Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
قال المسعودىّ: وذكر فى بعض التواريخ أنّ الله تعالى عاقب الروم من ذلك اليوم الذى خرّبوا فيه بيت المقدس أن يسبى منهم فى كلّ يوم سبى فلا يوم إلّا والسّبى واقع فيهم قلّ ذلك أو كثر.
ثم ملك بعدهما ذو مطيانس. فكانت مدّة ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده تبرنوس. فكانت مدّة ملكه سنة واحدة.
ثم ملك من بعده طومانوس. فكانت مدّة ملكه تسع عشرة سنة.
ثم ملك بعده أذربالس. فكانت مدّة ملكه إحدى عشرة سنة، وخرّب سائر ما بقى بالشام لبنى إسرائيل.
ثم ملك بعده أبطونيس. فكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. قال: وبنى بيت المقدس وسمّاه إيلياء.
ثم ملك بعده قرمودس. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده سيريرس. فكانت مدّة ملكه ثمانى عشرة سنة.
ثم ملك بعده ولده أنطويس. فكانت مدّة ملكه تسع سنين.
ثم ملك بعده أنطويس الثانى. فكانت مدّة ملكه أربع سنين، وفى آخر ملكه مات جالينوس الطبيب.
ثم ملك بعده الإسكندر مامياس، وتفسير مامياس العاجز. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده عردياس. فكانت مدّة ملكه ستّ سنين.
ثم ملك بعده ديقيوس وقيل فيه دقيوس. فكانت مدّة ملكه ستين سنة.
قال: فأمعن فى قتل النصارى، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف.
стр. 5112
ذكر خبر أصحاب الكهف
قال الشيخ عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحسين الأنماطىّ فى كتاب المبتدإ يرفعه الى وهب بن منبّه: إنّ أصحاب الكهف كانوا فتية من الروم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً)
الآيات التى فى سورة الكهف «١» . قال:
وكان فى إيمانهم عبرة وتفكّر منهم فى عظم الله وجلاله وملكه وسلطانه وأصناف خلقه، لم يأتهم بذلك وحى ولم يقرءوا كتابا، ولم يدركوا زمان نبوّة، وكانوا فى زمن فترة قبل أن يبعث الله عيسى بن مريم ﵇، وهذا القول مخالف لما ذكرناه آنفا، فإنّ المساق الذى قدّمناه من أخبار ملوك الروم يقتضى أن بين رفع عيسى ﵇ وبين ملك دقيوس ما يزيد على مائتى سنة. والله أعلم.
قال: وكانوا شبّانا متقاربين فى السنّ قلّما يتفاوتون، وكانوا من فصيلة واحدة يجمعهم النسب، وكانوا فى حسب عظيم من أحساب الروم، من ولد عظمائهم وملوكهم وأشرافهم، وكان للروم فيهم هوى وصبابة شديدة، وكان ملك الروم الأوّل فى آباء أولئك الفتية وينقل فى فصيلتهم التى كانوا منها أكثر من أربعمائة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة وزال الملك عنهم. فكان أولئك الفتية عقب أولئك الملوك وبقيّتهم، وكان الروم يتمنّون ملكهم ويمدّون اليهم أعناقهم لما قد بلغهم ما كان الناس فيه فى زمن أسلافهم من الخفض والدعة والعافية والبسط والأمن والسّعة، فكانوا يؤمّلونهم ويرجونهم، وكانت ملوك الروم قد جفوهم وحرموهم وأقصوهم وأضرّوا بهم مخافة منهم على ملكهم لما يعلمون من رأى الروم فيهم، وكانوا مع
стр. 5113
ذلك يكفّون عنهم أذاهم، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ومعوّلهم عليهم، فلم تزل تلك حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذى نوّره الله فى قلوبهم.
قال قائل منهم: إنى قد رأيت رأيا وقع فى قلبى وأمرا ثبت فيه، فلست أبصر غيره، وليس يخرجه من قلبى شىء، اسمعوا أعرض عليكم، إنّى فكّرت فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والنبات، والصّغار والكبار، والبقاء والفناء، والشدّة والرخاء، وتقلّب الدنيا بأهلها، والأطباق التى تنصرف عليها الخلق طبقا بعد طبق، وقوما عن قوم: من موت وحياة، ونقص وزيادة، وخفض ورفع، وغنى وفقر، وطول عمر ونقص آخر، وموت صغير وهرم كبير، وأشباه لذلك كثيرة، وهى أكثر من أن تعدّ وتوصف أو تحصى؛ فلمّا نظرت فيها وأعملت الرأى والنظر أجمع رأيى على أنّ لها خالقا بديعا ابتدعها؛ وربّا يملكها ويدبّرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنيها ويفقرها، ويرفعها ويخفضها، ويحييها ويميتها ويفنيها، تتقلّب فى قبضته وتعيش برزقه؛ فلمّا تمّ لى الرأى نظرت فى عظمة هذا الربّ الذى ابتدع هذا الخلق وضبطه، ودبّره وأحكم أمره، فإذا قدرته تأتى من وراء ذلك كلّه، ليس من هذا الخلق شىء يفوتها ولا يخرج منها، وإذا هى محيطة بكلّ شىء ومن وراء كلّ شىء، ثم نظرت فى عظمة الربّ هل أصفها كما وصفتها القدرة، وهل أعلم كنهها؟ فتحيّرت فيها، وعجز عنها الحلم والعلم، وحسر عنها العقل والنظر، وما بقى مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلّا أنه قد ألهم بمعرفته وأسرّ بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم، فماذا تقولون، وماذا تعرفون، وماذا تفعلون؟
стр. 5114
قالوا: قد قلت قولا عظيما ووصفت أمرا عجيبا، وما نحسبك إلّا قد أصبت فيه الرأى والنظر، وقد صدّقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذى عرفت وواقع قلبك، وإن كنّا لنرى مثل الذى رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك، ولكنّا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت، ولم نعمل الرأى والنظر فى معرفته مثل ما أعملت وعرفت، ولكنّ الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة، ولكن حدّثنا عمّا نسألك عنه، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك؛ هل ينبغى لهذا الربّ الذى وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك فى ملكه، أو حاجة إلى شىء من خلقه، أو هل يغلبه شىء يستعين عليه بغيره؟
قال لهم: لو كان له شريك فى شىء من أمره لضبط ما ضبط، ولو كانت به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلهم، ولو كان يستعين على شىء يغلبه بغيره إذا ما بلغت قدرته ما بلغت، ولا أحاطت بما أحاطت به، ولا وسع ما اتّسع له من أمر خلقه، وتدبير ما خلق ورزق وأمات وأحيا.
قالوا له: صدقت وعرفنا ما تقول وثبت فى قلوبنا، ولكن حدّثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حقّ معرفته. قال: لأنه خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات، وجبلهم على الضعف، وثبّت معهم الشيطان، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أنّ الذين يدعون من دونه لا يحيونهم ولا يميتونهم، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضروّنهم ولا ينفعونهم، إذا مسّهم الضّرّ فإيّاه يدعون وإليه يجأرون؛ فعند ذلك اجتمع رأيهم على أن يأووا إلى الكهف، وأن يعتزلوا قومهم
стр. 5115
وما يعبدون من دون الله، فعندها قالوا: (رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً)
إلى قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) *
قال: فلمّا اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله آووا إلى الكهف رجاء أن ينشر لهم ربهم من رحمته ويهيّىء لهم من أمرهم مرفقا. قال: وأرادوا أن يكونوا فى عزلة من قومهم وشركهم حتى يفرق لهم رأيهم، فألقى الله عليهم السّبات.
قال: وهم من مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس «١» ، وملك الروم يومئذ دقيوس، ويقال- والله أعلم- إنّ عدّتهم سبعة، كان عبد الله بن عباس يسمّيهم بأسمائهم ويقول: ما يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل، منهم مرطالوس، ونونوس، ودانيوس، وسراقيون، واسطاطالوس، ومكسلميس، وتمليخا، وهو الذى بعثوه بورقهم إلى المدينة ليرتاد لهم. هذا قول ابن عباس، قال: وكانوا قوما يطلبون الصّيد لما مسّهم من الضّرّ والحاجة ليس لهم كبير معيشة غيره، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا، وهم يومئذ فى الجبل الذى فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيّهم ونبلهم. فلمّا أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه، هل يقيمون مع قومهم على شركهم، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلّون فيها ويوحّدون فيها ربّهم. فبينا هم على ذلك ألقى الله عليهم السّبات وأخفى على جميع خلقه مكانهم، وصرف عنهم الأبصار والعقول، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم، فلبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، حتى انقرضت الأمّة التى كانوا فيها والملك الذى كان عليهم، وظهر المسيح عيسى بن مريم ﵇ وآمن به الناس واتّبعوا ملّته ورفعه الله اليه وذهب زمانه وزمان أهل ملّته وهم فى كهفهم.
стр. 5116
قال: وقد كان عيسى بن مريم ﵇ قبل أن يرفعه الله يحدّث عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم، وكيف تفكّروا فى عظمة إلهم، وكيف ألقى الله عليهم السّبات فى كهفهم، وكيف أخفى مكانهم عن الناس، ولا ينبغى لأحد أن يهتدى إليهم ولا يعرف مكانهم، وكان يخبر أنّ الله سيردّ إليهم أرواحهم ويدلّ على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم.
قال: فردّ الله اليهم أرواحهم بعد أن لبثوا فى كهفهم العدّة التى ذكرها الله فى القرآن ولزمهم كلبهم، فلبث سنيهم كلّها، كما أخبر الله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)
. والوصيد: فناء الكهف الذى فيه موضع الباب، وكان الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعم ولم يشرب ليجعله الله آية من آياتهم.
قال: فلمّا ردّ الله عليهم أرواحهم (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)
إلى قوله: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)
وهم حينئذ يظنّون أنّ قومهم أحياء، وأنهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتوّ ملكهم، فانطلق رجل منهم يقال له تمليخا، وكان أشدّهم وأنجدهم، فتوجّه حتى إذا خالط ربض المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس والدوابّ والبنيان وغير ذلك، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنّة لم يكن يعرفها، ووجدهم يبتاعون بورق لا يشبه الورق الذى معه، فتحيّر وأنكر وأقبل وأدبر، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه، وظنّوا أنه فطن به وقدر عليه. فلمّا طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها خفية فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الرّبض فى كلّ شىء، فلمّا شكّ وارتاب والتبس عليه رأيه عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسّم فيه الخير ليتجسّس ويسمع قولهم، فوجد معهم الإنجيل يقرءونه، فسمع ما فيه من توحيد الله وعظمته وعذابه وسنّته وشرائعه وحلاله وحرامه، فعرف ذلك وأذعن اليه وأنصت يسمع حتى إذا
стр. 5117
فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم فقالوا: هذا كتاب الله الإنجيل الذى أنزل على عيسى بن مريم ﵇ نبيّه. قال: وأين عيسى؟ قالوا: قد رفعه الله تعالى اليه. قال: وكم لبث فيكم؟ قالوا: ثلاثا وثلاثين سنة. قال: وهل رأيتموه وأتيتموه وأدركتم زمانه؟ قالوا: لا، كان قبل أن نولد، ووجدنا كتابه فى أيدى آبائنا. قال: أفكلّ هذه المدينة تؤمن بهذا النبىّ وبهذا الكتاب وتعمل بما فيه مما أسمع من حلاله وحرامه؟ قالوا: نعم، إلّا مستحقّا بذنب أو ظالما لنفسه.
قال: فهل سمعتم بالملك الذى يقال له دقيوس؟ قالوا: نعم. قال: فكم له منذ هلك؟ قالوا: أكثر من ثلاثمائة عام. قال: فهل بقى له عقب، أو لأحد من أهل مملكته يعمل بعمله؟ قالوا: لا. قال: فلو أراد أحد أن يعمل بمثل عمله ما كنتم تفعلون به؟ قالوا: نقتله أو نخرجه من بين أظهرنا.
فلمّا آمنهم واطمأنّ إليهم ورأى سمت الإسلام وهديه عليهم وفّقه الله وهداه لمسألة سألهم عنها. قال: أخبرونى، هل كان نبيّكم عيسى ﵇ يخبركم عن سبعة رهط خرجوا من هذه المدينة فى زمن دقيوس وقومه، وهربوا إلى الله بأنفسهم ودينهم فرارا من دقيوس وقومه، وما كانوا يعبدون من دون الله حتى آووا الى الكهف فى هذه الجبال فاستخفوا فيها. فلمّا قال لهم هذا أوجسوا فى أنفسهم أنه منهم، قالوا: نعم، قد كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنّا ننكر حالك كلّه.
قال: فهل كان عيسى ﵇ فيما بلّغكم سمّى أصحاب الكهف؟ قالوا: نعم؛ قال: فسمّوهم لى بأسمائهم، فسمّوهم حتى إذا ذكروا اسمه تمليخا قال: فأنا تمليخا وأنا أحدهم، فخرّوا له سجّدا كما صنع إخوة يوسف بيوسف يوم دخلوا عليه؛ وكانت تحيّتهم فيما بينهم السجود يومئذ، ثم أدخلوه مسجدهم وعظّموه ووقّروه وأكرموه ورفعوه وجمعوا له أهل مدينتهم وقرّاءهم وفقهاءهم، فتبرّكوا به، وجعلوا له عيدا
стр. 5118
عظيما، وأقام أياما بين أظهرهم ثم قال لهم: إنّ أصحابى الذين يحدّثكم عنهم عيسى ﵇ لا أراهم إلّا وقد خافوا علىّ وساء ظنّهم وهم يظنّون أنّ دقيوس حىّ؛ وأنّ الزمان زمانه، وأنّ الدين دينه، فانطلقوا بنا نعلمهم كيف أهلكه الله وقومه وطهّر الأرض منهم، وكيف استبدل الله به وبأهل ملّته أمّة يوحّدونه ويعرفونه ويهدون بالحقّ وبه يعدلون. فانطلقوا معه حتى انتهوا الى الكهف فوجدوا كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد فقالوا حين رأوه: وهذا الكلب أيضا من علاماتكم التى كان يحدّثنا عنها عيسى ﵇، وقد كان يحدّث أنّ أصحاب الكهف لا ينظر إليهم أحد من خلق الله من يوم يدخلون الكهف إلى أن ينزل عيسى بن مريم ﵇ إلا رجل واحد منهم، وهو الذى يدلّ عليهم وعلى مكانهم، وأنت هو؛ فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وما لقى، ثم كان آخر العهد بهم. قال الله : (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)
. قال: فبنوه حول الكهف وجعلوا الكهف فى وسطه وكتبوا القصّة على حيطانه.
قال وهب: فبلغنى- والله أعلم- أنّ النبىّ ﷺ قال: إنّ نزول أخى عيسى بن مريم ﵇ علم للساعة، وإنّ الله يبشرهم عند نزول عيسى بن مريم ﵇، وإنه يحجّ فى سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف لأنهم لم يموتوا، ثم تقبل ريح صفراء يمانيّة، ألين من الحرير، وريحها ريح المسك فتقبض روح عيسى ﵇ وأرواح من معه. انتهى خبر أصحاب الكهف، فلنرجع إلى ما كنّا فيه من أخبار ملوك الروم.
قال: ثم ملك بعد دقيوس جالش. فكانت مدّة ملكه ثلاث سنين. ثم ملك بعده قليطانس. فكانت مدّة ملكه عشر سنين، ثم كانت بعده ملوك الروم المتنصّرة.
стр. 5119
ذكر أخبار ملوك الروم المتنصّرة وهم ملوك القسطنطينية
قال المسعودىّ «١» : لمّا هلك قليطانس ملك بعده قسطنطين برومية، وهو أوّل من انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بيزنطيا، وهى القسطنطينية، فبناها هذا الملك وسمّاها بهذا الاسم. قال: وكان خروجه من رومية ودخوله فى دين النصرانية لستّ خلت من ملكه، وذلك أنّ أمّه هلانا «٢» خرجت إلى أرض الشام وبنت الكنائس وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التى تزعم النصارى أنّ عيسى ﵇ صلب عليها، فلمّا ظفرت بها حلّتها بالذهب والفضة واتّخذت يوم وجودها عيدا، وهو عيد الصليب، لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول. وهى التى ابتنت كنيسة حمص على أربعة أركان، واستخرجت الدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك فى بناء الكنائس وتشييد دين النصرانية، فكلّ كنيسة بالشام ومصر من بناء هذه الملكة هلانا.
قال: ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا بمدينة نيقية «٣» بأرض الروم فأقاموا دين النصرانية. وهذا الاجتماع أوّل
стр. 5120
الاجتماعات الستة التى تذكرها الروم فى كلامهم وتسمّيها القوانين، ومعنى هذه الاجتماعات السّنودسات واحدها سونودس. فالأوّل بنيقية وكان الاجتماع فيه على أرنوس، وهذا اتفاق من سائر أهل دين النصرانية. والسّنودس الثانى بقسطنطينية على مقدونس، وعدّة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلا. والثالث بأقسيس وعدّة من اجتمع فيه من الأساقفة مائة رجل. والرابع بخلقدونية «١» وعددهم ستمائة وستون رجلا. والخامس بقسطنطينية وعددهم مائة وستة وأربعون رجلا.
والسادس كان فى [ملكة «٢» ] المدن، وعدّتهم مائتان وثمانون رجلا.
قال: وكان السبب فى دخول قسطنطين فى دين النصرانية أنه خرج فى بعض حروب أبرجان أو غيرهم من الأمم، فكانت الحرب بينهم سجالا نحوا من سنة، ثم كانت عليه فى بعض الأيام فقتل من أصحابه خلق كثير وخاف البوار فرأى «٣» فى نومه كأنّ رماحا نزلت من السماء فيها عذب «٤» وأعلام على رأسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب، وقيل له: خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنتصر، فجعل يحارب فى النوم فرأى عدوّه قد انهزم، فاستيقظ من نومه ودعا بالرماح وركّب عليها الصّلبان مثل ما رأى، ورفعها فى عسكره وزحف إلى عدوّه فكسرهم وأخذهم السيف، فرجع إلى مدينة نيقية وسأل عن تلك الصّلبان وهل يعرفون ذلك فى شىء من الآراء والنّحل؟ فقيل له: إنّ بيت المقدس من أرض الشام يجمع هذا المذهب، وأخبروه بما فعله من قبله من الملوك من قتل
стр. 5121
النصارى، فبعث إلى الشام وبيت المقدس وحشر له ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا فأتوه بنيقية فقص عليهم أمره فشرعوا له دين النصرانيّة؛ فهذا هو السّنودس الأوّل.
وقيل: إنّ أمّه كانت قد تنصّرت وأخفت ذلك عنه قبل هذه الرؤيا. وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة، وقيل خمسا وعشرين.
ثم ملك بعده قسطنطين بن قسطنطين. فكانت مدّة ملكه أربعا وعشرين سنة.
وابتنى كنائس كثيرة وشيّد دين النصرانية.
ثم ملك بعده ابن عمه بوليانس «١» المعروف بالحنيفى ويسمّى البرباط. قال:
ولما ملك رجع عن دين النصرانية وغيّر رسومها وغزا العراق فى ملك سابور بن أردشير فأتاه سهم غرب «٢» فذبحه. ولمّا هلك جزع من كان معه من الملوك والبطارقة ففزعوا إلى بطريق كان معظّما عندهم يقال له يونياس «٣» ، وقيل: إنه كان كاتبا للملك الماضى، فأبى عليهم إلّا أن يرجعوا إلى دين النصرانية، فأجابوه إلى ذلك فملّك عليهم يونياس المذكور.
قال: ولمّا ملك كان له مراسلات مع سابور ومهادنة واجتماع، ثم انصرف بجيوش النصرانيّة موادعا لسابور وأخلف عليه ما أتلف الملك الماضى من أرضه بأموال حملها إليه وهدايا من ألطاف الروم، وشيّد النصرانيّة وأعاد معالمها، ومنع من عبادة الأصنام والتماثيل، وقتل من كان على عبادتها. فكان ملكه سنة.
стр. 5122
ثم ملك بعده أوالس قال: ولمّا ملك كان على دين النصرانيّة ثم رجع عنه، وهلك فى بعض حروبه، فكان ملكه الى أن هلك أربع عشرة سنة. وقيل:
إن فى أيامه استيقظ أهل الكهف.
ثم ملك بعده غراطيانس «١» . فكانت مدّة ملكه خمس عشرة سنة، ولسنة من ملكه كان اجتماع النصرانيّة، وهو آخر الاجتماعات، فأتمّوا القول فى روح القدس، وهو السّنودس الثانى.
ثم ملك بعده بدرسيس الأكبر، وتفسير هذا الاسم عطيّة الله. قال:
ولما ملك قام بدين النصرانية وعظّم أمرها وابتنى الكنائس، ولم يكن من أهل بيت المقدس ولا من الروم؛ بل كان أصله من الأشبان، وهم بعض الأمم السالفة. قال: وقد كانت ممن ملكت الشام ومصر والمغرب والأندلس. وقد تنازع الناس فيهم، فذكر الواقدىّ فى كتاب فتوح الأمصار أنّ بدءهم من أهل أصبهان، وأنهم ناقلة من هنالك، وهذا يوجب أنهم من قبل ملوك فارس.
قال: وذكر عبيد الله بن خرّداذبه نحو ذلك، وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السّير والأخبار.
قال المسعودىّ: والأشهر من أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح، وهم اللذارقة ملوك الأندلس واحدهم لذريق، وقد تنوزع فى دياناتهم، فمنهم من رأى انهم على دين المجوس، ومنهم من رأى أنهم على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام. قال: وكان ملك بدرسيس الى أن هلك تسع عشرة سنة.
ثم ملك بعده أوقاديس «٢» . فكان ملكه أربع عشرة سنة [وكان «٣» ] على دين النصرانية.
стр. 5123
ثم ملك بعده بدرسيس الأصغر، وذلك بمدينة أقسس، وجمع مائتى أسقف وهو الاجتماع الثالث من الأسنودسات، ولعن فيه نسطورس البطرك، وإليه تنسب النسطوريّة من النصارى. وكان ملك هذا الملك الى أن هلك اثنتين وأربعين سنة.
ثم ملك بعده مرقياقس «١» وزوجته بلجاريا. فكانت ملكة معه. وكان ملكهما سبع سنين، وفى أيامهما كان خبر اليعاقبة ووقوع الخلاف بينهم فى الثالوث.
قال: وأكثر اليعاقبة من النصارى بالعراق وتكريت والموصل والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكيّة، والنوبة والأرمن يعاقبة؛ ومطران اليعاقبة بين الموصل وبغداد وتكريت، وكان لهم بالقرب من رأس «٢» عين واحد فمات، وانتقل مطرانها الى بلاد حلب وقنّسّرين والعواصم.
قال المسعودىّ: وكرسى اليعاقبة [رسمه «٣» ] أن يكون بمدينة أنطاكية، وكذلك لهم كرسى بمصر.
ثم ملكا بعدهما ليون الأصغر بن ليون. فكان ملكه ستّ عشرة سنة، وفى أيامه أحرم مسعدة «٤» اليعقوبىّ بطرك الإسكندرية، واجتمع له من الأسقافة ستمائة وثلاثون أسقفا. وفى تاريخ الروم أنّ عدّة المجتمعة ستمائة وستون رجلا، وذلك بخلقدونية، وهذا الاجتماع هو السّنودس الرابع عند الملكية. واليعاقبة لا تعتدّ بهذا السنودس.
стр. 5124
قال: واليعاقبة أضيفت الى يعقوب البرذعىّ وبه عرفت، وكان من أهل أنطاكية، وكان يعمل البراذع بها.
ثم ملك بعده ابن له على دين الملكية. فكانت مدّة ملكه الى أن هلك سنة.
ثم ملك بعده بير وهو من بلاد الأرمينان، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكان يميل الى رأى اليعاقبة، وكان له حروب مع خوارج خرجوا عليه فى دار ملكه فظقر بهم.
ثم ملك بعده نسطاس، وكان يذهب الى مذهب اليعاقبة، وهو الذى بنى مدينة عمّوريّة، وأصاب كنوزا ودفائن عظيمة. وكان ملكه تسعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده نوسطيانس تسع سنين.
ثم ملك بعده سطيانس. فكان ملكه تسعا وثلاثين سنة، وبنى كنائس كثيرة، وشيّد دين النصرانيّة وأظهر مذاهب الملكية، وبنى كنيسة الرّها. وهى إحدى عجائب مبانى العالم.
قال: وقد كان فى هذه الكنيسة منديل يعظّمه أهل دين النصرانية، وهو أن اليسوع الناصرىّ حين أخرج من ماء المعموديّة نشّف به، فلم يزل هذا المنديل يتداول الى أن قرّر على كنيسة الرّها؛ فلمّا اشتدّ أمر الروم على المسلمين وحاصروا الرّها فى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أعطى هذا المنديل للروم فوقعت الهدنة عليه، وفرح الروم به فرحا عظيما.
ولما هلك هذا الملك ملك بعده قوسطيس وهو ابن أخيه، وكان ملكه الى أن هلك ثلاث عشرة سنة.
стр. 5125
ثم ملك بعده طباريس. فكان ملكه أربع سنين، وأظهر فى مدّة ملكه أنواعا من اللباس والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من آلات الملوك.
ثم ملك بعده مورقيس، وقيل فيه موريقس. فكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وهو الذى نصّر كسرى أبرويز على بهرام جوبين على ما قدّمناه، ثم قتل وانتصر أبرويز لولده وبعث بجيوش الفرس، وكانت له حروب ذكرناها.
ثم ملك بعده قرقاس «١» . فكان ملكه الى أن قتل أيضا ثمانى سنين.
ثم ملك بعده هرقل وكان بطريقا فى بعض الجزائر قبل ذلك. قال: ولمّا ملك عمّر بيت المقدس وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس. ولسبع سنين خلت من ملكه كانت هجرة سيدنا رسول الله ﷺ .
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام
قال المسعودىّ: وجدت فى كتب التواريخ تنازعا فى مولد النبىّ ﷺ وفى عصر من كان من ملوك الروم؛ فمنهم من ذهب الى ما قدّمناه، ومنهم من رأى أنّ مولده ﷺ كان فى ملك نوسطينوس. وكان ملكه سبعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده نوسطينوس الثانى، وكان ملكه عشرين سنة.
ثم ملك بعده هرقل بن نوسطينوس، وهو الذى ضرب الدنانير والدراهم الهرقليّة. وكان ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل، وهو الذى كتب الزّيجات فى النجوم، وعليه يعمل أهل الحساب. وفى تواريخ ملوك الروم فيمن سلف وخلف أنّ الملك
стр. 5126
للروم كان فى وقت ظهور الإسلام وخلافة أبى بكر وعمر هرقل. وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب تواريخ أهل السّير. وفى تواريخ أصحاب السّير أنّ رسول الله ﷺ هاجر وملك الروم قيصر بن فوق.
ثم ملك بعده قيصر بن قيصر، وذلك فى أيام أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه.
ثم ملك بعده هرقل بن قيصر فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو الذى حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى خلافة عمر رضى الله عنه.
ثم ملك بعده مورق بن هرقل فى خلافة عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
ثم ملك بعده فوق بن مورق فى خلافة علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وأيام معاوية بن أبى سفيان.
ثم ملك بعده فلقط «١» بن مورق بقيّة أيام معاوية بن أبى سفيان، وكانت بينهما مراسلات ومهادنات، وكان ملكه فى آخر أيام معاوية وأيام يزيد ابنه ومعاوية ابن يزيد ومروان بن الحكم وصدرا من أيام ابنه عبد الملك بن مروان.
ثم ملك بعده لاوى «٢» بن فلقط فى بقيّة أيام عبد الملك بن مروان.
ثم ملك بعده جيرون بن لاوى فى أيام الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك أخيه وعمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مسلمة بن عبد الملك بن مروان وغزو المسلمين لهم فى البرّ والبحر، فملّكوا عليهم رجلا من غير
стр. 5127
أهل بيت الملك من أهل مرعش «١» يقال له جرجس «٢» . فكان ملكه تسع عشرة سنة.
ولم يزل ملك الروم فى اضطراب الى أن ملك عليهم قسطنطين بن اليون، وذلك فى خلافة أبى العباس السفّاح وأبى جعفر المنصور.
ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وكانت أمّه أرسى ملكة معه ومشاركة له فى الملك لصغر سنّه. وملك فى أيام المهدى والهادى.
ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون بن قسطنطين، وكانت أمّه مشاركة له وسملت عيناها بعد موته.
ثم ملك بعده نقفور بن استبراق، وكان لهذا الملك مراسلات وحروب مع الرشيد، وغزاه الرشيد فأعطى القود من نفسه من بعد بغى كان منه فى بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد، فكتم الرشيد أمره لعارض علّة كان وجدها بالرّقّة «٣» ، ثم تجهّز وغزاه فنزل على هرقلة «٤» ؛ وذلك فى سنة سبعين ومائة، فحاصرهما سبعة عشر يوما فأصيب خلق من المسلمين وفنيت الأزواد والعلوفات، ثم فتحها عنوة. وقيل: إنهم بادروا لمّا فتحها بطلب الأمان فأمّنوا. والأشهر أنه فتحها عنوة.
ثم ملك بعده استبراق بن نقفور بن استبراق. وكان ملكه فى أيام الأمين، ولم يزل ملكا حتى غلب على الملك قسطنطين بن فلقط، وكان ملكه فى خلافة المأمون.
стр. 5128
ثم ملك بعده توقيل وذلك فى خلافة المعتصم، وهو الذى فتح زبطرة «١» وغزاه المعتصم بعد فتح عمّوريّة.
ثم ملك بعده ميخائيل بن توقيل، وذلك فى خلافة الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين، ثم كان بين الروم تنازع فى الملك، فملّكوا عليهم توقيل بن ميخائيل ابن توقيل.
ثم غلب على الملك بسيل الصقلبىّ «٢» ولم يكن من أهل بيت الملك. وكان ملكه فى أيام المعتزّ والمهتدى وبعض أيام المعتمد.
ثم ملك بعده اليون بن بسيل. فكان ملكه بقيّة أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد الى أن هلك.
ثم ملك بعده الإسكندروس فلم تحمد الروم أمره فخلعوه.
وملّكوا عليهم أخاه لاوى بن اليون بن بسيل الصقلبىّ. فكان ملكه بقيّة أيام المعتضد وأيام المكتفى وصدرا من أيام المقتدر.
стр. 5129
ثم هلك وخلّف ولدا صغيرا يقال له قسطنطين فملك وغلب على مشاركته فى الملك أرمنوس بطريق البحر صاحب حربه. قال: فزوّج قسطنطين الصبىّ بابنته، وذلك فى بقيّة أيام المقتدر وأيام القاهر والراضى والمتقى، وذلك فى سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة.
قال المسعودىّ: فملوك الروم فى هذا الوقت ثلاثة، فالأكبر منهم والمدبّر للأمور أرمنوس المتغلّب على الملك، ثم قسطنطين بن لاوى بن اليون بن بسيل، والثالث ابن لأرمنوس يخاطب بالملك اسمه اسطفانس وجعل أرمنوس ابنا له آخر صاحب الكرسىّ بالقسطنطينية، وهو البطريك الأكبر الذى يأخذون عنه دينهم، وقد كان خصاه قبل ذلك أبوه وقرّبه الى الكنيسة. وهذا آخر من ذكره المسعودىّ من ملوك الروم ولم نجد من ضبط أمرهم بعده على اتساق فنذكره.
قال: فعدّة ملوك الروم المتنصّرة من قسطنطين بن هلاى الذى أظهر دين النصرانيّة بالروم الى هذا الوقت أحد وأربعون ملكا، ولم يعدّ [ابن «١» ] أرمنوس.
وسنيهم خمسمائة سنة وسبع سنين.
وقال فى ملوك رومية: والذى وجدت فى أكثر كتب التواريخ مما اتفقوا عليه أن عدّة ملوك الروم الذين ملكوا مدينة رومية، وهم الذين ذكرهم فى كتابه وذكرناهم نحن فى كتابنا هذا، تسعة «٢» وأربعون ملكا، وجميع عدد سنى ملكهم، من أوّل من ملكهم على حسب ما ذكرناه من الخلاف فى صدر هذا الفصل إلى قسطنطين ابن هلاى، أربعمائة سنة وثلاثون سنة وسبعة أشهر وستة أيام. والله أعلم.
стр. 5130
ذكر أخبار ملوك الصّقالبة والنّوكبرد
قال المسعودىّ: الصقالبة من ولد ماراى بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة وبه يلحقون فى أنسابهم. ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانيّة اليعاقبة، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة. وهم أجناس:
فمنهم جنس كان الملك فيهم قديما فى صدر الزمان، وكان ملكهم يدعى ماجك، وهذا الجنس يدعى لبنانا «١» ، وكان يتلو هذا الجنس قديما فى صدر الزمان سائر أجناس الصقالبة وهم اصطبرانة، وملكهم يدعى بصقلاح. وجنس يقال له نامجين، وملكهم يدعى عرابة «٢» ، وهذا الجنس أشجع الصقالية، وجنس يدعى مناى «٣» ، وملكهم رتبيل، ثم جنس يقال له سرتين، وهو جنس مهيب عندهم، ثم جنس يقال له مراوة، ثم جروانيق وصاصين وخشانين ونرانجابين.
قال: والجنس الذى يدعى سرتين يحرقون أنفسهم بالنار، وإذا مات لهم ملك أو رئيس يحرقونه ويحرقون دوابّه، ولهم أفعال كأفعال الهند.
قال: ومن الصقالية جنس التحق بالخزر والروس. قال: والأوّل من ملوك الصقالية ملك الدير، وله مدن واسعة وعمائر كثيرة، وهو يحارب الروم والفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم، والحرب بينهم سجال: ثم يلى هذا الملك من بلاد الصقالية ملوك الترك. قال: والصقالية أجناس كثيرة، ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم فزال نظامهم وملّك كلّ جنس منهم عليهم ملكا.
هذا ما أورده المسعودى من أخبار الصقالية. والله أعلم.
стр. 5131
وأما النّوكبرد فقال المسعودىّ فيهم: إنهم أيضا من ولد يافث وبلادهم متّصلة ببلاد المغرب، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس. وهم ذو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة ويجمعهم بلد واحد.
قال: وأسماء ملوكهم فى سائر الأعصار أريكس، والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم تبّت «١» وهى مدينة عظيمة يخترقها نهر عظيم من أعظم الأنهار اسمه سابيط والمدينة على جانبيه.
قال: ومن مدنهم التى كان المسلمون ببلاد الأندلس قد غلبوهم عليها وسلبوها منهم وسكنوها ثم استعادها النّوكبرد بعد ذلك من المسلمين مدينة تارة ومدينة طارينو ومدينة سيرنية، ولم يذكر من أمرهم خلاف ذلك فنذكره.
ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقه
قال المسعودىّ «٢» : لا خلاف أنّ الإفرنجة والجلالقة والصقالية والنّوكبرد والأسبان والترك والخزر وبرجان واللان ويأجوج ومأجوج وغير من ذكرنا ممن سكن بلاد الشمال من ولد يافث بن نوح.
قال: والإفرنجة أشدّ هؤلاء الأجناس بأسا، وأمنعهم وأكثرهم عدّة، وأوسعهم ملكا، وأحسنهم نظاما، وانقيادا لملوكهم، وأكثرهم طاعة.
قال: والجلالقة أشدّ من الإفرنجة وأعظم منهم نكاية. والرجل الواحد من الجلالقة يقاوم عدّة من الإفرنجة. ثم قال: وكلمة الإفرنجة متفّقة على ملك واحد
стр. 5132
لا تنازع بينهم فى ذلك، ومدنهم تزيد على مائة وخمسين مدينة غير الكور.
وكانت أوائل بلادهم قبل ظهور الإسلام فى البحر فى جزيرة رودس وجزيرة إقريطش، ثم ملكوا بلاد الغرب واستولوا عليها.
قال: وأوّل ملوك الإفرنجة قلويا «١» وكان مجوسيا فنصّرته امرأته عرضلة.
ثم ملك بعده ابنه لذريق.
ثم ملك بعده ابنه دفسوت. «٢»
ثم ملك بعده ابنه قادله.
ثم ملك بعده ابنه بيبق.
ثم ملك بعده قادله. وكانت ولايته ستّا وعشرين سنة، وذلك فى أيّام الحكم صاحب الأندلس، وتدافع أولاده بعده ووقع الاختلاف بينهم حتى تفانت الإفرنجة بسببهم.
وسار لذريق بن قادله فملك ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر، وهو الذى أقبل إلى طرطوشة فحاصرها.
ثم ملك بعده قادله بن لذريق تسعا وثلاثين سنة وستّة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه لذريق ستّة أعوام، ثم خرج عليه قائد للإفرنجة يسمّى يوسة فملك الإفرنجة وأقام فى الملك ثمانى سنين. وهو الذى صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهبا وستمائة رطل فضّة يؤدّيها صاحب الإفرنجة إليهم.
стр. 5133
ثم ولى بعده قادله وأقام فى الملك إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
ثم ولى بعده لذريق بن قادله واستمرّ فى الملك إلى سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة.
هذا ما أورده المسعودىّ من أخبارهم فى كتابه المترجم بمروج «١» الذهب ومعادن الجوهر.
ثم أتسعت بعد ذلك ممالكهم وانبسطت أيديهم واستولوا على أكثر بلاد الغرب وغيرها.
ذكر طوائف السودان وشىء من أخبارهم ونسبهم
قال المسعودىّ: لمّا تفرّق ولد نوح فى الأرض سار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر. ثم افترقوا فسارت طائفة منهم ميمّمين المشرق، وهم النّوبة والحبشة والزنج. وسار فريق منهم نحو المغرب، وهم أنواع كثيرة:
الزغاوة والكانم «٢» ومرنك وكوكو والحمى «٣» وغانة وغير ذلك من أنواع الأحابش والدمادم، ثم افترق الذين يمّموا بين المشرق والمغرب، فصارت الزّنج من المكمين «٤» والمسكو ودبرا وغيرهم من أنواع الزّنج.
قال: ومن مدنهم بربرا وهى مدينة على خليج من البحر الحبشىّ يسمّى الخليج البربرىّ، طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل.
стр. 5134
قال: وليست هذه بربرا هى التى تنسب إليها البرابرة الذين بالمغرب من أرض إفريقية. قال: ولباس هؤلاء الزّنج جلود النمورة، وهى جلود كبيرة تحمل من أرضهم الى بلاد الإسلام. قال: وأقاصى بلاد الزنج بلاد سفالة وأقاصيه بلاد الواق واق، وهى أرض كثيرة الذهب كثيرة العجائب والخصب، حارّة. واتّخذ بها الزنج دار مملكة وملّكوا عليهم ملكا اسمه «وقليمى» وهى نسبة لسائر ملوكهم فى سائر الأعصار.
قال: ويركب وقليمى وهو ملك من ملوك الزنج فى ثلاثمائة ألف راكب، ودوابّهم البقر، وليس فى أرضهم خيل ولا بغال ولا إبل ولا يعرفونها، وإنما يركبون البقر بالسروج واللّجم، ويقاتلون عليها وهى تعدو بهم كالخيل.
قال المسعودىّ: رأيت بالرىّ نوعا من هذه البقر تبرك كما يبرك الجمل وتحمل وتثور بأجمالها، وتحمل عليها الميتة من الخيل والإبل وغيرها فتنهض بحملها.
والغالب على هذا النوع من البقر حمرة الحدق وسائر البقر تنفر منها. قال: ولا يقع البرد فى بلاد الزّنج. قال: ومنهم ناس محدّد والأسنان يأكل بعضهم بعضا. قال:
ومساكن الزّنج من حدّ الخليج المشعّب من أعلى النيل الى بلاد سفالة والواق واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصالها فى الطول والعرض سبعمائة فرسخ: برّ وأودية وجبال ورمال.
قال المسعودىّ: ومعنى تسمية ملك الزنج «وقليمى» أى ابن الربّ الكبير؛ لأنه اختارهم لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عليهم فى حكمه أو حاد عن الحقّ قتلوه وحرّموا عقبه الملك. وزعموا أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الربّ الذى هو ملك السماء والأرض، ويسمّون الخالق (مكليجو) وتفسيره الربّ الكبير.
стр. 5135
قال: والزّنج أولو فصاحة فى ألسنتهم وفيهم خطباء بلغتهم؛ يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم يرغّبهم فى القرب من ربّهم ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه، ويذكّرهم من سلف من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون اليها بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يرجعون اليها ويسوسون بها رعيّتهم، وأكثر أكلهم الموز، وهو كثير ببلدهم، وغالب أقواتهم الذّرة ونبت يقال له الكلارى «١» يقتلع من الأرض كالكمأة والراسن، ويأكلون العسل واللحم.
قال: ومن هوى منهم شيئا من نبات أو حيوان أو جماد عبده. وجزائرهم لا تحصى كثرة وفيها النارجيل.
وأمّا النّوبة وما قيل فيها فافترقت فرقتين فى شرقىّ النيل وغربيّه وأناخت على شطّيه واتّصلت ديارها بديار مصر، واتّسعت مساكنها على شاطئ النيل مصعدة. ومدينتهم دنقله. والفريق الآخر من النوبة يقال له غلوة وينزل مدينة الملك واسمها سرتة.
وأمّا البجة وما قيل فإنّها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعّبوا فرقا وملّكوا عليهم ملوكا، وفى أرضهم معادن الذهب. قال: وانضاف إلى البجة طائفة من العرب من ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان وتزوّجوا من البجة.
وأمّا الحبشة وما قيل فيها فإنّ دار ملكهم كعبر، وهى مدينة عظيمة، وهى دار مملكة النجاشىّ. وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، ويتّصل ملك النجاشىّ بالبحر الحبشىّ، وله ساحل فيه مدينة كبيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن. فمن مدن الحبشة
стр. 5136
على الساحل: الزّيلع والدّهلك وناصع، وفى هذه المدن جماعة من المسلمين إلّا أنهم فى ذمّة الحبشة.
قال: وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة، وهى ساحل زبيد من أرض اليمن، ثلاثة أيام عرض البحر. قال: ومنه عبرت الحبشة الى اليمن حين ملكته فى أيام ذى نواس، وهذا الموضع هو أقلّ هذا البحر عرضا.
قال: وهنالك جزائر بين الساحلين منها: جزيرة العقل فيها ماء يشرب فيفعل فى القرائح والذكاء فعلا جميلا، وبها جزيرة أسقطرة. وأما غير هؤلاء من الحبشة فمنهم من أمعن فى المغرب مثل: الزّغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطين ودويلة والقرمة. قال: ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف وغيرهم ملك يرجعون اليه.
стр. 5137
الباب الرابع من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك العرب ويتّصل بهذا الباب خبر سيل العرم
ذكر أخبار ملوك قحطان
قال المؤرّخون: لم يكن للعرب ملك حقيقىّ، وإنما كان من ملك حمير فى بلاد اليمن سمّى ملكا، وقد كانوا فى بعض الأوقات يخرجون من بلادهم ويسيحون فى الأرض حتّى بلغوا أقصى المغرب، وبلغوا من حدود المشرق سمرقند، وبلغوا باب الأبواب، ودخلوا بلاد الهند ولم يستقرّوا فى غير بلادهم، فلا يعدّ ذلك ملكا، وإنما هو غارة.
فأوّل ملوك قحطان عبد شمس، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وإنما سمّى سبأ لأنه أوّل من أدخل بلاد اليمن السّبى. قال عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة «١» الزهر وصدفة الدرّ: إنّ عبد شمس هذا ملك أربعمائة سنة وأربعا وثمانين سنة. قال: وقد اختلف فى أوّل من ملك منهم، فقيل يعرب بن قحطان. قال: وهو أوّل من نطق بالعربية، وأوّل من حيّاه ولده بتحية الملك: أبيت اللّعن، وأنعم صباحا.
والأشهر أنّ عبد شمس سبأ هو أوّل ملوكهم. والله أعلم.
ثم ملك بعده ابنه حمير بن سبأ، قال: وكان أشجع الناس فى وقته، وأفرسهم وأجملهم. وقيل: إنه إنما سمّى حمير لكثرة لباسه الأحمر من الثياب، وكان يلقّب
стр. 5138
بالعرنجج، وهو أوّل من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن. وكان ملكه خمسين سنة، وذلك فى عصر قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
ثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ. فكان ملكه إلى أن هلك ثلاثمائة سنة.
واختلف فيمن ملك بعده، فقيل: ملك بعده أبو مالك بن عسكر بن سبأ. فكان ملكه ثلاثمائة سنة. وقيل ملك بعد كهلان الرائش وهو الحارث بن شدّاد «١» ، وكان الحارث أوّل من غزا منهم، وأصاب الغنائم، وأدخلها اليمن، وبينه وبين حمير خمسة عشر أبا، وسمّى الرائش لأنه لمّا أدخل الغنائم والأموال والسّبى بلاد اليمن فراش الناس [فى أيامه «٢» ] . وفى عصره مات لقمان النسور. قال: وذكر الرائش هذا نبيّنا ﷺ فى شعره، فقال من قصيدته:
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبىّ لا يرخّص فى الحرام
يسمّى أحمدا يا ليت أنّى ... أعمّر بعد مخرجه بعام
قال: وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة. هكذا نقل عبد الملك بن عبدون وذكر الخلاف فى أبى مالك والرائش على ما ذكرناه. وأمّا غيره فإنه لم يذكر كهلان ابن سبأ ولا أبا مالك، بل قال: إنّ حمير عهد إلى ابن ابنه الملطاط بن عمرو بن حمير. قال: وفى أيامه انقرض ملك صحار وجاسم ابنى دارم وبادوا.
قالوا: ثم ملك بعده ابنه أبرهة ويقال له ذو المنار. قالوا: سمّى بذلك لأنه أوّل من أقام المنار فى مغازيه على الطريق، وذلك أنه أوغل فى بلاد المغرب والسودان، واتّخذها ليهتدى بذلك فى قفوله. وكان ملكه مائة وثلاثين سنة،
стр. 5139
وقيل مائة وثلاثا وثمانين سنة. هكذا ذكر ابن قتيبة فى كتاب المعارف أن الذى ملك أبرهة. وقال المسعودىّ: إنّ الذى ملك بعد الرائش جبّار بن غالب بن زيد ابن كهلان وقال: إنّ ملكه كان مائة وعشرين سنة. والله أعلم.
ثم ملك بعد أبرهة على ما ذكر ابن حمدون فى تذكرته ابنه إفريقش، وهو ذوا الأذعار. قال: سمّى بذلك لأنه خرج نحو بلاد المغرب وأوقع بقوم لهم خلق منكرة فذعر الناس منهم وفرّقوا. قال ابن عبدون: وغزا إفريقش بلاد المغرب حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم ببلاد المغرب. وكان البربر بقيّة من قتل يوشع بن نون. قال: وإفريقش هو الذى بنى إفريقية وبه سمّيت.
ثم ملك بعده ابنه العبد ويلقّب ذا الشناتر، وهى الأصابع فى لغة حمير.
قال: وخرج نحو العراق فاحتضر فى طريقه. هكذا ذكر ابن حمدون. وقال عبد الملك: إنّ الذى ملك بعد إفريقش أخوه العبد بن أبرهة. قال: وهو ذو الأذعار، سمّى بذلك لأنه كان فيما ذكر أهل الأخبار غزا بلاد النسناس فقتل منهم مقتلة عظيمة، ورجع إلى اليمن من سبيهم بقوم وجوههم فى صدورهم فذعر الناس منهم فسمّى بذى الأذعار. وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. وقد قدّمنا أنّ ذا الأذعار هو إفريقش. والله أعلم.
ثم ملك بعده الهدهاد بن عمرو بن شرحبيل. هكذا قال ابن حمدون والمسعودىّ، إلّا أنّ المسعودىّ لم يذكر عمرا وقال الهدهاد بن شرحبيل. وسمّاه ابن قتيبة هدّاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان ﵇. وكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وقيل سبعة، وقيل ستة. وقد قدّمنا
стр. 5140
خبر بلقيس وأنها ابنة ذى أشرح، وأنّ والدها لم يكن ملكا وإنما كان وزيرا لملك حمير وهو شراحى الحميرىّ. والله تعالى أعلم.
واختلف فيمن ملك بعد الهدهاد، قال المسعودىّ: تبّع الأوّل. وكان ملكه أربعمائة سنة. وقال ابن قتيبة أقلّ من ذلك، وقال: ملك بعد الهدهاد ابنته بلقيس وهى صاحبة سليمان بن داود ﵉. وكان ملكها مائة وعشرين سنة.
وقد أتينا على أخبارها فيما سلف من هذا الكتاب «١» فى قصّة سليمان ﵇.
ثم ملك بعدها ياسر بن عمرو بن شرحبيل وهو ناشر النّعم، قالوا: سمّى بذلك لإنعامه على العرب، وكان شديد السلطان، وسار غازيا وأوغل فى بلاد المغرب حتى بلغ وادى الرمل ولم يبلغه أحد قبله، وهو رمل جار، ولم يجد وراء ذلك مجازا لكثرة الرمل وجريانه، فبينما هو مقيم إذ انكشف الرمل فأمر بعض أهل بيته أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يعودوا إليه وهلكوا عن آخرهم، فأمر بصنم من نحاس فنصب على صخرة عظيمة على شفير الوادى وكتب على صدره بقلم المسند «٢» : هذا الصنم لناشر النّعم الحميرىّ ليس وراءه مذهب ولا يتكلّفن أحد ذلك فيعطب، ورجع من هناك. وكان ملكه خمسا وثمانين سنة على رواية ابن قتيبة.
وقال المسعودىّ: خمسا وثلاثين.
ثم ملك بعده أبو كرب شمر بن إفريقش، ويسمّى يرعش لارتعاش كان به. قال: وخرج نحو العراق فى زمن بستاسف أحد ملوك الفرس فأعطاه بستاسف الطاعة، وسار نحو الصين حتى نزل فى طريقه ببلاد الصغد، فاجتمع أهل تلك
стр. 5141
الأرض بمدينة سمرقند فأحاط بهم شمرو افتتحها عنوة وأسرف فى القتل وخرّب المدينة وهدمها فسمّيت شمركند، وعرّبت بعد ذلك فقالوا: سمرقند. ومعنى شمركند، أى خرّبها شمر. وفيه يقول دعبل بن علىّ يفتخر باليمن من قصيدة:
هموا كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الشاش «١» كانوا كاتبينا
وهم سمّوا بشمر سمرقندا ... وهم غرسوا هناك التّبّتينا
قال: ولما فرغ من بلاد الصّغد سار نحو الصين فأيقن ملكها بالبوار، فآحتال وزير له بأن جدع أنفه وأتى الى شمر، وهو بمفازة بينها وبين الصين عشر مراحل، ومتّ إليه بأن ملك الصين فعل به ذلك لأنه نصحه ألّا يحارب شمر وخالف رأيه، فسأله شمر عن الطريق والماء، فقال له: بينك وبين الماء ثلاث مراحل، فتزوّد لثلاثة أيام، فلمّا قطعها أعوزه الماء وكشف له الرجل أمره فمات هو وأصحابه عطشا.
قال ابن قتيبة: وكانت مدّة ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة. وقال المسعودىّ:
ثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده ابنه أبو مالك بن شمر، قال: وتأهّب للأخذ بثأر أبيه فبلغه أنّ بالمغرب واديا من الزبرجد، فحمله الشّره على طلبه وترك ما عزم عليه فمات فى طريقه.
ثم ملك بعده ابنه تبّع الأقرن بن أبى مالك بن شمر. قال: وطلب ثأر جدّه وأتى سمرقند فعمّرها وجدّد بناءها، ثم أتى الصين وأخرب مدينتها وابتنى هناك
стр. 5142
مدينة أسكن فيها ثلاثين ألف رجل. قال الحمدونىّ فى كتابه المترجم بالتذكرة:
هم إلى اليوم هناك فى زىّ العرب، ولهم بأس وشدّة- يعنى يوم صنّف كتابه وهو فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أو نحو ذلك- قال: وفى أوانه كان بوار طسم وجديس على ما نذكره فى وقائع العرب.
قال: وفى أوانه أيضا كان سيل العرم وتفرّق سبأ. وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى.
قال ابن قتيبة: وكان ملك تبّع الأقرن ثلاثا وخمسين سنة. قال المسعودىّ: إنّ ملكه كان مائة وثلاثا وستّين سنة. ولم يذكرا الملك الذى كان قبله، ونسبا هذا الملك أنه ابن شمر.
ثم ملك بعده على ما رواه ابن حمدون- وهو إن شاء الله أشبه بالصواب- أسعد ابن عمرو. قال: وملك والملك متشتّت فاستفزّ قومه فنهضوا معه فى ملوك اليمن حتى قتلهم ملكا ملكا، وانتظم له ملك اليمن، فوجّه بابن عمّ له يقال له القيطون إلى الحجاز فبغى وظلم فقتله اليهود. ولمّا بلغ أسعد ذلك غضب وحلف ليقتلنّ كلّ يهودىّ فى الأرض، وتجهّز فى مائة ألف حتّى ورد يثرب، فاجتمع الأوس والخزرج وأخبروه بقصّة ابن عمّه وفجره وظلمه فعفا عن اليهود وقال: لست أرضى بالظلم ولو علمت ذلك منه لقتلته، وأتاه بنو هذيل بن مدركة فرغّبوه فى الكعبة وما فيها من الذهب والجوهر، فقدم مكّة لذلك، فاجتمع إليه أحبار اليهود وقالوا: إنّ هذا البيت العتيق الذى ليس لله بيت فى الأرض غيره وقد رام إفساده كثير من الملوك فأبادهم الله. وفى هذه البلدة يكون مولد نبىّ آخر الزمان اسمه محمد وأحمد من ولد إبراهيم الخليل ﵇، وهو خاتم الرسل، وإنّما أراد من دلّك على
стр. 5143
ذلك هلاكك، فضرب أعناق الهذليّين وأقام بمكة ستّة شهور ينحر فى كلّ يوم ألف ناقة، وكسا البيت وعلّق عليه بابا من الذهب.
ولمّا هلك ملك بعده ابن عمّه مرثد بن عبد كلال بن تبّع الأقرن المعروف بذى الأعواد. قال: وكان ملكه أربعين سنة. ولمّا هلك ملك بعده أولاده وكانوا أربعة مشتركين فى الملك على كلّ واحد منهم تاج. قال: وخرجوا إلى مكة ليقلعوا الحجر الأسود ويبتنوا بيتا بصنعاء يكون حجّ الناس إليه؛ فاجتمعت كنانة وقلّدوا أمرهم فهر بن مالك والتقوا فقتل ثلاثة من الملوك وأسر الرابع.
ولمّا أسر هؤلاء ملكت بعدهم أختهم أبضعة ابنة ذى الأعواد. قال: وكانت فاجرة فقتلها قومها.
ثم ملك بعد أولاد ذى الأعواد ملكيكرب بن عمرو بن سعد بن عمرو، وكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وتحرّج عن سفك الدماء فلم يغز ولم يخرج من اليمن.
ثم ملك بعده تبّع أسعد بن ملكيكرب. قال: ولمّا ملك غزا بنى معدّ بتهامة فى ثلاثمائة ألف طالبا لدماء الملوك الأربعة، واجتمع بنو معدّ وعقدوا الرّياسة لأميّة ابن عوف الكنانىّ المعروف بالعنسىّ، ثم نفست ربيعة أن تكون الرّياسة فى مضر فقعدت عنهم، فضعفت مضر عن تبّع وسألوه الصلح على أن يؤدّوا إليه عقل الملوك الأربعة، عن كلّ ملك ألف ناقة. وكذلك كانت دية الملوك فى الجاهليّة. وديات من قتل معهم من الجنود لكلّ رجل مائة ناقة، فقبل تبّع ما بذلوه وانصرف إلى أرضه ووقع الشرّ بين الحيّين: ربيعة ومضر، فأرسلت ربيعة إلى تبّع رسلا فعقد بينهم حلفا وعقدا، وهو الحلف الباقى بين ربيعة واليمن إلى أن جاء الإسلام. وأقام تبّع هذا بأرض الشام ما شاء الله، ثم سار إلى الهند فى البحر وباشر الحرب بنفسه فبرز
стр. 5144
اليه ملك الهند، وهو ابن فوز الذى قتل الإسكندر أباه فقتله تبّع بيده، وتحصّنت اليهود بمدينتهم وحاصرهم تبّع شهرا حتى سألوه الأمان فآمنهم وقفل إلى بلاده.
ثم ملك بعده ابنه حسّان بن تبّع. قال: فغزا العراق فى ثلاثمائة ألف وأتى فى طريقه مكة، وقد عادت إليها خزاعة عند وفاة فهر بن مالك، فأعطاه بنو نزار الطاعة. وروى عنه شعر يخبر فيه ببعثة نبيّنا ﷺ :
شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله بارى النّسم
فلو مدّ عمرى إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عمّ
قال: ولمّا ورد العراق وجد الفرس وسلطانهم واه وقد مات هرمز وولدت امرأته غلاما، وهو سابور ذو الأكتاف، ومربّيه أحد عظماء الفرس، فلم يقم بضبط الملك؛ فاستقبلوه بالطاعة وأقرّوا له بالخراج، فأقام بالعراق حولا وعزم على غزو الصين فساء ذلك حمير وقالوا: نغيب عن أولادنا وعيالنا ولا ندرى ما يحدث بهم، فمشوا إلى عمرو أخى حسّان الملك وبعثوه على قتل أخيه على أن يملّكوه عليهم ويعود بهم الى بلادهم، وأعطوه العهود والمواثيق إلّا رجل يقال له ذو رعين، فقال لهم: إنكم إن قتلتم ملككم ظلما خرج الأمر منكم فلم يحفلوا به، فأقبل بصحيفة مختومة وقال لعمرو بن تبّع: لتكن هذه الصحيفة وديعة لى عندك الى وقت حاجتى إليها، وأقبل عمرو ليلا الى أخيه حسّان وهو نائم فى فراشه فقتله وانصرفت حمير الى بلادها.
هكذا نقل ابن حمدون فى تذكرته.
وقال أبو علىّ أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم فى أخبار الفرس: إنّ ملك الفرس يوم ذاك هو قباذ بن فيروز وهو أبو كسرى أنو شروان، وإنّ الملك الذى غزاه من ملوك حمير هو تبّع والد حسّان، وكان معه لما غزا
стр. 5145
الفرس ابنه حسّان وابن أخيه شمر. قال: فسار تبّع حتى نزل الحيرة ووجّه ابن أخيه شمرا ذا الجناح الى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالرىّ، ثم أدركه بها فقتله.
قال: ثم إنّ تبّعا أمضى شمرا ذا الجناح وابنه حسّان إلى الصّغد وقال: أيّكما سبق إلى الصين فهو عليها. وكان كلّ واحد منهما فى جيش عظيم يقال إنهما ستمائة ألف وأربعون ألفا، وبعث ابن أخيه- واسمه يعفر- إلى الروم.
قال: فأمّا يعفر فإنه سار حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والأتاوة ومضى إلى رومية فحاصرها، ثم أصابهم جوع ووقع فيهم الطاعون فتفرّقوا، وعلم الروم بذلك فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وأمّا شمر ذو الجناح فإنه سار حتى انتهى إلى سمرقند فحاصرها فلم يظفر منها بشئ، فلمّا رأى ذلك طاف بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها فاستمال قلبه ثم سأله عن المدينة وملكها فقال: أمّا ملكها فأحمق الناس ليس له همّ إلّا الأكل والشرب والجماع، ولكن له بنت هى التى تقضى أمر الناس، فمنّاه ووعده حتى طابت نفسه، ثم بعث معه هديّة إليها وقال: أخبرها أنى إنما جئت من أرض العرب للذى بلغنى من عقلها لتنكحنى نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العرب والعجم، وإنّى لم أجئ ألتمس مالا، وإنّ معى من المال أربعة آلاف تابوت ذهبا وفضّة هاهنا، وأنا أدفعها إليها وأمضى إلى الصين، فإن كانت لى الأرض كانت امرأتى، وإن هلكت كان المال لها. فلمّا انتهت رسالته إليها قالت: قد أجبته فليبعث بالمال، فأرسل إليها بأربعة آلاف تابوت، فى كلّ تابوت رجلان، وكان بسمرقند أربعة أبواب على كلّ باب منها أربعة آلاف رجل. قال: وجعل شمر العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل، وتقدّم بذلك الى رسله الذين وجّههم، فلمّا صاروا
стр. 5146
بالمدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا وأخذوا بالأبواب، ونهد «١» شمر فى الناس فدخل المدينة وقتل أهلها، واحتوى على ما فيها. ثم سار إلى الصين فلقى الترك فهزمهم، وانتهى إلى حسّان بن تبّع بالصين فوجده قد سبقه إليها بثلاث سنين.
قال: وفى بعض الروايات وهى المجتمع عليها: إنّ حسّان وشمرا انصرفا فى الطريق الذى كانا أخذا فيه حتى قدما على تبّغ بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطّيب والسّبى، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم، فكانت وفاة تبّع باليمن. وكان ملكه مائة سنة وإحدى وعشرين سنة.
قال: وأمّا فى الرواية الأخرى فإنّ تبّعا أقام وواطأ ابنه حسّان وابن أخيه شمر أن يملكا الصين ويحملا إليه الغنائم، ونصب بينه وبينهم المنار، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر فى ليلة.
قال: وقد ذكر بعض الرّواة أنّ الذى سار فى المشرق من التبابعة تبّع الأخير؛ وهو تبّع تبّان أسعد أبو كرب بن مليك بن زيد بن عمرو بن ذى الأذعار، وهو أبو حسّان. انتهى ما أورده ابن مسكويه من أخبارهم، فلنرجع إلى مساق ما قدّمناه مما نقله ابن حمدون.
قال: ثم ملك بعده حسّان بن تبّع أخوه، فقتله عمرو بن تبّع. قال: وانصرف بالقوم إلى بلادهم فسلّط الله عليه السّهر فكان لا ينام، فجمع الكهنة والقياف والعرّافين فسألهم عن ذلك فلم يعرفوه، فقال له رجل منهم: إنه يقال من قتل أخاه ظلما سلّط الله عليه السهر وحرم النوم، فأحال بالذنب على حمير وجعل يقتل من أشار عليه بقتل أخيه واحدا بعد واحد، ثم أرسل إلى ذى رعين ليلحقه بمن قتل من
стр. 5147
أصحابه، فقال: أيّها الملك إنّى خالفت القوم فيما زيّنوا لك من قتل أخيك. قال:
ومن يعلم ذلك؟ قال: الصحيفة التى أودعتها عندك، فأخرجها فقرأها فإذا فيها:
ألا من يشترى سهرا بنوم ... خلىّ من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين
قال: فخلّى عمرو سبيله.
قال: ولمّا قتل عمرو أشراف قومه وصناديدهم تضعضع أمر حمير ووهى ملكها، فطمع فيه بنو كهلان بن سبأبن يشجب بن يعرب بن قحطان، فوثب ربيعة ابن نصر بن الحارث بن عمرو بن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان فى قومه وجمعهم من أقطار الأرض، وجمع له عمرو بن تبّع والتقوا فقتل عمرو بن تبّع.
وملك بعده ربيعة بن نصر المقدّم ذكره قال: وكان قد رأى رؤيا أزعجته وعبّرت له أنّ الحبشة تملك بلاده؛ فوجّه ابن أخيه جذيمة بن عمرو بن نصر ومعه ابنه عدىّ بن ربيعة وهو صبىّ، ووجّه معهما حرمه وخزائنه، وكتب لهم الى سابور ذى الأكتاف، فأسكنهم سابور الحيرة وملّكهم ما حولها.
قال: ولمّا بلغ عدىّ بن ربيعة الحلم زوّجه جذيمة أخته رقاش فولدت له عمرو بن عدىّ. وهؤلاء ملوك الحيرة على ما نذكره فى أخبارهم.
قال: ولمّا مات ربيعة بن نصر تجّمعت حمير فآذنت كهلان بحرب أو إعادة الملك فيهم، ودخل بينهم السفراء فسلّموا الملك الى حمير فملّكت حمير عليها أبرهة ابن الصّبّاح بن لهيعة «١» بن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن مصلح
стр. 5148
ابن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدىّ بن مالك بن زيد بن سعد ابن زرعة بن ذى المنار.
قال: فملك عليهم ومكث طول أيّام سابور ذى الأكتاف ثم مات.
فملك بعده ابن عمه صهبان بن محرّث. قال: فبعث عمّاله على أرض العرب، واستعمل على ولد سعد بن عدنان ابن خاله الحارث بن عمرو بن معاوية بن كندة ابن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان، وكان الحارث يلقّب بآكل المرار، وهو جدّ امرئ القيس الشاعر بن حجر بن الحارث، وهو جدّ الأشعث بن قيس ابن معد يكرب بن جبلة بن عدىّ بن الحارث المذكور؛ فقسّم الحارث مملكته بين ولده، وكانوا ثلاثة: فملّك ابنه حجرا على أسد وكنانة، وملّك شرحبيل على قيس وتميم، وملّك [سلمة «١» ] على ربيعة، فمكثوا كذلك حينا حتى مات أبوهم الحارث فوثبت بنو أسد على حجر فقتلوه، ووثبت قيس وتميم على شرحبيل فطردوه، فغضب صهبان وتجهّز للمسير الى مضر، فاستغاثت مضر بربيعة وجاءت وفودهم إليهم واستنصروهم، ورئيسهم كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، واجتمعت ربيعة ومضر والرياسة على الحّيين لكليب؛ فقاتلوا صهبان وعظماء قومه، وهو اليوم المشهور فى العرب، فقتل صهبان. وفى هذا اليوم يقول عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزاز «٢» ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنوا أبينا
стр. 5149
فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
قال: ولمّا قتل صهبان بن محرّث ملك بعده الصّبّاح بن أبرهة بن الصّبّاح.
قال: وكان نجدا جلدا، فسار الى معدّ فى مئتى ألف يطلب ثأر صهبان. قال:
وتجّمعت معدّ ورئيسهم كليب أيضا، وكانت الحرب بينهم بموضع يسمّى الكلاب، فآنهزمت اليمن. وهذان اليومان من مفاخر نزار على اليمن، وامتنعت معدّ بعد ذلك على اليمن حتى قتل كليب بن ربيعة.
قال: ولما مات الصّبّاح ملك بعده ابن عمّ له فاسق، وقيل: إن الذى ملك لخنيعة ذو شناتر، قال: ولم يكن من أهل بيت الملك، فأغرى بحبّ الأحداث من أبناء الملوك، فكان يطالبهم بما يطالب به النسوان، وكان لا يسمع بأحد من فتيان العرب وأولاد الملوك حسن الصورة إلّا استدعاه وطالبه بهذا الفعل القبيح، ولم يزل على هذه الطريقة المذمومة حتّى نشأ غلام من أبناء ملوك حمير اسمه زرعة ابن كعب ويدعى ذانواس؛ سمّى بذلك لأنه كان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه، وكان وضيئا، فاستدعاه لمثل ما كان يدعو اليه غيره، فجعل تحت إخمصه سكّينا، فلمّا خلا به الملك واثبه ذونواس فقتله ثم حزّ رأسه، وكان له كوّة يشرف منها على عبيده إذا قضى حاجته من الغلام الذى يكون عنده ويضع مسواكا فى فيه، فلمّا قتله ذو نواس جعل السواك فى فيه، وجعل رأسه فى تلك الكوّة التى كان يشرف منها على عبيده، ثم خرج على العبيد فقالوا [له «١» ] : ذو نواس، أرطب أم يباس؟.
فقال لهم: سل نخماس، استرطبان ذو نواس. استرطبان لا باس «٢» . وتفسير ذلك:
стр. 5150
سلوا الرأس التى فى الكوّة تخبركم واتركوا ذا نواس، قال: فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا: ينبغى أن نملّكه لأنه أراحنا من هذا الفاسق.
فملك عليهم ذو نواس زرعة هذا. قال: ولمّا ملك واستتبّ له الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل فى دين اليهوديّة وقتل من كان فى بلاد اليمن على دين عيسى ابن مريم ﵇ ممن امتنع من موافقته، ثم قصد نجران وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى ﵇، فسألهم الدخول فى اليهوديّة فامتنعوا، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم للباقين نارا عظيمة فألقاهم فيها، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «١» )
. قال: ولم ينج منهم إلا نفر قليل.
وكان سبب تهوّده أنّ حمير كان لها بيت نار فيه أصنامهم، وكان يخرج من تلك النار عنق يمدّ مقدار فرسخين، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا: أيها الملك إنّ هذا العنق من النار شيطان، فطلب منهم تبيان ذلك، فنشروا التوراة وقرءوها فتراجع ذلك العنق وطفئت تلك النار، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل فى دين اليهوديّة.
قالوا: ثم إنّ أحد الناجين من نجران- ويعرف بدوس بن «٢» ذى ثعلبان- قصد قيصر ملك الروم مستنجدا به، ومعظّما عنده ما جرى على قومه وهم على دينه، فاعتذر اليه ببعد دياره وقال: سأكتب لك الى ملك على دينك قريب من ديارك، فكتب الى النجاشىّ ملك الحبشة، فلمّا عرض عليه الكتاب وحدّثه بما جرى على أهل ملّته غضب وحمى لأهل دينه، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع
следующие страницы →