Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
ثم قال لها: ما أتى بك يا طريفة؟ فكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إنّ الشجر لهالك، وليعودنّ الماء كما كان فى الزمن السالك. قال لها عمرو:
ومن خبّرك بهذا؟ قالت: أخبرنى المناجيد بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد.
قال: فما تقولين؟ قالت: أقول قول النّدمان لهفا، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفا، وتقذف بالبول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ. قال عمرو: وما ترين فى ذلك؟ قالت: هى داهية دهياء من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة. قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل، إنّ فيه الويل، ومالك فيه من نيل، وإنّ الويل فيما يجىء به السيل. فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال:
ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وخزى طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه. قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب الى السدّ فإن رأيت جرذا يكثر يديه فى السدّ الحفر، ويقلب برجليه مراجل الصّخر، فاعلم أن الغمر غمر «١» ، وإن [قد «٢» ] وقع الأمر. قال: وما هذا الذى تذكرين؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نكل. قال: فانطلق عمرو الى السدّ فحرسه فإذا لجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إليها وهو يقول:
أبصرت أمرا عادنى منه ألم ... وهاج لى من هوله برح السّقم
من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من أفاويق الغنم
يقلب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم
ما فاته صخر من الصخر قصم
стр. 5182
فقالت طريفة: وإنّ من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك؛ فإنّ الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادى ورمله، وقد علمت أنّ الجنان مظلّلة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء. فقال لها عمرو: متى يكون هلاك السدّ؟ فقالت: فيما بينك وبين سبع سنين. فقال: ففى أيّها يكون؟ فقالت:
لا يعلم ذلك إلّا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بينى وبين السبع سنين إلّا ظنت أنّ هلاكنا فى غدها أو مسائها.
ثم رأى عمرو بعد ذلك فى منامه سيل العرم وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء «١» قد ظهرت فى سعف النخل وكربه «٢» ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنّ ذلك واقع، وأنّ بلادهم ستخرب لا محالة؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كلّ شىء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده، ثم خشى أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرّر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر فى ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر، ففعل ذلك. فلمّا لطمه ابنه- وكان اسمه مالكا- صاح عمرو: واذلّاه! يوم فخر عمرو يهينه صبىّ ويضرب وجهه! وحلف ليقتلّنه، فسأله القوم ألّا يفعل، فحلف ألّا يقيم بموضع صنع به فيه هذا، وليبيعنّ أمواله حتى لا يورث بعده. فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ما هو له بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء، فلمّا اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن، وخرج
стр. 5183
لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عكّ حتى مات عمرو بن عامر وتفرّقوا بعده فى البلاد؛ فمنهم من صار الى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار الى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وصارت أزد الشّراة الى أرض الشّراة، وأزد عمان الى عمان، ومالك بن فهم الى العراق.
ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيّىء فنزلت بجبلى طيّىء: أجا وسلمى، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسمّوا خزاعة لانخزاعهم [من أخواتهم «١» ] ، وتمزّقوا فى البلاد كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)
ثم أرسل الله السيل على السدّ فهدمه.
واختلف فى العرم ما هو؟ فقيل: السدّ واحدته عرمة، وقيل: هو الجرذ.
وكان السدّ فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان صفّه لحجارة السدّ بالرّصاص فرسخا فى فرسخ. ويقال: إنّ الذى بناه كان من ملوك حمير. وقد ذكر ذلك ميمون.
ابن قيس الأعشى فقال:
وفى ذلك للمؤتسى أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء موّاره لم يرم
فصاروا أيادى ما يقدرون ... منه على شرب طفل فطم
فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤها إذ قسم
стр. 5184
الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس
فى أيام العرب ووقائعها فى الجاهليّة، وأنها لمن مآثرها السنيّة، واذا تأمّلها المتأمّل دلّته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم، وحقّقت عنده أنهم ما أحجموا عن طلب أوتارهم، وعلم مكافأتهم للأقران، وسماحتهم بالنفوس والأبدان، وإقدامهم على الموت، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت.
وقيل لبعض الصحابة رضى الله عنهم: ما كنتم تتحدّثون به إذا خلوتم فى مجالسكم؟ فقال: نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليّتنا.
وقال بعضهم: وددت أنّ لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا فى الجاهليّة.
ألا ترى أنّ عنترة الفوارس جاهلىّ لا دين له، والحسن بن هانئ إسلامىّ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه، فإنّ عنترة يقول:
وأغضّ طرفى إن بدت لى جارتى ... حتى يوارى جارتى مأواها
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
كأنّ الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل
والباعثى والناس قد هجعوا «١» ... حتى أبيت خليفة البعل
وسأذكر من وقائعهم ما يقوّى الجنان، ويبعث الجبان.
стр. 5185
ذكر وقعة طسم وجديس
وطسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وجديس بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح ﵇، وهم العرب العاربة، على ما ذكر بعض المؤرّخين.
وكان منزلهما اليمامة «١» ، واسمها فى وقتهم جوّ؛ وكان الملك عليهما رجلا من طسم يقال له:
عمليق، وكان غشوما ظلوما. وكان سبب فنائهما أنّ عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش «٢» . وكان قد طلّقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: «أيها الملك، هذا ابنى حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمّت أوصاله، واستوت خصاله «٣» ، أراد أن يأخذه منّى قهرا «٤» ويسلبنيه سرّا، ويترك يدى منه صفرا» . فقال الزوج: «قد أخذت المهر كاملا، ولم أنل منك طائلا، إلّا ولدا «٥» جاهلا، فافعل ما كنت فاعلا» . فأمر الملك أن يجعل الولد فى غلمانه، فقالت هزيلة:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكما فى هزيلة ظالما
لعمرى لقد حكّمت «٦» لا متورّعا ... ولا فهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجى عاثر الرأى نادما
стр. 5186
فلمّا بلغ عمليقا ذلك غضب وأقسم أنه لا تهدى عروس فى جديس لبعلها حتى يكون هو الذى يبدأ بها قبل زوجها. فلم يزل على ذلك دهرا حتى أهديت عفيرة «١» بنت عفار «٢» الجديسيّة أخت الأسود بن عفار «٣» سيّد جديس إلى بعلها، ويقال: إنّ اسمها الشّموس، فحملت إلى عمليق، فلمّا افترعها وخلّى سبيلها خرجت على قومها فى دمائها شاقّة جيبها عن قبلها ودبرها وهى تقول:
لا أحد أذلّ من جديس ... هكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومى حرّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذة الموت كذا لنفسه ... خير من ان يفعل ذا بعرسه
ثم قالت تحرّض جديسا على طسم:
أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرّمل «٤»
أيصلح تمشى فى الدّماء فتياتكم ... صبيحة زفّت فى النساء إلى البعل
فإن كنتمو لا تغضبوا عند هذه ... فكونوا نساء لا تفيق من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العرائس وللغسل
فلو أننا كنّا رجالا وكنتم ... نساء لكنّا لا نقرّ على الذّلّ
فقبحا وسحقا للذى ليس دافعا ... ويختال يمشى بيننا مشية الفحل
فموتواء كراما واصبروا لعدوّكم ... لحرب تلظّى بالضّرام من الجزل
ولا تجزعوا فى الحرب يا قوم إنها ... تقوم بأقوام كرام على رجل
стр. 5187
فاجتمعت جديس فقال لهم الأسود بن عفار، وكان مطاعا فيهم: لتطيعنّنى [فيما آمركم به «١» ] أو لأتّكئنّ على سيفى حتى يخرج من ظهرى. قالوا: فإنّا نطيعك. قال: إنّ طسما ليسوا بأعزّ منكم، ولكن ملك صاحبهم هو الذى يذعننا إليهم بالطاعة، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النّصف «٢» . قالوا: إنّ القوم أكثر منّا عددا وعددا. قال: إنّى صانع طعاما فأدعوهم إليه، فإذا جاءوكم متفضّلين فى الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا. فقالت عفيرة لأخيها: لا تفعل! فإنّ الغدر ذلّة وعار، ولكن كاثروا القوم فى ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراما. قال: بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم. ثم صنع الأسود طعاما وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها فى الرمل. ودعا عمليقا وقومه، فلمّا أتوا استثارت جديس السيوف وشدّوا عليهم فما أفلت منهم إلّا رياح بن مرّة، ففرّ إلى حسّان بن تبّع فاستغاث به وأخبره بما صنعته جديس بطسم فوعده النصرة، ثم نادى حسّان فى حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم؛ فقالوا:
وما جديس وطسم؟ قال: هما أخوان. قالوا: فما لنا فى هذا من أرب.
قال حسّان: أرأيتم لو كان هذا فيكم أكان حسنا لملككم أن يهدر «٣» دماءكم.
وما علينا فى الحكم إلّا أن ننصف بعضهم من بعض. فقالوا: الأمر أمرك أيّها الملك فمرنا بما أحببت. فأمرهم بالمسير، فساروا حتى إذا كانوا من اليمامة على ثلاث ليال قال رياح بن مرّة لحسّان بن تبّع: أبيت اللعن! إنّ لى أختا متزوّجة فى جديس تنظر الراكب على مسيرة ثلاث ليال وأخاف أن تنذر قومها، فأمر كلّ إنسان أن يقتلع شجرة من الأرض ويجعلها أمامه، فأمرهم حسّان بذلك. ثم ساروا، فنظرت أخت رياح فقالت: يا جديس! لقد سارت إليكم الشّجر. فقالوا لها:
стр. 5188
وما ذاك؟ قالت: أرى شجرا، من ورائه بشرا، وإنّى لا أرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا، فكذّبوها وغفلوا عن أخذ أهبة الحرب حتى صبّحتهم حمير. ففى ذلك تقول زرقاء اليمامة:
خذوا لهم حذركم يا قوم ينفعكم ... فليس ما قد أراه اليوم يحتقر
إنّى أرى شجرا من خلفه بشر ... فكيف تجتمع الأشجار والبشر
صفّوا الطوائف منكم قبل داهية ... من الأمور التى يخشى وتنتظر
إنّى أرى رجلا فى كفّه كتف ... أو يختصف النّعل خصفا ليس يعتذر «١»
ثوروا بأجمعكم فى وجه أوّلهم ... فإنّ ذلك منكم- فاعلموا- ظفر
وغوّروا كلّ ماء دون منزلهم ... فليس من دونه «٢» نحس ولا ضرر
أو عاجلوا القوم عند الليل إن رقدوا ... ولا تخافوا «٣» لها حربا وإن كثروا
فلمّا كان حسّان على مسيرة ليلة عبّأ جيشه ثم صبّحهم فاستباح اليمامة قتلا وسبيا، وهرب الأسود حتى نزل بطيّىء فأجاروه من كلّ من يطلبه وهم لا يعرفونه. وقبيلته فى طيّىء مذكورة. ثم إنّ حسانا أمر باليمامة فنزع عينيها فإذا فى داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك فقالت: حجر أسود كنت أكتحل به يقال له الإثمد فثبّت لى بصرى. وقيل: إنها أوّل من اكتحل بالإثمد؛ فأمر بها فصلبت على باب جوّ.
وقيل: سمّى جوّ باليمامة من ذلك الوقت. وفى ذلك يقول رياح بن مرّة لمّا أخذ بثأره:
стр. 5189
غدر الحىّ من جديس بطسم ... آل طسم كما تدانى تدينى
قد أتيناهم بيوم كيوم ... تركوا فيه مثل ما تركونى
ليت طسما على منازلها تع ... لم أنّى قضيت عنّى ديونى
وقد كرّرت الشعراء قصّة هذه المرأة وجوّ. فمن ذلك قول الأعشى على رواية ابن قتيبة:
قالت أرى رجلا فى كفّه كتف ... أو يخصف النّعل لهفى «١» آية صنعا
فكذّبوها بما قالت فصبّحهم ... ذو آل حسّان يزجى السمّ والسّلعا «٢»
فاستنزلوا آل جوّ من مساكنهم ... وهدّموا رافع البنيان فاتّضعا «٣»
وروى ابن إسحاق:
كونى كمثل التى إن غاب «٤» واحدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا
ثم أتى بالأبيات التى ذكرها ابن قتيبة. وقال المسيّب بن علس:
لقد نظرت عين إلى الجزع نظرة ... إلى مثل موج المقعم المتلاطم
إلى حمير إذ وجّهوا من بلادهم ... تضيق بهم لأيا فروج المخارم «٥»
стр. 5190
وفيها يقول النّمر بن تولب:
وفتاتهم عنز غداة تبيّنت ... من بعد مرأى فى الفضاء ومسمع
قالت أرى رجلا يقلّب نعله ... تقليب ذى وصل له ومشسّع
ورأت مقدّمة الخميس ودونها ... ركض الجياد إلى الصّباح يتّبع
ذكر حروب قيس فى الجاهلية يوم منعج لغنىّ على عبس
يوم منعج «١» . هو يوم الرّدهة «٢» وفيه قتل شأس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ؛ قتله رياح بن الأشلّ «٣» الغنوىّ. وذلك أنّ شأسا أقبل من عند النعمان بن المنذر وقد أجزل حباءه. وكان من حبائه قطيفة حمراء ذات هدب «٤» وطيب؛ فورد منعجا- وهو ماء لغنىّ- فأناخ راحلته إلى جانب الرّدهة وعليها خباء لرياح بن الأشلّ، وجعل يغتسل وامرأة رياح تنظر إليه، وهو كالثّور الأبيض، فانتزعه رياح بسهم فقتله، وضمّ متاعه ونحر ناقته وأكلها وغيّب أثره. وفقد شأس بن زهير، حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ قد باعتها امرأة رياح، فعلموا أنّ رياحا صاحب ثأرهم، فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا أو ديّة، مع الحصين بن زهير ابن جذيمة والحصين بن أسيد بن جذيمة. فلمّا بلغ ذلك غنيّا قالوا لرياح: انج، لعلّنا
стр. 5191
نصالح القوم على شىء [أو نرضيهم بدية «١» ] . فخرج رياح رديفا «٢» لرجل من بنى كلاب، وهما يظنّان أنهما قد خالفا وجهة القوم؛ فمرّ صرد «٣» على رءوسهما فصرصر، فما راعهما إلّا خيل بنى عبس، فقال الكلابىّ لرياح: انحدر من خلفى والتمس نفقا فى الأرض فإنى شاغل القوم عنك، فانحدر رياح من عجز الجمل حتى أتى ضفّة «٤» فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه، ومضى صاحبه، فسألوه فقال: هذه غنىّ جامعة، وقد استمكنتم منهم، فصدّقوه وخلّوا سبيله، فلمّا ولّى رأوا مركب الرجل خلفه فقالوا: من الذى كان خلفك؟ فقال: لا كذب! رياح بن الأشلّ، وهو فى أولئك الصّعدات «٥» . فقال الحصينان لمن معهما: قد مكّننا الله من ثأرنا ولا نريد أن يشركنا فيه أحد، فوقفوا عنهما، ومضيا فجعلا يريغان رياحا بين الصّعدات، فقال لهما: هذا غزالكما الذى تريغانه، فابتدراه فرمى أحدهما بسهم فأقصده «٦» ، فطعنه الآخر فأخطأه، ومرّت به الفرس، فاستدبره رياح بسهم فقتله ثم أتى قومه. ففى ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدىّ، وكانت له أمّان من غنىّ:
أنا ابن غنىّ والداى كلاهما ... لأمّين منهم فى الفروع وفى الأصل
стр. 5192
هم استودعوا زهرا نسيب «١» بن سالم ... وهم عدلوا بين الحصينين بالنّبل
وهم قتلوا شأّس الملوك ورغّموا ... أباه زهيرا بالمذلّة والثّكل
يوم النّفراوات «٢» لبنى عامر على بنى عبس
فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ. وكانت هوازن تؤدّى إليه إتاوة، فأتته عجوز رهيش «٣» من بنى نصر بن معاوية بسمن فى نحى «٤» ، وشكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها «٥» بقوس فى يده عطل «٦» فى صدرها، فاستلقت على قفاها منكشفة «٧» ، فتألّى «٨» خالد بن جعفر وقال: والله لأجعلنّ ذراعى فى عنقه حتى يقتل أو أقتل. وكان زهير مقداما فتفرّد من قومه ببنيه وبنى أخويه أسيد وزنباع يريغ «٩» الغيث فى عشراوات «١٠» له وشول؛ فأتاه الحارث [بن عمرو «١١» ]
стр. 5193
ابن الشّريد، وكانت تماضربنة [عمرو بن] الشّريد تحت زهير، فلمّا عرف الحارث مكانه أنذر عليه بنى عامر بن صعصعة رهط خالد بن جعفر، فركب منهم ستّة فوارس فيهم خالد بن جعفر وصخر بن الشّريد وحندج بن البكّاء ومعاوية بن عبادة ابن عقيل فارس الهرّار. ويقال لمعاوية: الأخيل، وهو جدّ ليلى الأخيليّة. فقال أسيد لزهير: أعلمتنى راعية غنمى أنها رأت على رأس الثنيّة أشباحا ولا أحسبها إلّا خيل بنى عامر، فألحق بنا بقومنا. فقال له زهير: «كلّ أزبّ «١» نفور» وكان أشعر القفا، فذهبت مثلا، فتحمّل أسيد بمن معه وبقى زهير وابناه ورقاء والحارث. وصبّحتهم الفوارس فارمدّت «٢» بزهير فرسه القعساء ولحقه خالد ومعاوية الأخيل، فطعن معاوية القعساء فقلبت زهيرا، وخرّ خالد فرفع المغفر عن رأس زهير وقال: يالعامر اقتلونا جميعا! وأقبل معاوية فضرب زهيرا على مفرق رأسه ضربة بلغت الدّماغ، وأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا وعليه درعان فلم تغن شيئا، وأجهض «٣» ابنا زهير القوم عن زهير واحتملاه وقد أثخنته الضربة فمنعوه الماء فقال: اسقونى وإن كانت نفسى فيه، فسقوه فمات بعد ثالثة من الأيام، فقال فى ذلك ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول «٤» أبادر
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ... ويمنعه منّى الحديد المظاهر
стр. 5194
فياليت أنى قبل أيام خالد ... ويوم زهير لم تلدنى تماضر «١»
لعمرى لقد بشّرت بى إذ ولدتنى ... فماذا الذى ردّت عليك البشائر
وقال خالد بن جعفر فى قتله زهيرا:
بل كيف تكفرنى هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا
وقتلت ربّهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا
وجعلت مهر بناتهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائنا وبكارا «٢»
يوم بطن عاقل لذبيان على بنى عامر
فيه قتل خالد بن جعفر ببطن عاقل «٣» . وذلك أنه قدم على الأسود «٤» بن المنذر أخى النعمان ومعه عروة الرّحال بن عتبة بن جعفر، فالتقى خالد بن جعفر والحارث ابن ظالم بن غيط بن مرّة بن سعد بن ذبيان عند الأسود بن المنذر، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم: يا حار، أما تشكر يدى عندك أن قتلت عنك سيّد قومك زهيرا وتركتك سيّدهم؟ فقال: سأجزيك شكر ذلك. فلمّا خرج الحارث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تتحرّش بهذا الكلب وأنت ضيفى؟ فقال: إنما هو عبد من عبيدى، ولو وجدنى نائما ما أيقظنى. وانصرف خالد إلى قبّته فلامه
стр. 5195
عروة الرّحال، ثم ناما وأشرجت «١» عليهما القبّة، وكان مع الحارث تبيع له من بنى محارب يقال له خراش، فلمّا هدأت العيون أخرج الحارث ناقته وقال الخراش:
كن لى بمكان كذا، فإن طلع كوكب الصبح ولم آتك فانظر أحبّ البلاد اليك فاعمد لها؛ ثم انطلق الحارث حتى أتى قبّة خالد فهتك شرجها ثم ولجها وقتله، فنادى عروة عند ذلك: واجوار الملك! فأقبل إليه الناس، وسمع الأسود الهتاف وعنده امرأة من بنى عامر يقال لها: المتجرّدة، فشقّت جيبها. ففى ذلك يقول عبد الله ابن جعدة:
شقت عليك العامريّة «٢» جيبها ... أسفا وما تبكى عليك ضلالا
يا حار لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعشا «٣» ولا معزالا «٤»
واغرورقت عيناى لمّا أخبرت ... بالجعفرىّ وأسبلت إسبالا
فلنقتلنّ بخالد سرواتكم ... ولنجعلن للظالمين نكالا
فإذا رأيتم عارضا متهلّلا ... منّا فإنّا لا نحاول مالا
يوم رحرحان لعامر على تميم
ولمّا هرب الحارث بن ظالم ونبت به البلاد لجأ الى معبد بن زرارة فأجاره؛ فقالت بنو تميم لمعبد: مالك أويت هذا المشئوم الأنكد وأغريت بنا الأسود؟
وخذلوه غير بنى ماوية وبنى عبد الله بن دارم. وبلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب مكان الحارث بن ظالم، وأنه عند معبد بن زرارة، فغزا معبدا فالتقوا برحرحان «٥» فانهزمت
стр. 5196
بنو تميم وأسر معبد بن زرارة، أسره عامر والطّفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب، فوفد لقيط بن زرارة عليهما فى فدائه فقال لهما: لكما عندى مائتا بعير، فقالا:
أبا نهشل، أنت سيّد الناس، وأخوك معبد سيّد مضر فلا تقبل فيه إلا دية ملك، فأبى أن يزيدهم وقال: إنّ أبانا أوصانا ألا نزيد أحدا فى ديتنا على مائتى بعير، وقال:
لا توكلوا العرب أنفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم، ورحل لقيط عن القوم.
قال: فمنعوا معبدا الماء وضاروه حتى مات هزالا. وقيل: بل أبى معبد أن يطعم شيئا أو يشرب حتى مات هزالا. ففى ذلك يقول عامر بن الطفيل:
قضينا الجون عن عبس وكانت ... منيّة معبد فينا هزالا
وقال جرير:
وليلة وادى رحرحان رفعتم «١» ... فرارا ولم تلووا رفيق النّعائم
تركتم أبا القعقاع فى الغلّ معبدا ... وأىّ أخ لم تسلموا للأداهم
وقال أيضا:
وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحت فتاتكم بغير مهور
يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: يوم جبلة «٢» أعظم أيام العرب «٣» ، وذلك أنه لمّا انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبنى عامر وألّب عليهم. وبين يوم
стр. 5197
رحرحان ويوم جبلة سنة. ويوم جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة «١» ، وهو عام مولد رسول الله ﷺ . وكانت بنو عبس يومئذ فى بنى عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بنى ذبيان لعداوتهم لبنى عبس من أجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلّها غير بنى بدر، وتجّمعت لهم تميم كلّها غير بنى سعد، وخرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان، ثم أتى لقيط الجون «٢» الكندىّ وهو ملك هجر «٣» [وكان يحيّى من بها من العرب «٤» ] فقال له: هل لك فى قوم عادين قد ملأوا الأرض نعما «٥» وشاء، فأرسل معى ابنيك فما أصبنا من مال وسبى فلهما، وما أصبنا من دم فلى، فأجابه الجون الى ذلك وجعل له موعدا رأس الحول، ثم أتى لقيط النعمان ابن المنذر فاستنجده وأطمعه فى الغنائم، وكان لقيط وجيها عند الملوك، فلمّا كان على قرن الحول من يوم رحرحان أقبلت الجيوش الى لقيط، وأقبل سنان بن أبى حارثة المرّىّ فى غطفان وجاءت بنو أسد، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا، وأرسل النعمان أخاه لأمّه حسّان بن وبرة الكلبىّ. فلمّا توافوا خرجوا إلى بنى عامر وقد أنذروا بهم وتأهّبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ رحى هوازن لقيس بن زهير: ما ترى؟ فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلّا وجدت فى أحدهما المخرج! فقال قيس بن زهير: الرأى أن نرحل بالعيال والأموال حتى
стр. 5198
تدخل شعب جبلة فتقاتل القوم [دونها «١» ] من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشّعب، وإنّ لقيطا رجل فيه طيش فسيقتحم عليك الجبل، فأرى أن تأمر بالإبل فلا ترعى ولا تسقى وتعقل، ثم تجعل الذرارى وراء ظهورنا وتأمر بالرجّالة فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشّعب حلّت الرجّالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها فإنها تنحدر عليهم وتحنّ الى مراعيها ووردها، ولا يردّ وجوهها شىء، ويخرج الفرسان فى أثر الرجّالة الذين خلف الإبل فإنها تحطّم ما لقيت وتقبل عليهم الخيل وقد حطّموا من عل. فقال الأحوص: نعم ما رأيت وأخذ برأيه، وكان مع بنى عامر يومئذ بنو عبس، وغنىّ فى بنى كلاب، وباهلة فى بنى صعب، والأبناء أبناء صعصعة. وكان رهط المعقّر البارقّى يومئذ فى بنى نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلّها فيهم غير قيس.
قال أبو عبيدة: وأقبل لقيط والملوك ومن معهم فوجدوا بنى عامر قد دخلوا شعب جبلة فنزلوا على فمه، فقال لهم رجل من بنى أسد: خذوا عليهم فم الشّعب حتى يعطشوا ويجوعوا، فأتوا حتى دخلوا عليهم الشّعب، وكانوا قد عقلوا الإبل [وعطّشوها «٢» ] ثلاثة أخماس، وذلك اثنتا عشرة ليلة لم تطعم شيئا، فلمّا دنوا حلّوا عقلها فأقبلت تهوى، فظنّ القوم عند ذلك أنّ الشّعب قد هدّ عليهم، والرجّالة فى آثارها آخذين بأذنابها فدقّت كلّما لقيت، فانهزموا لا يلوون على أحد، وقتل لقيط وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرّقيبة، وأسر سنان بن أبى حارثة المرّىّ أسره عروة الرحّال، فجزّ ناصيته وأطلقه، وأسر عمرو بن أبى عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجزّ ناصيته وخلّاه طمعا فى المكافأة فلم يفعل، وقتل معاوية بن
стр. 5199
الجون ومنقذ بن طريف الأسدىّ، ومالك بن ربعىّ بن جندل بن نهشل، فقال جرير فى ذلك:
كأنك لم تشهد لفيطا وحاجبا ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا يال دارم
ويوم الصفا كنتم عبيدا لعامر ... وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم
يعنى بالحزن يوم الوقيط. وقال أيضا فى بنى دارم:
ويوم الشّعب قد تركوا لقيطا ... كأنّ عليه خملة أرجوان
وكبّل حاجب بشمام حولا ... فحكّم ذا الرّقيبة وهو عانى
وقالت دختنوس أخت لقيط ترثى لقيطا:
فرّت بنو أسد فرا ... ر الطّير عن أربابها
عن خير خندف كلّها ... من كهلها وشبابها
وأتمّها حسبا إذا ... ضمّت الى أحسابها «١»
يوم الخريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم
قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابىّ أتى صديقا له من كندة. فالتفّ عليه وطلبه الملك فخفى ذكره، ثم شخص من عند الكندىّ وأضمرته «٢» البلاد حتى استجار بزياد أحد بنى عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لمعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم فإنه لا طاقة
стр. 5200
لنا بالشّهباء ودوسر، وهما كتيبتان للأسود بن المنذر، فأبت عجل ذلك عليهم، فلمّا رأى الحارث بن ظالم ذلك كره أن تقع الفتنة بينهما بسببه، فارتحل من بنى عجل الى جبلى طيّىء فأجاروه، فقال فى ذلك:
لعمرى لقد حلّت بى اليوم ناقتى ... الى ناصر من طيّىء غير خاذل
فأصبحت جارا للمجرّة فيهم ... على باذخ يعلو يد المتطاول
اذا أجأ لفّت علّى شعابها ... وسلمى فأنّى أنتم من تناولى «١»
فمكث عندهم حينا. ثم إن الأسود بن المنذر لمّا أعجزه أمره أرسل الى جارات كنّ للحارث بن ظالم استاقهنّ وأموالهنّ، فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الجبلين فآندسّ فى الناس «٢» حتّى علم مكان جاراته ومرعى إبلهنّ فأتاهنّ واستنقذهنّ واستاق إبلهنّ فألحقهنّ بقومهنّ. واندسّ فى بلاد غطفان حتّى أتى سنان بن أبى حارثة المرّىّ وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير. وكان الأسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان، وهى من بنى غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان، وهو فى ناحية الشّربّة، فأتى به سلمى امرأة سنان وقال لها: يقول لك بعلك: ابعثى ابنك مع الحارث فإنى أريد أن أستأمن له الملك، وهذا سرجه لك آية. قال: فزيّنته ودفعته اليه، فأتى به ناحية من الشّربّة فقتله وهرب من فوره، وهرب سنان بن أبى حارثة. فلمّا بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا بنى ذبيان فقتل وسبى، وأخذ الأموال، وأغار على بنى دودان رهط سلمى، فقتلهم وسباهم، ثم وجد بعد ذلك نعلى شرحبيل فى جانب الشّربّة عند بنى محارب بن خصفة، فغزاهم وأسرهم وأحمى لهم الصّفا وقال: إنى أحذيكم نعالا، فأمشاهم عليها، فسقطت أقدامهم. ثم إن سيّار بن عمرو بن جابر
стр. 5201
الفزارىّ احتمل للأسود دية ابنه ألف بعير ورهنه بها قوسه، فوفاه بها وقال فى ذلك:
ونحن رهنّا القوس ثمّت فوديت ... بألف على ظهر الفزارىّ أقرعا
بعشر مئين للملوك وفى بها «١» ... ليحمد سيّار بن عمرو فأسرعا
قال: ثم هرب الحارث فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار به فأجاره، وكان من سببه وقعة رحرحان التى تقدّم ذكرها. ثم هرب حتى لحق بمكة وقريش لأنه يقال:
إنّ مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان إنما هو مرّة بن عوف بن لؤىّ بن غالب، فتوسّل إليهم بهذه القرابة وقال فى ذلك:
اذا فارقت ثعلبة بن سعد ... وإخوتهم نسبت الى لؤىّ
الى نسب كريم غير وغل ... وحىّ من أكارم كلّ حىّ
فإن يك منهم أصلى فمنهم ... قوانين الإله بنو قصىّ
فقالوا له: هذا نسب رحم كرشاء «٢» اذا استغنيتم عنها أدبرتم. قال: فشخص [الحارث «٣» ] عنهم غضبان وقال فى ذلك:
ألا لستم منّا ولا نحن منكم ... برئنا إليكم من لؤىّ بن غالب
غدونا «٤» على نشر الحجاز وأنتم ... بمنشعب «٥» البطحاء «٦» بين الأخاشب «٧»
وتوجّه الى الشام فلحق بيزيد بن عمرو الغسّانىّ فأجاره وأكرمه. وكانت ليزيد ناقة محماة، فى عنقها مدية وزناد وصرّة ملح، يمتحن بها رعيّته لينظر من يجترئ عليه،
стр. 5202
فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما فانطلق الى الناقة فانتحرها وأتاها بشحمها وفقدت الناقة فأرسل الى الخمس التغلبىّ، وكان كاهنا، فسأله عنها، فأخبره أنّ الحارث صاحبها، فهمّ به الملك ثم تذمّم «١» من ذلك، فأوجس الحارث فى نفسه شرّا فأتى الخمس التغلبىّ فقتله، فلمّا فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتنى فلا تغدرنى، قال الملك: لا ضير إن غدرت بك مرّة فقد غدرت بى مرارا، وأمر ابن الخمس به فقتله، وأخذ ابن «٢» الخمس سيف الحارث، فأتى به سوق عكاظ فى الأشهر الحرم «٣» ، فأراه قيس بن زهير العبسىّ فضربه به قيس فقتله.
ذكر حرب داحس والغبراء وهى من حروب قيس
قال أبو عبيدة: حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابنى بغيض ابن ريث بن غطفان. وكان السبب الذى هاجها أنّ قيس بن زهير وحمل ابن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيّهما يكون له السّبق. وكان داحس فحلا لقيس بن زهير. والغبراء حجر «٤» لحمل بن بدر، فتواضعا الرّهان على مائة بعير، وجعلا
стр. 5203
منتهى الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، ثم قاداهما إلى رأس الميدان بعد أن ضمراهما أربعين ليلة. وكان فى طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر فى تلك الشّعاب فتيانا على طريق الفرسين وأمرهم إن جاء داحس سابقا أن يردّوه عن الغاية، ثم أرسلوهما، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس، فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلمّا أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبراء فقال قيس: «جرى المذكّيات «١» غلاب «٢» » فذهبت مثلا. فلمّا شارف داحس الغاية ودنا من الفتية وثبوا فى وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففى ذلك يقول قيس بن زهير:
وما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد «٣»
همو فخروا علىّ بغير فخر ... وردّوا دون غايته جوادى
وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابنى بغيض، فركدت أربعين سنة لم تنتج ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب. فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حقّ السّبق، فقال قيس: كلّا لا مطلتك به، ثم أخذ الرمح فطعنه فدقّ صلبه، ورجعت فرسه غائرة، واجتمع الناس فحملوا دية مالك مائة ناقة عشراء «٤» وزعموا أنّ الرّبيع بن زياد العبسىّ حملها وحده فقبضها حذيفة وسكن الناس.
стр. 5204
ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة «١» من أرض الشربّة «٢» فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله، ففى ذلك يقول عنترة:
فلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا قيد غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
فقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة وردّوا علينا مالنا، فأبى حذيفة أن يردّ شيئا، وكان الربيع بن زياد مجاورا لبنى فزارة.
قال: فلمّا قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه، فقال لهم الربيع: ما هذا الوحى؟ قالوا: قتلنا مالك ابن زهير، قال: بئس ما فعلتم بقومكم! قبلتم الدّية ورضيتم بها ثم غدرتم! فقالوا:
لولا أنك جارنا لقتلناك، وكانت خفرة الجار ثلاثا، فقالوا له: بعد ثلاث ليال أخرج عنّا، فخرج واتّبعوه فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده.
ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بنى فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد، ورئيس بنى فزارة حذيفة بن بدر.
يوم المريقب لبنى عبس على بنى ذبيان
فالتقوا بذى المريقب «٣» من أرض الشّربّة فاقتتلوا، فكانت الشوكة فى بنى فزارة قتل منهم عوف بن بدر بن عمرو بن أبى الحصين، أحد بنىّ عدىّ بن فزارة وجماعة كثيرة. وفى هذه الوقعة يقول عنترة الفوارس:
ولقد علمت إذ التقت فرسانها ... يوم المريقب أنّ ظنّك أحمق
стр. 5205
يوم ذى حسى لذبيان على عبس
ثم إن ذبيان تجمّعت لما أصابت بنو عبس منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان ومرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأحلافهم، فنزلوا فتوافوا بذى حسى «١» ، وهو وادى الصفا من أرض الشّربّة، فهزمت بنو عبس وخافت ألّا تقوم بجماعة بنى ذبيان واتّبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفانى أو تقيدونا، فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد ألّا يناجزهم، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا فى أمرهم، فتراضوا أن يكون رهنهم عند سبيع بن عمرو أحد بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصّبيان، فانصرفوا وتكافأ الناس، فمكث رهنهم عند سبيع حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إنّ عندك مكرمة لا تبيد «٢»
إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأنى بك لو متّ قد أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر لك عينيه وقال: هلك سيّدنا ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبدا، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمريّة «٣» ، فجعل يبرز كلّ يوم غلاما فينصبه غرضا ويقول له: ناد أباك، فينادى أباه حتى يقتله.
стр. 5206
يوم اليعمريّة لعبس على ذبيان
قال: فلما بلغ ذلك من فعله بنى عبس أتوهم باليعمريّة فلقوهم بحرّتها فقتلوا منهم اثنى عشر رجلا، منهم مالك بن سبيع الذى نبذ بالغلمة إلى حذيفة، وأخوه يزيد بن سبيع، وعامر بن لوذان، والحارث بن زيد، وهرم بن ضمضم أخو حصين. ويقال ليوم اليعمريّة: يوم ذى نفر لأنهما متجاوران.
يوم الهباءة لعبس على ذبيان
قال: ثم اجتمعوا فالتقوا فى يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة «١» واقتتلوا من أوّل النهار إلى أن انتصف، وحجز الحرّ بينهم، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بنى عبس، إنّ حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة «٢» مستنقع فى جفر الهباءة فعليكم بها، فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف: فرس حذيفة، والحيفاء: فرس حمل بن بدر، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة، فبصر بهم حمل بن بدر فقال: هذا قيس بن زهير قد أتاكم، فوقف قيس وأصحابه على جفر الهباءة وهو يقول: لبّيكم لبّيكم! يعنى إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون! وفى الجفر حذيفة وحمل وبدر ومالك بنو بدر، وورقاء بن بلال «٣»
стр. 5207
من بنى ثعلبة بن سعد. وحنش بن عمرو «١» ، فوقف عليهم شدّاد بن معاوية العبسىّ، فحال بينهم وبين خليهم، ثم توافت فرسان بنى عبس فقال حمل:
ناشدتك بالرحم يا قيس، فقال: لبّيكم لبّيكم! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم فانتهر حملا فقال: إيّاك والمأثور من الكلام، فذهبت مثلا، وقال لقيس: لئن قتلتنى لا تصلح غطفان بعدها أبدا! فقال: أبعدها الله ولا أصلحها، وجاءه قرواش بمعبلة «٢» فقصم صلبه، وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه:
تعلّم أنّ خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم «٣»
ولولا ظلمه ما زلت أبكى ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغى مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ علىّ قومىّ ... وقد يستجهل الرّجل الحليم
وما رست الرجال وما رسونى ... فمعوجّ وآخر مستقيم
ومثّلوا بحذيفة بن بدر كما مثّل بالغلمة، فقطعوا مذاكيره وجعلوها فى فيه وجعلوا لسانه فى استه، ففى ذلك يقول قائلهم:
فإنّ قتيلا بالهباءة فى استه ... صحيفته إن عاد للظّلم ظالم
متى تقرأوها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا مافضّ عنها الخواتم
стр. 5208
وقال عمرو بن الأسلع:
إنّ السماء وإنّ الأرض «١» شاهدة ... والله يشهد والإنسان والبلد
أنى جزيت بنى بدر بسعيهم ... على الهباءة قتلا ما له قود
لمّا التقينا على أرجاء جمّيتها ... والمشرفيّة فى أيماننا تقد
علوته بحسام ثم قلت له: ... خذها حذيف فأنت السيّد الصّمد
فلمّا أصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمّعوا، وعرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا الى اليمامة فنزلوا بأخوالهم من بنى حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببنى سعد بن زيد مناة.
يوم الفروق لبنى عبس
ثم إنّ بنى عبس غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاسوا عليهم وأرادوا أكلهم، فبلغ ذلك بنى عبس ففرّوا ليلا، وقدّموا ظعنهم، ووقفت فرسانهم بموضع يقال له الفروق، وأغارت بنو سعد ومن معهم من جنود الملك على محلّتهم فلم يجدوا إلّا مواقد النيران فاتبعوهم حتى أتوا الفروق، فإذا بالخيل والفرسان وقد تواترت الظّعن عنهم، فانصرفوا عنهم؛ ومضى بنو عبس فنزلوا ببنى ضبّة فأقاموا فيهم. وكان بنو حذيفة من بنى عبس يسمّون بنى رواحة، وبنو بدر من فزارة يسمّون بنى سودة، ثم رجعوا إلى قومهم وصالحوهم، فكان أوّل من سعى فى الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرّة، فمات، فسعى فيها ابنه هاشم بن حرملة، وإليه أشار الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباءتين ويوم اليعمله
ترى الملوك حوله مرعبله ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له!
стр. 5209
يوم قطن
فلمّا توافوا للصلح وقفت بنو عبس بقطن «١» وأقبل حصين بن ضمضم فلقى تيحان أحد بنى مخزوم بن مالك ففتله بأبيه ضمضم. وكان عنترة بن شدّاد العبسىّ قتله بذى المريقب، فأشارت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان وقالوا:
لا نصالحكم ما بلّ البحر صوفة وقد غدرتم بنا غير مرّة، وتناهض الناس: عبس وذبيان، فالتقوا بقطن، فقتل يومئذ عمرو بن الأسلع عتبة، ثم سفرت السفراء، بينهم، وأتى خارجة بن سنان أبا تيحان بابنه فدفعه اليه وقال: فى هذا وفاء من ابنك! فأخذه فكان عنده أياما، ثم حمل خارجة لأبى تيحان مائة بعير فأدّاها اليه واصطلحوا وتعاقدوا.
يوم غدير قلبى
قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيّان إلّا بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فإنهم أبوا ذلك وقالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها، فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير قلبى، فسبقتهم بنو عبس الى الماء فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا، فأصلح بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بنى ثعلبة وإياهما يعنى زهير بقوله:
تداركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم «٢»
فوردوا حربا وخرجوا عنه سلما. تمّ خبر داحس والغبراء.
стр. 5210
يوم الرقم لغطفان على بنى عامر
غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرّقم «١» - وهو ماء لبنى مرّة- وعلى بنى عامر: عامر بن الطّفيل- ويقال يزيد بن الصّعق- فركب عتبة بن حصين فى بنى فزارة، ويزيد بن سنان فى بنى مرّة- ويقال الحارث بن عوف- فانهزمت بنو عامر، فزعمت غطفان أنهم أصابوا من بنى عامر يومئذ أربعة وثمانين رجلا، فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع، كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم، فقتلوهم أجمعين.
وانهزم الحكم بن الطّفيل فى نفر من أصحابه، فيهم خوّات بن كعب حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال فى ذلك عروة بن الورد:
عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا «٢»
يوم النّتاءة «٣» لعبس على بن عامر
يقال: خرجت بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرّقم، فهجموا على عبس بالنّتاءة وقد أنذروا بهم، فالتقوا، وكان على بنى عامر: عامر بن الطّفيل، وعلى بنى عبس: الربيع بن زياد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت بنو عامر، وقتل منهم هزار بن مرّة، قتله الأحنف بن مالك، ونهشل بن عبيدة بن جعفر، قتله أبو زغبة ابن حارث وعبد الله بن أنس بن خالد، وهزمت بنو عامر هزيمة قبيحة.
стр. 5211
يوم شواحط «١» لبنى محارب على بنى عامر
غزت سريّة من بنى عامر بن صعصعة بلاد غسّان، فأغاروا على إبل لبنى محارب بن خصفة، فأدركهم الطلب، فقتلوا من كلاب تسعة «٢» نفر وارتدّوا إبلهم فلما رجعوا وثبت بنو كلاب على جسر- وهم من بنى محارب، وكانوا حاربوا إخوتهم، فخرجوا من عندهم فحالفوا بنى عامر بن صعصعة- فقالوا: نقتلهم بقتل بنى محارب من قتلوا منّا، فقام خداش بن زهير دونهم حتى منعهم من ذلك وقال:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... عقيلا وأبلغ إن لقيت أبا بكر
فيا أخوينا من أبينا وأمّنا ... إليكم إليكم لا سبيل الى جسر
دعوا جانبى إنّى ساترك جانبا ... لكم واسعا بين اليمامة والقهر «٣»
أنا فارس الضحياء عمرو بن عامر ... أبى الذمّ واختار الوفاء على الغدر
يوم حوزة «٤» الأوّل لسليم على غطفان
قال أبو عبيدة. كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حرملة أحد بنى مرّة:- مرّة غطفان- كلام بعكاظ، فقال معاوية: والله لوددت أنى قد سمعت بظعائن يندبنك، فقال هاشم: والله لوددت أنى قد بريت الرطبة- وهى جمّة
стр. 5212
معاوية، وكانت الدهر تنطف ماء ودهنا وإن لم تدهن- فلمّا كان بعد [حين «١» ] تهيّأ معاوية ليغزو هاشما، فنهاه أخوه صخر، فأبى وغزاهم يوم حوزة، فرآه هاشم ابن حرملة قبل أن يراه معاوية، وكان هاشم ناقها من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة: إنّ هذا إن رآنى لم آمن أن يشدّ علىّ، وأنا حديث عهد بشكيّة، فاستطرد له [دونى «٢» ] حتى تجعله بينى وبينك، ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه «٣» هاشم، فاختلفا طعنتين فأردى «٤» معاوية هاشما عن فرسه الشماّء، وأنفذها هاشم سنانه عن عانة معاوية، وكرّ عليه دريد وظنّه قد أردى هاشما، فضرب معاوية بالسيف فقتله، وشدّ خفاف بن عمرو على مالك بن حمار الفزارىّ [فقتله «٥» ] .
قال: وغارت الشمّاء فرس هاشم حتى دخلت فى جيش بنى سليم فأخذوها وظنوا أنها فرس الفزارىّ الذى قتله خفاف، ورجع الجيش، فلما دنوا من صخر أخى معاوية قال لهم: ما صنع معاوية؟ قالوا قتل! قال: فما هذه الفرس؟ قالوا: قتلنا صاحبها! قال: إذا قد أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة.
قال: فلما دخل رجب ركب صخر بن عمرو الشمّاء صبيحة يوم حرام، فأتى بنى مرّة، فلمّا رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه وقولوا له خيرا، وهاشم مريض من الطعنة التى طعنه معاوية، فقال: من قتل أخى؟ فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التى تحتى؟ فسكتوا، فقال هاشم: هلّم أبا حسّان إلى من يخبرك! قال: من قتل أخى؟ فقال [هاشم «٦» ] : إذا أصبتنى أو دريدا فقد أصبت ثأرك! فقال: هل كفّنتموه؟ قال: نعم، فى بردين: أحدهما بخمس وعشرين بكرة
стр. 5213
وأروه قبره، فلمّا رأى القبر جزع عنده ثم قال: كأنكم أنكرتم ما رأيتم من جزعى، فو الله ما بتّ منذ عقلت إلّا واترا أو موتورا، وطالبا أو مطلوبا حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده.
يوم حوزة الثانى
قال: ثم غزاهم [صخر] فلما دنا منهم مضى على الشمّاء، وكانت غرّاء محجّلة، فسوّد غرّتها وتحجيلها، فلما رأته بنت لهاشم قالت لعمّها دريد: أين الشمّاء؟ قال: هى فى بنى سليم. قالت: ما أشبهها بهذه الفرس! فقال: هذه بهيم «١» والشمّاء غرّاء محجّلة، ثم اضّطجع فلم يشعر حتى طعنه صخر، قال: فثاروا وتناذروا، وولّى صخر وطلبته غطفان عامّة يومها، وعارض دونه أبو شجرة بن عبد العزّى، وكانت أمّه خنساء أخت صخر، وصخر خاله، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه ونجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لمّا قتل معاوية: قتلنى الله إن برحت من مكانى حتى أثأر به! فشدّ على مالك سيّد بنى شمخ فقتله، وقال صخر فى قتله دريدا:
ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل «٢» مثل غطّ المنخر
ولقد قتلتكم ثناء وموحدا ... وتركت مرّة مثل أمس الدّابر
قال أبو عبيدة: وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعا فلقيه عمرو بن قيس الجشمىّ، فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت نفس إن وأل «٣» ، فلما دنا منه أرسل عليه معبلة ففلق قحفه فقتله.
стр. 5214
يوم ذات الأثل
قال أبو عبيدة: ثم غزا صخر بن عمرو بن الشّريد بنى أسد بن خزيمة فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بنى أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة الأسدىّ صخرا فى جنبه وفات القوم بالغنيمة، ومرض صخر من الطّعنة قريبا من الحول حتّى ملّه أهله، فسمع امرأة من جاراته تسأل سلمى امرأته: كيف بعلك؟ قالت: لا حىّ فيرجى، ولا ميّت فينسى، لقد لقينا منه الأمرّين! وكانت أمّه إذا سئلت عنه تقول: أرجو له العافية إن شاء الله! فقال فى ذلك:
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتى ... وملّت سليمى مضجعى ومكانى
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلّا فى أذى وهوان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة «١» ... عليك ومن يغترّ بالحدثان
لعمرى لقد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
قال: فلمّا طال عليه البلاء- وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد فى موضع الطعنة- قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ، فقال شأنكم! فقطعوها فمات، فقالت أخته الخنساء ترثيه:
وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسى على صخر!
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر!
стр. 5215
يوم اللّوى «١» لغطفان على هوازن
قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصّمّة- واسم الصّمّة: معاوية الأصغر- من بنى غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن- وكان لعبد الله ثلاثة أسماء وثلاث كنّى، فاسمه: عبد الله، وخالد، ومعبد، وكنيته أبو فرعان، وأبو دفافة، وأبو وفاء، وهو أخو دريد بن الصّمّة لأبويه- فأغار على غطفان فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطّردها، فقال له أخوه دريد: النجاء فقد ظفرت، فأبى عليه وقال:
لا أبرح حتى أنتقع نقيعتى- والنقيعة: ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاما لأصحابه، ويقسم ما أصاب عليهم- فأقام وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللّوى، فقتل عبد الله، وارتثّ «٢» دريد فبقى فى القتلى، فلما كان فى بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: إنى أرى عينية تبصّ، فانزل فانظر إلى سبّته «٣» ، فنزل فكشف ثوبه فإذا هى ترمّز «٤» ، فطعنه، فخرج دمّ قد احتقن.
قال دريد: فأفقت عندها، فلمّا جاوزوا نهضت، فما شعرت إلّا وأنا بين عرقوبى جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله من شرّك! قلت: لا، بل من أنت؟ ويلك! قالت: امرأة من هوازن سيّارة. قلت: وأنا من هوازن، أنا دريد بن الصّمّة. قال: وكانت فى قوم مختارين لا يشعرون بالوقعة، فضمّته وعالجته حتى أفاق.
стр. 5216
يوم الظعينة بين دريد بن الصّمّة وربيعة بن مكدّم
قال أبو حانم عن أبى عبيدة قال: خرج دريد بن الصّمّة فى فوارس من بنى جشم حتى إذا كانوا فى واد يقال له: الأخرم، وهم يريدون الغارة على بنى كنانة، إذ رفع له رجل فى ناحية الوادى ومعه ظعينة، فلمّا نظر اليه قال لفارس من أصحابه:
صح به: خلّ الظّعينة وانج بنفسك، فانتهى اليه الفارس، فصاح به وألحّ عليه، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:
سيرى على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن
إنّ انثنائى دون قرنى شائنى ... أبلى بلائى واخبرى وعايتى
ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه وأعطاه للظّعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلمّا انتهى اليه ورآه صريعا صاح به فتصامّ عنه، فظنّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظّعينة ورجع وهو يقول:
خلّ سبيل الحرّة المنيعه ... إنّك لاق دونها ربيعه
فى كفّه خطّية مطيعه ... أولا فخذها طعنة سريعه
والطّعن منّ فى الوغى شريعه
ثم حمل عليه فصرعه، فلمّا أبطأ على دريد بعث فارسا [ثالثا «١» ] لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجرّ رمحه. فقال له:
خلّ سبيل الظّعينة، فقال للظعينة: اقصدى قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
стр. 5217
ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد وظنّ أنهم قد أخذوا الظّعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحىّ، فوجد أصحابه قد قتلوا، فقال:
أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرّمح فإنّى منصرف إلى أصحابى فمثبّطهم عنك، فانصرف دريد وقال لأصحابه:
إنّ فارس الظّعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع رمحى، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامى الظّعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمرّ كأنه لم يفعل
متهلّلا تبدو أسرّة وجهه ... مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل
يزجى ظعينته ويسحب رمحه ... متوجّها يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث «١» خشين وقع الأجدل
يا ليت شعرى من أبوه وأمّه ... يا صاح من يك مثله لا يجهل
وقال ربيعة بن مكدّم:
إن كان ينفعك اليقين فسائلى ... عنّى الظعينة يوم وادى الأخرم
إذ هى لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدّم
إذ قال لى أدنى الفوارس ميتة ... خلّ الظّعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظّعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرّمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم
стр. 5218
ومنحت آخر بعده جيّاشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأضجم
ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار لى الغداة تكّرمى
ثم لم تلبث بنو كنانة «١» أن أغارت على بنى جشم «٢» ، فقتلوا وأسروا دريد بن الصّمّة فأخفى نفسه، فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه، فصرخت إحداهنّ وقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرّ علينا قومنا! هذا والله الذى أعطى ربيعة رمحه يوم الظّعينة! ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادى! فسألوه: من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصّمّة فمن صاحبى؟ قالوا: ربيعة بن مكدّم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم! قال: فما فعلت الظّعينة؟ قالت المرأة: أنا هيه، وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغى لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال آخرون:
والله لا يخرج من أيدينا إلّا برضا المخارق الذى أسره، فانبعثت المرأة فى الليل، وهى ريطة بنت جذل الطّعان، تقول:
سنجزى دريدا عن ربيعة نعمة ... وكلّ امرئ يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإن كان شرّا كان شرّا مذمّما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرّمح الطويل المقوّما
[فقد أدركت كفّاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذى كان أنعما «٣» ]
فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التى تملأ الفما
فلو كان حيّا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما
стр. 5219
[ففكّوا دريدا من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشّرّ سلّما «١» ]
فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهّزته ولحق بقومه، فلم يزل كافّا عن غزو بنى فراس حتى هلك.
يوم الصّلعاء لهوازن على غطفان
قال: فلمّا كان فى العام المقبل غزاهم دريد بن الصّمّة بالصّلعاء «٢» ، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان، أسنّتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة، ثم قال: أنظر ما ترى؟
قال: أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست فى لجاب المعزى، قال: هذه أشجع، ثم قال: أنظر ما ترى؟ قال: أرى قوما يجرّون رماحهم سودا، يخدّون الأرض بأقدامهم، قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا، فالتقوا بالصلعاء فاقتتلوا، فكان الظفر لهوزان على غطفان، وقتل دريد ذؤاب بن زيد بن قارب.
ذكر حرب قيس وكنانة يوم الكديد «٣» لسليم على كنانة
فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس بنى كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وهم أنجد العرب، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، وكان
стр. 5220
ربيعة بن مكدّم يعقر على قبره فى الجاهليّة، ولم يعقر على قبر أحد غيره، وقتلته بنو سليم يوم الكديد، ولم يحضر يوم الكديد أحد من بنى الشّريد.
يوم فزارة لكنانة على سليم
قال أبو عبيدة: لمّا قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدّم فارس كنانة ورجعوا، أقاموا ما شاء الله، ثم إنّ ذا التاج مالك بن خالد بن صخر بن الشّريد- واسم الشّريد عمرو، وكانت بنو سليم قد توّجوا مالكا وأمّروه عليهم- فغزا بنى كنانة، فأغار على بنى فراس ببزرة «١» ، ورئيس بنى فراس عبد الله بن جذل، فدعا عبد الله إلى البراز، فبرز إليه هند بن خالد بن صخر بن الشّريد، فقال له عبد الله: من أنت؟ قال: أنا هند بن خالد، قال عبد الله؛ أخوك أسنّ منك، يريد مالك ابن خالد، فرجع فأخبر أخاه، فبرز له، فشدّ عبد الله على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشدّ عليه عبد الله أيضا فقتله، فشدّ عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر، فتجالدا طعنتين، فجرح كلّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا.
يوم الفيفاء «٢» لسليم على كنانة
قال أبو عبيدة: ثم إنّ بنى الشّريد حرّموا على أنفسهم النساء والدّهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشّريد بقومه حتى أغار على
следующие страницы →