← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

فخرج من عندها فتوضّأ وغسل ما كان به من ذلك الطّين، ثم خرج عامدا إلى آمنة فمرّ بها، فدعته فأبى عليها «١» ، وعمد إلى آمنة فدخل عليها؛ فأصابها فحملت بمحمد رسول الله ﷺ ، ثم مرّ بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا. مررت بى وبين عينيك غرة، فدعوتك فأبيت «٢» ، ودخلت على آمنة فذهبت بها. قال ابن إسحاق «٣» : وزعموا أن امرأته تلك كانت تحدّث: أنّه مرّ بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى علىّ، ودخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ ، أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا من قبل أبيه وأمّه. والله الفعال. ذكر حمل آمنة برسول الله ﷺ وما رأته، وما قيل لها حملت به ﷺ أيام التّشريق فى شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى، رواه أبو عمر بن عبد البرّ «٤» عن الزبير بن بكّار، وحكاه غيره أيضا. وقيل حملت به فى دار وهيب «٥» بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وروى محمد بن عمر بن واقد الأسلمى «٦» قال: حدّثنى علىّ بن يزيد، بن عبد الله، بن وهب بن زمعة عن أبيه، عن عمته قالت: كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5357

لمّا حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت أنى حملت به، ولا وجدت له ثقلة «١» كما تجد النساء، إلا أنى قد أنكرت رفع حيضتى، فربما كانت ترفعنى وتعود؛ وأتانى آت، وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنّك حملت؟ فكأنى أقول ما أدرى، فقال: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها، وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقّن عندى الحمل، ثم أمهلنى حتى إذا دنت ولادتى «٢» أتانى ذلك الآتى فقال: قولى: «أعيذه بالواحد الصّمد، من شرّ كلّ حاسد» . قالت: فكنت أقول ذلك. وفى رواية محمد بن إسحاق «٣» أنه قيل لها: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: «أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا» «٤» . وفى رواية أخرى: امرت أمّه وهى حامل برسول الله ﷺ أن تسمّيه أحمد. قالت أمه: فذكرت ذلك لنسائى، فقلن لى: تعلّقى حديدا فى عضديك وفى عنقك، قالت: ففعلت، فلم يكن يترك علىّ إلا أياما، فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه. وعن الزّهرىّ قال: قالت آمنة: لقد علقت به، فما وجدت له مشقّة حتى وضعته. قال ابن إسحاق «٥» : ورأت «٦» حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. قد تواترت الأخبار الصحيحة بذلك.

стр. 5358

وحكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبى فى كتاب «الأعلام» له عن ابن عباس رضى «١» الله عنهما أنه قال: وكان من دلائل حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كلّ دابّة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل بمحمد وربّ الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها؛ ولم تبق كاهنة فى قريش ولا فى قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبها؛ وانتزع علم الكهنة منهم ولم يبق سرير لملك من ملوك الدّنيا إلا أصبح منكوسا. قال: وقال كعب الأخبار: وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا كلّها منكوسة مضغوطة فيها شياطينها، وأصبح عرش إبليس عدوّ الله منكوسا. قال: وقال ابن عباس رضى الله عنهما: وأصبح كلّ ملك أخرس «٢» لا ينطق يومه ذلك، وفرّت وحوش «٣» المشرق إلى وحوش «٤» المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار [صار «٥» ] يبشّر بعضهم بعضا، وله فى كلّ شهر من شهوره «٦» نداء فى الأرض، ونداء فى السماء: أن أبشروا، فقد آن لأبى القاسم أن يخرج «٧» إلى الأرض ميمونا مباركا. والله الموفّق الفعّال.

стр. 5359

ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطّلب روى أبو عبد الله محمد بن سعد، بسند يرفعه إلى محمد بن كعب، وأيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة، قالا: خرج عبد الله بن عبد المطّلب إلى الشام إلى غزّة فى عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمرّوا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض فقال: أنا أتخلّف عند أخوالى بنى عدىّ ابن النجّار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطّلب عن عبد الله، فقالوا: خلّفناه عند أخواله وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب ولده الحارث «١» ، فوجده قد توفّى ودفن فى دار النابغة «٢» ، وهو رجل من بنى عدىّ بن النّجار، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا، ورسول الله ﷺ يومئذ حمل. ولعبد الله يوم توفّى خمس وعشرون سنة. قال الواقدى: هذا هو أثبت الأقاويل، والرواية فى وفاة عبد الله وسنّه عندنا. وعن هشام بن السائب الكلبىّ عن أبيه، وعن عوانة بن الحكم قالا: توفى عبد الله بن عبد المطّلب بعد ما أتى على رسول الله ﷺ ثمانية وعشرون شهرا، ويقال سبعة أشهر، وقيل شهران. قال محمد بن سعد: والأول أثبت. وقال السّهيلىّ «٣» : «وأكثر العلماء على أنه كان فى المهد» ، قال: «ذكره الدّولابى «٤» وغيره» . والله تعالى أعلم.

стр. 5360

قال الواقدى: وترك عبد الله بن عبد المطّلب أمّ أيمن، واسمها بركة، وخمسة أجمال أوارك، يعنى تأكل الأراك، وقطعة غنم؛ فورث ذلك رسول الله ﷺ . والله خير الوارثين. ذكر مولد رسول الله ﷺ ولد رسول الله ﷺ بمكة شرفها الله تعالى؛ قال الزّبير بن بكّار «١» : ولد ﷺ فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجّاج. قال القرطبى ﵀ فى كتاب «الأعلام» له: إنّ الدار كانت فى الزّقاق المعروف بزقاق المولد «٢» ، وكانت فى مهاجر رسول الله ﷺ فى يد عقيل بن أبى طالب ثم فى أيدى ولده، ثم اشتراها محمد بن يوسف الثّقفىّ من ولد عقيل، فأدخل البيت «٣» فى دار بناها وسمّاها البيضاء، فكان البيت فى الدار إلى أن حجّت الخيزران «٤» أمّ الهادى والرشيد، فأخرجت البيت وجعلته مسجدا يشرع فى زقاق المولد. وكان مولده ﷺ عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بخمس وخمسين ليلة «٥» ، فى يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل، قيل لليلتين خلتا منه، وقيل

стр. 5361

أوّل اثنين منه من غير تعيين، وقيل ولد فى شهر رمضان لاثنتى عشرة ليلة خلت منه «١» ، وهو العشرون من نيسان سنة ثمانمائة واثنتين للإسكندر ذى القرنين. والمشهور أنه ولد فى شهر ربيع الأوّل؛ فيقول القائل: كيف يمكن أن تكون حملت به فى أيام التّشريق، وولد فى شهر ربيع الأوّل، والمدّة بينهما إمّا أربعة أشهر، أو ستة عشر شهرا، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ ولد لأقل من تسعة أشهر ولا أكثر منها؟ فالجواب أن الحج إذ ذاك لم يكن محصورا فى ذى الحجّة، بل قد ثبت أنّ أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه حج بالناس فى السنة التاسعة من الهجرة، ووافق الحج فى ذى القعدة، فلما حجّ رسول الله ﷺ حجّة الوداع فى السنة العاشرة، خطب فقال فى خطبتة: «ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض «٢» ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب مضر «٣» الذى بين جمادى وشعبان» ، فيمكن أن يكون الحجّ لمّا حملت آمنة برسول الله ﷺ وافق فى جمادى الآخرة؛ ولا يمتنع هذا والله أعلم. وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به، تعنى رسول الله ﷺ ، فما وجدت له مشقّة حتى وضعته؛

стр. 5362

فلما «١» فصل منّى خرج منه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع رأسه إلى السماء. وقال بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه رافعا رأسه إلى السماء، وخرج معه نور أضاءت له قصور الشّام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى «٢» . وعن حسان ابن عطية: أن النبى ﷺ لمّا ولد وقع على كفّيه وركبتيه «٣» شاخصا بصره إلى السماء. قالت أمّه: فولدته نظيفا والله كما يولد السّخل ما به قذر. وقالت فاطمة بنت عبد الله أمّ عثمان بن [أبى] العاصى «٤» ، وكانت شهدت ولادة رسول الله ﷺ حين وضعته أمّه آمنة وذلك ليلا، قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإنى لأنظر إلى النّجوم تدنو حتى إنى لأقول لتقعنّ «٥» علىّ. وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت ﵀، عن آمنة قالت: لمّا ولدت محمدا ﷺ ثم خرج من بطنى نظرت إليه، فإذا هو ساجد لله رافع يديه «٦» إلى السماء كالمتضرّع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت تنزل من السماء حتى غشيته، فغّيبته عن عينى برهة، فسمعت قائلا يقول: طوفورا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها، وأدخلوه البحار كلّها ليعرف جميع الخلائق كلها باسمه

стр. 5363

وصفته، ويعرفوا بركته، إنه حبيب لى، لا يبقى شىء من الشّرك إلا ذهب به. قالت «١» : ثم انجلت عنى فى أسرع من طرفة عين، فإذا أنا به مدرج فى ثوب أبيض أشدّ بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء قد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرّطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قد قبض محمد ﷺ مفاتيح النّصرة، ومفاتيح الدنيا، ومفاتيح النبوّة. وذكر الخطيب أيضا عنها فى شأن المولد: قالت: رأيت سحابة أعظم من الأولى ولها نور «٢» ، أسمع فيها صهيل الخيل، وخفقان الأجنحة، وكلام الرجال» ، حتى غشيته، قالت: وغيّبت «٤» عنى وجهه أطول وأكثر من المرة الأولى، فسمعت مناديا ينادى: طوفوا بمحمد جميع الأرضين، وعلى موالد النبيّين، واعرضوه على كل روحانىّ من الجنّ، والإنس، والملائكة، والطير، والوحوش؛ وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم «٥» ، ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وجمال يوسف، وشدّة موسى وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود، وحبّ دانيال، ووقار إلياس وعصمة يحيى، وزهد عيسى؛ واغمسوه فى جميع «٦» أخلاق النبيّين عليه وعليهم السلام. ثم «٧» انجلت عنّى فى أسرع من طرفة العين، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء

стр. 5364

مطويّة طيّا شديدا، ينبع من تلك الحريرة ماء معين، وإذا قائل «١» يقول: بخ بخ! قبض محمد ﷺ على الدنيا كلّها، لم يبق خلق كثير «٢» من أهلها إلا دخل فى قبضته طائعا بإذن الله. ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن أبيه، قال: ولد رسول الله ﷺ مختونا مسرورا «٣» ، قال: وأعجب ذلك عبد المطّلب، وحظى عنده، فقال: ليكوننّ لابنى هذا شأن. وفى رواية: لمّا ولدت آمنة رسول الله ﷺ ، أرسلت إلى جدّه عبد المطلب، فجاء البشير وهو جالس فى الحجر مع ولده ورجال من قومه، فأخبره أن آمنة ولدت غلاما، فسرّ بذلك، وقام هو ومن معه، فدخل عليها، فأخبرته بكل ما رأت، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميّه. قال: فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة، وقام عندها يدعو الله، ويشكر ما أعطاه. قال الواقدىّ: وأخبرت أنّ عبد المطلب قال يومئذ: الحمد لله الذى أعطانى ... هذا الغلام الطيّب الأردان قد ساد فى المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذى الأركان حتى أراه بالغ البنيان ... اعيذه من شرّ ذى شنان من حاسد مضطرب العنان وقال القرطبىّ: وقال أبو طالب: كنت تلك الليلة التى ولد فيها محمد فى الكعبة أصلح فيها ما تهدّم منها، فلما انتصف الليل، إذا أنا بالبيت الحرام قد مال بجوانبه

стр. 5365

الأربعة، فخرّ ساجدا فى مقام إبراهيم ﵇، كالرجل الساجد، ثم استوى قائما، وأنا أسمع له تكبيرا عجيبا ينادى: الله أكبر! الله ربّ محمد المصطفى! الآن طهّرنى ربى من أنجاس المشركين، وحميّة الجاهلية! ونظرت إلى الأصنام كلها تنتفض كما ينتفض الثوب، ونظرت إلى الصنم الأعظم «هبل» قد انكبّ فى الحجر، وسمعت مناديا ينادى: ألا إن آمنة قد ولدت محمدا! وقد سكبت عليها سحائب الرحمة، هذا طست الفردوس قد انزل ليغسل فيه الثّانية. وعن حسّان بن ثابت الأنصارىّ، قال «١» : والله إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كلّ ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ على أطمة «٢» يثرب: يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك! مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذى ولد «٣» به. ذكر أسماء رسول الله ﷺ وكناه وأسماؤه ﷺ كثيرة، منها ما جاء بنصّ القرآن، ومنها ما نقل إلينا من الكتب السالفة والصّحف المنزلة، ومنها ما جاء فى الأحاديث الصحيحة ومنها ما اشتهر على ألسنة الأئمة من الأمّة رضوان الله عليهم. روى عن جبير بن مطعم، قال «٤» : قال رسول الله ﷺ : «لى «٥» خمسة

стр. 5366

أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى «١» ، وأنا العاقب» . قيل لأنه عقب غيره من الأنبياء. وروى عنه ﵇: «لى عشرة أسماء» ، فذكر الخمسة هذه، قال: «وأنا رسول الرحمة، ورسول الرّاحة، ورسول الملاحم، وأنا المقفّى؛ قفّيت النبيّين، وأنا قيّم» . قال القاضى عياض: والقيّم: الجامع الكامل، قال: كذا وجدته ولم «٢» أروه وأرى صوابه: قثم «٣» بالثاء، وروى النقّاش «٤» عنه عليه [الصلاة و] السلام «٥» «لى فى القرآن سبعة أسماء: محمد، وأحمد، ويس، وطه، والمدّثّر، والمزّمّل، وعبد الله» . وفى حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه: أنه كان ﵇ يسمّى لنا نفسه أسماء؛ فيقول: أنا محمد، وأحمد، والمقفّى، والحاشر، ونبىّ التّوبة ونبىّ الملحمة، ويروى المرحمة، والرحمة؛ ومعنى المقفّى: معنى العاقب. وقد جاءت من ألقابه وأسمائه ﷺ فى القرآن عدّة كثيرة سوى ما ذكرناه، منها النّور؛ لقوله تعالى: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ) ، والسّراج المنير، والشاهد، والمبشّر والنذير، وداعى الله؛ قال الله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً)

стр. 5367

والبشر لقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) * ، والمنذر لقوله: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) ، والمذكّر لقوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) ، والشهيد لقوله: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) ، والخبير لقوله تعالى: (الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) قال القاضى بكر بن العلاء «١» : المأمور بالسؤال غير النبىّ ﷺ ، والمسئول الخبير هو النبىّ ﷺ ؛ والحق المبين لقوله تعالى: (حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ) ، وقوله: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) ، وقوله: (قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) ، وقوله: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) ، قيل: محمد وقيل: القرآن، والرءوف الرحيم؛ لقوله تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ، والكريم، والمكين، والأمين؛ لقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ، والرسول، والنبى الأمّىّ؛ لقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) ، والولىّ، لقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ، والفاتح؛ لقوله ﷺ ، فى حديث الإسراء عن ربه تعالى: «وجعلتك فاتحا وخاتما» ، وفيه من قول النبى ﷺ فاتحا وخاتما، وقدم الصدق؛ قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ؛ قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: قدم صدق هو محمد ﷺ ؛ والعروة الوثقى قيل: محمد، وقيل: القرآن؛ والهادى، لقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

стр. 5368

ذكر ما جاء فى تسميته ﷺ محمدا وأحمد ومن تسمّى بمحمد قبله ﷺ من العرب، واشتقاق ذلك أما اشتقاق هذه التسمية، فمحمد اسم علم، وهو منقول من صفة من قولهم: رجل محمّد؛ وهو الكثير الخصال المحمودة؛ والمحمّد فى لغة العرب: هو الذى يحمد حمدا بعد حمد مرة بعد مرة. قال السهيلى «١» : «لم يكن محمد حتى كان أحمد حمد ربّه فنبّأه وشرّفه؛ فلذلك تقدّم اسم أحمد على [الاسم الذى «٢» هو] محمد فذكره عيسى ﵇ باسمه أحمد» . وهو ﷺ أول من سمّى بأحمد، ولم يسمّ به أحد قبله من سائر الناس؛ وفى هذا حكمة عظيمة باهرة؛ لأن عيسى ﵇ قال: (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمّى أحد به ولا يدعى به مدعوّ قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب. وأما محمد «٣» ، فإن الله تعالى حمى أن يسمّى به أحد من العرب، ولا من غيرهم إلى أن شاع قبل وجوده وميلاده ﷺ : أن نبيّا يبعث اسمه محمد قد قرب إبّان مولده، فسمّى قوم من العرب أبناءهم. قال أبو جعفر محمد بن حبيب «٤» : وهم ستة لا سابع لهم: محمد بن سفيان بن مجاشع جدّ الفرزدق الشاعر، وهو أوّل «٥» من سمّى محمدا، ومحمد بن أحيحة «٦» بن الجلاح

стр. 5369

الأوسىّ، ومحمد بن حسّان الجعفىّ، ومحمد بن مسلمة الأنصارى «١» ، ومحمد بن براء البكرىّ، ومحمد بن خزاعىّ السّلمى، وذكر فيهم أيضا محمد بن اليحمدىّ من الأزد واليمن تقول: إنه أوّل من تسمّى بمحمد. وذكر أبو الخطّاب بن دحية فيهم: محمد بن عتوارة اللّيثى «٢» الكنانىّ، ومحمد بن حرماز «٣» بن مالك التّميمى «٤» المعمرىّ. وقال أبو بكر بن فورك: «لا يعرف فى العرب من تسمّى قبله بمحمد سوى محمد بن سفيان، ومحمد بن أحيحة، ومحمد بن حمران «٥» ، وإن آباء هؤلاء «٦» الثلاثة وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأوّل، فأخبرهم بمبعث النبى ﷺ وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلّف امرأته حاملا، فطمع فى ذلك «٧» فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد ذكر أن يسميّه محمدا» .

стр. 5370

وذكر ابن سعد فيهم: محمد الجشمىّ. وقال ابن الأثير «١» : محمد بن عدىّ بن ربيعة بن سعد بن سواد بن جشم بن سعد؛ عداده فى أهل المدينة «٢» . وروى عبد الملك بن أبى سويد المنقرىّ عن جد أبيه خليفة، قال: سألت محمد «٣» بن عدىّ كيف سمّاك أبوك محمدا؟ فضحك، ثم قال: أخبرنى أبى عدىّ بن ربيعة، قال: خرجت أنا وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن ربيعة «٤» بن كنانة، بن حرقوص ابن مازن، وأسامة بن مالك بن العنبر «٥» نريد ابن جفنة، فلما قربنا منه نزلنا إلى شجرات وغدير، فأشرف علينا ديرانىّ فقال: إنى لأسمع لغة ليست لغة أهل هذه البلاد فقلنا: نعم! نحن من مضر، قال: أى المضرين؟ قلنا: خندف، فقال: إنه يبعث وشيكا نبىّ منكم، فخذوا نصيبكم منه تسعدوا، قلنا ما اسمه؟ قال: محمد فأتينا ابن جفنة، فلما انصرفنا ولد لكل منا ابن فسمّاه محمدا. وقال محمد بن سعد: «أخبرنا محمد بن على، عن مسلمة، عن علقمة، عن قتادة بن السّكن «٦» ، قال: كان فى بنى تميم محمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد الجشمىّ فى بنى سواد، ومحمد الأسيّدى «٧» ، ومحمد الفقيمىّ «٨» ؛ سمّوهم طمعا فى النبوّة؛ ثم حمى الله تعالى كل من تسمّى بمحمد أن يدّعى النبوّة، أو يدّعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكّك أحدا فى أمره، حتى تحقّق ذلك لرسول الله ﷺ . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع.

стр. 5371

ومن أسمائه فى الكتب المنزلة ﷺ «العظيم» ، وقع فى أوّل سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيما لأمّة عظيمة «١» . و «الجبّار» ، سمّى بذلك فى كتاب داود ﵇، فقال: تقلّد أيها الجبّار سيفك فإن ناموسك وشرائعك «٢» مقرونة بهيبة يمينك. قالوا «٣» : ومعناه فى حق النبى ﷺ : إما لإصلاحه الأمة بالهداية «٤» والتعليم، أو لقهره أعداءه، أو لعلو منزلته على البشر، وعظيم «٥» وعظيم خطره. ونفى الله عنه جبرية التكبّر فى القرآن فقال: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) . ومن أسمائه فيها «٦» : «المتوكّل» ، و «المختار» ، و «مقيم السّنّة «٧» » ، و «المقدّس «٨» » ، و «روح الحق» ، وهو معنى البارقليط «٩» فى الإنجيل؛ وقال ثعلب: البارقليط: الذى يفرق بين الحق والباطل.

стр. 5372

ومنها ماذ ماذ «١» ؛ ومعناه طيّب طيّب، وحمطايا «٢» ، والخاتم والخاتم؛ حكاه كعب الأحبار، قال: فقلت فالخاتم الذى ختم به الأنبياء، والخاتم أحسن الأنبياء خلقا وخلقا، ويسمّى بالسريانية مشفّج «٣» ، والمنحمنّا «٤» ، واسمه أيضا فى التوراة: أحيّد «٥» ، وروى ذلك عن ابن سيرين ﵀. ومن اسمائه ونعوته ﵇ التى جرت على ألسنة أئمّة الأمّة المصطفى، والمجتبى، والحبيب، ورسول ربّ العالمين، والشفيع المشفّع والمتّقى، والمصلح، والطاهر، والمهيمن، والصادق، والضّحوك، والقتّال «٦» ، وسيّد ولد آدم، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحبيب الله وخليل الرحمن، وصاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والشفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرّفيعة، وصاحب التاج والمعراج والقضيب، وراكب البراق والناقة والنّجيب، وصاحب الحجّة والسلطان، والخاتم والعلامة والبرهان، وصاحب الهراوة والنّعلين. ﷺ .

стр. 5373

قالوا: ومعنى صاحب القضيب: السّيف، وقع ذلك مفسّرا فى الإنجيل؛ قال: معه قضيب من حديد يقاتل به، وأمّته كذلك «١» ؛ وأما الهراوة التى وصف بها، فهى فى اللّغة العصا، ولعلها القضيب الممشوق الذى انتقل إلى الخلفاء «٢» ؛ وأما صاحب التاج، فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذ إلا للعرب. وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم، وعن أنس أنه لما ولد له إبراهيم، جاءه جبريل فقال: السلام عليك يأبا إبراهيم «٣» . ذكر مراضع رسول الله ﷺ وإخوته من الرّضاعة، وما ظهر من معجزاته فى زمن رضاعه وحال طفوليته ﷺ قال محمد بن عمر بن واقد الأسلمى: أوّل من أرضع رسول الله ﷺ ثويبة «٤» ، وهى جارية أبى لهب، أرضعته بلبن ابنها مسروح «٥» أياما قبل أن تقدم حليمة السّعدية، وكانت قد أرضعت قبله عمه حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومى؛ وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكّة، وكانت خديجة تكرمها وهى يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبى لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها

стр. 5374

بصلة وكسوة، حتى جاء خبرها أنها قد ماتت سنة سبع عند مرجعه من خيبر، فقال: ما فعل ابنها مسروح؟ فقيل: مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد. ثم أرضعته حليمة بنت أبى ذؤيب، وأبو ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة «١» ، ابن جابر بن رزام بن ناصرة «٢» بن فصيّة «٣» بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان «٤» بن مضر؛ واسم أبيه الذى أرضعه «٥» : الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة بن ملّان بن ناصرة؛ ويقال هلال «٦» بن ناصرة بن فصيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته من الرضاعة منها: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة «٧» بنت الحارث وهى الشّيماء «٨» ، وكانت الشّيماء تحضن رسول الله ﷺ مع أمها. قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق «٩» كانت حليمة بنت أبى ذؤيب تحدّث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه فى نسوة من بنى سعد بن بكر تلتمس الرّضعاء

стр. 5375

قال الواقدى: إنهن كنّ عشرا، قالت: فى سنة شهباء «١» لم تبق شيئا «٢» ، فخرجت على أتان. لى قمراء «٣» معنا شارف «٤» لنا، والله ما تبصّ «٥» بقطرة، وما تنام لنا ليلتنا أجمع مع صبيّنا الذى معى «٦» من بكائه من الجوع، ما فى ثديىّ ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذّيه، ولكنا نرجو «٧» الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمّت «٨» بالرّكب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا «٩» حتى قدمنا مكة، فما منّا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا كنا «١٠» نرجو المعروف من أبى الصّبىّ؛ فكنا نقول: يتيم، ما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟ فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ «١١» إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه؛ قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت «١٢» : فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره؛ فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته فى حجرى، أقبل عليه ثدياى بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه

стр. 5376

أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجى إلى شارفنا تلك فإذا بها حافل، فحلب منها ما شرب وشربت، حتى انتهينا ريّا وشبعا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: قلت والله إنى لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا فركبت أتانى وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالرّكب ما يقدر عليها شىء «١» من حمرهم، حتى إن صواحبى ليقلن لى: ويحك يا بنت أبى ذؤيب [ويحك «٢» ] ! اربعى «٣» علينا. أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنها لهى هى، فيقلن: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبّنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن وما يجدها «٤» فى ضرع حتى كان الحاضر «٥» من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، قالت: فلم نزل نتعرّف من الله الزيادة والخيرة حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشبّ شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا «٦» ، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شىء على مكثه فينا لما كنّا نرى من بركته، فكلّمنا أمّه. وقلت لها: لو تركت بنىّ عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم تزل «٧» به حتى ردّته معنا فرجعنا به

стр. 5377

فو الله إنه بعد مقدمنا بأشنهر مع أخيه لفى بهم «١» لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتدّ «٢» ، فقال لى ولأبيه: ذاك أخى القرشىّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه «٣» ، قالت «٤» : فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا «٥» وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا: مالك يا بنىّ؟ قال: جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعانى فشقّا بطنى، فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو؟ قالت: فرجعنا إلى خبائنا، فقال لى أبوه: يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمّه، فقالت: ما أقدمك يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ فقلت: قد بلغ الله بابنى، وقضيت الذى علىّ، وتخوّفت الأحداث عليه، فأدّيته عليك «٦» كما تحبيّن، قالت: ما هذا شأنك فاصدقينى خبرك! فلم تدعنى حتى أخبرتها؛ قالت: أفتخوّفت عليه الشيطان؟ قلت نعم. قالت كلّا والله! ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنىّ لشأنا، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى! قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منّى نور أضاء له قصور بصرى «٧» من من أرض الشام، ثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قطّ كان أخفّ ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، ورافع رأسه إلى السّماء؛ دعيه عنك وانطلقى راشدة. هكذا نقل ابن هشام فى سيرته عن ابن إسحاق.

стр. 5378

وقال محمد بن سعد فى كتابه المترجم بالطّبقات عن الواقدىّ: كان عمره يوم شقّ بطنه أربع سنين، وإن حليمة أتت به أمّه آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: إنا لا نردّه إلّا على جدع أنفنا؛ ثم رجعت به أيضا، فكان عندها سنة أو نحوها، لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، ثم رأت غمامة تظلّه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك من أمره، فقدمت به إلى أمّه لتردّه وهو ابن خمس سنين، فأضلّها «١» فى الناس، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطّلب فأخبرته، فالتمسه فلم يجده، فقام عند الكعبة فقال: لا همّ ردّ راكبى محمّدا ... اردده ربّى واصطنع عندى يدا أنت الذى جعلته لى عضدا ... لا يبعد الدهر به فيبعدا أنت الذى سمّيته محمّدا قال ابن اسحاق «٢» : يزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطّلب، فقالا: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكّة، فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوّذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمّه آمنة. وعن خالد بن معدان الكلاعىّ «٣» : أنّ نفرا من أصحاب النبى ﷺ قالوا له: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك، قال: نعم. أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى «٤» ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتانى رجلان

стр. 5379

عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذانى فشقّا بطنى، ثم استخرجا «١» قلبى فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا بطنى وقلبى بذلك الثّلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمّته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمّته، فوزننى بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمّته لوزنها. قال محمد بن إسحاق «٢» : وحدّثنى بعض أهل العلم أن مما هاج أمّه السّعدية على ردّه إلى أمه، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه، أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه ثم قالوا لها: لنأخذنّ هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره، فلم تكد تنفلت به منهم. ونقل محمد بن سعد «٣» : أن آمنة أمّ النبى ﷺ لمّا دفعته لحليمة السعديّة قالت لها: احفظى ابنى، وأخبرتها بما رأت، فمرّ بها اليهود فقالت: ألا تحدّثونى عن ابنى هذا؟ فإنّى حملته كذا، ووضعته كذا، ورأيت كذا، كما وصفت آمنة «٤» ، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه! ثم قالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا. هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه «٥» ، قالت: فذهبت به. وحضنته ﷺ أمّ أيمن [بركة «٦» ] الحبشيّة حتى كبر، فأعتقها وزوّجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد؛ وكان رسول الله ﷺ ورثها من أبيه. والله أعلم.

стр. 5380

ذكر وفاة آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ قال الواقدىّ وغيره من أهل العلم: كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغت سنّه ستّ سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدىّ بن النّجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أمّ أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به فى دار النابغة «١» ، فأقامت به عندهم شهرا، فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورا كانت فى مقامه ذلك لمّا نظر إلى أطم بنى عدىّ بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم، وكنت مع غلمان من أخوالى؛ ونظر إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بى أمّى، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله، وأحسنت العوم فى بئر بنى عدىّ بن النجّار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه «٢» ، فقالت أمّ أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هذا نبىّ هذه الأمّة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كلّه من كلامه؛ ثمّ رجعت به إلى مكّة، فلمّا كانوا بالأبواء «٣» [توفّيت آمنة بنت وهب فقبرها هناك، فرجعت به أمّ أيمن على البعيرين الّلذين قدموا عليهما إلى مكّة، وكانت تحضنه مع أمّه ثم بعد أن ماتت، فلما مرّ رسول الله ﷺ «٤» ] فى عمرة الحديبية قال: «إن الله أذن لمحمد فى زيارة قبر أمّه» فأتاه ﷺ فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه، فقيل له «٥» ، فقال: أدركتنى رحمتها فبكيت. والله الرحمن.

стр. 5381

ذكر كفالة عبد المطلب رسول الله ﷺ قال: ولما توفّيت أمّه آمنة قبضه إليه جدّه عبد المطلب وضمّه إليه ورقّ عليه رقّة لم يرقّها على ولده، وكان يقرّبه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، ويجلس على فراشه؛ وكان يوضع لعبد المطّلب فراش فى ظلّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله ﷺ يأتى وهو غلام حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى، فو الله إنّ له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه، ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع. وقال قوم من بنى مدلج «١» لعبد المطلب: احتفظ به، فإنّا لم نر قدما أشبه بالقدم التى فى المقام منه؛ فقال عبد المطلب لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء. وسنذكر إن شاء الله خبر سيف بن ذى يزن مع عبد المطلب، وما بشّره من أمر النبى ﷺ . قالوا: وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا قال: علىّ بابنى فيؤتى به إليه فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمانى سنين، هلك عبد المطّلب بن هاشم؛ ولما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحفظه وكفالته؛ [وكانت «٢» ] وفاة عبد المطّلب ابن هاشم لثمان مضين من عمر رسول الله ﷺ بالحجون، وهو يومئذ

стр. 5382

ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل ابن مائة وعشر سنين «١» حكاه السّهيلىّ «٢» ؛ قال: «وهو أوّل من خضب بالسّواد من العرب» . قال ابن قتيبة «٣» : إنّه كبر وعمى، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش فى رءوس الجبال، ويقال له الفيّاض لجوده، ومطعم طير السماء. قال ابن الأثير «٤» : «وهو أوّل من تحنّث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين» . وسئل رسول الله ﷺ : أتذكر موت عبد المطّلب؟ قال: نعم. أنا يومئذ ابن ثمانى سنين، قالت أمّ أيمن: رأيت رسول الله ﷺ يومئذ يبكى خلف سرير عبد المطّلب. قال: ولما هلك عبد المطلب ولى زمزم والسقاية عليها بعده ابنه العبّاس بن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنّا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهى بيده، فأقرّها رسول الله ﷺ على ما مضى. وعن عبد الله بن عبّاس وغيره، قالوا: لما توفّى عبد المطلب قبض رسول الله ﷺ عمّه أبو طالب، قيل بوصية من عبد المطلب، فأحبّه حبّا شديدا، وكان لا يفارقه، وكان «٥» يخصّه بالطعام «٦» ، وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى

стр. 5383

لم يشبعوا «١» ، وإذا أكل معهم النبىّ ﷺ شبعوا؛ فكان إذا أراد أن «٢» يغذّيهم قال: كما أنتم حتّى يحضر ابنى؛ فيأتى رسول الله ﷺ فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك؛ وكان الصّبيان يصبحون رمصا شعثا، ويصبح ﵇ دهينا كحيلا «٣» . ذكر خروج رسول الله ﷺ إلى الشام مع عمّه أبى طالب، وخبر بحيرا الراهب قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ اثنتى عشرة سنة وعشرة أيّام، خرج أبو طالب فى ركب تاجرا إلى الشأم، فلما تهيّأ للرحيل تعلّق به رسول الله ﷺ ؛ فرقّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجنّ به «٤» ، ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا، فخرج به معه، فلما نزل الرّكب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرا فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصّومعة راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، وهو لا يكلمهم، فصنع «٥» لهم طعاما كثيرا، وذلك أنه رأى رسول الله ﷺ ، وهو فى صومعته، فى الرّكب حين أقبلوا، وغمامة تظلّه من بين القوم،

стр. 5384

فلما نزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، نظر إلى الغمامة وقد أظلّت الشجرة، وتهصّرت «١» أغصانها على رسول الله ﷺ حتى استظلّ تحتها «٢» ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إلى القوم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحبّ «٣» أن تحضروا كلّكم؛ صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحرّكم؛ فقال له رجل منهم: يا بحيرا إنّ لك لشأنا اليوم: قال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول فاجتمعوا إليه، وتخلّف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنّه فى رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا فى القوم لم ير الصّفة التى يعرف، فقال: يا معشر قريش لا يتخلّف منكم أحد عن طعامى، قالوا: ما تخلّف عنك أحد ينبغى أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنّا تخلف فى رحالهم، قال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر، فقال رجل من قريش: واللّات والعزّى إن كان للؤما بنا أن يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام «٤» فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا قام إليه بحيرا فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللّات والعزّى إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال: لا تسألنى بهما! فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه! فقال: سلنى

стр. 5385

عمّا بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه «١» ، وهيئته، وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثمّ نظر إلى خاتم النبوّة بين كتفيه، وكان مثل أثر المحجم، فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى؟ قال له بحيرا: ما هو بابنك «٢» ، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؛ قال: فإنه ابن أخى، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حبلى به، قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده فاحذر «٣» عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شرّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده، فخرج أبو طالب سريعا حتّى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام. وروى أنّ زريرا وتمّاما ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب، قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ مثل ما رأى بحيرا فى ذلك السّفر الّذى كان فيه مع عمّه أبى طالب، فأرادوه، فردّهم «٤» عنه بحيرا، وذكّرهم الله وما يجدون فى الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لا يخلصوا إليه، فعرّفهم ما قال «٥» لهم فتركوه وانصرفوا عنه؛ قال: فشبّ رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه لما يريد به من كرامته واصطفائه إنّه خير الحافظين. والله المعين.

стр. 5386

ذكر رعيته «١» ﷺ الغنم عن عبد الله بن عمير رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نبىّ إلا قد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا. وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله نبيّا إلا راعى غنم» ، قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، رعيتها لأهل مكّة بالقراريط «٢» . وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن، قال: مرّوا على النّبى ﷺ بثمر الأراك فقال: عليكم بما اسودّ منه، فإنّى كنت أجتنيه إذ أنا راعى الغنم، قالوا: يا رسول الله، رعيتها؟ قال: نعم. وما من نبىّ إلّا قد رعاها. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه نحوه. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام «٣» : ولما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، وقيل ابن عشرين، هاجت حرب الفجار «٤» ، فشهدها ﷺ ، وكان ينبّل على أعمامه أى يردّ عليهم النّبل «٥» .

стр. 5387

وقد تقدّم ذكر حرب الفجار فى وقائع العرب، وذلك فى الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الخامس من كتابنا هذا؛ وهو فى السفر الثالث عشر من هذه النسخة والله الموفّق للصّواب وإليه المرجع. ذكر حضور رسول الله ﷺ حلف الفضول قال محمّد بن عمر بن واقد [بسند] يرفعه إلى حكيم بن حزام: كان حلف الفضول منصرف قريش من حرب الفجار، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن عشرين سنة، وكان الفجار فى شوّال، وهذا الحلف فى ذى القعدة «١» ، وكان أشرف حلف كان قطّ، وأوّل من دعا إليه الزّبير بن عبد المطّلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة، وبنو أسد بن عبد العزّى وبنو تيم فى دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكوننّ مع المظلوم حتّى يؤدّى إليه حقّه «ما بلّ بحر صوفة» ، فسّمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وقال ابن هشام «٢» : تعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلّا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه حتى تردّ عليه مظلمته. وعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : ما أحبّ أنّ لى بحلف حضرته فى دار ابن جدعان حمر النّعم وأنّى أغدر به «٣» ؛ هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم «ما بلّ بحر صوفة» ، ولو دعيت به لأجبت «٤» ، وهو حلف الفضول.

стр. 5388

قال الواقدىّ: ولا نعلم أحدا سبق بنى هاشم بهذا الحلف. وحكى أبو الفرج الأصفهانىّ «١» فى سبب تسمية هذا الحلف حلف الفضول: أن قوما من قريش قالوا فى هذا الحلف: هذا والله فضل من الحلف، فسمى حلف الفضول؛ قال: وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلف تحالف عليه قوم من جرهم «٢» فى هذا الأمر لا يقرون «٣» ظلما ببطن مكّة إلا غيّروه؛ وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة. وروى أيضا بسنده «٤» إلى أبى إسحاق بن الفضل قال: إنّما سمّت قريش هذا الحلف حلف الفضول لأنّ نفرا من جرهم يقال لهم الفضل والفضال والفضيل تحالفوا على مثل ما تحالفت عليه قريش، قال: وقال الواقدىّ «٥» : والصحيح أنّ قوما من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل هذا «٦» فلما تحالفت قريش بهذا الحلف سمّوه بذلك. والله الموفّق للصواب. ذكر خروج رسول الله ﷺ إلى الشام المرة الثانية فى التجارة وحديث نسطور قال: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة قال له عمّه أبو طالب: أنا رجل لا مال لى، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عير قومك قد

стр. 5389

حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها «١» ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك؛ وبلغ خديجة ذلك، فأرسلت إليه تقول: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج رسول الله ﷺ ومعه ميسرة غلام خديجة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، فساروا حتى قدموا بصرى «٢» ، فنزلا فى ظلّ شجرة، فقال نسطورا «٣» الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ. ثم سأل ميسرة عن رسول الله ﷺ فقال: أفى عينيه حمرة «٤» ؟ قال: نعم لا تفارقه؛ قال: هو نبىّ «٥» ، وهو آخر الأنبياء؛ ثم باع رسول الله ﷺ سلعة فوقع بينه وبين رجل تلاخ، فقال له: احلف باللّات والعزّى، فقال رسول الله ﷺ : ما حلفت بهما قطّ، وإنّى لأمرّ فأعرض عنهما، فقال الرجل القول قولك، ثم قال لميسرة «٦» : هذا والله نبىّ تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم؛ وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّيرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس، فوعى ذلك كلّه، وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون؛ فلما رجعوا وكانوا بمرّ الظّهران «٧» قال ميسرة: يا محمّد! انطلق إلى خديجة فأخبرها

стр. 5390

بما صنع الله على وجهك «١» ، فإنّها تعرف [لك «٢» ] ذلك، فتقدّم رسول الله ﷺ حتى دخل مكّة فى ساعة الظّهيرة وخديجة فى علية «٣» لها، فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره، وملكان يظلّان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك، ودخل رسول الله ﷺ عليها فخبّرها «٤» بما ربحوا فى وجههم ذلك، فسّرت به، فلمّا دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا مذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال نسطورا، وبما قال الآخر الذى حالفه «٥» فى البيع، وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمّت له. والله المعين. ذكر تزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد قال الواقدى بسند يرفعه إلى نفيسة بنت منية «٦» ؛ قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ امرأة حازمة جلدة شريفة لبيبة؛ وهى يومئذ أوسط «٧» قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا «٨» لها الأموال؛ فأرسلتنى «٩» دسيسا إلى محمد بعد أن رجع فى عيرها من الشام، فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوّج؟ فقال: ما بيدى ما أتزوّج به، قلت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشّرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هى؟ قلت خديجة، قال: وكيف لى بذلك؟

стр. 5391

قلت علىّ «١» ، فأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها. وقيل: إنّها أرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: يا بن العمّ! إنى قد رغبت فيك لقرابتك منّى، وشرفك فى قومك، وسطتك «٢» وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك؛ ثم عرضت نفسها عليه، فذكر رسول الله ﷺ ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة ابن عبد المطّلب حتى دخل على خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن أمية عمّها، وكان شيخا كبيرا وهو الصحيح، فخطبها إليه. قيل: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: «الحمد لله الذى جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء «٣» معدّ، وعنصر «٤» مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس؛ ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قلّ فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، ومحمد من «٥» قد عرفتم قرابته؛ وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصّداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل «٦» » . فتزوّجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وخديجة يومئذ بنت ثمان وعشرين سنة، وقيل: بنت أربعين سنة، وأصدقها صلى الله عليه

стр. 5392

وسلم ثنتى عشرة أوقية ونشّا ذهبا؛ الأوقية أربعون، والنّشّ عشرون، فذلك خمسمائة درهم. وروى ابن هشام «١» : أنه أصدقها ﷺ عشرين بكرة. ذكر حضور رسول الله ﷺ هدم الكعبة وبناءها قالوا: ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة شهد هدم الكعبة وبناءها، وتراضت قريش بحكمه فيها؛ وكان سبب هدم الكعبة وبنائها ما روى عن ابن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، قالا: كانت الجروف «٢» مطلّة على مكة، وكان السّيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حليه وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر. قال محمد بن إسحق «٣» : وكان كنز الكعبة فى بئر فى جوفها، فوجد عند دويك مولى لبنى مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده، وزعمت قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكانت الكعبة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وكانوا يهمّون بذلك ويهابون هدمها، فلما سرق الكنز حملهم ذلك على هدمها وبنائها؛ قال «٤» : وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم فتحطمت. قال الواقدى: كان رأس أصحاب السفينة رجلا روميا اسمه باقوم «٥» ، فخجّتها «٦» الريح إلى

стр. 5393

الشّعيبة «١» ، وكانت مرفأ السفن قبل جدّة فتحطّمت؛ فخرج الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش فابتاعوا خشبها، وقدم معهم باقوم الرومىّ. قال ابن اسحق «٢» : فأعدّوا الخشب لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطىّ نجار، فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها؛ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرّق «٣» كل يوم على جدار الكعبة، ولا يدنو منها أحد إلا احزألّت «٤» أى رفعت رأسها وكشّت «٥» وفتحت فاها، فكانوا يهابونها؛ فبينا هى يوما تتشرّق بعث الله طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا؛ عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. فلما أجمعوا أمرهم «٦» على هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو خال أبى رسول الله ﷺ ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيّبا، لا يدخل فيها مهر بغىّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ويقال إن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هو الذى قال هذا القول. قال الواقدىّ: فأمروا بجمع الحجارة، وببناء الكعبة منها؛ فبينا رسول الله ﷺ ينقل معهم، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل

стр. 5394

ذلك رسول الله ﷺ فلبط به: أى سقط من قيام، ونودى: عورتك! فكان ذلك أوّل ما نودى، فقال له أبو طالب: يا بن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى [ما أصابنى «١» ] إلا من التّعرّى؛ فما رؤيت لرسول الله ﷺ عورة بعد ذلك. قال ابن إسحاق «٢» : ثم إن قريشا جزّأت «٣» الكعبة، فكان شق «٤» الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليمانىّ لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، وكان شقّ الحجر لبنى عبد الدّار ابن قصىّ وبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عدىّ بن كعب، وهو الحطيم «٥» . وقال الواقدىّ: وقع لبنى عبد مناف وزهرة وجه البيت، وهو ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، ووقع لبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عبد الدار ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الرّكن اليمانىّ، ووقع لسهم وجمح وعدىّ وعامر بن لؤىّ ما بين الركن إلى الركن الأسود. قال ابن إسحاق «٦» : ثمّ إن الناس هابوا هدمها، وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم فى هدمها، فأخذ المعول؛ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع «٧» ،

стр. 5395

ويقال: لم نزغ «١» ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس به تلك «٢» الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء فقد رضى الله ما صنعنا فنهدم، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم ﵇، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنّة «٣» آخذ بعضها بعضا، فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقّضت مكة «٤» بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس. قال: ثم «٥» إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، كلّ قبيلة تجمع على حدة، وبنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن «٦» . والله المستعان. ذكر اختلاف قريش فى رفع الرّكن وتراضيهم بالنبى ﷺ وخبر النجدىّ قال ابن إسحاق «٧» : ولما بلغ البنيان إلى موضع الركن اختصموا فيه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتخالفوا واعتدّوا للقتال «٨» ، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملؤة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدىّ بن كعب
следующие страницы →