما قتل بسبب قتل شعيا ﵇. قال الثعلبىّ أيضا: وقال علماء النصارى: إنّ قتل يحيى كان على يدى ملك من ملوك بنى إسرائيل يقال له هيرودس بسبب امرأة يقال لها هردوبا، كانت امرأة أخ له يقال له فلفوس، عشقها فوافقته على الفجور، فنهاه يحيى وأعلمه أنها لا تحلّ له، فسألت المرأة هيرودس أن يأتيها برأس يحيى ففعل، ثم سقط «٣» فى يده وجزع جزعا شديدا. وقال كعب: كان يحيى ﵇ من أحسن الناس وجها وأجملهم فى زمانه، فأحبّته امرأة الملك الذى كان فى ذلك الزمان حبّا شديدا، فأرسلت اليه تراوده،

стр. 4705

فأرسل إليها أنه لا علم له بالنساء والملك أحقّ أن يطأ فراشه. فلمّا جاءها الرسول غضبت وقالت: كيف لى أن أقتله حتى لا يخبر الناس أنى قد راودته!. فلم تزل بالملك حتى وهب لها رأس يحيى بن زكريّا، وأرسلت إليه وهو قائم يصلّى فى محراب داود فى بيت المقدس فضرب عنقه وأخذ رأسه. فلمّا أرادوا أن يأخذوا رأس يحيى خسف الله بها وبأهلها الأرض عقوبة لقتلها يحيى ﵇. قال كعب: فلمّا رأى زكريّا أن ابنه يحيى قد قتل وخسف بالقوم انطلق هاربا فى الأرض، حتى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه أشجار. وأرسل الملك فى طلبه غضبا لما لقيت المرأة وأهلها. فمرّ زكريّا بشجرة من تلك الأشجار فنادته الشجرة: يا نبىّ الله، هلمّ إلى هاهنا. فلمّا أتاها التفّت عليه الشجرة ودخل زكريا ﵇ فى وسطها، فآنطلق عدوّ الله إبليس لعنه الله حتى أخذ بطرف ردائه، فأخرجه من الشجرة ليصدّقوه إذا أخبرهم، وجاء الذين يلتمسون زكريّا، فأخبرهم إبليس أنه دخل الشجرة؛ فقالوا: لا نصدّقك. قال: فإنى أريكم علامة تصدّقوننى بها. قالوا: فأرناها، فأراهم طرف ردائه، فأخذوا الفؤوس فضربوا الشجرة حتى قطعوها باثنتين، فسلّط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، فانتقم الله من بنى إسرائيل بدم يحيى وزكريّا، فقتل عظماء بنى إسرائيل وسبى منهم مائة ألف وعشرين ألفا. وقد قيل فى سبب قتل زكريا غير هذا، وسنذكره إن شاء الله فى أثناء أخبار عيسى بن مريم على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 4706

ذكر هلاك بنى إسرائيل وخراب بيت المقدس ثانيا قال الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى بعض طرقه عن محمد بن إسحاق: إنّ خراب بيت المقدس ثانيا وقتل بنى إسرائيل كان بعد رفع عيسى بن مريم وقتل يحيى بن زكريّا. فلمّا فعلوا ذلك سلّط الله تعالى عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس «١» ، فسار اليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام؛ فلمّا ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس أجناده يدعى نبوزرادان «٢» صاحب الفيل «٣» فقال له: إنى قد كنت حلفت بالهى إن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنّهم حتى تسيل دماؤهم فى وسط عسكرى إلى ألّا أجد أحدا أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن نبوزرادان دخل بيت المقدس فقتلهم فى البقعة التى كانوا يقرّبون فيها قربانهم، فوجدوا فيها دما يغلى فسألهم عنه فقالوا: هذا دم قربان قرّبناه فلم يتقبّل منّا فلذلك هو يغلى كما تراه، ولقد قرّبنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبّل منّا إلّا هذا القربان. فقال: ما صدقتمونى الخبر. قالوا له: لو كان كأوّل دمائنا لقبل ولكنّه قد انقطع منّا الملك والنبوّة والوحى فلذلك لم يقبل. فذبح منهم نبوزرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رءوسهم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم فذبحهم على الدم فلم يبرد. فلمّا رأى نبوزرادان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم يا بنى إسرائيل! اصدقونى واصبروا على أمر ربكم، فقد طالما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم، قبل

стр. 4707

ألّا أترك نافخ نار ذكر أو أنثى إلا قتلته. فلمّا رأوا الجهد وشدّة القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبىّ منّا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدّقه فقتلناه فهذا دمه. فقال لهم: ما كان اسمه؟ قالوا: كان اسمه يحيى بن زكريّا. قال: الآن صدقتمونى، لمثل هذا ينتقم منكم ربكم. ولمّا رأى أنهم قد صدقوه خرّ ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا باب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس. وخلا فى بنى إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربّى وربّك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألّا أبقى من قومك أحدا، فهدأ دم يحيى بن زكريّا بإذن الله تعالى، ورفع نبوزرادان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدّقت به وأيقنت أنه لا ربّ غيره. فأوحى الله تعالى الى رأس من رءوس بقيّة الأنبياء ﵈ أن نبوزرادان حبور صدوق- والحبور بالعبرانية حديث الإيمان- فقال نبوزرادان: يا بنى إسرائيل، إنّ عدوّ الله خردوس أمرنى أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإنى لست أستطيع أن أعصيه. قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم أن يحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمر والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم فى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقها. فلمّا بلغ الدم عسكر خردوس أرسل الى نبوزرادان أن ارفع عنهم القتل فقد بلغتنى دماؤهم. ثم انصرف عنهم الى بابل وقد أفنى بنى إسرائيل أو كاد. وهذه هى الوقعة الآخرة التى أنزل الله تعالى فيها وفى الأولى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً* فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ «١» فكان بختنصّر

стр. 4708

وجنوده. ثم ردّ الله لهم الكرّة عليهم. وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده فلم تقم لهم بعد ذلك راية. وانتقل الملك بالشام ونواحيها الى الروم واليونان، إلّا أنّ بقايا بنى إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك. وكانت لهم الديانة والرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك. وكانوا فى نعمة ومنعة الى أن بدّلوا وأحدثوا الأحداث واستحلّوا المحارم وضيّعوا الحدود، فسلّط الله تعالى عليهم ططوس «١» بن اسفيانوس «٢» الرومى فأخرب بلادهم وطردهم عنها، ونزع الله تعالى منهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذلّ، فليسوا فى أمّة من الأمم إلّا وعليهم الصّغار «٣» والجزية والملك فى غيرهم. وبقى بيت المقدس خرابا الى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه فعمّره المسلمون بأمره. قال: وروى أبو عوانة عن أبى بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ الآيات فقال: أمّا الذين جاسوا «٤» خلال الديار فكان صرخان «٥» الخزرى شعّث من الديار وتبرّ «٦» . ثم قال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ الى قوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ الى قوله: تَتْبِيراً قال: هذا بختنصّر الذى خرّب بيت المقدّس. ثم قال لهم: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا قال: فعادوا فعيد عليهم، فبعث الله تعالى عليهم ملك الروم. ثم عادوا أيضا فعيد عليهم، فبعث عليهم درم أوزن «٧» ملك الرىّ. ثم عادوا أيضا فعيد عليهم، فبعث عليهم سابور ذا الأكتاف.

стр. 4709

وقال قتادة: هذه الآية قضاء قضى على القوم كما يسمعون، فبعث عليهم فى الأولى جالوت فسبى وقتل وخرّب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب، ثم قال: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ فعاد الله عليكم برحمته. ثم عاد القوم بشرّ ما يحضرهم. فبعث الله تعالى عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته. ثم بعث الله تعالى عليهم هذا الحىّ من العرب، كما قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ «١» فهم بهم فى عذاب الى يوم القيامة. وهذه الأخبار التى أوردناها فى هذا المكان من خبر زكريّا ويحيى وخراب بيت المقدس ثانيا، منها ما كان فى زمن عيسى ﵇، ومنها ما كان بعد رفعه. وإنما أوردناها سياقة وتركنا خبر عيسى ﵇ لئلا تنقطع بغيرها وليتلو بعضها بعضا. فلنرجع الى أخبار عيسى بن مريم ﵇. ذكر خبر حمل مريم بنة عمران بعيسى ﵉ قال الكسائىّ رحمه الله تعالى: وكانت مريم تنمو وتزيد فى كل يوم وتعبد الله تعالى حتى برّزت فى العبادة على نساء بنى إسرائيل. فلمّا بلغت مبلغ النساء أتت منزل زكريّا، فقال لها: كيف خرجت من بيتك ومفتاحه معى؟ قالت: إنى رأيت أمرا قبيحا- أرادت بذلك الحيض- فجئتك بإذن الله. فأمرها زكريّا أن تكون عند خالتها حتى تطهر، ففعلت ذلك. فلما طهرت واغتسلت عادت إلى عبادتها. فكان ذلك عادتها وشأنها اذا حاضت. فذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا* فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً «٢» أى سترا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا يعنى جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا أى فى صورة رجل

стр. 4710

قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أى مطيعا لربك قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا* قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا* قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ثم نفخ فى جيبها فوصلت النفخة الى جوفها فحملت بعيسى لوقتها. ويقال: إنّ زكريّا فى ذلك الوقت أفضى إلى امرأته فحملت بيحيى. وقيل: إنّ امرأة زكريّا حملت قبل مريم بثلاثة أشهر، وقيل ستة أشهر. وكانت مريم إذ ذاك بنت خمس عشرة سنة، وقيل ثلاث عشرة سنة. وحكى الثعلبىّ فى قصة حمل مريم أنه كان معها فى المسجد ابن عمّ لها من المحرّرين يقال له يوسف بن يعقوب النجّار، وكان رجلا حكيما نجّارا، يتصدّق بعمل يديه، وكان يوسف ومريم اذا نفد ماؤهما أخذ كل واحد منهما قلّته وانطلق إلى المغارة التى فيها الماء يستقيان منه ثم يرجعان إلى الكنيسة. فلمّا كان اليوم الذى لقيها فيه جبريل، وكان أطول يوم فى السنة وأشدّ حرّا، نفد ماؤها، فقالت: يا يوسف، ألا تذهب بنا نستقى؟ فقال لها: إنّ عندى لفضلا من ماء أكتفى به فى يومى هذا إلى غد. قالت: لكنى والله ما عندى ماء، فأخذت قلّتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة، فوجدت عندها جبريل ﵇، قد مثّله الله بشرا سويّا؛ فقال لها: يا مريم، إنّ الله قد بعثنى اليك لأهب لك غلاما زكيّا. قالت: إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّا. قال عكرمة: وكان جبريل قد عرض لها فى صورة شابّ أمرد وضىء الوجه، جعد الشعر، سوىّ الخلق. قال الحكماء: وإنما أرسله الله تعالى فى صورة البشر لتثبت مريم ﵍ وتقدر على استماع كلامه، ولو أتاها على صورته التى هو عليها لفزعت ونفرت عنه، ولم تقدر على استماع كلامه. فلمّا استعاذت مريم منه قال: إِنَّما أَنَا رَسُولُ

стр. 4711

رَبِّكِ الآية. فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله تعالى. فنفخ جبريل فى جيب درعها، وكانت قد وضعته، ثم انصرف عنها. فلما لبست مريم درعها حملت بعيسى ﵇، ثم ملأت قلّتها وانصرفت الى المسجد. وقال السّدّىّ وعكرمة: إنّ مريم ﵍ كانت تكون فى المسجد ما دامت طاهرة فإذا حاضت تحوّلت الى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد. فبينما هى تغتسل من الحيض وقد أخذت مكانا شرقيّا- قال الحسن: إنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكانا شرقيّا- فاتخذت، فضربت من دونهم حجابا، أى سترا. وقال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، فبينما هى كذلك اذ عرض لها جبريل وبشّرها ونفخ فى جيب درعها. قالوا: فلما اشتملت على عيسى وتبيّن حملها داخلها الغمّ وعلمت أنّ بنى إسرائيل سوف يقذفونها، فنادتها الملائكة: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ أى من الحيض وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ* يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . قال: وبشّرها الله تعالى بعيسى فقال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ «١» . وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ* وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ «٢» الآية فطابت نفسها. قال وهب: فلمّا اشتملت على عيسى وكان معها يوسف النجار، وكانا منطلقين الى المسجد الذى بجبل صهيون- وجبل صهيون على باب بيت المقدس- وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد، وكان لخدمته فضل عظيم، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتطهيره، وكان لا يعلم أحد من أهل زمانها أشدّ اجتهادا وعبادة

стр. 4712

منهما. فكان أوّل من أنكر حمل مريم يوسف النجّار. فلما رأى ما بها استعظمه وقطع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها. فكان إذا أراد أن يتّهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرّئها رأى الذى ظهر بها من الحمل. فلما اشتدّ ذلك عليه كلّمها، فكان أوّل ما كلّمها به أن قال لها: إنه قد وقع فى نفسى منك ومن أمرك شىء، وقد حرصت على أن أكتمه فغلبنى ذلك ورأيت أنّ الكلام فيه أشفى لصدرى. فقالت: قل قولا جميلا. قال: خبّرينى يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت نعم. قال: فهل تنبت شجرة بغير غيث يصيبها؟ قالت نعم. قال: فهل يكون ولد من غير فحل؟ قالت: ألم تعلم أنّ الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذار إنما تكون من الزرع الذى كان أنبته من غير بذر!. ألم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث، وبالقدر جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحدة على حدة!. أو تقول إن الله لا يقدر على إنباته!. قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكنى أعلم أن الله ﵎ يقدر على ما يشاء، يقول لذلك: كن فيكون. فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله ﵎ خلق آدم وامرأته حوّاء من غير ذكر ولا أنثى!. قال بلى. فلمّا قالت له ذلك وقع فى نفسه أن الذى بها شىء من أمر الله، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها. وقال الكسائىّ: لما قال يوسف لمريم: هل يكون ولد من غير فحل؟ قالت: نعم، آدم من غير أب وأمّ. قال صدقت. ثم قال: هذا الولد الذى فى بطنك من أبوه؟ قالت: هذا هبة ربّى لى، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب. فنطق عيسى فى بطنها وقال: يا يوسف ما هذه الأمثال التى تضربها! قم فاشتغل بصلاتك واستغفر لذنبك مما قد وقع فى قلبك. فقام يوسف وجاء الى زكريّا وأخبره، فاغتمّ وقال لامرأته: إنّ مريم حامل، وأخاف من فسّاق

стр. 4713

بنى إسرائيل أن يتّهموا يوسف بها. قالت: توكّل على الله واستعن به فإنه يردّ عنها مقالة الفسّاق. قالوا: ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمله فيه لما رأى من رقّة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء بطنها، وضعف قوّتها. والله أعلم. ذكر خبر ميلاد عيسى بن مريم ﵉ قال الكسائىّ ﵀: فلمّا دنا وقت الولادة خرجت مريم فى جوف الليل من منزل زكريا حتى صارت إلى خارج بيت المقدس؛ فذلك قوله تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا . قال: وأخذها الطّلق، فنظرت إلى نخلة يابسة فجلست تحتها فاخضرّت النخلة من ساعتها وصار لها سعفا وخوصا وحملت الرّطب لوقتها، وأنبع الله فى أصل النخلة عينا من الماء. قال: وعن وهب أنه لمّا دنت ولادة مريم ﵍ أوحى الله تعالى إليها أن تخرج من المحراب فتتبوّأ منزلا تلد فيه، فتحوّلت إلى بيت خالتها أمّ يحيى بن زكريا لتلد فى بيتها. قال: فلمّا دخلت عليها استقبلتها أمّ يحيى وسلّمت عليها. فلما التقيا أحسّت أمّ يحيى بسجود من فى بطنها، فقالت: يا مريم، إن الذى فى بطنى يسجد لما فى بطنك. قالوا: ثم أوحى الله تعالى إلى مريم أن تخرج من أرض بيت «١» لحم إلى جهة من الأرض تلد فيها، فحملها يوسف النجّار على حمار بأكاف «٢» ليس بينها وبين الأكاف غير

стр. 4714

ثوبها وهى مثقلة لا تكاد تقوم. فانطلقا فى سواد الليل من بيت لحم يؤمّان الجبال، حتى إذا كانا ببعض الطريق بين نخلات ينزلها الرّكبان، بينهنّ أوارىّ «١» مبنيّة بناها السّفر «٢» ليعلّقوا فيها دوابّهم. فنزلا ذلك المنزل، فأدركها المخاض، فالتجأت إلى بعض تلك الأوارىّ وهو فى أصل جذع نخلة يابس قحل ليس فيه عراجين «٣» ولا غيرها، فأنبته الله تعالى وأثمره حتى أظلّها وأكنّها وتدلّت عليها غصونه من كل جانب حتى سترها السّعف والعراجين. واشتدّ بها الطّلق وداومها سبع ليال، وأشرفت على الموت، فقالت ما أخبر الله تعالى به عنها، قال الله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا «٤» . قال: واشتدّ عليها البرد، فعمد يوسف الى حطب فجعله حولها كالحظيرة، ثم أشعل فيه النار فأدفأها، وكسر لها سبع جوزات فأكلتها. فمن أجل ذلك توقد النصارى النار ليلة الميلاد وتلعب بالجوز. قال وقال كعب: إنها خرجت منفردة، فلمّا فقدها زكريّا أهمّه ذلك، وبعث يوسف النجّار فى طلبها، فجاء حتى نظر إليها تحت النخلة. قال: ولمّا شكت من ألم الولادة ما شكت وقالت: «يا ليتنى متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا» أى لا تعرف ولا تذكر فَناداها مِنْ تَحْتِها - قيل: إن الذى ناداها عيسى. وقيل: جبريل- أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وهو الجدول الصغير. قالوا: كان نهرا من ماء عذب، يكون باردا إذا شربت منه، وفاترا إذا استعملته وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا أى نضيجا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً أى كلى واشربى من الماء الذى أنبعه الله لك وقرّى عينا بهذا الولد فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أى صمتا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا

стр. 4715

قال: فلما جاء يوسف النجّار كلّمها فلم تتكلم، فتكلّم عيسى فى حجرها وقال: يا يوسف، أبشر وقرّ عينا وطب نفسا، فقد أخرجنى ربى من ظلمة الأرحام الى ضوء الدنيا، وسآتى بنى إسرائيل وأدعوهم الى طاعة الله. واختلف العلماء فى مدّة حمل مريم ﵍ بعيسى ووقت وضعها إياه، فقال بعضهم: كان تسعة أشهر كحمل سائر النساء، وقيل: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود يوضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل ساعة واحدة. وقال ابن عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت، ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلا ساعة واحدة؛ لأن الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا. وقال مقاتل: حملته مريم فى ساعة وصوّر فى ساعة ووضعته فى ساعة حين زالت الشمس من يومها وهى بنت عشر سنين، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى ﵇. قال: فانصرف يوسف الى زكريّا وأخبره بولادة مريم وكلام عيسى، فازداد زكريّا غمّا لما يقوله الناس. قال الثعلبىّ قال وهب: فلما ولد عيسى ﵇ أصبحت الأصنام كلها بكل أرض منكوسة على رءوسها، ففزعت الشياطين ولم يدروا لم ذلك، فساروا مسرعين حتى جاءوا إبليس وهو على عرش له فى لجّة خضراء يتمثل بالعرش يوم كان على الماء، فأتوه وقد خلت ستّ ساعات من النهار. فلمّا رأى إبليس جماعته فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ فرّقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتا، فسألهم، فأخبروه أنه حدث فى الأرض حادث أصبحت الأصنام كلها منكوسة على رءوسها، ولم يكن شىء أعون على هلاك بنى آدم منها لما يدخل فى أجوافها فتكلّمهم وتدبّر أمرهم، فيظنّون أنها هى التى تكلّمهم، فلمّا أصابها هذا الحادث صغّرها فى أعين

стр. 4716

بنى آدم وأذلّها، وقد خشينا ألّا يعبدوها بعد هذا. واعلم إنّا لم نأتك حتى أحصينا الأرض وقلبنا البحار وكل شىء، فلم نزدد بما أردنا إلا جهلا. فقال لهم إبليس: إنّ هذا الأمر عظيم، فكونوا على مكانكم. وطار إبليس عند ذلك ولبث عنهم ثلاث ساعات، فمرّ بالمكان الذى ولد فيه عيسى ﵇. فلمّا رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أنّ ذلك الحادث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رءوس الملائكة ومناكبهم الى السماء، ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسية، فأراد أن يدخل من بينهم فنحّوه عن ذلك، فرجع إبليس إلى أصحابه فقال: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها شرقها وغربها وبرّها وبحرها والخافقين والجوّ الأعلى، وكل هذا بلغته فى ثلاث ساعات، وأخبرهم بمولد عيسى ﵇ وقال: ما اشتملت قبله أمّ على ولد إلّا بعلمى، ولا وضعته قطّ إلّا وأنا حاضرها. وإنى لأرجو أن أضلّ به كثيرا ممن يهتدى، وما كان نبىّ قبله أشدّ علىّ وعليكم من هذا المولود. قال: ثم خرج من تلك الليلة قوم يؤموّنه من أجل نجم طلع، وكانوا قبل ذلك يتحدّثون أنّ مطلع ذلك النجم من علامات مولود فى كتاب دانيال، فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمرّ واللّبان، فمرّوا بملك «١» من ملوك الشام، فسألهم أين تريدون؟ فأخبروه بخبرهم. قال: فما بال الذهب والمرّ واللّبان أهديتموه له من بين الأشياء

стр. 4717

كلها «١» ؟ قالوا: تلك أمثاله؛ لأنّ الذهب سيّد المتاع كله، وكذلك هذا النبىّ سيد أهل زمانه. ولأنّ المرّ يجبر به الكسر والجرح، وكذلك هذا النبىّ يشفى الله تعالى به كل سقيم ومريض. ولأن اللّبان يبلغ دخانه إلى السماء ولا يبلغها دخان غيره، وكذلك هذا النبىّ يرفعه الله تعالى إلى السماء ولا يرفع فى زمانه أحدا غيره. فلمّا قالوا ذلك للملك حدّث نفسه بقتله فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه فأعلمونى ذلك فإنى راغب فى مثل ما رغبتم فيه من أمره. فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهديّة إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى الملك ليعلموه بمكان عيسى، فلقيهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فإنه إنما أراد بذلك ليقتله، فانصرفوا فى طريق آخر. وقال مجاهد: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثنى وحدّثته، فإذا شغلنى عنه شىء سبّح فى بطنى وأنا أسمع. قالوا: وكان مولد عيسى ﵇ بعد مضىّ اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس «٢» ، وخمسين سنة مضت من ملك الأشغانين «٣» ملوك الطوائف. وكانت المملكة لملوك الطوائف، والرياسة بالشام ونواحيها لقيصر ملك الروم، والملك عليها من قبل قيصر هيرودس «٤» ، وقيل فى اسمه هرادوس.

стр. 4718

ذكر رجوع مريم بعيسى ﵇ بعد مولده الى قومها قال الكسائىّ: ثم قامت مريم بعد الولادة وحملت عيسى على صدرها حتى أشرفت به على بنى إسرائيل وزكريا بينهم. وقال الثعلبىّ قال الكلبىّ: احتمل يوسف مريم وعيسى الى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالّت «١» مريم من نفاسها، ثم جاء بهما فكلّمها عيسى فى الطريق فقال: يا أمّاه، أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه. قال الله تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ «٢» . فلما نظروا اليها بكوا وقالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا أى عظيما فظيعا لا يعرف منك ولا من أهل بيتك، وكانوا أهل بيت صالحين. يا أُخْتَ هارُونَ واختلف فى سبب قولهم لها «يا أخت هارون» ، فقال الكسائىّ: ناداها هارون وكان أخاها من أمّها، وهو من أحبار بنى إسرائيل وعبّادهم، وقال لها: ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ، فمن أين لك هذا الولد! وقال الثعلبىّ قال قتادة: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بنى إسرائيل، وليس هارون أخا موسى. وقال وهب: كان هارون من أفسق بنى إسرائيل وأظهرهم فسادا، فشبّهوها به. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أى كلّموه. قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا !، وضربوا بأيديهم على جباههم تعجّبا، فتنحنح عيسى وقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . قالوا: فلما سمع ذلك أحبار بنى إسرائيل علموا أنه لا أب له وأنّ الله تعالى خلقه كما خلق آدم. فقال زكريا: الحمد لله الذى برّأنا بقول عيسى من فسّاق بنى إسرائيل. قالوا: ثم لم يتكلم عيسى بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان. وقيل غير هذا. والله أعلم.

стр. 4719

ذكر خروج مريم وعيسى ﵉ إلى مصر وما ظهر له من المعجزات فى مسيره ومدّة مقامه إلى أن عاد قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ «١» . اختلف العلماء فى الرّبوة فقال عبد الله بن سلام: هى دمشق. وقال أبو هريرة: هى الرّملة. وقال قتادة وكعب: هى بيت المقدس. وقال كعب: هى أقرب الأرض إلى السماء. وقال أبو زيد: هى مصر. وقال الضحّاك: هى غوطة دمشق. وقال أبو العالية: هى أيلة. وقال بعض المفسرين: هى قرية من قرى مصر تسمى سدمنت. وسدمنت: بلد من بلاد إقليم الفيوم معروفة مشهورة. وقوله تعالى: ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ القرار: الأرض المستوية. والمعين: الماء الظاهر. وكان سبب خروج مريم إلى مصر ما حكاه الكسائىّ وغيره من أهل السير قالوا: وبلغ الملك هيردوس خبر عيسى فهم بقتل مريم وابنها، فخاف زكريا والمؤمنون عليهما من القتل، وذلك بعد مولد عيسى بأيام قلائل، فقال زكريا لمريم: إنى أخاف عليك وعلى ابنك من هذا الملك، وأمر يوسف النجّار أن ينقلهما إلى أرض مصر، وأعطاهما أتانا وزوّدهم، فسار يوسف بهما نحو مصر. وكان من المعجزات التى ظهرت على يدى عيسى ﵇ فى مسيره ومقامه بمصر أنه بينما هم سائرون إلى أرض مصر رأى يوسف النّجار فى بعض الطريق أسدا ففزع منه، فقال عيسى: قرّبانى إلى الأسد ولا تقرباه أنتم، فقرّبوه؛ فلما صاربين يدى الأسد قال عيسى: أيها الوحش، ما وقوفك على قارعة الطريق؟ قال: لثور

стр. 4720

يمرّ علىّ لا بدّ لى منه. قال عيسى: هذا الثور لقوم مساكين ليس لهم سواه، ولكن انطلق إلى برّيّة كذا وكذا، فإنك سترى جملا ميّتا فكله، واترك هذا الثور لأصحابه، فمضى الأسد نجو الميتة وتركهم. والله أعلم بالصواب. معجزة أخرى: قال: ثم ساروا، فرأوا قوما قد اجتمعوا بالقرب من دار ملك من الملوك. فقال لهم عيسى: ما وقوفكم هاهنا؟. قالوا: امض أيها الصبىّ لشأنك. قال: أتحبّون أن أخبركم بوقوفكم؟ قالوا نعم. قال: إنكم تريدون دخول هذه الدار اذا جنّ الليل فتأخذون مال هذا الملك، فلا تفعلوا فإنه مؤمن، ودلّهم على كنز وقال: إنه كان لقوم ماتوا، فسار أولئك إليه واقتسموا منه مالا عظيما. معجزة أخرى: قال: ثم ساروا حتى دخلوا قرية عامرة وقد اجتمع الناس على باب ملكها ومعهم صنم من حجر وهم يبكون ويسجدون لذلك الصنم. فقال عيسى: ما شأنكم أيها القوم؟ فقالوا: إنّ امرأة هذا الملك قد عسر عليها وضع الولد، وقد أمرنا الملك أن نسجد لهذا الصنم ونسأله أن يخفّف عنها ما هى فيه. قال عيسى: اذهبوا الى الملك وقولوا له: لو وضعت يدى على بطنها يخرج الولد عاجلا. فأخبروا الملك فقال: ائتونى به، فأدخلت مريم وعيسى على الملك، فعجب من نطقه وهو صغير، وأدخل على المرأة، فقال عيسى: إن أخبرتك بما فى بطنها وخرج كما أقول أتؤمن بربّى الذى خلقنى من روحه؟. قال نعم. قال عيسى: فى بطنها غلام على خدّه خال أسود، وعلى ظهره شامة بيضاء، ثم وضع يده على بطن المرأة وقال: أيها الجنين، بالذى خلق الخلق وأسبغ عليهم سعة الرزق اخرج. فخرج الولد على ما وصفه عيسى.

стр. 4721

فهمّ الملك أن يؤمن، فقال وزراؤه: إنّ هذه المرأة ساحرة، وهذا الصبىّ مثلها، وقد طردوهما من بيت المقدس، ولم يزالوا به حتى ردّوه عن الإيمان. فأرسل الله تعالى على الملك وقومه صاعقة فأهلكتهم. ثم مضى يوسف بهما حتى دخلوا مصر، ونزلت مريم دار دهقان «١» هناك، ولم يكن لها ما تعيش منه إلّا الغزل، فكانت تغزل الكتّان والصوف بالأجرة لأهل مصر، ويوسف يحتطب ويبيع الحطب مدّة ليس لهم رزق إلا من ذلك. معجزة أخرى: قال الثعلبىّ قال وهب: كان أوّل آية رآها الناس من عيسى أنّ أمه كانت نازلة فى دار دهقان من أهل مصر أنزلها به يوسف النجّار حين ذهب بها إلى مصر، وكانت داره يأوى إليها المساكين، فسرق للدّهقان مال من خزانته فلم يتّهم المساكين، فحزنت مريم لمصيبة الدهقان. فلمّا رأى عيسى حزن أمّه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها: يا أمّاه، أتحبّين أن أدلّه على ماله؟ قالت: نعم يا بنىّ. قال: قولى له يجمع لى مساكين داره. فقالت مريم ذلك للدهقان، فجمع له المساكين. فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى وقال له: قم به. فقال الأعمى: أنا أضعف من ذلك. فقال عيسى: وكيف قويت على ذلك البارحة!. فلمّا سمعوه يقول ذلك ضربوا الأعمى حتى قام. فلما استقلّ قائما هوى المقعد إلى كوة الخزانة. فقال عيسى ﵇: هكذا احتالا على مالك البارحة، لأنّ الأعمى استعان بقوّته والمقعد بعينيه. فقال المقعد والأعمى: صدق، فردّا على الدهقان ماله. فقال الدهقان لمريم: خذى نصف المال. فقالت: إنى لم أخلق لهذا. قال: فأعطه ابنك. قالت: هو أعظم منى شأنا. والله أعلم بالصواب.

стр. 4722

معجزة أخرى: قال: ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابنا له، فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر وكان يطعمهم شهرين. فلمّا انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشام ولم يعلم الدهقان بهم حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب. فلمّا رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه جرار، فأمرّ عيسى يده على أفواهها وهو يمشى، فكلّما مرّ بيده على جرّة امتلأت شرابا حتى أتى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنى عشرة سنة. معجزة أخرى: قال: وبينا عيسى يلعب مع الصبيان بأرض مصر، إذ وثب غلام منهم على غلام آخر فقتله. فجاء أهله وتعلّقوا بجميع الصبيان وفيهم عيسى وأتوا بهم الى القاضى. فقال القاضى: من قتل هذا؟ قالوا: هذا، وأشاروا إلى عيسى. فقال له القاضى: لم قتلت هذا الغلام؟ قال: أراك حاكما جاهلا، كان يجب أن تسألنى: أقتلته أم لا! قال القاضى: أراك ذا عقل، فما اسمك؟ قال: عيسى بن مريم. قال: يا عيسى، لم قتلته؟ قال: يا جاهل، أبهذا أمرتك؟ ثم دنا عيسى من الغلام وقال: قم بإذن الله الذى يحيى العظام وهى رميم، فاستوى جالسا وقال له: من قتلك؟ قال: قتلنى فلان بن فلان، وهذا عيسى بن مريم برىء من دمى. فعجب الناس من ذلك وقتلوا قاتل الغلام، وأخذت مريم بيد عيسى وانطلقت. معجزة أخرى: قال: وأتت به أمّه الى معلّم ليعلّمه، فقال: إنّ ربى قد أغنانى عن تعليم المعلّمين وقد علّمنى التوراة والإنجيل. قالت: صدقت، ولكن تكون عند معلّم خير من أن تلعب مع الصبيان. فأتت به الى معلّم يعلّمه، فعلّمه عيسى. قال الثعلبىّ: وروى

стр. 4723

محمد الباقر ﵀ قال: لما ولد عيسى ﵇ كان ابن يوم كأنه ابن شهر، فلمّا كان ابن تسعة أشهر أخذت والدته بيده وجاءت به الى كتّاب وأقعدته بين يدى المؤدّب. فقال له المؤدّب: قل: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقالها عيسى ﵇. فقال المؤدّب: قل: أبجد، فرفع عيسى رأسه وقال للمؤدّب: هل تدرى ما أبجد؟ فعلاه ليضربه. فقال: يا مؤدّب، لا تضربنى، إن كنت تدرى وإلّا فسلنى حتى أفسّر لك. فقال: فسّره لى. فقال عيسى ﵇: الألف آلاء الله، والباء بهجة الله، والجيم جلال الله، والدال دين الله. هوّز، الهاء هى جهنم وهى الهاوية، والواو ويل لأهل النار، والزاى زفير جهنم. حطّى، حطّت الخطايا عن المستغفرين. كلمن، كلام الله غير مخلوق لا مبدّل لكلماته. سعفص، صاع بصاع والجزاء بالجزاء. قرشت تقرشهم حين تحشرهم، أى تجمعهم. فقال المؤدّب لأمه: أيتها المرأة، خذى بيد ابنك فقد علّم ولا حاجة له الى مؤدّب. وقال سعيد بن جبير: قال رسول الله ﷺ : «إنّ عيسى ﵇ أرسلته أمّه الى الكتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال وما باسم الله. قال لا أدرى. قال الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم مملكته» . والله أعلم الموفّق. معجزة أخرى: قال الكسائىّ: وانطلقت به أمّه إلى صبّاغ ليعلّمه صنعة الصباغة. فأخذه الصبّاغ وأمره أن يملأ التّيغارات «١» من تيغار كبير، وناوله أصباغا وأمره أن يجعل فى كل تيغار صبغا، وأن يصبغ الثياب فى تلك التيغارات على اختلاف ألوانها، وفارقه الصبّاغ وخرج إلى منزله. فعمد عيسى إلى تيغار واحد وملأه ماء وأخذ جميع تلك

стр. 4724

الأصباغ فجعلها فيه، ووضع جميع تلك الثياب فيه وانصرف إلى أمّه. فلما كان من الغد جاء الصبّاغ إلى الحانوت فنظر إلى ما فعله عيسى، فقال له: يا عيسى أهلكتنى وأفسدت ثياب الناس. قال عيسى: يا صبّاغ، ما دينك؟ قال: دين اليهود. قال: قل: لا إله إلا الله وأنّى عيسى روح الله، وأدخل يدك فى هذا التيغار وأخرج كل ثوب على ما تريد. فآمن الصبّاغ بالله وبعيسى ﵇ وأدخل يده فأخرج كل ثوب على ما أراده أصحابه. قال: وظهر لعيسى بمصر معجزات كثيرة. ذكر خبر زكريا ﵇ مع هيرودس الملك وما كان من أمره قال الكسائىّ: ولمّا كان من أمر عيسى ﵇ وكلامه ما قدّمناه وتنكّست الأصنام ليلة مولده، جاء إبليس لعنه الله إلى الملك فى صورة شيخ وقال له: أيها الملك، إن لك عندى نصيحة فاخل معى. فخلا به وقال: ما نصيحتك؟ قال: قد بلغك ما كان من شأن المولود الذى تكلم فى المهد. قال نعم. قال: وقد رأيت ما حلّ بالأصنام من شؤم مولده، وإنه لخليق أن يشمل الأرض كلها بشؤمه، وأنت فلا يمكنك قتله الآن لخروجه من بلادك، وأرى أن تفعل أمرا يتشاءم الناس بسببه بهذا المولود ويعينونك على قتله، وأنت مع ذلك تطلبه، فإن ظفرت به ذبحته. قال الملك: فما الذى رأيت؟ فلعمرى لقد وقع فى نفسى إنك لخليق أن يكون عندك رأى ومكيدة. قال: تذبح الولدان، فإن ذلك يبغّضه إلى الناس ويتشاءمون به فيكفوك أمره. قال: لقد أتيت بالأمر على وجهه، وأمر بذبح الولدان من سنتين فما دونهما، فوقع الذبح فى صبيان بنى إسرائيل. قال: ثم انطلق إبليس إلى مجالس بنى إسرائيل ونواديهم يقول: الفاحشة فى مريم ويقذفها بزكريا، يعرّض

стр. 4725

بذلك لخيارهم، ويبوح به ويصرح لشرارهم، حتى شاعت الفاحشة على زكريّا. فلما رأى زكريا ذلك هرب واتّبعه سفاؤهم وشرارهم، وسلك فى واد كثير النبت، حتى اذا توسّط الوادى انفرجت له شجرة فدخلها وأقبل القوم فى طلبه، وإبليس يقدمهم حتى أوقفهم عليه وهو فى الشجرة وقد التحمت عليه، فأشار عليهم بقطعها، فقطعت. ثم قال لهم: أىّ العقوبة والنكال أبلغ فى هذا الذى أورث آباءكم الطيبين إبراهيم وإسحاق ويعقوب وذرّيتهم من بعدهم الفضيحة والعار؟!. قالوا: القتل أو النشر. فأشار عليهم بنشره، فنشروه نصفين ثم انصرفوا عنه، وغاب عنهم إبليس لعنه الله. وبعث الله تعالى الملائكة فغسلوا زكريّا وصلّوا عليه ثلاثة أيام ثم دفنوه. وقد قيل فى مقتل زكريا غير هذا، وقد تقدّم فى أخباره. والله أعلم. ذكر رجوع عيسى ومريم ﵉ من مصر قال الكسائىّ قال وهب: وأقامت مريم وابنها عيسى بمصر اثنتى عشرة سنة حتى أهلك الله الملك هيرودس. قال: وأوحى الله تعالى إلى مريم بوفاة الملك وأمرها أن ترجع إلى بلادها بالشام، فجاء يوسف النجار فرجع بها. فلم تزل هى وابنها يسكنان بجبل الخليل بقرية يقال لها الناصرة «١» ، وبها سمّيت النصارى، وبها ابتدعت النصرانية. قال: ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى بعد أن تمت له ثلاثون سنة أن يبرز إلى الناس ويدعوهم إلى الله تعالى، وأنزل عليه الإنجيل. فكان يسير فى البلاد ويدعو

стр. 4726

الناس إلى الله ، ويرغّبهم فيما عنده، ويزهّدهم فى الدنيا ويضرب لهم أمثالا، ويداوى المرضى والزّمنى «١» ، ويبرئ الأكمه والأبرص. فأحبّه الناس وسكنوا إليه، وكثرت أتباعه حتى امتنع وعلا أمره. ثم أحيا الموتى بإذن الله تعالى. قالوا: وربما اجتمع عليه من المرضى والزّمنى فى الساعة الواحدة خمسون ألفا، فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يقدر على ذلك أتاه عيسى يمشى إليه. وإنما كان يداويهم بالدعاء بشرط الإيمان. ذكر خبر الحواريّين «٢» حين اتبعوا عيسى ﵇ وآمنوا به قال الكسائىّ ﵀: ومرّ عيسى على قوم يصيدون السمك وهم أربعة: شمعون، وأخ له اسمه أندريوس، ويعقوب، ويوحنّا. فوعظهم وزهّدهم فى الدنيا ووعدهم الجنة ونعيمها فآمنوا به واتّبعوه. قال: ومرّ بطائفة أخرى فوجدهم على نهر يغسلون الثياب، منهم لوقا، وتوما، ومرقوس، ويوحنّا، وأخوان لهم صبيّان لم يبلغا الحلم، أحدهما شمعون والآخر يعقوب، وقيل فى أسمائهم غير هذا. والله تعالى أعلم. فقال لهم عيسى: يا قوم، إنكم تقصّرون هذه الثياب وتنظّفونها من أوساخها، فلم لا تفعلون ذلك مع قلوبكم!. ثم قال لهم: إنّى رسول الله إليكم جميعا، وبشرّهم برسول الله ﷺ فقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «٣»

стр. 4727

قال: فآمنوا به واتّبعوه، وكانوا كلهم اثنى عشر رجلا، أربعة منهم كانوا يصيدون السمك، وثمانية يقصّرون الثياب. وكان من القصّارين رجل أسفل النهر يقال له يوذا «١» لم يسمع كلام عيسى. فلمّا رأى أصحابه اتّبعوه لحق بهم، وهو الذى ارتدّ بعد ذلك ودلّ اليهود على عيسى، فصاروا به قبل ارتداده ثلاثة عشر. ذكر الخصائص والآيات والمعجزات التى أظهرها الله تعالى على يد عيسى ﵇ بعد مبعثه قال الله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي «٢» الآيات. قوله تعالى: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قال الحسن: ذكر النعمة: شكرها، وأراد بقوله: نِعْمَتِي نعمى، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «٣» . ثم ذكر تعالى النعم فقال: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقال: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ «٤» . واختلفوا فى روح القدس ما هو؟ فقال الربيع بن أنس: هو الرّوح الذى نفخ فيه، أضافه سبحانه الى نفسه

стр. 4728

تكرّما وتخصيصا، نحو: بيت الله، وناقة الله. والقدس: هو الله تعالى يدلّ عليه قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ وقوله تعالى: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «١» . وقال آخرون: أراد الله تعالى بالقدس: الطهارة، يعنى الروح الطاهرة، سمّى روحه قدسا لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة إنما كان أمرا من الله تعالى. وقال السّدّىّ وكعب: روح القدس هو جبريل، وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان رفيقه وقرينه يوحى اليه ويعينه ويسير معه حيثما سار الى أن صعد به الى السماء. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم، وبه كان يحيى الموتى ويرى الناس تلك العجائب. وقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعنى الخطّ، وَالْحِكْمَةَ يعنى العلم والفهم. وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ كان يقرؤهما من حفظه. وقوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . قوله: تَخْلُقُ أى تجعل وتصوّر وتقدّر مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أى كصورة الطير. فكان عيسى يصوّر من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرا بإذن الله تعالى. قالوا: ولم يخلق غير الخفّاش. وانما خص بالخفّاش لأنها أكمل الطير خلقا، فتكون أبلغ فى القدرة، لأن لها ثديا وأسنانا، وهى تلد وتحيض وتطهر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى، وليعلم أنّ الكمال لله . وقوله تعالى: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي. الأكمه: الذى ولد أعمى ولم ير الضوء قط. قالوا: ولم يكن فى الإسلام أكمه غير قتادة. والأبرص: الذى به وضح، وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ، فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.

стр. 4729

قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: يروى أنّ عيسى ﵇ مرّ بدير فيه عميان، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم طلبوا للقضاء فطمسوا أعينهم بأيديهم. فقال لهم: ما دعاكم الى هذا؟ فقالوا: خفنا عاقبة القضاء فصنعنا بأنفسنا ما ترى. فقال: أنتم العلماء والحكماء والأحبار والأفاضل، امسحوا بأيديكم أعينكم وقولوا: باسم الله. ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا يبصرون. ذكر خبر سام بن نوح وغيره الذين أحياهم عيسى بإذن الله قال الكسائىّ قال وهب: سألت طائفة من بنى إسرائيل عيسى بن مريم ﵇ أن يحيى لهم سام بن نوح وقالوا: أحى «١» لنا سام بن نوح ليكلّمنا وإلّا قتلناك، وإن فعلت آمنّا بك واتبعناك. فأوحى الله تعالى اليه: ناده ثلاث مرّات فإنه سيجيبك. فقام عيسى على قبره وناداه ثلاث مرات: يا سام بن نوح قم بإذن الله، فقام فى الثلاثة وهو أشمط «٢» الرأس واللحية. فقال له عيسى: أهكذا متّ أبيض الرأس واللحية؟ قال: لا، ولكنىّ سمعت نداءك فخفت أن تكون القيامة فشمطت، وأخبر القوم بما أرادوه وكلمهم، ثم ردّه عيسى الى قبره، وما آمن بعيسى منهم إلّا قليل.

стр. 4730

قالوا: وممن أحياه عيسى بن مريم العازر، وكان صديقا له، فأرسل أخته الى عيسى إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبين أن يصل إليه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا الى قبره، فانطلقت معهم الى قبره وهو فى صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهمّ ربّ السموات السبع والأرضين السبع إنك أرسلتنى الى بنى إسرائيل أدعوهم الى دينك وأخبرتهم أنى أحيى الموتى بإذنك فأحى العازر. فقام العازر وأوداجه تقطر. فخرج من قبره وبقى وولد له. قالوا: ومرّ عيسى ﵇ برجل جالس على قبر وكان يكثر المرور به فيجده جالسا عنده، فقال له: يا عبد الله، أراك تكثر القعود على هذا القبر. فقال: يا روح الله، امرأة كانت لى وكان من جمالها وموافقتها كيت وكيت ولى عندها وديعة. فقال عيسى: أتحبّ أن أدعو الله تعالى فيحييها؟ قال نعم. فتوضّأ عيسى وصلّى ركعتين ودعا الله فإذا أسود قد خرج من القبر كأنه جذع محترق. فقال له: ما أنت؟ قال: يا رسول الله أنا فى عذاب منذ أربعمائة سنة، فلما كانت هذه الساعة قيل لى أجب فأجبت. ثم قال: يا رسول الله، قد مرّ علىّ من أليم العذاب ما إن ردّنى الله الى الدنيا أعطيته عهدا ألّا أعصيه، فادع الله لى. فرقّ له عيسى ودعا الله ثم قال له: امض، فمضى. فقال صاحب القبر: يا رسول الله، لقد غلطت بالقبر، إنما قبرها هذا. فدعا عيسى ﵇، فخرج من ذلك القبر امرأة شابّة جميلة. فقال له عيسى: أتعرفها؟ قال: نعم هذه امرأتى. فدعا عيسى حتى ردّها الله عليه. فأخذ الرجل بيدها حتى انتهيا الى شجرة فنام تحتها ووضع رأسه فى حجر المرأة. فمرّ بهما ابن ملك فنظر اليها ونظرت اليه وأعجب كل
следующие страницы →