Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
بولاية الله تعالى؛ فإنّ إلياس كان فى بدء أمره آدميّا يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق فلم تزل به كرامة الله تعالى حتى أنبت له الريش وألبسه النور فعاد إنسيّا ملكيّا سماويّا أرضيّا يطير مع الملائكة! أم تعدل مخلنطيس «١» وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك، بالمسيح بن مريم وما نال بولاية الله تعالى فإنّ الله فضّله على رجال العالمين وجعله [وأمه «٢» ] آية للمعتبرين! أم تعدل أمر هذه الروح الطيّبة التى اختارها الله لكلمته وسوّدها على إمائه وما نالت بولاية الله تعالى، بأزبيل «٣» وما نالت بولايتك فإنها كانت من شيعتك وعلى ملّتك، فأسلمها الله مع عظم ملكها حتى اقتحمت عليها الكلاب فى بيتها فانتهشت لحمها وولغت فى دمها، وقطّعت الضباع أوصالها!.
فقال الملك: إنك لتحدّثنا عن أشياء ليس لنا بها علم؛ فأتنى بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما، فإنى أنكر أن يكون هذا من البشر. قال له جرجيس: إنما جاءك الإنكار من قبل الغرّة بالله تعالى. وأمّا الرجلان فلن تراهما ولا يريانك إلّا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما. فقال له الملك: أمّا نحن فقد أعذرنا اليك وتبيّن لنا كذبك لأنك فخرت بأمور عجزت عنها. ثم خيّره الملك بين العذاب وبين السجود لأفلون.
فقال جرجيس: إن كان أفلون هو الذى رفع السماء ووضع الأرض فقد أصبت، وإلّا فاخسأ أيها النّجس الملعون. فلمّا سمعه الملك غضب وسبّه وسبّ إلهه وأمر بخشبة فنصبت له وجعل عليها أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطّع لحمه وجلده وعروقه، ونضح خلال ذلك الخلّ والخردل، فحفظه الله تعالى من ذلك الألم والهلاك.
فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستّة مسامير من حديد فأحميت، حتى إذا جعلت نارا سمرّ
стр. 4762
بها رأسه حتى سال دماغه، فحفظه الله من الألم والهلاك. فلمّا رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس وأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فأدخل فى جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد [حرّه «١» ] . فلمّا رأى أنّ ذلك لم يقتله دعا به فقال:
يا جرجيس، أما تجد ألم هذا العذاب الذى تعذّب به؟ فقال: إنّ ربّى الذى أخبرتك به حمل عنّى [ألم العذاب «٢» ] وصبّرنى لأحتجّ عليك. فلمّا قال له ذلك أيقن الملك بالشرّ وخافه على نفسه وملكه، واجتمع رأيه أن يخلّده فى السجن. فقال له الملأ من قومه: إنك إن تركته طليقا فى السجن [يكلّم الناس «٣» ] يوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مر له بعذاب فى السجن يشغله عن كلام الناس. فأمر به فبطح [فى السجن «٤» ] على وجهه ثم أوتد [له «٥» ] فى يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد [فى كل ركن منها «٦» وتد] ، ثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره، وحمل ذلك الأسطوان ثمانية عشر رجلا، فظلّ يومه [ذلك «٧» ] موتدا تحت الحجر. فلمّا أدركه الليل أرسل الله تعالى [اليه «٨» ] ملكا فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشّره وعزّاه. فلمّا أصبح أخرجه من السجن وقال له: الحق بعدوّك فجاهده فى الله حقّ جهاده، فإنّ الله يقول لك:
أبشر واصبر فإنّى قد ابتليتك بعدوّك هذا سبع سنين يعذّبك ويقتلك فيهنّ أربع مرّات، فى كل ذلك أردّ إليك روحك، فإذا كانت الرابعة تقلبّت روحك وأوفيتك أجرك. قال: فلم يشعر الملك وأصحابه إلّا وجرجيس قد وقف على رءوسهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى. فقال له الملك: يا جرجيس من أخرجك من السجن؟ قال: أخرجنى الذى سلطانه فوق سلطانك. فلمّا قال له ذلك ملىء غيظا ودعا بأصناف العذاب حتى لم يخلّف منها شيئا. فلمّا رآها جرجيس أوجس فى نفسه خيفة وفزعا منها، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون.
стр. 4763
فلمّا فرغ من عتابه نفسه مدّوه بين خشبتين ثم وضعوا سيفا على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط من بين رجليه وصار قطعتين، فعمدوا إلى أجزائه فقطّعوها قطعا، وللملك سبعة أسود ضارية، وكانوا صنفا من أصناف عذابه، فرموا بجسده إليها. فأمرها الله تعالى فخضعت له برءوسها وأعناقها وقامت على براثنها، فظلّ يومه ذلك ميّتا وهى أوّل موتة ماتها. فلمّا أدركه الليل جمع الله جسده الذى قطّعوه بعضه إلى بعض حتى سوّاه، ثم ردّ الله تعالى اليه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجبّ فأطعمه وسقاه وبشّره وعزّاه. فلمّا أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم أنّ القدرة التى خلق الله تعالى بها آدم من التراب هى التى أخرجتك من قعر الجبّ، الحق بعدوّك وجاهده فى الله حقّ جهاده ومت موت الصابرين. فلم يشعر الملك وأصحابه إلّا وقد أقبل جرجيس وهم فى عيد لهم عكوف عليه صنعوه فرحا بموت جرجيس. فلمّا نظروا إليه وقد أقبل قال الملك: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو. قال الملك: ما بجرجيس من خفاء إنه لهو، ألا ترون الى سكون ريحه وقلّة هيبته. قال جرجيس:
أنا هو، بئس القوم أنتم! قتلتم ومثّلتم فأحيانى الله بقدرته، فهلّموا الى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا:
ساحر سحر أعينكم. وجمعوا من كان ببلادهم من السحرة. فلمّا جاءوا قال الملك لكبيرهم: اعرض علىّ من كبير سحرك ما يقرّ عينى. قال: ادع لى بثور من البقر.
فلمّا أتى به نفث فى إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين، ثم نفث فى الأخرى فإذا هو ثوران، ثم دعا ببذر فحرث وبذر، فشبّ الزرع واستحصد، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز، كلّ ذلك فى ساعة واحدة. فقال الملك: هل تقدر أن تمسخه لى دابّة؟ قال الساحر: أىّ دابّة أمسخه لك؟ قال: كلبا. قال: ادع لى بقدح من ماء.
стр. 4764
فلمّا أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال: اعزم عليه أن يشربه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فلمّا فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلّا خيرا، قد كنت عطشت فلطف الله بى بهذا الشراب فقوّانى به عليكم. فأقبل الساحر على الملك فقال له: اعلم أيها الملك إنك لو كنت تقاسى رجلا مثلك اذا لقد كنت غلبته، ولكنك تقاسى جبّار السموات والأرض. وهو الملك الذى لا يرام.
قال: وكانت امرأة مسكينة من أهل الشام سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب، فأتته وهو فى أشدّ ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس، إنّى امرأة مسكينة ولم يكن لى مال إلا ثورا أحرث عليه فمات، فجئتك لترحمنى وتدعو الله تعالى أن يحيى لى ثورى. فذرفت عيناه، ثم دعا الله تعالى أن يحيى لها ثورها، وأعطاها عصا وقال لها: اذهبى الى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولى له: احى بإذن الله. فقالت: يا جرجيس، مات ثورى منذ أيام ومزّقته السباع، وبينى وبينه أيام. فقال: لو لم تجدى منه إلّا سنّا واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله تعالى.
فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، وكان أوّل شىء بدا لها أحد روقيه وشعر أذنيه، فجمعت أحدهما الى الآخر ثم قرعتهما بالعصا وقالت كما أمرها، فقام الثور بإذن الله تعالى وعملت عليه. قال: فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم من بعد الملك، إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر، وإنكم عذّبتموه فلم يصل اليه عذابكم، وقتلتموه فلم يمت، فهل رأيتم ساحرا يدرأ عن نفسه الموت وأحيا ميّتا قط؟ فقالوا له: إنّ كلامك لكلام رجل قد صغا إليه فلعلّه استهواك. فقال: بل آمنت بالله، واشهدوا أنّى برىء مما تعبدون. فقام اليه الملك وأصحابه بالخناجر فقتلوه. فلمّا رأى القوم ذلك اتّبع جرجيس أربعة آلاف رجل. فعمد اليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يعذّبهم بأنواع العذاب حتى أفناهم. فلمّا
стр. 4765
فرغ منهم قال لجرجيس: هلّا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك!. فقال له جرجيس: ما خلّى بينك وبينهم حتى حان لهم. فقال رجل من عظماء أصحابه يقال له مخلنطيس: إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، وإنى سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدّقتك وكفيتك، إنّ حولنا أربعة عشر كرسيّا ومائدة، وبيننا أقداح وصحاف وهى من أشجار شتّى، فادع إلهك ينشئ هذه الكراسىّ والأوانى كما بدأها أوّل مرّة حتى تعود خضراء يعرف كلّ عود منها بلونه وورقه وزهره. فقال له جرجيس: قد سألت أمرا عزيزا علىّ وعليك، وإنه على الله لهيّن، ودعا الله ، فما برحوا من مكانهم حتى اخضرّت تلك الكراسىّ والأوانى كلها وساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعّبت فأورقت وأزهرت وأثمرت. فلمّا نظروا الى ذلك انتدب له مخلنطيس الذى تمنّى عليه ما تمنّى فقال: أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابا يضلّ عنه كيده. فعمد الى نحاس فصنع منه صورة ثور أجوف واسع، ثم حشاه نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا، ثم أدخل جرجيس مع الحشو فى جوفه، ثم أوقد تحت الصورة حتى التهبت وذاب كل شىء فيها واختلط، ومات جرجيس فى جوفها. فلمّا مات أرسل الله ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما، فيه رعد وبرق وصواعق، وأرسل الله ﵎ إعصارا ملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسودّ ما بين السماء والأرض، ومكثوا أياما متحيّرين فى تلك الظّلمة لا يفصلون بين الليل والنهار، وأرسل الله تعالى ميكائيل فاحتمل الصورة التى فيها جرجيس، حتى اذا أقلّها ضرب بها الأرض ففزع من روعها أهل الشام أجمعون فخرّوا على وجوههم صعقين، وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيّا. فلمّا وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت اليهم أنفسهم. فقال له رجل يقال له طرفلينا: لا ندرى
стр. 4766
يا جرجيس أأنت تصنع هذه الأعاجيب أم ربّك! فإن كان ربك هو الذى يصنع هذا فادعه يحى موتانا؛ فإنّ فى هذه القبور أمواتا منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف.
فقال له جرجيس: لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه الأعاجيب إلّا كانت عليكم حجّة، فتستوجبوا غضبه، ثم أمر بالقبور فنبشت وهى عظام رفات وأقبل على الدعاء، فما برحوا من مكانهم حتى نظروا الى سبعة عشر إنسانا: تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية، واذا فيهم شيخ كبير. فقال له جرجيس: يا شيخ، ما اسمك؟ فقال: يا جرجيس اسمى نوبيل. قال: متى متّ؟ قال: فى زمان كذا وكذا. فحسبوا فإذا هو مات منذ أربعمائة سنة. فلمّا نظر الملك وأصحابه الى ذلك قالوا: ما بقى من أصناف العذاب شىء إلّا وقد عذّبتموه به إلّا الجوع والعطش، فعذّبوه بهما. فعمدوا الى بيت عجوز كبيرة، وكان لها ابن أعمى أصمّ أبكم مقعد، فحصروه فى بيتها ولا يصل اليه من عند أحد طعام ولا شراب.
فلمّا بلغ به الجوع قال للعجوز: هل بقى عندك من طعام أو شراب؟ قالت:
لا والذى يحلف به ما عهدنا الطعام منذ كذا وكذا، وسأخرج ألتمس لك شيئا.
فقال لها جرجيس: هل تعرفين الله تعالى؟ قالت نعم. قال: فإيّاه تعبدين؟ قالت لا.
فدعاها الى الله فصدّقته، وانطلقت تطلب له شيئا، وفى بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فأقبل على الدعاء، فاخضرّت تلك الدّعامة وأنبتت له كل فاكهة تؤكل أو تعرف، حتى كان فيها اللّوبيا واللّبان «١» مثل البردىّ يكون بالشام، وظهر للدّعامة فروع من فوق البيت أظلّته وما حوله. فأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا. فلمّا رأت الذى حدث فى بيتها من بعدها قالت: آمنت بالذى أطعمك، فادع هذا الرّب العظيم ليشفى ابنى. قال: ادنيه منّى، فأدنته، فبصق
стр. 4767
فى عينيه فأبصر، ونفث فى أذنيه فسمع. قالت له: أطلق لسانه ورجليه رحمك الله. قال: خذيه فإنّ له يوما عظيما. وخرج الملك يوما ليسير فى مدينته، إذ وقع بصره على الشجرة، فقال: إنى أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به. قالوا: تلك شجرة نبتت لذلك الساحر الذى أردت أن تعذّبه بالجوع، فهو فيما شاء وقد شبع منها وأشبع العجوز الفقيرة وشفى لها ابنها. فأمر الملك بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع.
فلمّا همّوا بقطعها أيبسها الله تعالى وردّها كما كانت أوّل مرّة، فتركوها. وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد، وأمر بعجلة وأوقرها أسطوانا وجعل فى أسفل العجلة خناجر وشفارا، ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجلة نهضة واحدة وجرجيس تحتها، فانقطع ثلاث قطع، فأمر بقطعه فأحرقت بالنار، حتى اذا عادت رمادا بعث بذلك الرّماد وبعث معه رجالا فذرّوه فى البحر، فلم يبرحوا من مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء: يا بحر، إنّ الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب، فإنّى أريد أن أعيده كما كان. ثم أرسل الله تعالى الريح فأخرجته ثم جمعته حتى صار الرّماد صبرة كهيئة قبل أن يذرّوه؛ فخرج منه جرجيس مغبرا ينفض رأسه، فرجعوا ورجع جرجيس، فأخبروا الملك خبر الصوت [الذى سمعوا «١» ] والريح التى جمعته، فقال: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لى ولك مما نحن فيه؟
ولولا أن يقول الناس إنك قهرتنى وغلبتنى لاتّبعتك وآمنت بك، ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة واذبح له شاة واحدة، ثم إنى أفعل ما يسرّك. فقال له: نعم، مهما شئت فعلت، فأدخلنى على صنمك. ففرح الملك بقوله فقام وقبّل يديه ورجليه ورأسه وقال: إنّى أعزم عليك ألّا تظل هذا اليوم إلّا عندى، ولا تبيت هذه الليلة إلّا فى بيتى وعلى فراشى، حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب، ويرى الناس كرامتك علىّ،
стр. 4768
فأخلى له بيت فظلّ فيه جرجيس، حتى اذا أدركه الليل قام يصلّى ويقرأ الزّبور، وكان أحسن الناس صوتا. فلمّا سمعت امرأة الملك استجابت له، فلم يشعر إلّا وهى خلفه تبكى معه، فدعاها جرجيس الى الإيمان فآمنت به، وأمرها فكتمت إيمانها.
فلمّا أصبح غدا به الملك الى بيت الأصنام ليسجد لها. [وقيل للعجوز التى كان سجن فى بيتها: هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك فأصغى الى الدنيا وقد خرج به الملك الى بيت أصنامه ليسجد لها «١» ] فخرجت العجوز تحمل ابنها على عاتقها وتوبّخ جرجيس والناس مشغولون عنها. فلمّا دخل جرجيس بيت الأصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس اليه مقاما؛ فدعا ابن العجوز باسمه فنطق وأجابه ولم [يكن «٢» ] يتكلّم قبل ذلك، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه وهما مستويتان وما وطئ على الأرض قبل ذلك قط. فلمّا وقف بين يدى جرجيس قال: اذهب فادع لى هذه الأصنام وهى حينئذ سبعون صنما على منابر من ذهب، وهم يعبدون الشمس والقمر معها. فقال له الغلام:
كيف أدعو الأصنام؟ قال: قل لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذى خلقك إلّا أجبتيه. قال: فلمّا قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج الى جرجيس، فلمّا انتهت اليه ركض الأرض برجله فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف، فلمّا مرّ بجرجيس أخذ بناصيته، فخضع له وكلّمه جرجيس فقال له: أخبرنى أيها الرّوح النّجسة والخلق الملعون، ما الذى يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون الى جهنّم؟ فقال له إبليس: لو خيّرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين هلكة واحد من بنى آدم وضلالته طرفة عين لاخترته على ذلك كله، وإنه ليقع لى من الشهوة واللذّة فى ذلك مثل جميع ما يتلذّذ به جميع الخلائق. ألم تعلم يا جرجيس أنّ الله تعالى
стр. 4769
أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجدوا كلّهم وامتنعت أنا من السجود وقلت أنا خير منه!. فلما قال هذا أخلاه جرجيس. فما دخل إبليس منذ ذلك اليوم جوف صنم ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبدا. [فقال الملك: يا جرجيس خدعتنى وغدرتنى وأهلكت آلهتى «١» .] فقال جرجيس للملك: إنما فعلت ذلك لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت منّى فكيف ثقتك- ويلك- بآلهة لم تمنع أنفسها منّى! وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلّا ما ملّكنى ربّى. فلمّا قال جرجيس هذا كلّمتهم امرأة الملك وكشفت لهم إيمانها، وعدّدت عليهم [أفعالهم «٢» ] أفعال جرجيس والعبر التى أراهم الله تعالى، وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلّا دعوة فيخسف الله بكم الأرض كما خسف بأصنامكم. الله الله أيها القوم فى أنفسكم!. فقال لها الملك:
ويحك يا سكندرة! ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر فى ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يظفر منّى بشىء قطّ! فقالت: أما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلّطه عليك فيكون له الفلج والحجّة عليك فى كل موطن!. فأمر بها الملك عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التى كان عليها علّق، وحملت عليها الأمشاط التى جعلت على جرجيس. فلمّا تألّمت قالت: ادع ربك يا جرجيس فيخفّف عنّى فإنى قد المنى العذاب. فقال لها: انظرى فوقك. فلمّا نظرت ضحكت. فقال لها: ما الذى يضحكك؟ قالت: أرى ملكين فوقى معهما تاج من حلّى الجنة ينتظران به روحى أن تخرج. فلمّا خرجت أتيا بذلك التاج ثم صعدا بها الى الجنة. قال: فلمّا قبض الله تعالى روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال: اللهمّ أنت أكرمتنى بهذا البلاء لتعطينى فضائل الشهداء، فهذا آخر أيامى التى وعدتنى فيه الراحة من بلائك، فإنّى أسألك ألّا تقبض روحى ولا أزول من مكانى هذا حتى تنزل بهؤلاء القوم من
стр. 4770
سطوتك ونقمتك ما لا قبل لهم به حتى تشفى به صدرى وتقرّ به عينى؛ فإنهم ظلمونى وعذّبونى. اللهمّ وأسألك ألّا يدعو بعدى داع فى بلاء وكرب فيذكرنى ويشير باسمى إلّا فرّجت عنه ورحمته وأجبته وشفّعتنى فيه. فلمّا فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم نارا من السماء. فلمّا رأوا ذلك عمدوا اليه وضربوه بالسيوف غيظا عليه من شدّة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. ثم احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رمادا، فحملها الله من وجه الأرض وجعل عاليها سافلها، فمكثت زمانا يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمّه أحد إلّا سقم سقما شديدا. وكان من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثون ألفا وامرأة الملك. قالوا: وكان جرجيس فى أيام ملوك الطوائف.
وحيث انتهى بنا القول فى سرد ما شرحناه من قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وما اتصل بذلك من الأخبار؛ فلنذكر الآن التذييل الذى شرحناه فى ترجمة هذا القسم للسبب الذى قدّمناه. وبالله المستعان.
التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس
يشتمل على ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم الى الأرض، وما يكون من الفتن والحروب، وخروج من يخرج ويتغلّب على البلاد، وخروج المهدىّ والدّجال ونزول عيسى بن مريم وقتله الدّجال، وخروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، ووفاة عيسى بن مريم، وما يكون بعده من أشراط الساعة ويوم القيامة والنفخ فى الصّور والحشر والمعاد. مما أورد إن شاء الله تعالى ذلك من كتب الحديث الصحيح النبوىّ، ومن كتاب المبتدا للكسائىّ، ومن كتاب العاقبة للشيخ أبى محمد عبد الحقّ بن عبد الحقّ بن عبد الله الأزدىّ الإشبيلىّ على سبيل الاختصار.
стр. 4771
الباب الأوّل من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم
ولنبدأ بذكر الملاحم. قال رسول الله ﷺ : «ستصا لحكم الرّوم صلحا آمنا، ثم تغزون أنتم وهم عدوّا «١» فتنتصرون وتغنمون وتسلمون ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذى تلول، فيرفع الرجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم اليه فيدقّه، فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون حينئذ تحت ثمانين غاية «٢» تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» . وعنه ﷺ :
«اذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالى هم أكرم العرب فرسا وأجوده سلاحا يؤيّد الله بهم الدّين» . وعنه ﷺ أنه قال: «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينيّة وخروج الدجّال فى سبعة أشهر «٣» » . وعنه ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف «٤» الأنوف كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة «٥» ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشّعر «٦» » . وفى الحديث
стр. 4772
الآخر: «إنّ من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة. وإنّ من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون الشّعر» . وعنه ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين عراض الوجوه كأنّ أعينهم حدق الجراد كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة ينتعلون الشّعر ويتّخذون الدّرق يربطون خيولهم بالنخل «١» » . خرّج هذه الأحاديث ابن ماجه «٢» .
ذكر خبر المتغلّبين على البلاد وذلك مما يظهر من الفتن قبل نزول عيسى ﵇
قال أبو الحسن الكسائىّ عن كعب الأحبار: ولابدّ أن يحدث بين يدى نزول عيسى علامات وحروب وفتن، فأوّل من يخرج ويغلب على البلاد رجل اسمه الأصهب من بلاد الجزيرة، ويخرج الجرهمىّ من بلاد الشام، ويخرج القحطانىّ بأرض اليمن، وهو أمثل هؤلاء الثلاثة شوكة. فبينا هؤلاء الثلاثة فى مواضعهم وقد تغلّبوا على أمكنتهم بالظلم والجور إذا هم بالرجل السّفيانىّ قد خرج من غوطة دمشق، وقيل: إنه يخرج من الشام، وقيل: إنه يخرج من الوادى اليابس. وأخواله من كلب، واسمه معاوية بن عنبسة. وهو ربع من الرجال، دقيق الوجه. طويل الأنف، محدودب، جهورىّ الصوت، يكسر عينه اليمنى؛ يحسبه الذى يراه كأنه أعور وليس بأعور، يظهر فى أوّل أمره بالزهد ويبذل الأموال، ويخطّب له على منابر الشام، ويكون جريئا على سفك الدماء لمن خالفه، ويعطّل الجمعة والجماعة. وعلامة بدء أمره أنه يخرج فى كل مدينة دجّال يدعو إلى نفسه، ويظهر الفسق حتى إنهم يفجرون فى المساجد، فيخرج عليهم السّفيانىّ
стр. 4773
حتى ينزل أرض دمشق، فيجتمع اليه القوم ويبايعونه، ويفرّق الأموال الكثيرة بينهم حتى يقولوا هذا خير أهل الأرض. ثم يسير فى الشام وعلى مقدّمته رجل من جهينة يقال له ناجية حتى ينزل العراق، فيخرج اليه القحطانىّ جيشا كثيرا فيهزمهم ناجية هزيمة قبيحة، فعند ذلك يوجّه السّفيانىّ ثلاث جيوش: جيش الى الكوفة فيقتلون قتلا ذريعا، وجيش الى خراسان فيقتلون ويحرّقون، وجيش الى الروم حتى يكثر القتل منهم فى الدنيا وفى كل طريق. فعند ذلك يجتمع الصالحون على السّفيانىّ ويخوّفونه عقوبة الله فى سفك الدماء، فيأمر بقتلهم وقتل العلماء والزّهّاد فى جميع الآفاق. فعند ذلك يجتمع المسلمون على رجل من أهل بيت رسول الله ﷺ يقال له محمد بن علىّ فيبايعونه ويسمّونه المهدىّ. والله أعلم.
ذكر خبر خروج المهدىّ
قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: يبايع بين مكة والرّكن، ويكون أوّل أمره على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وقيل: إنه يخرج [قبل هذا ولىّ «١» ] من قرية من قرى حرس «٢» فى ثلاثين رجلا، ثم يجتمع اليه المؤمنون من كل ناحية، ثم ينكسف القمر ثلاث ليال متواليات، ثم يظهر المهدىّ بمكة ويشيع أمره؛ فيبلغ ذلك [الزّهرانىّ صاحب «٣» ] السّفيانىّ، فيبعث الى المهدىّ جيشا ثلاثين ألفا فينزلون فى البرّيّة. ثم يخرج السّفيانىّ، الى البيداء، فإذا استقرّ بالموضع خسف الله تعالى بهم الأرض، فيأخذهم الى أعناقهم حتى لا يفلت منهم إلّا رجلان يخرجان بفرسيهما، فإذا وصلوا الى القوم رأوهم وقد خسف الله بهم، فيخسف الأرض بواحد منهما، ويحوّل الله وجه الآخر الى قفاه، فيبقى كذلك مدّة حياته. ثم يخرج المهدىّ
стр. 4774
بمن معه الى بلاد الروم فيسير حتى يسمع بهلاك السّفيانىّ وأصحابه. قال: وذلك قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ «١»
. فيحمد المهدىّ الله تعالى على ذلك، ويخرج الى بلاد الروم فى نحو مائة ألف فيصل الى القسطنطينيّة، فيدعو ملك الروم الى الإسلام فيأبى فيقاتله، ويدوم القتال بينهم شهرين، ثم ينهزم ملك الروم. ويدخل [المسلمون «٢» ] الى القسطنطينية، فينزل المهدىّ على بابها، ولها سبعة أسوار، فيكبّر سبع تكبيرات فينهدم كلّ سور منها بتكبيرة. ويدخلها المهدىّ ويقتل خلقا كثيرا ويقتل ملك الروم، ثم يرفع [عنهم «٣» ] السيف، ويأخذ المسلمون من الغنائم ما لا يحصى، حتى إنّ الرجل ليأخذ من الجوهر ما يعجز عن حمله.
فبينما هم كذلك إذ يأتيهم الخبر من خليفة المهدىّ بخروج الدجّال واجتماع الناس عليه، فيتركون تلك الغنائم وينصرفون الى بلادهم مسرعين لمحاربة الدجّال. فيقال:
إن المهدىّ يسير نحو الدّجال وعلى رأسه عمامة رسول الله ﷺ ، فيلتقون ويقتتلون قتالا شديدا، فيقتل من أصحاب الدجّال أكثر من ثلاثين ألفا، ثم ينهزم الدجّال فيمرّ نحو بيت المقدس، فيأمر الله الأرض بإمساك قوائم خيله، ويرسل عليهم ريحا حمراء فتقتل منهم أربعين ألفا. قال: ثم يقبل المهدىّ بجيشه زهاء «٤» مائة ألف، فى أيديهم الرايات البيض. فيقول المهدىّ [لعسكر الدجّال «٥» ] : ويلكم! أتشكّون فى هذا الأعور الكذّاب «٦» أنه الدجّال؟ فيقولون: لا، ولكنّا نعيش فى طعامه. فيمسخون فى الحال قردة وخنازير. ثم ينزل عيسى بعد ذلك الى الأرض ويصلّى خلف المهدىّ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 4775
ذكر خبر خروج الدجّال وصفته
وما يكون من أمره الى أن ينزل عيسى ﵇ قال كعب: إنّ الدجّال رجل طويل، عريض الصدر، مطموس العين اليمنى، واليسرى كأنها كوكب درّىّ، مكتوب بين عينيه: «كافر» ، يقرؤه كل كاتب أو غير كاتب. ويدّعى أنه الربّ، ومعه يومئذ جبل من خبز، وجبل من لحم، وأجناس الفواكه والخمور، ومعه أصحاب الملاهى يمشون بين يديه بالطبول والطنابير والمعازف والعيدان والنايات والصّنوج وغير ذلك، فلا يسمعه أحد إلا وتبعه وفتنه إلّا من عصمه الله. ويكون معه نار وجنّة، وهو يقول: من أطاعنى أدخلته الجنّة، ومن عصانى ولم يسجد لى ألقيته فى النار. قال: وعلامة خروجه أن تهبّ ريح مثل ريح قوم عاد، وتسمع صيحة عظيمة مثل صيحة قوم صالح، ويكون مسخا كمسخ أصحاب الرّس، وذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
فإذا أخذوا فى سفك الدماء واستحلّوا الرّبا وشيّدوا البنيان وشربوا الخمور، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فعند ذلك يخرج الدجّال من جهة المشرق من قرية يقال لها سيراباد «١» بين الأهواز وأصفهان، ويخرج على حمار له. قال: وهو أحمر الحاجبين، أشعر الأنف، تخرج من خلل أسنانه رائحة لا يشمّها أحد إلّا صار اليه نتنه، فى جبهته قرن مكسور تخرج منه الحيّات والعقارب، محدودب الظهر، قد صوّرت آلات السلاح فى جسده حتى الرمح والفأس والسهم والدّرق. وهو يتناول السحاب بيده، ويخوض البحار الى كعبيه، ويستظلّ فى ظلّ أذن حماره خلق كثير من أولاد الزّنا، عليهم خفاف مخروطة، لخفافهم مناقير كمناقير العقبان، لأصابعهم أظافير كالمناجل، ومعه قوم
стр. 4776
من السّحرة يقلبون الجبال خبزا والأنهار شرابا، ولا يطعم ولا يسقى إلّا من آمن به.
ومعه صاحب لوائه من قريته ينادى بأعلى صوته: هذا ربكم فاعرفوه. فإذا سار الدجّال سارت معه جبال طعامه وأنهار شرابه، وإذا وقف وقفت. يطوف الأرض شرقها وغربها حتى يدخل أرض بابل فيلقاه الخضر، فيقول له الدجّال: أنا ربّ العالمين. فيقول له الخضر: كذبت يا دجّال! إنّ ربّ العالمين ربّ السموات والأرضين. فيقتله الدّجال ويقول: لو كان لهذا إله كما يزعم لأحياه. فيحيى الله الخضر من ساعته فيقوم ويقول: ها أنا يا دجّال، قد أحيانى الله ربّى. ثم يقبل الخضر على أصحابه ويقول: ويلكم! لا يفتننّكم هذا الكافر. ويقال: إنه يقتل الخضر ثلاث مرّات ويحييه الله تعالى. ثم يخرج الدجّال نحو مكة، فإذا دنا منها رأى الملائكة «١» محدقين بالبيت الحرام قد نشروا أجنحتهم على الكعبة، يخرج من خلل أجنحتهم مثل شرر النّيران، فلا يقدر على دخولها. ثم يسير الى المدينة فيجدها كذلك. ثم يمضى الى بيت المقدس فلا يقدر على دخوله لكثرة من حوله من الملائكة. واختلف فى مدّة إقامته فى الأرض، فقيل أربعين سنة، وقيل أربعين يوما، على ما نورد ذلك من الحديث الصحيح النبوىّ الذى يشمل ذكر هذه الفتن كلها. قال: وأمّا المسلمون فإنهم يصومون ويصلّون كما كانوا غير أنهم فى غمّ، قد تركوا المساجد ولزموا البيوت، وتطلع الشمس متلوّنة: مرّة بيضاء، ومرّة صفراء، ومرّة حمراء، ومرّة سوداء، وتكون الأرض فى الزلزلة والرجفة، ثم يكون بينه وبين المهدىّ ما قدّمنا، ثم ينزل عيسى بن مريم ﵇.
стр. 4777
الباب الثانى من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى خبر نزول عيسى بن مريم ﵇ وقتله الدجّال و ...
خروج يأجوج ومأجوج وفسادهم وهلاكهم، ووفاة عيسى ﵇ لمّا رأيت أهل السّير قد أكثروا من القول فى نزول عيسى ﵇ وزادوا فى القول ونقصوا منه، عدلت عن أقوالهم، وأوردت ما أذكره من ذلك من الحديث الصحيح النبوىّ، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم. وختمت هذا الباب بالحديث الشامل فى خروج الدجّال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ وغير ذلك. وهذه الأحاديث خرّجتها من كتاب السّنن للإمام الحافظ أبى عبد الله محمد ابن يزيد بن ماجه القزوينى، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
ذكر نزول عيسى بن مريم ﵇
قال رسول الله ﷺ ، وقد ذكر فتنة الدجّال وما يلاقيه الناس منه، قال: «فبينما هم كذلك إذ بعث الله عيسى بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين «١» واضع «٢» كفّيه على أجنحة ملكين، اذا طأطأ رأسه قطر «٣» ، وإذا رفع رأسه يتحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحلّ لكافر أن يجد ريح نفسه إلّا مات.
ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه، فينطلق حتى يدرك الدجّال فيقتله عند باب لدّ «٤» .
قال: «ثم يأتى نبىّ الله عيسى ﵇ قوما قد عصمهم الله فيمسح وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم فى الجنة» . والله أعلم.
стр. 4778
ذكر خبر يأجوج ومأجوج
صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنّ يأجوج ومأجوج ليحفرون السدّ كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذى عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله أشدّ ما كان حتى إذا بلغت مدّتهم وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنوا فيعودون اليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الأرض فينشفون المياه ويتحصّن الناس منهم فى حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع عليهم الدم الذى أجفط «١» فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا»
فى أقفائهم فيقتلهم بها» . قال ﷺ : «والذى نفسى بيده إنّ دوابّ الأرض لتسمن وتشكر «٣» شكرا من لحومهم ودمائهم» . وفى الحديث الآخر: «إنّ الله تعالى يوحى إلى عيسى أنّى قد أخرجت عبادا لى لا يدان لأحد بقتالهم فاحرز عبادى إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى: مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبريّة فيشربون ما فيها ثم يمرّ آخرهم فيقولون لقد كان فى هذا ماء مرّة وليحصر نبىّ الله عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبىّ الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف فى رقابهم فيصبحون فرسى «٤» كموت نفس واحدة ويهبط نبىّ الله عيسى وأصحابه فلا يجدون موضع شبر إلّا قد ملأه زهمهم «٥» ونتنهم ودماؤهم فيرغبون إلى الله فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم
стр. 4779
فتطرحهم حيث شاء الله . ثم يرسل الله [عليهم «١» ] مطرا لا يكنّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسله حتى يتركه كالزّلفة «٢» ، ثم يقال للأرض أنبتى ثمرتك وردّى بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرّمانة فتشبعهم ويستظلّون بقحفها «٣» ، ويبارك الله فى الرّسل «٤» حتى إن اللّقحة «٥» من الإبل تكفى الفئام «٦» من الناس، واللّقحة من البقر تكفى القبيلة، واللقحة من الغنم تكفى الفخذ «٧» . فبينماهم كذلك إذ بعث الله عليهم ريحا طيّبة فتأخذ تحت آباطهم فتقبض روح كلّ مسلم ويبقى سائر الناس يتهارجون «٨» كما يتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» . وفى الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال:
«لمّا كان ليلة أسرى برسول الله ﷺ لقى إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا الساعة فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم، فردّ الحديث إلى عيسى بن مريم فقال قد عهد إلىّ فيما دون وجبتها «٩» ، فأمّا وجبتها فلا يعلمها إلّا الله، فذكر خروج الدجّال قال فأنزل فأقتله فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كلّ حدب ينسلون، فلا يمرّون بماء إلّا شربوه ولا بشئ إلّا أفسدوه، فيجئرون إلى الله تعالى فأدعو الله أن يميتهم فتنتن الأرض من ريحهم، فيجئرون إلى الله فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم
стр. 4780
فيلقيهم فى البحر ثم تنسف الجبال وتمدّ الأرض مدّ الأديم فعهد إلىّ متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل لا يدرى أهلها متى تفجأهم بولادتها» .
قال العوّام بن حوشب وهو من رواة هذا الحديث: ووجد تصديق ذلك فى كتاب الله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ «١»
. وفى الحديث الآخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
فيعمّون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقيّة المسلمين فى مدائنهم وحصونهم ويضمّون إليهم مواشيهم، حتى إنهم ليمرّون بالنهر فيشربونه حتى ما يذكرون فيه شيئا، فيمرّ آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم لقد كان بهذا المكان مرّة ماء، ويظهرون على الأرض، فيقول قائلهم هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ولننازلن أهل السماء، حتى إنّ أحدهم ليهزّ حربته إلى السماء فترجع مخضّبة بالدم، فيقولون قد قتلنا أهل السماء. فبينما هم كذلك إذ بعث الله دوابّ كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسّا، فيقولون من رجل يشرى نفسه وينظر ما فعلوا، فينزل منهم رجل قد وطنّ نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى، فيناديهم ألا أبشروا فقد هلك عدوّكم، فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم فما يكون لهم رعى إلّا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قطّ» . وعن رسول الله ﷺ أنه قال:
«سيوقد المسلمون من قسىّ يأجوج ومأجوج ونشّابهم وأترستهم سبع سنين» .
والله المعين.
стр. 4781
الحديث الجامع لأخبار عيسى بن مريم ﵇ والدجّال
قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينى فى سننه:
حدّثنا علىّ بن محمد قال حدّثنا عبد الرحمن المحاربىّ عن إسماعيل بن رافع أبى رافع عن أبى زرعة السّيبانىّ «١» يحيى بن أبى عمرو عن أبى أمامة الباهلىّ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدجّال وحذّرناه، فكان من قوله أن قال: «إنه لم تكن فتنة فى الأرض منذ ذرأ «٢» الله ذرّية آدم ﷺ أعظم من فتنة الدجّال، وإنّ الله لم يبعث نبيّا إلّا حذّر أمّته الدجّال.
وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة. فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكلّ مسلم، وإن يخرج من بعدى فكلّ امرئ حجيج نفسه، والله خليفتى على كل مسلم. وإنه يخرج من حلّة بين الشام والعراق فيعيث «٣» يمينا ويعيث شمالا يا عباد الله فأثبتوا فإنّى سأصفه لكم صفة لم يصفها إيّاه نبىّ قبلى: إنه يبدأ فيقول أنا نبىّ، ولا نبىّ بعدى، ثم يثنّى فيقول أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور وإنّ ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه «كافر» يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب.
وإنّ من فتنته أنّ معه جنة ونارا، فناره جنة، وجنته نار. فمن ابتلى بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم. وإنّ من فتنته أن يقول لأعرابىّ أرأيت إن بعثت لك أباك وأمّك أتشهد أنّى ربّك فيقول نعم، فيتمثّل له شيطانان فى صورة أبيه وأمّه فيقولان يا بنىّ اتبعه فإنه ربك. وإنّ من فتنته أن يسلّط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقّين، ثم يقول
стр. 4782
انظروا الى عبدى هذا فإنّى أبعثه الآن، ثم يزعم أنّ له ربّا غيرى، فيبعثه الله ويقول له الخبيث من ربّك؟ فيقول ربّى الله وأنت عدوّ الله أنت الدجّال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك منّى اليوم» . قال أبو الحسن الطّنافسىّ فحدثنا المحاربىّ حدّثنا عبيد الله ابن الوليد الوصّافىّ عن عطيّة عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ :
«ذلك الرجل أرفع أمّتى درجة فى الجنة» . قال قال أبو سعيد: والله ما كنّا نرى ذلك الرجل إلّا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. قال المحاربىّ ثم رجعنا الى حديث أبى رافع قال: «وإنّ من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت.
وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحىّ فيكذّبونه فلا تبقى لهم سائمة إلّا هلكت. وإن من فتنته أن يمرّ بالحىّ فيصدّقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمدّه خواصر وأدرّه ضروعا. وإنه لا يبقى شىء من الأرض إلّا وطئه وظهر عليه إلّا مكة والمدينة لا يأتيهما من نقب «١» من نقابهما إلّا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة «٢» حتى ينزل عند الظّريب «٣» الأحمر عند منقطع السّبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلّا خرج إليه، فتنفى الخبث منها كما ينفى الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أمّ شريك بنت «٤» أبى العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟
قال هم يومئذ قليل وجلّهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح. فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّى بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵇ الصبح، فرجع ذلك
стр. 4783
الإمام ينكص (يمشى القهقرى) ليتقدّم عيسى ﵇ يصلّى بالناس، فيضع ﵇ يديه بين كتفيه ثم يقول له تقدّم فصلّ فإنها لك أقيمت فيصلّى بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇ افتحوا الباب «١» فيفتح ووراءه الدّجال ومعه سبعون ألف يهودىّ كلهم ذو سيف محلّى وساج «٢» ، فإذا نظر اليه الدجّال ذاب كما يذوب الملح فى الماء فينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇ إنّ لى فيك ضربة لن تسبقنى بها فيدركه عند باب اللّدّ الشرقىّ فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شىء مما خلق الله يتوارى به يهودىّ إلا أنطق الله ذلك الشىء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابّة إلّا الغرقدة «٣» فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودىّ فتعال اقتله. قال رسول الله ﷺ وإنّ أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسى. فقيل له يا رسول الله كيف نصلّى فى تلك الأيام القصار؟ قال تقدّرون فيها الصلاة كما تقدّرونها فى هذه الأيام الطّوال ثم صلّوا.
قال رسول الله ﷺ فيكون عيسى بن مريم فى أمّتى حكما «٤» عدلا وإماما مقسطا «٥» ، يدقّ الصليب «٦» ، ويذبح الخنزير «٧» ، ويضع «٨» الجزية، ويترك الصدقة «٩» فلا يسعى على
стр. 4784
شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتتزع حمة «١» كلّ ذات حمة حتّى يدخل الوليد يده فى الحيّة فلا تضرّه، وتفرّ «٢» الوليدة الأسد فلا يضرّها، ويكون الذئب فى الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السّلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلّا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كماثور «٣» الفضّة- وقيل كفاثور الفضة- تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرّمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدّريهمات. قالوا يا رسول الله: وما يرخّص الفرس؟ قال: لا يركب لحرب أبدا. قيل له: فما يغلى الثور؟ قال تحرث الأرض كلّها.
وإنّ قبل خروج الدجّال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء فى السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء فى السنة الثانية فتحبس ثلثى مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثى نباتها، ثم يأمر الله السماء فى السنة الثالثة فتحبس مطرها كلّه فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها كلّه فلا تنبت خضرا، ولا تبقى ذات ظلف إلّا هلكت إلّا ما شاء الله . قيل: فما يعيش الناس فى ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجرى ذلك عليهم مجرى الطعام» . قال المحاربىّ: ينبغى أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدّب حتى يعلّمه الصبيان فى المكاتب.
стр. 4785
الباب الثالث من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم ﵇ الى أن ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الأولى
ذكر خروج الدابّة وطلوع الشمس من مغربها
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تخرج الدّابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران، فتجلو «١» وجه المؤمن بالعصا، وتخطم «٢» أنف الكافر بالخاتم، حتى إنّ أهل الحواء «٣» ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر» . وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله عنهما قال:
ذهب بى رسول الله ﷺ الى موضع بالبادية قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ : «تخرج الدّابة من هذا الموضع» فإذا فتر فى شبر. قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصا له، فاذا هى بعصاى هذه كذا وكذا. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» . وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ : «أوّل الايات خروجا طلوع الشمس من مغربها. وخروج الدابّة على الناس ضحى» . قال عبد الله: فأيّتهما ما خرجت قبل الأخرى فالأخرى
стр. 4786
منها قريب. قال عبد الله: ولا أظنها إلّا طلوع الشمس من مغربها. وعن رسول الله ﷺ : «إنّ من قبل مغرب الشمس بابا مفتوحا عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا» . والله الهادى للصواب.
ذكر خبر قيام الساعة والنفخة الأولى
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : «ما زال صاحب الصّور مذ وكّل به مستعدّا ينظر نحو العرش الى أن يؤمر فينفخ قبل أن يرتدّ اليه طرفه كأنّ عينيه كوكبان درّيّان» . وسئل رسول الله ﷺ ما الصّور؟ فقال: «قرن ينفخ فيه» . وعنه ﷺ فى قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ*
قال: «الصور كهيئة القرن» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجّالون كذّابون قريب من ثلاثين كلّهم يزعم أنه رسول الله، وحتّى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتّى يكثر فيكم المال فيفيض حتّى يهمّ ربّ المال من يقبل صدقته، وحتّى يعرضه فيقول الذى يعرضه عليه لا أرب لى به، وحتّى يتطاول الناس فى البنيان، وحتى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيقول يا ليتنى مكانه، وحتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا.
ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن
стр. 4787
الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ السّاعة وهو يليط «١» حوضه فلا يسقى فيه. ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته الى فيه فلا يطعمها» .
هذا من صحيح البخارى «٢» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر خبر الدجّال وقتله قال: «٣» «.... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشأم فلا يبقى على وجه الأرض أحد فى قلبه مثقال ذرّة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتّى لو أنّ أحدكم دخل فى كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه. قال فيبقى شرار الناس فى خفّة الطير «٤» وأحلام السّباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثّل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون! فيقولون فما تأمرنا؟
فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم فى ذلك دارّ «٥» رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ فى الصّور فلا يسمعه أحد إلّا أصغى ليتا «٦» ورفع ليتا. قال وأوّل من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله- أو قال ينزل الله- مطرا كأنه الطّلّ أو الظّل- الشكّ من الراوى- فتنبت منه أجساد الناس؛ ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال يأيّها الناس هلمّوا الى ربّكم» . ويروى أن هذا المطر الذى تنبت منه الأجساد كمنىّ الرجال.
стр. 4788
الباب الرابع من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية فى الصور
ذكر يوم القيامة وأسمائه
هو اليوم الذى وصفه الله بالعظمة فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ «١»
. ووصفه الله بالطّول فقال: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ* فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا «٢» .
وليوم القيامة أسماء جاء بها القرآن، وقد ذكرها عبد الحقّ فى كتاب العاقبة فقال:
«يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة! يوم الحسرة والندامة، يوم يجد كلّ عامل عمله أمامه، يوم الدمدمة، يوم الزلزلة، يوم الصاعقة، يوم الواقعة، يوم الراجفة، يوم الرادفة، يوم الغاشية، يوم الداهية، يوم الآزفة، يوم الحاقّة، يوم الطامّة، يوم الصاخّة، يوم التّلاق، يوم الفراق، يوم الميثاق، يوم الانشقاق، يوم القصاص، يوم لات حين مناص، يوم التّناد، يوم الأشهاد، يوم الميعاد، يوم المآب، يوم العذاب، يوم الفرار، يوم القرار، يوم المرصاد، يوم السائلة، يوم المناقشة، يوم الحساب، يوم القضاء، يوم الجزاء، يوم البكاء، يوم البلاء، يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا، يوم الحشر، يوم النشر، يوم الجمع، يوم البعث، يوم العرض،
стр. 4789
يوم الوزن، يوم الحقّ، يوم الحكم، يوم الفصل، يوم الخزى، يوم عقيم، يوم عظيم، يوم عسير، يوم عبوس، يوم قمطرير، يوم النشور، يوم المصير، يوم الدّين، يوم اليقين، يوم النفخة، يوم الصّيحة، يوم الرّجفة، يوم الرجّة، يوم الزجرة، يوم الشدّة، يوم الفزع، يوم الجزع، يوم القلق، يوم العرق، يوم الميقات، يوم تخرج الأموات وتظهر المخبآت، يوم الإشفاق، يوم الأنشقاق، يوم الانكدار، يوم الانتشار، يوم الانفطار، يوم الافتقار، يوم الوقوف، يوم الانصداع، يوم الانقطاع، يوم معلوم، يوم موعود، يوم مشهود، يوم تبلى السرائر، يوم تخرج الضمائر، يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، يوم يدعى فيه إلى النار، يوم تسجر «١» فيه النار، يوم تقلّب فيه الوجوه فى النار، يوم البروز فيه إلى الله، يوم الصّدور إلى الله، يوم لا تنفع المعذرة، يوم لا يرضى إلّا المغفرة. قال: وأهول أسمائه وأشنع ألقابه: يوم الخلود، يوم لا انقطاع لعذابه، ولا آخر لعقابه، ولا يكشف عن كافر ما به. نعوذ بالله من غضبه وبلائه، برحمته وآلائه. والله معين العاجزين.
ذكر الحشر والمعاد والنفخة الثانية
جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «٢»
قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. قال: ثم يأمر الله ملك الموت أن يقبض روح جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يأمر ملك الموت أن يموت فيموت ولا يبقى إلا الله، فينادى ﷻ : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٣»
فلا يجيبه أحد، فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
стр. 4790
ثم يمكث الناس فى البرزخ «١» أربعين عاما، ثم يحيى الله إسرافيل فيأمره أن ينفخ النفخة الثانية؛ قال الله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «٢» .
وقال تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى «٣»
. وقال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «٤»
. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأكل التراب كلّ شىء من الإنسان إلّا عجب «٥» الذّنب» .
قيل: يا رسول الله، وما هو؟ قيل: «مثل حبّة خردل ومنه ينشأ» . وفى الحديث الآخر: «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل» . وفى الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله وعزتى وجلالى ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح فى الأرض إلى الأجسام، فتدخل فى الخياشيم ثم تمشى مشى السمّ فى اللّديغ» . قال: «وتجتمع الأرواح كلها فى الصّور، ثم ينفخ إسرافيل فيه فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم تدخل فى الأجساد» كما تقدّم. وفى الحديث الصحيح أنّ عائشة رضى الله عنها قالت:
يا رسول الله، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: «حفاة عراة» . قالت:
يا رسول الله، والنساء؟ قال: «والنساء» . قالت: يا رسول الله، فما نستحيى؟ قال:
«يا عاشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم الى بعض» . وعن أبى موسى الأ شعرىّ رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمّا عرضتان فجدال ومعاذير، وأمّا الثالثة فعند ذلك تطير الصحف فى الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله
стр. 4791
صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١»
قال: «يقوم أحدهم فى رشحه «٢» الى أنصاف أذنيه وهو اليوم الذى قال الله تعالى فيه كَلَّا لا وَزَرَ* إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ «٣» * يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
» . وقال رسول الله ﷺ : «يجمع الله الأوّلين والآخرين فى صعيد واحد فيسمعهم الداعى وينفذهم البصر» يريد أرضا مستويّة لا جبل فيها ولا أكمة ولا ربوة ولا وهدة، أرض بيضاء لم يسفك عليها دم قطّ، ولا عمل عليها خطيئة ولا ارتكب فيها محرّم. قال الله تعالى:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
. وفى حديث «٤» ثوبان: أن النبىّ ﷺ سئل أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: «هم فى الظّلمة دون الجسر» والجسر هو الصراط. وفى حديث عائشة «إنهم على الصراط» . قال الله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ «٥»
. وقال تعالى: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً «٦»
أى يقول بعضهم لبعض سرّا، فيقول أعدلهم قولا وأرجحهم عقلا: إن لبثتم إلا يوما. قال الله : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً «٧» .
وروى عن مجاهد أنه قال: للكفّار هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا بعثوا قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا! فتخرج الخلائق مذعورين خائفين وجلين، وإذا المنادى ينادى: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ «٨»
، فيطمع فى ذلك النداء المؤمنون والكافرون، فينادى المنادى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا
стр. 4792
وَكانُوا مُسْلِمِينَ «١»
. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم» . قيل:
يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّ الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب «٢» وشوك» .
وفى حديث مسلم بن الحجّاج عن أنس أنّ رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذى أمشاه على رجليه فى الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» . والأحاديث الصحيحة فى هذا الباب كثيرة جدّا لو استقصيناها لطال الكلام وانبسط القول، وخرج التأليف عن شرطه الذى قدّمناه، فلنختم هذا الباب ب حديث لقيط بن عامر العقيلىّ فإنه حديث جامع لأكثر ما فى هذا الباب.
حديث لقيط بن عامر
قال أبو بكر بن أبى خيثمة بإسناده الى لقيط بن عامر العقيلىّ قال: خرجت أنا وصاحب «٣» لى حتى قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة لانسلاخ «٤» رجب، فأتينا رسول الله ﷺ ، [فوافيناه «٥» ] حين انصرف من صلاة «٦» الغداة
стр. 4793
فقام [فى الناس «١» ] خطيبا فقال: «أيها الناس! ألا إنى قد خبأت لكم صوتى منذ أربعة أيام لأسمعكم اليوم. ألا فهل من امرئ بعثه قومه [فقالوا اعلم لنا ما يقول رسول الله- ﷺ . ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضّلال «٢» ] . ألا إنى مسئول هل بلّغت. ألا اسمعوا تعيشوا «٣» ألا اجلسوا «٤» » فجلس الناس وقمت أنا وصاحبى، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ [فضحك لعمر الله وهزّ رأسه وعلم أنّى أبتغى لسقطه «٥» ] فقال: «ضنّ ربك بمفاتيح خمس «٦» من الغيب لا يعلمها إلا الله «٧» » . فقلت: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: «علم المنية [قد علم متى منيّة أحدكم ولا تعلمونه «٨» ] . وعلم المنّى حين «٩» يكون فى الرّحم [قد علمه ولا تعلمونه «١٠» ] وعلم ما فى غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه «١١» . وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين «١٢» فيظّل يضحك قد علم أنّ غوثكم قريب» . قال لقيط:
لم لن نعدم من ربّ يضحك خيرا. «وعلم يوم الساعة» . قلت: يا رسول الله، إنى سائلك عن حاجتى «١٣» . قال: «سل عمّا شئت» . قلت: يا رسول الله،
стр. 4794
علّمنا مما لا يعلم الناس «١» ومما تعلم فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا من مذحج التى تدنو إلينا، وخثعم التى توالينا، وعشيرتنا التى نحن منها «٢» ] . قال: «تلبثون ما لبثتم ثم يتوفّى نبيّكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصحيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شىء إلّا مات والملائكة الذين مع ربك، فأصبح «٣» ربك يطوف فى الأرض وقد خلت «٤» عليه البلاد، فأرسل ربك السماء [بهضب «٥» ] من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميّت إلا شقّت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوى جالسا، فيقول ربك مهم «٦» لما كان فيه، فيقول: يا رب أمتّنى «٧» أمس اليوم، لعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله» . فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا
стр. 4795
بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: «أنبئك بمثل ذلك فى إلّ «١» الله الأرض أشرفت عليها وهى مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا ثم أرسل ربك عليها «٢» السماء، فلم تلبث عليها إلا أياما حتى أشرفت عليها فإذا هى شرية «٣» واحدة، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء «٤» ومن مصارعكم فتنظرون إليه ساعة وينظر اليكم» . قلت: يا رسول الله، [وكيف «٥» ] ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر اليه؟ قال: «أنبئكم بمثل ذلك فى إلّ الله الشمس والقمر آية [منه «٦» ] صغيرة ترونهما ساعة واحدة «٧» ويريانكم لا تضارّون «٨» فى رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وتروه «٩» منهما أن تروهما ويرياكم لا تضارّون فى رؤيتهما» . قلت: يا رسول الله، فماذا يفعل بنا ربّنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية [له «١٠» ] صفحاتكم لا يخفى عليه [منكم «١١» ] خافية، فيأخذ ربك [بيده «١٢» ] غرفة من الماء فينضح [بها «١٣» ] قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم منها قطرة، فأمّا المسلم
стр. 4796
فتدع وجهه مثل الرّيطة «١» البيضاء، وأمّا الكافر فتخطمه بمثل الحمم «٢» الأسود. ألا ثمّ ينصرف [نبيّكم «٣» ] ويتفرّق على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول حسّ «٤» ، فيقول ربك وإنّه «٥» . ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلّا وقع عليها قدح يطهّره «٦» من الطّوف والبول «٧» والأذى. وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا» . قلت: يا رسول الله، فبم نبصر الأرض «٨» ؟ قال: «بمثل ساعتك هذه» وذلك مع طلوع الشمس فى يوم أشرقته «٩» الأرض وواجهته الجبال. قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال «الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلّا أن يعفو الله» . قلت:
стр. 4797
يا رسول الله، ما الجنة وما النار «١» . قال: «لعمر إلهك إن «٢» للنار لسبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما. وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلّا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» . قلت: يا رسول الله، فعلام نطّلع من الجنّة؟
قال: «على أنهار من عسل مصفّى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن، [وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون «٣» ] وخير من مثله معه وأزواج مطهّرة» . قلت: يا رسول الله، ولنا فيها أزواج أو منهنّ مصلحات «٤» ؟
قال: «الصالحات للصالحين تلذّونهنّ مثل لذّاتكم فى الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها» .
انتهى التذييل على القسم الثالث بعون الله وتعالى وحسن توفيقه. والله الموفّق.
للصواب.
стр. 4798
القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، وخبر سيل العرم ووقائع العرب فى الجاهلية ،
ويشتمل على خمسة أبواب
الباب الأوّل فى أخبار ذى القرنين الذى ذكره الله فى كتابه العزيز فى سورة الكهف .
قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً «١»
. واختلف فى تسميته ذا القرنين، فقيل:
لبلوغه أطراف الأرض، وإنّ الملك الموكّل بجبل قاف سمّاه بذلك. وهذا القول محكىّ عن ابن عبّاس رضى الله عنهما. وقيل: إنما سمّى بذلك لأنه كانت له ذؤابتان من الذهب. ويعزى هذا القول إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وقيل:
إنما سمّى بذلك لأنه رأى فى منامه أنه يدنو من الشمس فيضع يده فى قرنيها من شرقها وغربها، فقصّ رؤياه على قومه فسمّوه ذا القرنين، وهذا القول مروىّ عن وهب.
وقيل: إنما سمّى به لأن الله تعالى كان قد بعثه إلى قوم فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله ثم بعثه اليهم فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم أحياه الله، فسمّى ذا القرنين.
وقيل: إنما سمّى بذلك لأنه أفنى قرنين من الناس. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمّه. وقيل: لأنه أعطى علم الظاهر والباطن.
стр. 4799
وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل غير «١» ذلك. والله تعالى أعلم.
قال وهب: كان ذو القرنين رجلا من أهل الإسكندرية يقال له الإسكندروس. والعجب كونه نسبه أنه من أهل الإسكندرية، وقد نقل جماعة من أهل التاريخ أن الإسكندر هو الذى أنشأ الإسكندرية وبناها، فكيف يكون من أهلها وهو الذى أنشأها واليه نسبت!. وروى عن وهب أيضا أن ذا القرنين كان خارجيا فى قومه، ولم يكن بأفضلهم نسبا ولا حسبا ولا موضعا، ثم قال بعد ذلك: إن الله تعالى بعثه نبيّا ورسولا. ولا يكون الأنبياء إلّا من أفضل قومهم حسبا وأشرفهم نسبا. وقد يكون هذا النقل لاختلاف الروايات. وما آفة الأخبار إلّا رواتها.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبىّ فى تفسيره عن ابن إسحاق قال حدّثنى من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم: أنّ ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر، اسمه مرزبان «٢» بن مرذبة اليونانىّ من ولد يونان بن يافث ابن نوح. قال وقال ابن هشام: اسمه الإسكندر، وهو الذى بنى الإسكندرية، فنسبت إليه. قال وقيل: اسمه هرمس، ويقال هرديس. وقال ابن هشام:
هو الصعب بن ذى يزن الحميرىّ. وقال وهب: هو رومىّ. وقيل: إنه أفريدون [الذى قتل بيوراسب بن أرونداسب «٣» ] الملك الفارسىّ «٤» .
стр. 4800
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى قصصه- وذكر الخلاف فى نبوّته- قال: الصحيح إن شاء الله أنه كان نبيّا غير مرسل، كما روى عن وهب وغيره من أهل الكتب. قال وقالوا: كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه إسكندروس. قال ويقال: كان اسمه ابن عيّاش «١» ، وكان عياش عبدا صالحا. قال وهب: ونشأ ذو القرنين فى علم وأدب وثروة وعفّة، ولم يزل يتخلّق بمكارم الأخلاق ويسمو إلى معالى الأمور حتى بعدت همّته، واشتدّ أمره، وعلا صوته، وعزّ فى قومه، وألقى الله تعالى عليه الهيبة، وحدّث نفسه بمعالى الأمور. قال الثعلبىّ: فلمّا استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله تعالى إليه:
يا ذا القرنين، إنّى بعثتك إلى جميع الخلائق ما بين الخافقين، وجعلتك حجّتى عليهم، وهذا تأويل رؤياك. وإنى باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهى سبع أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمّتان بينهما عرض الأرض، وأمّتان بينهما طول الأرض، وثلاث أمم فى وسط الأرض، وهم الإنس والجنّ ويأجوج ومأجوج. فأمّا الأمّتان اللتان بينهما طول «٢» الأرض فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى [بحيالها عند مطلع الشمس «٣» ] يقال لها منسك. وأمّا الأمّتان اللتان بينهما عرض «٤» الأرض فأمّة فى قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى بحيالها فى قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل. فلمّا قال الله تعالى له ذلك قال ذو القرنين: إلهى إنك قد ندبتنى إلى أمر عظيم لا يقدر قدره «٥» إلا أنت؛ فأخبرنى عن هذه الأمم التى بعثتنى إليها بأىّ قوّة أكاثرهم، وبأىّ حيلة وجمع أكابرهم، وبأىّ صبر أقاسيهم، وبأىّ لسان أناطقهم؛ وكيف لى بأن أفقه لغاتهم، وبأىّ سمع أسمع أقوالهم، وبأىّ بصر أنفذهم، وبأىّ
следующие страницы →