Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج فى بنى جنب «١» ، فخطبوا اليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم، فقال فى ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بنى الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم «٢» فى ... جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين «٣» جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطب بدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون فى ذلّة ولا عدم
ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فأجمعا على قتله بموضع قفر، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عنّى هذه المراسلة، فقالا هات، فقال:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... لله درّكما ودرّ أبيكما
فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبى ردىّ الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يبرح العبدان حتّى يقتلا
فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلا بين رجلى جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 5252
الكلاب الأوّل
قال أبو عبيدة: لمّا تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها؛ ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إنّ سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوىّ الضعيف، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوىّ، ويردّ على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكنّنا نأتى تبّعا فنملّكه علينا، فأتوه [فذكروا له أمرهم «١» ] فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندىّ، فقدم فنزل بطن عاقل «٢» .
ثم غزا ببكر بن وائل حتى انتزع عامّة ما فى أيدى ملوك الحيرة اللخميّين، وملوك الشام الغسانّيين، وردّهم الى أقاصى أعمالهم، ثم طعن فى نيطة فمات فدفن ببطن عاقل. واختلف ابناه شرحبيل وسلمة فى الملك، فتواعد الكلاب «٣» ، فأقبل شرحبيل فى ضبّة والرّباب كلّها، وبنى يربوع، وبكر بن وائل. وأقبل سلمة فى تغلب والنّمر وبهراء ومن تبعه من بنى مالك بن حنظلة، وعليهم سفيان بن مجاشع، وعلى تغلب السفّاح، وإنما قيل له السفّاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم: اندروا الى ماء الكلاب، فسبقوا ونزلوا عليه، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبنى تغلب، فالتقوا على الكلاب، واستحرّ القتل فى بنى يربوع، وشدّ أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قد قتل ابنه حنشا، فأراد أبو حنش أن يأتى برأسه الى سلمة، فخافه فبعثه مع عسيف له، فلما رآه سلمة دمعت عيناه وقال له:
стр. 5253
أنت قتلته؟ قال لا، ولكن قتله أبو حنش، إنما أدفع الثواب الى قاتله، فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة فى ذلك:
ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجىء الى الثّواب
تعلّم أنّ خير الناس طرّا ... قتيل بين أحجار الكلاب
يوم الصّفقة وهو يوم الكلاب الثانى
قال أبو عبيدة: كان يوم الكلاب متّصلا بيوم الصّفقة «١» . وكان من حديث الصفقة أنّ كسرى كان قد أوقع ببنى تميم، فأخذ الأموال وسبى الذرارىّ بمدينة هجر «٢» ، وذلك أنهم أغاروا على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، فسمّيت تلك الوقعة يوم الصّفقة، ثم إنّ بنى تميم أداروا أمرهم، وقال ذو الحجى منهم:
إنكم قد أغضبتم الملك، وقد أوقع بكم حتى وهنتم، وتسامعت بما لقيتم القبائل، ولا تأمنون دوران العرب.
فجمعوا سبعة من رؤسائهم وشاوروهم فى أمرهم، وهم: أكثم بن صيفىّ الأسدىّ، والأحيمر بن يزيد بن مرّة المازنىّ، وقيس بن عاصم المنقرىّ، وأبير بن عصمة التيمىّ، والنعمان بن جسّاس التيمىّ، وأبين بن عمرو السعدىّ، والزبرقان بن بدر السعدىّ فقالوا لهم: ماذا ترون؟ فقال أكثم بن صيفىّ، وكان يكنى أبا حنش:
إنّ الناس قد بلغهم ما لقينا، ونخاف أن يطمعوا فينا وإنى قد نيّفت على التسعين، وقد نحل قلبى كما نحل جسمى، وأخاف ألّا يدرك ذهنى الرأى لكم، فليعرض علىّ
стр. 5254
كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره فإنى متى أسمع الحزم أعرفه، فقال كلّ منهم ما عنده، وأكثم [ساكت] لا يتكلّم، حتى قام النعمان بن الجسّاس فقال: يا قوم، أنظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأىّ ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم، وقد صلحت أحوالكم، وانجبر كسيركم، وقوى ضعيفكم، ولا أعلم ماء يجمعكم إلّا قدّة، فقال أكثم: هذا [هو «١» ] الرأى، فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلى اليمن، وأسفله مما يلى العراق. فنزلت سعد والرّباب بأعلى الوادى، ونزلت حنظلة بأسفله.
قال: وكانوا لا يخافون أن يغزوا فى القيظ، لبعد تلك الصحارى وشدّة الحرّ بها وقلة المياه، فأقاموا بقيّة القيظ لا يعلم أحد بمكانهم، حتى اذا تهوّر «٢» القيظ بعث الله ذا العيينتين، وهو من أهل مدينة هجر، فمرّ بقدّة وصحاريها، فرأى ما بها من النّعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر فقال: هل لكم فى جارية عذراء، ومهرة شوهاء «٣» ، وبكرة حمراء، ليس دونها نكبة؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء «٤» مطروحون بقدّة. فمشى بعضهم الى بعض وقالوا: اغتنموها من بنى تميم.
فأخرجوا معهم أربعة أملاك يقال لهم اليزيديون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرّم، وهم كلّهم حارثيّون ومعهم عبد يغوث الحارثىّ، وم كان كلّ واحد منهم على ألفين، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة قال جرير بن جزء الباهلىّ لابنه: يا بنىّ، هل لك فى أكرومة لا يصاب أبدا مثلها؟ قال: وما ذلك؟ قال: هذا الحىّ من تميم قد لجأوا هاهنا مخافة كسرى، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملى الأرحبىّ، وسرسيرا رويدا
стр. 5255
عقبة «١» من الليل، ثم حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفناته فى بوله، فشدّ حبليه ثم ضع السّوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير إلا أعطاكه حتى تصبّح القوم. ففعل ما أمره به.
قال الباهلّى: فحللت بالكلاب قبل الجيش فناديت: يا صباحاه! فإنهم ليثبون إلىّ ليسألونى من أنت؟ إذ أقبل رجل منهم من بنى شقيق على مهر قد كان فى النّعم فنادى: يا صباحاه، قد أتى على النّعم، ثم كرّ راجعا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثىّ وهو أوّل الرعيل، فطعنه فى رأس معدته فسبق اللّبن الدم، فقال عبد يغوث: أطيعونى وامضوا بالنّعم وخلّوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها، فقالو: أما دون أن تنكح بناتهم فلا.
وقال ضمرة بن لبيد الحماسىّ ثم المذحجىّ الكاهن: أنظروا اذا سقتم النّعم فإن أتتكم الخيل عصبا [عصبا] تنتظر العصبة أن تنتظم الأخرى حتى تلتحق بها فإن أمر القوم هيّن، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النّعم فإن أمرهم شديد.
وتقدّمت سعد والرّباب فى أوائل الخيل والتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا. ورئيس الرباب النعمان بن الجسّاس، ورئيس بنى سعد قيس بن عاصم، فالتقى القوم، فكان النعمان أوّل صريع، واقتتل الفريقان حتى حجز بينهم الليل، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم:
يا آل سعد! يريد سعد بن زيد، ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! يريد سعد العشيرة، فلما سمع قيس ذلك نادى: يا آل كعب! يريد كعب بن سعد، ونادى عبد يغوث: يا آل كعب! يريد كعب بن عمرو، فلما رأى ذلك نادى:
стр. 5256
يا آل مقاعس! فلما سمع وعلة ابن عبد الله الجرمىّ- وكان صاحب لواء أهل اليمن- نادى: يا آل مقاعس، تفاءل به فطرح له اللواء، وكان أوّل من انهزم، فحملت عليهم سعد والرباب فهزموهم، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلّا فارسا فإنّ الرجّالة لكم، ثم جعل يرتجز ويقول:
لمّا تولّوا عصبا شوازبا «١» ... أقسمت لا أطعن إلّا راكبا
إنّى وجدت الطّعن فيهم صائبا
وأمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة، ويعرقبوا من لحقوه، ولا يشتغلوا بالقتل عن اتباعهم، فحزّوا دوابرهم، وفى ذلك يقول وعلة:
فدى لكم أهلى وأمى ووالدى ... غداة كلاب إذ تحزّ الدوابر
وأسر عبد يغوت، أسره مصاد بن ربيعة بن الحارث وكتّفه وأردفه خلفه، وكان مصاد قد أصابته طعنة فى مأبضه، وكان عرقه يهمى «٢» ، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أوّل النهار، ثم ظفر به بعد فى آخره، ونادى مناد: قتل اليزيدون، وشدّ قبيصة بن ضرار الضّبّىّ على ضمرة بن لبيد الحماسىّ الكاهن فطعنه فخرّ صريعا، فقال له قبيصة: ألا أنبأك تابعك بمصرعك اليوم، ثم أسر عبد يغوث، أسره عصمة بن أبير التيمىّ.
قال أبو عبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد فوجده صريعا، وكان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا فى يديه، فعلم أنه الذى أجهز عليه فآقتصّ أثره فلحقه وقال: ويحك! إنى رجل أحبّ اللين، وأنا خير لك من الفلاة والعطش. قال:
ومن أنت؟ قال: عصمة بن أبير، فآنطلق به عصمة حتى جثاه عند الأهتم على
стр. 5257
أن جعل له من فدائه جعلا، فتركه الأهتم عند امرأته العبشميّة، فأعجبها جماله وكمال خلقته، وكان عصمة الذى أسره غلاما نحيفا، فقالت له: من أنت؟ قال:
أنا سيّد القوم، فضحكت وقالت: قبّحك الله سيّد قوم حين أسرك مثل هذا، ففى ذلك يقول عبد يغوث:
وتضحك منّى شيخة عبشمية ... كأن لم ترى «١» قبلى أسيرا يمانيا
فآجتمعت الرّباب الى الأهتم وقالت: ثأرنا عندك، وقد قتل مصاد والنعمان فأخرجه إلينا، فأبى الأهتم أن يخرجه إليهم، فكاد أن يكون بين الحيّين: الرّباب وسعد، فتنة حتى أقبل قيس بن عاص المنقرىّ فقال: أيؤتى قطع حلف الرّباب من قبلنا؟ فضرب فاه بقوس فهتّمه، فسمّى الأهتم، فقال الأهتم: إنما دفعه إلى عصمة ابن أبير، ولا أدفعه إلّا لمن دفعه إلىّ، فليجئ فيأخذه، فأتوا عصمة فقالوا:
يا عصمة، قتل سيّدنا النعمان وفارسنا مصاد، وثأرنا أسيرك، فما كان ينبغى لك أن تستحييه! فقال: إنى ممعل وقد أصبت الغنى، ولا تطيب نفسى على أسيرى، فاشتراه بنو جسّاس بمائة بعير، فدفعه إليهم، فخشوا أن يهجوهم، فشدّوا على لسانه نسعة، فقال: إنكم قاتلى لا محالة، فدعونى أذمّ أصحابى وأنوح على نفسى! فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا، فعقد لهم ألّا يفعل، فأطلقوا لسانه، فقال قصيدته التى أوّلها:
стр. 5258
ألا لا تلومانى كفى اللّوم ما بيا ... فما لكما فى اللّوم خير ولا ليا
ومنها:
أقول وقد شدّوا لسانى بنسعة «١» ... أمعشر تيم أطلقوا لى لسانيا
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا «٢» ... فإنّ أسارى لم يكن من توانيا «٣»
وقد علمت عرسى مليكة أننى ... أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا
ومنها:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى «٤» قاتلى عن رجاليا
ولم أسبإ «٥» الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
قال: فلما ضربت عنقه قالت ابنة مصاد: بؤ «٦» بمصاد! فقال بنو النعمان:
يا لكاع! نحن نشتريه بأموالنا ونبؤ بمصاد، فوقع بينهم فى ذلك الشرّ، ثم اصطلحوا.
стр. 5259
يوم طخفة «١»
قال: كانت الرّفادة، وقيل الردافة «٢» ، ردافة الملوك لعتّاب بن هرمىّ بن رياح، ثم كانت لقيس بن عتّاب، فسأل حاجب بن زرارة النعمان أن يجعلها للحارث بن مرط بن سفيان بن مجاشع، فسألها النعمان بنى يربوع وقال: أعقبو إخوتكم فى الرفادة، قالوا: إنهم لا حاجة لهم فيها، وإنما سألها حاجب جسدا لنا وأبوا عليه، فقال الحارث بن شهاب وهو عند النعمان: إنّ بنى يربوع لا يسلّمون ردافتهم إلى غيرهم. وقال حاجب: إن بعث الملك إليهم جيشا لم يمنعوه ولم يمتنعوا. فبعث النعمان إليهم قابوسا ابنه، وحسّان بن المنذر؛ فكان قابوس على الناس، وحسّان على المقدّمة، وبعث معهم الصنائع والوضائع- فالصنائع: من كان يأتيه من العرب، والوضائع: المقيمون بالحيرة- فالتقوا بطخفة، فانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق بن عميرة فرس قابوس فعقره، وأخذه ليجزّ ناصيته، فقال قابوس: إنّ الملوك لا تجزّ نواصيها، فجهّزه وأرسله إلى أبيه، وأما حسّان بن المنذر فأسره بشر ابن عمرو الرياحىّ، ثم منّ عليه وأرسله، ففى ذلك يقول مالك بن نويرة:
ونحن عقرنا مهر قابوس بعد ما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب «٣»
عليه دلّاص «٤» ذات نسج وسيفه ... جراز من الهندىّ أبيض مقضب
стр. 5260
يوم فيف الريح «١»
قال أبو عبيدة: تجمّعت قبائل مذحج وأكثرها بنو الحارث بن كعب، وقبائل من مراد وجعفىّ وزبيد وخثعم، وعليهم أنس بن مدرك، وعلى بنى الحارث الحصين، فأغاروا على بنى عامر بن صعصعة بفيف الرّيح، وعلى بنى عامر، عامر بن مالك ملاعب الأسنّة.
قال: فاقتتل القوم، فكسروهم، وارفضت قبائل من بنى عامر، وصبرت بنو نمير، وأقبل عامر بن الطّفيل وخلفه دعىّ بنى جعفر فقال: يا معشر الفتيان، من ضرب ضربة أو طعن طعنة فليشهدنى [فكان «٢» ] الفارس إذا ضرب ضربة أو طعن طعنة، قال عند [ذلك] : أبا على، فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد «٣» الحارثىّ، فقال له من ورائه: عندك يا عامر والريح عند أذنه فوهصه- أى طعنه-، قأصاب عينه، فوثب عامر عن فرسه ونجا على راحلته، وأخذ مسهر رمح عامر، ففى ذلك يقول عامر بن الطفيل من أبيات:
لعمرى وما عمرى علىّ بهيّن ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر
وقال مسهر- وقد زعم أنهم أخذوا امرأة عامر-:
وهصت بخرص «٤» الرمح مقلة عامر ... فأضحى نحيفا فى الفوارس أعورا
وغادر فينا رمحه وسلاحه ... وأدبر يدعو فى الهوالك جعفرا
وكنّا إذا قيسيّة ذهبت بنا ... جرى دمعها من عينها فتحدّرا
مخافة ما لاقت حليلة عامر ... من الشرّ إذ سربالها قد تعفّرا
стр. 5261
قال: وكانت هذه الوقعة وقد بعث رسول الله ﷺ بمكة، وأدرك مسهر بن يزيد الإسلام فأسلم.
يوم زرود الأوّل
غزا الحوفزان حتى انتهى الى زرود «١» خلف جبل من جبالها، فأغاروا على نعم كثير لبنى عبس فاجتازوها، وأتى الصريخ «٢» لبنى عبس فركبوا، ولحق عمارة بن زياد العبسىّ الحوفزان فعرفه- وكانت أمّ عمارة قد أرضعت مضر بن شريك، وهو أخو الحوفزان- فقال: يا بنى شريك، قد علمتم ما بيننا وبينكم، قال الحوفزان- وهو الحارث بن شريك-: صدقت يا عمارة، فانظر كلّ شىء هو لك فخذه، فقال عمارة: لقد علمت نساء بنى بكر بن وائل أنّى لن أملا أيدى أزواجهنّ وأبنائهنّ شفقة عليهنّ من الموت، فحلّ عمارة ليعارض النّعم ليردّه، وحال الحوفزان بينه وبين النّعم، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفران، وطعنه نعامة بن عبد الله بن شريك:
وأسر ابنا عمارة: سنان وشدّاد، وكان فى بنى عبس رجلان من طيىء: ابنان لأوس ابن حارثة، مجاورين لهم، وكان لهما أخ أسير فى بنى يشكر، فلمّا فقدته بنو شيبان نادوا: يا ثارات معدان! فعند ذلك قتلوا ابنى عمارة وهرب الطائيّان بأسيرهما.
فلما برئ عمارة من جراحه أتى طيئا فقال: ادفعوا إلىّ هذا الكلب الذى قتلنا به، فقال الطائىّ لأوس: ادفع الى بنى عبس صاحبهم، فقال لهم: تأمرننى أن أعطى بنى عبس قطرة من دمى، وإن ابنى أسير فى بنى يشكر؟ فو الله ما أرجو فكاكه
стр. 5262
إلّا بهذا. فلما قفل الحوفزان من غزوه بعث الى بنى يشكر فى ابن أوس، فبعثوا به اليه، فافتدى به معدان، وقال نعامة بن شريك:
استنزلت رماحنا سنانا ... وشيخنا بطخفة عنانا
ثم أخوه قد رأى هوانا ... لمّا فقدنا بيننا معدانا
يوم غول الأوّل وهو يوم كنهل
قال أبو عبيدة: أقبل ابنا هجيمة- وهما من غسّان- فى جيش فنزلا فى بنى يربوع، فجاورا طارق بن عوف بن عاصم بن ثعلبة بن يربوع، فنزلا معه على ماء يقال له: كنهل، فأغار عليهما أناس من ثعلبة بن يربوع، فاستاقوا نعمهما وأسروا من كان فى النّعم، فركب قيس بن هجيمة بخيله حتى أدرك بنى ثعلبة، فكّر عليه عتيبة بن الحارث، فقال له قيس: هل لك يا عتيبة الى البراز؟ قال؛ ما كنت لأسأله وأدعه، فبارزه، قال عتيبة: فما رأيت فارسا أملأ لعينى منه، فطعننى فأصاب قربوس سرجى، حتى وجدت مسّ السّنان فى باطن فخذى، ثم أرسل الرمح وهو يرى أن قد أثبتنى [وانصرف «١» ] فأتبعته الفرس، فلما سمع زجلها «٢» رجع جانحا على قربوس سرجه، وبدا لى فرج الدّرع فطعنته بالرمح، فقتلته وانصرفت فلحقت النّعم، وأقبل الهرماس بن هجيمة فوقف على أخيه قتيلا، ثم اتبعنى فقال:
هل لك فى البراز؟ فقلت: لعلّ الرجعة خير لك، قال: أبعد قيس؟ ثم شدّ علىّ وضربنى على البيضة، فخلص السيف الى رأسى، فضربته فقتلته، فقال جرير:
وساق ابنى هجيمة يوم غول ... الى أسيافنا قدر الحمام
стр. 5263
يوم الجبابات «١»
قال أبو عبيدة: خرج بنو ثعلبة بن يربوع فمرّوا بناس من طوائف بكر بن وائل بالجبابات، خرجوا سفّارا، فنزلوا وسرّحوا إبلهم ترعى، وفيها نفر منهم يرعونها، منهم:
سوادة بن يزيد بن بجير العجلىّ، ورجل من بنى شيبان، وكان محموما، فمرّت بنو ثعلبة بن يربوع بالإبل فاطّردوها وأخذوا الرجلين من بنى شيبان، فسألوهما: من معكما؟ قالا: معنا شيخ من يزيد بن بجير العجلىّ فى عصابة من بكر بن وائل خرجوا سفّارا يريدون البحرين، فقال الربيع ودعموص ابنا عتيبة بن الحارث بن شهاب:
أنذهب بهذين الرجلين وهذه الإبل ولم يعلموا من أخذها، ارجعوا بنا حتى يعلموا من أخذ إبلهم وصاحبيهم لنعنيهم بذلك، فقال عميرة لهما: ما وراءكما إلا شيخ ابن يزيد قد أخذتما أخاه وأطردتما إبله، دعاه، فأبيا ورجعا إليه وأخبراهم وتسمّيا لهم، فركب شيخ ابن يزيد فاتّبعهما وقد ولّيا، فلحق دعموصا فأسره، ومضى ربيع حتى أتى عميرة فأخبره أن أخاه قد قتل، فرجع على فرس له يقال لها الخنساء حتى لحق القوم، فافتكّ منهم دعموصا على أن يردّ عليهم أخاهم وإبلهم، فردّها إليهم، فكفر بنو عتيبة ولم يشكروا عميرة، فقال عميرة فى ذلك:
ألم تر دعموصا يصدّ بوجهه ... إذا ما رآنى مقبلا لم يسلّم
ألم تعلما يا ابنى عتيبة مقدمى ... على ساقط بين الأسنّة مسلم
فعارضت فيه القوم حتى انتزعته ... جهارا ولم أنظر له بالتّلوّم
يوم الشّعب
غزا قيس بن شرقاء التغلبىّ، فأغار على بنى يربوع بالشّعب، فاقتتلوا، فانهزمت بنو يربوع، فأسر سحيم بن وثيل الرّياحىّ، فقال سحيم فى ذلك:
стр. 5264
أقول لهم بالشّعب إذ يأسروننى ... ألم تعلموا أنّى ابن فارس زهدم
ففدى نفسه، وأسر أيضا متمّم بنّ نويرة، فوفد مالك بن نويرة على قيس بن شرقاء فى فدائه فقال:
هل أنت يا قيس بن شرقاء منعم ... أو الجهد إن أعطيته أنت قابله
فلما رأى وسامته قال: بل منعم، فأطلقه له.
يوم غول الثانى فيه قتل طريف شراحيل وعمرو بن مرثد المحلّمىّ
غزا طريف بن هشيم فى بنى العنبر بن تميم، فأغار على بكر بن وائل بغول، فاقتتلوا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فقتل طريف شراحيل أحد بنى ربيعة، وقتل أيضا عمرو بن مرثد، وقتل المجشّر.
يوم الخندمة «١»
كان رجل من مشركى قريش يحدّ حربة يوم فتح مكة، فقالت له امرأته:
ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه! [فقالت له: ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شىء «٢» ] فقال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم، وأنشأ يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لى علّة ... هذا سلاح كامل والّه
وذو غرارين سريع السّلّه
стр. 5265
فلما لقيهم خالد [بن الوليد «١» ] يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوى على شىء، فلامته امرأته فى ذلك، فقال:
إنّك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
ولقيتنا بالسّيوف المسلمه ... يفلقن كلّ ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلّا غمغمه ... لم تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه
وهذه القصّة نذكرها- إن شاء الله- فى أثناء السيرة النبويّة فى يوم فتح مكة.
يوم اللهيماء «٢»
قال أبو عبيدة: كان سبب الحرب التى كانت بين [عمرو بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل، وبين عمرو «٣» ] بن عدىّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة، أنّ قيس بن عامر بن غريب أخا بنى عمرو بن عدىّ وأخاه سالما، خرجا يريدان بنى عمرو بن الحارث، على فرسين، يقال لأحدهما: اللّعاب، والآخر: عفزر، فباتا عند رجل من بنى نفاثة، فقال النّفاثىّ لقيس واخيه: أطيعانى وارجعا، لأعرفنّ رماحكما تكسر فى قتاد نعمان، قالا: إنّ رماحنا لا تكسر إلّا فى صدور الرجال! قال: لا يضرّكما؛ وستحمدان أمرى، فأصبحا غاديين. فلما شارفا متن اللهيماء من نعمان، وبنو عمرو بن الحارث فويق ذلك بموضع يقال له أديمة، وأغارا على غنم لجندب بن أبى أعيبس، وفيها جندب، فتقدّم إليه قيس، فرماه جندب على حلمة ثديه وبعجه قيس بالسيف فأصابت ضبّة السيف وجه جندب، وحزّ قيس
стр. 5266
ونفرت الغنم نحو الدار فتبعها وحمل سالم على جندب بفرسه عفزر، فضرب جندب خطم الفرس بالسيف فقطعه، وضربه سالم بالسيف فقطع إحدى ثدييه، فخّر جندب ووقف عليه سالم، وأدرك العشى سالما، فخرج وترك سيفه فى المعركة وثوبه بحقويه، ولم ينج إلا بحفن سيفه ومئزره فقال حذيفة بن أنيس فى ذلك من أبيات:
كشفت غطاء الحرب لمّا رأيتها ... تميل على صفو من اللّيل أعسرا
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرّا
ويمشى إذا ما الموت كان أمامه ... كذا الشّبل يحمى الأنف أن يتأخرا
نجا سالم والنفس منه بشرقة ... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا
وطاب عن اللّعّاب نفسا ورمّة ... وغادر قيسا فى المكرّ وعفزرا
يوم خزاز
قال أبو عبيدة: تنازع عامر ومسمع ابنا عبد الملك، وخالد بن جبلة، وإبراهيم بن محمد بن نوح العطاردى، وغسّان بن عبد الحميد، وعبد الله بن سالم الباهلىّ، ونفر من وجوه أهل البصرة كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون فى الرياسة يوم خزاز. فقال خالد بن جبلة: كان الأحوص ابن جعفر الرئيس. وقال عامر ومسمع: كان الرئيس كليب وائل. وقال ابن نوح: كان الرئيس زرارة بن عدس، وهذا فى مجلس أبى عمرو بن العلا، فتحاكموا إليه فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة، ولا دارم بن مالك، ولا جشم بن بكر، اليوم أقدم من ذلك، غير أن أهل اليمن كان الرجل منهم يجئ ومعه كاتب وطنفسة يقعد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء، كعمّال صدقاتهم اليوم،
стр. 5267
وكان أوّل يوم امتنعت معدّ عن [الملوك «١» ] : ملوك حمير، وكانت نزار لم تكثر بعد، فأوقدوا نارا على خزاز ثلاث ليال، ودخّنوا ثلاثة أيام، فقيل له: وما خزاز؟ قال:
هو جبل [قريب من أمرة على يسار الطريق «٢» ] خلفه صحراء منعج «٣» ، ففى ذلك اليوم امتنعت نزار من أهل اليمن، قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزاز ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
قال أبو عمرو بن العلاء: ولو كان جدّه كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادّعى الرفادة وترك الرياسة.
يوم النّسار
قال أبو عبيدة: تحالفت أسد وطيىء وغطفان، ولحقت بهم ضبّة وعدىّ، فغزوا بنى عامر فقتلوهم قتلا شديدا، فغضبت بنو تميم لمقتل بنى عامر، فتجمّعوا حتى لحقوا طيئا وغطفان وحلفاءهم من ضبّة وعدىّ يوم الفجار، فقتلت تميم [طيّئا «٤» ] أشدّ مما قتلت عامر يوم النّسار، فقال بشر بن أبى خازم:
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعقبوا بالصّيلم
يوم ذات الشقّوق
قال: فحلف ضمرة بن ضمرة النهشلىّ وقال: الخمر علىّ حرام حتى يكون لنا يوم يكافئه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال فى ذلك:
стр. 5268
الآن ساغ لى الشّراب ولم أكن ... آتى الفجار ولا أشدّ تكلمى
حتّى صبحت على الشّقوق بغارة ... كالتّمر تنثر فى جرين «١» الجرّم
وأفأت يوما بالجفار بمثله ... وأجزت نصفا من حديث الموسم
ومشت نساء كالنساء عواطلا ... من بين عارفة النساء وأيّم
ذهب الرّماح بزوجها فتركنه ... فى صدر معتدل القناة مقوّم
يوم خوّ
قال أبو عبيدة: أغارت بنو أسد على بنى يربوع فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحىّ فلم يتلاحقوا إلّا مساء بموضع يقال له خوّ «٢» ، وكان ذؤاب بن ربيعة الأسدىّ على فرس أنثى، وكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان يستنشى ريح الأنثى فى سواد الليل ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلّا وقد أقحم فرسه على ذؤاب ابن ربيعة، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه، فرآه ذؤاب فطعنه فى نحره فقتله، ولحق الربيع بن عتيبة فشدّ على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فلم يزل عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل قاطعه عليها، وتواعدا بسوق عكاظ فى الأشهر الحرم أن يأتى هذا بالإبل وهذا بالأسير، فأقبل أبو ذؤاب بالإبل، وشغل الربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ، فظنّ ربيعة أبو ذؤاب أن ذؤابا قتل بعتيبة، فقال يرثيه:
أبلغ قبائل جعفر مخصوصة ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
إنّ المودّة والهوادة بيننا ... خلق كسحق الرّيطة المنجاب
ولقد علمت على التجلّد والأسى ... أنّ الرّزيّة كان يوم ذؤاب
стр. 5269
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبّهم فقدا على أعدائه ... وأشدّهم فقدا على «١» الأصحاب
فلما بلغ إليهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة.
أيام الفجار «٢»
الفجار الأوّل
قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدّة، فأوّلها بين كنانة وهوازن. وكان الذى هاجه أنّ بدر بن معشر أحد بنى عقال بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له مجلسا بسوق عكاظ، وكان منيعا فى نفسه، فقام فى المجلس وقام على رأسه قائم وأنشأ يقول:
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا فى عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف «٣» ... كأنّهم لجّة بحر مسدف «٤»
قال: ومدّ رجله وقال: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعزّ منّى فليضربها، فضربها الأحيمر بن مازن أحد بنى دهمان بن نضر بن معاوية، فأندرها «٥» من الركبة
стр. 5270
وقال: خذها إليك أيها المخندف! قال أبو عبيدة: إنما خرصها خريصية يسيرة وقال فى ذلك:
نحن بنو دهمان ذو التّغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف
[نبنى على الأحياء بالمعرّف «١» ]
قال أبو عبيدة: فتحاور الحيّان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم تراجعوا ورأوا أنّ الخطب يسير.
الفجار الثانى
قال: كان الفجار الثانى بين قريش وهوازن، وكان الذى هاجه أنّ فتية من قريش قعدوا الى امرأة من بنى عامر بن صعصعة وضيئة بسوق عكاظ. وقالوا:
بل أطاف بها شباب من بنى كنانة وعليها برقع [فأعجبهم ما رأوا من هيئتها «٢» ] ، فسألوها أن تسفر عن وجهها، فأبت عليهم، فأتى أحدهم من خلفها فشدّ دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهى لا تدرى، فلما قامت تقلّص الدّرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر الى وجهها فقد رأينا دبرها، فنادت المرأة: يا آل عامر! فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أميّة وأصلح بينهم.
الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن
وكان الذى هاجه أنّ رجلا من بنى كنانة كان عليه دين لرجل من بنى نضر بن معاوية، فأعدم الكنانىّ، فوافى النضرىّ بسوق عكاظ بقرد، فأوقفه فى سوق عكاظ فقال: من يبيعنى مثل هذا بما لى على فلان حتى أكثر فى ذلك. وإنما فعل ذلك تعييرا للكنانىّ ولقومه، فمرّ به رجل من بنى كنانة فضرب القرد بالسيف
стр. 5271
فقتله، فهتف النضرىّ: يا آل هوازن! وهتف الكنانىّ: يا آل كنانة! فهاج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا.
قال أبو عبيدة: إنما سميت هذه الأيام بالفجار لأنها كانت فى الأشهر الحرم، وهى الشهور التى يحرّمونها، وهذه يقال لها أيام الفجار الأوّل.
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن
وإنما هاجها البّراض بقتله عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة البّراض لأن عروة سيّد هوازن، والبّراض خليع من بنى كنانة، وأرادوا أن يقتلوا به سّيّدا من قريش.
وهذه الحرب كانت قبل مبعث النبىّ ﷺ بستّ وعشرين سنة، وقال رسول الله ﷺ : «كنت أنبل على أعمامى يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة» يعنى أناولهم النبل.
وكان سبب هذه الحرب أنّ النعمان بن المنذر اللّخمىّ ملك الحيرة كان يبعث الى سوق عكاظ فى كلّ عام لطيمة «١» فى جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له، حتى تباع هنالك ويشترى له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه. وكانت سوق عكاظ تقوم فى أوّل يوم من ذى القعدة، فيتسوّقون إلى حضور الحجّ، ثم يحجّون، فجّهز النعمان عير اللطيمة ثم قال: من يجيرها؟ فقال البّراض بن قيس الضمرىّ: أنا أجيرها على بنى كنانة، فقال النعمان: ما أريد إلّا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال عروة الرحّال- وهو يومئذ رجل هوازن- أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن! أنا أجيرها لك على أهل الشّيح والقيصوم من أهل
стр. 5272
نجد وتهامة! فقال البّراض: أعلى بنى كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلّهم! فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها وتبعه البرّاض، وعروة لا يخشى منه شيئا، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة «١» ، فشرب من الخمر وغنّته قينة، ثم نام، فجاء البّراض فدخل عليه، فناشده عروة وقال: كانت منّى زلّة، وكانت الغفلة منى ضلّة، فقتله وخرج وهو يرتجز ويقول:
قد كانت الغفلة منّى ضلّه ... هلّا على غيرى جعلت الزّلّه
فسوف أعلو بالحسام القلّه
وقال:
وداهية يهال الناس منها ... شددت لها بنى بكر ضلوعى
هتكت بها بيوت بنى كلاب ... وأرضعت الموالى بالضّروع
جمعت له يدىّ بنصل سيف ... أفلّ فخرّ كالجذع الصّريع
واستاق اللطيمة إلى خيبر، واتّبعه المساور بن مالك الغطفانىّ، وأسد بن خيثم الغنوىّ حتى دخلا خيبر، فكان البرّاض أوّل من لقيهما، فقال لهما: من الرجلان؟
قالا: من غطفان وغنىّ. قال البرّاض: ما شأن غطفان وغنىّ بهذا البلد؟ قالا:
ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر. قالا: ألك علم بالبرّاض؟ قال: دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما [به «٢» ] طاقة إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا، فنزلا وعقلا راحلتيهما. قال: أيّكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا؟ قال الغطفانىّ:
أنا. قال: فانطلق أدلّك عليه، فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة فى جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البرّاض: هو فى هذه الخربة وإليها يأوى، فأنظرنى حتى أنظر
стр. 5273
أثمّ هو أم لا، فوقف له ودخل البرّاض ثم خرج إليه وقال: هو قائم فى البيت الأقصى خلف هذا الجدار، فهل عند سيفك صرامة؟ قال: نعم. قال: هات سيفك أنظر إليه أصارم هو؟ فأعطاه سيفه، فهزّه البرّاض ثم ضربه فقتله، ووضع السيف خلف الباب وأقبل إلى الغنوىّ فقال: ما وراءك؟ قال: أجبن من صاحبك، تركته قائما فى البيت الذى فيه الرجل، والرجل نائم لا يتقدّم إليه ولا يتأخّر عنه، قال الغنوىّ: يا لهفاه! لو كان لى من ينظر راحلتينا، قال البرّاض: هما علىّ إن ذهبتا، فانطلق الغنوىّ والبرّاض خلفه حتى إذا جاور الغنوىّ باب الخربة أخذ البرّاض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق.
وبلغ قريشا خبر البرّاض بسوق عكاظ، فخلصوا نجيّا، واتّبعتهم قيس لمّا بلغهم أنّ البرّاض قتل عروة الرحّال، وعلى قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فنادوهم.: يا معشر قريش، إنّا نعاهد الله ألّا نبطل دم عروة أبدا، أو نقتل به عظيما منكم، وميعادنا معكم هذه الليلة من العام القابل، فقال حرب بن أميّة لأبى سفيان ابنه: قل لهم: إنّ موعدكم قابل فى هذا اليوم، فقال خداش بن زهير فى هذا اليوم، وهو يوم نخلة، من أبيات أوّلها:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
وكانت العرب تسمّى قريشا سخينة لأكلها السّخن.
يوم شمظة «١» وهو يوم نخلة من الفجار الاخر
قال: فجمعت كنانة قرشيّها وعبد منانها والأحابيش ومن لحق بهم من بنى أسد بن خزيمة، وألبس يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمىّ «٢» السلاح بأداة
стр. 5274
كاملة، سوى ما ألبس من قومه، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة.
قال: وجمعت سليم وهوازن وجموعهما وأخلافهما، غير كلاب وبنى كعب، فإنهما لم يشهدا يوما من أيام الفجار غير يوم نخلة، فاجتمعوا بشمظة من عكاظ فى هذه الأيام التى تواعدوا فيها على قرن الحول، وعلى كلّ قبيلة من قريش وكنانة سيّدها، وكذلك على قبائل قيس، غير أنّ أمر كنانة كلّها الى حرب بن أميّة، وعلى إحدى مخبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة، وحرب بن أميّة فى القلب، وأمر هوازن كلّها الى مسعود بن معتب الثقفىّ، فزحف بعضهم الى بعض، فكانت الدائرة فى أوّل النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحرّ القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ويقال ثمانون، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة.
يوم العبلاء
قال: ثم رجع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول من يوم عكاظ، والرؤساء عليهم الذين ذكرناهم فى يوم شمظة، فكان هذا اليوم أيضا لهوازن على كنانة. وفى هذا اليوم قتل العوّام بن خويلد والد الزبير، قتله مرّة بن معتب الثقفىّ، وقال رجل من ثقيف:
منّا الذى ترك العوّام مجندلا ... تنتابه الطير لحما بين أحجار
يوم شرب «١»
ثم جمع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول فى اليوم الثالث من أيام عكاظ، فالتقوا بشرب، وهو أعظم أيامهم والرؤساء عليهم وعلى المجنبتين من ذكرنا، وحمل
стр. 5275
ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير ممن لم تكن له حمولة، فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان: يوم شمظة والعبلاء، فحمشت قريش وكنانة، وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر، فانهزمت هوازن وقتلت قتلا ذريعا، فقال عبد الله بن الزّبعرى يمدح بنى المغيرة:
ألا لله قوم ... لدت أخت بنى سهم
هشام وأبو عبد ... مناف مدره «١» الخصم
وذو الرّمحين أشباك «٢» ... من القوّة والحزم
فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمى
وأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة. وذو الرّمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، قاتل يوم شرب برمحين. وأمّهم ريطة بنت سعد بن سهم، فقال فى ذلك جذل الطعان:
جاءت هوازن أرسالا وإخوتها ... بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا
فاستقبلوا بضراب فضّ جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عطفوا
يوم الحريرة «٣»
ثم جمع هؤلاء وأولئك والتقوا على رأس الحول بالحريرة، وهى حرّة إلى جنب عكاظ، والرؤساء على هؤلاء [وأولئك «٤» ] هم الذين كانوا فى سائر الأيام، وكذلك على المجنبتين إلّا أنّ أبا مساحق بن قيس اليعمرىّ قد كان مات، فكان بعده على بكر بن عبد مناة ابن كنانة أخوه جثامة بن قيس، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة، وهو آخر الأيام الخمسة التى تزاحفوا فيها، فقتل يومئذ أبو سفيان بن أميّة أخو حرب بن
стр. 5276
أميّة، وقتل من بنى كنانة ثمانية نفر، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك من بنى عامر ابن صعصعة، وقتل جماعة أخر، فقال خداش بن زهير:
إنّى من النّفر المحمّر أعينهم ... أهل السّوام وأهل الصّخر واللّوب
الطّاعنين نحور الخيل مقبلة ... بكلّ سمراء لم تغلب ومغلوب
وقد بلوتم وأبلوكم بلاءهم ... يوم الحريرة ضربا غير تكذيب
لا قيتم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بزرّاعة عوج العراقيب
فالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإنّى غير مغلوب
وقال الحارث بن كلدة الثّقفىّ:
تركت الفارس البّذاخ منهم ... تمجّ عروقه علقا عبيطا
دعست لبانه بالرّمح حتّى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا
لقد أرديت قومك يابن صخر ... وقد جشّمتهم أمرا سليطا
وكم أسلمت منكم من كمىّ ... جريحا قد سمعت له غطيطا
مضت أيّام الفجار الآخر، وهى خمسة أيام فى أربع سنين.
قال أبو عبيدة: ثم تداعى الناس إلى السلّم على أن يذروا الفضل ويتعاهدوا ويتواثقوا.
يوم عين أباغ «١»
قال أبو عبيدة: كان ملك العرب المنذر الأكبر بن ماء السماء، ثم مات فملك ابنه عمرو، ثم هلك فملك بعده أخوه قابوس، ثم مات فملك أخوه المنذر بن المنذر
стр. 5277
ابن ماء السماء. وذلك فى مملكة كسرى بن هرمز، فغزاه الحارث الغسّانىّ، وكان بالشام من جهة قيصر، فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر، فولّى كسرى النعمان بن المنذر، ثم سعى الى كسرى فى النعمان فقتله، وقد تقدّم ذكر سبب ولايته ومقتله.
وكان النعمان لمّا تحقّق غضب كسرى عليه هرب، ثم علم أنه لا منجى له من يد كسرى فقدم إليه فقتله. واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائىّ.
وكان النعمان لمّا شخص الى كسرى أودع حلقته، وهى ثمانمائة درع وسلاحا كثيرا، هانىء بن مسعود الشّيبانىّ، وجعل عنده ابنته هندا التى تسمّى حرقة، فلمّا قتل النعمان قالت فيه الشعراء، فقال زهير بن أبى سلمى من أبيات:
ألم تر للنّعمان كان بنجوة ... من الشرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
فلم أر مخذولا له مثل ملكه ... أقلّ صديقا باذلا أو مواسيا
يوم ذى قار
قال أبو عبيدة: يوم ذى قار هو يوم الحنو، ويوم قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء ذى قار، وكلّها حول ذى قار.
قال أبو عبيدة: لم يكن هانىء بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود، لأنّ وقعة ذى قار كانت وقد بعث النبىّ ﷺ وخبّر أصحابه بها فقال: «اليوم أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبى نصروا» .
ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضمّ ما كان للنعمان، فأبى هانىء بن قبيصة أن يسلّم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبىّ فقال: يا خير الملوك، ألا أدلّك
стр. 5278
على غرّة بكر بن وائل، قال نعم، قال: أقرّها وأظهر الإضراب عنها حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فأقرّهم، حتى إذا قاظوا نزلت بكر حنو ذى قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيّرهم بين ثلاث خصال: إمّا أن يسلّموا الحلقة، وإمّا أن يعرّوا الدّيار، وإمّا أن يأذنوا بحرب. فتنازعت بكر بينها، فهمّ هانىء بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر وقال: لا طاقة لكم بجموع الملك، فلم تر من هانىء سقطة قبلها.
وقال حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ: لا أرى غير القتال، فإنّا إن ركبنا الفلاة لمتنا عطشا، وإن أعطينا بأيدينا تقتل مقاتلتنا وتسبى ذراريّنا، فراسلت بكر عنها وتوافت بذى قار، ولم يشهدها أحد من بنى حنيفة، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانىء بن قبيصة الشيبانىّ، ويزيد بن مسهر الشّيبانىّ، وحنظلة بن ثعلبة العجلىّ.
فقال حنظلة بن ثعلبة لهانىء بن قبيصة: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، ففرّقها فيهم. وقال للنعمان:
لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالما.
قال: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنّمر. وعقد لخالد بن يزيد البهرانىّ على قضاعة وإياد. وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء ودو سر. وعقد للهامرز التّسترىّ على ألف من الأساورة، وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذى الجدّين- وكان عامله على طفّ سفوان- يأمره أن يوافى إياس بن قبيصة، فسار إليه.
стр. 5279
وسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم، فلما دنوا من بكر أقبل قيس بن مسعود الى قومه ليلا، فأمرهم بالصبر ثم رجع.
فلما التقى الزّحفان وتقرّب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ فقال:
يا معشر بكر، إنّ نشّاب الأعاجم يفرّقكم، فعاجلوهم الى اللّقاء وابدءوهم بالشدّة، وقال هانىء بن مسعود: يا قوم، مهلك مقدور، خير من منجى مغرور.
إنّ الجزع لا يردّ القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة خير من الدنيّة، واستقبال المنيّة خير من استدبارها، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بدّ.
ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن «١» النساء فسقطن الى الأرض وقال: ليقاتل كلّ رجل عن حليلته، فسمّى مقطّع الوضن.
قال: وقطع يومئذ سبعمائة من بنى شيبان أيدى أقبيتهم من مناكبها لتخفّ أيديهم لضرب السيوف فتجالد القوم، وقتل يزيد بن حارثة اليشكرىّ الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك. فضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد فى طلبهم، وأسر النعمان بن زرعة التغلبىّ. ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أوّل من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو. وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلّا نزع كتفيه. فلمّا أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش فقال: هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم. فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخى قيس بن قبيصة مريض بعين التّمر، فأردت أن آتيه، فأذن له.
ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: إياس، فظنّ أنه قد حدّثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم
стр. 5280
وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه. وقد أكثرت الشعراء فى يوم ذى قار. فمن ذلك ما قاله أعشى بكر من قصيدة له:
لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنا ... فى يوم ذى قار ما أخطاهم الشّرف
لمّا أمالوا الى النّشّاب أيديهم ... ملنا ببيض لمثل الهام تختطف
بطارق وبنو ملك مرازبة ... من الأعاجم فى آذانها النّطف
كأنما الآل فى حافات جمعهم ... والبيض برق بدا فى عارض يكف
ما فى الخدود صدود عن سيوفهم ... ولا عن الطّعن فى اللّبات منحرف
وقال الأعشى يلوم قيسا من أبيات:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغنّى عنك ما أنت فاعل
فعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريّت ممّا تمرّ المغازل
شفى النفس قتلى لم توسّد خدودها ... وسادا ولم تعضض عليها الأنامل
لعلّك يوم الحنو إذ صبّحتهم ... كتائب لم تعصك بهنّ العواذل «١»
قال: ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى مات فى حبسه، ففيه قال الأعشى:
وعرّيت من أهل ومال جمعته
صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر فى أحد الأصلين الفتوغرافيين المرموز له بنسخة (ا)
[انتهت أيام العرب على وجه الاختصار وحذف التكرار من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لمؤلفه أحمد بن عبد الوهاب القرشىّ المعروف بالنّويرىّ
стр. 5281
رحمة الله تعالى عليه وغفرانه على يد كاتبه فقير رحمة ربه الشامل نور الدين بن شرف الدين العالمى، فى اليوم السابع والعشرين من شهر رجب الفرد من شهور سنة سبع وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية، وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا الى يوم الدين، ويليه الجزء الرابع عشر من نسخة الأصل وأوّله: (القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية) ] .
صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر أيضا فى الأصل الثانى الفتوغرافى المرموز له بنسخة (ب)
[انتهت أيام العرب على وجه الاختصار، وحذف التكرار، بعون الله تعالى وتوفيقه ويمنه، وبتمامها كمل الجزء الثالث عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» يتلوه إن شاء الله تعالى فى أوّل الجزء الرابع عشر من الكتاب، وهو الجزء الرابع من التاريخ: القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية.
وحسبنا الله ونعم الوكيل] .
«وكتب بالهامش مانصه: بلغ مؤلفه مقابلة بأصله والحمد لله» .
أنجزت- بعون الله وحسن توفيقه- تصحيح وتحقيق الجزء الخامس عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» من تجزئة طبعة دار الكتب المصرية فى يوم الأحد ١٧ من ذى الحجة سنة ١٣٦٨ هـ (٩ أكتوبر سنة ١٩٤٩ م) .
ويليه الجزء السادس عشر وأوّله: «القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية» .
محمد عبد الجوّاد الأصمعىّ المصحح بالقسم الأدبى بدار الكتب المصرية
стр. 5282
كمل طبع «الجزء الخامس عشر من (نهاية الأرب فى فنون الأدب) » بمطبعة دار الكتب المصرية فى يوم الأربعاء ١١ محرّم سنة ١٣٦٩ (٢ نوفمبر سنة ١٩٤٩) محمد نديم مدير المطبعة بدار الكتب المصرية (مطبعة دار الكتب المصرية ١٥/١٩٤٢/١٥٠٠)
стр. 5283
[مقدمة الجزء السادس عشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيان
رتب شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرىّ كتابه «نهاية الأرب» على خمسة فنون: الفنّ الأوّل فى السماء والآثار العلوية، والأرض والمعالم السفلية.
والثانى فى الإنسان وما يتعلق به. والثالث فى الحيوان. والرابع فى النبات.
والخامس فى التاريخ.
وقد أنجز القسم الأدبى بالدار فيما مضى طبع خمسة عشر جزءا؛ تشتمل على الفنون الأربعة الأولى، وقسم من فنّ التاريخ؛ يبدأ بخلق آدم؛ ثم تاريخ الرسل من بعده، وأخبار الأمم والملوك فى مختلف الأصقاع، إلى وقت ظهور الإسلام.
واليوم تقدّم الدار إلى قراء العربية ثلاثة أجزاء، من السادس عشر إلى الثامن عشر؛ وقد حرصت على أن تخرج هذه الأجزاء الثلاثة معا، لأنها تنتظم موضوعا واحدا من فنّ التاريخ، هو تاريخ السيرة النبوية العطرة.
وقد بسط المؤلف القول فى سيرته صلوات الله عليه؛ مبتدئا بذكر نسبه ونسب آبائه، ثم تاريخه من يوم مولده إلى وفاته؛ متناولا جميع الأحداث التى لابست حياته، والمشاهد التى اقترنت بجهاده، وأخباره مع الوفود، وكتبه إلى الملوك؛ مع ذكر شمائله ومعجزاته؛ جامعا مستوعبا، فى تفصيل محكم، وتبويب متناسق.
معتمدا فى ذلك على النقل من كتب السير والمغازى، وتواريخ الصحابة؛
стр. 5284
وأمهات كتب التفسير، وكتب السنة الصحاح. ومما نقل عنه كتب لم يسبق نشرها؛ وأخرى مما لم نعثر عليه من التراث القديم فى هذا الباب.
وبهذا الجمع والتأليف جاءت هذه الأجزاء أوفى مرجع لسيرة الرسول ﵇.
وقد اعتمد القسم الأدبى فى تحقيق هذه الأجزاء على نسختين:
النسخة الأولى مصوّرة عن نسخة مخطوطة بمكتبة «كبريلى» بالآستانة؛ وتتألف من واحد وثلاثين جزءا؛ وهى بالدار برقم (٥٤٩) معارف عامة.
وأصلها مكتوب بقلم معتاد واضح، وعناوين الفصول والأبواب بخط الثلث؛ وهى مكتوبة بخطوط مختلفة، وأكثر أجزائها بخط «نور الدين بن شرف الدين العاملى» ، كتبها ما بين سنتى ٩٦٦، ٩٦٧ هـ. وفى كل صفحة خمسة وثلاثون سطرا، ومتوسط الكلمات فى السطر خمس عشرة كلمة، وقد رمز لهذه النسخة بحرف (ا) .
أما الثانية؛ فهى نسخة مصوّرة عن نسخة مخطوطة بمكتبة «أياصوفيا» بالآستانة؛ وهى كسابقتها تتألف من واحد وثلاثين جزءا، والموجود منها بالدار ثمانية عشر جزءا غير متصلة؛ محفوظة برقم (٥٥١) معارف عامة، وبآخر كل جزء منها عبارة تشير إلى أنها بخط المؤلف؛ كتبت ما بين سنتى ٧٢١، ٧٣٠ هـ تقريبا.
وعناوين الفصول والأبواب فيها بالخط الثلث، وتحتوى كل صفحة على سبعة عشر سطرا، ومتوسط كلمات كل سطر ثمانى كلمات. وقد رمز إليها بالحرف (ج) .
وبأوّل كل جزء منها وقفية للكتاب على المكتبة المحمودية التى أنشأها محمود الأستادار بخط الموازنيين «١» بالقاهرة؛ وتاريخ هذه الوقفية سنة ٧٩٧ هـ.
стр. 5285
أما النسخة التى رمز إليها فى الجزء الثامن بالحرف (ب) فهى قطعة مصوّرة عن مكتبة مشيخة علماء الإسكندرية، وتنتهى فى ص ٦٩ من ذاك الجزء.
وقد رجعنا فى تحقيق الجزء السادس عشر إلى نسخة (ا) فقط؛ أما السابع عشر والثامن عشر فقد رجعنا فى تحقيقهما إلى (ا) و (ج) .
وقد وقع فى النسختين كثير من الغموض والتحريف؛ فبذلنا غاية الجهد فى بيان الغامض، وإيضاح المبهم، وحل المشكل، ورجعنا فى ذلك إلى ما أمكن الرجوع إليه من مصادر المؤلف؛ ثم إلى أمهات كتب التاريخ والتفسير والحديث واللغة.
وقام الأستاذ محمد بن تاويت الطنجى الأستاذ الآن بجامعة أنقرة بتركيا، بتحقيق ثلاث عشرة ملزمة من الجزء السادس عشر؛ وتولى مصححو القسم الأدبى تصحيح بقية هذا الجزء، مع الجزأين: السابع عشر والثامن عشر.
وقد جدّت الدار أخيرا فى استحضار بقية الأجزاء الباقية من النسخة المنسوبة لخط المؤلف من المكتبات المختلفة؛ واستكمال نسخ هذا الكتاب وأجزائه من المكتبات الأخرى، ليتم تحقيق بقية هذه الأجزاء على المنهج العلمى القويم؛ ونأمل أن يتم هذا قريبا إن شاء الله.
ومن الله العون والحول، والهداية والتوفيق.
١٦ رجب سنة ١٣٧٤ ١٨ مارس سنة ١٩٥٥
محمد أبو الفضل إبراهيم مدير القسم الأدبى بدار الكتب المصرية
стр. 5286
فهرس الجزء السادس عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ
.... صفحة
القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الملة الإسلامية
الباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الخامس فى سيرة رسول الله ﷺ ٢
نسبه الطاهر ﷺ ٢
ذكر أمهات رسول الله ﷺ ٥
ذكر نبذة من أخبار آبائه ٦
خبر انتزاع البيت ومكة من خزاعة ومن ولى البيت بعد إسماعيل ﵇، إلى أن انتزعه قصى ابن كلاب ٢٢
ذكر ولاية هاشم الرّفادة والسقاية ٣٤
أخبار عبد المطلب بن هاشم ٣٩
ذكر ما قيل فى سبب تسميته وكنيته ٤٠
ذكر حفر عبد المطلب زمزم، وما وجد فيها ٤٣
ذكر خبر استسقاء عبد المطلب لبنى قيس عيلان، وهذيل ومن معهما ٤٨
стр. 5287
ذكر نذر عبد المطلب نحر ابنه، وخروج القداح على عبد الله والد رسول الله، وفدائه ٥٠
ذكر زواج عبد الله آمنة بنت وهب، أمه ﵇ ٥٦
خبر المرأة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب ٥٨
حمل آمنة برسول الله، وما رأته فى ذلك ٦٣
وفاة عبد الله بن عبد المطلب ٦٦
ذكر مولد رسول الله ﷺ ٦٧
ذكر أسمائه وكناه ٧٢
ذكر ما جاء فى تسميته محمدا، وأحمد، ومن تسمى بمحمد قبله من العرب، واشتقاق ذلك ٧٥
أسماؤه فى الكتب المنزلة ٧٨
أسماؤه ونعوته التى جرت على ألسنة أئمة الأمة ٧٩
مراضعه وإخوته من الرضاعة وما ظهر من معجزاته فى زمن الرضاعة وحال طفوليته ٨٠
وفاة أمه ٨٧
كفالة جده له ٨٨
خروجه إلى الشام مع عمه أبى طالب، وخبر بحيرا الراهب ٩٠
رعيته الغنم ٩٣
حضوره حلف الفضول ٩٤
خروجه إلى الشام المرة الثانية، وحديث نسطورا ٩٥
تزويجه خديجة بنت خويلد ٩٧
стр. 5288
حضوره هدم الكعبة وبناءها ٩٩
اختلاف قريش فى رفع الركن وتراضيهم به ﷺ ، وخبر النجدىّ ١٠٢
ذكر المبشرات به ﷺ قبل مولده ومبعثه وبعد ذلك ١٠٥
خبر سلمان الفارسىّ وقصته فى سبب إسلامه وهجرته إلى المدينة ١٢٩
خبر سيف بن ذى يزن وقصته مع عبد المطلب وتبشيره به ﷺ ١٣٧
خبر من ذكر صفته ﷺ بعد مبعثه وذكّر قومه بها ١٤٨
ذكر بشائر كهان العرب به ﷺ ١٥٣
خبر مازن الطائىّ فى سبب إسلامه ١٦٥
ذكر مبعثه ﷺ ، وما بدئ به من النبوة ١٦٨
ذكر فترة الوحى عنه، وما أنزل بعد فترته ١٧٦
ذكر فرض الصلاة ١٧٨
أول من أسلم وآمن بالله تعالى وبرسوله ١٨٠
خبر إسلام على بن أبى طالب ١٨١
خبر إسلام زيد بن حارثة ١٨٣
ذكر من أسلم بدعاء أبى بكر الصديق ١٨٧
ذكر تسمية من كانت لهم سابقة فى الإسلام من العرب من غير قريش ١٩٢
ذكر دعائه ﷺ الناس إلى الإسلام ١٩٥
ذكر أعداء رسول الله ﷺ الذين جاهروا بالعداوة ١٩٨
ذكر دخول قريش على أبى طالب فى أمره وما كان بينهم من المحاورات ١٩٩
стр. 5289
ذكر تحزّب قريش عليه ﷺ ، وأذاهم له ولأصحابه ٢٠٣
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب ٢٠٨
ذكر مشى عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة إلى رسول الله ﷺ ، وسماعهما القرآن ٢٠٩
اجتماع أشراف قريش إليه ﷺ ، وما عرضوا عليه، وما طلبوا منه أن يريهم إياه ويخبرهم به ٢١٢
قصة أبى جهل فى الحجر الذى قصد قتل رسول الله ﷺ به، وما شاهده من حماية الله تعالى لنبيه ٢١٧
خبر النضر بن الحارث وما قال لقريش وإرسالهم إياه إلى أحبار يهود بيثرب، ومعه عقبة بن أبى معيط، وما عادا به ٢١٩
ذكر ما اشتملت عليه سورة الكهف مما سألوه عنه ٢٢٢
ذكر ما أنزل من القرآن عليه ﷺ فيما سأله قومه لأنفسهم، من تسيير الجبال وغيره ٢٢٥
ذكر ما كان من عناد قريش بعد ما عرفوا من صدقه فيما حدّث ٢٢٧
ذكر أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ ٢٢٨
ذكر ما نال أصحاب رسول الله ﷺ من أذى قريش ٢٢٩
هجرة أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة، وهى الهجرة الأولى ٢٣٢
رجوع أهل هذه الهجرة إلى مكة، وما قيل فى سبب رجوعهم ٢٣٣
ما ورد فى توهين حديث الغرانيق ٢٣٦
الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، ومن هاجر إليها من الصحابة، ٢٤١
ذكر إرسال قريش إلى النجاشى فى شأن من هاجر إلى الحبشة، وإسلامه ٢٤٧
стр. 5290
إسلام عمر بن الخطاب ٢٥٣
تعاقد قريش على بنى هاشم وبنى المطلب ٢٥٨
ذكر من عاد من أرض الحبشة ممن هاجر إليها، وكيف دخلوا مكة ٢٦٢
ذكر من قدم من أرض الحبشة إلى رسول الله ﷺ وهو بخيبر ٢٦٥
أسماء من هلك بأرض الحبشة من هاجر إليها ٢٦٧
من أنزل فيه القرآن من مشركى قريش، وما أنزل فيهم ٢٦٨
خروج أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى الهجرة، وعوده وجواره ورده الجوار ٢٧٥
وفاة أبى طالب بن عبد المطلب ومشى أشراف قريش إليه ٢٧٧
وفاة خديجة بنت خويلد ٢٧٩
خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف وعوده إلى مكة «خبر الإسراء والمعراج ٢٨٣
ذكر من قال إن الإسراء كان بالجسد وفى اليقظة ٢٩٣
ذكر ما ورد فى رؤية رسول الله ﷺ ربه ٢٩٥
ذكر ما كان بعد الإسراء من إنكار قريش لذلك ٣٠٠
ذكر دعاء رسول الله ﷺ قبائل العرب فى المواسم ٣٠٢
خبر مفروق بن عمرو وأصحابه ٣٠٦
بيعة العقبة الأولى ٣١٠
بيعة العقبة الثانية ٣١٢
بيعة العقبة الثالثة ٣١٣
следующие страницы →