Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
نعود إلى أخبار قصىّ بن كلاب، « [فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين فى أنفسهم من عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، فأتاهم قصىّ «١» ] بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال: لا تجر- لنحن أولى بهذا منكم «٢» -، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصىّ على ما كان بأيديهم من ذلك» .
«وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصىّ، وعرفوا أنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم «٣» وأجمع لحربهم، وخرجت إليه خزاعة وبنو بكر، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى فى الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح، وأن يحكّموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن «٤» عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى أن قصيّا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كلّ دم أصابه قصىّ من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدّية مؤدّاة، وأن يخلّى بين قصىّ وبين الكعبة ومكة. «٥» فسمّى يعمر بن عوف يومئذ الشّدّاخ، لما شدخ من الدّماء ووضع منها» .
قال «٦» : «فولى قصىّ البيت وأمر مكّة، وجمع قومه من منازلهم الى مكة، وتملّك على قومه وأهل مكة فملّكوه، إلا أنه أقرّ للعرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه
стр. 5322
دينا فى نفسه لا ينبغى تغييره؛ فأقرّ آل صفوان، وعدوان، «١» والنّنسأة، ومرّة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم الله به ذلك كلّه» .
«فكان قصىّ أول من أصاب ملكا من بنى كعب بن لؤىّ، وكانت إليه الحجابة، والسّقاية، والرّفادة، والنّدوة، واللّواء؛ فحاز شرف مكة كلّه، وقطع مكّة رباعا بين قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم من مكة، فسمّته قريش مجمّعا لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره؛ فما تنكح امرأة، ولا يتزوّج رجل من قريش، ولا «٢» يتشاورون فى أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا فى داره؛ يعقده لهم بعض ولده، وما تدّرع جارية إذا بلغت أن تدّرع من قريش إلا فى داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدّرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها» .
«فكان أمره فى قومه من قريش فى حياته وبعد موته، كالدّين المتّبع لا يعمل بغيره. واتخذ لنفسه دار النّدوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة؛ ففيها كانت قريش تقضى أمورها» قال الشاعر:
قصىّ لعمرى كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر «٣»
قال ابن إسحاق «٤» : «فلما فرغ قصىّ من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه إلى بلاده» . قال: «فلم يزل قصىّ على ذلك، فلما كبر ورقّ عظمه- وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه وذهب كلّ مذهب،
стр. 5323
وعبد العزّى وعبد- قال لابنه عبد الدار: أما والله يا بنى لألحفنّك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء [لحربها «١» ] إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا فى دارك.، فأعطاه داره: دار النّدوة التى لا تقضى قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللّواء والسّقاية والرّفادة» .
«وكانت الرّفادة خرجا تحرجه قريش فى كل موسم من أموالها إلى قصىّ بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاجّ، فيأكله من لم تكن له سعة ولا زاد. وقصىّ هو الذى فرض ذلك، فقال [لهم «٢» ] حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحق الضّيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم. ففعلوا.
قال «٣» : «فلما هلك قصىّ بن كلاب أقام أمره فى قومه من بعده بنوه، فاختطّوا مكة رباعا، بعد الذى كان قد قطع لقومه «٤» بها، فكانوا يعطونها «٥» فى قومهم وفى غيرهم من حلفائهم، ويبيعونها، فأقامت قريش على ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع» ، إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى فى هاشم بن عبد مناف.
وحكى أبو عبد الله محمد بن عائذ «٦» الدمشقى فى «مغازيه» زيادة فى خبر قصىّ نذكرها فى هذا الموضع، وإن كان قد نقص فى غيره، فقال فى أثناء ما حكاه:
стр. 5324
«إن البيت كان حوله غيضة والسّيل يدخله، ولم يرفع البيت حينئذ، فإذا قدم الحاجّ وطئوه حتى تذهب الغيضة، فإذا خرجوا نبتت» . قال: «فلما قدم قصىّ قطع الغيضة، وابتنى حول البيت دارا، ونكح حبّى بنت حليل» .
وقال أيضا: «إن قصيّا قال لامرأته حبّى: قولى لجدّتك تدلّ بنتك على الحجر، فلم تزل بها حتى قالت: إنى أعقل أنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، ونزلوا منزلا وهو معهم، فبرك الجمل الذى كان عليه الحجر، فضربوه فقام، ثم ساروا فبرك، فضربوه فقام، ثم برك الثالثة فقالوا: ما برك إلا من أجل الحجر، ودفنوه، وذلك أسفل مكة، وإنى لأعرف حيث برك، فخرجوا بالحديد وخرجوا بها معهم، فأرتهم حيث برك أوّلا وثانيا وثالثا، فقالت: احفروا ههنا. فحفروا حتى يئسوا منه، ثم ضربوا فأصابوه وأخرجوه، فأتى به قصىّ، فوضعه فى الأرض، فكانوا يتمسحون به وهو فى الأرض، حتى بنى قصىّ البيت» . قال: «ومات قصىّ ودفن بالحجون» . والله أعلم بالصواب.
وأما عبد مناف بن قصىّ فكنيته «١» أبو عبد شمس، واسمه المغيرة، وعبد مناف [لقبه «٢» ] ، وسبب ذلك أنّ أمه حبّى بنت حليل الخزاعية أخدمته مناة، وكان مناة صنما عظيما لهم، فسمى عبد مناة به. ثم نظر قصىّ، فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوّله عبد مناف. قاله السّهيلىّ «٣» . [و «٤» ] مناف «مفعل» من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع.
وقال المفضّل: الإنافة الإشراف والزيادة، وبه سمّى عبد مناف لطوله، ومنه تقول:
مائة ونيّف، أى شىء زائد على المائة.
стр. 5325
او كان قصىّ يقول: لى أربعة بنين سميت ابنين بإلهى، وهما عبد مناف وعبد العزّى، وواحدا بدارى، وهو عبد الدار، وواحدا بى، وهو عبد قصىّ. حكاه محمد بن عائذ فى «مغازيه» عن أمّ سلمة.
وقال محمد بن سعد «١» : «أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال:
لما ملك قصىّ بن كلاب قام عبد مناف بن قصىّ على أمر قصىّ بعده وأمر قريش إليه، واختطّ بمكة رباعا بعد الذى كان قصىّ قطع لقومه» .
قال: «و «٢» ولد عبد مناف ستة نفر، وست نسوة، وهم: عبد المطّلب بن عبد مناف وكان أكبرهم، وهو الذى عقد الحلف لقريش من النّجاشىّ فى متجرها إلى أرضه، وهاشم، واسمه عمرو، وهو الذى عقد الحلف لقريش من هرقل لأن تختلف إلى الشأم آمنة، وعبد شمس بن عبد مناف، وتماضر بنت عبد مناف، وحيّة «٣» ، وقلابة، وبرّة، وهالة، وأمّهم عاتكة الكبرى «٤» بنت مرّة، بن هلال، بن فالج، بن ثعلبة «٥» بن ذكوان، بن ثعلبة، بن بهثة، بن سليم، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس عيلان، بن مضر.
ونوفل بن عبد مناف، وهو الذى عقد الحلف لقريش من كسرى إلى العراق، وأبو عمرو بن عبد مناف، واسمه «٦» عبيد، درج ولا عقب له، وأمهم واقدة بنت
стр. 5326
أبى عدىّ، وهو عامر، بن عبدنهم، بن زيد، بن مازن «١» ، بن صعصعة؛ وريطة بنت عبد مناف، ولدت بنى هلال، بن معيط «٢» من بنى كنانة، بن خزيمة، وأمّها «٣» الثقفية» .
وأما هاشم بن عبد مناف، فكنيته «٤» أبو نضلة، وقيل أبو يزيد، وقيل بل كان يكنّى بابنه أسد؛ واسمه عمرو، وهاشم لقب لقّب به. روى عن ابن عبّاس «٥» رضى الله عنهما أنه قال «٦» : «كان اسم هاشم عمرا، وكان صاحب إيلاف قريش، وإيلاف قريش: دأب قريش، وهو أوّل من سنّ الرحلتين لقريش؛ ترحل إحداهما فى الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النّجاشىّ فيكرمه ويحبوه، ورحلة فى الصّيف إلى الشام إلى غزّة وربما بلغ أنقرة «٧» ، فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه؛ فأصابت قريشا سنوات ذهبن بالأموال، فخرج هاشم إلى الشام، فأمر بخبز كثير فخبز له، وحمله فى الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، فهشم ذلك الخبز، يعنى كسره وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر بطبخها، ثم كفأ القدور على الجفان، فأشبع أهل مكة؛ فكان ذلك أوّل الحيا بعد السّنة التى أصابتهم؛ فسمّى بذلك هاشما، وفى ذلك يقول عبد الله بن الزّبعرى:
стр. 5327
عمرو العلى هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف»
قال: «فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان ذا مال، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنّه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه» قال: «فإنى أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكّة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضى أميّة بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعىّ، فنفّر «٢» هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أميّة إلى الشام، فأقام بها عشر سنين؛ فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأميّة، ثم ولى هاشم الرّفادة والسّقاية» .
ذكر ولاية هاشم الرّفادة والسّقاية
قال: «إن هاشما، وعبد شمس، والمطّلب، ونوفلا: بنى عبد مناف أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبد الدار بن قصىّ مما كان قصىّ جعل إلى عبد الدار من الحجابة، واللّواء، والرّفادة، والسّقاية، والنّدوة، ورأوا أنهم أحقّ به منهم لشرفهم عليهم، وفضلهم فى قومهم، وكان الذى قام بأمرهم هاشم، فأبت بنو عبد الدار أن تسلم ذلك إليهم، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار؛ فصار مع بنى عبد مناف بن قصىّ بنو أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، وبنو زهرة ابن كلاب، وبنو تيم بن مرّة، وبنو الحارث بن فهر؛ وصار مع بنى عبد الدار
стр. 5328
بنو مخزوم، وسهم، وجمح، وبنو عدىّ بن كعب؛ وخرجت من ذلك بنو عامر ابن لؤىّ، ومحارب بن فهر؛ فلم يكونوا مع واحد من الفريقين، فعقد كلّ قوم على أمرهم حلفا مؤكّدا: ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، «ما بلّ بحر صوفة «١» » .
فأخرجت بنو عبد مناف، ومن صار معهم، جفنة مملوءة طيبا، فوضعوها حول الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا، ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسمّوا المطيّبين. وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم، فغمسوا أيديهم فيها، وتعاقدوا وتحالفوا: ألا يتخاذلوا ما بلّ بحر صوفة؛ فسمّوا الأحلاف، ولعقة الدّم «٢» ، وتهيئوا للقتال، وعبّئت كلّ قبيلة؛ فبينما الناس على ذلك، إذ تداعوا إلى الصّلح على أن يعطوا بنى عبد مناف بن قصىّ السّقاية والرّفادة، وتكون الحجابة واللّواء ودار النّدوة إلى بنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا، وتحاجز الناس؛ فلم تزل دار النّدوة فى بنى «٣» عبد الدار، حتى باعها عكرمة بن عامر، ابن هاشم، بن عبد مناف، بن عبد الدار، بن قصىّ، من «٤» معاوية بن أبى سفيان؛ فجعلها معاوية دار الإمارة» .
قال: «وولى هاشم بن عبد مناف بن قصىّ السّقاية والرّفادة، وكان رجلا موسرا، فكان يخرج فى كل عام مالا كثيرا، وكان قوم من قريش أهل يسار يترافدون، فيرسل كل إنسان بمائة مثقال هر قلية، وغيرهم يرسل بالشىء اليسير على
стр. 5329
قدر حالهم، فكان هاشم، إذا حضر الحج، يأمر بحياض من أدم، فتجعل فى موضع زمزم، ثم يستقى فيها الماء من البئار التى بمكة فيشربه الحاجّ، وكان يطعمهم قبل التّروية بيوم بمكة، وبمنى، وجمع «١» ، وعرفة؛ وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسّمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، فيستقون بمنى «٢» ، والماء يومئذ قليل، [فى حياض الأدم «٣» ] ، إلى أن يصدروا من منى، ثم تنقطع الضيافة ويتفرق الناس إلى بلادهم» .
قال: «وهاشم بن عبد مناف هو الذى أخذ الحلف لقريش من قيصر أن تختلف آمنة، فكتب له كتابا، وكتب إلى النّجاشى أن يدخل قريشا أرضه وكانوا تجّارا، فخرج هاشم فى عير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة، فنزلوا بسوق النّبط، فصادفوا سوقا تقوم بها فى السنة يحشدون لها، فباعوا واشتروا، ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق، فرأى امرأة تأمر بما يشترى ويباع لها، فرأى امرأة حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها أأيّم هى أم ذات زوج؟ فقيل له أيّم كانت تحت أحيحة بن الجلاح، فولدت له عمرا ومعبدا ثم فارقها، وكانت لا تنكح الرجال، لشرفها فى قومها، حتى يشرطوا لها أنّ أمرها بيدها، فإذا كرهت رجلا فارقته «٤» ؛ وهى سلمى بنت عمرو، بن زيد، «٥» بن لبيد، بن خداش، ابن عامر، بن غنم، بن عدىّ، بن النجّار، فخطبها هاشم، فعرفت شرفه ونسبه فزوّجته نفسها، ودخل بها وصنع طعاما، ودعا من هناك من أصحاب العير الذين كانوا معه، وكانوا
стр. 5330
أربعين رجلا من قريش، ودعا من الخزرج رجالا، وأقام بأصحابه أياما؛ فعلقت سلمى بعبد المطّلب، وولدته وفى رأسه شيبة، فسمّى شيبة. وخرج هاشم فى أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزّة فمات، ودفن بغزّة «١» وله عشرون سنة، وقيل خمس وعشرون سنة، ورجعوا بتركته إلى ولده، وأوصى هاشم إلى أخيه المطّلب ابن عبد مناف.
وحكى ابن الأثير «٢» أنه لما تزوّج سلمى شرط لها أبوها ألا تلد ولدا إلا فى أهلها، فحملها هاشم إلى مكّة فحملت منه، فلما أثقلت ردّها إلى أهلها ومضى إلى الشام؛ وقيل إنه لم ينقلها، وإنه خرج إلى الشام هو وعبد شمس، فماتا جميعا بغزّة فى عام واحد، وبقى مالهما إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام؛ فلما غزا رسول الله ﷺ آخر غزوة غزاها جاءه قيس بمالهما، فدفع رسول الله ﷺ مال هاشم إلى العبّاس بن عبد المطّلب، ففرّقه على كبراء بنى هاشم، ودفع مال عبد شمس إلى سفيان بن حرب، ففرّقه على كبراء بنى عبد شمس.
وقد حكى ابن الأثير «٣» : أن عبد شمس مات بمكة فقبر بأجياد، وذلك بعد وفاة هاشم «٤» بغزّة. قال: ثم مات نوفل بسلمان «٥» من طريق العراق، ومات المطلب بردمان «٦» من أرض اليمن «٧» والله أعلم.
стр. 5331
وقيل «١» : إن هاشما وعبد شمس توءمان، وإن أحدهما ولد قبل الآخر، قيل:
إن الأوّل هاشم، وقيل: إنهما ولدا وأصبع أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيّت، فسال «٢» دم فقيل يكون بينهما دم. والله تعالى أعلم.
قال ابن الكلبى «٣» : وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمسة نسوة، وهم:
شيبة الحمد، وهو عبد المطّلب، ورقيّة ماتت وهى جارية لم تبرز، وأمّهما سلمى بنت عمرو، وأبو صيفىّ واسمه عمرو وهو أكبرهم، وأمه هند، بنت عمرو، بن ثعلبة، بن الحارث، بن مالك، بن سالم، بن غنم، بن عوف، بن الخزرج. وأسد ابن هاشم وأمّه قيلة، وكانت تلقّب الجزور «٤» ، بنت عامر، بن مالك، بن جذيمة، وهو المصطلق بن خزاعة، ونضلة بن هاشم، والشّفاء، وأمهما أميمة «٥» بنت عدىّ، ابن عبد الله، بن دينار، بن مالك، بن سلامان، بن سعد، بن قضاعة «٦» . والضّعيفة «٧» بنت هاشم، وخالدة بنت هاشم، وأمهما أمّ عبد الله، وهى واقدة بنت أبى عدىّ، ويقال عدىّ، وهو عامر، بن عبدنهم، بن زيد، بن مازن، بن صعصعة؛ وحيّة «٨»
стр. 5332
بنت هاشم، وأمها [أم «١» ] عدىّ بنت حبيب، ابن الحارث، بن مالك، بن حطيط ابن جشم بن قسىّ وهو ثقيف. والله أعلم بالصواب.
ذكر أخبار عبد المطلب بن هاشم
قال ابن قتيبة «٢» : «واسمه عامر» . والصحيح «٣» عندهم ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار وغيره أن اسمه شيبة، وكنيته أبو الحارث، كنّى باسم ولده الحارث، وهو أكبر ولده.
ولعبد المطّلب كنية أخرى، وهى أبو البطحاء؛ ولتسميته بهذين الاسمين، وتكنبته بأبى البطحاء أسباب نذكرها قريبا إن شاء الله تعالى. وأمّ عبد المطلب سلمى بنت عمرو «٤» ، بن زيد، بن لبيد، بن خداش، بن عامر، بن غنم، ابن عدىّ، بن النّجار «٥» .
وقال ابن إسحاق: سلمى بنت زيد، بن عمرو، بن لبيد، بن [حرام، ابن «٦» ] خداش، بن جندب، بن عدىّ، بن النّجّار «٧» .
وقد تقدم آنفا خبر زواج هاشم بها.
стр. 5333
ذكر ما قيل فى سبب تسميته وكنيته
أمّا سبب تسميته شيبة فقيل إن أمّه ولدته وفى رأسه شيبة «١» ، وكانت ظاهرة فى ذؤابته، فسمّته شيبة، وذلك فى غيبة أبيه. وقيل: إن أباه أوصاها إذا ولدت ذكرا أن تسمّيه شيبة، فهو شيبة الحمد «٢» .
وفى تسميته «٣» عبد المطلب أنه لما مات هاشم أقام شيبة بالمدينة عند أمه إلى أن بلغ سبع سنين، فمرّ رجل من بنى الحارث «٤» بن عبد مناف بالمدينة «٥» ، فإذا غلمان ينتضلون «٦» ، فجعل شيبة إذا أصاب «٧» قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء «٨» ، فقال له الحارثىّ «٩» من أنت قال: أنا شيبة بن هاشم، بن عبد مناف. فلما أتى الحارثىّ مكّة قال للمطلب، وهو بالحجر «١٠» : يا أبا الحارث، رأيت ابن أخيك هاشم بيثرب، وأخبره بحاله، ولا يحسن بك أن تترك مثله، فقال المطّلب: والله لا أرجع إلى أهلى حتى آتى به؛ فأعطاه الحارثىّ ناقته فركبها وقدم المدينة عشاء، فإذا غلمان يضربون
стр. 5334
كرة، فعرف ابن أخيه، فقال للقوم: هذا «١» ابن هاشم؟ قالوا نعم، فبلغ أمّه أنه جاء ليأخذه فقالت: والله لو أنّ لك مالا «٢» مثل أحد ما أعطيتك إياه، فقال:
لا أنصرف حتى أخرج به؛ إنّ ابن أخى قد بلغ، وهو غريب عن قومه. فيقال إنها دفعته إليه فأخذه بإذنها. وقيل إنه أخذه اختلاسا، وأعانه على أخذه رجل من خزاعة.
وقال ابن سعد فى طبقاته «٣» عن محمد بن واقد الأسلمىّ: إن ثابت بن المنذر ابن حرام، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر، قدم مكّة معتمرا، فلقى المطّلب، وكان له خليلا، وكان المطّلب قد ولى السّقاية والرّفادة بعد موت هاشم، فقال له ثابت: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالا وهيبة وشرفا؛ لقد نظرت إليه، وهو يناضل «٤» فتيانا من أخواله، فيدخل مرماتيه «٥» جميعا فى مثل راحتى هذه، ويقول كلما خسق «٦» : أنا ابن عمرو العلى! فقال المطّلب: لا أمسى حتى أحرج إليه فأقدم به، فخرج «٧» فورد المدينة، فنزل فى ناحية، وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمى فى فتيان من أخواله، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه، ففاضت عيناه، وضمّه إليه وكساه حلّة يمانية، وأنشأ يقول:
عرفت شيبة والنّجّار قد حفلت ... أبناؤها حوله بالنّبل تنتضل
عرفت أجلاده منّا «٨» وشميته ... ففاض منّى عليه وابل سبل «٩»
стр. 5335
فأرسلت سلمى إلى المطّلب، فدعته إلى النّزول عليها فقال: شأنى أخفّ من ذلك؛ ما أريد أن أحلّ عقدة حتى أقبض ابن أخى فألحه ببلده وقومه، فقالت:
لست بمرسلته معك، وغلّظت عليه فقال: لا تفعلى «١» فإنى غير منصرف حتّى أحرج به معى، فإنّ المقام ببلده خير له من المقام ههنا، وهو ابنك حيث كان؛ فلما رأت أنه غير مقصّر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيام، وتحوّل المطّلب إلهم ونزل عندهم «٢» ، وأقام ثلاثا ثم احتمله وانطلقا جميعا، ودخل به إلى مكّة فقالت «٣» قريش:
هذا عبد المطّلب! فقال: ويحكم إنما هو ابن أخى شيبة بن عمرو.
وقيل إنه لما دخل إلى مكّة دخلها وشيبة معه على عجز ناقته، وذلك ضحى «٤» ، والناس فى أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحّبون بقدوم المطّلب ويقولون له:
من هذا معك؟ من هذا وراءك؟ فيقول: هذا عبدى، وفى رواية هذا عبد ابتعته «٥» بيثرب، فأدخله المطّلب منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا معك؟ قال: عبدلى؛ واشترى له حلّة فلبسها، ثم خرج به العشىّ إلى مجلس بنى عبد مناف وأعلمهم «٦» أنه ابن أخيه؛ فجعل شيبة يطوف بمكّة، فإذا مرّ بقوم قالوا: هذا عبد المطّلب، فغلب ذلك عليه.
وفى تكنبته بأبى البطحاء أنه أستسقى لأهل مكّة فسقوا لوقتهم، فقال له مشايخ قريش عند ذلك: هنيئا لك أبا البطحاء. وسنذكر إن شاء الله تعالى
стр. 5336
هذه القصّة بطولها فى المبشّرات برسول الله ﷺ . فهذه أسباب تسميته وتكنيته «١» . والله أعلم.
وكان عبد المطلب جسيما، أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا؛ ما رآه أحد قطّ إلا أحبّه. قال الواقدى: وأقام عبد المطّلب بمكّة حتّى أدرك، وخرج المطّلب بن عبد مناف تاجرا إلى أرض اليمن، فهلك بردمان من أرض اليمن، فولى عبد المطّلب بعده الرّفادة والسّقاية؛ فلم يزل ذلك بيده وهو يطعم «٢» الحاجّ ويسقيهم فى حياض الأدم حتى حفر زمزم، فترك السّقى فى الحياض، وسقاهم من زمزم، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم. والله أعلم.
ذكر حفر عبد المطّلب زمزم وما وجد فيها
قال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ بسند رفعه إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال «٣» : قال عبد المطّلب؛ إنى لنائم فى الحجر، إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة «٤» قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عنى؛ فلمّا كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال «٥» : احفر زمزم، قال: قلت وما زمزم؟ قال: لا تنزف «٦» أبدا ولا تذمّ «٧» ، تسقى الحجيج الأعظم، وهى بين الفرث
стр. 5337
والدّم، عند نقرة الغراب الأعصم «١» ، عند قرية النمل «٢» . قال «٣» : فلما بيّن له شأنها، ودلّ على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله «٤» ، ومعه ابنه الحارث، وليس «٥» له يومئذ ولد غيره فحفر، فلمّا بدا لعبد المطّلب الطى «٦» كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطّلب، إنّها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقّا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم «٧» ، قال نعم. وكانت بمعان «٨» من أشراف الشّام فركب عبد المطّلب ومعه نفر من بنى أبيه من بنى عبد مناف، وركب «٩» من كل قبيلة من قريش نفر
стр. 5338
والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا «١» حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشّام، فنى ماء عبد المطّلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنّا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم؛ فلما رأى عبد المطّلب ما صنع القوم، وما يتخوّف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك «٢» ، فمرنا بما شئت، قال: فإنى أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة، فكلّما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلا [واحدا «٣» ] فيموت ضيعة «٤» ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كل رجل «٥» منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا؛ ثم إن عبد المطّلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت عجز «٦» ، ألا نضرب فى الأرض، ونبتغى لأنفسنا؟ فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد. ارتحلوا! فارتحلوا حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدّم عبد المطّلب إلى ناقته «٧» فركبها، فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفّها عين [من «٨» ] ماء عذب، فكبّر عبد المطّلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب، وشرب أصحابه،
стр. 5339
واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا «١» إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطّلب، والله لا نحاصمك فى زمزم أبدا، إن الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها.
هذا أحد ما قيل فى حفر زمزم.
وفى رواية أخرى: أنه قيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذمّ، تسقى الحجيج «٢» الأعظم، مثل نعام جافل «٣» لم يقسم. ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدّم «٤» .
قال ابن إسحاق «٥» : فزعموا أنه حين قيل له ذلك قال: فأين «٦» هى؟ قيل له عند قرية النّمل، حيث ينقر الغراب غدا. فغدا «٧» عبد المطّلب ومعه ابنه الحارث، فوجد قرية النّمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: إساف ونائلة «٨» اللّذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها، فجاء بالمعول، وقام ليحفر حيث أمر، فقامت
стр. 5340
إليه قريش حين رأوا جدّه فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما؛ فقال عبد المطّلب لابنه الحارث: ذد عنّى حتى أحفر، فو الله لأمضينّ لما أمرت به، فلمّا عرفوا أنه غير نازع «١» خلّوا بينه وبين الحفر وكفّوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتّى بدا له الطّىّ، فكبّر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين «٢» من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكّة، ووجد فيها سيوفا قلعيّة «٣» وأدراعا، فقالت له قريش: لنا معك فى هذا شرك»
وحقّ، قال: لا. ولكن هلم إلى أمر نصف «٥» بينى وبينكم؛ نضرب عليها بالقداح «٦» ، قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شىء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شىء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين له، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل، وهبل صنم فى جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم «٧» ، وقام عبد المطّلب يدعو، وضرب «٨» صاحب
стр. 5341
القداح، فخرج الأصفران على الغزالين [للكعبة «١» ] ، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطّلب، وتخلّف قدحا قريش؛ فضرب عبد المطّلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب فى الباب الغزالين «٢» ، فكان أول ذهب حلّيته الكعبة. وقيل إنه جعل القفل والمفتاح من ذهب الغزالين «٣» . وعن محمّد بن عمرو بن واقد قال: كانت جرهم «٤» حين أحسّوا بالخروج من مكة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعيّة، وخمسة أذراع [سوابغ «٥» ] ، فوجدها عبد المطّلب.
هذا خبر حفر زمزم وما وجد فيها، وقد تقدّم ذكر سبب خبر ردمها فى أثناء أخبار قصىّ بن كلاب؛ فلنذكر من أخبار عبد المطّلب خلاف ذلك. والله الموفق للصواب.
ذكر خبر استسقاء عبد المطّلب لبنى قيس عيلان «٦» وهذيل ومن معهم
حكى الزّبير بن بكّار فى أنساب قريش وبنى هاشم، وبنى عبد المطّلب قال:
روى إبراهيم بن محمد الشافعى عن أبيه، عن الوليد بن خالد المخزومىّ، عن سعد بن حذافة الجمحىّ، عن محمد بن عطية العوفى، عن رجل من هذيل قال: قحطت بلاد
стр. 5342
قيس، وأجدبت فلم تصبهم سماء يعقد بها الثّرى، ولا ينبت بها الكلأ، فذاب الشّحم، وذهب اللحم، وتهافتوا ضرّا وهزلا، فاجتمعوا للمشورة وإجالة الرأى، وقد عزموا على الرّحلة وانتجاع البلاد، فقالت فرقة منهم: انتجعوا بلاد سعد وبطن العشر «١» ، وقالت فرقة أخرى: إنّ تميما عدد. كثير لا يفضل منهم ما يكفيكم، وقالت فرقة أخرى: لينتجع كلّ ولد أب منكم ولد أب من غيركم، واعقدوا معهم حلفا تشركونهم به فى ربعهم «٢» ؛ فقام رجل حسن الوجه، مجتمع الخلق، جيّد الرأى، فقال: يا بنى عيلان «٣» ، إنكم قد أصبحتم فى أمر ليس بالهزل؛ هذا أمر عظيم خطره، متباعد أمره؛ قد بلغنا أن عبد المطّلب بن هاشم سيّد البطحاء استسقى فسقى، ودعا فأجيب، واستجير به فأجار، فاجعلوا قصدكم إليه، ووفادتكم عليه، فإن ذلك أوكد للسّبب، وأوجه فى الطّلب. قالوا: أحسن الرّأى، فرحلت قيس وهذيل، ومن دنا منهم حتّى أتوا عبد المطّلب، فقالوا: أفلح الوجه أبا الحارث! نحن ذووا أرحامك الواشجات «٤» ، أصابتنا سنون مجدبات، أهزلن السّمين، وأنفدن «٥» المعين، وقد بلغنا خبرك، وبان لنا «٦» أمرك، وكلاما نحو هذا.
فقال: موعدكم جبل عرفات، ثم خرج فى بنيه وبنى أميّة حتى أتى جبل عرفات، فصعد الجبل فقال: الّلهم ربّ الريح العاصف، والرّعد القاصف، والبرق الخاطف، منشىء السّحاب، ومالك الرّقاب، ذى المنن العظام، والأيادى الجسام؛ هذه مضر
стр. 5343
خير البشر، تشكو سوء الحال، وشدّة الإمحال، قد احدودبت ظهورها، وغارت عيونها، وشعثت شعورها، وقد خلّفوا نساء ضلّعا، وصبيانا رضّعا، وبهائم رتّعا.
فآتهم اللهم ريحا جرّارة، وسحابا درّارة، تضحك أرضهم، وتكشف ضرّهم.
فما فرغ من كلامه حتى نشأت سحابة دكناء فيها ودق شديد، فقال: هى هى، ثم قال يا معشر مضر، ارجعوا فقد سقيتم، فرجعوا واخضرّت أرضهم، وكثرت مياههم.
هذا ما أورده الزّبير بن بكّار راوى هذه القصّة، والله أعلم. [و] كانت بعد أن استسقى لقريش، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ ، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى مستوفى فى المبشّرات برسول الله ﷺ بعد هذا.
والله تعالى أعلم.
ذكر نذر عبد المطّلب نحر ابنه وخروج القداح على عبد الله والد رسول الله ﷺ وفدائه
قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى «١» ، عن محمد بن عمر بن واقد الأسلمىّ بسند رفعه إلى عبد الله بن عبّاس وغيره رضى الله عنهم: «إن عبد المطّلب بن هاشم لما رأى قلّة أعوانه فى حفر زمزم نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتّى يراهم- أن يذبح أحدهم، فلما تكاملوا عشرة «٢» وهم: الحارث، والزّبير «٣» ، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق «٤» ، والمقوّم «٥» ، وضرار، والعبّاس» . هكذا نقل محمد
стр. 5344
ابن سعد، وعد من العشرة حمزة والمقوّم؛ و «١» يردّ هذا العدد ما روى أن عبد المطّلب لم يتزوج أمّ حمزة إلا بعد الفداء، وقدعدّ محمد بن السائب الكلبىّ أولاد عبد المطّلب الذكور اثنى عشر، فيهم المغيرة، وقثم؛ وعدّهم الزّبير بن بكّار ثلاثة عشر فيهم عبد الكعبة، وحمزة، والمقوّم، والمغيرة؛ هؤلاء الثلاثة إخوة أشقّاء كلّهم لهالة بنت وهيب «٢» ، وزواج عبد المطّلب هالة هذه كان بعد الفداء على ما حكاه ابن سعد أيضا عن الواقدى، ولعلّ العشرة تكمل بقثم وعبد الكعبة. والله تعالى أعلم.
فلنرجع إلى سياقة خبر محمد بن سعد قال: «فلما تكاملوا عشرة جمعهم، ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله [به «٣» ] ، فما اختلف عليه منهم أحد، وقالوا:
أوف بنذرك، وافعل ما شئت، فقال: ليكتب كل رجل منكم اسمه فى قدحه ففعلوا، فدخل عبد المطّلب فى جوف الكعبة وقال للسادن «٤» : اضرب بقداحهم فضرب، فخرج قدح عبد الله أولها، وكان عبد المطّلب يحبّه، فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية، فبكى بنات عبد المطّلب وكنّ قياما، وقالت إحداهنّ لأبيها: أعذر فيه بأن تضرب فى إبلك السّوائم التى فى الحرم، فقال للسّادن:
اضرب عليه بالقداح، وعلى عشرة من الإبل «٥» ، وكانت الديّة يومئذ عشرة من الإبل، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعل يزيد عشرا عشرا، كلّ ذلك
стр. 5345
يخرج القدح على عبد الله حتى كملت مائة «١» ، فضرب [بالقداح «٢» ] فخرج على الإبل، فكبّر عبد المطّلب والناس معه، واحتمل بنات عبد المطّلب أخاهنّ عبد الله، وقدّم عبد المطّلب الإبل فنحرها بين الصّفا والمروة، وخلّى بينها وبين كلّ من وردها من إنسىّ أو سبع أو طائر، لم يذبّ «٣» عنها أحدا، ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئا.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: كانت الدية «٤» يومئذ عشرا من الإبل، وعبد المطّلب أوّل من سنّ دية النّفس مائة من الإبل، فجرت فى قريش والعرب مائة «٥» ، وأقرّها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه «٦» .
هذا ما أورده محمد بن سعد فى طبقاته. وقال أبو محمد عبد الملك «٧» بن هشام فى السّيرة: قال ابن إسحاق: وكان عبد المطّلب قد نذر حين لقى من قريش ما لقى عند «٨» حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتّى يمنعوه، لينحرنّ أحدهم لله تعالى عند الكعبة، فلمّا توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله «٩» بذلك، فأطاعوه وقالوا كيف نصنع؟ قال: ليأخذ «١٠» كلّ رجل منكم قدحا، ثم ليكتب «١١» فيه اسمه، ثم ائتونى «١٢» ،
стр. 5346
ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل فى جوف الكعبة، وكان هبل «١» على بئر فى جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هى التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، كلّ قدح منها فيه كتاب، قدح فيه «العقل» إذا اختلفوا فى «العقل» «٢» من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة «٣» ، فعلى من خرج قدح «العقل» حمله؛ وقدح فيه «نعم» للأمر إذا أرادوه يضرب به فى القداح، فإن خرج قدح «نعم» عملوا به؛ وقدح فيه «لا «٤» » ، فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر؛ وقدح فيه «منكم» ؛ وقدح فيه «ملصق» ؛ وقدح فيه «من غيركم» ؛ وقدح فيه «المياه» إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح فيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به.
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميّتا، أو شكّوا فى نسب أحدهم، ذهبوا إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها «٥» ، ثم قرّبوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا! هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحقّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب! فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا «٦» ، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان على
стр. 5347
منزلته فيهم «١» ، لا نسب له «٢» ولا حلف، وإن خرج فى «٣» شىء مما سوى هذا ممّا يعملون به «نعم» عملوا به، وإن خرج عليه «لا» أخّروه عامه ذلك «٤» حتى يأتوه به مرّة أخرى؛ ينتهون فى أمورهم إلى ذلك ممّا خرجت به القداح؛ فقال عبد المطّلب لصاحب القداح: اضرب على بنىّ هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذى نذره، فأعطاه «٥» كلّ رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه، وكان عبد الله بن عبد المطّلب أصغر بنى أبيه «٦» ، وهو أحبّ ولده إليه، وهو أبو رسول الله ﷺ ، فلمّا أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها قام عبد المطّلب عند هبل يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذ «٧» عبد المطّلب بيده وأخذ الشّفرة، ثم أقبل «٨» إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطّلب؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه «٩» حتى تعذر «١٠» فيه؛ لئن فعلت هذا لا يزال الرّجل يأتى بابنه حتّى يذبحه، فما بقاء
стр. 5348
الناس على هذا؟! وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر «١» بن مخزوم [بن يقظة «٢» ]- وكان عبد الله ابن أخت القوم-: لا تذبحه حتى تعذر فيه «٣» ، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق به إلى الحجاز فإنّ به عرّافة لها «٤» تابع فسلها، ثم أنت «٥» على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه «٦» ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته «٧» ، فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها- فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا [إليها «٨» ] حتى جاءوها فسألوها، وقصّ عليها عبد المطّلب خبره [وخبر ابنه «٩» ] ، فقالت لهم «١٠» : قد جاءنى الخبر، كم الدّيّة فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل «١١» ، قالت: فارجعوا إلى بلادكم «١٢» وقرّبوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل «١٣» حتى يرضى ربّكم،
стр. 5349
وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضى ربكّم ونجا صاحبكم، فخرجوا حتى قدموا مكّة وفعلوا «١» ذلك، والقداح تقع على عبد الله، وعبد المطّلب يزيد عشرا عشرا، وهو قائم يدعو حتّى بلغت الإبل مائة، فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضى ربّك «٢» يا عبد المطّلب، فقال «٣» عبد المطّلب:
لا والله! حتى أضرب عليه «٤» بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وعبد المطّلب قائم يدعو، فخرج القدح فى كلّ مرّة على الإبل، فنحرت عند ذلك.
وذكر نحو ما تقدّم.
ذكر زواج عبد الله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب أمّ النبى ﷺ
روى محمد بن سعد «٥» عن محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه، قال: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة «٦» بن كلاب، فى حجر عمّها وهيب بن عبد مناف، فمشى إليه عبد المطلب بابنه عبد الله أبى النبىّ ﷺ ،
стр. 5350
فخطب عليه آمنة فزوّجها عبد الله، وخطب إليه عبد المطّلب بن هاشم فى مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه، فزوّجه إياها، فكان تزوّجهما فى مجلس واحد، فولدت هالة لعبد المطّلب حمزة «١» ، وكان حمزة عمّ رسول الله ﷺ فى النّسب، وأخاه من الرّضاعة.
ونقل أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ «٢» ﵀: أن عبد الله ابن عبد المطّلب تزوج آمنة وهو ابن ثلاثين سنة «٣» . قال: وقيل بل كان يؤمئذ ابن خمس وعشرين سنة.
وعن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه، وعن أبى الفيّاض الخثعمى قالا:
لما تزوّج عبد الله آمنة أقام عندها ثلاثا، وكانت تلك السّنّة عندهم.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام «٤» عن محمد بن إسحاق: إن عبد المطلب لما فدى ابنه عبد الله أخذ بيده، وخرج به حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو يومئذ سيّد بنى زهرة نسبا وشرفا، فزوّجه ابنته آمنة، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا، قال: فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها «٥» مكانه فوقع عليها، فحملت «٦» برسول الله ﷺ .
стр. 5351
ذكر خبر المرأة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطّلب وما أبدته من سبب ذلك
قد اختلف فى هذه المرأة، فمنهم من يقول: هى قتيلة «١» ، بنت نوفل، بن أسد، ابن عبد العزّى، بن قصىّ، وهى أخت «٢» ورقة بن نوفل. قال السّهيلى «٣» : اسمها رقيّقة «٤» بنت نوفل تكنّى أم قتال، وهى أخت ورقة بن نوفل. ومنهم من يقول «٥» : هى فاطمة بنت مرّ الخثعمية، وقيل غيرها. ونحن نذكر ما قالوه فى ذلك.
فأما عبد الملك بن هشام فقال «٦» : لما انصرف عبد المطلب يوم الفداء آخذا بيد ابنه عبد الله، فمرّ به على امرأة من بنى أسد، وهى أخت ورقة بن نوفل، وهى عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟
قال: مع أبى، قالت: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع علىّ الآن. قال:
أنا مع أبى «٧» ، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، فخرج به عبد المطّلب حتى أتى وهب ابن عبد مناف. وذكر خبر زواجه بآمنة، وأنه وقع عليها كما ذكرناه آنفا.
قال: ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علىّ اليوم ما كنت عرضت علىّ بالأمس؟ قالت له:
فارقك النّور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة.
стр. 5352
وقال الواقدىّ «١» : هى قتيلة بنت نوفل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما:
أنها امرأة من بنى أسد، وهى أخت ورقة.
قال الواقدىّ: كانت «٢» تنظر وتعتاف «٣» ، فمرّ بها عبد الله فدعته يستبضع منها، ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال: حتى آتيك، وخرج مسرعا «٤» حتى دخل على آمنة فوقع عليها، فحملت برسول الله ﷺ ، ثم رجع إلى المرأة وهى تنتظره فقال: هل لك فى الذى عرضت علىّ؟ فقالت: لا. مررت وفى وجهك نور ساطع، ثم رجعت وليس فيه ذلك النور.
قال «٥» : وقال بعضهم قالت: مررت وبين عينيك غرّة مثل غرّة الفرس، ورجعت وليس هى فى وجهك.
وقال «٦» محمد بن عمر بن واقد، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبى، عن أبيه، عن أبى الفيّاض «٧» الخثعمى، قال: مرّ عبد الله بامرأة من خثعم يقال لها: فاطمة
стр. 5353
بنت مرّ «١» ، وكانت من أجمل الناس وأشبّه وأعفّه «٢» ، وكانت قد قرأت الكتب «٣» ، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النبوّة فى وجه عبد الله فقالت:
يا فتى! من أنت؟ فأخبرها، قالت: هل لك أن تقع علىّ وأعطيك «٤» مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال:
أمّا الحرام فالممات دونه ... والحلّ لا حلّ فأستبينه
فكيف بالأمر «٥» الذى تنوينه «٦»
ثم مضى إلى امرأته آمنة، فكان معها، ثم ذكرا الخثعمية وجمالها، وما عرضت عليه، فأقبل عليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرا كما رآه منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لى؟ فقالت: «قد كان ذاك مرّة فاليوم لا «٧» » ، فذهبت مثلا، وقالت:
أىّ شىء صنعت بعدى؟ قال: وقعت على زوجتى آمنة، قالت: إنى والله لست
стр. 5354
بصاحبة زنية «١» ، ولكنى رأيت نور النبوّة فى وجهك، فأردت أن يكون ذلك فىّ، وأبى الله إلا يجعله حيث جعله.
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله وتأبّيه عليها، فذكروا ذلك لها، فأنشأت تقول:
إنى رأيت مخيلة «٢» عرضت «٣» ... فتلألأت بحناتم القطر
فلمأتها نورا «٤» يضىء له «٥» ... ما حوله كإضاءة الفجر
ورأيته شرفا «٦» أبوء به ... ما كلّ قادح زنده يورى
لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدرى «٧»
وقالت أيضا «٨» :
بنى هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتلجان «٩»
كما غادر المصباح بعد خبوّه «١٠» ... فتائل قد ميثت له بدهان
стр. 5355
وما كلّ ما يحوى الفتى من تلاده «١» ... بحزم «٢» ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدّان يصطرعان
ستكفيكه إمّا يد مقفعلة «٣» ... وإمّا يد مبسوطة ببيان
ولما قضت منه أمينة ما قضت ... نبا بصرى عنه وكلّ لسانى «٤»
وعن أبى يزيد المدنى «٥» قال: نبّئت أن عبد الله أبا رسول الله ﷺ أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نورا ساطعا إلى السماء فقالت: هل لك فىّ؟ قال: نعم حتى أرمى الجمرة، فانطلق فرمى الجمرة، ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب، ثم ذكر الخثعمية «٦» فأتاها فقالت: هل أتيت امرأة بعدى؟ قال نعم، امرأتى آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لى فيك، إنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء، فلما وقعت عليها ذهب؛ فأخبرها أنها قد حملت بخير «٧» أهل الأرض.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثنى أبى إسحاق بن يسار، أنه حدّث «٨» أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب، وقد عمل فى طين له، وبه آثار من الطّين، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت عليه من آثار الطّين،
стр. 5356
فخرج من عندها فتوضّأ وغسل ما كان به من ذلك الطّين، ثم خرج عامدا إلى آمنة فمرّ بها، فدعته فأبى عليها «١» ، وعمد إلى آمنة فدخل عليها؛ فأصابها فحملت بمحمد رسول الله ﷺ ، ثم مرّ بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟
قالت: لا. مررت بى وبين عينيك غرة، فدعوتك فأبيت «٢» ، ودخلت على آمنة فذهبت بها.
قال ابن إسحاق «٣» : وزعموا أن امرأته تلك كانت تحدّث: أنّه مرّ بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى علىّ، ودخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ ، أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا من قبل أبيه وأمّه. والله الفعال.
ذكر حمل آمنة برسول الله ﷺ وما رأته، وما قيل لها
حملت به ﷺ أيام التّشريق فى شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى، رواه أبو عمر بن عبد البرّ «٤» عن الزبير بن بكّار، وحكاه غيره أيضا.
وقيل حملت به فى دار وهيب «٥» بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
وروى محمد بن عمر بن واقد الأسلمى «٦» قال: حدّثنى علىّ بن يزيد، بن عبد الله، بن وهب بن زمعة عن أبيه، عن عمته قالت: كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 5357
لمّا حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت أنى حملت به، ولا وجدت له ثقلة «١» كما تجد النساء، إلا أنى قد أنكرت رفع حيضتى، فربما كانت ترفعنى وتعود؛ وأتانى آت، وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنّك حملت؟ فكأنى أقول ما أدرى، فقال: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها، وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقّن عندى الحمل، ثم أمهلنى حتى إذا دنت ولادتى «٢» أتانى ذلك الآتى فقال: قولى: «أعيذه بالواحد الصّمد، من شرّ كلّ حاسد» . قالت:
فكنت أقول ذلك.
وفى رواية محمد بن إسحاق «٣» أنه قيل لها: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: «أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا» «٤» .
وفى رواية أخرى: امرت أمّه وهى حامل برسول الله ﷺ أن تسمّيه أحمد. قالت أمه: فذكرت ذلك لنسائى، فقلن لى: تعلّقى حديدا فى عضديك وفى عنقك، قالت: ففعلت، فلم يكن يترك علىّ إلا أياما، فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه.
وعن الزّهرىّ قال: قالت آمنة: لقد علقت به، فما وجدت له مشقّة حتى وضعته.
قال ابن إسحاق «٥» : ورأت «٦» حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. قد تواترت الأخبار الصحيحة بذلك.
стр. 5358
وحكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبى فى كتاب «الأعلام» له عن ابن عباس رضى «١» الله عنهما أنه قال: وكان من دلائل حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كلّ دابّة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل بمحمد وربّ الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها؛ ولم تبق كاهنة فى قريش ولا فى قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبها؛ وانتزع علم الكهنة منهم ولم يبق سرير لملك من ملوك الدّنيا إلا أصبح منكوسا.
قال: وقال كعب الأخبار: وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا كلّها منكوسة مضغوطة فيها شياطينها، وأصبح عرش إبليس عدوّ الله منكوسا.
قال: وقال ابن عباس رضى الله عنهما: وأصبح كلّ ملك أخرس «٢» لا ينطق يومه ذلك، وفرّت وحوش «٣» المشرق إلى وحوش «٤» المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار [صار «٥» ] يبشّر بعضهم بعضا، وله فى كلّ شهر من شهوره «٦» نداء فى الأرض، ونداء فى السماء: أن أبشروا، فقد آن لأبى القاسم أن يخرج «٧» إلى الأرض ميمونا مباركا.
والله الموفّق الفعّال.
стр. 5359
ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطّلب
روى أبو عبد الله محمد بن سعد، بسند يرفعه إلى محمد بن كعب، وأيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة، قالا: خرج عبد الله بن عبد المطّلب إلى الشام إلى غزّة فى عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمرّوا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض فقال: أنا أتخلّف عند أخوالى بنى عدىّ ابن النجّار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطّلب عن عبد الله، فقالوا: خلّفناه عند أخواله وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب ولده الحارث «١» ، فوجده قد توفّى ودفن فى دار النابغة «٢» ، وهو رجل من بنى عدىّ بن النّجار، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا، ورسول الله ﷺ يومئذ حمل.
ولعبد الله يوم توفّى خمس وعشرون سنة.
قال الواقدى: هذا هو أثبت الأقاويل، والرواية فى وفاة عبد الله وسنّه عندنا.
وعن هشام بن السائب الكلبىّ عن أبيه، وعن عوانة بن الحكم قالا: توفى عبد الله بن عبد المطّلب بعد ما أتى على رسول الله ﷺ ثمانية وعشرون شهرا، ويقال سبعة أشهر، وقيل شهران.
قال محمد بن سعد: والأول أثبت. وقال السّهيلىّ «٣» : «وأكثر العلماء على أنه كان فى المهد» ، قال: «ذكره الدّولابى «٤» وغيره» . والله تعالى أعلم.
стр. 5360
قال الواقدى: وترك عبد الله بن عبد المطّلب أمّ أيمن، واسمها بركة، وخمسة أجمال أوارك، يعنى تأكل الأراك، وقطعة غنم؛ فورث ذلك رسول الله ﷺ . والله خير الوارثين.
ذكر مولد رسول الله ﷺ
ولد رسول الله ﷺ بمكة شرفها الله تعالى؛ قال الزّبير بن بكّار «١» :
ولد ﷺ فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجّاج. قال القرطبى ﵀ فى كتاب «الأعلام» له: إنّ الدار كانت فى الزّقاق المعروف بزقاق المولد «٢» ، وكانت فى مهاجر رسول الله ﷺ فى يد عقيل بن أبى طالب ثم فى أيدى ولده، ثم اشتراها محمد بن يوسف الثّقفىّ من ولد عقيل، فأدخل البيت «٣» فى دار بناها وسمّاها البيضاء، فكان البيت فى الدار إلى أن حجّت الخيزران «٤» أمّ الهادى والرشيد، فأخرجت البيت وجعلته مسجدا يشرع فى زقاق المولد.
وكان مولده ﷺ عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بخمس وخمسين ليلة «٥» ، فى يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل، قيل لليلتين خلتا منه، وقيل
следующие страницы →