← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

قلت علىّ «١» ، فأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها. وقيل: إنّها أرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: يا بن العمّ! إنى قد رغبت فيك لقرابتك منّى، وشرفك فى قومك، وسطتك «٢» وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك؛ ثم عرضت نفسها عليه، فذكر رسول الله ﷺ ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة ابن عبد المطّلب حتى دخل على خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن أمية عمّها، وكان شيخا كبيرا وهو الصحيح، فخطبها إليه. قيل: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: «الحمد لله الذى جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء «٣» معدّ، وعنصر «٤» مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس؛ ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قلّ فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، ومحمد من «٥» قد عرفتم قرابته؛ وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصّداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل «٦» » . فتزوّجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وخديجة يومئذ بنت ثمان وعشرين سنة، وقيل: بنت أربعين سنة، وأصدقها صلى الله عليه

стр. 5392

وسلم ثنتى عشرة أوقية ونشّا ذهبا؛ الأوقية أربعون، والنّشّ عشرون، فذلك خمسمائة درهم. وروى ابن هشام «١» : أنه أصدقها ﷺ عشرين بكرة. ذكر حضور رسول الله ﷺ هدم الكعبة وبناءها قالوا: ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة شهد هدم الكعبة وبناءها، وتراضت قريش بحكمه فيها؛ وكان سبب هدم الكعبة وبنائها ما روى عن ابن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، قالا: كانت الجروف «٢» مطلّة على مكة، وكان السّيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حليه وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر. قال محمد بن إسحق «٣» : وكان كنز الكعبة فى بئر فى جوفها، فوجد عند دويك مولى لبنى مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده، وزعمت قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكانت الكعبة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وكانوا يهمّون بذلك ويهابون هدمها، فلما سرق الكنز حملهم ذلك على هدمها وبنائها؛ قال «٤» : وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم فتحطمت. قال الواقدى: كان رأس أصحاب السفينة رجلا روميا اسمه باقوم «٥» ، فخجّتها «٦» الريح إلى

стр. 5393

الشّعيبة «١» ، وكانت مرفأ السفن قبل جدّة فتحطّمت؛ فخرج الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش فابتاعوا خشبها، وقدم معهم باقوم الرومىّ. قال ابن اسحق «٢» : فأعدّوا الخشب لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطىّ نجار، فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها؛ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرّق «٣» كل يوم على جدار الكعبة، ولا يدنو منها أحد إلا احزألّت «٤» أى رفعت رأسها وكشّت «٥» وفتحت فاها، فكانوا يهابونها؛ فبينا هى يوما تتشرّق بعث الله طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا؛ عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. فلما أجمعوا أمرهم «٦» على هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو خال أبى رسول الله ﷺ ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيّبا، لا يدخل فيها مهر بغىّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ويقال إن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هو الذى قال هذا القول. قال الواقدىّ: فأمروا بجمع الحجارة، وببناء الكعبة منها؛ فبينا رسول الله ﷺ ينقل معهم، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل

стр. 5394

ذلك رسول الله ﷺ فلبط به: أى سقط من قيام، ونودى: عورتك! فكان ذلك أوّل ما نودى، فقال له أبو طالب: يا بن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى [ما أصابنى «١» ] إلا من التّعرّى؛ فما رؤيت لرسول الله ﷺ عورة بعد ذلك. قال ابن إسحاق «٢» : ثم إن قريشا جزّأت «٣» الكعبة، فكان شق «٤» الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليمانىّ لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، وكان شقّ الحجر لبنى عبد الدّار ابن قصىّ وبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عدىّ بن كعب، وهو الحطيم «٥» . وقال الواقدىّ: وقع لبنى عبد مناف وزهرة وجه البيت، وهو ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، ووقع لبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عبد الدار ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الرّكن اليمانىّ، ووقع لسهم وجمح وعدىّ وعامر بن لؤىّ ما بين الركن إلى الركن الأسود. قال ابن إسحاق «٦» : ثمّ إن الناس هابوا هدمها، وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم فى هدمها، فأخذ المعول؛ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع «٧» ،

стр. 5395

ويقال: لم نزغ «١» ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس به تلك «٢» الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء فقد رضى الله ما صنعنا فنهدم، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم ﵇، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنّة «٣» آخذ بعضها بعضا، فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقّضت مكة «٤» بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس. قال: ثم «٥» إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، كلّ قبيلة تجمع على حدة، وبنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن «٦» . والله المستعان. ذكر اختلاف قريش فى رفع الرّكن وتراضيهم بالنبى ﷺ وخبر النجدىّ قال ابن إسحاق «٧» : ولما بلغ البنيان إلى موضع الركن اختصموا فيه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتخالفوا واعتدّوا للقتال «٨» ، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملؤة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدىّ بن كعب

стр. 5396

ابن لؤىّ على الموت، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم، فسمّوا لعقة الدّم؛ فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان إذ ذاك أسنّ قريش كلّها: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل داخل يدخل «١» ؛ فدخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا محمد، رضينا به؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ : هلّم إلىّ ثوبا فأتى به، وقيل: بل بسط رداءه فى الأرض، وأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: ليأت «٢» من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان من ربع بنى عبد مناف عتبة بن ربيعة، وفى الربع الثانى أبو زمعة، والربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، والربع الرابع قيس بن عدىّ. هكذا نقل الواقدى، ثم قال رسول الله ﷺ : ليأخذ كلّ رجل منكم بزواية من زوايا الثّوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا، ثم وضعه رسول الله ﷺ بيده فى موضعه، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبىّ ﷺ حجرا يشدّ به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا. ونحّاه، وناول [العباس «٣» ] رسول الله ﷺ حجرا، فشدّ به الركن، فغضب النّجدىّ حين نحّى، فقال النبى ﷺ : إنه ليس يبنى معنا فى البيت إلا منّا؛ فقال النّجدىّ: يا عجبا لقوم أهل شرف، وعقول، وسنّ، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنّا، وأقلّهم مالا، فرأسوه عليهم فى مكرمتهم وجودهم كأنهم

стр. 5397

خدم له، أما والله ليفرقنّهم شيعا، وليقسمنّ بينهم حظوظا وجدودا «١» . ويقال إن النّجدىّ إبليس لعنه «٢» الله. فقال أبو طالب: إن لنا أوله وآخره ... فى الحكم والعدل الذى لا ننكره وقد جهدنا جهده لنعمره ... وقد عمرنا خيره وأكثره «٣» فإن يكن حقّا ففينا أوفره قال: ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، وكان خمسة عشر جائزا «٤» سقفوا البيت عليه، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت، قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله ﷺ إن قومك استقصروا فى «٥» بنيان الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشّرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدى أن يبنوه، فهلمّ أريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة «٦» أذرع فى الحجر، وقال ﷺ : ولجعلت لها بابين شرقيّا وغربيا، أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: فقلت: لا أدرى. قال: تعزّزا أن لا يدخلها إلا من أرادوا. قال ابن هشام «٧» : وكانت الكعبة على عهد النبىّ ﷺ ثمانى عشرة ذراعا، وكانت تكسى القباطىّ «٨» ثم كسيت البرود «٩» ، وأوّل من كساها الديباج الحجّاج ابن يوسف «١٠» .

стр. 5398

وحيث انتهينا إلى هذه الغاية من أخبار رسول الله ﷺ ، فلنذكر من بشّربه. ذكر المبشّرات برسول الله ﷺ قبل مولده ومبعثه وبعد ذلك جاءت البشائر برسول الله ﷺ فى كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائه صلوات الله عليهم، وفيما «١» نقل إلينا من كلامهم، ووجد بخطّهم، وبشّر به أحبار يهود، وعلماء النّصارى، عما انتهى إليهم من العلوم التى تلقّوها عن الأنبياء صلوات الله عليهم، ونقلوها من صحفهم، ومخّبئات كتبهم، وذخائر أسرارهم، حتى اعترف قوم بنبوّته ﷺ قبل مولده وظهوره بما شاء الله من السنين، وأوصوا به من بعدهم؛ (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) ؛ وبشّر به أيضا قبل مبعثه كهّان العرب، عما كان يأتيهم من أخبار السّماء على لسان شياطينهم الذين كانوا يسترقون السّمع ومنعوا بالشّهب، كما أخبرنا الله تعالى فى قوله: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) ، ونطق الجانّ من أجواف الأصنام بالبشارة به، فكان ذلك سببا لإسلام من سمع أصواتها ممن سبقت له من الله الحسنى، وهداه وأرشده إلى اتّباع الحق، والإيمان برسول الله ﷺ ، وبما جاء به من عند الله، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه. فأما ما جاءت به الكتب المنزلة من الله تعالى مما يدل على نبوّة سيدنا رسول الله ﷺ فقد جاء ذلك فى القرآن العزيز، وفى التوراة، والإنجيل، وزبور داود، وكتب الأنبياء: شعيا، وشمعون، وحزقيل ﵈.

стр. 5399

فأما ما جاء فى القرآن العزيز فقد قال الله : (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) . قال أهل التفسير: أخذ الله الميثاق بالوحى، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته، وأخذ عليه «١» ميثاقه: إن أدركه ليؤمننّ به؛ وقيل: أن يبيّنه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبيّنوه لمن بعدهم؛ وقوله تعالى: (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ) الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد ﷺ . وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه «٢» ، أنه قال: لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده، إلا أخذ عليهم العهود فى محمد ﷺ : لئن بعث وهو حىّ ليؤمنن به ولينصرنّه ويأخذ العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السّدّى وقتادة. وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) . روى عن قتادة: أن النبىّ ﷺ قال: كنت أول الأنبياء فى الخلق، وآخرهم فى البعث. قال القاضى عياض: فلذلك وقع ذكره مقدّما هنا قبل نوح وغيره، صلى الله عليهم أجمعين. وقال رسول الله ﷺ : «أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشّر بى عيسى» الحديث. يشير بدعوة إبراهيم ﵇ إلى قوله تعالى إخبارا عنه: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

стр. 5400

وأما ما جاء فى كتب الله السالفة ، فقد علمنا قطعا أن أهل الكتاب بدّلوا فى كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائهم، وحرّفوا كلمها عن مواضعه، وحذّفوا منها أشياء فيها صريح ذكر رسول الله ﷺ بغيا منهم وحسدا وجحودا ونكالا وافتراء على الله تعالى. هذا لا مرية عندنا فيه ولا خلاف، وقد اتّفقوا على أشياء فى كتبهم وترجموا عنها بالعربية، تدل على نبوّة سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، نحن نذكرها إن شاء الله، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أحبار يهود وغيرهم، وعرض ذلك على من استمرّ على كفره، فلم يسعه إنكاره بل أقرّبه، على ما نذكر إن شاء الله تعالى فى مواضعه. فأما ما اتفقوا عليه مما جاء فى التوراة وترجموه بالعربية ورضوا ترجمته فمن ذلك قوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران» . وفى ترجمة «١» أخرى كذلك: «تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران» . قال العلماء: وفى هذا تصريح بنبوّة محمد ﷺ ، لأن الطّور «٢» هو الجبل الذى اصطفى الله تعالى موسى عليه بتكليمه، وساعير: جبل بالشام منه ظهرت نبوّة عيسى بن مريم، وبالقرب منه قرية الناصرة التى ولد فيها، وفاران: هى مكة شرفها الله تعالى.

стр. 5401

قال الشيخ حجة الدين أبو هاشم «١» محمد بن ظفر فى كتابه المترجم بخير البشر «٢» : لا يخالف فى هذا أحد من أهل الكتاب. قال: «وأما قوله: جاء الله من طور سيناء فإن مجىء «٣» الله هو مجىء كتابه وأمره كما قال الله تعالى: (فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) ؛ أى أتاهم أمره. وقوله: «وأشرق لنا من ساعير» كناية عن ظهور أمره «٤» وكلامه، قال: وكذلك قوله: «واستعلن من جبال فاران» ، أى ظهر أمره، وكتابه، وتوحيده، وحمده، وما شرعه رسوله من ذكره بالأذان والتلبية «٥» وغير ذلك؛ قال ابن ظفر «٦» : «وقرأت فى ترجمة للتوراة خطابا لموسى ﵇، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه فأخذتهم الرّجفة خصوصا، ثم سائر بنى إسرائيل عموما: والله ربك يقيم نبيا من إخوتك، فاستمع له كالذى سمعت ربّك فى حوربت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله «٧» ربى لئلا أموت، فقال الله لى «٨» : نعم ما قالوا، وسأقيم لهم نبيا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامى فى فمه، فيقول لهم: كلّ شىء آمره به، وأيّما رجل لم يطع من تكلم باسمى فإنى أنتقم منه. وفى هذا «٩» أدلّة على نبوّة نبينا ﷺ ، منها قوله: «من إخوتهم» ، وموسى وقومه من بنى إسحاق، وإخوتهم بنو إسماعيل، ولو كان الموعود «١٠» من

стр. 5402

بنى إسحاق، لكان من أنفسهم، لا من إخوتهم، كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم فى دعوته: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) ، وكما قال تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ؛ ومنها قوله: «نبيا مثلك» ، وقد قال فى التوراة: «لا يقوم فى بنى إسرائيل أحد مثل موسى» ، وفى ترجمة أخرى: «مثل موسى لا يقوم فى بنى إسرائيل أبدا» ؛ ومنها قوله: «أجعل كلامى فى فمه» ، فهو واضح أن المقصود به محمد ﷺ ، لأن معناه: أوحى إليه بكلامى فينطق به؛ وقوله: «أيّما رجل لم يطع من تكلّم باسمى فإنى أنتقم منه» دليل على كذب اليهود فى قولهم: إن الله أمرنا بمعصية كلّ نبى دعا إلى دين سمّى نسخا لبعض ما شرعه موسى ﷺ . والله تعالى أعلم. وأما ما اتفقوا عليه، ورضوا ترجمته مما فى الإنجيل فمن ذلك ما ترجموه فى الإنجيل: أن عيسى ﵇ قال: «إن أحببتمونى فاحفظوا وصيتى، وأنا أطلب إلى أبى فيعطيكم بارقليط آخر يكون معكم الدهر كلّه، فهذا تصريح بأن الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه فى تبليغ رسالات ربه، وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقية مخلّدة أبدا» ، ولم يأت بذلك بعد عيسى إلا محمد ﷺ . ومنه ما ترجموه: «إن هذا الكلام الذى سمعتموه ليس هو لى، بل للأب الذى أرسلنى، كلّمكم بهذا وأنا معكم، فأما البارقليط: روح القدس الذى يرسل أبى باسمى، فهو يعلّمكم كلّ شىء، ويذكّركم جميع ما أقول لكم» . قال ابن ظفر: قولهم: «أبى» : فهذه اللفظة عندنا مبدلة محرّفة، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين إشارة إلى الرب سبحانه، لأنها عندهم لفظة

стр. 5403

تعظيم يخاطب بها المتعلّم معلّمه الذى يستمدّ العلم منه؛ قال: ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية؛ قال: وأما قوله: «يرسله أبى باسمى» فهو إشارة إلى شهادة رسول الله ﷺ له بالصّدق والرسالة، وما تضمّنه القرآن من مدحه وتنزيهه عما افتراه اليهود فى أمره. ومما ترجموه ورضوا ترجمته قولهم: إنه قال: «إذ قال البارقليط الذى أرسل إليكم من عند أبى، روح الحق الذى يخرج من الأب، فهو يشهد لى، وأنتم تشهدون لى أيضا لكينونتكم معى من أوّل أمرى» . قال: قوله «روح الحق الذى يخرج من الأب» كناية عن كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) . وقوله: «يشهد لى» تصريح بنبوّة محمد ﷺ ، إذ لم يشهد للمسيح ﵇ بالنبوّة، والنزاهة عما افترى عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيّه ورسوله، كتاب سوى القرآن، ولم تزل الأمم تكذّب المتّبعين للمسيح، واليهود يفترون العظائم من البهتان، حتى بعث الله محمدا ﷺ فشهد للمسيح بما شهد به حواريّوه الذين كانوا معه من أوّل أمره، والمهتدون من أمته. قال: ومما رضوه من الترجمة أيضا عن الإنجيل قوله فيه: «إن انطلاقى خير لكم، لأنى إن لم أنطلق لم يأتكم البارفليط؛ فإذا انطلقت أرسلت به إليكم، فإذا جاء فنّد أهل العلم» . قال: فهذا ظاهر، وقوله: «أرسلت به إليكم» إن كان سالما من التحريف، فمعناه مثل معنى قوله: «إن لم أنطلق لم يأتكم» ، وقوله: «فنّد» وصف صريح للنبىّ ﷺ ، فهو الذى فنّد علماء اليهود والنّصارى فيما أطبقوا عليه من أن المسيح قتل وصلب بعد أن عذّب، وما انفرد

стр. 5404

به علماء اليهود من بهتانهم فى الطّعن على المسيح، وما انفرد به علماء النّصارى من الدعوة إلى ألوهية المسيح، فرسول الله ﷺ فنّد جميعهم. والتّفنيد: التخطئة وتقبيح القول والرأى. قال ابن ظفر: وقرأت فى ترجمة أخرى للإنجيل: أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبّخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه ما يسمع يكلّمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب» . ورسول الله ﷺ هو الذى وبخ العلماء من أهل الكتاب على كتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدّين بالثّمن البخس من عرض «١» الدنيا، وهو الذى أخبر بالحوادث والغيوب. وقال ابن ظفر: والذى صح عندى فى معنى البارقليط: أنه الحكيم الذى يعرف السّر؛ وقد تقدّم ما يدلّ على أنه الرسول. وأما ما جاء فى زبور داود ﵇ ممّا ترجمه أهل الكتاب ، فمن ذلك قوله: «اللهم اجعل جاعل السّنة يحيا، يعلّم الناس أنه بشر» ؛ ويفهم من هذا: أن داود ﵇ أطلعه الله تعالى على ما سيقوله النصارى فى المسيح إذا أرسله، من أنه إله معبود، فدعا الله سبحانه بأن يبعث محمدا ﷺ فيعلّمهم أن المسيح بشر. وفيه أيضا مما ترجموه: «أنه فاضت الرحمة على شفتيك، من أجل ذلك أبارك عليك، إلى الأبد، فتقلّد السّيف، فإن بهاءك وحمدك الغالب، واركب كلمة الحق، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك؛ والأمم يخرون تحتك» ؛ قال: فالذى قرنت شريعته بهيبة يمينه، وخرّت الأمم تحته، هو رسول الله ﷺ .

стр. 5405

ومنها، وذكر رجلا فقال: «فإذا قام جاز «١» من البحر إلى البحر، ومن عند الأنهار إلى منقطع البرّ، وخرّ أهل الجزائر قدّامه على وجوههم وركبهم، ولحس أعداؤه التراب لهيبته، وجاءته الملوك بالقرابين، ودانت له الأمم بالطاعة؛ لأنه يخلّص الضعيف المغلوب البائس ممن هو أقوى منه، ويقوّى الضعيف الذى لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلّى ويبارك عليه فى كلّ وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد» . فهذا فى غاية الظّهور أن المراد به رسول الله ﷺ . وأما ما ترجموه من كتاب شعيا «٢» ﵇ ورضوا ترجمته فقوله «٣» : «عبدى الذى سرّت به نفسى أنزل عليه وحيى، فيظهر فى الأمم عدلى، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته فى الأسواق «٤» ؛ يفتح العيون العور، والآذان الصّمّ، ويحيى القلوب الغلف؛ وما أعطيه لا أعطى «٥» أحدا، مشقّح «٦» يحمد الله حمدا جديدا، يأتى من أقصى الأرض، تفرح البرية وسكانها يهلّلون الله على كلّ شرف، ويكررونه على كل رابية، ولا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّى الصدّيقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذى لا يطفأ، أثر سلطانه على كتفيه» .

стр. 5406

قال ابن ظفر «١» : هذه ترجمة السريانيين، وعبّر العبرانيون عنه بأن قالوا: «على كتفيه علامة النبوّة» ؛ فهذا كلّه صريح فى البشارة به ﷺ ، مع ما فيه من ذكر قيام دولة العرب بقوله: «تفرح البريّة وسكّانها» ؛ وأما قوله: [مشقّح «٢» ] فهو محمد، لأن الشّقح بلغتهم الحمد. ومما ترجموه منه أن شعياء ﵇ قال «٣» : «قم نظّارا فانظر ما ترى، فأخبر به، فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار، والآخر على جمل؛ يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها» فهذه بشارة صريحة بمحمد ﷺ ؛ لأنه راكب الجمل لا محالة، ولأن ملك بابل إنما ذهب بنبوّته ﷺ وعلى يد أصحابه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال «٤» : وقد كان على باب من أبواب الإسكندرية صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس. فى هيئة العرب مؤتزر مرتد، عليه عمامة، وفى رجليه نعلان، كلّ ذلك من نحاس؛ وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم: أعطنى حقّى قبل أن يخرج هذا فيأخذ لى بحقّى منك، شئت أو أبيت، ولم يزل الصّنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص أرض مصر، فغيّبوا الصنم. ومنه: «أيّتها العاقر! افرحى واهتزّى وانطلقى بالتسبيح، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلى» . قال: فالعاقر مكة، لأنهابواد غير ذى زرع، أو لأن الله لم يبعث

стр. 5407

بها نبيا فى ذلك الزمن دون غيرها، فهى عاقر، وقوله: «انطلقى بالتسبيح» إشارة إلى عمارتها بأهل ذكر الله، وقوله: «يكون أهلك أكثر من أهلى» ، قال: إن سلم من التحريف وسوء العبارة «فمن» زائدة، والمعنى أن المسلمين يكونون أكثر أهل طاعة الله وتوحيده «١» ، وقد أخبر النبىّ ﷺ أن أمّته أكثر أهل الجنة. والآل والأهل يكنّى بهما عن [الجماعة] الخاصّة «٢» ، قال عبد المطلب بن هاشم: نحن آل الله فى بلدتنا ... لم نزل آلا «٣» على عهد إرم ولمّا روجع أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى استخلافه عمر بن الخطّاب وقيل له: ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا فظّا غليظا؟ فقال: أقول تركت على أهلك خير أهلك. والله الفعّال. ومن كتاب شمعون ﵇ ممّا ترجموه ورضوا ترجمته قوله: «جاء الله بالبيّنات «٤» من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته» ، وقد تقدّم أن جبال فاران هى جبال مكّة شرّفها الله، ومجىء الله هو مجىء كتابه. ومن كتاب حزقيل ﵇ مما ترجموه من قصة ذكر فيها ظهور اليهود وعزّتهم، وكفرانهم للنعم، فشبّههم فيها بالكرمة حيث «٥» قال: «لم تلبث تلك الكرمة أن قلعت «٦» بالسخطة، ورمى بها على الأرض، فأحرقت السمائم أثرها، فعند ذلك غرس غرس فى البدو، وفى الأرض المهملة العطشى، فخرجت من أغصانه الفاضلة نار فأكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها قضيب» .

стр. 5408

قال: فلا شك أن أرض البدو المهملة العطشى هى أرض العرب، وغرس الله الذى غرسه فيها هو محمد ﷺ ، وقد أخزى الله به اليهود والله أعلم. وممّا نقل من كلام خيقوق ، وهو الذى زعمت اليهود أنه ادّعى النبوّة فى عهد بختنصّر، وحكوا عنه أنه قال: «إذا جاءت الأمّة الآخرة يسبّح بهم صاحب الجمل- أو قال: راكب الجمل- تسبيحا جديدا فى الكنائس الجدد، فافرحوا، وسيروا إلى صهيون بقلوب آمنة، وأصوات عالية، بالتسبيحة الجديدة التى أعطاكم الله فى الأيام الآخرة، أمّة جديدة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين، فينتقمون من الأمم الكافرة فى جميع الأقطار» . ولا شكّ أن راكب الجمل أو صاحب الجمل من الأنبياء هو محمد ﷺ ، والأمّة الجديدة هى العرب، والكنائس الجدد هى المساجد، وصهيون: مكة، والتسبيحة الجديدة: «لبّيك اللهم لبّيك» . ونقل أيضا عن خيقوق هذا أنه قال: «جاء الله من اليمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأضاءت الأرض لنوره، وحملت خيله فى البحر» . والله أعلم. ومما وجد بخط موسى بن عمران ﵇ ما روى معمر عن الزّهرى أنه قال: أشخصنى هشام بن عبد الملك إلى الشام، فلما كنت بالبلقاء وجدت حجرا مكتوبا عليه بالخط العبرانىّ، فطلبت من يقرؤه، فأرشدت إلى شيخ، فانطلقت به إلى الحجر، فقرأه وضحك، فقلت: ممّ تضحك؟ قال: أمر عجيب، مكتوب على هذا الحجر: باسمك اللهم جاء الحقّ من ربك، لسان عربىّ مبين؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكتبه موسى بن عمران بخطّ يده.

стр. 5409

وإنما ألحقنا هذا الخبر بما قبله لأن موسى ﷺ إنما يكتب بخطه ما تلقّاه عن الله تعالى، أو عن كتبه المنزلة؛ وهذا الذى أوردناه مما جاء فى كتب الله السالفة هو الذى أبداه أهل الكتاب وأثبتوه، وترجموه ورضوا ترجمته فى تحريفهم وتبديلهم. وأما ما كتمه أهل الكتاب ممّا فيه صريح ذكر النبى ﷺ ودلّنا عليه وأخبرنا به من أسلم «١» منهم ممّن جاز لنا أن نروى عنه ونقبل روايته؛ مثل وهب، وكعب الأحبار، وأبى ثعلبة بن أبى مالك. فأما «٢» ما جاء عن وهب بن منبّه. فإنه روى عنه أنه قال: قرأت فى بعض كتب الله المنزلة على نبىّ من بنى إسرائيل: «أن قم فى قومك، فقل يا سماء اسمعى، ويا أرض أنصتى؛ لأن الله يريد أن يقصّ شأن بنى إسرائيل: أنى ربّيتهم بنعمتى، وآثرتهم بكرامتى، واخترتهم لنفسى، وأنى وجدت بنى إسرائيل كالغنم الشاردة التى لا راعى لها، فرددت شاردها، وجمعت ضالّتها، وداويت مريضها، وجبرت كسيرها، وحفظت سمينها؛ فلما فعلت بها ذلك بطرت، فتناطحت كباشها، فقتل بعضها بعضا. فويل لهذه الأمّة الخاطئة، ويل لهؤلاء القوم الظالمين؛ إنى قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء حتما، وجعلت له أجلا مؤجّلا لا بدّ منه، فإن كانوا يعلمون الغيب فليخبروك متى حتمته، وفى أى زمان يكون ذلك، فإنى مظهره على الدين كله، فليخبروك متى يكون هذا، ومن القيّم به، ومن أعوانه وأنصاره، إن كانوا يعلمون الغيب فإنى باعث بذلك رسولا من الأمّييّن ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صحّاب فى الأسواق، ولا قوّال بالهجر والخنى، أسدّده

стр. 5410

بكل جميل، وأهب له كلّ خلق كريم، وأجعل السكينة على لسانه، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه والحقّ شريعته، والعدل سيرته، والإسلام ملّته، أرفع به من الوضيعة، وأغنى به من العيلة، وأهدى به من الضلالة، وأؤلّف به بين قلوب متفرّقة، وأهواء مختلفة، وأجعل أمّته خير الأمم إيمانا بى وتوحيدا «١» لى، وإخلاصا بما جاء به رسولى، ألهمهم التسبيح والتحميد والتمجيد لى فى صلواتهم «٢» ومساجدهم ومنقلبهم ومثواهم، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتى يقاتلون فى سبيلى صفوفا، ويصلّون «٣» لى قياما وركوعا وسجودا، يكبّروننى على كلّ شرف، رهبان بالليل، أسد بالنهار؛ ذلك فضلى أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم» . ومنه ما روى عنه أنه قال: قرأت فى بعض الكتب القديمة: «قال الله ﵎: وعزّتى وجلالى لأنزلنّ على جبال العرب نورا يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبيا عربيا أمّيا يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بى ربّا، وبه رسولا، ويكفرون بملل آبائهم، ويفرّون منها. قال موسى: سبحانك وتقدّست أسماؤك! لقد كرّمت هذا النبى وشرّفته، قال الله : يا موسى إنى أنتقم من عدوّه فى الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة، وسلطانه ومن معه «٤» على البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، وأذلّ من خالف شريعته؛ يا موسى: بالعدل ربّيته «٥» ، وبالقسط أخرجته؛

стр. 5411

وعزّتى لأستنقذنّ به أمما من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد، مثل كتابه الذى يجىء به، فاعقلوه يا بنى إسرائيل مثل السّقاء المملوء لبنا يمخض فيخرج زبدا، بكتابه أختم الكتب، وبشريعته أختم الشرائع، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل فى شريعته فهو من الله برىء، أجعل أمّته يبنون فى مشارق الأرض ومغاربها مساجد، إذا ذكر اسمى فيها ذكر اسم ذلك النبىّ معى، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول. وأما ما جاء عن كعب الأحبار ﵀ ، فمن ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: يا كعب، أدركت النبىّ ﷺ ، وقد علمت أن موسى بن عمران تمنّى أن يكون فى أيامه فلم تسلم على يده، ثم أدركت أبا بكر وهو خير منّى فلم تسلم على يده، ثم أسلمت فى أيّامى، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علىّ، فإنى كنت أتثبّت حتى أنظر كيف الأمر؟ فوجدته كالذى هو فى التوراة. قال عمر: كيف هو فيها؟ قال: رأيت فى التوراة أن سيد الخلق، والصفوة من ولد آدم، يظهر من جبال فاران من منابت القرظ من الوادى المقدّس، فيظهر التوحيد والحق، ثم ينتقل إلى طيبة، فتكون حروبه وأيامه بها، ثم يقبض فيها، ويدفن بها. قال عمر: ثم ماذا يا كعب؟ قال كعب: ثم يلى بعده الشيخ الصالح. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يموت متّبعا. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى بعده القرن الحديد- وفى لفظ: مدرع من حديد- قال عمر: وادفراه «١» ! ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يقتل شهيدا؛ قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب

стр. 5412

الحباء والكرم، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يقتل مظلوما، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب المحجّة البيضاء، والعدل والسواء، صاحب الشّرف التامّ، والعلم الجام «١» ، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يموت شهيدا سعيدا، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم ينتقل الأمر إلى الشام؛ قال عمر: حسبك يا كعب. ومما جاء عنه ما روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن رجلا جاء إلى كعب الأحبار من بلاد اليمن فقال له: إن فلانا الحبر اليهودىّ أرسلنى إليك برسالة، قال كعب: هاتها! فقال: إنه يقول لك: ألم تكن فينا سيّدا شريفا مطاعا؟ فما الذى أخرجك من دينك إلى أمّة «٢» محمد؟ فقال له كعب: أتراك راجعا؟ قال: نعم، قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفرّ منك وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالذى ردّ موسى إلى أمّه، وأسألك بالذى فلق «٣» البحر لموسى، وأسألك بالذى ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها علم كلّ شىء، ألست تجد فى كتاب الله أن أمّة محمد ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنّة بغير حساب، وثلث يدخلون الجنة برحمة الله، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة؛ فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلنى فى أىّ هذه الثلاثة شئت. ومنه ما رواه عطاء بن يسار وأبو صالح عنه «٤» أنه قال: أجد فى التوراة: أحمد عبدى المختار، لا فظّ، ولا غليظ، ولا صحّاب فى الأسواق، ولا مجز

стр. 5413

بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، أمّته الحمّادون؛ يحمدون الله على كلّ حال، ويسبّحونه فى كلّ منزلة، ويكبّرونه على كل شرف، يأتزرون على أوساطهم، ويصونون أطرافهم «١» ، وهم رعاة الشمس، ومؤذّنهم ينادى فى جوّ السماء، وصفّهم فى الصلاة سواء؛ رهبان بالليل، أسد بالنهار، لهم بالليل دوىّ كدوىّ النحل، يصلّون الصلاة حيثما أدركتهم من الأرض؛ مولده مكّة، مهاجره طابة، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح الله به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا. ومنه ما روى أن معاوية بن أبى سفيان قال لكعب: دلّنى على أعلم الناس بما أنزل الله على موسى لأسمع كلامك معه، فذكر له رجلا من اليهود باليمن، فأشخصه إليه، فجمع معاوية بينهما، فقال له كعب: أسألك بالذى فرق البحر لموسى أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمة مرحومة، وهى خير أمّة أخرجت للنّاس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل «٢» ، ويؤمنون بالكتاب الآخر «٣» ، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذّاب، فاجعلهم يا ربّ أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟ قال الحبر: نعم أجد ذلك، ثم قال: كعب للحبر: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر، وإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد

стр. 5414

لهم طهور، يتطهّرون به من الجنابة كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، حيث كانوا فلهم مسجد، غرّ محجّلون من الوضوء، فاجعلهم أمتى. قال: هم أمة أحمد؟ فقال الحبر: نعم أجد ذلك؛ قال: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإذا عملها أضعفت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإذا عملها كتبت عليه سيئة مثلها، فاجعلهم أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟ قال الحبر: نعم، أجد ذلك؛ قال كعب: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمّة يأكلون كفّاراتهم وصدقاتهم، إنهم يطعمونها مساكينهم ولا يحرقونها كما كان غيرهم من الأمم يفعل؟. وجاء فى حديث آخر غير هذا ممّا هو منسوب إلى كتب الله السالفة: «يأكلون قرابينهم «١» فى بطونهم» . والمراد الضحايا. ومنه ما روى عنه أنه قال: كان لأبى سفر من التوراة يجعله فى تابوت ويختم عليه، فلما مات أبى فتحته، فإذا فيه: إن نبيا يخرج فى آخر الزمان هو خير الأنبياء «٢» ، وأمّته خير الأمم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، يكبّرون الله على كل شرف، ويصفّون فى الصلاة كصفوفهم فى القتال، قلوبهم مصاحفهم، يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين، اسمه أحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون الله على كل شدّة، رخاء، مولده مكة، ودار هجرته طابة، لا يلقون عدوّا إلا وبين أيديهم

стр. 5415

ملائكة معهم رماح، تحنّن الله عليهم كتحنّن «١» الطير على فراخها، يدخلون الجنّة؛ يأتى ثلث منهم يدخلون «٢» الجنة بغير حساب، ثم يأتى ثلث منهم بذنوب وخطايا، فيغفر لهم، ويأتى ثلث «٣» بذنوب وخطايا عظام، فيقول الله: اذهبوا بهم فزنوهم وانظروا إلى أعمالهم، فيزنونهم «٤» ويقولون: ربنا! وجدناهم قد أسرفوا على أنفسهم، ووجدنا أعمالهم من الذنوب أمثال الجبال، غير أنهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، فيقول الله: وعزّتى لا أجعل من أخلص لى الشهادة كمن كفر بى؛ قال كعب: فأنا أرجو أن أكون من هذه الثلاثة إن شاء الله تعالى. ومنه ما روى أن رجلين جلسا يتحدّثان وكعب الأحبار قريب منهما، فقال أحدهما: رأيت فيما يرى النائم كأن الناس حشروا، فرأيت النبيّين كلّهم لهم نوران نوران، ورأيت لأشياعهم «٥» نورا نورا، ورأيت محمدا ﷺ وما من شعرة فى رأسه ولا جسده إلا وفيها نور، ورأيت أتباعه ولهم نوران نوران، فقال له كعب: اتق الله تعالى يا عبد الله! وانظر ما تتحدّث «٦» به، فقال الرجل: إنما هى رؤيا منام أخبرت بها على ما أريتها، فقال كعب: والذى بعث محمدا بالحق ﷺ ، وأنزل التوراة على موسى بن عمران، إنّ هذا لفى كتاب الله المنزل على موسى بن عمران كما ذكرت. وأما ما جاء «٧» عن أبى ثعلبة وهو أبو مالك، وكان من أحبار يهود، فقد روى الواقدىّ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له: يا أبا مالك! أخبرنى

стр. 5416

بصفة النبىّ ﷺ فى التّوراة فقال: إن صفته فى توراة بنى إسرائيل «١» التى لم تبدّل ولم تغيّر أحمد، من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء؛ وهو النبىّ العربىّ، يأتى بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، فى عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوّة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشّملة، ويجتزئ بالبلغة ويركب الحمار «٢» ، ويمشى فى الأسواق، سيفه على عاتقه، لا يبالى من لقى من الناس، معه صلاة لو كانت فى قوم نوح ما أهلكوا بالطّوفان، ولو كانت فى قوم عاد ما أهلكوا بالرّيح، ولو كانت فى ثمود ما أهلكوا بالصّيحة، مولده مكّة، ومنشؤه وبدء نبوّته بها، ودار هجرته يثرب بين لابتى حرّة ونخل وسبخة، وهو أمّىّ لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهو الحمّاد يحمد الله على كلّ شدّة ورخاء، سلطانه بالشام، وصاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدا، ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا، تكون له وقعات بيثرب، منها له ومنها عليه، ثم له العاقبة، معه قوم هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، وقربانهم دماؤهم، ليوث النهار رهبان الليل، يرعب عدوّه منه مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم، لا شرطة معه ولا حرس، الله يحرسه. وكان من هؤلاء أيضا عبد الله بن سلام «٣» ومخيريق «٤» ؛ وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى عند ذكر إسلامهما بعد الهجرة على ما تقف عليه هناك. هذه رواية من أسلم من أهل الكتاب.

стр. 5417

وأما من بشّر به ﷺ من أهل الكتابين ممّن لم يسلم ظاهرا ، ولا علم لهم إسلام، ومن أقرّ بنبوّته ﷺ ولم يدر له مكان. فمن «١» هؤلاء من بشّر به وأخبر بنبوّته قبل مولده، ومنهم من ذكر ذلك حال مولده لقرائن كان يرقب وقوعها تدلّ على مولده فوقعت؛ ومنهم من بشّر به فى حال طفوليّته، ومنهم من بشّر به قبل مبعثه، ومنهم من ذكر صفته بعد مبعثه ورؤيته له، وذكّر قومه بها وحقّق عندهم أنه هو، ودليل كلّ منهم ما كان يجده عنده من أخباره فى الكتب السالفة التى تلقّاها عن أسلافه، ومنهم من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره وصفته، ومنهم من أظهر تمثال صورته، وصور بعض أصحابه وهيئتهم، وكان ذلك مصوّرا فى بيوت فى بيعهم على ما تذكر ذلك مسهبا «٢» إن شاء الله. فأما من بشّر به وأخبر بنبوّته وصفته ﷺ قبل مولده ؛ فمن ذلك ما حكاه ابن إسحاق فى خبر تبّع الأوّل «٣» ، قال: وكان من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها، وكان له وزراء، واختار منهم واحدا، وأخرجه معه، وكان يسمّى عمار «٤» يشا، وأخذه لينظر فى مملكته، وخرج معه مائة ألف من الفرسان، وثلاثة وثلاثون ألفا، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرّجّالة، وكان إذا أتى بلدة يختار منها عشرة رجال من حكمائها، حتى جاء إلى مكة، فكان معه مائة ألف رجل من العلماء والحكماء الذين اختارهم من البلدان، فلم يهبه أهل مكة

стр. 5418

ولم يعظّموه، فغضب لذلك، ثم دعا وزيره عمار «١» يشا وقال: كيف شأن أهل هذه البلدة؟ فإنهم لم يهابونى، ولم يخافوا عسكرى، فقال: أيها الملك إنهم قوم عرب «٢» جاهلون لا يعرفون شيئا، وإن لهم بيتا يقال له كعبة، وهم معجبون بهذا البيت، وهم قوم يعبدون الطّواغيت، ويسجدون للأصنام. فقال الملك: وهم معجبون بهذا البيت؟ قال: نعم، فنزل بعسكره ببطحاء مكّة، وفكر فى نفسه دون الوزير، وعزم على هدم الكعبة، وتسميتها خربة، وأن يقتل رجالهم، ويسبى نساءهم، فأخذه الله بالصّداع، وتفجّر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن، فلم يصبر عنه أحد طرفة عين من نتن الريح، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطبّاء وشاورهم فى أمرى، فاجتمع عنده الأطبّاء والعلماء والحكماء، فلم يقدروا على المقام عنده، ولم يمكنهم مداواته، فقال: إنى جمعت الأطبّاء والعلماء والحكماء من جميع البلدان، وقد وقعت فى هذه الحادثة ولم يقدروا على مداواتى، فقالوا بأجمعهم: إنا نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض، وهذا شىء من السماء لا نستطيع ردّ أمر السماء، ثم اشتدّ أمره، وتفرّق الناس عنه، ولم يزل أمره فى شدّة حتى أقبل الليل، فجاء أحد العلماء إلى الوزير وقال: إن بينى وبينك سرا، وهو إن كان الملك يصدقنى فى حديثه عالجته، فاستبشر الوزير بذلك وأخذ بيده، وحمله إلى الملك، وأخبره بما قال الحكيم، وما التمسه من صدق الملك، حتى يعالج علّته، فاستبشر الملك بذلك، وأذن له فى الدّخول، فلما دخل قال: أريد الخلوة، فأخلى له المكان، فقال: نويت لهذا البيت سوءا؟ قال: نعم؛ إنى نويت خرابه، وقتل

стр. 5419

رجالهم، وسبى ذراريّهم، فقال له: إنّ وجعك وما بليت به من هذا. اعلم أن صاحب هذا البيت قوىّ يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أذى هذا البيت ولك خير الدنيا والآخرة، قال الملك: أفعل، قد أخرجت من قلبى جميع المكروهات، ونويت جميع الخيرات، فلم يخرج العالم من عنده حتى برئ من علّته، وعافاه الله بقدرته، فآمن بالله من ساعته، وخرج من منزله صحيحا على دين إبراهيم ﵇، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوّل من كسا الكعبة، ودعا أهل مكة، وأمرهم بحفظ الكعبة، وخرج إلى يثرب، وهى يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت مبنىّ ولا بناء، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه، ومعهم رئيسهم عماريشا الذى كان يرى برأيه. ثم إن العلماء والحكماء اجتمعوا، وكانوا أربعة آلاف، فأخرجوا من بينهم أربعمائة هم أعلمهم، وبايع كلّ واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإن ضربهم الملك أو قتلهم، فلما علم الملك ما قد عزموا عليه، قال للوزير: ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معى، وأنا محتاج إليهم؟ وأىّ حكمة فى نزولهم فى هذا المكان، واختيارهم إياه على سائر النّواحى، فلما أتاهم الوزير وسألهم عما عزموا عليه، واختيارهم المقام بهذه البقعة، قالوا له: أيها الوزر! إن شرف ذلك البيت، وشرف هذه البقعة التى نحن فيها بشرف رجل يبعث فى آخر الزمان، يقال له محمد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه وآمن به، وقد كنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الوزير مقالتهم همّ بالمقام معهم، فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا، فقالوا: لا نفعل، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا، فدعا الوزير فأخبره بما سمع منهم، فتفكّر الملك وهمّ أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمدا ﷺ ، فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار، لكل رجل من العلماء

стр. 5420

دار، واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوّجها برجل منهم، وأعطى كلّ واحد منهم عطاء جزيلا، وأمرهم أن يقيموا فى ذلك الموضع إلى أن يجىء زمان النبى ﷺ ، ثم كتب كتابا وختمه بخاتم من ذهب، ودفعه إلى العالم الكبير، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد ﷺ إن أدركه، وإلا أوصى به أولاده بمثل ما أوصاه به، وكذلك أولاده حتّى ينتهى أمره إلى محمد ﷺ . وكان فى الكتاب: أما بعد فانى آمنت بك وبكتابك الذى أنزل عليك، وأنا على دينك وسنّتك، وآمنت بربك وربّ كلّ شىء، وآمنت بكل ما جاء من ربّك من شرائع الإيمان والإسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لى، ولا تنسنى يوم القيامة، فإنى من أمّتك الأوّلين؛ وتابعيك «١» قبل مجيئك، وأنا على ملّتك وملّة أبيك إبراهيم ﵇. ثم ختم الكتاب ونقش عليه: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد الله نبىّ الله ورسوله، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين، ﷺ ، من تبّع الأوّل حمير بن حمير ابن وردع «٢» أمانة لله فى يد من وقع اليه إلى أن يوصله إلى صاحبه، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذى أبرأه من علّته. وصار تبّع من يثرب حتى مات بقلسان «٣» من بلاد الهند. وكان من اليوم الذى مات فيه تبّع الى اليوم الذى بعث فيه النبى ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص، وكان الأنصار الذين نصروا النبى ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء، فلما هاجر النبى ﷺ الى المدينة، سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى؛ فكانوا يتعلّقون بناقته وهو يقول: خلّوا الناقة فإنها مأمورة، حتى جاءت الى دار أبى أيّوب، وكان من أولاد العالم الذى أبرأ تبعا برأيه.

стр. 5421

قال ابن إسحاق: واستشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف فى إيصال الكتاب الى النبى ﷺ لمّا ظهر خبره قبل هجرته، فأشار عبد الرحمن أن يدفعوه الى رجل ثقة، فاختاروا رجلا يقال له أبو ليلى وكان من الأنصار، فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه، فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة، فوجد النبىّ ﷺ فى قبيلة من بنى سليم، فعرفه رسول الله ﷺ ، فدعاه وقال: أنت أبو ليلى؟ فقال: نعم، قال: معك كتاب تبّع الأول؟ قال: نعم، فبقى الرجل متفكّرا، وقال فى نفسه: إن هذا من العجائب، ثم قال له أبو ليلى: من أنت، فإنى لست أعرفك؟ إن فى وجهك أثر السحر، وتوهمّ أنه ساحر، فقال له: بل أنا محمد رسول الله، هات الكتاب، فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ ، فأخذه النبى ﷺ ودفعه الى علىّ كرم الله وجهه، فقرأه عليه، فلما سمع النبى ﷺ كلام تبّع قال: مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرّات، ثم أمر أبا ليلى بالرجوع الى المدينة، فرجع وبشّر القوم بقدوم النبى ﷺ . ومن ذلك ما روى أن أبا كرب تبان بن أسعد ملك اليمن «١» أحد التبابعة لما قصد بلاد الشرق «٢» ، جعل طريقه على يثرب، فلم يهج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها، فجمع له أهل المدينة ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلّة أحد بنى النجار؛ وهو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن النجّار، وطلّة أمّه؛ وهى بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة «٣» .

стр. 5422

قال محمد «١» بن إسحاق: وكان رجل من بنى عدىّ بن النجّار ويقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبّع حين نزل بهم فقتله، وذلك أنه وجده فى عذق له يجدّه، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التّمر لمن أبّره، فزاد ذلك تبّعا حنقا عليهم فاقتتلوا، فكان أهل المدينة، وهم هذا الحىّ من الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه باللّيل، فيعجبه ذلك منهم ويقول: والله إن قومنا لكرام. وفى ذلك يقول حسّان بن ثابت من قصيدة لم يذكر فيها قومه: قروا تبّعا بيض المواضى ضحاة ... وكوم عشار بالعشيات نهّض قال فبينما تبّع على ذلك من «٢» حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك يثرب وأهلها، فقالا له: أيها الملك، لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هى مهاجر نبىّ يخرج من هذا الحرم من قريش آخر الزمان، تكون داره وقراره، فرأى تبّع أن لهما علما، فانصرف عن المدينة واتّبعهما على دينهما. ومن ذلك خبر سلمان الفارسىّ وقصته فى سبب إسلامه «٣» وهجرته إلى المدينة. روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: حدثنى سلمان الفارسىّ من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها جىّ،

стр. 5423

وكان أبى دهقان «١» قريته، وكنت أحبّ خلق الله إليه، ثم لم يزل به حبّه إياى حتى حبسنى فى بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت فى المجوسية حتى كنت قطن النار «٢» الذى يوقدها لا يتركها تخبو ساعة؛ قال: وكان لأبى ضيعة عظيمة، فشغل فى بنيان له يوما، فقال يا بنى: إنى قد شغلت فى بنيانى هذا اليوم عن ضيعتى، فاذهب إليها، فأمرنى فيها ببعض ما يريد ثم قال: ولا تحتبس عنى، فإنك إن احتبست عنّى كنت أهمّ إلى من ضيعتى وشغلتنى عن كل شىء من أمرى؛ قال: فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس بحبس «٣» أبى إياى فى بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدّين الذى نحن عليه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدّين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كلّه، فلما جئته قال: أى بنىّ! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبت! مررت بأناس يصلّون فى كنيسة لهم، فأعجبنى ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت من عندهم حتى غربت الشّمس، قال: أى بنى! ليس فى ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قلت له: كلا والله! إنه لخير من ديننا، قال: فخافنى فجعل فى رجلى قيدا ثم حبسنى فى بيته، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجّار فأخبرونى بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النّصارى فأخبرونى بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الترجعة

стр. 5424

إلى بلادهم، فآذنونى بهم، فلما أرادوا الترجعة أخبرونى بهم، فألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا الأسقفّ فى الكنيسة، فجئته فقلت: إنى رغبت فى هذا الدين، وأحببت أن أكون معك وأخدمك وكنيستك، وأتعلّم منك، وأصلّى معك، قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات واجتمعت له النّصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصّدقة ويرغّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا، فقالوا لى: وما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلّكم على كنزه، قالوا: فدلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا، فصلبوه ورجموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلّى الخمس أرى أنه أفضل منه، وأزهد فى الدنيا، ولا أرغب فى الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبا لم أحبّه شيئا قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنى قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبّه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: أى بنىّ، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصانى عند موته أن ألحق بك، وأخبرنى أنك على أمره، فقال لى: أقم عندى، فأقمت عنده

стр. 5425

فوجدته خير رجل على أثر «١» صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إنّ فلانا أوصى بى إليك، وأمرنى باللّحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنّا عليه إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به، فلما مات وغيّب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى، وما أمرنى به صاحبى، فقال: أقم عندى، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال يا بنىّ والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا، فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمّورية، فأخبرته خبرى، فقال: أقم عندى، فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: يا بنىّ والله ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنّا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلّ زمان نبىّ هو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصّدقة، بين كتفيه خاتم النبوّة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغيّب، ومكثت بعمّورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرّ بى نفر من كلب تجّار فقلت لهم، احملونى إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتى هذه،

стр. 5426

وغنيمتى هذه، قالوا: نعم. وأعطيتهموها وحملونى معهم، حتى [إذا] بلغوا وادى القرى ظلمونى فباعونى من رجل يهودىّ عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل؛ ورجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحقّ فى نفسى؛ فبينا أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عمّ له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فحملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبى، فأقمت بها. وبعث رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّقّ، ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إنى لفى رأس عذق لسيدى أعمل له فيه بعض العمل، وسيدى جالس تحتى إذ أقبل ابن عمّ له، حتى وقف عليه فقال: يا فلان، قاتل الله بنى قيلة «١» ، إنهم والله الآن لمجتمعون بقباء «٢» ، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبىّ، قال: فلما سمعته أخذتنى العرواء «٣» حتى ظننت أنى ساقط «٤» على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ فغضب سيدى ولكنى لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، فقلت لا شىء إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال سلمان: وكان عندى شىء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة، وهذا شىء كان عندى للصّدقة، فرأيتكم أحقّ به من غيركم، قال: فقرّبته إليه، فقال لأصحابه: كلوا! وأمسك يده

стр. 5427

فلم يأكل. قال: قلت فى نفسى: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحوّل رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إنى قد رأيتك لا تأكل الصّدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: قلت فى نفسى: هاتان ثنتان. قال: ثم جئت رسول الله ﷺ ، وهو ببقيع الغرقد «١» قد تبع جنازة رجل من أصحابه، علىّ شملتان لى، وهو جالس فى أصحابه، فسلّمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى، فلما رآنى رسول الله ﷺ استدبرته، عرف أنى أستثبت من شىء وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبّله وأبكى، فقال رسول الله ﷺ : تحوّل! فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يابن عباس؛ فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرّق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله ﷺ : كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، يعنى الآبار الصّغار، وأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانونى بالنّخل؛ الرجل بثلاثين ودية «٢» ، والرّجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشر؛ يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية، فقال رسول الله ﷺ : اذهب يا سلمان ففقّر «٣» لها، فإذا فرغت فأتنى، أكن أنا

стр. 5428

أضعها بيدى. قال: ففقّرت، وأعاننى أصحابى حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معى إليها، فجعلنا نقرّب إليه الودىّ، ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى إذا فرغنا «١» ، فو الذى نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأدّيت النخل، وبقى علىّ المال، فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدّجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسىّ المكاتب؟ قال: فدعيت، فقال: خذ هذه فأدّها مما عليك يا سلمان، قال: وقلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علىّ؟ فقال: خذها، فإن الله سيؤدّى بها عنك، وفى رواية: فأخذها رسول ﷺ فقلّبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها- والذى نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقّهم منها، وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرّا، ثم لم يفتنى معه مشهد. قال محمد بن إسحاق «٢» بسند رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، أنه قال: حدّثت عن سلمان أنه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره: إن صاحب عمّورية قال له: ائت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين «٣» يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة يعترضه ذووا الأسقام «٤» ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى، فاسأله عن هذا الدّين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه، قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك،

стр. 5429

حتّى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبونى عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل إلى منكبه «١» ، قال: فتناولته، فقال: من هذا؟ والتفت إلىّ، قلت يرحمك «٢» الله أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم، قال: إنك لتسألنى عن شىء ما يسأل عنه الناس اليوم، وقد أظلّ زمان نبىّ يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته، فهو يحملك عليه، ثم دخل. قال: فقال رسول الله ﷺ إن كنت «٣» صدقتنى يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم «٤» . وقد روى حديث إسلام سلمان على غير هذا الوجه، إلا أنه غير مناف له فيما هو مختصّ برسول الله ﷺ . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع. وأما من بشّر به عند مولده ﷺ للقرائن التى كان يتوقّع وقوعها تدل على مولده، فوقعت. فمن ذلك ما روى أن يهوديا قال لعبد المطّلب جدّ رسول الله ﷺ : يا سيد البطحاء إن المولود الذى كنت حدّثتكم عنه قد ولد البارحة، فقال عبد المطلب: لقد ولد لى البارحة غلام، قال اليهودىّ: ما سميته؟ قال: سميته محمدا، قال اليهودىّ: هذه ثلاث يشهدن علىّ بنبوته؛ إحداهن: أن نجمه طلع البارحة، والثانية: أن اسمه محمد، والثالثة: أنه يولد فى صبابة قومه، وأنت يا عبد المطّلب صبابتهم «٥» .

стр. 5430

ومنه ما روى أن حسّان بن ثابت قال: والله إنى لعلى أطمى «١» فارع فى السّحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط صوتا أنفد «٢» منه، وإذا هو «٣» صوت يهودىّ على أطم من آطام اليهود معه شعلة نار، فاجتمع الناس إليه وأنكروا صراخه فقالوا: مالك ويلك! قال حسّان: فسمعته يقول: هذا كوكب أحمر قد طلع، وهو كوكب لا يطلع إلّا بالنبوّة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد، قال حسّان: فجعل الناس يضحكون منه ويعجبون لما أتى به، قال: وكان أبو قيس أحد بنى عدىّ بن النجّار قد ترهّب ولبس المسوح، فقيل له يا أبا قيس! انظر ما قال هذا اليهودى! قال: صدق وإن انتظار أحمد هو الذى صنع به ما صنع، ولعلّى أن أدركه فأومن به، فلما بلغه ظهور النبى ﷺ بمكّة آمن به، وقدم النبىّ ﷺ المدينة وقد نالت السنّ من أبى قيس. وقد أشرنا إلى خبر حسّان هذا عند ذكرنا لمولد رسول الله ﷺ . والأخبار فى هذا الباب كثيرة، فلا نطوّل بسردها. وأما من بشّر به صلى الله عليه بعد مولده فى حال طفوليته وحداثة سنه . فمن ذلك خبر سيف بن ذى يزن ، وقصّته مع عبد المطلب؛ وكان من خبره ما رواه الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ ﵀ فى كتابه المترجم بدلائل النبوّة قال: أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزىّ بنيسابور، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن صالح المعافرىّ، قال: حدثنا أبو يزن الحميرىّ إبراهيم ابن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن، قال:
следующие страницы →