← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

بالمدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا وأخذوا بالأبواب، ونهد «١» شمر فى الناس فدخل المدينة وقتل أهلها، واحتوى على ما فيها. ثم سار إلى الصين فلقى الترك فهزمهم، وانتهى إلى حسّان بن تبّع بالصين فوجده قد سبقه إليها بثلاث سنين. قال: وفى بعض الروايات وهى المجتمع عليها: إنّ حسّان وشمرا انصرفا فى الطريق الذى كانا أخذا فيه حتى قدما على تبّغ بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطّيب والسّبى، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم، فكانت وفاة تبّع باليمن. وكان ملكه مائة سنة وإحدى وعشرين سنة. قال: وأمّا فى الرواية الأخرى فإنّ تبّعا أقام وواطأ ابنه حسّان وابن أخيه شمر أن يملكا الصين ويحملا إليه الغنائم، ونصب بينه وبينهم المنار، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر فى ليلة. قال: وقد ذكر بعض الرّواة أنّ الذى سار فى المشرق من التبابعة تبّع الأخير؛ وهو تبّع تبّان أسعد أبو كرب بن مليك بن زيد بن عمرو بن ذى الأذعار، وهو أبو حسّان. انتهى ما أورده ابن مسكويه من أخبارهم، فلنرجع إلى مساق ما قدّمناه مما نقله ابن حمدون. قال: ثم ملك بعده حسّان بن تبّع أخوه، فقتله عمرو بن تبّع. قال: وانصرف بالقوم إلى بلادهم فسلّط الله عليه السّهر فكان لا ينام، فجمع الكهنة والقياف والعرّافين فسألهم عن ذلك فلم يعرفوه، فقال له رجل منهم: إنه يقال من قتل أخاه ظلما سلّط الله عليه السهر وحرم النوم، فأحال بالذنب على حمير وجعل يقتل من أشار عليه بقتل أخيه واحدا بعد واحد، ثم أرسل إلى ذى رعين ليلحقه بمن قتل من

стр. 5147

أصحابه، فقال: أيّها الملك إنّى خالفت القوم فيما زيّنوا لك من قتل أخيك. قال: ومن يعلم ذلك؟ قال: الصحيفة التى أودعتها عندك، فأخرجها فقرأها فإذا فيها: ألا من يشترى سهرا بنوم ... خلىّ من يبيت قرير عين فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين قال: فخلّى عمرو سبيله. قال: ولمّا قتل عمرو أشراف قومه وصناديدهم تضعضع أمر حمير ووهى ملكها، فطمع فيه بنو كهلان بن سبأبن يشجب بن يعرب بن قحطان، فوثب ربيعة ابن نصر بن الحارث بن عمرو بن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان فى قومه وجمعهم من أقطار الأرض، وجمع له عمرو بن تبّع والتقوا فقتل عمرو بن تبّع. وملك بعده ربيعة بن نصر المقدّم ذكره قال: وكان قد رأى رؤيا أزعجته وعبّرت له أنّ الحبشة تملك بلاده؛ فوجّه ابن أخيه جذيمة بن عمرو بن نصر ومعه ابنه عدىّ بن ربيعة وهو صبىّ، ووجّه معهما حرمه وخزائنه، وكتب لهم الى سابور ذى الأكتاف، فأسكنهم سابور الحيرة وملّكهم ما حولها. قال: ولمّا بلغ عدىّ بن ربيعة الحلم زوّجه جذيمة أخته رقاش فولدت له عمرو بن عدىّ. وهؤلاء ملوك الحيرة على ما نذكره فى أخبارهم. قال: ولمّا مات ربيعة بن نصر تجّمعت حمير فآذنت كهلان بحرب أو إعادة الملك فيهم، ودخل بينهم السفراء فسلّموا الملك الى حمير فملّكت حمير عليها أبرهة ابن الصّبّاح بن لهيعة «١» بن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن مصلح

стр. 5148

ابن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدىّ بن مالك بن زيد بن سعد ابن زرعة بن ذى المنار. قال: فملك عليهم ومكث طول أيّام سابور ذى الأكتاف ثم مات. فملك بعده ابن عمه صهبان بن محرّث. قال: فبعث عمّاله على أرض العرب، واستعمل على ولد سعد بن عدنان ابن خاله الحارث بن عمرو بن معاوية بن كندة ابن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان، وكان الحارث يلقّب بآكل المرار، وهو جدّ امرئ القيس الشاعر بن حجر بن الحارث، وهو جدّ الأشعث بن قيس ابن معد يكرب بن جبلة بن عدىّ بن الحارث المذكور؛ فقسّم الحارث مملكته بين ولده، وكانوا ثلاثة: فملّك ابنه حجرا على أسد وكنانة، وملّك شرحبيل على قيس وتميم، وملّك [سلمة «١» ] على ربيعة، فمكثوا كذلك حينا حتى مات أبوهم الحارث فوثبت بنو أسد على حجر فقتلوه، ووثبت قيس وتميم على شرحبيل فطردوه، فغضب صهبان وتجهّز للمسير الى مضر، فاستغاثت مضر بربيعة وجاءت وفودهم إليهم واستنصروهم، ورئيسهم كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، واجتمعت ربيعة ومضر والرياسة على الحّيين لكليب؛ فقاتلوا صهبان وعظماء قومه، وهو اليوم المشهور فى العرب، فقتل صهبان. وفى هذا اليوم يقول عمرو بن كلثوم: ونحن غداة أوقد فى خزاز «٢» ... رفدنا فوق رفد الرافدينا فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنوا أبينا

стр. 5149

فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا قال: ولمّا قتل صهبان بن محرّث ملك بعده الصّبّاح بن أبرهة بن الصّبّاح. قال: وكان نجدا جلدا، فسار الى معدّ فى مئتى ألف يطلب ثأر صهبان. قال: وتجّمعت معدّ ورئيسهم كليب أيضا، وكانت الحرب بينهم بموضع يسمّى الكلاب، فآنهزمت اليمن. وهذان اليومان من مفاخر نزار على اليمن، وامتنعت معدّ بعد ذلك على اليمن حتى قتل كليب بن ربيعة. قال: ولما مات الصّبّاح ملك بعده ابن عمّ له فاسق، وقيل: إن الذى ملك لخنيعة ذو شناتر، قال: ولم يكن من أهل بيت الملك، فأغرى بحبّ الأحداث من أبناء الملوك، فكان يطالبهم بما يطالب به النسوان، وكان لا يسمع بأحد من فتيان العرب وأولاد الملوك حسن الصورة إلّا استدعاه وطالبه بهذا الفعل القبيح، ولم يزل على هذه الطريقة المذمومة حتّى نشأ غلام من أبناء ملوك حمير اسمه زرعة ابن كعب ويدعى ذانواس؛ سمّى بذلك لأنه كان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه، وكان وضيئا، فاستدعاه لمثل ما كان يدعو اليه غيره، فجعل تحت إخمصه سكّينا، فلمّا خلا به الملك واثبه ذونواس فقتله ثم حزّ رأسه، وكان له كوّة يشرف منها على عبيده إذا قضى حاجته من الغلام الذى يكون عنده ويضع مسواكا فى فيه، فلمّا قتله ذو نواس جعل السواك فى فيه، وجعل رأسه فى تلك الكوّة التى كان يشرف منها على عبيده، ثم خرج على العبيد فقالوا [له «١» ] : ذو نواس، أرطب أم يباس؟. فقال لهم: سل نخماس، استرطبان ذو نواس. استرطبان لا باس «٢» . وتفسير ذلك:

стр. 5150

سلوا الرأس التى فى الكوّة تخبركم واتركوا ذا نواس، قال: فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا: ينبغى أن نملّكه لأنه أراحنا من هذا الفاسق. فملك عليهم ذو نواس زرعة هذا. قال: ولمّا ملك واستتبّ له الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل فى دين اليهوديّة وقتل من كان فى بلاد اليمن على دين عيسى ابن مريم ﵇ ممن امتنع من موافقته، ثم قصد نجران وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى ﵇، فسألهم الدخول فى اليهوديّة فامتنعوا، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم للباقين نارا عظيمة فألقاهم فيها، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «١» ) . قال: ولم ينج منهم إلا نفر قليل. وكان سبب تهوّده أنّ حمير كان لها بيت نار فيه أصنامهم، وكان يخرج من تلك النار عنق يمدّ مقدار فرسخين، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا: أيها الملك إنّ هذا العنق من النار شيطان، فطلب منهم تبيان ذلك، فنشروا التوراة وقرءوها فتراجع ذلك العنق وطفئت تلك النار، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل فى دين اليهوديّة. قالوا: ثم إنّ أحد الناجين من نجران- ويعرف بدوس بن «٢» ذى ثعلبان- قصد قيصر ملك الروم مستنجدا به، ومعظّما عنده ما جرى على قومه وهم على دينه، فاعتذر اليه ببعد دياره وقال: سأكتب لك الى ملك على دينك قريب من ديارك، فكتب الى النجاشىّ ملك الحبشة، فلمّا عرض عليه الكتاب وحدّثه بما جرى على أهل ملّته غضب وحمى لأهل دينه، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع

стр. 5151

ابن عمّه أرياط «١» ، وتقدّم إليه بأن يقتل كلّ من باليمن على دين اليهوديّة، فركب أرياط فى البحر حتى انتهى الى عدن فأحرق السفن وقال: يا معشر الحبشة، العدوّ أمامكم، والبحر وراءكم، ولا منجى لكم إلّا الصبر حتى تظفروا أو تموتوا كراما. قال: والتقوا واقتتلوا فانهزمت حمير بعد حرب عظيمة وقتل منهم خلقا كثيرا. قال: واقتحم ذو نواس البحر بفرسه وقال: والله الغرق أفضل من أسر السّودان، فغرق. وكان ملكه مائتى سنة وستين سنة، وهو آخر من ملك اليمن من قحطان. فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة. واستولت الحبشة على ملك اليمن ففرّق أرياط الأموال على أشراف الحبشة وحرم الضعفاء، فجمع أبرهة أحد قوّاد الحبشة جمعا منهم وخرج على أرياط وحاربه فقتله أبرهة بيده واستولى أبرهة على ملك اليمن. ولمّا بلغ خبرهما النجاشىّ غضب لقتل أرياط وحلف لأطأنّ أرض أبرهة سهلها وجبلها برجلى، ولأجزّنّ «٢» ناصيته بيدى، ولأهرقنّ دمه بكفّى، وتجهّز للمسير الى أرض اليمن، فبلغ ذلك أبرهة فملأ جرابين من تراب السّهل والجبل، وعمد الى ناصيته فجزّها ووضعها فى حقّ، واحتجم وجعل دمه فى قارورة وختم عليه وعلى الحقّ الذى فيه ناصيته بالمسك، وبعث بذلك الى النجاشىّ وكتب إليه يعتذر مما فعله أرياط وأنه خالف سيرتك فى العدل، وقد بلغنى ما حلفت، وقد بعثت إليك بجرابين من تراب السهل والجبل، فطأها هنالك برجلك، وجزّ ناصيتى بيدك، وأهرق دمى بكفّك، وبرّ فى يمينك، ولطّف غضبك عنّى فإنما أنا عبد من عبيدك، وعامل من

стр. 5152

عمّالك. فأعجب النجاشىّ عقل أبرهة وأقرّه على مكانه ورضى عنه؛ فبقى الى زمان كسرى أنو شروان وهو صاحب الفيل. وكانت قصّته أنه نظر الى أهل اليمن يتأهّبون للحجّ، فسأل عن أمرهم، فأخبر أنهم يخرجون حجّاجا الى مكة فقال: أنا أكفيهم تجشّم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها بصنعاء فيكون حجّ اليمن إليها، وأمر ببنائها فبنيت. وقد تقدّم وصفها فى الفنّ الأوّل «١» فى المبانى، ونصب عند المذبح درّة عظيمة تضىء فى الليلة الظلماء كما يضىء السّراج، ثم نادى فى أهل مملكته بالحجّ إليها، فغضب العرب لذلك، فانطلق رجلان من خثعم فأحدثا فى البيت الذى بناه ولطّخاه بالعذرة. وقيل: إنّ الذى فعل ذلك رجل من كنانة، فاتّهم أبرهة قريشا بذلك، وكان حينئذ بصنعاء تجّار من قريش فيهم هشام بن المغيرة، فأحضرهم وسألهم عمّن أحدث فى بيعته، فأنكروا أن يكونوا علموا بشىء من ذلك، فقال أبرهة: ظننت أنكم فعلتم ذلك غضبا لبيتكم الذى يحجّ إليه العرب، فقال هشام بن المغيرة: إنّ بيتنا حرز تجتمع فيه السّباع مع الوحوش، وجوارح الطير مع البغاث، ولا يعرض منها شىء لصاحبه، وإنما ينبغى أن يحجّ الى بيعتك هذه من كان على دينك، فأمّا من كان على دين العرب فلا يؤثر على ذلك شيئا. فأقسم أبرهة ليسيرنّ الى البيت فيهدمه حجرا حجرا. فقال له هشام بن المغيرة: إنه قد رام ذلك غير واحد من الملوك فما وصلوا إليه لأنّ له ربّا يمنعه. فخرج أبرهة فى أربعين ألفا وسار بالفيل، فغضبت لفعله همدان وجمعت إليها قبائل من اليمن- وكان ملكهم رجلا من أشراف اليمن يقال له ذو نفر- فاستقبلوه فحاربوه فهزمهم وظفر بذى نفر ملك همدان ونفيل بن

стр. 5153

حبيب سيّد خثعم أسيرين فأمر بضرب عنقهما. فقالا: أيها الملك، استبقنا لندلّك على الطريق فإنّا من أدلّ العرب، ففعل ذلك. فلمّا صاروا فى مفرق الطريقين: مكة والطائف، قال ذو نفر لابن حبيب: كفى بنا عارا أن ننطلق بهذا الأسود الى بيت الله تعالى فيهدمه! قال ابن حبيب: هلّم بنا لنأخذ به طريق الطائف فيشتغل بثقيف ولعلّه يرى ما يسوءه، فلم يشعر أهل الطائف صباحا إلّا والجيوش قد وردت عليهم، فخرج أبو مسعود الثقفىّ فى نفر منهم، فأعلم أبرهة أنها ليست طريقه، وسار أبرهة حتى أتى مكة واستاق السوائم ونزل على حدّ الحرم؛ فكان فيما ساق مائتا ناقة لعبد المطّلب بن هاشم، فركب عبد المطّلب فرسه وقصد العسكر ودخل على أبرهة فأعجبه جماله وأكرمه ونزل عن سرير كان عليه وجلس دونه حتى لا يرفع عبد المطلب إليه، ثم قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتى أن يردّ علىّ الملك مائتى بعير أصابها لى. فلمّا قال له ذلك، قال له أبرهة: قد كان بلغنى شرفك فى العرب وفضلك فأحببتك، ثم دخلت علىّ فرأيت من جمالك ووسامتك ما زادنى حبّا، فنقصت عندى فى سؤالك إياى مائتى ناقة وتركت أن تسألنى فى الرجوع عمّا هممت به من هدم هذا البيت الذى هو شرفك وعزّك! قال عبد المطلب: أيها الملك، إنّ لهذا البيت ربّا سمينعه منك وأنا ربّ إبلى، وقد رام هدمه من لا يحصى من الملوك فرجعوا بين أسير وقتيل، فردّ إبله؛ واجتمع الى عبد المطّلب أشراف قومه فقالوا: اجعل له مالا نجمعه له ليرجع عما همّ به من هدم هذا البيت. قال لهم عبد المطلب: وما عيسى أن نجعل له من المال مع عظم ما هو فيه من الملك والسلطان! اطمئنّوا، الله أمددكم «١» ، فو الله لا يصل إليه أبدا. ثم أنشد عبد المطلب يقول: يا ربّ إنّ المرء يمنع ... جاره فامنع حلالك

стр. 5154

لا يغلبنّ صليبهم ... بغيا وما جمعوا محالك إن كنت تاركهم وقب ... لمتنا فأمر ما بدالك «١» ثم علا جبل أبى قبيس هو وحكيم بن حزام ونفر من سادات قريش، وهرب الناس فلحقوا برءوس الجبال، وأمّ أبرهة البيت وقدّم أمامه الفيل، وكان أكبر فيل رآه الناس كالجبل العظيم، واسمه بلسان الحبشة محمود؛ فلمّا انتهى الفيل إلى طرف الحرم برك، فكانوا ينخسونه، فإذا أخذوا به يمينا وشمالا هرول، وإذا أقحموه برك. فلم يزل كذلك بقيّة يومهم. فلمّا قارب المساء نظروا إلى طير قد أقبلت من نحو البحر لا تحصى كثرة أصغر من الحمام، فعجبوا من كثرتها ولم يعرفوها ولا رأوا على خلقتها طيورا، وكان مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران فى رجليه، وحجر فى منقاره، على مقدار الحمص، فرفرفت على رءوسهم وأظّلت عسكرهم، ثم قذفت بالحجارة عليهم، وهبّت ريح شديدة فزادت الحجارة صعوبة وقوّة، فكان الحجر منها إذا وقع على رأس الرجل منهم نفذ حتى يخرج من دبره، فإذا سقط على بطنه خرج من ناحية ظهره؛ فكان ما أخبر الله عنهم فى سورة الفيل: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٢» ) . وخرج عبد المطّلب وأصحابه فملأوا أيديهم من المال، وأرسل

стр. 5155

إلى قريش فجاءوه من الجبال وغنموا ما شاءوا، فعظمت قريش فى أعين العرب وسمّوهم آل الله، وازداد عبد المطّلب وأصحابه شرفا. وولد رسول الله ﷺ بعد قدومهم بخمس وخمسين ليلة. وكان ذلك بعد عشرين سنة من ملك أنو شروان. وملك اليمن بعد أبرهة ابنه يكسوم. ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، وهو الذى زال ملكه على يد سيف بن ذى يزن على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر خبر سيف بن ذى يزن وعود الملك إلى حمير وذلك أنّ حمير لمّا رأت ملك الحبشة قد دام عليهم وتوارثوه فيهم، اجتمع ساداتهم إلى سيف بن ذى يزن- وهو من أولاد ذى نواس الذى غلب الحبشة على اليمن فى أيام ملكه- وبذلوا له أن يجمعوا له نفقة تقيمه ليسير إلى بعض الملوك فيستنجده ففعل ذلك، وسار حتى وافى القسطنطينية إلى قيصر ملك الروم، فاستنجده فقال له قيصر: إنّ الجيش على دينى، وما كنت لأعينك عليهم، وأمر له بعشرة ألف درهم، فأبى أن يقبلها وقال: إذا لم تنصرنى فلا حاجة لى إلى مالك. وانصرف إلى كسرى واستنجده، فقال له كسرى: بعدت بلادك عن بلادنا مع قلّة خيرها، إنما فيها الشاء والبعير وما لا حاجة لى فيه. فقال له سيف: لا تزهدنّ أيها الملك فى بلادى فإنها فرضة العرب، وأرض التبابعة الذين ملكوا أقطار أقاليم الأرض، ودان لهم أهل الشرق والغرب. قال كسرى: ما كنت لأغرّر بجندى

стр. 5156

فيما لا ينفعنى وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلمّا انتهى إلى باب القصر نثرها فى الناس حتى أتى عليها، فبلغ ذلك كسرى فغضب وقال له: ما الذى حملك على استخفافك بصلتى حتى نثرتها فى الناس؟ قال: ما أصنع بالمال وتراب أرضى ذهب وفضّة! ثم خنقته العبرة، فرقّ له كسرى ووعده بالانتصار له، فأشار عليه بعض وزرائه فقال: إنّ فى سجونك بشرا كثيرا ممن استوجب القتل، فمر بإطلاقهم، وقوّهم بالمال والكراع «١» والسّلاح، ووجهّهم مع هذا العربىّ، فإن ظفروا كان ذلك زيادة فى ملكك، وإن قتلوا كان ذلك جزاء عن جرائمهم. فأعجب كسرى هذا الرأى وعمل به وقدّم عليهم وهرز بن كامخان، وكان من فرسان العجم وأهل البيوتات، وقد أناف على المائة من السنين، وكانت عدّتهم ثلاثة آلاف وستمائة رجل، فركبوا البحر فى سبع سفن، وأرسل سيف إلى اليمن ومخاليفها، فأتوه من أقاصى اليمن وأدانيها حتى صاروا فى عشرين ألفا، وتجهّز إليهم مسروق، فلمّا التقيا قال وهرز لسيف: أرنى ملكهم، فأراه إيّاه؛ وهو على فيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوتة حمراء مدلّاة على جبينه، فلبث ساعة ثم تحوّل إلى فرس ثم تحوّل إلى بغلة، فقال وهرز: ذلّ الأسود وباد ملكه، وأنا أرميه فتأمّل الرّمية، فإن رأيت أصحابه تصدّعوا عنه وحاصوا «٢» يمينا وشمالا فاعلم أنّى قتلته، وإن لم يتحرّكوا من منازلهم فلم أصنع شيئا؛ ورماه، ففلق السهم الياقوتة نصفين وخرج من مؤخّر رأس مسروق، واضطربت الحبشة وماجوا، وحمل عليهم وهرز ومن معه والعرب فولّوا منهزمين، ودخلوا صنعاء وقتلوا كلّ أسود يوجد فى اليمن. وكتب وهرز إلى كسرى بالفتح، فكتب

стр. 5157

إليه كسرى أن يسأل عن سيف «١» بن ذى يزن، فإن كان من أبناء الملوك فأقرّه على ملكه وانصرف عنه، وإن لم يكن من أبنائهم فاضرب عنقه وأقم فى الأرض متولّيا لهم. قال: فسلّم وهرز إليه ملكه وخلف من كان معه من العجم بصنعاء وانصرف إلى كسرى، وملك سيف اليمن لكسرى، وتداولتها الولاة بعده من قبل كسرى. وكان ملك الحبشة على اليمن اثنتين وسبعين سنة ثم انتزع عنهم. ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان قال عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرّ «٢» : ومن أهل اليمن من خرج منها فملك الشام، وهم آل جفنة وأوّلهم: الحارث بن عمرو بن عامر ابن حارثة [بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك «٣» ] بن زيد ابن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى الحارث بأبى شمر. ثم تداولها منهم سبع وثلاثون ملكا. ومدّة ما ملكوا من السنين ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذى تنصّر فى أيام عمر ابن الخطاب رضى الله عنه بعد أن كان قد أقبل إلى عمرو أسلم.

стр. 5158

ثم إنه كان فى الطواف فداس رجل طرف ردائه فلطمه جبلة، فأتى الرجل عمر رضى الله عنه فطلب جبلة ليقيده منه فنتصّر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية، فأقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع، ثم ندم جبلة على ما كان منه وقال: تنصّرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفنى منها لجاج ونخوة ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور فياليت أمّى لم تلدنى وليتنى ... رجعت إلى القول الذى قاله عمر ويا ليتنى أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا فى ربيعة أو مضر ويا ليت لى بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومى ذاهب السمع والبصر وحكى أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى الإسلام أو الى الجزية فأجاب إلى الجزية، فلمّا أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: ألقيت ابن عمّك هذا الذى عندنا- يعنى جبلة- الذى أتانا راغبا فى ديننا؟ فقال: ما لقيته. قال ألقه، قال الرسول: فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجّاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال: فتلطّفت فى الدخول عليه حتى أذن لى، فدخلت فرأيته أصهب اللحية، وكان عهدى به أسود اللحية والرأس، فأنكرته وإذا هو قد ذرّ سحالة «١» الذهب على لحيته حتى صار أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من الذهب. قال: فلمّا عرفنى رفعنى معه على السرير. قال: وجعل يسألنى عن المسلمين وعن عمر رضى الله عنه؛ فذكرت خيرا وعرّفته أنّ المسلمين كثروا.

стр. 5159

ثم انحدرت عن السرير فقال لى: لم تأبى الكرامة التى أكرمناك بها؛ قلت: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا. قال: نعم! ﷺ ، ولكن نقّ قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت. فلمّا سمعته يصلّى على النبىّ ﷺ طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان منّى؟ قلت: نعم. قال: إن كنت تضمن لى أن يزوّجنى عمر ابنته ويولّينى الإمرة بعده رجعت إلى الإسلام. قال الرسول: فضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة. قال: ثم أومأ إلى خادم كان على رأسه فذهب مسرعا فإذا خدّام قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضّة، وقال لى: كل. فقبضت يدى وقلت: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن الأكل فى آنية الذهب والفضّة. قال: نعم! ﷺ ، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل فى الذهب وأكلت فى الخلنج «١» ، ثم جىء بطسات الذهب وأباريق الفضّة فغسل يده فيها وغسلت فى الصّفر «٢» ، ثم أومأ إلى خادم فمرّ مسرعا فإذا خدم معهم كراسىّ الذهب مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجوارى عليهنّ تيجان الذهب مرصّعة بالجواهر، فقعدن عن يمينه وعن شماله على تلك الكراسى، ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسنا على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر وفى يدها اليمنى جامة فيها مسك فتيت، وفى يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد؛ فأومأت الجارية أو صفّرت بالطائر الذى على تاجها فوقع فى جام ماء الورد

стр. 5160

فاضّطرب فيه، ثم أومأت إليه أو صفّرت فوقع فى جام المسك فتمرّغ فيه، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه فى رأسه، فضحك جبلة سرورا به، ثم التفت الى الجوارى اللواتى عن يمينه وقال لهنّ: بالله أضحكننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن: لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق «١» فى الزّمان الأوّل يسقون من ورد البريص «٢» عليهم ... بردى «٣» يصفّق بالرّحيق السّلسّل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية «٤» الكريم المفضل قال: فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟ قلت لا؛ قال: حسان بن ثابت، ثم أشار الى الجوارى اللواتى عن يساره فقال لهنّ: بالله أبكيننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن: لمن الدار أقفرت بمعان «٥» ... بين أعلى اليرموك «٦» فالخمّان «٧» ذاك مغنى لآل جفنة فى الدهر ... وحقّ تعاقب الأزمان

стр. 5161

قد أرانى هناك دهرا مكينا ... عند ذى التاج مقعدى ومكانى «١» قال: فبكى حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟ قلت: لا، قال: حسّان، ثم أنشد: تنصّرت الأشراف الأبيات ثم سألنى عن حسّان أحىّ هو؟ قلت: نعم، فأمر له بكسوة ولى بمثلها، وأمر بمال لحسّان ونوق موقرة برّا ثم قال: إن وجدته حيّا فادفع الهديّة إليه، وإن وجدته ميتّا فادفعها إلى أهله وانحر النّوق على قبره. قال: فلمّا أخبرت عمر بخبره وما اشترط علىّ وما ضمنت له قال: فهلّا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه! ثم جهّزنى عمر إلى القسطنطينية إلى هرقل ثانية وأمرنى أن أضمن له ما اشترط، فلمّا دخلت القسطنطينية وجدت الناس قد انصرفوا من جنازته، فعلمت أنّ الشقاء غلب عليه فى أمّ الكتاب. ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان وأوّلهم مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «٢» . وكان قد خرج من اليمن مع عمرو بن عامر حين أحسّوا بسيل العرم، وقد ذكرنا أنّ الملك ربيعة ابن نصر كان قد بعثهم إلى سابور فأسكنهم الحيرة وملكوا ما حولها. والله أعلم. قال: وكان ملك مالك على الحيرة عشرين سنة.

стр. 5162

ثم ملك بعده ابنه جذيمة «١» وهو الوضّاح. قال: وكان يقال له ذلك لبرص كان به؛ ويقال أيضا فيه الأبرش، وكان ينزل الأنبار، وكان لا ينادم أحدا من الناس ذهابا بنفسه على الندماء، وكان ينادم الفرقدين فإذا شرب قدحا صبّ [فى الأرض «٢» ] لهذا قدحا ولهذا قدحا. ويقال: إنه أوّل من عمل المنجنيق من الملوك، وأوّل من حذيت له النّعال. وأوّل من وقد بين يديه الشمع، وهو الذى قتلته الزّبّاء بحيلة. ثم ملك بعده ابن أخته عمرو بن عدىّ بن ربيعة. قالوا: وعمرو هذا هو الذى استهوته الجنّ دهرا طويلا ثم رجع؛ فبينما مالك وعقيل ابنا فارح وقيل- قالح- يقصدان جذيمة الملك بهديّة إذ نزلا على ماء ومعهما قينة يقال لها: أمّ عمرو، فتعرّض لهما عمرو، وقد طالت أظفاره وشعره وساءت حالته وهيئته، فجلس إليهما- وكانا يأكلان- فمدّ إليهما يده مستطعما فناولته تلك الجارية طعاما فأكله، ثم مدّ يده ثانية فقالت: إن يعط العبد كراعا يبتع ذراعا! ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت «٣» سقاءها، فقال عمرو: صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذى لا تصبحينا «٤»

стр. 5163

فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهما، ففرحا به وأقبلا على خاله- وقد كان جعل الجعائل لمن يأتيه به- فلمّا أتياه به قال جذيمة لهما: لكما حكمكما. فقالا: منادمتك. فكانا كما اختارا، وسار بهما المثل. ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة، فما أعادا عليه حديثا مما حدّثاه به مرّة أخرى، بل كانا يحدّثانه بحديث جديد لم يسمعه منهما قبل. وعمرو هذا هو الذى أخذ بثأر خاله جذيمة من الزّبّاء وقتلها. وذلك أنّ قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو: اضرب ظهرى واقطع أرنبة أنفى واتركنى والزّبّاء، فإنّى سأحتال لك عليها، ففعل به ذلك، ففرّ قصير إلى الزّبّاء وصار فى جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد فى حوائجها، وأنه غاشّ لعمرو ابن عدىّ؛ وجعل يتّجر لها ويذهب لعمرو فى السرّ فيعطيه الأموال فيأتيها بها، كأنّ ذلك من اجتهاده وحذقه فى التجارة حتى اطمأنّت له؛ فذهب إلى عمرو وأخذه وأخذ معه ألفى رجل وجعلهم فى جوالق على ألف جمل، ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء بهم على طريق يقال له الغوير «١» ، ولم يكن يسلكه قبل ذلك، فلمّا قرب من حصنها تقدّم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت، فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال، فرأتها وكأنّها تنزع أرجلها من أوحال لثقل ما عليها، فقالت: «عسى الغوير أبؤسا» . فذهبت مثلا. ثم قالت: ما للمطايا مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا «٢» باردا شديدا ... أم الرّجال جثّما قعودا

стр. 5164

وقد كان قصير قال لها قبل ذلك كالناصح: ما ينبغى لمثلك «١» إلا أن يكون له موضع ليوم، فإنه لا يدرى ما تحدثه الأيام؛ فأرته سربا فى ناحية قصرها قد نفذت فيه إلى حصن أختها- وكانا على ضفّتى الفرات- قال: فلمّا دخلت الإبل على البوّاب ضجر لكثرتها، حتى إذا كان آخرها طعن فى جوالق بعود كان فى يده، فقابلت الطعنة خاصرة الرجل الذى كان فى الجوالق فحنق فقال البوّاب: لشنا لشنا «٢» ؛ أى شىء فى الجوالق، فثارت الرجال من الجوالق بأيديهم السيوف، فهربت الزّبّاء إلى ذلك السّرب فإذا هى بقصير عند النفق ومعه عمرو بن عدىّ، والسيف فى يده، فمصّت خاتما كان فى يدها فيه سمّ ساعة وقالت: «بيدى لا بيد عمرو» . وفى ذلك يقول المتلمس: وفى طلب الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس

стр. 5165

وعمرو هذا هو الذى يقال فيه: «شبّ عمرو عن الطّوق» . وكانت مدّة ملكه مائة سنة. ثم ملك بعده ابنه امرؤ القيس. فكان ملكه ستين سنة. ثم ملك بعده ابنه عمرو بن امرئ القيس وهو محرّق العرب «١» . وكان ملكه خمسا وعشرين سنة، وكانت أمّه مارية التى يضرب المثل بقرطيها. ثم ملك بعده النعمان «٢» بن المنذر فارس حليمة «٣» ، وهو الذى بنى الخورنق «٤» وكردس «٥» الكراديس. وكان أعور «٦» ، ويقال: إنه أشرف فى بعض الأيّام على ما حول الخورنق فقال: أكّل ما أرى إلى نفاد؟ قيل: نعم. قال: فأىّ خير فى ملك يكون آخره إلى نفاد! ثم انخلع من ملكه ولبس المسوح وسار فى الأرض. وقد ذكره عدىّ بن زيد فقال: وتفكّر ربّ الخورنق إذ أشرف ... يوما وللهدى تفكير سرّه حاله وكثرة ما يملك ... والبحر معرضا «٧» والسّدير

стр. 5166

فارعوى قلبه وقال: فما غبطة ... حىّ إلى الممات يصير؟ وكان ملكه خمسا وثلاثين سنة. ثم ملك الأسود بن النعمان. فكان ملكه عشرين سنة. ويقال: إنّ الأسود هذا هو الذى انتصر على غسّان وأسر عدّة من ملوكهم، وأراد أن يعفو عنهم، وكان للأسود ابن عمّ يقال له: أبو أذينة، قد قتل آل غسّان له أخا فى بعض الوقائع، فقال قصيدته المشهورة يغرى بهم الأسود بن النعمان: ما كلّ يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوّغه المقدار «١» ما وهبا وأحزم النّاس من إن فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول مقتضبا وأنصف الناس فى كلّ المواطن من ... سقى المعادين بالكأس الذى شربا وليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحدّ سيف به من قبلهم ضربا والعفو إلّا عن الأكفاء مكرمة ... من قال غير الذى قد قلته كذبا قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقد ... رأيت رأيا يجرّ الويل والحربا لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا هم جرّدوا السيف فاجعلهم له جزرا «٢» ... وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا إن تعف عنهم تقول الناس كلّهم ... لم يعف حلما ولكن عفوه رهبا «٣» وكان أحسن من ذا العفو لو هربوا ... لكنّهم أنفوا من مثلك الهربا همو أهلّة غسّان ومجدهم ... عال فإن حالوا ملكا فلا عجبا وعرضوا بفداء واصفين لنا ... خيلا وابلا يروق العجم والعربا

стр. 5167

أيحلبون دما منّا ونحلبهم ... رسلا «١» لقد شرّفونا فى الورى حلبا علام تقبل منهم فدية وهمولا ... فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا فلمّا أنشده هذه القصيدة رجع عن رأيه فى العفو عنهم وقبول الفداء منهم وقتلهم. والله أعلم. ثم ملك بعده المنذر «٢» بن الأسود؛ وكانت أمّه ماء السماء «٣» . وكانت مدّة ملكه أربعا وثلاثين سنة. ثم ملك بعده عمرو بن المنذر. فكان ملكه أربعا وعشرين سنة. ثم ملك بعده المنذر بن عمرو بن المنذر. وكان ملكه ستّين سنة. ثم ملك بعده قابوس بن المنذر. فكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة. ثم ملك بعده أخوه المنذر بن ماء السماء. ثم ملك بعده النعمان بن المنذر؛ وهو الذى قيل له: «أبيت اللّعن» وهو آخر من ملك من آلهم. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. وها نحن نذكر ما قيل فى سبب ملكه وزواله. قالوا: وكان عدىّ بن زيد العبّادىّ وابنه زيد بن عدىّ سبب ولايته وسبب هلاكه، وذلك أنّ عديّا وأخويه، وهما عمّار وعمرو، كانوا فى خدمة الأكاسرة ولهم من جهتهم قطائع، وكان قابوس الأكبر عمّ النعمان بعث إلى كسرى أبرويز بعدىّ بن زيد وأخويه ليكونوا فى كتّابه يترجمون له، فلمّا مات

стр. 5168

المنذر ترك من الأولاد اثنى عشر رجلا، وهم الأشاهب «١» ، سمّوا بذلك لجمالهم، وفيهم يقول الأعشى: وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ... يمشون غدوة كالسيوف «٢» فجعل المنذر ابنه النعمان فى حجر عدىّ بن زيد هذا، وجعل ابنه الأسود فى حجر رجل يقال له: عدىّ بن أوس بن مرينا، وبنو مرينا «٣» قوم لهم شرف، وهم من لخم، وترك المنذر بقيّة بنيه، وهم عشرة، يستقلّ كلّ واحد منهم بنفسه، وجعل المنذر على أمره كلّه إياس بن قبيصة الطائىّ، فلمّا مات قابوس طلب كسرى من يملّكه على العرب، فدعا عدىّ بن زيد فقال له: من بقى من بنى المنذر، وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيّتهم فى ولد هذا الميّت، يعنى المنذر، وهم رجال نجباء؛ فكتب إليهم بالقدوم عليه، فقدموا فأنزلهم، على عدىّ بن زيد، وكان عدىّ يرى موضع النعمان لأنه فى حجره ويختاره على بقيّة إخوته فى الباطن، وهو يظهر لهم خلاف ذلك ويفضّلهم عليه فى الظاهر، ويكرم نزلهم ويخلو بهم ويريهم أنه لا يرجو النعمان، كلّ ذلك، ليطمئنّوا إليه ويرجعوا إلى رأيه، ثم خلا بكلّ منهم على انفراده وقال لهم: إن سألكم الملك: أتكفونى العرب فقولوا: نكفيهم إلّا النعمان، وقال للنعمان: إن سألك الملك عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم فإنّى عن غيرهم أعجز.

стр. 5169

قال: وكان عدىّ بن أوس بن مرينا داهية أريبا، وكان يوصى الأسود ابن المنذر ويقول: قد عرفت أنّى لك راج، وأنّ طلبتى اليك ورغبتى أن تخالف عدىّ بن زيد فيما يشير به عليك، فإنه والله لا ينصح لك أبدا، فلم يلتفت الأسود الى قوله. فلمّا أمر كسرى عدىّ بن زيد أن يدخلهم عليه قدّمهم رجلا رجلا، وكسرى يرى رجالا قلّما رأى مثلهم، فإذا سألهم هل تكفونى العرب قالوا: نكفيك العرب كلّها إلّا النعمان. فلمّا دخل النعمان عليه رأى رجلا دميما قصيرا أحمر الشعر فكلمّه وقال: هل تستطيع أن تكفينى العرب؟ قال نعم، قال: فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: أيّها الملك إن عجزت عنهم فإنّى عن غيرهم أعجز، فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم. فلمّا خرج وملك على العرب قال عدىّ ابن أوس بن مرينا للأسود بن المنذر: دونك فإنك خالفت الرأى. قال: ثم إنّ عدىّ بن زيد صنع طعاما فى بيعة وأرسل الى ابن أوس أن ائتنى مع من أحببت فإن لى حاجة، فأتاه فى أناس فتغدّوا فى البيعة، فقال عدىّ بن زيد لعدىّ بن أوس: يا عدىّ إنّ أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك، إنّى عرفت أنّ صاحبك الأسود كان أحبّ إليك أن يملّك من صاحبى النعمان، فلا تلمنى على شىء كنت على مثله، وأنا أحبّ ألّا تحقد علىّ شيئا لو قدرت عليه ركتبه، وأحبّ أن تعطينى من نفسك ما أعطيك من نفسى، فإنّ نصيبى من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. فقام عدىّ بن زيد الى البيعة وحلف ألّا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يروى عنه خيرا، وحلف عدىّ بن أوس على مثل يمينه ألّا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقى. وخرج النعمان حتى أتى منزله بالحيرة، وافترق العديّان على وحشة، فقال عدىّ بن أوس للأسود: إن لم تظفر أفلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدّىّ الذى عمل بك ما عمل؟ فقد كنت أخبرتك

стр. 5170

أن معدّا لا تنام عن مكرها، وأمرتك أن تخالفه فعصيتنى. قال: فما تريد؟ قال: ألّا تأتيك فائدة من ملكك ولا أرضك إلّا عرضتها علىّ، ففعل. وكان عدىّ بن أوس كثير المال، فلم يمرّ به يوم إلّا بعث فيه الى النعمان هديّة أو تحفة. فلمّا توالى ذلك وكثرت هداياه عند النعمان صار من أكرم الناس عليه، وصار لا يقضى فى ملكه شيئا إلّا برأى عدىّ بن أوس. فلمّا رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن أوس عنده تابعوه ولزموه؛ فكان يقول لمن يثق به من أصحاب النعمان: إذا رأيتمونى أذكر عدىّ بن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما يقول ولكنّه لا يسلّم عليه أحد، وإنه يقول: إن الملك- يعنى النعمان- إنما هو عامله، وإنه هو الذى ولّاه ما ولّاه. فلم يزالوا بهذا وأشباهه حتى أضغنوا النعمان عليه. ثم إنهم كتبوا كتابا عن عدىّ الى قهرمان «١» كان له، ودسّوا من أخذ الكتاب وأتى به النعمان فقرأه فغضب، وأرسل إلى عدىّ بن زيد يقول: عزمت عليك إلّا زرتنى فإنى قد اشتقت إليك، وكان عند كسرى، فاستأذنه فى زيارة النعمان فأذن له، فلمّا أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه، فجعل يقول الشعر ويستعطفه به، فكان مما قاله: أبلغ النّعمان عنّى مألكا «٢» ... إنه قد طال حبسى وانتظارى لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى «٣»

стр. 5171

وقال أشعارا كثيرة كانت تبلغ النعمان فندم على حبسه وعلم أنه كيد فيه، فكان يرسل إليه ويعده ويمنّيه، فلمّا طال سجنه وأعياه التضرّع إلى النعمان كتب الى أخيه أبىّ- وهو عمّار- وهو مع كسرى يخبره بحاله، ويبعثه على السعى فى خلاصه، فدخل أبىّ على كسرى وكلّمه، فكتب إلى النعمان فى أمره وبعث رسولا بكتابه، فقال له أبىّ: إبدأ بعدىّ وانظره قبل أن تجتمع بالنعمان، ورشاه على ذلك، ففعل الرسول ذلك ودخل الى الحبس واجتمع بعدىّ وقال له: ما تحبّ أن أصنع؟ قال: أحبّ ألّا تخرج من عندى، وأعطنى كتاب كسرى لأرسله من قبلى. قال: لا أستطيع ذلك. قال: فإنك إن خرجت من عندى قتلت. فقال: لا بدّ أن آتى النعمان وأوصّله الكتاب من يدى، فانطلق إلى النعمان وأوصله الكتاب فقبّله وقال: سمعا وطاعة، ووصله بأربعة آلاف مثقال [ذهبا «١» ] وجارية [حسناء «٢» ] وقال: إذا كان من غد فادخل عليه وأخرجه بنفسك. وكان أعداء عدىّ أتوا النعمان وأخبروه أنّ رسول كسرى دخل إلى عدىّ وأنه إن خرج من الحبس لم يستبق منّا أحدا، ولم تنج أنت ولا غيرك، فأمرهم النعمان بقتله، فدخلوا عليه لمّا خرج الرسول من عنده وغمّوه «٣» حتى مات، فلمّا أصبح الرسول دخل السجن فقال له الحرس: إنّ عديّا قد مات منذ أيام، ولم نجرؤ أن نخبر النعمان فرقا منه لعلمنا بكراهيته لذلك، فرجع الرسول إلى النعمان فقال:

стр. 5172

إنّى كنت بدأت به فدخلت عليه وهو حىّ. فقال له النعمان: يبعثك الملك إلىّ فتدخل إليه قبلى، كذبت! ولكنّك ارتشيت وتهدّده، ثم استدعاه بعد ذلك وزاده جائزة وكسوة واستوثق «١» منه وصرفه الى كسرى. فلمّا رجع إليه قال له: قد مات قبل مقدمى على النعمان. قال: ثم ندم النعمان على قتل عدىّ ندما شديدا واجترأ أعداء عدىّ على النعمان وهابهم، ثم ركب النعمان فى بعض أيّامه للصّيد فلقى ابنا لعدىّ بن زيد، فكلّمه فإذا هو غلام ظريف ففرح به النعمان وقرّبه ووصله واعتذر إليه، ثم جهّزه «٢» الى كسرى وكتب إليه: إنّ عديّا كان ممن أعين به الملك فى نصيحته ورأيه، فانقضت مدّته وانقطع أجله، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتى، وإنّ الملك لم يكن ليفقد رجلا من عبيده إلّا جعل الله له منه خلفا، وقد أدرك له ابن ليس هو دونه، وقد سرّحته إلى الملك فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمّه إلى عمل آخر فعل. فأجابه كسرى إلى ذلك ورتّبه فى وظيفة أبيه، وسأله عن النعمان فأحسن الثناء عليه، فمكث سنوات على منزلة أبيه وأعجب به كسرى. وكان لصاحب هذه الرّتبة على العرب وظيفة فى كلّ سنة من الأفراس والمهارة «٣» والكمأة والأقط والأدم وغير ذلك، وهو يلى ما يكتب عن كسرى إلى العرب. قال: ثم تمكّن زيد بن عدىّ بن زيد عند كسرى حتّى كان يجتمع به فى أوقات خلواته، فدخل عليه فى بعض الأيّام فكلّمه فيما دخل بسببه؛ ثم جرى ذكر النساء. وكانت عند الأكاسرة صفات امرأة، ومن رسمهم أن يطلبوا للملك من هى متّصفة

стр. 5173

بتلك الصفات. وكانت الصفة أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنو شروان جارية كان أصابها لمّا أغار على الحارث الأكبر الغسّانىّ، فكتب إلى أنو شروان بصفة الجارية فقال: هى معتدلة الخلق، نقيّة اللّون والثّغر، بيضاء قمراء وطفاء «١» دعجاء «٢» حوراء عيناء [قنواء «٣» ] شمّاء «٤» [برجاء «٥» ] زجّاء «٦» أسيلة الخدّ، [شهيّة المقبّل «٧» ] جثلة «٨» الشّعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط عيطاء «٩» ، عريضة الصدر، كاعب الثدى، ضخمة مشاش «١٠» المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكفّ، سبطة البنان، لطيفة طىّ البطن، خميصة الخصر، غرثى «١١» الوشاح، رداح «١٢» الأقبال، رابية الكفل، مفعمة الساق «١٣» ، لفّاء الفخذين. ريّا الروادف، ضخمة المأكمتين «١٤» ، عظيمة الركبة، مشبعة «١٥» الخلخال، لطيفة

стр. 5174

الكعب [والقدم، قطوف المشى «١» ] ، مكسال «٢» الضّحى، بضّة «٣» المتجرّد، سموع للسيّد، ليست بخنساء «٤» ولا سفعاء «٥» ، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذّ فى بؤس، حييّة رزينة، حليمة ركينة «٦» ، كريمة الخال، تقتصر «٧» بنسب أبيها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها التجارب «٨» فى الأدب، رأيها رأى أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفّين، قطيعة «٩» اللسان، رهوة «١٠» الصوت [ساكنته ١» ] ، تزين البيت «١٢» وتشين العدوّ إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق «١٣» عيناها، وتحمرّ وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة [إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست «١٤» ] . فقبلها أنو شروان وأمر بإثبات هذه الصفة فى ديوانه، «١٥» فكانت تتوارث

стр. 5175

حتى انتهى الملك إلى كسرى أبرويز بن هرمز. فلمّا قرئت هذه الصفة عليه قال له زيد بن عدىّ: أيها الملك، أنا أخبر بآل المنذر، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. فقال له كسرى: اكتب فيهنّ إليه. فقال: أيها الملك، إنّ شرّ شىء فى العرب وفى النعمان [خاصّة «١» ] أنهم يتكرّمون-[زعموا «٢» ] فى أنفسهم- عن «٣» العجم، فابعثنى اليه وابعث معى رجلا [من ثقاتك «٤» ] يفقه العربية. فبعث معه رجلا جلدا [فهما «٥» ] ، فخرج به زيد حتى أتى الحيرة ودخل على النعمان؛ فلما دخل عليه عظّم الرسول أمر كسرى وقال له: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده فأراد كرامتك [بصهره «٦» ] وبعث إليك فيهنّ. فقال النعمان: وما صفة هؤلاء النّسوة؟ قال: هذه صفتهنّ قد جئناك بها، وقرأها على زيد بن عدىّ، فشقّ ذلك على النعمان وقال لزيد وللرسول: أما فى مها السّواد وعين فارس ما تبلغون به حاجتكم؟ فقال الرسول لزيد: ما المها والعين؟ قال: البقر. فقال زيد للنعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أنّ ذلك يشقّ عليك لما كتب إليك، فأنزلهما [يومين عنده «٧» ] ثم كتب الى كسرى. إنّ الذى طلب الملك ليس عندى. ثم قال لزيد: أعذرنى عنده. فلمّا رجعا الى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتنى به؟ قال: قد كنت أخبرتك بضنّتهم بنسائهم على غيرهم، وإنّ ذلك من شقائهم، فسل هذا الرسول عن مقالة النعمان فإنى أكره أن أواجه الملك بما قاله، فقال للرسول: وما قال؟ قال إنه قال: أما فى بقر السواد [وفارس «٨» ] ما يكفى الملك حتى يطلب

стр. 5176

ما عندنا! فعرف الغضب فى وجه كسرى ثم قال: ربّ عبد قد قال هذا فصار أمره الى التّباب «١» ، فبلغ كلامه النعمان. وسكت كسرى على ذلك أشهرا، وهو «٢» يستعدّ ويتوقّع حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه، فانطلق النعمان حتى أتى جبال طيّىء وهو متزوّج «٣» منهم، فأرادهم أن يمنعوه فأبوا ذلك وقالوا: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة لنا فى معاداة كسرى، فأقبل يعرض نفسه على العرب فلا يقبلوه، حتى نزل بذى قار «٤» ببنى شيبان سرّا فلقى هانئ بن قبيصة [بن هانئ «٥» ] بن مسعود فأودعه سلاحه وتوجه إلى كسرى فلقى زيد بن عدىّ على قنطرة ساباط «٦» ، فقال له: انج نعيم! فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! أما والله لئن أفلت لأسقينّك بكأس أبيك! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت لك عنده أخيّة «٧» لا يقطعها المهر الأرن «٨» . قال: فلما بلغ كسرى أنه بالباب أمر به فقيّد وأبعده الى خانقين «٩» ، فلم يزل بالسجن حتى مات بالطاعون.

стр. 5177

قال ابن مسكويه فى كتاب تجارب الأمم: والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى «١» . والصحيح ما قلناه. وقال ابن عبدون: إنّ النعمان لمّا أقبل «٢» الى المدائن «٣» صفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهنّ المصبّغات وجعلهنّ صفّين، فلمّا صار النعمان بينهنّ قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر السّواد؟ وأنّ كسرى أمر بالنعمان فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمى بين أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. وفى ذلك يقول سلامة بن جندل «٤» وذكر [قتل «٥» ] كسرى أبرويز [للنّعمان «٦» ] فقال: هو المدخل النّعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق «٧» ثم ملك بعده إياس بن قبيصة وأتى الله تعالى بالإسلام. فهؤلاء ملوك العرب باليمن والشام والحيرة.

стр. 5178

ذكر خبر سدّ «١» مأرب وسيل العرم قد ذكر الله ذلك فى كتابه العزيز فقال: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «٢» آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) » الآية. روى عن فروة «٤» بن مسيك عن رسول الله ﷺ أنه لمّا أنزل فى سبأ ما أنزل قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ فقال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنّه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستّة وتشاءم منهم أربعة، فأمّا الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأمّا الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون «٥» وحمير وكندة ومذحج وأنمار» فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» . أخرجه أبو داود فى سننه والترمذىّ فى جامعه. وكانت أرض مأرب من بلاد اليمن متّصلة العمارة مسيرة ستّة أشهر، وقيل أزيد من شهرين للراكب المجدّ، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة ستّة أشهر؛

стр. 5179

فكانت المرأة إذا أرادت أن تجتنى من ثمارها [شيئا «١» ] وضعت المكتل «٢» على رأسها وخرجت تمشى بين الأشجار وهى تغزل وتعمل ما شاءت، فلا ترجع إلّا وقد امتلأ مكتلها مما يتساقط فيه من الثمار. واختلف فى مأرب، فقيل: إنه اسم ملك تلك الأرض فسمّيت به، قال الشاعر «٣» : من سبأ «٤» الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وقيل: هو اسم لقصر الملك، وفيه يقول أبو الطّمحان: ألم تروا مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان قال: وكان أوّل من خرج من اليمن بسبب سيل العرم عمرو بن عامر مزيقيا، وقد ذكرناه فى الأنساب «٥» ، وإنّ سبب تسميته مزيقيا أنه كان يلبس فى كلّ يوم حلّة وقيل حلّتين، وهو الأشهر، ثم يمزّقهما عشيّة نهاره لئّلا يلبسهما غيره، فكان هذا دأبه فى كلّ يوم.

стр. 5180

وكان سبب خروجه من اليمن واطّلاعه على خبر سيل العرم قبل حدوثه دون غيره من الناس أنه كان له امرأة كاهنة يقال لها: طريفة الخير، وكانت قد رأت فى منامها أنّ سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم أصعقت فأحرقت كلّ ما وقعت عليه، ففزعت طريفة الخير لذلك فزعا شديدا وأتت إلى زوجها عمرو بن عامر وقالت: ما رأيت اليوم أزال عنى النوم. فقال لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت غيما أرعد وأبرق طويلا ثم أصعق فما وقع على شىء إلّا احترق. قال: فلمّا رأى ما داخلها من الرّوع والفزع سكّنها. ثم إنّ عمرا بعد ذلك دخل حديقة له ومعه جارية من بعض جواريه، فبلغ ذلك امرأته طريفة فخرجت إليه ومعها وصيف لها اسمه سنان «١» ، فلمّا برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلها، واضعات أيديها على أعينها. قال: والمناجد: دوابّ تشبه اليرابيع «٢» . فلمّا نظرت طريفة إليها قعدت الى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرنى، فلمّا ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة، فلمّا عارضها خليج الحديقة التى فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت فى الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع، وتستعفر بيديها وتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول. فلمّا رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض. فلمّا عادت السّلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين انتصف النهار فى ساعة شديدة الحرّ فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح، فلمّا رآها عمرو استحيى منها وأمر الجارية بالتنحّى

стр. 5181

ثم قال لها: ما أتى بك يا طريفة؟ فكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إنّ الشجر لهالك، وليعودنّ الماء كما كان فى الزمن السالك. قال لها عمرو: ومن خبّرك بهذا؟ قالت: أخبرنى المناجيد بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد. قال: فما تقولين؟ قالت: أقول قول النّدمان لهفا، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفا، وتقذف بالبول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ. قال عمرو: وما ترين فى ذلك؟ قالت: هى داهية دهياء من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة. قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل، إنّ فيه الويل، ومالك فيه من نيل، وإنّ الويل فيما يجىء به السيل. فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وخزى طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه. قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب الى السدّ فإن رأيت جرذا يكثر يديه فى السدّ الحفر، ويقلب برجليه مراجل الصّخر، فاعلم أن الغمر غمر «١» ، وإن [قد «٢» ] وقع الأمر. قال: وما هذا الذى تذكرين؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نكل. قال: فانطلق عمرو الى السدّ فحرسه فإذا لجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إليها وهو يقول: أبصرت أمرا عادنى منه ألم ... وهاج لى من هوله برح السّقم من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من أفاويق الغنم يقلب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم ما فاته صخر من الصخر قصم

стр. 5182

فقالت طريفة: وإنّ من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك؛ فإنّ الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادى ورمله، وقد علمت أنّ الجنان مظلّلة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء. فقال لها عمرو: متى يكون هلاك السدّ؟ فقالت: فيما بينك وبين سبع سنين. فقال: ففى أيّها يكون؟ فقالت: لا يعلم ذلك إلّا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بينى وبين السبع سنين إلّا ظنت أنّ هلاكنا فى غدها أو مسائها. ثم رأى عمرو بعد ذلك فى منامه سيل العرم وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء «١» قد ظهرت فى سعف النخل وكربه «٢» ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنّ ذلك واقع، وأنّ بلادهم ستخرب لا محالة؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كلّ شىء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده، ثم خشى أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرّر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر فى ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر، ففعل ذلك. فلمّا لطمه ابنه- وكان اسمه مالكا- صاح عمرو: واذلّاه! يوم فخر عمرو يهينه صبىّ ويضرب وجهه! وحلف ليقتلّنه، فسأله القوم ألّا يفعل، فحلف ألّا يقيم بموضع صنع به فيه هذا، وليبيعنّ أمواله حتى لا يورث بعده. فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ما هو له بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء، فلمّا اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن، وخرج

стр. 5183

لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عكّ حتى مات عمرو بن عامر وتفرّقوا بعده فى البلاد؛ فمنهم من صار الى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار الى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وصارت أزد الشّراة الى أرض الشّراة، وأزد عمان الى عمان، ومالك بن فهم الى العراق. ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيّىء فنزلت بجبلى طيّىء: أجا وسلمى، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسمّوا خزاعة لانخزاعهم [من أخواتهم «١» ] ، وتمزّقوا فى البلاد كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) ثم أرسل الله السيل على السدّ فهدمه. واختلف فى العرم ما هو؟ فقيل: السدّ واحدته عرمة، وقيل: هو الجرذ. وكان السدّ فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان صفّه لحجارة السدّ بالرّصاص فرسخا فى فرسخ. ويقال: إنّ الذى بناه كان من ملوك حمير. وقد ذكر ذلك ميمون. ابن قيس الأعشى فقال: وفى ذلك للمؤتسى أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء موّاره لم يرم فصاروا أيادى ما يقدرون ... منه على شرب طفل فطم فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤها إذ قسم

стр. 5184

الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أيام العرب ووقائعها فى الجاهليّة، وأنها لمن مآثرها السنيّة، واذا تأمّلها المتأمّل دلّته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم، وحقّقت عنده أنهم ما أحجموا عن طلب أوتارهم، وعلم مكافأتهم للأقران، وسماحتهم بالنفوس والأبدان، وإقدامهم على الموت، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت. وقيل لبعض الصحابة رضى الله عنهم: ما كنتم تتحدّثون به إذا خلوتم فى مجالسكم؟ فقال: نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليّتنا. وقال بعضهم: وددت أنّ لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا فى الجاهليّة. ألا ترى أنّ عنترة الفوارس جاهلىّ لا دين له، والحسن بن هانئ إسلامىّ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه، فإنّ عنترة يقول: وأغضّ طرفى إن بدت لى جارتى ... حتى يوارى جارتى مأواها وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: كأنّ الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل والباعثى والناس قد هجعوا «١» ... حتى أبيت خليفة البعل وسأذكر من وقائعهم ما يقوّى الجنان، ويبعث الجبان.

стр. 5185

ذكر وقعة طسم وجديس وطسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وجديس بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح ﵇، وهم العرب العاربة، على ما ذكر بعض المؤرّخين. وكان منزلهما اليمامة «١» ، واسمها فى وقتهم جوّ؛ وكان الملك عليهما رجلا من طسم يقال له: عمليق، وكان غشوما ظلوما. وكان سبب فنائهما أنّ عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش «٢» . وكان قد طلّقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: «أيها الملك، هذا ابنى حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمّت أوصاله، واستوت خصاله «٣» ، أراد أن يأخذه منّى قهرا «٤» ويسلبنيه سرّا، ويترك يدى منه صفرا» . فقال الزوج: «قد أخذت المهر كاملا، ولم أنل منك طائلا، إلّا ولدا «٥» جاهلا، فافعل ما كنت فاعلا» . فأمر الملك أن يجعل الولد فى غلمانه، فقالت هزيلة: أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكما فى هزيلة ظالما لعمرى لقد حكّمت «٦» لا متورّعا ... ولا فهما عند الحكومة عالما ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجى عاثر الرأى نادما
следующие страницы →