← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

يوم الظعينة بين دريد بن الصّمّة وربيعة بن مكدّم قال أبو حانم عن أبى عبيدة قال: خرج دريد بن الصّمّة فى فوارس من بنى جشم حتى إذا كانوا فى واد يقال له: الأخرم، وهم يريدون الغارة على بنى كنانة، إذ رفع له رجل فى ناحية الوادى ومعه ظعينة، فلمّا نظر اليه قال لفارس من أصحابه: صح به: خلّ الظّعينة وانج بنفسك، فانتهى اليه الفارس، فصاح به وألحّ عليه، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة: سيرى على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن إنّ انثنائى دون قرنى شائنى ... أبلى بلائى واخبرى وعايتى ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه وأعطاه للظّعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلمّا انتهى اليه ورآه صريعا صاح به فتصامّ عنه، فظنّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظّعينة ورجع وهو يقول: خلّ سبيل الحرّة المنيعه ... إنّك لاق دونها ربيعه فى كفّه خطّية مطيعه ... أولا فخذها طعنة سريعه والطّعن منّ فى الوغى شريعه ثم حمل عليه فصرعه، فلمّا أبطأ على دريد بعث فارسا [ثالثا «١» ] لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجرّ رمحه. فقال له: خلّ سبيل الظّعينة، فقال للظعينة: اقصدى قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال: ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس أرداهما عامل رمح يابس

стр. 5217

ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد وظنّ أنهم قد أخذوا الظّعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحىّ، فوجد أصحابه قد قتلوا، فقال: أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرّمح فإنّى منصرف إلى أصحابى فمثبّطهم عنك، فانصرف دريد وقال لأصحابه: إنّ فارس الظّعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع رمحى، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم، فقال دريد: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامى الظّعينة فارسا لم يقتل أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمرّ كأنه لم يفعل متهلّلا تبدو أسرّة وجهه ... مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل يزجى ظعينته ويسحب رمحه ... متوجّها يمناه نحو المنزل وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث «١» خشين وقع الأجدل يا ليت شعرى من أبوه وأمّه ... يا صاح من يك مثله لا يجهل وقال ربيعة بن مكدّم: إن كان ينفعك اليقين فسائلى ... عنّى الظعينة يوم وادى الأخرم إذ هى لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدّم إذ قال لى أدنى الفوارس ميتة ... خلّ الظّعينة طائعا لا تندم فصرفت راحلة الظّعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وهتكت بالرّمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم

стр. 5218

ومنحت آخر بعده جيّاشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأضجم ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار لى الغداة تكّرمى ثم لم تلبث بنو كنانة «١» أن أغارت على بنى جشم «٢» ، فقتلوا وأسروا دريد بن الصّمّة فأخفى نفسه، فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه، فصرخت إحداهنّ وقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرّ علينا قومنا! هذا والله الذى أعطى ربيعة رمحه يوم الظّعينة! ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادى! فسألوه: من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصّمّة فمن صاحبى؟ قالوا: ربيعة بن مكدّم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم! قال: فما فعلت الظّعينة؟ قالت المرأة: أنا هيه، وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغى لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلّا برضا المخارق الذى أسره، فانبعثت المرأة فى الليل، وهى ريطة بنت جذل الطّعان، تقول: سنجزى دريدا عن ربيعة نعمة ... وكلّ امرئ يجزى بما كان قدّما فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإن كان شرّا كان شرّا مذمّما سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرّمح الطويل المقوّما [فقد أدركت كفّاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذى كان أنعما «٣» ] فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التى تملأ الفما فلو كان حيّا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما

стр. 5219

[ففكّوا دريدا من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشّرّ سلّما «١» ] فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهّزته ولحق بقومه، فلم يزل كافّا عن غزو بنى فراس حتى هلك. يوم الصّلعاء لهوازن على غطفان قال: فلمّا كان فى العام المقبل غزاهم دريد بن الصّمّة بالصّلعاء «٢» ، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان، أسنّتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة، ثم قال: أنظر ما ترى؟ قال: أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست فى لجاب المعزى، قال: هذه أشجع، ثم قال: أنظر ما ترى؟ قال: أرى قوما يجرّون رماحهم سودا، يخدّون الأرض بأقدامهم، قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا، فالتقوا بالصلعاء فاقتتلوا، فكان الظفر لهوزان على غطفان، وقتل دريد ذؤاب بن زيد بن قارب. ذكر حرب قيس وكنانة يوم الكديد «٣» لسليم على كنانة فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس بنى كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وهم أنجد العرب، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، وكان

стр. 5220

ربيعة بن مكدّم يعقر على قبره فى الجاهليّة، ولم يعقر على قبر أحد غيره، وقتلته بنو سليم يوم الكديد، ولم يحضر يوم الكديد أحد من بنى الشّريد. يوم فزارة لكنانة على سليم قال أبو عبيدة: لمّا قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدّم فارس كنانة ورجعوا، أقاموا ما شاء الله، ثم إنّ ذا التاج مالك بن خالد بن صخر بن الشّريد- واسم الشّريد عمرو، وكانت بنو سليم قد توّجوا مالكا وأمّروه عليهم- فغزا بنى كنانة، فأغار على بنى فراس ببزرة «١» ، ورئيس بنى فراس عبد الله بن جذل، فدعا عبد الله إلى البراز، فبرز إليه هند بن خالد بن صخر بن الشّريد، فقال له عبد الله: من أنت؟ قال: أنا هند بن خالد، قال عبد الله؛ أخوك أسنّ منك، يريد مالك ابن خالد، فرجع فأخبر أخاه، فبرز له، فشدّ عبد الله على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشدّ عليه عبد الله أيضا فقتله، فشدّ عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر، فتجالدا طعنتين، فجرح كلّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا. يوم الفيفاء «٢» لسليم على كنانة قال أبو عبيدة: ثم إنّ بنى الشّريد حرّموا على أنفسهم النساء والدّهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشّريد بقومه حتى أغار على

стр. 5221

بنى فراس، فقتل منهم نفرا؛ منهم: عاصم بن المعلّى، ونضلة، والمعارك، وعمرو ابن مالك، وحصن، وشريح؛ وسبى سبيا فيهم ابنة مكدّم أخت ربيعة، فقال عباس بن مرداس فى ذلك: ألا أبلغن عنّى ابن جدل ورهطه ... فكيف طلبناكم بكرز ومالك غداة فجعناكم بحصن وبابنه ... وبابن المعلّى عاصم والمعارك ثمانية منهم ثأرناهم به ... جميعا وما كانوا بواء «١» بمالك نذيقكم- والموت يبنى سرادقا ... عليكم- شباحدّ السيوف البواتك تلوح بأيدينا كما لاح بارق ... تلألأ فى داج من الليل حالك ذكر حرب قيس وتميم يوم السّؤبان «٢» لبنى عامر على بنى تميم قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بنى تميم وضبّة فاقتتلوا، ورئيس ضبّة حسّان بن وبرة، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمّه، فأسره يزيد بن الصّعق، وانهزمت تميم؛ فلمّا رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر حسده، فشدّ على ضرار بن

стр. 5222

عمرو الضبّىّ «١» ، وهو الرّديم «٢» ، فقال لابنه: إذا همّ أغنه عنّى، فشدّ عليه فطعته، فتحوّل عن سرجه إلى جنب أبدانه، ثم لحقه، فقال لأحد بنيه: أغنه عنّى، ففعل مثل ذلك، ثم لحقه، فقال لابن له آخر، ففعل مثل ذلك، فقال: ما هذا إلّا ملاعب الأسنّة! [فسمّى عامر من يومئذ ملاعب الأسنّة «٣» ] فلما دنا منه قال له ضرار: إنى لأعلم ما تريد، أتريد اللّبب «٤» ؟ قال نعم! قال: إنك لن تصل إلىّ ومن هؤلاء عين تطرف، كلهم بنو عامر، قال له عامر: فأحلنى على غيرك، فدلّه على حبيش بن الدّلف وقال: عليك بذلك الفارس، فشدّ عليه فأسره، فلما رأى سواده وقصره، جعل يتفكّر، وخاف ابن الدّلف أن يقتله،

стр. 5223

فقال: ألست تريد اللّبب؟ قال بلى، قال: فأنّى لك به. وفادى حسّان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصّعق بألف «١» بعير، [فداء الملوك «٢» ] فكثر مال يزيد ونبه. قال أبو عبيدة: ثم أغار بعد ذلك يزيد بن الصّعق على عصافير النعمان بذى لبان، وذو لبان: عن يمين العرنيين. يوم أقرن لبنى عبس على بنى دارم قال: غزا عمرو بن عدس من بنى دارم، وهو فارس بنى مالك بن حنظلة، فأغار على بنى عبس، فأخذ إبلا ونساء «٣» ثم أقبل، حتى إذا كان أسفل من ثنيّة أقرن نزل فابتنى بجارية من السّبى، ولحقه الطلب فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسىّ عمرا: وانهزمت بنو مالك بن حنظلة، وقتلت بنو عبس أيضا حنظلة بن عمرو- وقال بعضهم: قتل فى غير هذا اليوم- وارتدّوا ما كان فى أيدى بنى مالك. يوم المرّوت «٤» لبنى العنبر على بنى قشير أغار بحير «٥» بن سلمة بن قشير على بنى العنبر بن عمرو بن تميم، فأتى الصريخ بنى عمرو بن تميم حتى لحقوه وقد نزل المرّوت، وهو يقسم المرباع ويعطى من معه،

стр. 5224

قتلا حق القوم واقتتلوا، فطعن قعنب بن عتّاب المثلّم بن عامر القشيرى فصرعه فأسره، وحمل الكدّام، وهو يزيد بن أزيهر المازنى على بجير بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه، ثم أسره، فأبصره قعنب بن عتّاب، فحمل عليه بالسيف فضربه فقتله، وانهزم بنو عامر. يوم دارة مأسل لتميم على قيس غزا عتبة بن شتير بن خالد الكلابىّ بنى ضبّة، فاستاق نعمهم، وقتل حصين بن ضرار الضبىّ زيد الفوارس، فجمع أبوه ضرار قومه وخرج ثائرا بابنه حصين، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك، فأغار على بنى عمرو بن كلاب، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير [بن خالد «١» ] وكان شيخا كبيرا، فأتى به قومه فقال: يا شتير، اختر واحدة من ثلاث، قال: اعرضها علىّ، قال: إمّا أن تردّ ابنى حصينا! قال: إنّى لا أنشر الموتى! قال: وإمّا أن تدفع إلىّ ابنك عتبة أقتله به! قال: لا يرضى بذلك بنو عامر، قال: وإمّا أن أقتلك. قال: أما هذه فنعم! فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله، فلمّا قدّمه ليضرب عنقه نادى شتير: يا آل عامر، صبرا بصبىّ! كأنه أنف أن يقتل بصبىّ، فقال فى ذلك شمعلة: وخيّرنا شتيرا من ثلاث ... وما كان الثلاث له خيارا جعلت السيف بين اللّيت «٢» منه ... وبين قصاص لمّته عذارا

стр. 5225

أيام تميم على بكر يوم الوقيط «١» قال فراس بن خندف: تجمّعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارّون «٢» ، فرأى ذلك ناشب بن بشامة العنبرىّ الأعور، وهو أسير فى بنى سعد بن مالك من بنى ثعلبة، فقال لهم: أعطونى رسولا أرسله إلى بنى العنبر أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه ما تولوننى من البرّ. وكان حنظلة بن طفيل المرثدىّ أسيرا فى بنى العنبر، فقالوا: على أن توصيه ونحن حضور، قال نعم، فأتوه بغلام «٣» ، فقال: أتيتمونى بأحمق، وما أراه مبلّغا عنّى! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإنّى مبلّغه، فملأ الأعور كفّه من الرمل فقال: كم فى كفّى منه؟ قال: شىء لا يحصى كثرة، ثم أومأ الى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هى الشمس. قال: فاذهب إلى أهلى فأبلغهم عنّى التحيّة وقلّ لهم: ليحسنوا إلى أسيرهم [ويكرموه «٤» ] فإنى عند قوم محسنين إلىّ [مكرمين «٥» لى] وقل لهم ليعروا جملى الأحمر: ويركبوا نافتى العيساء «٦» ، ويرعوا حاجتى فى بنى مالك، وأخبرهم أن العوسج «٧» قد أورق، وقد اشتكت النساء، وليعصموا همّام بن بشامة فإنه مشئوم محدود «٨» . ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون.

стр. 5226

قال: فآتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بنى العنبر، قد بيّن لكم صاحبكم، أمّا الرمل الذى قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى، وأمّا الشمس التى أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضح من الشمس، وأمّا جمله الأحمر فهو الصّمّان «١» : يأمركم أن تعروه «٢» ، وأما ناقته العيساء فهى الدّهناء «٣» ، يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا بنى مالك بن زيد مناة، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذى أورق، فيخبركم أنّ القوم قد لبسوا السلاح، وأمّا تشكّى النساء فيخبركم إنهنّ قد عملن حجلا يغزون به. قال: فتحرّزت عمرو فركبت الدّهناء وأنذروا بنى مالك فقالوا: ما ندرى ما تقول بنو عمرو، ولسنا متحوّلين لما قال صاحبهم. قال: فصبّحت اللهازم بنى حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت، وكان على الجيش أبجر بن جابر العجلىّ، وشهدها ناس من بنى تميم اللات، وشهدها الفرز بن الأسود بن شريك فى بنى شيبان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة، وتنازع فى أسره بشر بن العوراء من تيم اللات، والفرز بن الأسود فجزّوا ناصيته وخلوا أسره من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بنى ربيعة بن عجل عثجل بن الماموم بن شيبان بن علقمة من بنى زرارة، ثم منّ عليه، وأسرت غمامة بنت الطّود بن عبيد بن زرارة، واشترك فى أسرها الخطيم بن هلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خليد، فردّوها إلى أهلها، وأسر

стр. 5227

حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، أسره طلبة بن زياد أحد بنى ربيعة بن عجل، وأسر حوثرة بن بدر من بنى عبد الله بن دارم، فلم يزل فى الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بنى عجل فأطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو بن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أحد بنى سلامة من بنى دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلىّ، وكان يقاتل ويرتجز: كلّ امرئ مصبّح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وفيه يقول عنترة: وغادرنا حكيما فى مجال ... صريعا قد سلبناه الإزارا يوم النّباج وثيتل «١» لبكر على تميم قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: غدا قيس بن عاصم فى مقاعس وهو رئيس عليها- ومقاعس هم: صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم- ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحمانى فى الأجارب وهم: حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم، فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بنى ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم وهم: بنو قيس وتيم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد ابن ربيعة بالنّباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب فى الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، ويغير سلامة على

стр. 5228

أهل ثيتل. قال: فبعث قيس بن عاصم الأهتم سبقة له- والسبقة: الطيعة- فأتاه الخبر فلما أصبح قيس سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال لقومه: قاتلوا فإنّ الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا يقول لصاحبه: يا قيس، أورد، فتفاءلوا به، فأغاروا على النّباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديدا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو ابن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة، فأتوا ثيتل ولم يغزوا سلامة وأصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال ربيعة بن طريف: فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز وموئل وأنت الذى حربت «١» بكر بن وائل ... وقد عضّلت «٢» منها النّباج وثيتل غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت ... كراديس «٣» يزجيهنّ ورد محجّل وقال قرّة بن قيس بن عاصم: أنا ابن الذى شقّ المزاد «٤» وقد رأى ... بثيتل أحياء اللهازم حضّرا فصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلّا الأسنّة مصدرا على الجرد «٥» يعلكن الشكيم «٦» عوابسا ... إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا فلم يرها الراءون إلا فجاءة ... نثرن عجاجا بالسّنابك أكدرا

стр. 5229

سقاهم بها الذّيفان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا وحمران أدّته إلينا رماحنا ... فنازع غلا فى ذراعيه أسمرا وجثّامة الذّهلىّ قدناه عنوة ... إلى الحىّ مصفود اليدين مفكّرا. يوم زرود «١» الثانى لبنى يربوع على بنى تغلب أغار خزيمة بن طارق التغلبىّ على بنى يربوع وهم بزرود، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب، وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبّىّ- وهو فارس السليط، وكان يومئذ نقيلا «٢» فى بنى يربوع- وأسيد بن حنّاءة السليطى، فتنازعا فيه، فحكّما بينهما الحارث بن فراد، فحكم بناصية خزيمة للأنيف، على أنّ لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتى بعير وفرس، فقال أنيف: أخدتك قسرا يا خزيم بن طارق ... ولاقيت منّى الموت يوم زرود وعانقته والخيل تدمى نحورها ... فأنزلته بالقاع غير حميد يوم ذى طلوح «٣» لبنى يربوع على بكر كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوّج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلىّ، فابتنى بها فى بنى عجل، فأتى أبجر أخته امرأة

стр. 5230

عميرة يزورها فقال لها: إنى لأرجو أن آتيك ببنت النّطف امرأة عميرة التى فى قومها، فقال له عميرة: أترضى أن تحار بنى وتسبينى؛ فندم أبجر وقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك، ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من بنى شيبان، وهذا فيمن تبعه من اللهازم، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرقصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلى فاحتملتهم، فقال حرقصة: افعل، فكّر عميرة على ناقته، فسار يومين وليلة حتى أتى بنى يربوع، فأنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذى طلوح، فكان أوّل فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر، هلّم! فقال من أنت؟ قال: أنا عميرة، فكذّبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، والتفّت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلا أقلّهم، وأسر حنظلة ابن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم- وكان فى بنى يربوع- الحوفزان بن شريك، أخذه معه أبو مليل «١» ، وأخذ ابن طارق سوادة بن يحيى ابن عمّ أبجر، وأخذ أبو عنمة الضّبّىّ الشاعر مع بنى شيبان، فافتكّه متمّم بن نويرة، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسود وفلحس، وهما من بنى سعد بن همّام، فقال جرير يذكر يوم ذى طلوح: ولمّا لقينا خيل أبجر تدّعى ... بدعوى لجيم قبل ميل العواتق صبرنا وكان الصّبر منّا سجيّه ... بأسيافنا تحت الظّلال الحوافق فلمّا رأوا أن لا هوادة عندنا ... دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق

стр. 5231

يوم الحائر وهو يوم ملهم لبنى يربوع على بنى بكر وذلك أنّ بنى مليل عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد، وعلقمة أخاه انطلقا يطلبان إبلا لهما حتى وردا ملهم من أرض اليمامة، فخرج عليهما نفر من بنى يشكر، فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل، فكان عندهم ما شاء الله ثم خلّوا سبيله، وأخذوا عليه عهدا وميثاقا ألا يخبر بأمر أخيه أحدا، فأتى قومه فسألوه عنه فلم يخبرهم، فقال وبرة بن حمزه: هذا قد أخذ عليه عهد وميثاق، فخرجوا يقصّون الأثر وبينهم شهاب بن عبد القيس حتى وردوا ملهم، فلما رآهم أهل ملهم «١» تحصّنوا، فحرّقت بنو يربوع بعض زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلمّا رأى ذلك القوم نزلوا إليهم فقاتلوهم، فهزمت بنو يشكر، وقتل عمرو بن صابر صبرا، ضربوا عنقه، وقتل عيبنة بن الحارث بن شهاب بن مثلّم بن عبيد بن عمرو رجلا آخر منهم، وقتل مالك بن نويرة حمران بن عبد الله وقال: طلبنا بيوم مثل يومك علقما ... لعمرى لمن يسعى بها كان أكرما قتلنا بجنب العرص عمرو بن صابر ... وحمران أقصدنا هما والمثلما فلله عينا من رأى مئل خيلنا ... وما أدركت من خيلهم يوم ملهما يوم القحقح وهو يوم مالة لبنى يربوع على بكر أغارت بنو أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان على بنى يربوع ورئيسهم مجبة ابن ربيعة بن ذهل، فأخذوا إبلا لعاصم بن قرط أحد بنى حميد، وانطلقوا، فطلبهم

стр. 5232

بنو يربوع، فناوشوهم، فكانت الداثرة على بنى ربيعة، وقتل المنهال بن عصمة المجبّة بن ربيعة، فقال فى ذلك ابن حمران الرياحىّ: وإذا لقيت القوم فآطعن فيهم ... يوم اللّقاء كطعنة المنهال ترك المجبّة للضباع مجدّلا ... والقوم بين سوافل وعوال يوم رأس العين لبنى يربوع على بكر أغارت طوائف من بنى يربوع على بنى أبى ربيعة برأس العين فاطّردوا النّعم، واتبعهم معاوية بن فراس فى بنى أبى ربيعة فأدركوهم، فقتل معاوية وفاتوا بالإبل، فقال سحيم فى ذلك: أليس الأكرمون بنو رياح ... نمونى منهم عمّى وخالى همو قتلوا المجبة وابن تيمّ ... تنوح عليهما سود المال وهم قتلوا عميد بنى فراس ... برأس العين فى الحجج الخوالى وذادوا يوم طخفة عن حماهم ... ذياد غرائب الإبل النّهال يوم العظالى «١» لبنى يربوع على بكر قال أبو عبيدة: وهو يوم أعشاش ويوم الأفاقة ويوم الإياد ويوم مليحة. قال: وكانت بكر بن وائل تحت يد كسرى وفارس، فكانوا يجيرونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر فى ثلاثمائة فارس متساندين، يتوقعون انحدار بنى يربوع فى الحزن- قال: وكانوا يشتون خفافا فإذا انقطع الشتاء انحدروا إلى الحزن-

стр. 5233

قال: فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من بنى سليط، أوّل الحىّ، حتى أسهلوا ببطن مليحة، فطلعت بنو زبيد فى الحزن حتّى حلّوا الحديقة بالأفاقة، وحلّت بنو عبيد وبنو عتيبة بروضة الثمد. قال: وأقبل الجيش حتى نزلوا هضبة الخصىّ، ثم بعثوا رئيسهم فصادفوا غلاما شابّا من بنى عبيد يقال له قرط بن أضبط، فعرفه بسطام فقال له: أخبرنى ما ذاك السواد الذى أرى بالحديقة؟ قال: هم بنو زبيد. قال: أسيد بن حنّاءة؟ قال: نعم، قال: كم هم؟ قال خمسون بيتا، قال: فأين بنو عتيبة وبنو أريم؟ قال: نزلوا روضة الثّمد. قال: فأين سائر الناس؟ قال هم محتجزون بجفاف «١» . قال: فمن هناك من بنى عاصم؟ قال: الأحيمر وقعنب ومعدان أبناء عصمة. قال: فمن فيهم من بنى الحارث بن عاصم؟ قال: حصين ابن عبد الله. فقال بسطام لأصحابه: أطيعونى تقبضوا على هذا الحىّ من زبيد، وتصبحوا سالمين غانمين. قالوا: وما يغنى عنّا بنو زبيد لا يودون رحلتنا. قال: إن السلامة إحدى الغنيمتين. فقال له مغروق: انتفخ سحرك يا أخا الصهباء، قال له هانئ: أجبنا. قال: ويلكم إنّ أسيدا لم يظلّه بيت قط شاتيا ولا قائظا، إنما بيته القفر، فإذا أحسّ بكم أحال على الشقراء، فركض حتى يشرف مليحة «٢» ، فينادى: يا آل يربوع! فيركب فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة، ولا يبصر أحدكم مصرع صاحبه، وقد جئتمونى وأنا تابعكم، وقد أخبرتكم ما أنتم لاقون غدا. فقالوا: نلتقط بنى زبيد، ثم نلتقط بنى عبيد وبنى عتيبة كما نلتقط الكمأة، ونبعث فارسين فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين بنى يربوع، ففعلوا. فلما أحسّ بهم أسيد ركب الشقراء وخرج نحو بنى يربوع، فابتدره الفارسان فطعنه

стр. 5234

أحدهما فألقى نفسه فى شقّ فأخطأه، ثم كرّ راجعا حتى أشرف مليحة، فنادى: يا صباحاه! يا آل يربوع، غشيتم، فتلاحقت الخيل حتى توافوا بالعظالى، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على بكر، قتل منهم مغروق بن عمرو، فدفن بثنيّة مغروق، وبه سمّيت، وغيره. وأما بسطام فألّح عليه فارس من بنى يربوع، وكان دارعا على ذات النسوع «١» ، وكانت إذا أجدّت «٢» لم يتعلق بها شئ من خيلهم، ففاقت الطلب حتى أتى قومه. يوم الغبيط لبنى يربوع على بكر ويقال له يوم الثعالب «٣» . قال: غزا بسطام بن قيس، ومغروق بن عمرو، والحارث بن شريك- وهو الحوفزان- بلاد بنى تميم، وهذا اليوم قبل يوم العظالى، فأغاروا على بنى ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدىّ ابن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، فلذلك قيل له يوم الثعالب. وكان هؤلاء جميعا متجاورين بصحراء فلج «٤» فاقتتلوا، فانهزمت الثعالب، فأصابوا فيهم واستاقوا إبلا من نعمهم، ولم يشهد عتيبة بن الحارث بن شهاب هذه الوقعة لأنه كان نازلا يومئذ فى بنى مالك بن حنظلة. قال: ثم اسروا على بنى مالك، وهم بين صحراء فلج وبين الغبيط، فاكتسحوا إبلهم، فوكبت عليهم بنو مالك، فيهم عتيبة بن الحارث ابن شهاب، ومعه فارسان من فرسان بنى يربوع، وتأثّف «٥» اليهم الأحيمر بن عبد الله، وأسيد بن حنّاءة، وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحىّ- وهو رئيس

стр. 5235

بنى يربوع وربيع، والحليس، وعمارة، بنو عتيبة بن الحارث، ومعدان وعصمة ابنا قعنب، ومالك بن نويرة، والمنهال بن عصمة أحد بنى رياح بن يربوع، وهو الذى يقول فيه متمّم بن نويرة فى شعره الذى يرثى به أخاه مالكا: لقد كفّن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا فأدركوهم بغبيط المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، وأدركوا ما كانوا استاقوا من أموالهم، وأسر بسطام، أسره عتيبة، فلم يزل عنده حتى فادى نفسه. قيل: إنه فدى نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسا، ولم يكن غيره عكاظىّ أعلى فداء منه، على أن جزّ ناصيته وعاهده ألا يغزو بنى شهاب أبدا. يوم مخطّط لبنى يربوع على بكر قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس والحوفزان الحارث متساندين يقودان بكر بن وائل، حتى وردوا على بنى يربوع بالفردوس، وهو بطن لإياد، وبينه وبين مخطط ليلة، وقد نذرت بهم بنو يربوع فالتقوا بالمخطّط، فاقتتلوا، فانهزمت بكر، وهرب الحوفزان وبسطام ففاتا ركضا، وقتل شريك بن الحوفزان، قتله شهاب ابن الحارث أخو عتيبة، وأسر الأحيمر بن عبد الله بن الضريس الشّيبانىّ. يوم جدود غزا الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بنى سعد بن زيد مناة، فأخذ نعما كثيرا ونساء فيهنّ الزرقاء من بنى ربيع بن الحارث، فأعجب بها وأعجبت به، فلم يتمالك أن وقع بها، فلما انتهى الى جدود «١» منعهم بنو يربوع

стр. 5236

ابن حنظلة أن يردوا الماء، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، فقاتلوهم، فلم يكن لبنى بكر بهم يد «١» ، فصالحوهم على أن يعطوا بنى يربوع بعض غنائمهم حتى يردوا الماء، فقبلوا ذلك منهم وأجازوهم، فلما أتى الصريخ بنى سعد، ركب قيس ابن عاصم فى أثر القوم حتى أدركهم بالأشيمين «٢» ، فألّح قيس على الحوفزان، وقد حمل الزرقاء خلفه رديفا على فرسه الزّبد، وعقد شعرها على صدره، فأخذ قيس بن عاصم بحيث يكلّم الحوفزان، فقال له قيس: يا أبا حمّاد، أنا خير لك من الفلاة والعطش، قال له: ما يشاء الزبد. فلما رأى قيس أنّ فرسه لا يلحفه نادى الزرقاء فقال: ميلى به يا جعار، فجزّ الحوفران قرونها بالسيف ودفعها بمرفقه وألقاها عن عجز فرسه فردّها قيس بن عاصم الى بنى ربيع. يوم سفوان قال أبو عبيدة: التقت بنو مازن وبنو شيبان على ماء يقال له سفوان، فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميما عنه. فاقتتلوا قتالا شديدا، فظهرت عليهم بنو تميم وشلوهم حتى بلغوا المحدث، وكانوا قبل ذلك يتوعّدون بنى مازن، فقال فى ذلك الودّاك المازنىّ: رويدا بنى شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلى على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت فى القنا المتدانى عليها الكماة الغرّ من آل مازن ... ليوث طعان كلّ يوم طعان تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان

стр. 5237

مقاديم وصّالون فى الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشّفرتين يمان إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأىّ مكان يوم نقا الحسن وهو يوم الشّقيقة «١» لبنى ضبّة على بنى شيبان فيه قتل بسطام. قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس ابن خالد- وقيس بن مسعود هو ذو الجدّين، وأخوه السليل بن قيس من بنى ضبة ابن أدّ بن طابخة- فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتفق فيها فحلها قد فقأ عينه، وكان فى الإبل مالك بن المنتفق، فركب فرسا له ونجا ركضا حتى إذا دنا من قومه نادى: يا صباحاه، فركبت بنو ضبّة، وتداعت بنو تميم، فتلاحقوا بالنقا، فقال عاصم بن خليفة لرجل من فرسان قومه: أيّهم رئيس القوم؟ قال: حاميتهم صاحب الفرس الأدهم- يعنى بسطاما- فعلا عاصم عليه بالرمح فطعنه، فلم تخطئ صماخ أذنه حتى خرج الرمح من الناحية الأخرى وخرّ. فلما رأى ذلك بنو شيبان خلّوا سبيل النّعم وولّؤا الأدبار، فمن قتيل واسير، وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام فى سبعين من بنى شيبان: وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة: ويوم شقائق الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالا قصارا شككنا بالرّماح وهنّ زور ... صماخى كبشهم حتى استدارا أيام بكر على تميم يوم الزّويرين قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل تنتجع أرض بنى تميم فى الجاهلية ترعى بها إذا أجدبوا، فإذا أرادوا الرجوع لم يدعوا عودة يصيبونها ولا شيئا يظفرون به

стр. 5238

إلا اكتسحوه، فقال بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رعى أرضكم، فحشدت تميم، وحشدت بكر واجتمعت، فلم يتخلّف عنهم إلا الحوفزان بن شريك فى أناس من بنى ذهل بن شيبان، وكان غازيا، فقدّمت بكر عليهم عمرا الأصمّ أبا مفروق- وهو عمرو بن قيس بن مسعود بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان- فحسد سائر ربيعة الأصمّ على الرياسة، فأتوه فقالوا: يا أبا مفروق، إنّا قد زحفنا لتميم وزحفوا لنا أكثر ما كنّا وكانوا قط. قال: فما تريدون؟ قالوا: نريد أن نجعل كلّ حىّ على حياله، ونجعل عليهم رجلا منهم، فنعرف غناء كل قبيلة، فإنه أشدّ لاجتهاد الناس. قال: والله إنى لأبغض الخلاف عليكم، ولكن يأتى مفروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مفروق شاوره أبوه، فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا، وإنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رياستك، والله لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال لنا الفضل بذلك أبدا، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رياسة نعرف بها، فقال الأصمّ: يا قوم، قد استشرت مفروقا فرأيته مخالفا لكم، ولست مخالفا رأيه وما أشار به. فأقبلت تميم بجملين مجلّلين مقرونين مقيّدين وقالوا: لا نولّى حتى يولى هذان الجملان، وهما الزّويران، فأخبرت بكر بقولهم الأصمّ فقال: وأنا زويركم إن خشّوهما فخشونى، وإن عقروهما فاعقرونى، قال: والتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدا. فأسرت بنو تميم حراث بن مالك أخا بنى مرّة بن همام، فركض به رجل منهم وقد أردفه، فاتبعه ابنه قتادة بن حراث حتى لحق الفارس الذى أسر أباه، فطعنه فأرداه عن فرسه، واستنقذ أباه، ثم انهزمت بنو تميم. وقال رجل من بنى سدوس: يا سلم إن تسألى عنّا فلا كشف ... عند اللّقاء ولسنا بالمقاريف

стр. 5239

نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا ... جيش الزّورين فى جمع الأحاليف ظلّوا وظلنا نكّر الخيل وسطهم ... بالشّيب منّا وبالمرد الغطاريف يوم الشّيّطين لبكر على تميم قال أبو عبيدة: لمّا ظهر الإسلام- قبل أن يسلم أهل نجد والعراق- سارت بكر بن وائل الى السواد وقالت: نغير على بنى تميم بالشّيّطين «١» ، فإنّ فى دين ابن عبد المطلب أنه من قتل نفسا قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها. فارتحلوا من لعلع بالذّرارىّ والأموال، فأتوا الشيّطين فى أربع، وبينهما مسيرة ثمانية أميال فسبقوا الخبر فصبّحوهم وهم لا يشعرون، ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذى الحدّين، فقتلوا بنى تميم قتلا ذريعا وأخذوا أموالهم. قال: قتل من بنى تميم يوم الشّيّطين ولعلع ستمائة رجل، قال: فوفد وفد من بنى تميم الى النبىّ صلى عليه وسلم فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل! فأبى ﷺ . يوم صعفوق لبكر على تميم أغارت بنو ربيعة على بنى سليط بن يربوع يوم صعفوق، فأصابوا منهم أسرى، فأتى طريف بن تميم العنبرىّ فروة بن مسعود، وهو يومئذ سيّد بنى ربيعة، ففدى منهم أسرى بنى سليط ورهنهم ابنه، فأبطأ عليهم فقتلوا ابنه.

стр. 5240

يوم مبايض لبكر على تميم قال أبو عبيدة: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ فى الشهر الحرام، وأمن بعضهم بعضا، تقنّعوا كى لا يعرفوا، فكان طريف بن تميم لا يتقنّع، فوافى عكاظ وقد كشفت بكر بن وائل، وكان طريف قد قتل شراحيل الشيبانىّ أحد بنى عمرو بن ربيعة، فقال خميصة: أرونى طريفا، فأروه إيّاه، فتأمّله ونظر إليه، ففطن له طريف فقال: مالك تنظر؟ فقال: أتوسّمك لأعرفك، فلله علىّ إن لقيتك أن أقتلك أو تقتلنى. قال: فمضى لذلك ما شاء الله، ثم إن بنى عائدة حلفاء بنى ربيعة بن ذهل، خرج منهم رجلان يصيدان، فعرض لهما رجل من بنى شيبان، فذعر عليهما صيدهما، فوثبا عليه فقتلاه، فثارت بنو مرّة بن ذهل بن شيبان يريدون قتلهما، فأبت بنو ربيعة ذلك عليهم، فقال هانئ بن مسعود: يا بنى ربيعة، إنّ إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فانمازوا «١» عنهم، ففارقوهم، وساروا حتى نزلوا بمبايض: - ماء لهم- فأبق عبد لرجل من بنى ربيعة، وسار الى بلاد تميم، فأخبرهم أن حيّا جديدا، أى منتقى من قومه، من بكر بن وائل نزول على مبايض وهم بنو ربيعة، فقال طريف العنبرىّ: هؤلاء فأرى يا آل تميم، وأقبل معه أبو الجدعاء أخو بنى طهيّة، وجاءه فدكىّ بن أعبد المنقرىّ فى جمع من بنى سعد بن زيد مناة، فأنذرت بهم بنو ربيعة؛ فانحاز بهم هانئ بن مسعود، وهو رئيسهم، الى علم مبايض، وأقام عليه وشرّفوا بالأموال والسرح «٢» ، وصبّحتهم تميم، فقال لهم

стр. 5241

طريف: أطيعونى وافرغوا من هؤلاء الأكلب يصف لكم ما وراءهم، فقال لهم أبو الجدعاء- رئيس حنظلة- وفدكىّ- رئيس بنى سعد بن زيد مناة: أنقاتل أكلبا أحرزوا أنفسهم ونترك أموالهم؟ ما هذا برأى! وأبوا عليه. وقال هانئ لأصحابه: لا يقاتل رجل منكم، ولحقت تميم بالنّعم والبغال فأغاروا عليها، فلمّا ملأوا أيديهم من الغنيمة قال هانئ بن مسعود لأصحابه: احملوا عليهم، فهزموهم. وقتل طريف العنبرىّ، قتله خميصة الشيبانىّ. يوم فيحان لبكر على تميم قال أبو عبيدة: لمّا فدى نفسه بسطام بن قيس من عتيبة بن الحارث إذ أسره يوم الغبيط بأربعمائة بعير فقال: لأدركنّ عقر إبلى، فأغار بفيجان، فأخذ الربيع بن عتيبة واستاق ماله، فلمّا سار يومين شغلوا عن الربيع بالشراب، فبال على قيده حتى لان؛ ثم خلعه وانحلّ منه، ثم أجال فى متن ذات النسوع- فرس بسطام- وهرب، فركبوا قى أثره، فلمّا يئسوا منه ناداه بسطام: يا ربيع، هلمّ طليقا، فأبى، وأتوه فى نادى قومه يحدّثهم، فجعل يقول فى أثناء حديثه: إيها يا ربيع! انج يا ربيع! وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بنى يربوع فإذا هو براع فاستسقاه وضربت الفرس برأسها فماتت، فسمّى ذلك المكان هبير الفرس، فقال له أبوه عتيبة: أما إذ نجوت بنفسك فإنى مخلف لك مالك. يوم ذى قار الأوّل لبكر على تميم قال: فخرج عتيبة فى نحو من خمسة عشر فارسا من بنى يربوع، فكمن فى جنبى ذى قار حتى مرّت بهم إبل بنى الحصين، وهى بالعدوانة: اسم ماء لهم،

стр. 5242

فصاحوا بمن فيها من الحامية والرعاية، ثمّ استاقوها، فأخلف للربيع ما ذهب له وقال: ألم ترنى أفأت على ربيع ... جلادا فى مباركها وخورا وأنّى قد تركت بنى حصين ... بذى قار يرمّون الأمورا يوم الحاجز لبكر على تميم قال أبو عبيدة: خرج وائل بن صريم اليشكرىّ من اليمامة، فلقيه بنو أسيد ابن عمرو بن تميم، فأسروه وجعلوا يغمسونه فى المناء فى الركّية ويقولون: يأيها المانح دلوى دونكا حتى قتلوه، فغزاهم أخوه باعث بن صريم يوم حاجز، فأخذ ثمامة بن باعث ابن صريم رجلا من بنى أسيد وجيها فيهم فقتله، وقتل على الظّنة مائة منهم. يوم الشقيق لبكر على تميم قال أبو عبيدة: أغار أبجر بن جابر العجلىّ على بنى مالك بن حنظلة، فسبى سليمى بنت محصن، فولدت له أبجر، ففى ذلك يقول أبو النجم: ولقد كررت على طهيّة كرّة ... حتّى طرقت نساءها بمساء ذكر حرب البسوس وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب: لم تجتمع معدّ كلّها إلّا على ثلاثة من رؤساء العرب، وهم: عامر بن الظّرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث.

стр. 5243

وعامر هو قائد معدّ يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت الى تهامة، وهى أوّل واقعة كانت بين تهامة واليمن. والثانى: ربيعة بن الحارث بن مرّة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وهو قائد معدّ يوم السّلّان، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن. والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذى يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدّا كلّها يوم خزاز، ففضّ جموع اليمن وهزمهم، واجتمعت عليه معدّ كلّها وجعلوا له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته، فغبر «١» بذلك حينا من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمى مواقع السحاب فلا يرعى حماه ويقول: وحش أرض كذا فى جوارى فلا يهاج، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره. وكانت بنو جشم وبنو شيبان فى دار واحدة بتهامة، وكان كليب قد تزوّج جليلة بنة مرّة بن ذهل بن شيبان أخت جسّاس بن مرّة، وكانت لها ناقة يقال لها: السراب، وبها يضرب المثل فى التشاؤم، فيقال: «أشأم من السراب» و «أشأم من البسوس» وهى معقولة بفناء بيتها فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت بها إبل لكليب، فلما رأت السراب الإبل تازعت عقالها حتى قطعته، وتبعت الإبل واختلطت بها حتى انتهت الى كليب، وهو على الحوض، ومعه قوس وكنانة، فلما رآها أنكرها، فانتزعها بسهم فخرم ضرعها، فنفرت وهى ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلّاه! واجاراه.

стр. 5244

ذكر مقتل كليب وائل قال: فأجمشت جسّاسا، فركب فرسا له مغرورا به، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فطعنه جسّاس فقصم صلبه، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنه، فوقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجسّاس: أغثنى بشربة من ماء، فقال له: تجاوزت شبيثا «١» والأحصّ «٢» ، ففى ذلك يقول عمرو بن الأهتم: وإنّ كليبا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذى تريان فلمّا حشاه الرمح كفّ ابن عمّه ... تذكّر ظلم الأهل أىّ أوان وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... وإلّا فخيّر من رأيت مكانى فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو غير زؤان وقال نابغة بنى جعد: أبلغ عقالا أنّ خطّة داحس ... بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... تدارك بها منّا علىّ وأنعم فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو متوسّم قال: فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النّهى، وتشمّر المهلهل أخو كليب- واسمه عدىّ بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل لأنه

стр. 5245

أوّل من هلهل الشعر، أى أرقّه- فاستعدّ المهلهل لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، وجمع اليه قومه، فأرسل رجالا منهم الى بنى شيبان يعذر اليهم فيما وقع من الأمر، فأتوا مرّة بن ذهل بن شيبان وهو فى نادى قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل، فقطعتم الرّحم، وانتهكتم الحرمة، وإنّا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا، لكم فيها مخرج ولنا مقنع، قال مرّة: ما هى؟ قالوا: تحيى لنا كليبا أو تدفع لنا جسّاسا قاتله فنقتله به، أو همّاما فإنه كفء له، أو تمكّننا من نفسك فإنّ فيك وفاء من دمه، فقال: أمّا إحيائى كليبا فهذا ما لا يكون. وأمّا جسّاس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدرى أىّ البلاد احتوت عليه. وأمّا همّام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، كلّهم فرسان قومهم فلن يسلّموه لى فأدفعه اليكم يقتل بجريرة غيره. وأمّا أنا فما هو إلّا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أوّل قتيل بينهما، فما أتعجّل من الموت، ولكن لكم عندى خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بنىّ الباقون فعلّقوا فى عنق أيّهم شئتم نسعة فانطلقوا به الى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلّا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بكر بن وائل، فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب. ووقعت الحرب بينهم، ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر بن وائل، وكرهوا مجامعة بنى شيبان ومساعدتهم على قتال إخوتهم، وأعظموا قتل جسّاس كليبا بناب من الإبل، فظعنت لجيم عنهم، وكفّت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد فى أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة. وقال المهلهل يرثى كليبا من أبيات:

стр. 5246

بات ليلى بالأنعمين «١» طويلا ... أرقب النّجم ساهرا أن يزولا كيف أهدى ولا يزال قتيل ... من بنى وائل ينسّى قتيلا فى قصيدة طويلة. وقال أيضا يرثيه من أخرى: نعى النعاة كليبا لى فقلت لهم ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها القائد الخيل تردى فى أعنّتها ... زهوا إذا الخيل لجّت فى تعاديها من خيل تغلب ما تلقى أسنّتها ... إلّا وقد خضّبوها من أعاديها يهزهزون من الخطّىّ مدمجة ... كمنا أنابيبها زرقا عواليها ترى الرّماح بأيدينا فتوردها ... بيضا ونصدرها حمرا أعاليها لا أصلح الله يوما من يصالحكم ... ما لاحت الشّمس فى أعلى مجاريها يوم النّهى فالتقوا بماء يقال له: النّهى «٢» ، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرّة، فكانت الدائرة لبنى تغلب، ولم يقتل فى ذلك اليوم أحد من بنى مرّة. يوم الذنائب ثم التقوا بالذنائب، وهى أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة، وفيه قتل شراحيل بن مرة بن همّام بن مرّة بن شيبان، وهو جدّ الحوفزان، قتله عتّاب بن سعد بن بن زهير بن جشم، وقتل من بنى ذهل بن

стр. 5247

ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان، وقتل من بنى قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة، وهو أحد الحرقيّين «١» ، وكان شيخا كبيرا، فحمل فى هودج، فلحقه عمرو بن مالك بن الفدوكس بن جشم فقتله. يوم واردات ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم الذين تقدّم ذكرهم، فظفرت بنو تغلب، واستحرّ «٢» القتل فى بنى بكر، فيومئذ قتل الشعثمان: شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيّار بن الحارث بن سيّار، وفيه قتل همّام ابن مرّة أخو جسّاس لأبويه، فمرّ به مهلهل مقتولا فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعزّ علىّ فقدا منك يوم عنيزة . يوم عنيزة ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب على بنى بكر، فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنين، ويوم ضرية، ويوم القمصيبات، كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن يستقبلوا أمرهم. وقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر فى قصيدة طويلة أوّلها: أليلتنا بذى حسم «٣» أنيرى ... اذا أنت انقضيت فلا تحورى «٤» فإن يك بالذنائب «٥» طال ليلى ... فقد أبكى من اللّيل القصير

стр. 5248

فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أىّ زير وإنّى قد تركت بواردات «١» ... بجيرا فى دم مثل العبير «٢» هتكت به بيوت بنى عباد ... وبعض القتل أشفى للصدور على أن ليس عدلا من كليب ... اذا برزت مخبّأة الخدور وقال المهلهل أيضا وقد أشرف فى الدماء: أكثرت قتل بنى بكر بربّهم ... حتّى بكيت وما يبكى لهم أحد آليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتّى أبهرج بكرا أينما وجدوا أبهرج: أى أدعهم بهرجا، لا يقتل بهم قتيل، ولا تؤخذ بهم دية. وقال أيضا: قتلوا كليبا ثمّ قالوا أربعوا ... كذبوا وربّ الحلّ والإحرام حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعضّ كلّ مثقّف بالهام ويقمن ربّات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام حتى يعضّ الشيخ بعد حميمه ... ممّا يرى ندما على الإبهام يوم قضة قال: ثم إنّ المهلهل أسرف فى القتل ولم يبال بأىّ قبيلة من قبائل بكر وقع، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بنى شيبان لقتلهم كليبا، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير بن الحارث بن عباد، فلمّا بلغه قتله قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابنى وائل، وظنّ أنّ المهلهل قد أدرك به ثأر

стр. 5249

كليب وجعله كفؤا له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب. وكان المهلهل قال لمّا قتل بجير بن الحارث: بؤبشسع نعل كليب، فلمّا سمع الحارث ذلك غضب، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولّى قتال تغلب بنفسه، فكانت الدائرة فيه على تغلب، فتفرّقت قبائل تغلب وهرب المهلهل. وقال الحارث بن عباد: قرّبا مربط النعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيالى قرّبا مربط النعامة منّى ... شاب رأسى وأنكرتنى رجالى لم أكن من جناتها علم اللّ ... هـ وإنى بحرّها اليوم صال فى قصيدة طويلة نحو المائة بيت كرّر فيها: قرّبا مربط النعامة منّى فى خمسين بيتا. وكان أوّل يوم شهده الحارث يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وفيه يقول طرفة: سائلوا عنّا الّذى يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللّمم يوم تبدى البيض عن أسؤقها «١» ... وتلفّ «٢» الخيل أعراج «٣» النّعم «٤»

стр. 5250

يوم تحلاق اللّمم ويوم تحلاق اللّمم، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال: احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذى قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان «١» رمحه، والآخر بزجّه «٢» ، ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه. وفى هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه وقال فيه: لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه فى تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: اذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.

стр. 5251

ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج فى بنى جنب «١» ، فخطبوا اليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم، فقال فى ذلك: أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بنى الأكرمين من جشم أنكحها فقدها الأراقم «٢» فى ... جنب وكان الخباء من أدم لو بأبانين «٣» جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطب بدم ليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون فى ذلّة ولا عدم ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فأجمعا على قتله بموضع قفر، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عنّى هذه المراسلة، فقالا هات، فقال: من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... لله درّكما ودرّ أبيكما فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبى ردىّ الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت: من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يبرح العبدان حتّى يقتلا فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلا بين رجلى جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 5252

الكلاب الأوّل قال أبو عبيدة: لمّا تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها؛ ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إنّ سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوىّ الضعيف، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوىّ، ويردّ على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكنّنا نأتى تبّعا فنملّكه علينا، فأتوه [فذكروا له أمرهم «١» ] فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندىّ، فقدم فنزل بطن عاقل «٢» . ثم غزا ببكر بن وائل حتى انتزع عامّة ما فى أيدى ملوك الحيرة اللخميّين، وملوك الشام الغسانّيين، وردّهم الى أقاصى أعمالهم، ثم طعن فى نيطة فمات فدفن ببطن عاقل. واختلف ابناه شرحبيل وسلمة فى الملك، فتواعد الكلاب «٣» ، فأقبل شرحبيل فى ضبّة والرّباب كلّها، وبنى يربوع، وبكر بن وائل. وأقبل سلمة فى تغلب والنّمر وبهراء ومن تبعه من بنى مالك بن حنظلة، وعليهم سفيان بن مجاشع، وعلى تغلب السفّاح، وإنما قيل له السفّاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم: اندروا الى ماء الكلاب، فسبقوا ونزلوا عليه، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبنى تغلب، فالتقوا على الكلاب، واستحرّ القتل فى بنى يربوع، وشدّ أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قد قتل ابنه حنشا، فأراد أبو حنش أن يأتى برأسه الى سلمة، فخافه فبعثه مع عسيف له، فلما رآه سلمة دمعت عيناه وقال له:

стр. 5253

أنت قتلته؟ قال لا، ولكن قتله أبو حنش، إنما أدفع الثواب الى قاتله، فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة فى ذلك: ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجىء الى الثّواب تعلّم أنّ خير الناس طرّا ... قتيل بين أحجار الكلاب يوم الصّفقة وهو يوم الكلاب الثانى قال أبو عبيدة: كان يوم الكلاب متّصلا بيوم الصّفقة «١» . وكان من حديث الصفقة أنّ كسرى كان قد أوقع ببنى تميم، فأخذ الأموال وسبى الذرارىّ بمدينة هجر «٢» ، وذلك أنهم أغاروا على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، فسمّيت تلك الوقعة يوم الصّفقة، ثم إنّ بنى تميم أداروا أمرهم، وقال ذو الحجى منهم: إنكم قد أغضبتم الملك، وقد أوقع بكم حتى وهنتم، وتسامعت بما لقيتم القبائل، ولا تأمنون دوران العرب. فجمعوا سبعة من رؤسائهم وشاوروهم فى أمرهم، وهم: أكثم بن صيفىّ الأسدىّ، والأحيمر بن يزيد بن مرّة المازنىّ، وقيس بن عاصم المنقرىّ، وأبير بن عصمة التيمىّ، والنعمان بن جسّاس التيمىّ، وأبين بن عمرو السعدىّ، والزبرقان بن بدر السعدىّ فقالوا لهم: ماذا ترون؟ فقال أكثم بن صيفىّ، وكان يكنى أبا حنش: إنّ الناس قد بلغهم ما لقينا، ونخاف أن يطمعوا فينا وإنى قد نيّفت على التسعين، وقد نحل قلبى كما نحل جسمى، وأخاف ألّا يدرك ذهنى الرأى لكم، فليعرض علىّ

стр. 5254

كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره فإنى متى أسمع الحزم أعرفه، فقال كلّ منهم ما عنده، وأكثم [ساكت] لا يتكلّم، حتى قام النعمان بن الجسّاس فقال: يا قوم، أنظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأىّ ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم، وقد صلحت أحوالكم، وانجبر كسيركم، وقوى ضعيفكم، ولا أعلم ماء يجمعكم إلّا قدّة، فقال أكثم: هذا [هو «١» ] الرأى، فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلى اليمن، وأسفله مما يلى العراق. فنزلت سعد والرّباب بأعلى الوادى، ونزلت حنظلة بأسفله. قال: وكانوا لا يخافون أن يغزوا فى القيظ، لبعد تلك الصحارى وشدّة الحرّ بها وقلة المياه، فأقاموا بقيّة القيظ لا يعلم أحد بمكانهم، حتى اذا تهوّر «٢» القيظ بعث الله ذا العيينتين، وهو من أهل مدينة هجر، فمرّ بقدّة وصحاريها، فرأى ما بها من النّعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر فقال: هل لكم فى جارية عذراء، ومهرة شوهاء «٣» ، وبكرة حمراء، ليس دونها نكبة؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء «٤» مطروحون بقدّة. فمشى بعضهم الى بعض وقالوا: اغتنموها من بنى تميم. فأخرجوا معهم أربعة أملاك يقال لهم اليزيديون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرّم، وهم كلّهم حارثيّون ومعهم عبد يغوث الحارثىّ، وم كان كلّ واحد منهم على ألفين، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة قال جرير بن جزء الباهلىّ لابنه: يا بنىّ، هل لك فى أكرومة لا يصاب أبدا مثلها؟ قال: وما ذلك؟ قال: هذا الحىّ من تميم قد لجأوا هاهنا مخافة كسرى، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملى الأرحبىّ، وسرسيرا رويدا

стр. 5255

عقبة «١» من الليل، ثم حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفناته فى بوله، فشدّ حبليه ثم ضع السّوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير إلا أعطاكه حتى تصبّح القوم. ففعل ما أمره به. قال الباهلّى: فحللت بالكلاب قبل الجيش فناديت: يا صباحاه! فإنهم ليثبون إلىّ ليسألونى من أنت؟ إذ أقبل رجل منهم من بنى شقيق على مهر قد كان فى النّعم فنادى: يا صباحاه، قد أتى على النّعم، ثم كرّ راجعا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثىّ وهو أوّل الرعيل، فطعنه فى رأس معدته فسبق اللّبن الدم، فقال عبد يغوث: أطيعونى وامضوا بالنّعم وخلّوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها، فقالو: أما دون أن تنكح بناتهم فلا. وقال ضمرة بن لبيد الحماسىّ ثم المذحجىّ الكاهن: أنظروا اذا سقتم النّعم فإن أتتكم الخيل عصبا [عصبا] تنتظر العصبة أن تنتظم الأخرى حتى تلتحق بها فإن أمر القوم هيّن، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النّعم فإن أمرهم شديد. وتقدّمت سعد والرّباب فى أوائل الخيل والتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا. ورئيس الرباب النعمان بن الجسّاس، ورئيس بنى سعد قيس بن عاصم، فالتقى القوم، فكان النعمان أوّل صريع، واقتتل الفريقان حتى حجز بينهم الليل، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد! يريد سعد بن زيد، ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! يريد سعد العشيرة، فلما سمع قيس ذلك نادى: يا آل كعب! يريد كعب بن سعد، ونادى عبد يغوث: يا آل كعب! يريد كعب بن عمرو، فلما رأى ذلك نادى:
следующие страницы →