Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
الناس إلى الله ، ويرغّبهم فيما عنده، ويزهّدهم فى الدنيا ويضرب لهم أمثالا، ويداوى المرضى والزّمنى «١» ، ويبرئ الأكمه والأبرص. فأحبّه الناس وسكنوا إليه، وكثرت أتباعه حتى امتنع وعلا أمره. ثم أحيا الموتى بإذن الله تعالى.
قالوا: وربما اجتمع عليه من المرضى والزّمنى فى الساعة الواحدة خمسون ألفا، فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يقدر على ذلك أتاه عيسى يمشى إليه. وإنما كان يداويهم بالدعاء بشرط الإيمان.
ذكر خبر الحواريّين «٢» حين اتبعوا عيسى ﵇ وآمنوا به
قال الكسائىّ ﵀: ومرّ عيسى على قوم يصيدون السمك وهم أربعة:
شمعون، وأخ له اسمه أندريوس، ويعقوب، ويوحنّا. فوعظهم وزهّدهم فى الدنيا ووعدهم الجنة ونعيمها فآمنوا به واتّبعوه. قال: ومرّ بطائفة أخرى فوجدهم على نهر يغسلون الثياب، منهم لوقا، وتوما، ومرقوس، ويوحنّا، وأخوان لهم صبيّان لم يبلغا الحلم، أحدهما شمعون والآخر يعقوب، وقيل فى أسمائهم غير هذا. والله تعالى أعلم.
فقال لهم عيسى: يا قوم، إنكم تقصّرون هذه الثياب وتنظّفونها من أوساخها، فلم لا تفعلون ذلك مع قلوبكم!. ثم قال لهم: إنّى رسول الله إليكم جميعا، وبشرّهم برسول الله ﷺ فقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «٣»
стр. 4727
قال: فآمنوا به واتّبعوه، وكانوا كلهم اثنى عشر رجلا، أربعة منهم كانوا يصيدون السمك، وثمانية يقصّرون الثياب. وكان من القصّارين رجل أسفل النهر يقال له يوذا «١» لم يسمع كلام عيسى. فلمّا رأى أصحابه اتّبعوه لحق بهم، وهو الذى ارتدّ بعد ذلك ودلّ اليهود على عيسى، فصاروا به قبل ارتداده ثلاثة عشر.
ذكر الخصائص والآيات والمعجزات التى أظهرها الله تعالى على يد عيسى ﵇ بعد مبعثه
قال الله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي «٢»
الآيات. قوله تعالى:
اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ
قال الحسن: ذكر النعمة: شكرها، وأراد بقوله: نِعْمَتِي
نعمى، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «٣»
. ثم ذكر تعالى النعم فقال:
إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
وقال: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ «٤»
. واختلفوا فى روح القدس ما هو؟ فقال الربيع بن أنس: هو الرّوح الذى نفخ فيه، أضافه سبحانه الى نفسه
стр. 4728
تكرّما وتخصيصا، نحو: بيت الله، وناقة الله. والقدس: هو الله تعالى يدلّ عليه قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ
وقوله تعالى: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «١»
. وقال آخرون:
أراد الله تعالى بالقدس: الطهارة، يعنى الروح الطاهرة، سمّى روحه قدسا لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة إنما كان أمرا من الله تعالى. وقال السّدّىّ وكعب:
روح القدس هو جبريل، وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان رفيقه وقرينه يوحى اليه ويعينه ويسير معه حيثما سار الى أن صعد به الى السماء. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم، وبه كان يحيى الموتى ويرى الناس تلك العجائب.
وقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ
يعنى الخطّ، وَالْحِكْمَةَ
يعنى العلم والفهم.
وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
كان يقرؤهما من حفظه. وقوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي
. قوله: تَخْلُقُ
أى تجعل وتصوّر وتقدّر مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
أى كصورة الطير. فكان عيسى يصوّر من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرا بإذن الله تعالى. قالوا: ولم يخلق غير الخفّاش.
وانما خص بالخفّاش لأنها أكمل الطير خلقا، فتكون أبلغ فى القدرة، لأن لها ثديا وأسنانا، وهى تلد وتحيض وتطهر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى، وليعلم أنّ الكمال لله . وقوله تعالى: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي.
الأكمه: الذى ولد أعمى ولم ير الضوء قط. قالوا: ولم يكن فى الإسلام أكمه غير قتادة. والأبرص: الذى به وضح، وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ، فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.
стр. 4729
قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: يروى أنّ عيسى ﵇ مرّ بدير فيه عميان، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم طلبوا للقضاء فطمسوا أعينهم بأيديهم.
فقال لهم: ما دعاكم الى هذا؟ فقالوا: خفنا عاقبة القضاء فصنعنا بأنفسنا ما ترى.
فقال: أنتم العلماء والحكماء والأحبار والأفاضل، امسحوا بأيديكم أعينكم وقولوا:
باسم الله. ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا يبصرون.
ذكر خبر سام بن نوح وغيره الذين أحياهم عيسى بإذن الله
قال الكسائىّ قال وهب: سألت طائفة من بنى إسرائيل عيسى بن مريم ﵇ أن يحيى لهم سام بن نوح وقالوا: أحى «١» لنا سام بن نوح ليكلّمنا وإلّا قتلناك، وإن فعلت آمنّا بك واتبعناك. فأوحى الله تعالى اليه: ناده ثلاث مرّات فإنه سيجيبك.
فقام عيسى على قبره وناداه ثلاث مرات: يا سام بن نوح قم بإذن الله، فقام فى الثلاثة وهو أشمط «٢» الرأس واللحية. فقال له عيسى: أهكذا متّ أبيض الرأس واللحية؟ قال: لا، ولكنىّ سمعت نداءك فخفت أن تكون القيامة فشمطت، وأخبر القوم بما أرادوه وكلمهم، ثم ردّه عيسى الى قبره، وما آمن بعيسى منهم إلّا قليل.
стр. 4730
قالوا: وممن أحياه عيسى بن مريم العازر، وكان صديقا له، فأرسل أخته الى عيسى إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبين أن يصل إليه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا الى قبره، فانطلقت معهم الى قبره وهو فى صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهمّ ربّ السموات السبع والأرضين السبع إنك أرسلتنى الى بنى إسرائيل أدعوهم الى دينك وأخبرتهم أنى أحيى الموتى بإذنك فأحى العازر. فقام العازر وأوداجه تقطر. فخرج من قبره وبقى وولد له.
قالوا: ومرّ عيسى ﵇ برجل جالس على قبر وكان يكثر المرور به فيجده جالسا عنده، فقال له: يا عبد الله، أراك تكثر القعود على هذا القبر. فقال:
يا روح الله، امرأة كانت لى وكان من جمالها وموافقتها كيت وكيت ولى عندها وديعة. فقال عيسى: أتحبّ أن أدعو الله تعالى فيحييها؟ قال نعم. فتوضّأ عيسى وصلّى ركعتين ودعا الله فإذا أسود قد خرج من القبر كأنه جذع محترق. فقال له: ما أنت؟ قال: يا رسول الله أنا فى عذاب منذ أربعمائة سنة، فلما كانت هذه الساعة قيل لى أجب فأجبت. ثم قال: يا رسول الله، قد مرّ علىّ من أليم العذاب ما إن ردّنى الله الى الدنيا أعطيته عهدا ألّا أعصيه، فادع الله لى. فرقّ له عيسى ودعا الله ثم قال له: امض، فمضى. فقال صاحب القبر:
يا رسول الله، لقد غلطت بالقبر، إنما قبرها هذا. فدعا عيسى ﵇، فخرج من ذلك القبر امرأة شابّة جميلة. فقال له عيسى: أتعرفها؟ قال: نعم هذه امرأتى.
فدعا عيسى حتى ردّها الله عليه. فأخذ الرجل بيدها حتى انتهيا الى شجرة فنام تحتها ووضع رأسه فى حجر المرأة. فمرّ بهما ابن ملك فنظر اليها ونظرت اليه وأعجب كل
стр. 4731
واحد منهما بصاحبه، فأشار اليها فوضعت رأس زوجها على الشجرة واتّبعت ابن الملك. فاستيقظ زوجها ففقدها وطلبها فدلّ عليها، فأدركها وتعلّق بها وقال:
امرأتى، وقال الفتى: جاريتى. فبينما هم كذلك إذ طلع عيسى فقال الرجل: هذا عيسى وقصّ عليه القصّة. فقال لها عيسى: ما تقولين؟ قالت: أنا جارية هذا ولا أعرف هذا. فقال لها عيسى: ردّى علينا ما أعطيناك. قالت: قد فعلت.
فسقطت مكانها ميّتة. فقال عيسى: هل رأيتم رجلا أماته الله كافرا ثم بعثه فآمن!.
وهل رأيتم امرأة أماتها الله مؤمنة ثم أحياها فكفرت!.
قالوا: ومرّوا بميّت على سرير، فدعا عيسى الله تعالى، فجلس الميّت على السرير ونزل عن أعناق الرجال ولبس الثياب وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله وبقى وولد له.
وممن أحياه عيسى بإذن الله تعالى ابنة العازر، قيل له: أتحييها وقد ماتت بالأمس! فدعا الله ، فعاشت وبقيت وولدت.
قال الكسائىّ: وسأل بنو إسرائيل عيسى ﵇ أن يحيى لهم عزيرا، فقال: التمسوا قبره فالتمسوه، فوجدوه فى صندوق من حجر، فعالجوه ليفتحوا بابه فلم يستطيعوا ذلك. فرجعوا الى عيسى وأخبروه أنهم عجزوا أن يخرجوه من قبره، فأعطاهم ماء فى إناء وقال: انضحوه بهذا الماء فإنه ينفتح. فانطلقوا ونضحوه بالماء فانفتح طابقه. فأقامه عيسى فى أكفانه فنزعها عنه، ثم جعل ينضح جسده بالماء ولحمه ينبت وشعره وهم ينظرون. ثم قال عيسى: يا عزير احى بإذن الله، فإذا هو جالس. فقالوا: ما شهادتك على هذا الرجل؟ فقال عزير: أشهد أنه روح الله وكلمته ألقاها الى مريم وأنه عبد الله ونبيّه وابن أمته. قالوا: يا عيسى، ادع ربك يحييه لنا فيكون بين أظهرنا. فقال عيسى: ردّوه الى قبره فإنه انقطع رزقه وانقضى أجله، فردّوه الى قبره.
стр. 4732
ومن معجزاته ﵇ إخباره عن الغيوب
قال الله إخبارا عنه: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١»
. قالوا: لما أبرأ عيسى ﵇ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله قالوا له: إنك تزعم أنك تخبرنا بما نأكل فى بيوتنا وما ندّخر. قال نعم. قالوا: فإنّا نجمع خيارنا وأحبارنا ورهباننا فنأمرهم أن يأكلوا ويدّخروا فى بيوتهم ثم نأتيك فتخبرنا. قال نعم. فانطلقوا الى بيوتهم وأكلوا وادّخروا وأقبلوا اليه من الغد، وسأله كل رجل منهم وهو يخبره بما أكل وادّخر.
ومما أخبر به عيسى ﵇ من المغيّبات قصّة ابن العجوز. وكان من خبره ما حكاه أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀ أن عيسى ﵇ مرّ فى سياحته بمدينة ومعه الحواريّون، فقال: إنّ فى هذه المدينة كنزا، فمن يذهب فيستخرجه؟.
قالوا: يا روح الله، لا يدخل هذه القرية غريب إلّا قتلوه. فقال لهم: مكانكم حتى أعود اليكم، ومضى حتى دخل المدينة فوقف بباب فقال: السلام عليكم يأهل الدار، غريب أطعموه. فقالت له امرأة عجوز: أما ترضى أن أدعك لا أذهب بك الى الوالى حتى تقول أطعمونى شيئا!. فبينا عيسى بالباب إذ أقبل ابن العجوز فقال له عيسى: يا عبد الله، أضفنى ليلتك هذه. فقال له الفتى مثل مقالة العجوز.
فقال له عيسى: أما إنك لو فعلت ذلك زوّجتك بنت الملك. فقال له الفتى:
إمّا أن تكون مجنونا، وإمّا أن تكون عيسى بن مريم. قال: أنا عيسى. فأضافه وبات عنده. فلّما أصبح قال له: اغد وادخل على الملك وقل له: جئت أخطب ابنتك فإنه سيأمر بضربك وإخراجك. فمضى الفتى حتى دخل على الملك وقال له:
стр. 4733
جئت أخطب إليك ابنتك، فأمر به فضرب وأخرج. ورجع الفتى إلى عيسى فأخبره، فقال له: إذا كان الغد فاذهب إليه واخطب إليه فإنه ينالك بدون ذلك.
ففعل ما أمره عيسى، فضربه الملك دون ذلك. فرجع الى عيسى فأخبره، فقال:
إرجع اليه واخطبها فإنه سوف يقول لك: إنى أزوّجك إياها على حكمى، وحكمى قصر من ذهب وفضّة، وما فيه من فضّة وزبرجد، فقل له: أفعل ذلك. فاذا بعث معك فاخرج فإنك سوف تجده فلا تحدث فيه شيئا. فدخل عليه فخطب اليه، فقال: تصدقها حكمى؟ فقال: وما حكمك؟ فحكم الذى سمّى [له «١» ] عيسى.
فقال له: نعم، ابعث من يقبض ذلك. فبعث معه [قوما «٢» ] ، فدفع إليهم ما سأله الملك. فعجب الملك من ذلك وسلّم اليه ابنته. فتعجّب الفتى وقال لعيسى: يا روح الله، تقدر على مثل هذا وأنت على مثل هذه الحال!. قال عيسى: لأننى آثرت ما يبقى على هذا الفانى. فقال الفتى: وأنا أدعه وأصحبك. فتخلّى من الدنيا واتّبع عيسى. فأخذ بيده وأتى أصحابه وقال: هذا هو الكنز الذى قلت لكم. فكان ابن العجوز مع عيسى حتى مات. والله أعلم.
ذكر خبر يجمع عدّة معجزات من معجزات عيسى ﵇
حكى أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀ قال وهب: خرج عيسى ﵇ يسيح فى الأرض، فصحبه يهودىّ، وكان مع اليهودىّ رغيفان، ومع عيسى رغيف. فقال له عيسى: تشاركنى فى طعامك؟ قال اليهودىّ نعم. فلمّا رأى اليهودىّ أنّ عيسى ليس معه إلا رغيف واحد ندم. فقام عيسى الى الصلاة فأكل اليهودىّ رغيفا.
فلما قضى عيسى صلاته قدّما طعامهما، فقال عيسى لليهودىّ: أين الرغيف الآخر؟
стр. 4734
فقال: ما كان إلّا رغيف واحد، فأكل عيسى رغيفا وصاحبه رغيفا، ثم انطلقا فجاءا الى شجرة، فقال عيسى لصاحبه: لو أننا بتنا تحت هذه الشجرة!. فناما ثم أصبحا.
فانطلقا فلقيا أعمى، فقال له عيسى: أرأيت إن عالجتك حتى ردّ الله عليك بصرك هل تشكره؟ قال نعم. فمسّ عيسى ﵇ بصره ودعا الله تعالى فإذا هو صحيح.
فقال عيسى لليهودىّ: بالذى أراك الأعمى بصيرا كم كان معك من رغيف؟ فقال:
والله ما كان إلّا رغيف واحد، فسكت عيسى عنه. ومرّا فإذا هما بمقعد، فقال له عيسى: أرأيت إن عالجتك فعافاك الله تعالى هل تشكره؟ قال بلى. فدعا الله عيسى فإذا هو صحيح قائم على رجليه. فقال صاحب عيسى: ما رأيت مثل هذا قط!. فقال عيسى: بالذى أراك الأعمى بصيرا والمقعد صحيحا، من صاحب الرغيف الثالث؟
فحلف له اليهودىّ ما كان معه إلّا رغيف واحد، فسكت عيسى. وانطلقا حتى انتهيا الى نهر عجّاج جرّار، فقال عيسى: لا أرى جسرا ولا سفينة، فخذ بحجزتى «١» من ورائى وضع قدمك موضع قدمى، ففعل ومشيا على الماء. فقال له عيسى: بالذى أراك الأعمى بصيرا والمقعد صحيحا وسخّر لك هذا البحر حتى مشيت عليه، من صاحب الرغيف الآخر؟ فقال: لا والله ما كان إلّا رغيف واحد، فسكت عيسى. وانطلقا فإذا هما بظباء يرعين، فدعا عيسى بظنى فأتاه فذبحه وشوى منه بعضا وأكلاه، ثم ضرب عيسى بقية الظبى بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا الظبى يعدو. فقال الرجل: سبحان الله!. فقال عيسى: بالذى أراك هذه الآية، من صاحب الرغيف الآخر؟ فقال: ما كان إلّا رغيف واحد. فانطلقا فمرّا بصاحب بقر، فنادى عيسى:
يا صاحب البقر، اجزر لنا من بقرك هذه عجلا. قال: ابعث صاحبك يأخذه.
فانطلق اليهودىّ فجاء به، فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر إليه. فقال له عيسى:
стр. 4735
كل ولا تكسر له عظما، ففعل. فلمّا فرغ قذف بعظامه فى جلده وضربه بعصاه وقال: قم بإذن الله تعالى، فقام العجل وله خوار. فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك. قال: ويحك! من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: عيسى السحّار! ثم فرّ منه. فقال عيسى لصاحبه: بالذى أحيا لك العجل، كم كان معك من رغيف؟
قال: ما كان معى إلا رغيف واحد، فسكت عيسى. ومضيا حتى دخلا قرية، فنزل عيسى فى أسفلها واليهودىّ فى أعلاها، فأخذ اليهودىّ عصا عيسى وقال: أنا الآن أبرئ المرضى وأحيى الموتى. قال: وكان ملك تلك المدينة مريضا مدنفا.
فانطلق اليهودىّ ينادى: من يبتغى طبيبا، حتى أتى قصر الملك، فأخبر بوجعه، فقال:
أدخلونى عليه فأنا أبرئه، وإن لقيتموه قد مات فأنا أحييه. فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيا الأطبّاء قبلك، فليس من طبيب يداويه ولا يشفيه إلّا صلبه. فقال:
أدخلونى عليه، فأدخلوه فضرب الملك بعصاه فمات. فجعل يضربه بالعصا وهو ميّت ويقول: قم بإذن الله. فأخذ ليصلب. فبلغ ذلك عيسى، فأقبل اليه وقد رفع على الخشبة، فقال لهم: أرأيتم إن أحييت لكم الملك أتتركون لى صاحبى؟ قالوا نعم.
فدعا الله تعالى ﵇ فأحياه وقام وأنزل اليهودىّ من الخشبة، فقال: يا عيسى، أنت أعظم الناس على منّة، والله لا أفارقك أبدا. فقال له عيسى: أنشدك الله الذى أحيا الظبى والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد ما صلبت، كم كان معك من رغيف؟ قال: والله ما كان معى إلّا رغيف واحد، قال: لا بأس. ثم انطلقا حتى أتيا قرية عظيمة خربة فيها كنز وفيها ثلاث لبنات من ذهب. فقال الرجل لعيسى: هذا المال لك؟ فقال: أجل! واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة للذى أكل الرغيف الثالث. فقال اليهودىّ: أنا والله أكلته وأنت تصلى.
فقال عيسى: هى لك كلها. فانطلق عيسى وتركه قائما ينظر وهو لا يستطيع أن
стр. 4736
يحمل واحدة منهنّ، وكلما أراد أن يحمل واحدة ثقلت عليه. فقال له عيسى: دعه فإنّ له أهلا يهلكون عليه. فجعلت نفس اليهودىّ تطلّع إلى المال ويكره أن يعصى عيسى ويعجز عن حمله. فانطلق مع عيسى، فبينما هما كذلك إذ مرّ بالمال ثلاثة نفر فأقاموا عليه. فقال اثنان منهما لصاحبهما: انطلق إلى أهل هذه القرية «١» فأتنا بطعام وشراب ودوابّ نحمل هذا المال عليها. فلمّا ذهب صاحبهما قال أحدهما للآخر:
هل لك أن نقتله إذا رجع ونقتسم المال فيما بيننا؟ قال نعم. وقال الذى ذهب فى نفسه: هو ذا أجعل فى الطعام سمّا فإذا أكلاه ماتا ويصير المال كله إلىّ، ففعل ذلك. فلمّا رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا. ومرّ عيسى ﵇ بهم وهم موتى حوله، فقال: هكذا تصنع الدنيا بأهلها، فأحياهم بإذن الله ، فاعتبروا ومرّوا ولم يأخذوا من المال شيئا. فتطّلعت نفس اليهودىّ صاحب عيسى إلى المال فقال: أعطنى المال. فقال له عيسى: خذه فهو حظّك من الدنيا والآخرة. فلمّا ذهب اليهودىّ ليحمله خسف الله تعالى به الأرض، وانطلق عيسى ﵇.
ذكر خبر المائدة التى أنزلها الله من السماء
قال وهب: وسأل بنو إسرائيل عيسى بن مريم ﵇ أن ينزل عليهم مائدة من السماء. قال الله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢»
وقرأ علىّ وعائشة وسعيد بن جبير ومجاهد رضى الله عنهم «هل تستطيع ربّك» (بالتاء المثناة من أعلاها ونصب الباء الموحدة فى ربك) واختاره الكسائىّ وأبو عبيد
стр. 4737
على معنى هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأل ربك. قالوا: لأنّ الحوارييّن لم يكونوا شاكّين فى قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون «يستطيع ربّك» (بالياء المثناة من تحتها ورفع الباء) وقالوا: إنهم لم يشكّوا فى قدرة الله تعالى وإنما معناها هل ينزل أم لا، كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معى وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر فقالوا: غلط القوم وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى ﵇ استعظاما لقولهم: «اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين» معناه أن تشكّوا فى قدرة الله أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان. وقيل: قال لهم:
اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم. قالوا: إنما سألنا لأنّا نريد أن نأكل منها فنستيقن قدرته وتطمئنّ وتسكن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله، ونكون عليها من الشاهدين، فنقرّ لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالرسالة والنبوّة.
وقيل: ونكون عليها من الشاهدين لك عند بنى إسرائيل إذا رجعنا إليهم. قال الكسائىّ: فأمرهم عيسى بصيام ثلاثين يوما وأنّ الله بعد ذلك يطعمهم وينزلها عليهم. فصاموا حتّى تمّ الأجل، فقام عيسى وصلّى وسأل الله تعالى وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «١»
. قال قوله: عِيداً
أى عائدة من الله علينا وحجة وبرهانا.
والعيد اسم لما أعدته وعاد إليك من كل شىء؛ ومنه قيل ليوم الفطر ويوم الأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقوله: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
. قال الثعلبىّ: يعنى لأهل زماننا ولمن يجىء من بعدنا. وقرأ زيد بن ثابت: «لأولانا وأخرانا «٢» » .
стр. 4738
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: يعنى يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم. وَآيَةً مِنْكَ
دلالة وحجة. قال الله مجيبا لعيسى ﵇: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
. وقرأ أهل الشام وقتادة وعاصم «منزّلها» بالتشديد لأنها نزلت مرّات، والتفعيل يدل على التكثير مرّة بعد مرّة. وقال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
أى يكفر بعد نزول المائدة فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ «١»
أى عالمى زمانهم. قال: فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
قال الثعلبىّ: واختلف العلماء فى المائدة، هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد:
ما نزلت مائدة، وهذا مثل ضرب. وقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، إنّ القوم لمّا سمعوا الشرط وقيل لهم: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
. استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. قال أبو إسحاق الثعلبىّ: والصواب أنها نزلت، لقوله :
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
ولا يقع فى خبره الخلف ولتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وغيرهم من علماء الدين فى نزولها. قال كعب: أنزلت يوم الأحد، فلذلك أتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا فى صفتها وكيفية نزولها، فحكى الكسائىّ عن وهب قال: أنزل الله تعالى على عيسى مكتلا «٢» فيه ثلاث سمكات مشويّات ليس لها شوك ولا قشر وثلاثة أرغفة، والملائكة تحملها حتى وضعوها بين يدى عيسى. قال: وقد قيل: إنّ المائدة كانت سفرة «٣» من الأدم الأحمر، وكان فيها سمكة واحدة مشويّة وحولها الخضر
стр. 4739
والبقول، وعند رأسها خلّ، وعند ذنبها ملح وخمسة أرغفة على كل منها زيتون، وخمس رمّانات وثمرات. وقال الثعلبىّ فى تفسيره: روى قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمّار بن ياسر عن النبىّ ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما «١» » . وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، فقيل لهم: إنّها مقيمة لكم مالم تخونوا أو تخبئوا أو ترفعوا، فإن فعلتم ذلك عذّبتم. قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا. وقال إسحاق بن عبد الله: إنّ بعضهم سرق منها وقال:
لعلها لا تنزل أبدا، فرفعت ومسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما: إنّ عيسى بن مريم ﵇ قال لبنى إسرائيل: «صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله تعالى ما شئتم يعطكم» . فصاموا ثلاثين يوما، فلمّا فرغوا قالوا: يا عيسى، إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما، وإنّا قد صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ففعل. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات «٢» حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وروى عطاء بن السائب عن راذان وميسرة قالا: كانت المائدة اذا وضعت لبنى إسرائيل اختلف عليهم الأيدى من السماء بكل طعام إلّا اللحم. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم: أنزل على المائدة كل شىء إلّا الخبز واللحم. قال عطاء: أنزل عليها كل شىء إلا السمك واللحم. وقال عطيّة العوفى:
نزل من السماء سمكة فيها طعم كل شىء. وقال عمّار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبّه: أنزل الله تعالى
стр. 4740
أقرصة من شعير وحيتانا. فقيل لوهب: ما كان ذلك يغنى عنهم؟ قال:
لا شىء، ولكنّ الله أضعف لهم البركة، فكان قوم يأكلون ويخرجون ويجىء الآخرون فيأكلون ويخرجون، حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال الكلبىّ ومقاتل: استجاب الله تعالى لعيسى ﵇ فقال: إنى منزّلها عليكم كما سألتم، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا. فدعا شمعون الصّفا وكان أفضل الحواريّين فقال: هل معك طعام؟ قال:
نعم معى سمكتان وسبعة أرغفة. قال: قدّمها. فقطعهنّ عيسى ﵇ قطعا صغارا ثم قال: اقعدوا فى روضة وترفّقوا رفاقا، كل وفقة عشرة. ثم قام عيسى ﵇ ودعا الله تعالى فاستجاب الله له ونزّل فيها البركة، فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا. ثم قام عيسى فجعل يلقى فى كل رفقة ما حملت أصابعه، ثم قال: كلوا باسم الله، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله وفضل منه، والناس خمسة آلاف ونيّف. فقال الناس جميعا: نشهد أنك عبد الله ورسوله. ثم سألوه مرّة أخرى، فدعا الله تعالى، فأنزل الله خبزا وسمكا، خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها ما صنع فى المرّة الأولى. فلمّا رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدها، وقالوا لهم: ويحكم! إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله تعالى به الخير ثبّته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره. فمسخوا خنازير وليس فيهم صبىّ ولا امرأة. فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا.
وقال كعب: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيّة حيث كانوا كالمنّ والسّلوى لبنى إسرائيل. وقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبى رباح عن سلمان الفارسىّ قال: لمّا سأل الحواريّون عيسى
стр. 4741
ابن مريم أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
الآية، وارزقنا عليها طعاما نأكله، وارزقنا وأنت خير الرازقين. فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهى تهوى منقضّة حتى سقطت بين أيديهم. فبكى عيسى وقال: «اللهمّ اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ومثلة «١» » والشهود ينظرون إليها، ينظرون الى شىء لم يروا مثله قطّ، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه. فقال عيسى ﵇: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها.
فقال شمعون الصّفا رأس الحواريّين: أنت أولى بذلك منّا. فقام عيسى ﵇ فتوضّأ وصلّى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيرا وكشف المنديل عنها وقال:
باسم الله خير الرازقين، فاذا هو بسمكة مشويّة ليس عليها فلوسا ولا شوك تسيل سيلا «٢» من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خلّ، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكرّاث؛ وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثانى عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. قالوا: فلمّا استقرّت بين يدى عيسى قال شمعون رأس الحواريّين: أنت أولى يا روح الله، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى ﵇: ليس شىء مما ترون. ولكنّه شىء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله.
قال الحواريّون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى! فقال عيسى: يا سمكة احيى بإذن الله. فاضطربت السمكة وعادت عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها. فقال عيسى: ما لكم تسألون أشياء اذا أعطيتموها كرهتموها،
стр. 4742
ما أخوفنى عليكم أن تعذّبوا! يا سمكة عودى كما كنت بإذن الله تعالى. فعادت السمكة مشويّة كما كانت. فقالوا: يا روح الله، كن أوّل من يأكل منها ثم نأكل نحن.
فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها. فدعا عيسى ﵇ أهل الزّمانة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء. وفى رواية: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واذكروا اسم الله. فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان يتجشّأ «١» ، ثم نظر عيسى ﵇ الى السمكة فاذا هى كهيئتها حين نزلت من السماء. ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم. فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صحّ، ولا مريض إلا برأ، ولا مبتلى إلّا عوفى، ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنيّا حتى مات؛ وندم الحواريّون ومن لم يأكل منها إذ لم يأكلوا منها. وكانت اذا نزلت اجتمع الفقراء والأغنياء والصغار والكبار والرجال والنساء فيزدحمون عليها.
فلمّا رأى عيسى ذلك جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى اذا فاء الفىء طارت صعدا وهم ينظرون الى ظلها حتى تتوارى عنهم. وكانت تنزل غبّا، تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة صالح. وأوحى الله الى عيسى أن اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكّوا وشكّكوا الناس فيها وقالوا: أترون المائدة حقّا نزلت من السماء! فقال عيسى: هلكتم تجهزّوا لعذاب الله. فأوحى الله تعالى الى عيسى ﵇: إنى شرطت على المكذّبين شرطا أنّ من كفر بعد نزولها عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: «إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم
стр. 4743
فإنك أنت العزيز الحكيم» . فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا. وقال الكسائىّ عن وهب: مسخ منهم خمسة آلاف وخمسمائة، فباتوا على فرشهم مع نسائهم فى ديارهم، فأصبحوا خنازير يسعون فى الطّرقات والكناسات ويأكلون العذرة. فلمّا رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى ﵇، وبكى على الممسوخين أهلوهم. ولما أبصرت الخنازير عيسى ﵇ بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم واحدا واحدا فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وهؤلاء الذين لعنوا على لسان عيسى كما قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ «١»
الآية.
ذكر ما قالته الشياطين الثلاثة فى عيسى بن مريم واتبعهم الناس بعدهم
قال الكسائىّ قال وهب: جاء إبليس الى عيسى ﵇ هو وأصحاب له على صور رجال ذوى هيئة وشيبة وعيسى يقول لبنى إسرائيل: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ «٢»
الآية. فقال إبليس: أتخلق وتشفى المرضى وتحيى الموتى وتنبئنا بالغيب؟
قال عيسى نعم. قال إبليس: هذا الله ! يأيها الناس فانظروا اليه، فإنه نزل اليكم ليريكم قدرته. فقال أحد أصحاب إبليس: بئسما قلت يا شيخ! أخطأت وجرت وقلت قولا عظيما، أتزعم أنّ الله يتجلّى لخلقه لينظروا الى قدرته! وهل ينبغى لخلقه أن ينظروا اليه أو يسمعوا كلامه أو يقوموا لرؤيته! لا، ولكنّه ابن الله وليس هو الله. فقال الثالث: كلا كما قال شططا وأخطأ وجار وقال قولا عظيما، وهل ينبغى لله أن يتخذ صاحبة يكون له منها ولد! وهل ينبغى لولد هو من الله
стр. 4744
أن تستقلّ به قوّة امرأة ويسعه رحمها! ولكنّه إله مع الله وليس بولد لله وليس بالله كما قلتما. قال: فتفرّقوا على ذلك ونطق الناس بقولهم، فصار ذلك كلام النصارى. قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ «١» *.
وقال تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ «٢»
. وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ «٣» .
ذكر خبر إبليس حين عارض عيسى ﵇ وما خاطبه به وجوابه
قال وهب: ثم جاء إبليس الى عيسى بن مريم فعارضه فى عقبة»
من عقاب الأرض المقدّسة يقال لها عقبة فيق: فقال له: أنت المسيح بن مريم؟ قال عيسى: أنا المسيح عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبد الله وابن أمّته. فقال له إبليس: فأنت إله الأرض. قال: بل إله الأرض ربّى. قال: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيّتك أن تكلّمت فى المهد صبيّا. قال: بل العظمة للذى أنطقنى فى صغرى. قال: بل فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيكون طيرا. قال عيسى: بل العظمة للذى خلقنى وخلق ما سخّر لى. قال: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيّتك أنك تشفى المرضى. قال عيسى: بل العظمة للذى بإذنه شفيتهم وإن شاء أمرضنى. قال إبليس: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيى الموتى. قال عيسى: بل العظمة للذى بإذنه أحييهم، ولا بدّ أنه سميت من أحييت ويميتنى. قال: فأنت الذى بلغ من
стр. 4745
عظم ربوبيّتك أنك تعبر البحر فلا تبتّل قدماك ولا ترسخ فيه. قال: بل العظمة للذى ذلّله. قال: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيّتك أنك تعلم الغيب. قال:
بل العظمة لعالم الغيب والشهادة، لست أعلم إلا ما علّمنى. قال: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيّتك أنك كوّنت من غير أب. قال: بل العظمة للذى كوّننى وكوّن آدم وحوّاء من قبلى. قال: فأنت الذى بلغ من عظم ربوبيّتك أنك سيأتى عليك يوم تعلو فيه الخلائق كلها، فتكون السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهنّ دونك، وأنت فوق ذلك كلّه تدبّر الأمر وتقسم الأرزاق. قال: فأعظم عيسى قوله وضاق به ذرعا وسبّح إعظاما لما قال إبليس. قال: فأتاه جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب يلطم منها على وجهه فلا يملك من نفسه شيئا حتى وقع بالخافق الأقصى، ثم نهض بالذى أعطاه الله من القوّة فسبق عيسى إلى أسفل العقبة فسدّها وملأ كل ثلمة وطريق، ثم قال لعيسى: لقد غضبت غضب إله عظيم، وقد أخبرتك بأنك إله وما أنت من البشر، ولو كنت من البشر ما قمت «١» ، منذ فارقتك، أربعين ليلة لم تطعم ولم تشرب ولم تنم ولم يضرع «٢» لذلك جسمك، وهذا ما لا ينبغى لبشر. قال عيسى:
إنّ جسدى ليألم مما يألم منه البشر، وإنى لأطعم وأشرب وأنام وأغفل وأفرح وأحزن وأجزع وأهلع وأحتاج إلى أن أتنظّف بالماء وكيف تزعم أنى إله وأنت تعلم أنى هكذا!. ولم يزل إبليس لعنه الله يحاوره حتى عرض عليه أن يأمر الشياطين بعبادته والاعتراف بربوبيته. فضاق عيسى ذرعا وسبّح لله تعالى فقال: «سبحان الله عما يقول وبحمده، ملء سمائه وأرضه، وعدد خلقه، ورضا نفسه، ومبلغ علمه، ومنتهى كلماته، وزنة عرشه» . فهبط جبريل وميكائيل وإسرافيل، فنفخه ميكائيل نفخة ذهب منها نحو مطلع الشمس حتى صدم عين الشمس عند طلوعها، فخرّ
стр. 4746
حصيدا محترقا، فأتبعه إسرافيل فنفخه نحو مغرب الشمس فانطلق لا يملك من نفسه شيئا حتى حاذى عيسى فقال: يابن مريم، لقد لقيت منك تعبا. ومرّت به النفخة حتى وقع فى العين الحامية التى تغرب الشمس فيها، فلبث سبعة أيام وسبع ليال، متى أراد الخروج منها غطّته الملائكة بأجنحتها، فما رام عيسى بعد ذلك. والله أعلم.
ذكر خبر عيسى مع اليهود حين ظفروا به وأرادوا صلبه وقتله
قال وهب: لمّا أوحى الله إلى عيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «١»
جزع من الموت جزعا شديدا وقال للحواريّين: هذا الزمان الذى يقبض الله فيه الراعى ثم تفرّق الرعيّة من بعده، فعرفوا أنه يعنى نفسه، فبكوا وجزعوا، فقال:
لا تبكوا من حزن الفراق. فسترون ما هو أشدّ منه، ولست مفارقكم حتى يظفر بى عدوّى ثم يأسروننى، فلا تدفعوا عنّى ولا تمنعوا. قال: وطلبه اليهود ليقتلوه فاستخفى منهم، فدلّهم عليه يوذا وهو الذى ارتدّ عنه، فأخذوه من غار جبل بيت لحم وجعلوا على رأسه إكليلا من الشّوك ليمثّلوا به، وجعلوا يلطمونه ويضربونه من خلفه ويقولون له: إن كنت نبيّا كما تزعم فامنع عن نفسك وادع ربك فليحل بيننا وبينك، وهو لا يكلّمهم حتى طلع الفجر، ونصبوا له خشبة ليصلبوه. فلمّا أرادوا أن يرفعوه عليها أظلم الجوّ ظلمة عظيمة لم تلبس الأرض مثلها، وأرسل الله الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه يوذا الذى دلّ عليه، وأشرقت الشمس وقلب الله قلوب الناس وأبصارهم فجعلوا ينظرون إلى يوذا فى صورة عيسى. قال الله تعالى:
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ «٢»
. قال: ولمّا رفعوا يوذا على الخشبة قال:
стр. 4747
يا هؤلاء، إنّى أذكّركم الله فى دمى، إنّى صاحبكم يوذا الذى دللتكم على عيسى. ثم أخبرهم خبر الظلمة وأنّ الملائكة حالوا بينهم وبين عيسى وجعلوه مكانه، وأخبرهم بعلامات يعرفونها. فلمّا سمعوا ذلك منه زادهم عليه غيظا وحنقا وقالوا: ما أعظم سحره! كيف اطّلع بسحره على سرّنا وما كنّا نطويه دونه! وقتلوه وهو صاحبهم.
ذكر خبر رفع عيسى ﵇ أوّل مرة وهبوطه إلى الأرض ووصيّته إلى الحواريّين ورفعه ثانيا
قال: رفع الله تعالى عيسى لثلاث ساعات مضت من النهار، فلبث فى السماء أيّاما، قيل سبعة أيام، وقيل أربعين يوما. والله أعلم. ثم قال الله له: إنّ أعداءك اليهود أعجلوك عن الوصيّة والعهد إلى أصحابك، فانزل اليهم واعهد لهم وأوصهم، وانزل على مريم المجدلانيّة «١» فإنها فى غار فى جبل الجليل. وكانت مريم المجدلانيّة من قرية من قرى أنطاكية يقال لها مجدل. وكانت من أوسط نساء بنى اسرائيل حسبا، وكانت أجمل نسائهم وأكثرهم مالا، وكانت تستحاض فلا تطهر أبدا وخطبها أشراف بنى إسرائيل وملوكهم وامتنعت من إجابتهم، فظنّوا أنّ ذلك ترفّعا منها، وإنما كان بسبب ما يعرض لها. فلمّا ظهر عيسى ﵇ وشاع ذكره أتته فى جملة المرضى ليشفيها، فخجلت أن تسأله لكثرة الناس حوله، فجاءت من ورائه فمسّته بيدها فزال عنها ما كانت تشكوه وطهرت وآمنت بعيسى، وأنفقت مالها فيما أمرها به من وجوه البرّ، وصارت فقيرة وتبتّلت وتخلّت للعبادة، وكانت تعدّ من أصحاب عيسى.
قال: وأمر الله تعالى عيسى أن يأمرها أن تجمع له الحواريّين، وأن يستخلف عليهم شمعون، وأن يفرّقهم دعاة إلى الله فى البلاد، وأن يخبرهم بالعلامة التى تأتيهم من الله. ثم أهبطه الله تعالى على مريم فاشتعل الجبل نورا، وأتته بالحواريّين، فبلّغهم
стр. 4748
رسالة ربهم، وقال: إن آية ذلك أن تأتيكم الملائكة فى ليلتكم هذه بمغارف فيها نور من نور الله، فكلّ من تناول مغرفة منها فليلحس النور الذى فيها فإنه يصبح وقد تكلّم بلغة القوم الذين بعث إليهم ويصبح وهو على باب مدينتهم. قال:
والليلة التى هبط عيسى فيها هى الليلة التى تدخّن فيها النصارى باللّبان. قال: فلمّا فرغ عيسى من وصيّته الى الحواريّين رفع بعد سبعة أيام، وتوفّاه الله تعالى لثلاث ساعات من النهار، ثم كساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه المطعم والمشرب وصار ملكيّا إنسيّا. قال وهب: برز عيسى ﵇ للناس يوم برز وهو ابن ثلاثين سنة، ولبث فيهم فى نبوّته وفيما كان الناس يرونه منه من العجائب والآيات ثلاث سنين، ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ عن أهل التاريخ أن الله تعالى أوحى الى عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وقد ورد فى الحديث ما يدلّ على أنه رفع وله مائة وخمس وعشرون سنة. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى آخر السيرة النبوية على ما تقف إن شاء الله عليه هناك.
ذكر وفاة مريم بنة عمران ﵍
قال الكسائىّ قال كعب: ماتت مريم بنة عمران أمّ عيسى ﵉ قبل رفعه، فدفنها فى مشاريق بيت المقدس. وحكى الثعلبىّ ﵀ أنها ماتت بعد رفع عيسى ﵉. وقال فى خبره: إنه لمّا صلب المشبّه بعيسى جاءت مريم ابنة عمران وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون يبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى ﵇ فقال لهما: على ماذا تبكيان؟ فقالتا عليك. فقال: إن الله تعالى رفعنى فلم يصبنى إلا خير، وإنّ هذا شىء شبّه لهم. ثم قال أيضا فى قصة
стр. 4749
وفاة مريم عن وهب: لمّا أراد الله تعالى أن يرفع عيسى ﵇ آخى بين الحواريّين وأمر رجلين منهما وهما شمعون ويوحنّا أن يلزما أمّه ولا يفارقانها، فانطلقا ومعهما مريم الى نيرون «١» ملك الروم يدعوانه الى الله ، وقد بعث الله اليه قبل ذلك بولس «٢» . فلمّا أتوه أمر بشمعون وبولس فقتلا وصلبا منكّسين، وهربت مريم ويوحنّا، حتى اذا كانا فى بعض الطريق لحقهما الطلب، فخافا فانشقت لهما الأرض فغابا فيها، فأقبل نيرون ملك الروم وأصحابه فحفروا ذلك الموضع فلم يجدوا شيئا فردّوا التراب على حاله، وعلموا أنه أمر من الله . فسأل ملك الروم عن حال عيسى فأخبر به فأسلم. وقد قيل فى إسلامه غير هذا، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 4750
الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار الحواريّين الذين أرسلهم عيسى ﵇ وما كان من أمرهم مع من أرسلوا اليه وخبر جرجيس
ذكر خبر أخبار الحواريّين
قال الكسائىّ قال وهب: وأصبح الحواريّون على أبواب المدائن التى بعثوا اليها، يتكلّم كل رجل منهم بلغة الأمة التى بعث اليها. فبعث الى أهل رومية رجلين من الحواريّين، وبعث إندراوس ولوقا الى أرض الحبشة، وبعث رجلا الى بابل، وبعث رجلا الى إفريقيّة، ورجلا الى أصحاب قرية الكهف، ورجلا الى بربر، ورجلين الى أنطاكية، ورجلا الى السّند والهند، وأقام شمعون مكانه وهو رأسهم، وأمروا أن يستظهروا به فيما يهمّهم.
ذكر خبر يوحنّا وبولس اللذين توجّها إلى إنطاكية
قال الكسائىّ: لمّا أصبح يوحنّا وبولس على باب إنطاكية دخلاها عند فتوح بابها، وملكها يومئذ مخلنطيس «١» بن مخلنطيس، وكان ظالما جبّارا متكبّرا، فلم يقدرا على الوصول اليه، وما أمكنهما أن يذكرا ما جاءا فيه مخافة أن يقتلا قبل أن يبلّغاه رسالة الله تعالى. فكانا كذلك مدّة، حتى شخص الملك من منزله الى مستنزه له فنادياه من بعيد بالإنذار. فلمّا سمع أصواتهما أرسل من يسمع مقالتهما فبلّغاه رسالة الله ؛ فأمر الملك بجلد كل منهما مائة جلدة وحلق رءوسهما حلق الشمامسة
стр. 4751
ليمثّل بهما، ثم أمر بهما الى السجن ليخلدا فيه. فأوحى الله تعالى الى شمعون بخبرهما وأمره بالانتصار لهما. فخرج حتى بلغ أنطاكية فدخلها، وتلطّف حتى صحب خواصّ الملك وبطانته وأنسوا به وذكروه للملك. ثم طرق السجن ليلا، وكان له باب من حديد طوله خمسون ذراعا وعرضه ثلاثون، وكان اذا فتح صرصر حتى يسمع صريره أقصاهم وأدناهم. فأرسل الله تعالى ملكا فاقتلع الباب من موضعه فلم يسمع له صوت، وألقى الله السّبات على أهل السجن وحرّاسه. فدخله شمعون، واجتمع بيوحنّا وبولس وبشّرهما عن الله بالثواب والخير وانصرف عنهما، وردّ الملك باب السجن الى موضعه. وكان شمعون يدخل مع الملك وأصحابه الى بيوت أصنامهم ويسجد لله ويبكى ويكثر العبادة وهم لا يشكّون أنه يعبد أصنامهم، فأحبّه الملك وقرّبه وسأله عن نسبه، فأخبره أنه من بنى إسرائيل وأنه بقيّة قوم انقرضوا، ولم يكن له من يأنس به فاعتمدتكم رغبة فى قربكم، وحرصا على إخائكم.
فقال الملك: قد قبلنا قولك وسوّدناك علينا، فأنت أفضلنا وسيّدنا. فلبث فيهم زمنا يصدرون عن رأيه. فلما تمكّن أمره من الملك قال له: أيها الملك، بلغنى أنك سجنت رجلين كانا قد جاءاك يدعوانك الى غير دينك والى عبادة إله غير إلهك، ويزعمان أنّ الله أرسلهما إليك، وعجبت كيف اجترأا عليك. فماذا قلت لهما وما قالا لك؟ وهل أجبتهما بما كان ينبغى لك من الجواب؟ وهل سألتهما حين عظّما لك ربهما أن يذكرا لك سائر عظمته، أو أحييا لك ميتا، أو غير ذلك مما تعرف به مصداق قولهما؟ قال الملك: لقد حال الغضب دون ما تقول. قال: فهل لك أن تدعوهما؟
قال نعم. فأحضرهما بين يديه، فقال لهما شمعون: أخبرانى من أرسلكما الى هذا الملك وقومه؟ قالا: أرسلنا الله الذى هو على كل شىء قدير. فقال شمعون: صفا لى عظمته. قالا: هى أعظم من أن تحصى. قال: فأخبرانى ماذا يبلغ من قدرته؟
стр. 4752
قالا: إن شئت وصفنا لك ما نطيق وصفه، وصفته أعظم من طاقتنا، وإن شئت وصفنا لك ذلك فى كلمتين تكفيان من كلام كثير. قال: نعم، صفا وأوجزا.
قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فوضع شمعون يده على رأسه كالمنكر لما قالا، ثم أقبل عليهما وقال: إنى أسألكما أمرا فإن قدر إلهكما عليه آمنّا بكما.
قالا: سل. قال: هل يقدر أن يخلق خلقا ونحن ننظر اليه؟ قالا نعم. قال: اعلما ما تقولان! قالا: قد علمنا، فمتى شئت أريناك. فعندها خلا شمعون بالملك وقال:
أيها الملك، إنّ هذين الرجلين ليسا ببعيدين من أن يكون ربهما كما قالا، ولا أظنهما عرّضا أنفسهما للملك لمثل هذا الموقف إلا وعندهما ثقة من إلههما. وإنى أخشى أن يدعوا ربهما فيخلق خلقا ينظر اليه الناس فيمرض ذلك قلوبهم ويزهدون فى إلهك الذى تعبده ويذهبان بالصوب «١» والشرف. فهل لك أن تدعو إلهك فيخلق هذا الخلق الذى نريد أن نتمناه عليهما فيكون لك ولإلهك شرف هذا اليوم وصوبه؟.
قال له الملك: ليس دونك سرّ، إنّ هذا الإله الذى نعبد لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع ولا يحيى ولا يميت. فقال لهما شمعون: اعرضا علىّ بعض قدرة إلهكما فإن أجابكما وخلق الشىء على أعيننا ونحن ننظر اليه فقد صدقتما والقول قولكما.
واجتمع الناس لينظروا. فأوحى الله اليهما أن سلاه ماذا يريد، فإنى مسخّر لكما ما سألكما. قالا: قد أوحى الينا أنه فاعل ما تسألنا، فسلنا. وكان شمعون قد عهد فى المدينة غلاما مطموس الوجه لم يخلق له عينان، فأتى به فقال: ادعوا ربكما أن يخلق له عينين ونحن ننظر. قالا نعم. فأوقفاه بين أيديهما ودعوا الله وأعانهما شمعون سرّا، فأجابهم الله تعالى، فأخذ كل واحد منهما حثوة من تراب وعجنه وجعله كالبندقة، ووضعا البندقتين فى موضع العينين من وجه الغلام فانشقّ
стр. 4753
لهما البصر، ثم صارت البندقتان عينين. فخاف الملك، فقال له شمعون: لا تخف إنّ عندى حيلة. قال له الملك: لعلّهما ساحران، أرنا ما لا يكون وما ليس بكائن.
قال شمعون: ليس هذا من السحر، ولكنى أخاف أن يأتى من إلههما ما يعجز حيلتنا. فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشقّ بصره، كما انشقّ بصر الأوّل، ففرح الملك وأصحابه بذلك. فقال شمعون: إنما صنع ما ترون إله اخترته لنفسى وهو الذى أظهر فلجكم «١» ، فاسجدوا لهذا الإله الذى أظفركم بعدوّكم لعلّه يعينكم على ما يكون بعد هذا. فقال الملك: كيف نسجد لغير إلهنا!. قال شمعون: ألم تخبرنى أنه لا يبصر ولا يسمع ولا يضرّ ولا ينفع، فما قدرته عليك إن سجدت لغيره! قال: صدقت. وسجد الملك وسجد قومه لسجوده. ثم قال شمعون ليوحنّا وبولس: إنّى أسألكما عن أمر، فإن قدر عليه إلهكما فالحجّة إذا لكما والقول قولكما. قالا: سل عمّا بدالك. قال: تسألان ربكما أن يحيى لنا ميّتا حتى يكلّمنا ويخبرنا ما خبره، ويعلمنا ما كان فيه وما لقى بعدنا. قالا: نعم، إنّ الذى سألت يسير على الله وهيّن عليه. فوضع شمعون يده على رأسه كالمعظم والمنكر لما قالا.
ثم خلا بالملك وقال: إنك قد رميت بأمر عظيم، وإنى أخاف إن أحيا إلههما الموتى أن يميل الناس اليهما. قال الملك: إنّا نرجو ألّا يأتيا بشىء إلا أتيت أنت بمثله.
قال شمعون: إنّى لا أغرّكم، إنّ إلهى لا يحيى الموتى، ولا أعلم فى الأرض من يقدر على ذلك. قال الملك: فهل تدعهما يدعاننا وندعهما، فإن أبيا قاتلناهما؟. قال شمعون: كيف نقاتل من لهما إله يحيى الموتى! ولكن أرجو أن أدعو الإله الذى صنع ما رأيتم فيعيننا على ما نريد. قال شمعون: هل يقدر إلهكما على أن يحيى الموتى؟ قالا نعم. قال الملك: إنّ عندنا ميّتا قد مات منذ سبعة أيام وهو ابن
стр. 4754
دهقان مدينتنا، فدعا به الملك فأحضر فى نعش، وقد تغيّر لونه وأروح «١» ، فقال:
دونكما ادعوا أن يحييه إلهكما. فدعوا الله، فما لبث أن تفتّقت عنه أكفانه وردّ الله إليه روحه. فسألوه متى مات وماذا لقى. فقال: متّ منذ سبعة أيام، ثم عرضت على عملى فقذفت فى سبعة أودية من نار، وذكر ما فى الأودية من العذاب والحيّات وغير ذلك. قال: فلمّا صرت الى الوادى السابع خفّف عنّى العذاب. قالوا:
فمن أين خفّف عنك العذاب؟ قال: أحيانى الله وردّ علىّ روحى، فجاءنى شىء مثل الريح فدخل فى رأسى، فلمّا صار فى جسدى حييت، ثم قيل لى: انظر فوقك، فشخصت «٢» ببصرى وفتحت أبواب السماء، فنظرت فإذا برجل شابّ حسن الوجه نحيف الجسم أبيض يخالطه حمرة متعلّق بالعرش يشفع لهؤلاء الرهط الثلاثة، يعنى عيسى بن مريم. فقال له الملك: أىّ رهط تعنى؟. قال: هذا الشيخ الأجلخ «٣» ، وهذا الكهل الأنزع «٤» ، وهذا الفتى الرّجل «٥» . فما زالوا مجتهدين فى الدعاء حتى شفّعوا، والشافع لهم مصغ إليهم بإذنه كأنّه يسمع ما يقولون ثم يرفعه الى الله فيدعو به. فلما فرغ من كلامه قال: إنّى أحذّركم أيها القوم مثل ما كنت فيه، فإنه لا إله إلّا إله عيسى بن مريم وشمعون وبولس ويوحنّا. قال شمعون: اعتصمنا بالله وتوكّلنا عليه، ثم أخبر الملك بخبره وخبر أصحابه ودعاهم الى الله، فمنهم من آمن، ومنهم من تولّى. وكان الملك ممن آمن به فى عصبة يسيرة. وأرسل الله على من تولّى منهم صيحة من السماء فإذا هم خامدون.
قال: وكان قد نعى الى الدّهقان ابنه، وكان اسم الدّهقان حبيبا النجّار، ثم لم يلبث أن جاءته البشارة بحياة ابنه، ولم يكن له ولد غيره، وأخبر خبر الحواريّين،
стр. 4755
فآمن بهم قبل أن يراهم، فأقبل مسرعا. فلمّا قصّ عليه ابنه قصّته ازداد إيمانا ويقينا. قال وهب: فيقال- والله أعلم- إنّ هذا هو الذى ذكره الله تعالى فى قوله: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
«١»
الآية. فأوجب الله له بكلامه الجنة، وخيّر أن يعمّر هو وابنه مائة عام أو يعجّل بهما الى الجنة، فاختارا الجنة؛ وهو قوله تعالى: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ «٢»
الآية. قال: ولم يزل يجاهد قومه قبل أن تأخذهم الصيحة ويدعوهم الى الله حتى قتلوه، فقيل له: ادخل الجنة قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ «٣» .
ذكر خبر توما الحوارىّ مع ملك الهند وإيمانه به
قال الكسائىّ قال وهب: وجاء توما الى أرض الهند والسّند. فبينما هو يتردّد على ساحلهم إذا هو بغلام لملك الهند يقال له حيّان، وكان تاجرا. فأتاه توما فقال له: هل لك أن تبتاعنى للملك؟ فقال له حيّان: من أنت أيها الرجل الكريم؟.
قال له توما: إنّى كنت عبدا مملوكا فأعتقنى سيّدى وأمرنى بالطلب لنفسى، فلم أصادف من الحرّيّة ما كنت أظنّ، وكان حالى يوم كنت عبدا خيرا منه اليوم وأحسن. فقال له حيّان: ما أرى عليك ميسم العبوديّة، وإنى لأرى عليك أثر الخير، ثم قال له: ما الذى تحسن من الأعمال؟ قال: أعمل سائر الأعمال. فاشتراه بثلاثمائة مثقال من الذهب وانطلق به الى الملك. فلمّا رآه أجلّه وعظّمه، وسأل التاجر عنه فأخبره أنه اشتراه على أن يعمل سائر الأعمال. فقال له الملك: أريد أن تبنى لى
стр. 4756
قصرا لم يعمل مثله لأحد قطّ. قال توما: لك ذلك علىّ، ولكن أرضك حارّة، وإذا بنى فى زمن الحرّ كان حارّا لا يسكن من حرّه، وكذلك فى زمن البرد يكون باردا، وإنى لأرى أن يعمل فى زمن الاعتدال، فوافقه الملك على رأيه. وعرض للملك غزاة فخرج اليها واستخلف أخاه على الملك، وأمره أن يدفع لتوما ما يحتاج اليه من الأموال للنفقة على القصر، فصرف له أموالا كثيرة، ففرّقها توما فى الفقراء والمساكين حتى أغناهم، ثم مرض أخو الملك مرضا شديدا وغاب عن حسّه وحركته سبعة أيام. فقدم الملك وهو على تلك الحال، فلما ردّ الله عليه روحه قال الملك لتوما: ما فعلت فى القصر؟ قال: قد فرغت منه. فقال الملك لأخيه: ما الذى أعطيته من مالى؟ قال: جميع ما فى بيت مالك. قال:
فهل رأيت القصر؟ قال: إنه قبض منى المال ثم اشتكيت فقلت لتوما: أين بنيت هذا القصر؟ قال: بنيته لك فى السماء. قال: وكيف لى بسلّم أنال به السماء؟ قال: تنال السماء بالسّلّم الذى نالها به أخوك. فقال له أخوه: اسمع منّى أيها الملك أخبرك بالعجب؛ فإنك لو تعلم ما أدخل عليك هذا الرجل من الخير وصرف عنك من الشرّ لقبّلت قدميه وجعلته فوق رأسك. قال: أخبرنى خبره.
قال: أخبرك أنّ الله عرج بروحى، فعرضنى على النار فرأيت أمرا عظيما مهولا ووصفه لأخيه، ووصف له صفة ما يعذّب به أهل الشّرك بالله وعبدة الأوثان. قال: ثم قيل لى: إنّ الله عرضك على النار فأراك ما رأيت لتكون لمن خلفك نذيرا، وسيريك الجنة، لتبشّر بها قومك، ولتخبر من خلفك بما رأيت.
قال: فأدخلت الجنة فرأيت كذا وكذا، ووصف الجنة ونعيمها وما فيها. قال:
وانتهيت إلى قصر عظيم من أعظم قصورها وأبوابه مغلقة، فقلت لخزنة الجنة: إنّى أحبّ أن أشاهد باطن هذا القصر فإنّى لم أر مثله. قالوا: إنّ صاحبه الآن فى الدنيا
стр. 4757
ومفاتيحه عند ملك من الملائكة. قلت: فلمن ادّخر هذا القصر؟ قالوا: هذا لأخيك فلان وهو الآن فى الدنيا، وعنده رسول من عند الله يقال له توما الحوارىّ من حواريّى عيسى بن مريم. فإذا رجعت إليه فبشّره وأخبره أنه القصر الذى بناه له توما فى السماء، وأنفق فيه بيت ماله. ثم ردّ الله بعد ذلك علىّ روحى، وأنت تعلم يا أخى أنّ لى شطر مالك وملكك وخزائنك، وتعلم مالى بعد ذلك من الأموال والخزائن، وأنا أعطيك جميع ذلك على أن تعطينى قصرك الذى رأيته لك فى الجنة.
قال: يا أخى، ما كنت لأعطيك الباقى بالفانى. ثم أقبل على توما وآمن به هو وأهل مملكته، ولم تزل تلك الأمة على دين عيسى حتى أبادها الموت.
ذكر خبر لوقا الحوارىّ مع ملك فارس
قال: وأصبح لوقا على باب مدينة من مدائن فارس، وهى التى يسكنها الملك، فإذا غلمان من أبناء الملوك وأبناء الوزراء جلوس على قارعة الطريق يلعبون.
فجلس الحوارىّ الى جانب غلام منهم وسأله كيف يلعب، فغلب جميع أولئك.
فلمّا تفرّقوا دعاه الغلام الى منزله، فقال له: اذهب الى أبيك واستأذنه فى ذلك.
فانطلق الغلام الى أبيه وأخبره بخبر الشيخ، فأذن له أن يأتيه به، فرجع اليه وقال له: إنّ أبى يدعوك، فأقبل معه. فلمّا ولج باب الدار قال: بآسم الله، فخرج كل شيطان فى الدار، وصاحب الدار ينظر الى ذلك، وكانت الشياطين تظهر لهم وتشاركهم فى طعامهم وشرابهم، فعجب صاحب الدار من ذلك. وقدّم الطعام فأقبلت الشياطين لتأكل على عادتها، فقال لوقا: باسم الله، فنفرت الشياطين وفرّت من الدار. فقال الشيخ: قد رأيت منك اليوم ما لم أره من أحد، وإنّ لك لشأنا، وخلا به وقال:
لابدّ أن تخبرنى خبرك ولا تكتمنى أمرك. قال: على أن تكتمه ولا تذكره إلّا أن
стр. 4758
آذن لك، قال نعم. فاستوثق منه وأخبره بخبره. ثم قال له لوقا: أخبرنى أىّ مال الملك أحبّ اليه وأعجب عنده؟ قال: ما شىء من ماله أحبّ اليه وأعجب عنده من برذون حتى إنه يركبه من سريره. ثم أقام مدّة، فقدّم البرذون إلى الملك ليركبه على عادته، فلما صار الى جانب السرير خرّ ميّتا، فشقّ ذلك على الملك وآلمه وقال:
وددت لو فديته بمال عظيم، وحزن جلساء الملك وخواصّه لحزنه. قال: وجاء الرجل الى لوقا وقد حزن لحزن الملك، فسأله عن سبب حزنه فذكر له قصّة البرذون، فقال له: ارجع الى الملك وقل له: إنى أحييه له إن أطاعنى فيما أقول. فرجع الى الملك وأخبره بذلك، وقال: إنّ هذا الرجل لمّا عبر الى منزلى نفرت منه الشياطين ولم تطعم من طعامنا، وكانت تأكل معنا قبل ذلك وتشرب كما علمت، وقد قال:
إن أطاعنى الملك أحييت له برذونه. فقال الملك: إنّ نفسى لتطيب بكل شىء أحيى به هذا البرذون، فعلىّ بالرجل، فأحضره إلى الملك. فلمّا دخل الدار لم يبق بها شيطان إلا خرج. ثم جلس لوقا إلى جانب الملك، فقال له: بلغنى أنك تحيى الموتى، فأحى لى برذونى هذا. فقال له: إن أطعتنى فيما أقول لك أحى برذونك.
قال الملك: مرنى بما شئت. قال: ادع ابنك وامرأتك، وكان ابنه ولىّ عهده وامرأته منه بمكان، فدعاهما، فأخذ لوقا بقائمة من قوائم البرذون، وكلّ من الملك وابنه وامرأته بقائمة، ثم قال الحوارىّ بالفارسية: «اللهمّ ربّ السموات والأرض، خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، أحى هذا العضو الذى فى يدى» فتحرّك ذلك العضو. ثم قال للملك: قل كما قلت، فقال الملك مثل قوله. فتحرّك العضو الذى فى يده. ثم قال لابنه: قل كما أقول، فقال فتحرّك العضو الثالث، ثم قال لامرأته: قولى كما قلت، فدعت بدعائه، فتحرّك العضو الذى فى يدها. ثم قال لهم: قولوا جميعا كما أقول، فقالوا كلهم: «اللهم
стр. 4759
ربّ السموات والأرض خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك أحى هذا البرذون» . فقام البرذون حيّا ينفض ناصيته. فعجب الملك والناس من ذلك. وسأله الملك عن خبره فأخبره أنه رسول عيسى بن مريم إليه والى قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فآمنوا به. وقد قيل: إن الذى أرسل إلى أرض فارس متى الحوارىّ، وإنه لمّا دخل على الملك كان الملك سكرانا، فلمّا أحيا الفرس أمر الملك أصحابه بقتل متّى فقتلوه. فلمّا أفاق الملك من سكره سأل عنه فقيل له: إنك أمرت بقتله فقتلناه، فقال: ما علمت بذلك. فقاموا إليه وغسلوه وكفّنوه ودفنوه. ويقال: إنّ الله تعالى بعد دفنه خسف بالملك وأولاده وأهله. والله أعلم. ولنصل أخبار الحواريّين بخبر جرجيس وإن لم يكن منهم، فقد كانت له قصّة عجيبة تلتحق بهم.
ذكر خبر جرجيس رحمة الله عليه
قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى كتابه المترجم ب «يواقيت البيان فى قصص القرءان» بإسناده عن وهب بن منبّه قال: كان بالموصل ملك يقال له داديه «١» ، وكان قد ملك الشام كله ودان له أهله، وكان جبّارا عاتيا، وكان يعبد صنما يقال له أفلون، وكان جرجيس عبدا صالحا من أهل فلسطين قد أدرك بقايا من حواريّى عيسى ﵇، وكان تاجرا عظيما كثير المال عظيم الصدقة، وكان لا يأمن ولاية المشركين
стр. 4760
عليه مخافة أن يفتنوه عن دينه. فخرج يريد الموصل «١» ومعه مال يريد أن يهديه إليه حتى لا يجعل لأحد من الملوك عليه سلطانا دونه. فجاءه حين جاءه وقد برز فى مجلس له وأمر بصنمه أفلون فنصب وأوقد نارا، فمن لم يسجد لصنمه ألقى فى النار. فلمّا رأى جرجيس ذلك قطع به وهاله وأعظمه وحدّث نفسه بجهاده، وألقى الله تعالى فى نفسه بغضه ومجاهدته. فعمد إلى المال الذى أراد أن يهديه له فقسمه فى أهل ملّته حتى لم يبق منه شىء وكره أن يجاهده بالمال. ثم أقبل عليه وقال له: إنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك، وإنّ فوقك ربّا هو الذى ملّكك وغيرك، وهو الذى خلقك ورزقك ويحييك ويميتك ويضرّك وينفعك، وإنك عمدت الى خلق من خلقه قال له: كن، فكان أصمّ أبكم لا ينطق ولا يسمع ولا يغنى عنك من الله شيئا، فزيّنته بالذهب والفضة فتنة للناس، ثم عبدته من دون الله. فكان من جواب الملك إيّاه أن سأله عن حاله وأمره ومن هو ومن أين هو. فأجابه جرجيس: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمته أذلّ عباده وأفقرهم إليه، من التراب خلقت واليه أصير.
فقال له الملك: لو كان ربّك الذى تزعم كما تقول لرئى عليك أثره كما رئى أثرى على من حولى وفى طاعتى. فأجابه جرجيس بتحميد الله وتعظيم أمره وقال: أتعدل أفلون الأصمّ الأبكم الذى لا يغنى عنك شيئا بربّ العالمين الذى قامت السموات والأرض بأمره!. أو تعدل طرفلينا «٢» وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك بما نال إلياس
стр. 4761
بولاية الله تعالى؛ فإنّ إلياس كان فى بدء أمره آدميّا يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق فلم تزل به كرامة الله تعالى حتى أنبت له الريش وألبسه النور فعاد إنسيّا ملكيّا سماويّا أرضيّا يطير مع الملائكة! أم تعدل مخلنطيس «١» وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك، بالمسيح بن مريم وما نال بولاية الله تعالى فإنّ الله فضّله على رجال العالمين وجعله [وأمه «٢» ] آية للمعتبرين! أم تعدل أمر هذه الروح الطيّبة التى اختارها الله لكلمته وسوّدها على إمائه وما نالت بولاية الله تعالى، بأزبيل «٣» وما نالت بولايتك فإنها كانت من شيعتك وعلى ملّتك، فأسلمها الله مع عظم ملكها حتى اقتحمت عليها الكلاب فى بيتها فانتهشت لحمها وولغت فى دمها، وقطّعت الضباع أوصالها!.
فقال الملك: إنك لتحدّثنا عن أشياء ليس لنا بها علم؛ فأتنى بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما، فإنى أنكر أن يكون هذا من البشر. قال له جرجيس: إنما جاءك الإنكار من قبل الغرّة بالله تعالى. وأمّا الرجلان فلن تراهما ولا يريانك إلّا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما. فقال له الملك: أمّا نحن فقد أعذرنا اليك وتبيّن لنا كذبك لأنك فخرت بأمور عجزت عنها. ثم خيّره الملك بين العذاب وبين السجود لأفلون.
فقال جرجيس: إن كان أفلون هو الذى رفع السماء ووضع الأرض فقد أصبت، وإلّا فاخسأ أيها النّجس الملعون. فلمّا سمعه الملك غضب وسبّه وسبّ إلهه وأمر بخشبة فنصبت له وجعل عليها أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطّع لحمه وجلده وعروقه، ونضح خلال ذلك الخلّ والخردل، فحفظه الله تعالى من ذلك الألم والهلاك.
فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستّة مسامير من حديد فأحميت، حتى إذا جعلت نارا سمرّ
стр. 4762
بها رأسه حتى سال دماغه، فحفظه الله من الألم والهلاك. فلمّا رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس وأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فأدخل فى جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد [حرّه «١» ] . فلمّا رأى أنّ ذلك لم يقتله دعا به فقال:
يا جرجيس، أما تجد ألم هذا العذاب الذى تعذّب به؟ فقال: إنّ ربّى الذى أخبرتك به حمل عنّى [ألم العذاب «٢» ] وصبّرنى لأحتجّ عليك. فلمّا قال له ذلك أيقن الملك بالشرّ وخافه على نفسه وملكه، واجتمع رأيه أن يخلّده فى السجن. فقال له الملأ من قومه: إنك إن تركته طليقا فى السجن [يكلّم الناس «٣» ] يوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مر له بعذاب فى السجن يشغله عن كلام الناس. فأمر به فبطح [فى السجن «٤» ] على وجهه ثم أوتد [له «٥» ] فى يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد [فى كل ركن منها «٦» وتد] ، ثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره، وحمل ذلك الأسطوان ثمانية عشر رجلا، فظلّ يومه [ذلك «٧» ] موتدا تحت الحجر. فلمّا أدركه الليل أرسل الله تعالى [اليه «٨» ] ملكا فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشّره وعزّاه. فلمّا أصبح أخرجه من السجن وقال له: الحق بعدوّك فجاهده فى الله حقّ جهاده، فإنّ الله يقول لك:
أبشر واصبر فإنّى قد ابتليتك بعدوّك هذا سبع سنين يعذّبك ويقتلك فيهنّ أربع مرّات، فى كل ذلك أردّ إليك روحك، فإذا كانت الرابعة تقلبّت روحك وأوفيتك أجرك. قال: فلم يشعر الملك وأصحابه إلّا وجرجيس قد وقف على رءوسهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى. فقال له الملك: يا جرجيس من أخرجك من السجن؟ قال: أخرجنى الذى سلطانه فوق سلطانك. فلمّا قال له ذلك ملىء غيظا ودعا بأصناف العذاب حتى لم يخلّف منها شيئا. فلمّا رآها جرجيس أوجس فى نفسه خيفة وفزعا منها، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون.
стр. 4763
فلمّا فرغ من عتابه نفسه مدّوه بين خشبتين ثم وضعوا سيفا على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط من بين رجليه وصار قطعتين، فعمدوا إلى أجزائه فقطّعوها قطعا، وللملك سبعة أسود ضارية، وكانوا صنفا من أصناف عذابه، فرموا بجسده إليها. فأمرها الله تعالى فخضعت له برءوسها وأعناقها وقامت على براثنها، فظلّ يومه ذلك ميّتا وهى أوّل موتة ماتها. فلمّا أدركه الليل جمع الله جسده الذى قطّعوه بعضه إلى بعض حتى سوّاه، ثم ردّ الله تعالى اليه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجبّ فأطعمه وسقاه وبشّره وعزّاه. فلمّا أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم أنّ القدرة التى خلق الله تعالى بها آدم من التراب هى التى أخرجتك من قعر الجبّ، الحق بعدوّك وجاهده فى الله حقّ جهاده ومت موت الصابرين. فلم يشعر الملك وأصحابه إلّا وقد أقبل جرجيس وهم فى عيد لهم عكوف عليه صنعوه فرحا بموت جرجيس. فلمّا نظروا إليه وقد أقبل قال الملك: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو. قال الملك: ما بجرجيس من خفاء إنه لهو، ألا ترون الى سكون ريحه وقلّة هيبته. قال جرجيس:
أنا هو، بئس القوم أنتم! قتلتم ومثّلتم فأحيانى الله بقدرته، فهلّموا الى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا:
ساحر سحر أعينكم. وجمعوا من كان ببلادهم من السحرة. فلمّا جاءوا قال الملك لكبيرهم: اعرض علىّ من كبير سحرك ما يقرّ عينى. قال: ادع لى بثور من البقر.
فلمّا أتى به نفث فى إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين، ثم نفث فى الأخرى فإذا هو ثوران، ثم دعا ببذر فحرث وبذر، فشبّ الزرع واستحصد، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز، كلّ ذلك فى ساعة واحدة. فقال الملك: هل تقدر أن تمسخه لى دابّة؟ قال الساحر: أىّ دابّة أمسخه لك؟ قال: كلبا. قال: ادع لى بقدح من ماء.
стр. 4764
فلمّا أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال: اعزم عليه أن يشربه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فلمّا فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلّا خيرا، قد كنت عطشت فلطف الله بى بهذا الشراب فقوّانى به عليكم. فأقبل الساحر على الملك فقال له: اعلم أيها الملك إنك لو كنت تقاسى رجلا مثلك اذا لقد كنت غلبته، ولكنك تقاسى جبّار السموات والأرض. وهو الملك الذى لا يرام.
قال: وكانت امرأة مسكينة من أهل الشام سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب، فأتته وهو فى أشدّ ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس، إنّى امرأة مسكينة ولم يكن لى مال إلا ثورا أحرث عليه فمات، فجئتك لترحمنى وتدعو الله تعالى أن يحيى لى ثورى. فذرفت عيناه، ثم دعا الله تعالى أن يحيى لها ثورها، وأعطاها عصا وقال لها: اذهبى الى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولى له: احى بإذن الله. فقالت: يا جرجيس، مات ثورى منذ أيام ومزّقته السباع، وبينى وبينه أيام. فقال: لو لم تجدى منه إلّا سنّا واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله تعالى.
فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، وكان أوّل شىء بدا لها أحد روقيه وشعر أذنيه، فجمعت أحدهما الى الآخر ثم قرعتهما بالعصا وقالت كما أمرها، فقام الثور بإذن الله تعالى وعملت عليه. قال: فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم من بعد الملك، إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر، وإنكم عذّبتموه فلم يصل اليه عذابكم، وقتلتموه فلم يمت، فهل رأيتم ساحرا يدرأ عن نفسه الموت وأحيا ميّتا قط؟ فقالوا له: إنّ كلامك لكلام رجل قد صغا إليه فلعلّه استهواك. فقال: بل آمنت بالله، واشهدوا أنّى برىء مما تعبدون. فقام اليه الملك وأصحابه بالخناجر فقتلوه. فلمّا رأى القوم ذلك اتّبع جرجيس أربعة آلاف رجل. فعمد اليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يعذّبهم بأنواع العذاب حتى أفناهم. فلمّا
стр. 4765
فرغ منهم قال لجرجيس: هلّا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك!. فقال له جرجيس: ما خلّى بينك وبينهم حتى حان لهم. فقال رجل من عظماء أصحابه يقال له مخلنطيس: إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، وإنى سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدّقتك وكفيتك، إنّ حولنا أربعة عشر كرسيّا ومائدة، وبيننا أقداح وصحاف وهى من أشجار شتّى، فادع إلهك ينشئ هذه الكراسىّ والأوانى كما بدأها أوّل مرّة حتى تعود خضراء يعرف كلّ عود منها بلونه وورقه وزهره. فقال له جرجيس: قد سألت أمرا عزيزا علىّ وعليك، وإنه على الله لهيّن، ودعا الله ، فما برحوا من مكانهم حتى اخضرّت تلك الكراسىّ والأوانى كلها وساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعّبت فأورقت وأزهرت وأثمرت. فلمّا نظروا الى ذلك انتدب له مخلنطيس الذى تمنّى عليه ما تمنّى فقال: أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابا يضلّ عنه كيده. فعمد الى نحاس فصنع منه صورة ثور أجوف واسع، ثم حشاه نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا، ثم أدخل جرجيس مع الحشو فى جوفه، ثم أوقد تحت الصورة حتى التهبت وذاب كل شىء فيها واختلط، ومات جرجيس فى جوفها. فلمّا مات أرسل الله ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما، فيه رعد وبرق وصواعق، وأرسل الله ﵎ إعصارا ملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسودّ ما بين السماء والأرض، ومكثوا أياما متحيّرين فى تلك الظّلمة لا يفصلون بين الليل والنهار، وأرسل الله تعالى ميكائيل فاحتمل الصورة التى فيها جرجيس، حتى اذا أقلّها ضرب بها الأرض ففزع من روعها أهل الشام أجمعون فخرّوا على وجوههم صعقين، وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيّا. فلمّا وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت اليهم أنفسهم. فقال له رجل يقال له طرفلينا: لا ندرى
следующие страницы →