Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
فتدع وجهه مثل الرّيطة «١» البيضاء، وأمّا الكافر فتخطمه بمثل الحمم «٢» الأسود. ألا ثمّ ينصرف [نبيّكم «٣» ] ويتفرّق على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول حسّ «٤» ، فيقول ربك وإنّه «٥» . ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلّا وقع عليها قدح يطهّره «٦» من الطّوف والبول «٧» والأذى. وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا» . قلت: يا رسول الله، فبم نبصر الأرض «٨» ؟ قال: «بمثل ساعتك هذه» وذلك مع طلوع الشمس فى يوم أشرقته «٩» الأرض وواجهته الجبال. قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال «الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلّا أن يعفو الله» . قلت:
стр. 4797
يا رسول الله، ما الجنة وما النار «١» . قال: «لعمر إلهك إن «٢» للنار لسبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما. وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلّا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» . قلت: يا رسول الله، فعلام نطّلع من الجنّة؟
قال: «على أنهار من عسل مصفّى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن، [وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون «٣» ] وخير من مثله معه وأزواج مطهّرة» . قلت: يا رسول الله، ولنا فيها أزواج أو منهنّ مصلحات «٤» ؟
قال: «الصالحات للصالحين تلذّونهنّ مثل لذّاتكم فى الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها» .
انتهى التذييل على القسم الثالث بعون الله وتعالى وحسن توفيقه. والله الموفّق.
للصواب.
стр. 4798
القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، وخبر سيل العرم ووقائع العرب فى الجاهلية ،
ويشتمل على خمسة أبواب
الباب الأوّل فى أخبار ذى القرنين الذى ذكره الله فى كتابه العزيز فى سورة الكهف .
قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً «١»
. واختلف فى تسميته ذا القرنين، فقيل:
لبلوغه أطراف الأرض، وإنّ الملك الموكّل بجبل قاف سمّاه بذلك. وهذا القول محكىّ عن ابن عبّاس رضى الله عنهما. وقيل: إنما سمّى بذلك لأنه كانت له ذؤابتان من الذهب. ويعزى هذا القول إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وقيل:
إنما سمّى بذلك لأنه رأى فى منامه أنه يدنو من الشمس فيضع يده فى قرنيها من شرقها وغربها، فقصّ رؤياه على قومه فسمّوه ذا القرنين، وهذا القول مروىّ عن وهب.
وقيل: إنما سمّى به لأن الله تعالى كان قد بعثه إلى قوم فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله ثم بعثه اليهم فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم أحياه الله، فسمّى ذا القرنين.
وقيل: إنما سمّى بذلك لأنه أفنى قرنين من الناس. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمّه. وقيل: لأنه أعطى علم الظاهر والباطن.
стр. 4799
وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل غير «١» ذلك. والله تعالى أعلم.
قال وهب: كان ذو القرنين رجلا من أهل الإسكندرية يقال له الإسكندروس. والعجب كونه نسبه أنه من أهل الإسكندرية، وقد نقل جماعة من أهل التاريخ أن الإسكندر هو الذى أنشأ الإسكندرية وبناها، فكيف يكون من أهلها وهو الذى أنشأها واليه نسبت!. وروى عن وهب أيضا أن ذا القرنين كان خارجيا فى قومه، ولم يكن بأفضلهم نسبا ولا حسبا ولا موضعا، ثم قال بعد ذلك: إن الله تعالى بعثه نبيّا ورسولا. ولا يكون الأنبياء إلّا من أفضل قومهم حسبا وأشرفهم نسبا. وقد يكون هذا النقل لاختلاف الروايات. وما آفة الأخبار إلّا رواتها.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبىّ فى تفسيره عن ابن إسحاق قال حدّثنى من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم: أنّ ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر، اسمه مرزبان «٢» بن مرذبة اليونانىّ من ولد يونان بن يافث ابن نوح. قال وقال ابن هشام: اسمه الإسكندر، وهو الذى بنى الإسكندرية، فنسبت إليه. قال وقيل: اسمه هرمس، ويقال هرديس. وقال ابن هشام:
هو الصعب بن ذى يزن الحميرىّ. وقال وهب: هو رومىّ. وقيل: إنه أفريدون [الذى قتل بيوراسب بن أرونداسب «٣» ] الملك الفارسىّ «٤» .
стр. 4800
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى قصصه- وذكر الخلاف فى نبوّته- قال: الصحيح إن شاء الله أنه كان نبيّا غير مرسل، كما روى عن وهب وغيره من أهل الكتب. قال وقالوا: كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه إسكندروس. قال ويقال: كان اسمه ابن عيّاش «١» ، وكان عياش عبدا صالحا. قال وهب: ونشأ ذو القرنين فى علم وأدب وثروة وعفّة، ولم يزل يتخلّق بمكارم الأخلاق ويسمو إلى معالى الأمور حتى بعدت همّته، واشتدّ أمره، وعلا صوته، وعزّ فى قومه، وألقى الله تعالى عليه الهيبة، وحدّث نفسه بمعالى الأمور. قال الثعلبىّ: فلمّا استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله تعالى إليه:
يا ذا القرنين، إنّى بعثتك إلى جميع الخلائق ما بين الخافقين، وجعلتك حجّتى عليهم، وهذا تأويل رؤياك. وإنى باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهى سبع أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمّتان بينهما عرض الأرض، وأمّتان بينهما طول الأرض، وثلاث أمم فى وسط الأرض، وهم الإنس والجنّ ويأجوج ومأجوج. فأمّا الأمّتان اللتان بينهما طول «٢» الأرض فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى [بحيالها عند مطلع الشمس «٣» ] يقال لها منسك. وأمّا الأمّتان اللتان بينهما عرض «٤» الأرض فأمّة فى قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى بحيالها فى قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل. فلمّا قال الله تعالى له ذلك قال ذو القرنين: إلهى إنك قد ندبتنى إلى أمر عظيم لا يقدر قدره «٥» إلا أنت؛ فأخبرنى عن هذه الأمم التى بعثتنى إليها بأىّ قوّة أكاثرهم، وبأىّ حيلة وجمع أكابرهم، وبأىّ صبر أقاسيهم، وبأىّ لسان أناطقهم؛ وكيف لى بأن أفقه لغاتهم، وبأىّ سمع أسمع أقوالهم، وبأىّ بصر أنفذهم، وبأىّ
стр. 4801
حجّة أخاصمهم، وبأىّ عقل أعقل عنهم، وبأىّ قلب وحكمة أدبّر أمرهم، وبأىّ قسط أعدل بينهم، وبأىّ حلم أصابرهم، وبأىّ معرفة أفصل بينهم، وبأىّ علم أتقن أمرهم، وبأىّ يد أسطو عليهم، وبأىّ رجل أطؤهم، وبأىّ طاقة أحصيهم، وبأىّ جند أقاتلهم، وبأىّ رفق أتألفهم، وليس عندى يا إلهى شئ مما ذكرت يقوم لهم «١» ويقوى عليهم وأنت الرؤف الرحيم، الذى لا تكلّف نفسا إلا وسعها، ولا تحمّلها إلّا طاقتها، ولا تشقيها؛ بل أنت ترحمها. فقال الله تعالى له: إنى سأطوّقك ما حمّلتك، وأشرح لك صدرك وسمعك فتسمع وتعى كلّ شئ، وأوسّع لك فهمك فتفقه كلّ شئ، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شئ، وأفتح لك بصرك فينفذ فى كل شئ، وأحصى لك قوّتك «٢» فلا يفوتك شئ، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شئ، وأشيّد لك ركنك فلا يغلبك شئ، وأشدّ لك قبلك فلا يفزعك شئ، وأشدّ لك يديك «٣» فتسطو على كلّ شئ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شئ، وأسخّر لك النور والظلمة وأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك. قال: فلما قيل له ذلك حدّث نفسه بالمسير، وألحّ عليه قومه بالمقام، فلم يفعل وقال: لابدّ من طاعة الله تعالى. قال وهب: وكان أوّل ما بدأ به أن أخذ قومه بالإسلام فأسلموا قهرا من عند آخرهم، ثم أمرهم أن يبنوا له مسجدا ويجعلوا طوله أربعمائة ذراع، وعرضه مائتى ذراع، وسمك حائطه اثنين وعشرين ذراعا، وارتفاعه فى السماء مائة ذراع، وأمرهم أن ينصبوا فيه سوارى. قالوا: يا ذا القرنين، كيف لنا بخشب يبلغ ما بين الحائطين؟ فلمّا كمل البناء أمرهم بردمه بالتراب، ثم فرض على الموسر قدره من الذهب وعلى المقتر قدره، وأمرهم أن يجعلوا ذلك الذهب كقلامة الظّفر
стр. 4802
ويخلطوه بالتراب وكبسوا التراب حتى ساوى البناء، ثم أمرهم بعد ذلك أن يتّخذوا أعمدة من النحاس بدلا من الخشب فصنعوها، وجعلوا على كل حائط اثنى عشر ذراعا، فكان طول كل عمود من النحاس مائتين وأربعة وعشرين ذراعا، فتمكّنوا من ذلك بسبب الردم. فلمّا استقرّ «١» السقف بما فيه أمر الإسكندر المساكين أن يحوّلوا التراب، ومن خرج له شئ من الذهب فهو له، فسارعوا إلى ذلك ونقلوه واستغنوا بما فيه، ثم جنّد القوم أربعين ألفا، وهم أوّل جند اتّبعوه.
وقال الثعلبىّ ﵀: إنّ الإسكندر جنّد المساكين بما حصل لهم من قراضة الذهب، وكانوا أربعين ألفا، جعلهم أربعة أجناد، فى كل جند عشرة آلاف.
قال: ثم عرض جنده فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل غير المساكين، وهم أربعون ألفا؛ ثم انطلق يؤمّ الأمّة التى عند مغرب الشمس، فسار لا يمرّ بأمّة إلّا دعاهم إلى الله تعالى، فإن أجابوه قبل ذلك منهم، وإن أبوا عليه غشيتهم الظّلمة فلبست مدائنهم ومنازلهم وأعشت أبصارهم، فيتحيّروا حتى يجيبوه، أو يأخذهم عنوة. ولم يزل كذلك حتى بلغ مغرب الشمس. قال الله تعالى:
فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ «٢»
أى ذات حمأة، ومن قرأ حامية فمعناه حارّة وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
الآيات إلى قوله: يُسْراً
. قال الثعلبىّ: فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله تعالى، وقوّة وبأسا لا يطيقه إلا الله تعالى، ورأى ألسنا مختلفة وأهواء متشتّتة، وهذه الأمّة هى ناسك. فلمّا رأى ذلك كاثرهم بالظّلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم فى مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته، فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه،
стр. 4803
فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخلهم الظّلمة، فدخلت فى أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت فى بيوتهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل جانب، فصاحوا وتحيّروا وأشفقوا من الهلكة، فعجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا فى دعوته، فجنّد منهم أمما عظيمة وجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم والظّلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم والنور أمامهم، وسار يريد الأمّة التى فى قطر الأرض التى يقال لها هاويل، فكان إذا انتهى إلى بحر أو نهر بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال ونظمها فى ساعة، ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع ذلك البحر أو النهر فتقها ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل ففعل بهم كما فعل بالأمة التى قبلها. قال: ولما فرغ منها مضى حتى انتهى إلى منسك وهى الأمة التى عند مطلع الشمس. قال الله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً* كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً «١» .
قال: وقوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
وذلك أنهم كانوا فى مكان لا يستقرّ عليه بناء، وكانوا يكونون فى أسراب «٢» لهم، حتى إذا زالت الشمس خرجوا الى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن «٣» : كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، فكانوا إذا طلعت الشمس عليهم تهوّروا فى الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما ترعى البهائم. وقال الكلبىّ: هم أمّة يقال لها منسك عراة حفاة عماة عن الحقّ.
قال: وحدّثنى عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس
стр. 4804
وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرنى أنه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس، قال: خرجت حتى جاوزت الصين، ثم سألت عنهم فقيل: [لى «١» ] إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلا [يرينيهم «٢» ] ، فسرت بقيّة عشيّتى وليلتى حتى صبّحتهم، فإذا أحدهم يفترش أذنه ويلبس «٣» الأخرى. وكان صاحبى يحسن لسانهم فسألوه فقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مثل الصلصلة، فغشى علىّ فوقعت، فلمّا أفقت وجدتهم يمسحوننى بالدهن فإذا الشمس طلعت على الماء، وهى عليه كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت دخلوا فى سرب لهم وأنا وصاحبى، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك فيطرحونه فى الشمس فينضج.
نرجع إلى تتمة أخبار الإسكندر ومطلع الشمس. قالوا: ولمّا بلغ الإسكندر مطلع الشمس فعل بمنسك كما فعل بالأمم التى قبلها وجنّد منها جنودا، ثم كرّ حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهى بدء تاويل، وهى الأمّة التى بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض. فلمّا بلغها عمل فيها كما عمل بمن قبلها. ولمّا فرغ من الأمم الذين هم بأطراف الأرض وطاف الشرق والغرب عطف منها إلى الأمم التى هى فى وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. فلمّا كان فى بعض الطريق مما يلى منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس:
يا ذا القرنين، إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله ليس فيهم مشابهة من الإنس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدوّاب والوحوش كما يفترسها السباع، ويأكلون هوّام الأرض من الحيّات والعقارب وكل ذى روح مما خلق الله تعالى.
وليس لله خلق ينمون نماءهم ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما نرى من
стр. 4805
نمائهم وزيادتهم فلا شكّ أنهم سيملئون الأرض ويخلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها، وليست تمرّ بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقّعهم أن يطلع علينا أوّلهم من [بين «١» ] هذين الجبلين «٢» .
قال الشيخ عبد الوهاب بن المبارك الأنماطىّ فى كتابه عن وهب بن منبّه: إنّ يأجوج ومأجوج أجفلوا «٣» فى زمن ذى القرنين يريدون أرضا وأمّة من الأمم، وكانوا إذا توجّهوا لوجه لم يعدلوا عنه ولا يميلون ولا يعرّجون، وكانت تسمع همهمتهم من مسيرة مائة فرسخ لكثرتهم. فلما سمعت تلك الأمّة حسّهم استغاثوا بذى القرنين، وهو يومئذ فى ناحية أرضهم من شرقى أرض الترك والخزر وقالوا: يا ذا القرنين، إنه قد بلغنا ما آتاك الله من السلطان والملك، وما ألبسك من الهيبة، وما أيّدك به من جنود أهل الأرض ومن النور والظلمة، وإنّا جيران يأجوج ومأجوج، وليس بيننا وبينهم إلا شواهق الجبال، وليس لهم إلينا طريق إلا من هذين الصّدفين «٤» ، فهل نجعل لك خرجا [على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا «٥» ] . قال الله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا* قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً «٦»
أى جعلا وأجرا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
أى حاجزا فلا يصلون إلينا قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي
أى قوّانى خَيْرٌ
من خراجكم ولكن فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
حاجزا كالحائط. قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: فعلة وصنّاع
стр. 4806
يحسنون البناء والعمل والآلة. قالوا: وما تلك الآلة: قال آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
يعنى قطعه، واحدتها زبرة، وأتونى بالنّحاس. قالوا: من أين لنا الحديد والنّحاس [ما يكفى هذا العمل «١» ] ؟ قال، سأدلّكم على معادن الحديد والنحاس، فضرب لهم فى جبلين حتى فلقهما، ثم استخرج منهما معدنين من الحديد والنحاس. قالوا: فبأىّ قوّة نقطع الحديد والنحاس؟ فآستخرج معدن السامور وهو أشدّ ما خلق الله بياضا، وهو الذى قطع به سليمان صخور بيت المقدس وجواهره، كما تقدّم. قال الثعلبىّ:
ولمّا شغلهم الإسكندر فى استخراج الحديد والنحاس سار نحو يأجوج ومأجوج ليعلم علمهم، فانطلق يؤمّهم حتى انتهى إليهم وتوسّط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منّا.
وروى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط فى الطول، لهم مخاليب فى أيديهم موضع الأظافر، وأنياب وأضراس كالسّباع، يسمع لها حركة إذا أكلوا كقضم البغل المسنّ أو الفرس القوىّ، ولهم من الشعر فى أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به الحرّ والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة والأخرى زغبة، يفترش إحداهما ويلتحف الأخرى، ويصيّف فى إحداهما ويشتّى فى الأخرى «٢» . وقال الأنماطىّ فى خبره:
стр. 4807
ولهم أخفاف كأخفاف الإبل. قالوا: وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا قد عرف أجله الذى يموت فيه. وذلك أنّ الذكر منهم لا يموت حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد «١» ، فإذا كان ذلك أيقن بالموت
стр. 4808
وترك طلب المعيشة. قالوا: وهم يرزقون التنيّن فى أيام الربيع، يقذفه عليهم السحاب من البحر فى كل عام مرّة. فإذا تأخّر عنهم وقت عادته استمطروه كما يستمطر الغيث لحينه، فإن قذفوا به أخصبوا وسمنوا وتوالدوا وكثروا وأكلوا منه حولا كاملا لا يأكلون غيره، ويقدّدونه فيعمّهم على كثرتهم. قال: وهم يتداعون تداعى الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا. فلمّا عاينهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصّدفين فقاس ما بينهما، ثم أوقد على ما جمع من الحديد والنحاس فصنع منه زبرا أمثال الصخور العظام، ثم أذاب النّحاس فجعله كالطين وألاط به تلك الصخور الحديد ثم بناه.
قالوا: وكيفيّة بنائه على ما ذكره أهل السّير: أنه لمّا قاس ما بين الجبلين وجد ما بينهما مائة فرسخ، ثم حفر له الأساس حتى بلغ الماء، وجعل عرضه خمسين فرسخا، ثم وضع الحطب بين الجبلين، ثم نسج عليه الحديد، ثم نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يحوّل الحديد على الحطب والحطب على الحديد حتى ساوى بين الصّدفين، وهما الجبلان، ثم أمر بالنار فأرسلت فيه، ثم قال انفخوا ثم جعل يفرغ القطر «١» وهو النحاس المذاب، فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس، فصار كأنه برد «٢» حبرة من صفرة النحاس وحمرته، وسواد الحديد وغبرته؛ فصار سدّا طويلا عظيما حصينا.
قال الله تعالى: فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً «٣»
وقد روى أنّ رجلا قال يا رسول الله قد رأيت سدّ يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لى» .
قال: كالبرد المحبّر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» .
стр. 4809
وقد ذكرنا خبر السدّ فيما سلف من كتابنا «١» هذا عن سلّام التّرجمان حين أرسله الواثق إلى السدّ فرآه، وهو فى الباب الثالث من القسم الخامس من الفنّ الأوّل وهو فى السفر الأوّل من كتابنا هذا.
قال الأنماطىّ قال وهب: فبلغنا- والله أعلم- أنهم يأتونه فى كل سنة مرّة، وذلك أنهم يسيحون فى بلادهم حتى إذا انتهوا إلى ذلك الرّدم حبسهم فرجعوا يسيحون فى بلادهم، فهم كذلك حتى تقرب الساعة، فإذا جاء أشراطها فتحه الله ؛ فذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ «٢»
، وقوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا «٣»
. والله أعلم.
ذكر خبر دخول ذى القرنين الظلمات مما يلى القطب الشمالىّ لطلب عين الحياة
قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: قال علىّ رضى الله عنه: ملك ذو القرنين ما بين المشرق والمغرب، وكان له خليل من الملائكة اسمه رفائيل يأتيه ويزوره. فبينما هما ذات يوم يتحادثان إذ قال ذو القرنين: يا رفائيل، حدّثنى عن عبادتكم [فى السماء «٤» ] .
فبكى وقال: يا ذا القرنين، وما عبادتكم [بشىء «٥» ] عند عبادتنا! إنّ فى السماء من الملائكة من هو قائم أبدا لا يجلس، ومنهم من هو ساجد لا يرفع رأسه أبدا، ومنهم الراكع لا يستوى أبدا قائما، يقولون: سبحان الملك القدّوس، ربّ الملائكة والرّوح، ربنا ما عبدناك حقّ عبادتك. فبكى ذو القرنين بكاء شديدا ثم قال: إنى لأحبّ أن
стр. 4810
أعيش فأبلغ من عبادة ربّى حقّ طاعته. قال رفائيل: أو تحبّ ذلك؟ قال نعم.
قال: فإنّ لله عينا فى الأرض تسمّى عين الحياة فيها من الله عزيمة، إنّ من يشرب منها شربة لم يمت أبدا حتى يكون هو الذى يسأل ربّه الموت. قال ذو القرنين: هل تعلم موضع تلك العين؟ قال الملك: لا، غير أنّا نتحدّث فى السماء أنّ لله تعالى فى الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جانّ، فنحن نظن أنّ العين فى تلك الظلمة. فجمع ذو القرنين علماء أهل الأرض وأهل دراسة الكتب وآثار النبوّة فقال لهم: أخبرونى هل وجدتم فيما قرأتم من كتب الله وما جاءكم من أحاديث الأنبياء ومن كان قبلكم أنّ الله وضع فى الأرض عينا سمّاها عين الحياة؟. قالوا لا. وقال عالم من العلماء «١» : إنّى قرأت وصيّة آدم، وصّى أنّ الله تعالى خلق فى الأرض ظلمة لم يطأها «٢» إنس ولا جانّ ووضع فيها عين الخلد. فقال ذو القرنين: فأين وصيّته فى الأرض؟ قال: على قرن الشمس. فبعث ذو القرنين وحشر إليه العلماء والأشراف والملوك، ثم سار يطلب مطلع الشمس، فسار اثنتى عشرة سنة إلى أن بلغ طرف الظّلمة، فإذا ظلمة تقوم «٣» مثل الدّخان ليست بظلمة ليل، فعسكر هناك، ثم جمع العلماء وقال: إنّى أريد أن أسلك هذه الظلمة. قالوا: إنه من كان قبلك من الأنبياء والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها، فإنّا نخاف أن ينبثق عليك أمر تكرهه فيكون فيه فساد [أهل «٤» ] الأرض. فقال: لابدّ من أن أسلكها. قالوا: أيها الملك كفّ عنها ولا تطلبها فإنّا لو نعلم أنك إن طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسخط علينا ربّنا لاتّبعناك، ولكنّا نخاف العتب من الله وفساد الأرض ومن عليها. فقال: لابدّ أن أسلكها.
стр. 4811
قالوا: شأنك بها. قال: أىّ الدوابّ بالليل أبصر؟ قالوا: الخيل. قال:
فأىّ الخيل أبصر؟ قالوا: الإناث. قال: فأىّ الإناث أبصر؟ قالوا: البكارة. فجمع ذو القرنين ستّة آلاف فرس بهذه الصفة، ثم انتخب من عسكره [أهل الجلد والعقل «١» ] ستّة آلاف رجل، فدفع إلى كلّ رجل فرسا، وعقد للخضر ﵇ على مقدّمته ألفين، وبقى هو فى أربعة آلاف. وقال ذو القرنين للناس: لا تبرحوا من معسكركم هذا إلى اثنتى عشرة سنة، فإن رجعنا إليكم وإلا فارجعوا إلى بلادكم.
فقال الخضر: أيها الملك، إنّا نسلك ظلمة لا ندرى كم المسير فيها ولا يبصر بعضنا بعضا، فكيف نصنع إذا ضللنا! فدفع إلى الخضر خرزة حمراء وقال: حيث يصيبكم الضلال فاطرح هذه فى الأرض فإذا صاحت فليرجع إليها أهل الضلال أين صاحت. فسار الخضر بين يديه، يرتحل الخضر وينزل ذو القرنين. فبينما الخضر يسير إذ عرض له واد فظنّ أنّ العين فيه وألقى ذلك فى قلبه. فقام على شفير الوادى وقال لأصحابه: قفوا لا تبرحو. ورمى بالخرزة فى الوادى ومكث طويلا حتى أجابته الخرزة، فطلب صوتها فانتهى إليها فإذا هى إلى جانب العين. فنزع الخضر ثيابه ثم دخل العين، فإذا ماؤها أشدّ بياضا من اللبن وأحلى من الشهد، فشرب واغتسل وتوضّأ ولبس ثيابه، ثم رمى الخرزة نحو أصحابه، فوقعت الخرزة وصاحت، فرجع إلى صوتها حتى انتهى إلى أصحابه، فركب وقال: سيروا على اسم الله. ومرّ ذو القرنين فأخطأ الوادى فسلكوا تلك الظّلمة أربعين يوما وليلة، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر، وإلى أرض حمراء ورملة خشخاشيّة «٢» ، فإذا هو بقصر مبنىّ فى تلك الأرض طوله فرسخ فى فرسخ عليه باب، فنزل ذو القرنين بعسكره، ثم خرج وحده فدخل القصر، فإذا حديدة قد وضع طرفاها على جانبى القصر من هاهنا وهاهنا،
стр. 4812
وإذا طائر أسود يشبه الخطّاف مزموم بأنفه إلى الحديدة، معلّق بين السماء والأرض.
فلمّا سمع الطائر خشخشة ذى القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين.
فقال: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلىّ! ثم قال الطائر:
يا ذا القرنين، حدّثنى؛ قال سل؛ فقال: هل كثر بناء الآجرّ والجصّ فى الأرض؟
قال نعم؛ فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين، هل كثرت شهادات الزور فى الأرض؟ قال نعم؛ فانتفض الطائر ثم انتفخ فملأ الحديدة وسدّ ما بين جدارى القصر، ففرق ذو القرنين فرقا عظيما. فقال الطائر: لا تخف، حدّثنى. قال سل. قال: هل ترك الناس [شهادة أن «١» ] لا إله إلّا الله بعد؟ قال لا، فانضم الطائر ثلثه ثم قال: هل ترك الناس الصلاة المفروضة بعد؟ قال لا، فانضمّ ثلثاه. ثم قال: يا ذا القرنين، هل ترك الناس غسل الجنابة بعد؟ قال لا؛ فعاد الطائر كما كان. ثم قال: يا ذا القرنين، اسلك هذا الدّرج درجة درجة إلى أعلى القصر، فسلكها وهو خائف وجل لا يدرى على ماذا يهجم، حتى انتهى إلى سطح ممدود، عليه صورة رجل شابّ قائم، وعليه ثياب بيض، رافعا وجهه إلى السماء، واضعا يديه على فيه، فلمّا سمع خشخشة ذى القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. قال:
يا ذا القرنين، إنّ الساعة قد اقتربت، وإنا منتظر أمر ربّى يأمرنى أن أنفخ [فأنفخ «٢» ] ، ثم أخذ صاحب الصّور شيئا بين يديه كأنه حجر وقال: خذه يا ذا القرنين، فإن شبع هذا شبعت، وإن جاع جعت؛ فأخذه ونزل إلى أصحابه فحدّثهم بأمر الطائر وما قال له وما ردّ عليه، وما قال صاحب الصّور. ثم جمع علماء عسكره فقال:
أخبرونى عن هذا الحجر ما أمره؟ [فقالوا: أيها الملك، أخبرنا عما قال لك فيه صاحب الصور. فقال ذو القرنين: إنه قال لى: إن شبع هذا شبعت وإن جاع جعت «٣» ] فوضعوا
стр. 4813
ذلك الحجر فى إحدى كفّتى ميزان وأخذوا حجرا مثله فوضعوه فى الكفة الأخرى ثم رفعوا الميزان فإذا هو يميل، [فوضعوا معه آخر فاذا هو يميل بهنّ «١» ] فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فمال بالألف جميعا، فقالوا: انقطع علمنا دون هذا الحجر لا ندرى أسحر هو أم علم [ما نعلمه «٢» ] ! فقال الخضر: نعم أنا أعلمه، فأخذ الميزان بيده ثم وضع الحجر فى كفّتها وأخذ كفّا من تراب فجعله فى الكفّة الأخرى ثم رفع الميزان فاستوى.
فخرّت العلماء سجّدّا لله تعالى وقالوا: هذا علم لم يبلغه علمنا. فقال الخضر ﵇: أيّها الملك، إنّ سلطان الله قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وحكمه جار عليهم؛ وإنّ الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض، فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم؛ وإنه ابتلانى بك وابتلاك بى.
قال ذو القرنين: صدقت، فأخبرنى ما هذا؟ فقال الخضر: أيها الملك، هذا مثل ضربه لك صاحب الصّور، [إن الله تعالى مكّن لك فى البلاد، وأعطاك منها ما لم يعط أحدا، وأوطأك منها ما لم يؤطى أحدا، فلم «٣» ] تشبع، وآتيت نفسك شرّها، حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جانّ، فهذا مثل ضربه لك، إن ابن آدم لا يشبع أبدا دون أن يحثى عليه التراب، ولا يملأ جوفه إلّا التراب. فبكى ذو القرنين وقال: صدقت، لا جرم [أنى «٤» ] لا طلبت أثرا فى البلاد بعد مسيرى هذا حتى أموت، ثم انصرف راجعا. فلمّا توسّط الظّلمة وطئ وادى الزّبرجد، فقال من معه لما سمعوا الخشخشة تحت حوافر دوابّهم: ما هذا أيّها الملك؟ فقال: خذوا منه فإنه من أخذ منه ندم، ومن تركه ندم. فمنهم من أخذ، ومنهم من ترك. فلمّا خرجوا من الظلمة إذا هو الزبرجد. فندم الآخذ كونه لم يكثر، والتارك كونه لم يأخذ. قال:
стр. 4814
فقال النبىّ ﷺ : «رحم الله أخى ذا القرنين لو ظفر بوادى الزّبرجد فى المبتدأ ما ترك منه شيئا حتى أخرجه إلى الناس لأنه كان راغبا فى الدنيا ولكنّه ظفر به وهو زاهد فى الدنيا لا حاجة له فيها» .
قال الثعلبىّ: ثم رجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف، ومات فى طريقه بشهرزور «١» . وقال علىّ رضى الله عنه: [ثم إنه «٢» ] رجع إلى دومة «٣» الجندل فأقام بها حتى مات. وصرّح الثعلبىّ فى سياقة أخباره أنه الذى قتل دارا بن دارا، وأنه لم تطل مدّة عمره. وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر قاتل دارا بن دارا فى أخبار ملوك اليونان.
وحكى الأنماطىّ عن وهب فى خبر دخول الإسكندر الظّلمات: أنه لمّا انتهى إلى مغرب الشمس ترك من معه هناك وسار على الماء فى الظلمة ثمانية أيام وثمانى ليال حتى انتهى إلى جبل قاف، وإذا هو بملك قابض على الجبل يسبّح الله تعالى؛ فخرّ ذو القرنين ساجدا لله تعالى فلم يرفع رأسه حتى قوّاه الله تعالى على النظر إلى الملك. فقال له: كيف قويت يابن آدم على أن تبلغ هذا الموضع ولم يبلغه أحد من ولد آدم قبلك؟! قال: قوّانى الله الذى قوّاك على قبض هذا الجبل. فأخبرنى عن هذا الجبل. قال: إنه قاف المحيط بالأرض كلها، ولولا هو لانكفأت الأرض بأهلها، وليس على ظهر الأرض أعظم منه، وإنه لمحيط بها كالحلقة، وهو أوّل جبل أثبته الله، فرأسه ملصق بسماء الدنيا، وأسفله راسخ فى الأرض السفلى.
стр. 4815
وحكى إبراهيم بن وصيف شاه فى كتاب العجائب الكبير: أنّ ذا القرنين لمّا سار إلى الظّلمة مرّ بجزيرة فيها أمّة رءوسهم رءوس الكلاب العظام بادية أنيابهم، يخرج من أفواههم مثل لهب النار، وأنهم خرجوا إلى مراكبه فحاربوه فتخلّص منهم، وسار فرأى نورا ساطعا فقصده فاذا هو قد بلغ جزيرة القصر. قال: وهذه الجزيرة فيها قصر مبنىّ بالبلّور الصافى عالى الطول يشفّ حتى يرى نوره على البعد، فأراد النزول بها، فمنعه بهرام فيلسوف الهند وعرّفه أنّ من نزل اليها وقع عليه النوم وعزب عقله فلا يستطيع الخروج منها حتى يهلك. قال: ويقال إنه ظهر لهم منها قوم قصار زعر، لباسهم ورق الشجر. فسأل بهرام عن صبرهم على المقام بها، فعرّفوه أنّ بها ثمرا اذا أكلوا منه زال عنهم ذلك، وذكروا أنهم إذا كان الليل ظهر بين شرف القصر مثل المصابيح تسرج إلى الصّبح ثم تخمد نهارا إلى الليل فتوقد. قال:
ويقال إنه مرّ فى طريقه بجزيرة التّنّين «١» وإنها جزيرة فيها جبال وأنهار وأشجار وزروع وهى عامرة، وعلى مدينتها حصن عال، وبها تنّين عظيم قد سام أهلها أقبح سوم.
فلمّا دخلها الإسكندر استغاثوا به من التّنين وأنه أتلف مواشيهم حتى إنهم جعلوا له فى كل يوم ثورين ينصبونهما قريبا من موضعه، فيخرج فيبتلعهما. فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشا جلودهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا، وجعل مع تلك الأخلاط كلاليب حديد، وجعلهما فى ذلك المكان. وخرج التنّين وأقبل كالسحابة السوداء وعيناه [تلمعان «٢» ] كالبرق، والنار تخرج من جوفه، فابتلعهما ومضى، فأضّطرمت تلك الأشياء فى جوفه، فلمّا أحسّ بثقلها ذهب ليقذفها، فتشبّكت
стр. 4816
الكلاليب فى حلقه فخرّ وفتح فاه ليستروح، فأمر الإسكندر بقطع الحديد فأحميت وحملت على ألواح من حديد وقذفت فى حلقه فمات. ففرح أهل ذلك الموضع بموته وألطفوا الإسكندر وحملوا اليه من طرائف ما عندهم. وكان فيما حملوه اليه دابّة فى خلق الأرنب، شعرها أصفر يبرق كالذهب، يسمّونها المعراج «١» ، وفى رأسها قرن واحد أسود، اذا رأتها الأسود وسباع الوحش وكلّ دابّة هربت منها.
وقال الأنماطىّ فى سياقة أخبار الإسكندر عن وهب تلو خبر السدّ: ثم انطلق ذو القرنين بعد ذلك، فبينما هو يسير إذ مرّ على شيخ يصلّى، فوقف عليه بجنوده حتى إذا انصرف من صلاته قال له: كيف لم يرعك ما حضرك من الجنود؟! قال: كنت أناجى من جنوده أكثر من جنودك، وسلطانه أعزّ من سلطانك، وقوّته أشدّ من قوّتك؛ ولو صرفت وجهى إليك لم أدرك حاجتى قبله. قال له: هل لك أن تنطلق معى وأواسيك بنفسى وأستعين بك على بعض أمرى؟ قال: نعم، إن ضمنت لى أربعة خصال: نعيم لا يزول، وصحة لا سقم فيها، وشباب لا كبر فيه، وحياة لا موت فيها. قال له ذو القرنين: وأىّ مخلوق يقدر على هذه الخصال!.
قال الشيخ: فإنّى مع من يقدر عليها ويملكها، فتركه وسار. فبينما هو يسير إذ دفع الى الأمة الصالحة من قوم موسى الذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون، فوجد أمّة مقسطة عادلة يقسمون بالسّويّة، ويحكمون بالعدل ويتواسون، فكلمتهم واحدة، وقلوبهم مؤتلفة مستقيمة، وسيرتهم مستوية، وقبور موتاهم فى أفنيتهم، وليس على بيوتهم «٢» أبواب تغلق، وليس عليهم أمراء، ولا قضاة بينهم، ولا أشراف
стр. 4817
يتفاوتون، ولا يتفاضلون ولا يختلفون ولا يتنازعون ولا يتسابّون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا تصيبهم الآفات؛ فعجب من أمرهم وقال: أخبرونى خبركم أيّها القوم؛ فإنّى قد أحصيت الأرض شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وبرّها وبحرها، ونورها وظلمتها، فلم أر مثلكم. قالوا: سلنا عمّا بدا لك نخبرك. قال: ما بال قبوركم فى أفنيتكم وعلى أبواب بيوتكم؟ قالوا: لئلا ننسى الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا. قال:
فما بال بيوتكم لا أبواب عليها؟ قالوا: ليس فينا متّهم ولا ظنين، ولا فينا إلّا مؤتمن أمين. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لأنّا لا نتظالم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغيناء؟ قالوا: لأنّا لا نتكاثر. قال: فما بالكم لا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟
قالوا: من قبل أنّا متواسون متراحمون. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا:
لأنّا لا نتنافس. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم ليس بينكم حكّام؟ قالوا: نحن لا نختصم.
قال: فما بال كلمتكم واحدة؟ قالوا: من قبل أنّا لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعضا. قال: فأخبرونى من قبل ماذا تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟
قالوا: من صحّة صدورنا، فنزع الله بذلك الغلّ والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بالسويّة. قال: فما بالكم ليس فيكم فظّ ولا غليظ؟ قالوا من قبل الذل والتواضع. قال: فأخبرونى بماذا أنتم أطول الناس أعمارا؟ قالوا: من قبل أنّا نتعاطى الحقّ ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لأنّا لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات؟ قالوا: من قبل أنّا لا نتوكّل إلّا على الله، ولا نستمطر بالأنواء ولا بالنجوم.
قال: أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: وجدنا آباءنا يعطون مسكينهم، ويواسون فقيرهم، ويوقّرون غنيّهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون الى من أساء اليهم،
стр. 4818
ويحملون عمّن جهل عليهم، ويستغفرون لمن سبّهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدّون أمانتهم، ويحفظون وفاءهم لصلاحهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون فى مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم؛ فأصلح الله تعالى لهم بذلك أمرهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء. قال: فأقام ذو القرنين عندهم حتى قبضه الله ، ولم تطل مدّة إقامته فيهم. قال وهب: عاش منذ بعثه الله تعالى الى أن قبض خمسائة عام. وقال غيره: أكثر من ذلك. وقد ذكر فى المعمّرين. وقيل:
إنه عاش ألف وستمائة وخمسين سنة ومات فى حياة أمه. وقيل: إنه أدرك إبراهيم الخليل واجتمع معه وأركبه من دوابّه. حكاه الأزرقىّ وأبو عبيد البكرىّ. والله أعلم.
стр. 4819
الباب الثانى من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأصقاع، وهم ملوك الهند والصين والترك وجبل الفتح وملوك مصر
ذكر أخبار ملوك الهند
قال المسعودى فى مروج «١» الذهب: ذكر جماعة من أهل النظر والبحث الذين واصلوا البحث والعناية بتأمّل شأن هذا العالم [وبدئه «٢» ] أنّ الهند كانت فى قديم الزمان الفرقة التى فيها الصلاح والحكمة، وأنه لمّا تجيّلت الأجيال وتحزّبت الأحزاب حاولت الهند أن تضمّ المملكة وتستولى على الحوزة وتكون الرياسة فيها. قال كبراؤهم: نحن كنّا أهل البدء وفينا التناهى، ولنا الغاية والصدر والأنتهاء، ومنّا سرى الأب الى الأرض، فلا شاقّنا أحد ولا عاندنا ولا أراد بنا الاغتماص «٣» إلّا أتينا عليه وأبدناه أو يرجع «٤» الى طاعتنا. فأجمعت على ذلك رأيها ونصبت لها ملكا، وهو «البرهمن» الأكبر والملك الأعظم، واليه تنسب طائفة البراهمة بالهند، لا الى إبراهيم الخليل ﷺ . وهذا «البرهمن» هو الإمام المقدّم فيهم الذى ظهرت فى أيامه الحكمة وتقدّمت العلماء، وأمر باستخراج الحديد من معادنه، وضربت فى أيامه السيوف والخناجر وكثير من أنواع السلاح وآلات القتال، وشيّد الهياكل ورصّعها بالجواهر النفيسة المشرقة، وصوّر فيها الأفلاك والبروج الاثنى عشر برجا والكواكب، وبيّن بالصورة
стр. 4820
كيفيّة العالم، وأرى «١» بالصورة أيضا كيفيّة أفعال الكواكب فى هذا العالم وإحداثها للأشخاص الحيوانيّة من الناطقة وغيرها، وبيّن حال المدبّر الأعظم الذى هو الشمس، وبرهن على ذلك كلّه وقرّبه إلى عقول العوامّ «٢» وأذهانهم ففهموه، وغرس فى نفوس الخواصّ دراية ما هو أعلى من ذلك، وأشار إلى المبدئ الأوّل المعطى لسائر الموجودات [وجودها الفائض عليها بجوده «٣» ] . فانقادت له الهند، وأراهم وجه مصالح الدنيا وأخصبت بلادهم. وجمع الحكماء فى أيامه كتاب «السند هند «٤» » ، وتفسيره دهر الدهور «٥» ، ومنه فرّعت الكتب، ككتاب الأزجهير والمجسطى، وفرّع [من الأزجهير الأركند ومن المجسطى «٦» ] كتاب بطلميوس، ثم عمل منها بعد ذلك الزّيجات. وأحدثوا التسعة الأحرف المحيطة بالحساب الهندىّ. وكان البرهمن هذا أوّل من تكلم فى أوج «٧» الشمس، وذكر أنه يقيم فى كلّ برج ثلاثة آلاف سنة، ويقطع الفلك فى ستّة وثلاثين ألف سنة، الى غير ذلك من هذا الفنّ. وكان ملك البرهمن الى أن هلك ثلاثمائة سنة وستا وستين سنة، وولده يعرفون بالبراهمة. والهند تعظّمهم الى وقتنا هذا، وهم أعلى أجناسهم وأشرفهم، وهم لا يتغذّون بشىء من الحيوانات.
وفى رقاب النساء والرجال منهم خيوط صفر يتقلّدون بها كحمائل السيوف، تفرّق بينهم
стр. 4821
وبين غيرهم من أنواع الهند. وقد تنوزع فى البرهمن، فمنهم من زعم أنه آدم وأنه رسول من الله الى الهند، ومنهم من زعم أنه كان ملكا، على حسب ما قدّمناه وهو الأشهر.
ولمّا هلك البرهمن جزعت عليه الهند جزعا شديدا، وملّكت عليها ولده الأكبر.
ذكر تنصيب ابن البرهمن وهو الباهبود «١»
وكان ولىّ عهد أبيه من بعده. فسار فيهم سيرة أبيه وأحسن النظر إليهم، وزاد فى بناء الهياكل، وقدّم الحكماء ورفع من مقدارهم وزاد فى مراتبهم، وحثّهم على تعليم الناس الحكمة وبعثهم على طلبها. وكان ملكه الى أن هلك مائة سنة.
وفى أيامه عمل النّرد ولعب به، وجعل ذلك مثالا للمكاسب، وأنها لا تنال بالكيس ولا بالحيل فى هذه الدنيا، وأن الرزق لا يتأتّى فيها بالحذق. وذكر أن أردشير بن بابك أوّل من وضع النّرد ولعب بها، وأرى تقلّب الدنيا بأهلها واختلاف أمرها.
وجعل بيوتها أثنى عشر بعدد الشهور، وجعل مهاركها «٢» ثلاثين بعدد أيام الشهر، والفصوص أمثلة للقدر وتقلبه بأهل الدنيا وأن الانسان يلعب بها فيبلغ بإسعاد القدر له فى مراده بها ما يريد، وأن الحازم الفطن لا يتأتّى له ما يتأتّى لغيره اذا لم يسعده القدر، وأن الأرزاق لا تنال فى هذه الدنيا إلا بمقادير.
ثم ملك بعده رامان «٣» ، فكان ملكه نحوا من خمسين ومائة سنة. قال: وله سير وأخبار وحروب مع ملوك فارس وملوك الصين.
ثم ملك بعده فور، وهو الذى قتله الإسكندر بن فيلبس اليونانىّ مبارزة.
وكان ملكه الى أن قتل أربعين ومائة سنة.
стр. 4822
ثم ملك بعده تسام «١» ، وهو الذى وضع كتاب كليلة ودمنة الذى نقله ابن المقفّع.
وكان ملكه مائة وعشر سنين «٢» ، وقيل غير ذلك.
ثم ملك بعده بلهيت. وفى أيامه صنعت الشّطرنج فقضى بلعبها على النّرد، وبيّن الظفر الذى يناله الحازم والنكبة التى تلحق الجاهل وحسب حسابهما، ورتّب لذلك كتابا للهند يتداولونه بينهم، ولعب بها مع حكمائه. وكانت مدّة ملكه الى أن هلك نحوا من ثمانين سنة، وفى بعض النسخ أنه ملك ثلاثين ومائة سنة.
ثم ملك بعده كوش «٣» ، فأحدث للهند آراء فى الديانات على حسب ما رأى من صلاح الوقت، وما يحتمله أهل العصر من التكليف، وخرج عن مذاهب من سلف. وكان فى مملكته وعصره سندباد، وله كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بكتاب السندباد. وعمل لهذا الملك الكتاب الأعظم فى معرفة العلل والأدواء والعلاجات وأشكال الحشائش وصفتها. وكان ملك هذا الملك الى أن هلك عشرين ومائة سنة. ولمّا هلك اختلفت الهند فى آرائها فتحزّبت الأحزاب وتجيّلت الأجيال، وانفرد كل رئيس بناحيته، فملّك على أرض السند ملك، وعلى أرض القّنوج ملك، وعلى أرض قشمير ملك. فكانت مدّة اجتماع الكلمة ببلاد الهند على ملك واحد على هذا الحكم نحوا من ألف سنة وستّ وستين سنة، وعلى القول الآخر ألف سنة ومائة سنة وست عشرة سنة. وعدّة ملوكهم سبعة ملوك. والله تعالى أعلم.
стр. 4823
وملك بعد كوش بمدينة المانكير وهى الحوزة الكبرى ملك يسمّى البلهرا. قال المسعودىّ: وأرض الهند أرض متّسعة فى البرّ والبحر والجبال، وملكهم يتّصل بملك الزّنج وهى دار مملكة المهراج. وهذه المملكة فرز بين مملكة الهند والصين.
قال: ومن عادة الهند أنها لا تملّك الملك حتى يبلغ عمره أربعين سنة، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامّهم إلّا فى كل برهة معلومة من الزمان. ويكون ظهور الملك للنظر فى أمور الرعيّة. وقال أيضا: رأيت فى بلاد سرنديب»
، وهى جزيرة من جزائر البحر اذا مات ملكهم صيّروه على عجلة صغيرة البكر، وشعره ينجّر على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه وتنادى: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس قد ملككم وجاز فيكم أمره قد صار الى ما ترون من ترك الدنيا، وقبض روحه ملك الملوك الحىّ القديم الذى لا يموت، فلا تغترّوا بالحياة بعده، وكلام هذا معناه من الترهيب والتزهيد فى هذا العالم. ويطاف به فى جميع شوارع المدينة وهو كذلك؛ ثم يفصل بأربع قطع وقد هيّئ له الصندل والكافور وسائر أنواع الطّيب ويحرق بالنار ويذرّى رماده فى الرياح. قال: وكذلك فعل أكثر أهل الهند بملوكهم وخواصّهم لغرض يذكرونه. قال: والملك مقصور فى أهل بيت لا ينتقل منهم الى غيرهم. وكذلك بيوت الوزراء والقضاة وسائر أرباب المراتب، تتوارث مناصبهم ولا تغيّر ولا تبدّل. وعندهم أنّ ملكهم متى شرب الشراب فقد استحق الخلع.
والله الهادى.
стр. 4824
ذكر أخبار ملوك الصين
قال أبو الحسن علىّ بن عبد الله المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب «١» :
لمّا قسم فالغ «٢» بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح سار ولد عامور «٣» بن توبل «٤» بن يافث بن نوح يسرة المشرق، فكان منهم أجناس الترك. وسار الجمهور من ولد عامور «٥» على ساحل البحر حتى انتهوا الى أقاصيه من بلاد الصين، فتفرّقوا فى تلك البقاع والبلاد وقطنوها وعمّروها، وكوّروا الكور، ومصروا الأمصار، ومدّنوا المدن، واتخذوا للملك مدينة عظيمة سمّوها إيقو «٦» ، وبينها وبين ساحل البحر الحبشىّ، وهو بحر الصين مسيرة ثلاثة أشهر، مدن وعمائر متصلة. فكان أوّل من تملّك عليهم فى هذه الديار نسطيرطاس «٧» بن ماعور «٨» بن بزنج «٩» بن عامور «١٠» . قال:
ولمّا ملك فرّق أهله فى تلك الديار، وشقّ الأنهار، وغرس الأشجار، وطعّم الثمار، وقتل السباع. وكانت مدّة ملكه ثلاثمائة سنة ونيّفا وهلك.
فقام بالأمر بعده ولده عرون بن نسطيرطاس، فجعل جسد أبيه فى تمثال من الذهب الأحمر جزعا عليه وتعظيما له، وأجلسه على سرير من الذهب مرصّع بالجوهر، وجعل مجلسه دونه، وسجد له وهو فى جوف ذلك التمثال، وسجد معه أهل مملكته، وفعل ذلك فى كل نهار فى طرفيه. وكانت مدّة ملكه بعد أبيه نحوا من مائتى سنة وخمسين سنة ثم هلك.
стр. 4825
فملك بعده ابنه عبيرون «١» بن عرون. ولمّا ملك جعل جسد أبيه عرون فى تمثال من الذهب ونصبه دون مرتبة جدّه، وكان يبدأ بالسجود لجدّه ثم يسجد لأبيه، وساس الرعيّة بأحسن سياسة، وساواهم فى جميع أمورهم، وشملهم بعدله، وكثر النسل، وأخصبت الأرض. وكان ملكه الى أن هلك مائتى سنة.
ولمّا مات ملك بعده ولده عثينان «٢» بن عبيرون. قال: ولمّا ملك جعل جسد أبيه فى تمثال من الذهب، وجرى فى أمره على ما سلف من عادتهم فى السجود والتعظيم. وطالت مدّته فى الملك، واتسعت مملكته حتى اتصلت بلاده ببلاد الترك من بنى عمه. واتّخذ فى أيامه كثير من المهن مما لطف فى الرقة من الصنائع، وعاش أربعمائة سنة ثم هلك.
فملك بعده ابنه حرانان «٣» بن عثينان. قال: ولما ملك جرى فى جسد أبيه على عادتهم، ثم أمر باتّخاذ الفلك وحمل فيها الرجال، وحمل معهم لطائف بلاد الصين وسفّرهم نحو بلاد الهند والسند والى إقليم بابل وسائر الممالك مما قرب وبعد فى البحر. وأهدى الى الملوك الهدايا العجيبة والتحف النفيسة. وأمر أصحابه الذين سفّرهم أن يجلبوا إليه ما فى كل بلد من الطرائف والتحف والمأكول الذى لا يوجد فى بلاده، والمشروب والغروس وأصناف الأقمشة والأمتعة وغير ذلك. وأمرهم أن يتعرّفوا سياسة كلّ ملك، وملّة كل أمة وشرائعها ونهجها الذى هى عليه، وأن يرغّبوا الناس فيما فى بلادهم من الجواهر والطّيب والآلات.
فتفرّقت تلك المراكب فى البلاد وفعلوا ما أمرهم به، فلم يردوا على مملكة من الممالك إلّا أعجبوا بهم واستظرفوا ما معهم. فأنشأت الملوك المحيطة ممالكهم
стр. 4826
بالبحار السفن وجهّزت نحو الصين، وحملوا إليهم ما ليس عندهم، وكاتبوا ملكهم وكافئوه على ما كان قد هاداهم به من تحف بلاده، فعمرت بلاد الصين، واستقامت أمور مملكته الصين. فكانت مدّة حياته فى الملك نحوا من مائتى سنة وهلك، فجزع أهل مملكته عليه وحزنوا حزنا شديدا، وأقاموا النياحة عليه شهرا.
وملك بعده ابنه توتال «١» بن حرانان. قال: ولما ملك جعل جسد أبيه فى تمثال من الذهب، وسلك فيه سنّة من تقدّمه من آبائه، واستقام أمره، وأحدث من السّنن المحمودة ما لم يحدثه أحد من الملوك قبله. وقال لأهل مملكته: إنّ الملك لا يثبت إلا بالعدل لأنه ميزان البارى، وإنّ من العدل الزيادة فى الإحسان مع الزيادة فى العمل. وخصّ وشرّف وتؤج ورتّب الناس فى رتبهم، ووقفهم على طرائفهم. وخرج يرتاد موضعا يبنى فيه هيكلا، فوافى موضعا عامرا بالنبات، حسن الاعتمام بالزهر، تخترقه المياه. فحطّ الهيكل هناك. وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان، فشيّد الهيكل وجعل على أعلاه قبّة، وجعل لها مخارق للهواء متساوية. وجعل فى الهيكل بيوتا لمن أراد الانفراد للعبادة. فلمّا فرغ من الهيكل نصب فى أعلاه تلك التماثيل التى فيها أجسام من سلف من آبائه، وقال: فى ترك ذلك على ما هو عليه خروج عن حدّ الحكمة، ويكون ذلك الى غير غاية ونهاية.
وأمر بتعظيم تلك الأجساد التى جعلها فى أعلى القبّة. ثم جمع الخواصّ من أهل مملكته وأخبرهم أنّ من رأيه أن يضمّ الناس الى ديانة يرجعون إليها فيجتمع الشمل ويتساوى النظام، وقال: إنه متى عدم الملك الشريعة لم يؤمن عليه الخلل، ودخول الفساد والزلل؛ فرتّب لهم سياسة وشريعة «٢» وفرائض، ورتّب لهم قصاصا
стр. 4827
للنفوس والأعضاء، وقاعدة تستباح بها الفروج وتصحّ بها الأنساب. وجعل مما رتّبه وقرّره لوازم ونوافل، وأوجب عليهم صلوات لخالقهم تقرّبا الى معبودهم [منها «١» ] إيماء لا ركوع فيها ولا سجود [فى أوقات من الليل والنهار معلومة، ومنها بركوع وسجود «٢» ] فى أوقات من السنين وفى شهور محدودة. ورسم لهم أعيادا، وأوجب على الزّناة منهم حدودا، وعلى من أراد من نسائهم البغاء جزية مقرّرة، وألّا يستبحن بالنكاح وقتا من الأوقات، وإن أقلعن عما كنّ عليه [تكف الجزية عنهنّ «٣» ] .
وما يكون من أولادهنّ ذكورا «٤» يكونون للملك جندا وعبيدا، وما يكون من أولادهنّ إناثا فلأمهاتهنّ ويلحقن بصنعتهنّ. وأمر بقرابين للهياكل ودخن وأبخرة للكواكب، وجعل لكل كوكب منها دخنا «٥» يتقرّب إليه بها معمولة من أنواع الطّيب والعقاقير. وأحكم لهم جميع الأمور، فاستقامت أيامه وكثر النسل. فكانت مدّة حياته نحوا من مائة وخمسين سنة ثم مات، فجزعوا عليه جزعا عظيما، وجعلوه فى تمثال من الذهب ورصّعوه بالجوهر وبنوا له هيكلا عظيما، وجعلوا فى أعلاه سبعة أنواع من الجوهر على ألوان الكواكب السبعة وأشكالها، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيدا يجتمعون فيه عند [ذلك «٦» ] الهيكل، وصوّروا صورته وذكروا سيرته فى لوح من الذهب، وجعلوه فى أعلى الهيكل من حيث تراه الأبصار ليكون ذلك مثالا لمن يرد بعده فى السياسة ونهج السيرة وصوّروا صورته على أبواب المدينة.
وعلى الدنانير والفلوس والثياب. وأكثر أموالهم الفلوس الصّفر والنّحاس. قال:
واستقرّت هذه المدينة دار ملك الصين وهى مدينة إيقو «٧» . قال: ولهم مدينة عظيمة
стр. 4828
نحو ما يلى مغرب الشمس من أرضهم يقال لها مدو، وتلى بلاد التّبّت. والحرب بين أهل مدو وبين أهل بلاد التّبّت سجال. ولم تزل الملوك ممن طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة، وأحوالهم مستقيمة، والخصب والعدل لهم شامل، والجور فى بلادهم معدوم، يقتدون بما نصب لهم تونال من الأحكام. وحروبهم على عدوّهم قائمة، وثغورهم مشحونة، والرزق على الجنود جار، والتجّار يختلفون اليهم فى البرّ والبحر من كل بلد.
ودينهم دين من سلف من آبائهم، وهى ملّة تدعى السّمنية «١» ، [عباداتهم «٢» ] نحو من عبادات قريش قبل الاسلام، يعبدون الصّور ويتوجهون نحوها بالصلوات. فاللبيب فيهم يقصد بصلاته الخالق ، ويقيم التمثال من الأصنام وغيرها مقام قبلة.
والجاهل ومن لا علم له يشرك هذه التماثيل با [لاهية «٣» ] الخالق ويعتقدهما «٤» جميعا، وأنّ عبادتهم الأصنام تقرّبهم الى الله زلفى، وأنّ منزلتهم فى العبادة تنقص عن البارئ لجلالته وعظمته وسلطانه، وأنّ عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة، الى أن ظهرت فى أهل الصين آراء ونحل حدثت من مذاهب الثّنويّة «٥» وأهل الدهر. وقد كانوا قبل ذلك فى الآراء وعبادة التماثيل على حسب ما عليه عوامّ الهند وخواصّهم، فتغيّرت أحوالهم وبحثوا وتناظروا، إلّا أنهم ينقادون فى جميع أحكامهم الى ما نصب لهم من القاعدة التى قدّمناها. قال: وملكهم متصّل بملك الطّغرغر «٦» . وكان اعتقاد
стр. 4829
الطّغرغر القول بإله النور والظّلمة، وكانوا قبل ذلك جاهليّة جهلاء، سبيلهم فى الاعتقاد سبيل أنواع الترك، الى أن وقع إليهم شيطان من شياطين المانيّة «١» ، فزخرف لهم كلاما يريهم فيه تضادّ هذا العالم وتنافيه من موت وحياة وصحّة وسقم وغنى وفقر وضياء وظلام واجتماع وافتراق واتصال وانفصال وشروق وغروب ووجود وعدم وليل ونهار وغير ذلك من سائر المتضادّات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان الناطق والصامت، وما يعرض للاطفال والبله والمجانين، وأنّ البارى غنىّ عن إيلامهم، وأراهم أنّ هناك ضدّا شديدا دخل على الخير الفاضل فى فعله وهو الله، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا، فاجتذب بذلك عقولهم ودانوا به. فإذا كان ملك الصين سمنىّ المذهب يذبح الحيوانات، فتكون الحرب بينه وبين ملك الترك قائمة، وإذا كان مانىّ المذهب كان الأمر بينهم «٢» مشاعا.
قال: وملوك الصين ذوو آراء ونحل، إلّا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضيّة العقل وسنن الحق فى نصب القضاة والأحكام، وانقياد الخواصّ والعوامّ الى ذلك. قال: وأهل الصين شعوب وقبائل كشعوب العرب وأفخاذها، ولهم مراعاة لحفظ أنسابهم. وينتسب الرجل منهم الى خمسين أبا وأكثر الى أن يتصل بعامور «٣» . ولا يتزوّج «٤» أهل كل فخذ إلا من فخذهم، ويزعمون أنّ فى ذلك صحة النسل وقوام البنية، وأنّ ذلك أصحّ للبقاء وأتمّ للعمر.
стр. 4830
قال المسعودىّ: ولم تزل أمور الصين مستقيمة فى العدل على حسب ما جرى به الأمر فيما سلف من ملوكهم الى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث فى ملك الصين أمر زال به النظام وانتقض به حكم شرائعهم ومنع من الجهاد. وكان سبب ذلك أنّ خارجيّا خرج ببلد من مدن الصين وهو من غير بيت الملك، يقال له ياسر، شرّير.
وكان فى ابتداء أمره يطلب الفتوّة، ويجتمع اليه أهل الدعارة والشرّ، فلحق الملوك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره، وأنه ممن لا يبالى به؛ فاشتدّ أمره، ونما ذكره، وكثر عتوّه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشرّ المسافات نحوه. فسار من موضعه وشنّ الغارات، ولم يزل كذلك حتى نزل مدينة خانقو «١» ، وهى المدينة العظيمة.
قال: وهى على نهر عظيم أكبر من دجلة أو نحوه، تدخله السفن التى ترد من بلاد البصرة وسيراف «٢» وعمان «٣» ومدن الهند وجزائر الزابج «٤» . وبين هذه المدينة وبحر الصين مسيرة
стр. 4831
ستة أيام أو سبعة، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم من أهل الصين. فقصد الخارجىّ هذه المدينة، والتقى بجيوش الملك فهزمها، وحاصر المدينة وفتحها واستولى على المملكة، وقتل من أهل مدينة خانقو خلقا لا يحصون كثرة، فأحصى من قتل فيها من المسلمين والنصارى واليهود غير أهل الصين فزادوا على مائتى ألف. ثم سار بجيوشه الى بلد بلد فافتتحه، وقصد مدينة إيقو، وهى دار المملكة، وهو فى ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل. فخرج اليه الملك فى خواصّه فى نحو مائة ألف والتقيا، فكانت الحرب بينهم سجالا نحو شهر وصبرا جميعا، ثم كانت على الملك فانهزم، وأمعن الخارجىّ فى طلبه. وانحاز الملك الى مدينة فى أطراف أرض الصين. واستولى الخارجىّ على حوزة الصين واحتوى على دار الملك وخزائن الملوك السالفة وما أعدّوه للنوائب. وعلم أنه لا يقوم بالملك لأنه ليس من بيته، فأخرب البلاد واستباح الأموال وسفك الدماء. فكاتب ملك الصين ملك الترك أمرخان واستنجده، فأنجده ملك الترك بولده فى نحو أربعمائة ألف فارس وراجل.
وقد استفحل أمر الخارجىّ فالتقى الفريقان، فكانت الحرب بينهما سجالا نحو سنة وقتل من الطائفتين ما لا يحصى كثرة، ثم فقد الخارجىّ فقيل قتل وأسر ولده وخواصّ أصحابه، وعاد ملك الصين الى دار ملكه. قال: والعامّة تسميّة «بغيور» «١» ، وتفسيره ابن السماء تعظيما له. والاسم الذى يخاطب به ملوك الصين طمغاجيان، ثم لقّبوا بعد ذلك ملكهم بالخان. قال: ولمّا كان من أمر هذا الخارجىّ الذى ذكرناه تغلّب صاحب كل عمل على عمله، وضعف ملك الصين عن مقاومتهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما آل اليه ملك الصين عند ذكرنا لأخبار الدولة الجنكز خانيّة.
والله أعلم.
стр. 4832
ذكر أخبار ملوك الترك
قال المسعودىّ: وقد تنازع الناس فى الترك وبدئهم، فذكر كثير منهم أن ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح لمّا قسم فالغ بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح كما ذكرنا فى أخبار ملوك الصين ساروا يسرة المشرق، فقطع قوم منهم من ولد رعو على سمت الشمال وانتشروا فى الأرض، فصاروا عدّة ممالك، منهم الدّيلم «١» ، والجيل «٢» ، والطّيلسان «٣» ، والتتر «٤» ، وفرغانة «٥» ، وأهل جبل الفتح من أنواع الّلكز «٦» واللان «٧» والخزر «٨» والأبخاز «٩» والسّرير «١٠» وكمشك وسائر تلك الأمم المنتشرة فى ذلك الصّقع
стр. 4833
والأرمن إلى طرابزندة «١» إلى بحر مانيطش «٢» ونيطش «٣» وبحر الخزر إلى البلغار «٤» ومن اتصل بهم من الأمم. وعبر ولد عامور نهر بلخ، ويمّم بلاد الصين الأكثر منهم وتفرّقوا فى تلك البلاد وانتشروا فى تلك الديار، منهم الختّل وهم سكّان ختلان «٥» وورسنان «٦» والأسروشنة «٧» ، والسّغد «٨» وكانوا بين بخارى وسمرقند «٩» ، ثم الفراغنة والشاش «١٠» وإسپيجاب «١١» وأهل بلاد الفاراب «١٢» ، فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم ناس غير هؤلاء فسكنوا البوادى
стр. 4834
وهم الترك الخزلج «١» والتّغزغز وهم أصحاب مدينة كوشان «٢» ، وهى مملكة بين بلاد خراسان والصين. قال: ومن الترك الكيماكية «٣» والبرسخانية «٤» والغزيّة «٥» والجفرية «٦» .
قال: وأشدّهم بأسا الغزّيّة، وأحسنهم صورا الخزلجيّة، وكانوا على بلاد فرغانة والشاش وما يلى ذلك الصّقع. قال: وفيهم كان الملك، ومنهم خاقان الخوّاقين، وكان ملكه يجمع سائر ممالك الترك وينقاد إليه ملوكها.
قال: ولحق فريق من ولد عامور بتخوم الهند، فأثّرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم خلاف ألوان الترك ولحقوا بألوان الهند. ولهم حضر وبواد، وسكن فريق منهم بلاد التّبّت وملّكوا عليهم ملكا وكان ينقاد إلى ذلك الخاقان. فلمّا زال ملك خاقان سمّى أهل التّبّت ملكهم بخاقان تشبيها بملوك الترك.
ذكر جبل الفتح وما عليه من الملوك والأمم
قال المسعودىّ: وأمّا جبل الفتح فهو جبل عظيم اشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفيه اثنتان وسبعون أمّة، لكل أمّة ملك ولغة تخالف لغة الأخرى. وهو ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، وهى التى بناها كسرى. وعلى أحد شعاب هذا الجبل بحر الخزر مما يلى الباب والأبواب، ومملكة
стр. 4835
شروان، ويلى هذه المملكة مملكة الأرّان «١» ، وملكها يدعى الأرّان شاه. ومنها مملكة الموقانية «٢» ، ومملكة الّلكز، وهى أمّة لا تحصى كثرة تسكن أعالى هذا الجبل، وهؤلاء ينقادون إلى ملك شروان، ومنهم كفّار لا ينقادون اليه يقال لهم الدّودانيّة «٣» جاهلية لا يرجعون إلى قبلة. ويلى ملك شروان ملك طبرستان. ومن ممالك الجبل مملكة حيزان «٤» ، وهى داخلة فى جملة الخزر. ومملكة الخزر تلى مملكة حيزان، وبين مملكة الخزر ومدينة الباب ثمانية أيام. ومدينة الخزر اسمها سمندر «٥» . ومن مدن الخزر أيضا مدينة إتل «٦» بينها وبين سمندر سبعة أيام، وهى ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالى بلاد الترك، ويتشعب منه شعبة نحو بلاد البلغار ويصب فى بحر ما نيطش.
وفى هذه المدينة [خلق «٧» ] من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية. فالملك وحاشيته وجيشه من اليهود، والجاهلية بها من الصقالبة والروس، وهم يحرقون موتاهم ودوابّ من يموت وآلاته. واذا مات الرجل منهم أحرقت معه امرأته، وإن ماتت المرأة لا يحرق معها الزوج. وأما المسلمون فهم جند الملك، ويعرفون باللارسية، وهم ناقلة من بلاد خوارزم كانوا قد وفدوا الى هذه المملكة لقحط أصاب بلادهم فى صدر
следующие страницы →