Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
ستة أيام أو سبعة، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم من أهل الصين. فقصد الخارجىّ هذه المدينة، والتقى بجيوش الملك فهزمها، وحاصر المدينة وفتحها واستولى على المملكة، وقتل من أهل مدينة خانقو خلقا لا يحصون كثرة، فأحصى من قتل فيها من المسلمين والنصارى واليهود غير أهل الصين فزادوا على مائتى ألف. ثم سار بجيوشه الى بلد بلد فافتتحه، وقصد مدينة إيقو، وهى دار المملكة، وهو فى ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل. فخرج اليه الملك فى خواصّه فى نحو مائة ألف والتقيا، فكانت الحرب بينهم سجالا نحو شهر وصبرا جميعا، ثم كانت على الملك فانهزم، وأمعن الخارجىّ فى طلبه. وانحاز الملك الى مدينة فى أطراف أرض الصين. واستولى الخارجىّ على حوزة الصين واحتوى على دار الملك وخزائن الملوك السالفة وما أعدّوه للنوائب. وعلم أنه لا يقوم بالملك لأنه ليس من بيته، فأخرب البلاد واستباح الأموال وسفك الدماء. فكاتب ملك الصين ملك الترك أمرخان واستنجده، فأنجده ملك الترك بولده فى نحو أربعمائة ألف فارس وراجل.
وقد استفحل أمر الخارجىّ فالتقى الفريقان، فكانت الحرب بينهما سجالا نحو سنة وقتل من الطائفتين ما لا يحصى كثرة، ثم فقد الخارجىّ فقيل قتل وأسر ولده وخواصّ أصحابه، وعاد ملك الصين الى دار ملكه. قال: والعامّة تسميّة «بغيور» «١» ، وتفسيره ابن السماء تعظيما له. والاسم الذى يخاطب به ملوك الصين طمغاجيان، ثم لقّبوا بعد ذلك ملكهم بالخان. قال: ولمّا كان من أمر هذا الخارجىّ الذى ذكرناه تغلّب صاحب كل عمل على عمله، وضعف ملك الصين عن مقاومتهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما آل اليه ملك الصين عند ذكرنا لأخبار الدولة الجنكز خانيّة.
والله أعلم.
стр. 4832
ذكر أخبار ملوك الترك
قال المسعودىّ: وقد تنازع الناس فى الترك وبدئهم، فذكر كثير منهم أن ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح لمّا قسم فالغ بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح كما ذكرنا فى أخبار ملوك الصين ساروا يسرة المشرق، فقطع قوم منهم من ولد رعو على سمت الشمال وانتشروا فى الأرض، فصاروا عدّة ممالك، منهم الدّيلم «١» ، والجيل «٢» ، والطّيلسان «٣» ، والتتر «٤» ، وفرغانة «٥» ، وأهل جبل الفتح من أنواع الّلكز «٦» واللان «٧» والخزر «٨» والأبخاز «٩» والسّرير «١٠» وكمشك وسائر تلك الأمم المنتشرة فى ذلك الصّقع
стр. 4833
والأرمن إلى طرابزندة «١» إلى بحر مانيطش «٢» ونيطش «٣» وبحر الخزر إلى البلغار «٤» ومن اتصل بهم من الأمم. وعبر ولد عامور نهر بلخ، ويمّم بلاد الصين الأكثر منهم وتفرّقوا فى تلك البلاد وانتشروا فى تلك الديار، منهم الختّل وهم سكّان ختلان «٥» وورسنان «٦» والأسروشنة «٧» ، والسّغد «٨» وكانوا بين بخارى وسمرقند «٩» ، ثم الفراغنة والشاش «١٠» وإسپيجاب «١١» وأهل بلاد الفاراب «١٢» ، فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم ناس غير هؤلاء فسكنوا البوادى
стр. 4834
وهم الترك الخزلج «١» والتّغزغز وهم أصحاب مدينة كوشان «٢» ، وهى مملكة بين بلاد خراسان والصين. قال: ومن الترك الكيماكية «٣» والبرسخانية «٤» والغزيّة «٥» والجفرية «٦» .
قال: وأشدّهم بأسا الغزّيّة، وأحسنهم صورا الخزلجيّة، وكانوا على بلاد فرغانة والشاش وما يلى ذلك الصّقع. قال: وفيهم كان الملك، ومنهم خاقان الخوّاقين، وكان ملكه يجمع سائر ممالك الترك وينقاد إليه ملوكها.
قال: ولحق فريق من ولد عامور بتخوم الهند، فأثّرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم خلاف ألوان الترك ولحقوا بألوان الهند. ولهم حضر وبواد، وسكن فريق منهم بلاد التّبّت وملّكوا عليهم ملكا وكان ينقاد إلى ذلك الخاقان. فلمّا زال ملك خاقان سمّى أهل التّبّت ملكهم بخاقان تشبيها بملوك الترك.
ذكر جبل الفتح وما عليه من الملوك والأمم
قال المسعودىّ: وأمّا جبل الفتح فهو جبل عظيم اشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفيه اثنتان وسبعون أمّة، لكل أمّة ملك ولغة تخالف لغة الأخرى. وهو ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، وهى التى بناها كسرى. وعلى أحد شعاب هذا الجبل بحر الخزر مما يلى الباب والأبواب، ومملكة
стр. 4835
شروان، ويلى هذه المملكة مملكة الأرّان «١» ، وملكها يدعى الأرّان شاه. ومنها مملكة الموقانية «٢» ، ومملكة الّلكز، وهى أمّة لا تحصى كثرة تسكن أعالى هذا الجبل، وهؤلاء ينقادون إلى ملك شروان، ومنهم كفّار لا ينقادون اليه يقال لهم الدّودانيّة «٣» جاهلية لا يرجعون إلى قبلة. ويلى ملك شروان ملك طبرستان. ومن ممالك الجبل مملكة حيزان «٤» ، وهى داخلة فى جملة الخزر. ومملكة الخزر تلى مملكة حيزان، وبين مملكة الخزر ومدينة الباب ثمانية أيام. ومدينة الخزر اسمها سمندر «٥» . ومن مدن الخزر أيضا مدينة إتل «٦» بينها وبين سمندر سبعة أيام، وهى ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالى بلاد الترك، ويتشعب منه شعبة نحو بلاد البلغار ويصب فى بحر ما نيطش.
وفى هذه المدينة [خلق «٧» ] من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية. فالملك وحاشيته وجيشه من اليهود، والجاهلية بها من الصقالبة والروس، وهم يحرقون موتاهم ودوابّ من يموت وآلاته. واذا مات الرجل منهم أحرقت معه امرأته، وإن ماتت المرأة لا يحرق معها الزوج. وأما المسلمون فهم جند الملك، ويعرفون باللارسية، وهم ناقلة من بلاد خوارزم كانوا قد وفدوا الى هذه المملكة لقحط أصاب بلادهم فى صدر
стр. 4836
الإسلام. فاستعان بهم الملك فأقاموا عنده على شروط، منها: أن يقيموا شعار الإسلام، وأن تكون الوزارة فيهم، وإنه اذا كانت الحرب بينه وبين المسلمين لا يحضرونها ويحاربون معه سائر الكفار. وبالمدينة قضاة سبعة: اثنان من المسلمين، واثنان للخزر يحكمان «١» بحكم التوراة، واثنان من النصارى يحكمان بالإنجيل، وواحد من الصقالبة والروس والجاهلية يحكم بالقضايا العقلية. واذا ورد ما لا علم لهم به من النوازل الكبار اجتمعوا الى قضاة المسلمين فتحاكموا اليهم وانقادوا لما توجبه الشريعة الإسلامية. وليس فى الملوك من عنده جند مرتزقة غير ملك الخزر.
قال: وفى دار مملكة الخزر رجل يكون اسمه خاقان لا يركب ولا يظهر للخاصّة ولا للعامّة، ولا يستقيم ملك الخزر لملكهم إلّا أن يكون عنده خاقان معه فى قصره. فإذا أجدبت أرض الخزر أو نابت بلادهم نائبة أو حرب، جاءت الخاصّة والعامّة الى ملك الخزر وقالوا له: قد تطيّرنا بخاقان وبأيامه وتشاء منا به، فاقتله أو سلّمه إلينا نقتله، من غير أن يكون قد عمل ما يوجب ذلك؛ فتارة يقتله، وتارة يسلّمه اليهم فيقتلونه، وتارة يمانع عنه ويرقّ له. واذا قتل خاقان أقاموا غيره.
قال: وللخزر زوارق يركبون فيها من نهر فوق المدينة يصبّ الى نهر يقال له برطاس، عليه أمم من الترك حاضرة داخلة فى جملة ملوك الخزر، وعمائرهم متّصلة بين مملكة الخزر والبلغر، يرد هذا النهر من نحو بلاد البلغر. ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السّود التى يعرف وبرها بالبرطاسىّ. قال المسعودىّ:
ويبلغ ثمن الجلد منها مائة دينار. وتلبسها الملوك وهو عندهم أغلى من السمّور «٢» والفنك «٣» ، والحمر دونها فى الثمن.
стр. 4837
قال: وفى أعالى نهر الخزر مصبّ يتّصل بخليج من نهر نيطش، وهو بحر للّروس لا يسلكه غيرهم، وهم على ساحل من سواحله. وهى أمّة عظيمة لا تنقاد الى ملك ولا الى شريعة. وفى أرض الرّوس معدن من الفضّة. قال: والرّوس أمم كثيرة «١» ، فمنهم جنس يقال لهم البوداغية «٢» ، وهم الأكثر، يختلفون بالتجارات الى بلاد الأندلس والقسطنطينية ورومية. قال: وبين مملكة حيزان التى ذكرناها وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون غير اللغة العربية فى آجام هنالك وغياض وأودية وأنهار، ولهم قرى قد سكنوها، وهم على نحو من ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب.
قال: ويلى مملكة حيزان مما يلى الفتح والسّغد ملك يقال له برزينان «٣» مسلم، ويعرف بلد هذا الملك بالكرج. وكل ملك يلى هذه المملكة يدعى برزينان. ثم يلى مملكة برزينان ملك يقال له عينق «٤» ، وهم يدينون بدين النصرانيّة، لا ينقادون لملك، ولهم رؤساء، وهم مهادنون لأهل مملكة اللّان. ثم يليهم مما يلى السور والجبل مملكة يقال لها زره كران. وتفسير ذلك بالعربية عمّال الزرد؛ لأن أكثرهم يعملون الزّرد والسيوف واللّجم والرّكب وغير ذلك من آلات الحديد.
وهم ذوو أديان مختلفة من المسلمين والنصارى واليهود. وبلدهم بلد ممتنع خشن قد امتنعوا فيه ممن جاورهم من الأمم لخشونته. ثم يلى هؤلاء ملك السرير «٥»
стр. 4838
ويدعى قبلان شاه يدين بالنصرانية. ودار مملكته تعرف بخندج «١» ، وله اثنتا عشرة ألف قرية يستعبد منهم من شاء. وبلده بلد منيع. وهو شعب من جبل الفتح. وهذا الملك يغير على الخزر ويستظهر عليهم. ثم يلى هذه المملكة اللّان. وملكها يقال له كركنداج «٢» ، وهذا الاسم غالب على سائر ملوكهم. وكانوا جاهليّة ثم دانوا بالنصرانيّة، ثم رجعوا فيها بعد العشرين والثلاثمائة. وصاحب اللّان يركب فى ثلاثين ألف فارس. ثم يلى ملك اللان أمّة يقال لها كمشك. وتفسير هذا الاسم بالفارسية التّيه والصّلف. وهم بين جبل الفتح وبحر الروم. وهى تنقاد الى دين المجوسيّة. قال: وليس فى الأمم التى ذكرناها أنقى أجسادا، ولا أصفى لونا، ولا أحسن رجالا، ولا أصبح نساء، ولا أقوم قدودا، ولا أرقّ أخصارا وأظهر أردافا، ولا أحسن شكلا من هذه الأمّة. ونساؤهم موصوفات بلذّة الخلوة.
ولباسهنّ البياض والدّيباج الرومىّ والسّقلاطون «٣» وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب.
واللّان تستظهر على هذه الأمّة إلّا أنها تمتنع منهم بقلاع لها على ساحل البحر. وتلى هذه الأمّة على ساحل البحر أمّة يقال لبلدهم السبع بلدان، وهى أمّة كثيرة ممتنعة بعيدة الدار. ويلى هذه الأمّة أمّة عظيمة يقال لها إرم [ذات العماد «٤» ] ذو وخلق عجيب جاهليّة الآراء. ويلى هذه الأمّة صحراء نحو من مائة ميل، بين جبال أربعة، كل جبل منها ذاهب فى الهواء، فى وسط هذه الصحراء دارة مقوّرة كأنها خطّت ببركار «٥» ،
стр. 4839
منحوتة فى حجر صلد، استدارتها نحو من خمسين ميلا قطع قائم كأنه حائط مبنىّ، يكوّن قعرها نحوا من ميلين، لا سبيل الى الوصول الى مستوى تلك الدارة، ويرى بها بالليل نيران كثيرة فى مواضع مختلفة، ويرى فيها بالنهار قرى وأنهار تجرى، وفيها ناس وبهائم إلّا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع لا يدرى من أىّ الأمم هم.
ولا سبيل الى صعودهم ولا الى النزول اليهم من جهة من الجهات. ووراء تلك الجبال خسفة أخرى قريبة القعر فيها آجام وغياض، فيها نوع من القرود منتصبة القامات مستديرة الوجوه، الأغلب عليها صور الناس وأشكالهم إلا أنهم ذوو شعور.
قال: وربّما وقع فى النادر منها القرد اذا احتيل عليه فى اصطياده، فيكون فى نهاية الفهم والدراية. وربّما حمل الواحد منها الى الملوك فيعلّم القيام على رأسه بالمذبّة.
ولهم خاصيّة بمعرفة المسموم من المآكل والمشارب. فإذا دنا الطعام منها شمّته ويلقى لها الشىء منه فإن أكلته أكله الملك، وإن امتنعت علم الملك أنّ ذلك مسموم.
قال: وفيما بين بلاد الخزر وبين بلاد المغرب أمم أربع من الترك ترجع فى أنسابها الى أب واحد، وهم حضر وبدو، ذوو منعة وبأس شديد. ولكل أمّة منها ملك. ومسافة كل مملكة منها أيام، متّصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطش.
وتتّصل غاراتهم ببلاد رومية وما يلى بلاد الأندلس. وهى تستظهر على سائر من هنالك من الأمم. وبينهم وبين الخزر واللّان مهادنة، وبلادهم تتّصل بممالك الخزر. فالجيل الأوّل منهم يقال له نجا. ويليه بجعود «١» . ويليه بجناك؛ وهى أشدّ هذه الأمم الأربع بأسا، ويليه أنو جرذد «٢» . وكانت لهم حرب مع الروم بعد العشرين والثلاثمائة. ويلى بلاد الّلان أيضا أمة يقال لها الأنجاز تدين بالنصرانية، وملك اللّان مستظهر عليهم وهم متّصلون بجبل الفتح. ثم يلى بلاد الأبخاز ملك الخزرية، وهم أمّة عظيمة منقادة
стр. 4840
الى دين النصرانية تدعى خزران ولها ملك. قالوا: وكانوا يؤدّون الخراج الى صاحب ثغر تفليس. وتليهم أمّة يقال لها الصمصحيّة نصارى، ومنهم جاهليّة لا ملك لهم.
ويليهم بين ثغر تفليس وقلعة باب الّلان مملكة يقال لها الصنباريّة «١» ، وملكهم يقال له كريشكوش «٢» ، ينقادون الى النصرانيّة، ويزعمون أنهم من العرب من نزار بن معدّ.
ثم يلى مملكة الصنباريّة مملكة شكى «٣» وهم نصارى. ويليهم مملكة أخرى وهى مأوى الصعاليك والذّعّار، ثم تتصل بمملكة الموقانيّة وهى التى على ساحل بحر الخزر.
والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الرابع عشر، ويليه الجزء الخامس عشر وأوّله: ذكر أخبار مصر كمل طبع «الجزء الرابع عشر من نهاية الأرب فى فنون الأدب» بمطبعة دار الكتب المصرية فى يوم الثلاثاء ٢٧ محرّم سنة ١٣٦٢ (٢ فبراير سنة ١٩٤٣) محمد نديم ملاحظ المطبعة بدار الكتب المصرية (مطبعة الدار ٨٢/١٩٣٨/٢٥٠٠) .
стр. 4841
فهرس الجزء الخامس عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب
.... صفحة
ذكر أخبار مصر ومن ملكها من الملوك قبل الطوفان وبعده، وما بنوه من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابى وغير ذلك من المبانى، وما وضعوه بها من العجائب والطلّسمات والحكم، وما أثاروا من المعادن وما دبّروه من الصنعة، وما شقّوه وأنبطوه من الأنهار وغير ذلك من عجائبها وأخبارها ١
ملوكها قبل الطوفان ١
ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها ٢٢
ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك ٤٠
ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك ٤٣
ذكر خبر هاروت وماروت ٥٢
ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه ٦٩
ذكر أخبار أتريب الملك ٧٥
ذكر أخبار صا بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ ٨١
ذكر خبر عون وما فعله فى غيبة الوليد وخبر المدينة التى بناها ١١٥
ذكر عود الوليد إلى مصر وهرب عون الى مدينته ١١٩
ذكر نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون ١٣٨
стр. 4842
الباب الثالث من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم؛ وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانيين والروم والصقالبة والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان ١٤٢
ذكر أخبار ملوك الفرس وهم الفرس الأول ١٤٢
ذكر أخبار بختنصّر ١٥٨
ذكر أخبار ملوك الطوائف ١٦٤
ذكر أخبار الملوك الساسانية ١٦٦
ذكر قطعة من سير كسرى أنو شروان وسياسته ١٩٥
ذكر خطبة أنو شروان ٢٠٧
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم ٢٢٣
ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله ٢٢٦
ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم ٢٣٤
ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه ٢٣٨
ذكر شىء من أخبار الإسكندر وما اتفق له مع ملكى الهند والصين ٢٤٣
كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر ٢٥٢
ذكر أخبار ملوك السريان ٢٥٥
ذكر أخبار ملوك الكلوانيين وهم ملوك النبط ملوك بابل ٢٥٨
ذكر أخبار ملوك الروم وأنسابهم ٢٦٣
ذكر خبر أصحاب الكهف ٢٦٦
ذكر أخبار ملوك الروم المتنصّرة وهم ملوك القسطنطينية ٢٧٣
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام ٢٧٩
ذكر أخبار ملوك الصقالبة والنوكبرد ٢٨٤
ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقة ٢٨٥
стр. 4843
ذكر طوائف السودان وشىء من أخبارهم ونسبهم ٢٨٧
الباب الرابع من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك العرب ويتصل بهذا الباب خبر سيل العرم ٢٩١
ذكر أخبار ملوك قحطان ٢٩١
ذكر خبر سيف بن ذى يزن وعود الملك الى حمير ٣٠٩
ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان ٣١١
ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان ٣١٥
ذكر خبر سدّ مأرب وسيل العرم ٣٣٢
الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أيام العرب ووقائعها فى الجاهلية ٣٣٨
ذكر واقعة طسم وجديس ٣٣٩
ذكر حروب قيس فى الجاهلية. يوم منعج لغنىّ على عبس ٣٤٤
يوم النفرات لبنى عامر على بنى عبس ٣٤٦
يوم بطن عاقل لذبيان على بنى عامر ٣٤٨
يوم رحرحان لعامر على تميم ٣٤٩
يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم ٣٥٠
يوم الحريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم ٣٥٣
ذكر حرب داحس والغبراء، وهى من حروب قيس ٣٥٦
يوم المريقب لبنى عبس على بنى ذبيان ٣٥٨
يوم ذى حسى لذبيان على عبس ٣٥٩
يوم اليعمرية لعبس على ذبيان ٣٦٠
يوم الهباءة لعبس على ذبيان ٣٦٠
يوم الفروق لبنى عبس ٣٦٢
يوم قطن ٣٦٣
стр. 4844
يوم غدير قلبى ٣٦٣
يوم الرقم لغطفان على بنى عامر ٣٦٤
يوم النتاءة لعبس على بنى عامر ٣٦٤
يوم شواحط لبنى محارب على بنى عامر ٣٦٥
يوم حوزة الأوّل لسليم على غطفان ٣٦٥
يوم حوزة الثانى ٣٦٧
يوم ذات الإئل ٣٦٨
يوم اللوى لغطفان على هوازن ٣٦٩
يوم الظعينة بين دريد بن الصمة وربيعة بن مكدّم ٣٧٠
يوم الصلحاء لهوازن على غطفان ٣٧٣
ذكر حرب قيس وكنانة. يوم الكديد لسليم على كنانة ٣٧٣
يوم فزارة لكنانة على سليم ٣٧٤
يوم الفيفاء لسليم على كنانة ٣٧٤
ذكر حرب قيس وتميم. يوم السؤبان لبنى عامر على بنى تميم ٣٧٥
يوم أقرن لبنى عبس على بنى دارم ٣٧٧
يوم المرّوت لبنى العنبر على بنى قشير ٣٧٧
يوم دارة مأسل لتميم على قيس ٣٧٨
أيام تميم على بكر. يوم الوقيط ٣٧٩
يوم النباح وثيتل لبكر على تميم ٣٨١
يوم زورود الثانى لبنى يربوع على بنى تغلب ٣٨٣
يوم ذى طلوح لبنى يربوع على بكر ٣٨٣
يوم الحائر وهو يوم ملهم لبنى يربوع على بنى بكر ٣٨٥
يوم القحقح وهو يوم ماله لبنى يربوع على بكر ٣٨٥
يوم رأس العين لبنى يربوع على بكر ٣٨٦
стр. 4845
يوم العظالى لبنى يربوع على بكر ٣٨٦
يوم الغبيط لبنى يربوع على بكر ٣٨٨
يوم مخطط لبنى يربوع على بكر ٣٨٩
يوم جدود ٣٨٩
يوم سفوان ٣٩٠
يوم نقا الحسن وهو يوم الشقيقة لبنى ضبة على بنى شيبان ٣٩١
أيام بكر على تميم. يوم الزويرين ٣٩١
يوم الشيطين لبكر على تميم ٣٩٣
يوم صعفوق لبكر على تميم ٣٩٣
يوم مبايض لبكر على تميم ٣٩٤
يوم فيحان لبكر على تميم ٣٩٥
يوم ذى قار الأوّل لبكر على تميم ٣٩٥
يوم الحاجز لبكر على تميم ٣٩٦
يوم الشقيق لبكر على تميم ٣٩٦
ذكر حرب البسوس. وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل ٣٩٦
ذكر مقتل كليب وائل ٣٩٨
يوم النهى ٤٠٠
يوم الذنائب ٤٠٠
يوم واردات ٤٠١
يوم عنيزة ٤٠١
يوم قضة ٤٠٢
يوم تحلاق اللمم ٤٠٤
الكلاب الأوّل ٤٠٦
يوم الصفقة وهو يوم الكلاب الثانى ٤٠٧
стр. 4846
يوم طخفة ٤١٣
يوم فيف الريح ٤١٤
يوم زرود الأوّل ٤١٥
يوم غول الأوّل وهو يوم كنهل ٤١٦
يوم الجبابات ٤١٧
يوم الشعب ٤١٧
يوم غول الثانى ٤١٨
يوم الخندمة ٤١٨
يوم اللهيماء ٤١٩
يوم خزاز ٤٢٠
يوم النسار ٤٢١
يوم ذات الشقوق ٤٢١
يوم خوّ ٤٢٢
أيام الفجار- الفجار الأوّل ٤٢٣
الفجار الثانى ٤٢٤
الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن ٤٢٤
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن ٤٢٥
يوم شمظة وهو يوم نخلة من الفجار الآخر ٤٢٧
يوم العبلاء ٤٢٨
يوم شرب ٤٢٨
يوم الحريرة ٤٢٩
يوم عين أباغ ٤٣٠
يوم ذى قار ٤٣١
стр. 4847
الجزء الخامس عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الرابع من الفن الخامس في أخبار الملوك]
[تتمة الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس]
ذكر أخبار مصر
ومن ملكها من الملوك قبل الطوفان وبعده، وما بنوه بها من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابى وغير ذلك من المبانى، وما وضعوه بها من العجائب والطّلّسمات والحكم، وما أثاروا من المعادن وما دبّروه من الصّنعة، وما شقّوه وأنبطوه من الأنهار وغير ذلك من عجائبها وأخبارها فأمّا ملوكها قبل الطّوفان فقد ذكرهم إبراهيم بن القاسم الكاتب فى مختصر كتاب العجائب الكبير الذى ألّفه إبراهيم بن وصيف شاه. قال: أوّل من ملك مصر من الملوك قبل الطوفان نقراوس «١» ، ومعناه ملك قومه وعظيمهم. وذلك أن بنى آدم لمّا بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا وتغلّب عليهم بنو قابيل تحمّل نقراوس «٢» الجبّار ابن مصرايم بن براكيل بن زرابيل بن غرناب بن آدم فى نيّف وسبعين رجلا من بنى غرناب جبابرة، كلّهم يطلبون موضعا ينقطعون فيه من بنى آدم. فلمّا نزلوا على النيل ورأوا سعة البلد وحسنه أقاموا فيه وبنوا الأبنية، وقالوا: هذا بلد زرع؛ [وبنى نقراوس «٣» مصر] وسمّاها باسم أبيه مصرايم ثم تركها «٤» . وكان نقراوس
стр. 4848
جبّارا له أيد وبسطة، وكان مع ذلك كاهنا عالما، له معاون من الجنّ، فملك بنى أبيه ولم يزل مطاعا فيهم. وقد كان وقع إليه من العلوم التى كان زرابيل علّمها من آدم. قال: فهو وبنوه الجبابرة الذين بنوا الأعلام، وأقاموا الأساطين العظام، وعملوا المصانع، ووضعوا الطّلّسمات، واستخرجوا المعادن، وقهروا من ناوأهم من ملوك الأرض ولم يطمع طامع فيهم. وكل علم جليل فى أيدى المصريين إنما هو من فضل علم أولئك القوم، كان مرموزا على الحجارة. فيقال إن فليمون الكاهن الذى كان ركب مع نوح ﵇ فى السفينة هو الذى فسّرها لهم وعلمهم كتابتها، وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر فليمون فى موضعه.
قال: ثم أمرهم نقراوس حين استقرّ أمرهم ببناء مدينة فقطعوا الصخور والأحجار من الجبال، وأثاروا معادن الرصاص وبنوا مدينة وسمّوها أمسوس «١» ، وأقاموا بها أعلاما، طول كل علم مائة ذراع، وعمروا الأرض، وأمرهم ببناء المدائن والقرى، وأسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر. وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه اليهم، ولم يكن معتدل الحفر إنما كان يتسطح ويتفرّق فى الأرض. قال: ووجّه الى بلد النوبة جماعة حتى هندسوه وشقّوا منه أنهارا الى مواضع كثيرة من مدنهم التى بنوها، وشقّوا نهرا عظيما الى مدينتهم أمسوس يجرى فى وسطها وغرسوا عليه الغروس، فكثر خيرهم وعزّت أرضهم وتجبّر ملكهم. قال: وبعد مائة وعشرين سنة من ملكه أمر بإقامة الأساطين العظام وزبر عليها ذكر دخولهم البلد، وكيف نزلوا به، وحربهم لمن حاربوه من
стр. 4849
الأمم. ثم أمر ببناء قبّة على أساطين مثبتة فى الرّصاص، طولها مائة ذراع، وجعل على رأسها مرآة من زبرجد أخضر، قطرها سبعة أشبار، ترى خضرتها على أمد بعيد. قال: وفى مصاحف المصريين أنه سأل الذى كان معه أن يعرّفه مخرج النيل، فحمله حتى أجلسه على جبل القمر خلف «١» خطّ الأستواء على البحر الأسود «٢» الزّفتى، وأراه النيل كيف يجرى فوق ذلك البحر «٣» الأسود مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر، ثم يخرج الى بطائح «٤» هناك. ويقال: إنه عمل بيت التماثيل هناك، وعمل فيه هيكلا للشمس. ورجع الى أمسوس فقسم البلد بين بنيه، فجعل لنقارس الجانب الغربى، ولسورب الجانب الشرقى، ولأبنه الصغير وهو مصرام مدينة سمّاها برسان «٥» وأسكنه فيها، وأقام فيها أساطين وشقّ لها نهرا وغرس بها غروسا. وعمل بأمسوس عجائب كثيرة، منها صورة طائر على أسطوانة عالية، يصفر كل يوم مرّتين عند طلوع الشمس وعند غروبها صفيرا مختلفا، فيستدلّون به على ما يكون من الحوادث فيتأهّبون لها؛ ومخزن للماء المقسوم على جناتهم مائة وعشرين قسما لا يقدر أحد أن يحوز ما ليس له. وعمل وسط المدينة صنمين من حجر أسود، اذا تقدّم السارق لم يقدر على الزوال عنها حتى يسلك بينهما، [فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ «٦» ] .
стр. 4850
وله أعمال كثيرة سوى هذه. قال: وعمل فى برسان صورة [من] نحاس مذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تظلّها، من استمطرها أمطرت عليه ماء، فهلكت فى الطوفان.
وعمل على حدود بلادهم أصناما من نحاس مجوّف وملأها نارا وكبريتا وجلب اليها روحانيّة [النار «١» ] ، فإن قصدهم قاصد بسوء أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته. وكان حدّ بلادهم الى داخل الغرب مسافة أيام كثيرة عامرا كلّه بالقصور والبساتين، وكذلك فى المشرق الى البحر، ومن الصعيد الى بلاد علوة. «٢»
وعمل فوق جبال بطرس منارا يفور بالماء يسقى ما تحته من المزارع. وملكهم مائة وثمانين سنة. فلما مات لطّخوا جسده بالأدوية الممسكة، وجعلوه فى تابوت من ذهب، وعملوا له ناووسا مصفّحا بالذهب، وجعلوا معه كنوزا من أنواع الجواهر وتماثيل الزّبرجد، وكنزا من الصّنعة المعمولة، وأوانى الذهب، والطّلّسمات التى تدفع الهوامّ وغيرها، وزبروا عليه تاريخ الوقت.
ولما مات ملك بعده ابنه نقارس بن نقراوس، فتجبّر وعلا أمره، وبنى مدينة يقال لها خلجة، «٣» وعمل فيها جنّة صفّح حيطانها بصفائح الذهب والحجارة الملوّنة، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس الحسنة، وأجرى تحتها الأنهار، وأمر بإقامة الأساطين والأعلام، وركّب «٤» عليها أصناف العقاقير والأدوية وجميع العلوم. وكان معه شيطان يعمل له التماثيل العجيبة. وهو أوّل من بنى بمصر هيكلا
стр. 4851
وجعل فيه صور الكواكب السبعة، وزبر على رأس كل كوكب محارته «١» وما يعمله من المنافع والمضارّ، وألبسه الثياب الفاخرة وأقام له كاهنا وسدنة. وخرج مغرّبا حتى بلغ البحر المحيط وعمل عليه أعلاما، وجعل على رأس كل علم أصناما تسرج عيونها بالليل كأنها مصابيح، ورجع على بلاد السودان الى النيل، وأمر ببناء حائط على جانب النيل، وجعل له أبوابا يخرج الماء منها. وبنى فى صحراء الغرب وراء الواحات ثلاث مدن على أساطين، وجعل شرفها من الحجارة الملوّنة التى تشفّ، وجعل فى كل ناحية منها ثلاث خزائن للحكمة، وهى أوّل عجائب الأرض، جعل الدخول الى هذه المدائن من الأساطين التى بنيت عليها. ففى إحدى هذه الخزائن صنم الشمس الذى هو أعظم أصنامهم، وهى معلّقة عليه فى بيت شرفها، «٢» وعلى رأسه إكليل فيه كواكبها الثابتة. وفى إحداها «٣» صنم للشمس رأسه رأس طاووس فى جسد إنسان من ذهب أزرق، وعيناه جوهرتان صفراوان، وهو جالس على سرير مغنطيس، وفى يده مصحف العلوم. وفى إحداها «٤» صنم رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر، وصورة امرأة جالسة من زئبق معقود، لها ذؤابتان، وفى يدها مرآة وعلى رأسها صورة كوكب، وهى رافعة بالمرآة الى وجهه، ومطهرة فيها سبعة ألوان، من الماء السائل لا يختلط بعضها ببعض ولا يوارى بعضها بعضا، وصورة شيخ من حجر الفيروزج، وبين يديه
стр. 4852
صبية يعلّمهم، وهم من أصناف العقيق والجوهر. وفى الخزانة الثانية صورة هرمس [يعنى «١» عطارد] وهو مكبّ ينظر الى مائدة بين يديه من نوشادر على قوائم كبريت أحمر، وفى وسطها مثل الصّحفة من جوهر أحمر فيها دواء أخضر من الصنعة، وصورة عقاب من زمرّد أخضر عيناه من ياقوت أصفر، وبين يديه حيّة من فضّة قد لوت ذنبها على رجليه ورفعت رأسها كأنها تريد أن تنفخ عليه، وفى ناحية منها صورة المرّيخ راكبا على فرس وبيده سيف مسلول من حديد أخضر، وعمود من جوهر أخضر، عليه قبّة من ذهب فيها صورة المشترى، وقبّة [من أدرك «٢» ] على أربعة أعمدة من جزع أزرق فى سقفها صورة الشمس والقمر متحاذبين فى صورة امرأة ورجل كأنهما يتحادثان، وقبة من كبريت أحمر فيها صورة الزّهرة على صورة امرأة ممسكة بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر، فى يده كتاب فيه علم من علومهم كأنه يقرأ فيه عليها «٣» . وجعل فى كل خزانة من بقية الخزائن من العجائب ما لا يحدّ، وعلى باب كل مدينة طلّسمات تمنع من دخولها فى صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا، وفى كل مدينة من الجوهر النفيس والذهب والفضة والكبريت الأحمر والتّربة الصنعيّة فى البرانىّ الملوّنة، وصنوف الأدوية النفيسة المؤلّفة والسموم القاتلة. وعلّم كل باب من الأساطين بعلامة يعرف بها يصعد اليها من مسارب تحت الأرض. قال: وجعل بين «٤» هذه المدائن
стр. 4853
وبين مدينة خلجة، وهى التى عمل فيها الجنة، سبعة أميال الى الغرب، وبينها وبين الأخرى أربعة عشر ميلا، وبين الأخرى واحد وعشرون ميلا. وكان له من مدينته إلى هذه المدائن أسراب تحت الأرض يصل منها اليها، وكذلك من بعضها الى بعض. وعمل عجائب كثيرة أزالها الطوفان، وركبت هذه الأرض الرمال فأزالت طلّسماتها. قال: وملك نقارس مائة سنة وسبع سنين ثم هلك فعمل له ناووس، وجعل معه من الأشياء العجيبة ما يطول الأمر بذكره.
ثم ملك بعده أخوه مصرام بن نقراوس، فبنى للشمس هيكلا من المرمر الأبيض وموّهه بالذهب، وجعل وسط الهيكل كالعرش «١» من جوهر أزرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر وأرخى عليها كلل الحرير الملوّن، وأمر أن يوقد عليها بطيّب الأدهان، وجعل فى الهيكل قنديلا من الزجاج الصافى، وجعل فيه حجرا مدّبرأ يضىء كما يضىء السراج وأكثر منه ضوءا، وأقام له سدنة، وعمل له سبعة أعياد فى السنة. وقيل: إن مصر سمّيت به. وتسمّى به مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد الطوفان لأنه وجد اسمه مزبورا على الحجارة. وكان فليمون الكاهن أخبرهم أخبار هؤلاء الملوك. وكان مصرام هذا قد ذلّل الأسد فى وقته فكان يركبها. وصحبه الروحانىّ الذى كان مع أبيه لما رأى من حرصه على لوازم الهياكل والقيام بأمور الكواكب، وأمره أن يحتجب عن الناس. وألقى على وجهه بسحره نورا عظيما لا يقدر أحد أن يتمكّن من النظر اليه. فادّعى أنه إله، وغاب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف عليهم رجلا من ولد غرناب وكان كاهنا. ويقال: إنّ مصرام ركب فى عرش وحملته الشياطين حتى انتهى الى وسط البحر الأسود، فعمل فيه القلعة الفضّة وجعل عليها صنمين من النحاس وزير عليها: أنا مصرام الجبّار، كاشف الأسرار، الغالب القهار، صنعت
стр. 4854
الطّلّسمات الصادقة، وأقمت الصّور الناطقة، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة، ليعلم من بعدى أنه لا يملك أحد ملكى، وكل ذلك فى أوقات السعادة.
وكان قد عمل فى جنّته شجرة مولدة يؤكل منها جميع الفواكه، وقبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكّل بها شياطين إذا اختلط الظلام نادوا:
لا يخرج أحد من منزله حتى يصبح وإلّا هلك، وكان أوّل من عمل له ذلك.
وأمرهم أن يجتمعوا له، وجلس لهم فى مجلس عال مزيّن بأصناف الزينة وتجلّى لهم فى صورة هالتهم وملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا على وجوههم ودعوا له. فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم ثم لم يروه بعد. وبلغ بكهانته ما لم يبلغه أحد من آبائه.
ثم ملك بعده عنقام «١» الكاهن؛ فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش جعلها لهم حرسا. وقيل: إنّ إدريس ﵇ رفع فى زمانه. قال: ويحكى عنه أهل مصر حكايات كثيرة تخرج عن العقول. وكان قد رأى فى علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين التى تصحبه أن تبنى له مكانا خلف خطّ الأستواء بحيث لا يلحقه الفساد، فبنى له القصر الذى فى سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذى فيه التماثيل، وهى خمسة وثمانون تمثالا، يخرج ماء النيل من حلوقها وينصبّ الى بطيحة.
ولمّا عمل له ذلك القصر أحبّ أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس فى قبتّه وحملته الشياطين على أعناقها اليه. فلمّا رأى حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه وما فيه من النقوش وصور الأفلاك والكواكب، وغير ذلك من صنوف العجائب- وكان يسرج بغير مصابيح، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة ولا يدرى من يعملها، وكذلك الأشربة فى أوان، يستعمل منها ولا تنقص. وفى وسطه [بركة «٢» ]
стр. 4855
من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا النوع وإن كانت تنبو عن العقول- أعجبه ما رأى، ورجع الى مصر فاستخلف ابنه عرناق وأوصاه بما يريده وقلّده الملك، ورجع الى ذلك القصر فأقام به حتى هلك هناك.
واليه تعزى مصاحف القبط التى فيها تواريخهم وجميع ما يجرى الى آخر الزمان.
قالوا: ولم تطل مدّة ملكه.
ثم ملك بعده ابنه عرناق بن عنقام «١» . ملك بعد أبيه وعمل عجائب كثيرة، منها شجرة صفر فيها أغصان حديد بخطاطيف حادّة اذا تقرّب منها الظالم والكاذب تقرّبت اليه تلك الخطاطيف فتعلّقت به وشكّت بدنه ولم تفارقه حتى يحدّث عن نفسه بالصدق ويعترف بظلمه ويخرج عن ظلامة خصمه. وعمل صنما من صوّان أسود وسمّاه عبد قزويس «٢» ، أى عبد زحل، فكانوا يحتكمون اليه، فمن زاغ عن الحقّ ثبت فى مكانه فلم يقدر على الخروج منه حتى ينصف من نفسه ولو أقام سنة أو أكثر.
ومن كانت له حاجة منهم أو طلب شيئا بخّر الصنم ليلا ونظر الى الكواكب وذكر اسم عرناق وتضرّع فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله. قال: وكان عرناق ربما حملته أطيار عظام وتمرّ به وهم يرونه. وكان ربما غضب على ناس فجعل ماءهم مرّا لا يذاق، وسلّط عليهم وحوش الأرض وسباعها وهوامّها. قال:
وتجرّأ على صيد السباع والوحوش، وعمل عجائب، منها أنه عمل شجرة من حديد ذات أغصان لطّخها بدواء مدبّر، فكانت تجتلب كل صنف من الوحش. قال:
وفى كتب المصريين أنّ هاروت وماروت كانا فى وقته وعلّما أهل مصر أصنافا من
стр. 4856
السحر، ونقلا بعد الطوفان الى بابل. وكان عرناق يجتلب النساء بسحره ويغتصبهنّ، وكان يسكن الجنة التى عملها نقارس، فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمّته فهلك وبقى مدّة لا يعرف خبره. وكان من رسمه- إذا خلا بنسائه- لا يقربه أحد، فلمّا تأخر خبره عن الناس هجم عليه فتى من بنى نقراوس يقال له لوخيم «١» ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى فى فراشه جيفة. فأمر أن توقد له نار فأحرقه فيها. وجمع النسوة اللواتى كنّ فى الجنة، فمن كانت من نسائه تركها، ومن كانت من المغصوبات سرّحها الى أهلها، ففرح الناس بذلك وبما نزل به.
وملك بعده لوخيم وجلس على سرير الملك ولبس تاج أبيه، وأمر بجمع الناس وقام فيهم وتكلّم وذكر ما كان عليه عرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة الى أن هلك، وأنه أحقّ بتراث أبيه «٢» وجدّه. وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع كل أذى عنهم. فرضى الناس به وأطاعوه وقالوا: أنت أحقّ بالملك، ولا زلت دائم السعادة طويل العمر قائما بتجويد الهيا كل وتعظيمها. فركب الى هيكل الشمس فقرّب له بقرا كثيرا، وسار فى الناس بالعدل. قال: وكانت الغرانيق «٣» قد كثرت فى زمن عرناق فأهلكت زروع الناس. فعمل لوخيم أربع منارات من نحاس فى أربعة جوانب أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب فى فمه حيّة قد التوت عليه فلم يقربهم شىء من تلك الطيور، فكانت كذلك حتى أزالها الطوفان.
стр. 4857
قال: ومن ملوكهم خصليم وهو أوّل من عمل مقياسا لزيادة الماء؛ وذلك أنه جمع أصحاب العلوم والهندسة فعملوا بيتا من رخام على حافة النيل، وجعل فى وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافتى البركة تمثال عقابين من نحاس ذكر وأنثى. فإذا كان فى أوّل الشهر الذى يزيد فيه الماء «١» فتح باب البيت وحضر الكهّان وأمناء الملك وتكلّموا بكلام لهم حتى يصفر أحد العقابين، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا، وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، ثم يعتبرون الماء فكلّ إصبع يكون فى تلك البركة فهو ذراع من زيادة النيل، وكل إصبع ينقص فهو نقصان ذراع.
فإذا علموا ذلك حفروا الترع وأصلحوا الجسور. وعمل على النيل القنطرة التى هى ببلاد النّوبة. وكان له ابن سمّاه هرصال «٢» ، أى خادم الزّهرة، لرؤيا كانت رأتها أخت الملك أن الزّهرة تخاطبها، وكفلت الغلام عمّته، واسمها خرداقة، «٣» وأدّبته أحسن التأديب، وزوّجته عشرين «٤» امرأة من بنات الملوك والعظماء، وبنت له مدينة فيها عجائب كثيرة، احتفلت بها وزيّنتها بأحسن النقوش والزينة والعمارة، وعملت فيها حمّاما معلّقا على أساطين يرتفع الماء إليها حارّا من غير وقيد. «٥» ولمّا هلك خصليم دفن فى ناووس.
ثم ملك بعده ابنه هرصال بن خصليم فتحوّل إلى المشرق وسكنه، وبنى مدينة هى إحدى المدائن ذوات العجائب، وعمل فى وسطها صنما للشمس يدور بدورانها ويبيت مغرّبا ويصبح مشرّقا. ويقال: إنه عمل من تحت النيل سربا. وهو أوّل
стр. 4858
من عمل ذلك. وخرج متنكّرا يشقّ الأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمل الملوك من العجائب. وعلم حال ملكها فى الوقت وسيرته ومجارى أموره. ويقال: إنّ نوحا ﵇ ولد فى وقته. قال: وولد لهرصال عشرون ولدا، جعل مع كل ولد منهم قاطرا «١» وهو رأس الكهنة. وتزعم القبط أنه بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكه لزم الهياكل وتعبّد للكواكب فأخفته عن أعين الناس. وأقام بنوه على حالهم كل واحد منهم فى قسمه الذى أعطاه إياه يدبّره ولا يشركه فيه غيره. وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين. ثم وقع بين الإخوة تشاجر، واجتمع رأى الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم فى قسمه. فاجتمعوا فى ذلك اليوم فى دار المملكة، وقام رأس الكهّان فتكلّم وذكر هرصال وسعادة أيامه وما شملهم فيها من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم الملك. فإن كان هرصال لم يمت ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه لأنهم أرادوا بذلك حفظ ملكه، وإن لم يرجع كان الأمر قد جرى على ما سلف من قيام ملك بعد ملك فاجتمع رأيهم على أكبر ولده وهو:
ندسان «٢» بن هرصال. فملك وسار سيرة أبيه وحمد الناس أمره. وعمل قصرا من خشب ونقشه بأحسن النقوش، وصوّر فيه صور الكواكب ونجّده بالفرش وحمله على الماء وكان يتنزّه فيه. فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة وهبّت ريح عاصف فانكسر القصر وغرق الملك. وكان قد نفى إخوته إلى المدائن
стр. 4859
الداخلة فى الغرب. واقتصر على امرأة من بنات عمّه، وكانت ساحرة، فتفرّد بها واستخلف بعض وزرائه على الملك وأقبل على لذّته ولهوه. فلمّا هلك كتمت امرأته الساحرة موته، وكان أمرها ونهيها يخرجان إلى الوزير عن الملك. وأقام الناس تحت طاعته سبع سنين لا يعلمون بأمره. فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا جموعا كثيرة وقدّموا على أنفسهم أحدهم وهو شمرود «١» الجبّار وساروا إلى أمسوس. وبلغ ذلك امرأة ندسان الساحرة فأمرت الوزير بالخروج إليهم ومحاربتهم، ففعل ذلك ولقيهم فمزّقوه وقتلوا كثيرا ممن كان معه، ودخلوا مدينة أمسوس، وأتوا دار المملكة فلم يروا ندسان وأيقنوا بهلاكه.
وملك شمرود بن هرصال فسرّ الناس به، ووعدهم بحسن السّيرة فيهم وتغيير ما كانوا ينكرونه على أخيه. واستولى على كنوزه وخزائنه ففرّقها على إخوته، وأقطعهم جميع ما كان فى يد ندسان. وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما، فانتقلت إلى مدينة أهلها من الصعيد، وكانوا كلّهم كهّانا سحرة، فامتنعت بهم، وأرسلت إلى الناس وعرّفتهم أنّ ابنها الملك فى وقته؛ لأنّ أباه قلّده الملك وأمرها أن تدبّر أمره حتى يكبر، فصدّقوها وأجابوها وقالوا: إنّ الغلام مغصوب على ملك أبيه، وإنّ شمرود متغلب. فاجتمع فى ناحيتها جماعة من أهل البلد وزحف ابن الساحرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التخاييل الهائلة والنيران المحرقة، فقامت الحرب بينهم أياما؛ فانهزم شمرود وإخوته وتعلّقوا ببعض الجبال.
وملك توميدون «٢» بن ندسان وهو ابن الساحرة. ودخل دار الملك وجلس على السرير ولبس التاج الذى كان لأبيه وأطاف به بطانة أبيه، وهو يومئذ حدث السنّ،
стр. 4860
وكانت أمه تدبّر أمره، فقتل كلّ من كان مع شمرود. وطلب شمرود حتى ظفر به، واجتمع الناس لينظروا ما يصنع به، فشدّ رأسه برأس أسطوانة قائمة، ورجلاه برأس أسطوانة أخرى. وكان طوله فيما يذكر القبط عشرين ذراعا، ووكّلت الساحرة به حرسا لتقتله يوم عيدها، وكان قريبا، فصاح بالليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون. فلمّا اتّصل بها ذلك أوقدت نارا وأمرت بإنزاله وجعلت تقطع منه عضوا عضوا وترميه فى النار. قال: وخرج «١» ابنها كاهنا منجّما، وعملت له الشياطين قبّة الزّجاج الكبيرة الدائرة على دوران الفلك، وصوّروا عليها صور الكواكب، وكانوا يعرفون الطالع منها وما يحدث بطلوعه بعد ستين سنة. ثم ماتت أمّه الساحرة وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر فإنه يخبرهم بالعجائب وما يسألون عنه ففعلوا ذلك. وذل الناس لابنها وهابوه، وكان يتصوّر لهم فى صور كثيرة، وملكهم مائة سنة وستين سنة. ولمّا حضره الموت أمرهم أن يعملوا له صنما من زجاج على شقّين ويطبق على جسده بعد أن يطلى بالأدوية الممسكة ويلحم ويقام فى هيكل الأصنام، ويجعل له عيد فى السنة ويقرّب له قربان، وتدفن علومه وكنوزه تحته، ففعلوا ذلك كله.
ولمّا مات ملك بعده ابنه شرناق «٢» بن توميدون، فعمل بسيرة أبيه وجدّته، واجتمع الناس عليه. وزحف رجل من بنى صرابيس «٣» بن إرم من ناحية العراق، فتغلّب
стр. 4861
على الشام، وأراد أن يزحف إلى مصر، فعرف أنه لا يصل اليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكّرا ليقف على أحوالها، فخرج فى نفر حتى بلغ الحصن الذى كانوا بنوه على مصر. فسألهم الحرس الموكّلون به عن أمرهم، فعرّفوهم أنهم قصدوا بلدهم ليسكنوه، فحبسوهم وطالعوا الملك بخبرهم. وكان الملك قد رأى فى منامه كأنه قائم على منار لهم عال، وكأن طائرا عظيما انقضّ عليه ليختطفه، فحاد عنه حتى كاد يسقط عن المنارة فجاوزه ولم يضرّه، فانتبه مرعوبا، وبعث إلى رأس الكهنة فقصّ عليه رؤياه، فعرّفه أن ملكا يطلب ملكه فلا يصل اليه. فنظر فى علمه فرأى أنه قد دخل بلده. فلما وردت الرسل بذكر القوم علم أن الملك فيهم؛ فوجّه جماعة من أصحابه فاستوثقوا منهم وحملوهم اليه، وقد كان أمرهم أن يطوفوا بهم فى أعمال مصر كلها ليروا ما فيها من الطّلّسمات والأصنام المتحرّكات والعجائب المعجزات، فبلغوا بهم إلى الإسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس وطيف بهم على عجائبها. ثم سير بهم إلى الجنّة التى عملها مصرام، وكان الملك مقيما بها وأمر السحرة بإظهار التهاويل والتخاييل، فجعلوا يتعجّبون مما رأوا الى أن وصلوا الى شرناق الملك والكهنة حوله وقد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يدى الملك نارا عظيمة لا يصل اليه إلا من خاضها ولا تضرّ إلا من أضمر للملك غائلة، وأمر بدخولها، فشقّوها واحدا واحدا لم ينلهم منها أذّى، وكان الملك آخرهم، فلمّا دنا من النار أخذته فولّى هاربا. فأتى به شرناق فسأله عن أمره فأقرّ، فأمر بقتله على أسطوانة عند باب الحصن من ناحية الشام، فقتل وزبر عليه: هذا فلان المتغلّب على الشام أضمر غائلة الملك، طلب ما لا يصل اليه فعوقب بهذا. وأمر بإخراج الباقين من بلاده فأخرجوا. وقيل لهم: قد وجب عليكم القتل لصحبتكم من أراد الفساد فى الأرض، ولكنّ الملك عفا عنكم. فكانوا لا يمرّون على أحد إلّا حدّثوه بما رأوا من العجائب، فانقطعت أطماع الملوك عن
стр. 4862
الوصول الى مصر والتعرّض إليها. وعملت فى أيامه عجائب كثيرة، منها أنه عمل على باب كل مدينة بطّة نحاس قائمة على أسطوانة، فإذا دخل الغريب من الباب صفّقت بجناحيها وصرخت، فيؤخذ ويكشف عن أمره. وشقّ الى مدائن الغرب نهرا من النيل، وبنى على عبره منازل وأعلاما وغرس بينها غروسا، وكان اذا خرج إليها سار فى عمارة متّصلة. وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات.
وملك بعده ابنه سهلوق بن شرناق، وكان كاهنا منجّما، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما موزونا، صرف الى كل ناحية قسمها، ورتّب المراتب وجعلها على سبعة أقسام: فالطبقة الأولى الملك وولده وأهل بيته ومن يلى عهده ورأس الكهّان والوزير الأكبر وقائد الجيش الأكبر وصاحب خاتم الملك وصاحب خزانته. والطبقة الثانية مراتب العمّال والمتولّين جباية الأموال والإشراف على النفقات فى أمر المملكة ومصالح البلد والعمارات وقسمة المياه. والطبقة الثالثة الكهّان وأصحاب الهياكل وخدمتها ومتولو القرابين والمشرفون على جميع ما يتقرّب به من بواكير الفواكه والرياحين وفتىّ البقر والفراريح الذكور ورءوس خوابى الشراب. والطبقة الرابعة المنجّمون والأطباء والفلاسفة. والطبقة الحامسة أصحاب عمارة الأرض ومتولّو أمر الزراعة. والطبقة السادسة أصحاب الصناعات والمهن فى كلّ فنّ، والمشرفون على أعمالهم ونقل ما يستحسنون منها الى خزانة الملك. والطبقة السابعة أصحاب الصّيد من الوحش والسّباع والطير والهوامّ والخشاش، والمشرفون على أخذ دمائها ومرائرها وشحومها وحملها الى الأطبّاء لإصلاح العقاقير وتأليف الأدوية. وتقدّم ألا يدخل أهل مهنة ولا صناعة فى غيرهم، ومن قصّر فى عمله عوقب، ومن أحسن فى عمله جوزى بقدره. وكانت رتبة الألحان والملاهى فى قسمة الملك. وتقدّم فى استنباط المعادن وبناء المدائن ونصب الأعلام والمنارات وإبداع الصناعات وجرّ المياه وتوليد غرائب
стр. 4863
الأشجار. وأقام على أعالى الجبال سحرة يقسمون الرياح ويمنعون من يقصدهم ويقصد بلادهم بأذّى، وكذلك كلّ مفسد من طائر وسبع ووحش وهوامّ، وأجرى أمر البلاد والناس على سداد، وجعل فى كلّ صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلّمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الأولى. ويرفع كلّ صنف منهم ما يجرى من أمر ما يتولّونه الى الملك فى كلّ يوم. وعمل البيت ذا القباب النوريّة الثلاث، وأوقد فيه النار الدائمة تعظيما للنور. والقبط تزعم أنه أوّل من وضع بيتا لتعظيم النار.
وقيل: إن جم الفارسىّ إنما بنى بيت النار- وهو أوّل من عمل ذلك للفرس- اقتداء بسهلوق مصر. وكان السبب فى عمل سهلوق بيت النار أنه رأى أباه فى نومه يقول له: انطلق الى جبل كذا من جبال مصر فإنّ فيه كوّة من صفتها كذا وكذا، وإنك واجد على باب الكوّة أفعى لها رأسان، وإنها اذا رأتك كشّت فى وجهك، فليكن معك طيران صغيران، فإذا رأيت الأفعى فاذبحهما لها وألقهما إليها، فإنه يأخذ كلّ رأس من رأسيها أحد الطيرين وتتنحّى الى سرب قريب من الكوّة فتدخله، فإذا غابت عنك فادخل الكوّة فإنك تنتهى الى «١» آخرها الى صورة امرأة جميلة الخلق، وهى من نور حارّ يابس، وسوف يقع عليك وهجها وتحسّ بحرارة شديدة، فلا تقرب منها فتحترق، وقف وسلّم عليها فإنها تخاطبك فاسكن الى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به، فإنك تشرف بذلك. وهى حافظة كنوز جدّك مصرام التى رفعها الى مدائن العجائب المعلّقة وهى تدلّك عليها. وتنال مع ذلك شرفا فى بلدك وطاعة فى قومك، ثم مضى وتركه.
فلمّا انتبه سهلوق جعل يفكّر فيما رأى ويتعجّب منه، ورأى أن ينفّذ ما أخبره به أبوه، فمضى الى الجبل وحمل الطيرين معه وفعل جميع ما أمره أبوه الى أن وقف حذاء المرأة وسلّم عليها، فقالت له: أتعرفنى؟ قال: لا، لأنّى ما رأيتك قبل وقتى هذا.
стр. 4864
قالت: أنا صورة النار المعبودة فى الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيى ذكرى وتتّخذلى بيتا وتوقد فيه نارا دائمة بقدر واحد، وتتّخذ لها عيدا فى كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك تتّخذ بذلك عندى يدا وتنال به شرفا وملكا الى ملكك، وأمنع عنك وعن بلدك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدّك مصرام. فلمّا سمع ذلك منها ضمن لها أن يفعل، ودلّته على الكنوز التى كانت لجدّه تحت المدائن المعلّقة، وكيف يصير إليها ويمتنع من الأرواح الموكّلة بها وما يبخّرها به. فلمّا فرغ من ذلك قال لها: كيف لى بأن أراك فى الأوقات وأسألك عمّا أريده، أأصير اليك فى هذا المكان أو غيره؟ قالت: أمّا هذا المكان فلا تقدر بعد وقتك هذا عليه؛ لأنّ الأفعى التى رأيتها فيه قيّمته لأنّ فيه آية تمنع أن يوقف عليها فى وقتنا هذا، ولكن إن أحببت أن ترانى فدخّن فى البيت الذى تعمله لى بكذا وكذا: أشياء ذكرتها له، منها: عظام ما يقرّبه له من القرابين والذبائح والصّموغ، فإنى أتخيّل لك وأخبرك بكل حقّ وباطل مما يكون فى بلدك. فلمّا سمع ذلك منها سرّ به وغابت عنه، وظهرت الأفعى وخرج هاربا وجعل على الكوّة سدّا، وعمل ما أمرته به وأخرج كنوز جدّه.
وعمل من العجائب بأمسوس وغيرها ما يطول شرحه. وعمل القبّة المركّبة على سبعة أركان، ولها سبعة أبواب، على كل باب صورة معمولة، وكان يقال لها قبّة القصر.
وكان السبب فى بنائها أنّ بعض الكهّان جار فى قضيّة قضى بها؛ وذلك أن بعض العامّة أتاه يشكو امرأته- وكان يحبّها والمرأة تبغضه- وسأله أن يقوّمها له، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن، فمالأها على زوجها، وأمره بتخليتها فلم يفعل، فحبسه وشدّد عليه، وكان من أهل الصناعات، فاجتمع جماعة من أهل صنعته ممّن كان قد عرف حال المرأة معه وأنها له ظالمة وهو لها منصف، فوقفوا على ظلم الكاهن فاستعدوا عليه عند خليفة الملك. فأحضر الكاهن وسأله، فذكر أنه لم يحكم إلّا بواجب. فأحضر
стр. 4865
رؤساء الكهنة والقوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن فأخرج الرجل وحبس الكاهن مكانه، وأمر بعقوبة المرأة وردّها إلى زوجها ورفع ذلك إلى الملك، فأمر بإخراج الكاهن من رسم الكهانة، وأن يعاقب ويحبس إلى أن يرى فيه رأيه.
واهتمّ الملك لذلك وخشى أن يجرى من غير ذلك الكاهن فى أمر الرعيّة مثل ما جرى منه، فبات مهموما. ثم فكّر فى أمر النار، فأتى إلى بيت النار ودخّن بالدّخنة التى أمرته بها، فأتته وخاطبته. فسألها أن تعمل له عملا يقف به على حقيقة أمر المظلوم من الظالم، فأمرته أن يعمل بيتا مركّبا على سبعة أركان ويجعل له سبعة أبواب فى كل ركن باب، ويعمل فى وسطه قبّة من صفر، ويصوّر عليها صور الكواكب السبعة، ويعمل تحت القبّة مطهرة من جوهر ملوّن، ويجعل فيها سبعة أدهان من أشجار مختلفة؛ وتكون القبّة معلّقة على سبعة أساطين، ويعمل على الباب الأوّل تمثال أسد رابض، وحذاءه من الجانب الآخر لبؤة رابضة من صفر ويقرّب لهما جرو أسد ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثانى صورة ثور وبقرة ويذبح لهما عجلا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثالث صورة خنزير وحذاءه خنزيرة ويذبح لهما خنّوصا «١» ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الرابع صورة فرس وحجر «٢» ويذبح لهما مهرا ويبخرهما بشعره.
وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحذاءه أنثاه ويذبح لهما جرو ثعلب ويبخّرهما بوبره. وعلى الباب السادس صورة حمار وحذاءه أتان ويذبح لهما عيرا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب السابع صورة ديك وحذاءه دجاجة ويذبح لهما فرّوجا ويبخّرهما بريشه. ويلطخ وجوهها جميعا بدم ما يذبح. ثم يحرق بقيّة القربان ويجعل تحت عتب أبوابها وتغلّق الأبواب، ويقام للبيت سدنة يوقدونه ليله ونهاره. فإذا «٣» فرغ ذلك
стр. 4866
يتكلّم على باب الكواكب السبعة، فإنى سوف ألقى روحانيّة الكواكب على تلك الصور فتنطق. وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التى قسمتها بابا من تلك الأبواب، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة، وسائر الأبواب لسائر المراتب. فإذا تقدّم الخصمان إلى شىء من تلك الصور التصقت بالظالم وشدّت عليه شدّا عنيفا يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقّه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم، ومن كان له قبل أحد حقّ ودعاه الى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم، وقد عرّف الصورة ذلك، أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرّك. فاستراح الملك الى تلك الصورة. ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلّسماتهم وعجائبهم. وعملت فى أيام سهلوق أعمال كثيرة، وكتبت سيرته وما عمل من العجائب فى مصحف. وعمل عقاقير كثيرة وتماثيل ومحرّكات وصنعة، وأمر أن يحمل ذلك كلّه إلى ناووس عمله لنفسه فى الجبل الغربىّ ونقل اليه حكمه. وهلك بعد أن ملك تسعا وستين سنة وحمل إلى ناووسه، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهرا يبكون عليه ويتوجّعون عنده، واغتّموا عليه غمّا لم يغتمّوه على ملك قبله، وأقاموا لناووسه سدنة يخدمونه.
وملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق؛ وكان أبوه قد قلّده الملك قبل مهلكه، فملك واقتفى سيرة أبيه فى العمارة ومصالح البلد والإنصاف بين الناس والأخذلهم من نفسه وأهل بيته، وعمل الهياكل وبنى المنارات، ونصب الأعلام والطّلّسمات فأحبّه الناس.
وبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها عجائب كثيرة. وهو أوّل من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم، وأوّل من أمر بالإنفاق على الزّمنى والمرضى من خزائنه. وعمل مرآة من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما أخصب منها وما أجدب وما حدث فيها، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس،
стр. 4867
وكان يعلم من المرآة من يقصد مدينته من جميع النواحى فيتأهّب له. وهو أوّل من عمل صحيفة فى كلّ يوم يكتب فيها جميع ما يكون فى يومه وما يعمله ويرفع اليه، ثم يخلد فى خزانته يوما بيوم. وإذا مضى الشهر نقلت إلى مصحف الملك وختمه بخاتمه، وما صلح أن يزبر على الحجارة زبره: وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها. وكان يعطى الرغائب على الصّناعات العجيبة والحكم الغريبة. وعمل فى المدائن صورة امرأة جالسة فى حجرها صورة صبىّ كأنها ترضعه، فمن أصابتها علّة بجسمها مسحت ذلك الموضع من جسد تلك الصورة فيزول عنها ما تجد، وكذلك إن قلّ لبنها مسحت ثديها، وإن أحبّت أن يعطف عليها زوجها مسحت وجهها يدهن طيّب وقالت افعلى كذا وكذا، وإن قلّت حيضتها مسحت فوق ركبها، وإن كثر دمها ونزفت مسحت تحت ركبها، وإن أصاب ولدها شىء فعلت مثل ذلك بالصبىّ فيبرأ، وإن عزّت «١» ولادتها ومسحت رأس الصبىّ سهلت ويسهل افتضاضها، وإذا بخرته ومسحته بدهن طيّب منع جميع التوابع. وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكفّ عن زناها. وما كان من أعمال الليل بخّرت ليلا، وما كان من أعمال النهار بخّرت نهارا. وكانت تعمل أعمالا كثيرة إلى أن أزالها الطوفان.
قال: وفى بعض كتب القبط أنها وجدت بعد الطوفان وأنهم استعملوها وعبدوها.
وصورتها مصوّرة فى جميع البرابى، واسمها نبلوية، والذى دلّهم عليها قرابة فليمون «٢» الكاهن. قال: وعمل سوريد عجائب كثيرة، منها الصنم الذى يقال له نكرس «٣» المعمول من عدّة أخلاط كان يعمل أعمالا كثيرة فى الطبّ ودفع الأسقام
стр. 4868
والعلل، ويعرفون به من تبرئه الأدوية فيعيش، وإن كان يموت فله علامات فيقصرون عن علاجه، وكانوا يغسلون المواضع التى بإزاء أعضاء العلل منه ويسقى لصاحب الداء فيزول عنه. وهو أوّل من عمل الأفروثنات «١» وزبر فيها جميع العلوم.
وهو الذى بنى الهرمين الكبيرين.
ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها
قال: كان بناء الأهرام قبل الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة. وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا «٢» هذا نبذة من خبر الأهرام فى الباب الثالث من القسم الخامس من الفنّ الأوّل؛ وذلك فى السّفر الأوّل من هذه النسخة. ونحن الآن نذكر من خبرها خلاف ما قدّمناه مما أورده إبراهيم بن القاسم الكاتب مما اختصره من كتاب العجائب الكبير لإبراهيم بن وصيف شاه. قال: كان سبب بنائها أن الملك سوريد رأى رؤيا أفزعته؛ رأى كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس يخرّون على رءوسهم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة، فغمّه ذلك ولم يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك [بأيام] كأنّ الكواكب الثابتة [نزلت الى الأرض «٣» ] فى صور طيور تنصبّ «٤» ، وكأنها تتخطّف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب النيّرة مظلمة كاسفة؛ فانتبه أيضا مذعورا فزعا، فدخل الى هيكل الشمس وجعل يمرّغ خدّيه ويبكى. ولمّا أصبح أمر
стр. 4869
بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصرفآ جتمعوا، وكانوا مائة وثلاثين، فخلابهم وقصّ عليهم رؤياه، فأعظموه وأكبروه وأوّلوه على أمر عظيم يحدث فى العالم. فقال لهم فليمون- وكان من كبارهم وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس كهنة أمسوس-: إنّ فى رؤيا الملك لعجبا وأمرا كبيرا، والملوك رؤياهم لا تجرى على فساد ولا كذب لعظم أخطارهم، وكبر أقدارهم. وأنا أخبر الملك عن رؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس. فقال له الملك: قصّها علينا. قال: رأيت كأنى مع الملك على رأس المنار الذى فى أمسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه حتى قارب سمت رءوسنا، وكان علينا كالقبّة «١» المحيطة بنا، وكأنّ [الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها «٢» ] قد خالطتنا فى صور مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انضمّوا الى قصره، وكأنّ الملك رافع يديه ليدفع الفلك أن يبلغ رأسه، وأمرنى أن أفعل فعله ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منه نورا مضيئا طلعت علينا منه الشمس، فكأنّا استغثنا بها، فخاطبتنا بأنّ الفلك سيعود الى موضعه اذا مضت ثلاثمائة دورة، وكأنّ الفلك لصق بالأرض ثم عاد الى موضعه، ثم انتبهت فزعا.
فعند ذلك قال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب فانظروا هل من حادثة تحدث.
فنظروا فأخبروه بأمر الطوفان وبعده بذكر النار [التى تخرج من برج الأسد تحرق العالم «٣» ] ، فذكروا له أن ذلك يكون فى وقت عيّنوه له من مقارنات النجوم ونزولها فى الأبراج على ما حرّروه من الدقائق، وشرحه إبراهيم فى كتابه مما لا فائدة لنا فى ذكره. قال: فلما تبيّن ذلك له أمر بقطع الأساطين العظام ونشر البلاط
стр. 4870
الكبير المصفّح، واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحضار الصخور السود التى جعلها أساسا من ناحية أسوان، وكانت تحمل على أطواف «١» . وقيل:
كانت لهم فراقلّ من خوص لها عذب وعليها كتابة منقوشة، فكانوا إذا ضربوا بها الحجارة عدت على وجه الأرض وحدها مقدار رمية سهم حتى وضعت الأساسات.
وأمر أن يزبر على البلاط المنشور المهندم جميع علومهم. ثم بنى الأهرام الثلاثة الأول: الشرقىّ، والغربىّ، والملوّن؛ فكانوا يجعلون فى وسط البلاطة قلب حديد قائما ويركّبون عليه بلاطة أخرى مثقوبة الوسط، ثم يدخل ذلك القلب الحديد فى ثقب البلاطة التى تطبق عليه، ويذاب الرّصاص ويصبّ حول البلاطة بعد أن تؤلّف الكتابة التى عليها. وجعل أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعا فى آزاج «٢» مبنيّة بالحجارة فى الأرض، طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا. قال: فأما باب الهرم الشرقىّ فإنه من الناحية الجنوبية «٣» على قياس مائة ذراع من وسط حائط الهرم الى الناحية الجنوبيّة، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج ثم يدخل اليه منه.
وأما باب الهرم الغربىّ فمن الناحية الغربيّة يقاس أيضا من وسط الحائط الغربىّ الى الغرب مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج المبنىّ ويدخل منه اليه.
وأما باب الهرم الملوّن فمن الناحية البحرية «٤» يقاس أيضا من وسط الحائط البحرىّ مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج. وجعل طول كل واحد منها أربعمائة
следующие страницы →