← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وغنيمتى هذه، قالوا: نعم. وأعطيتهموها وحملونى معهم، حتى [إذا] بلغوا وادى القرى ظلمونى فباعونى من رجل يهودىّ عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل؛ ورجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحقّ فى نفسى؛ فبينا أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عمّ له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فحملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبى، فأقمت بها. وبعث رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّقّ، ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إنى لفى رأس عذق لسيدى أعمل له فيه بعض العمل، وسيدى جالس تحتى إذ أقبل ابن عمّ له، حتى وقف عليه فقال: يا فلان، قاتل الله بنى قيلة «١» ، إنهم والله الآن لمجتمعون بقباء «٢» ، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبىّ، قال: فلما سمعته أخذتنى العرواء «٣» حتى ظننت أنى ساقط «٤» على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ فغضب سيدى ولكنى لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، فقلت لا شىء إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال سلمان: وكان عندى شىء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة، وهذا شىء كان عندى للصّدقة، فرأيتكم أحقّ به من غيركم، قال: فقرّبته إليه، فقال لأصحابه: كلوا! وأمسك يده

стр. 5427

فلم يأكل. قال: قلت فى نفسى: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحوّل رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إنى قد رأيتك لا تأكل الصّدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: قلت فى نفسى: هاتان ثنتان. قال: ثم جئت رسول الله ﷺ ، وهو ببقيع الغرقد «١» قد تبع جنازة رجل من أصحابه، علىّ شملتان لى، وهو جالس فى أصحابه، فسلّمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى، فلما رآنى رسول الله ﷺ استدبرته، عرف أنى أستثبت من شىء وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبّله وأبكى، فقال رسول الله ﷺ : تحوّل! فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يابن عباس؛ فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرّق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله ﷺ : كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، يعنى الآبار الصّغار، وأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانونى بالنّخل؛ الرجل بثلاثين ودية «٢» ، والرّجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشر؛ يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية، فقال رسول الله ﷺ : اذهب يا سلمان ففقّر «٣» لها، فإذا فرغت فأتنى، أكن أنا

стр. 5428

أضعها بيدى. قال: ففقّرت، وأعاننى أصحابى حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معى إليها، فجعلنا نقرّب إليه الودىّ، ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى إذا فرغنا «١» ، فو الذى نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأدّيت النخل، وبقى علىّ المال، فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدّجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسىّ المكاتب؟ قال: فدعيت، فقال: خذ هذه فأدّها مما عليك يا سلمان، قال: وقلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علىّ؟ فقال: خذها، فإن الله سيؤدّى بها عنك، وفى رواية: فأخذها رسول ﷺ فقلّبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها- والذى نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقّهم منها، وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرّا، ثم لم يفتنى معه مشهد. قال محمد بن إسحاق «٢» بسند رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، أنه قال: حدّثت عن سلمان أنه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره: إن صاحب عمّورية قال له: ائت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين «٣» يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة يعترضه ذووا الأسقام «٤» ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى، فاسأله عن هذا الدّين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه، قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك،

стр. 5429

حتّى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبونى عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل إلى منكبه «١» ، قال: فتناولته، فقال: من هذا؟ والتفت إلىّ، قلت يرحمك «٢» الله أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم، قال: إنك لتسألنى عن شىء ما يسأل عنه الناس اليوم، وقد أظلّ زمان نبىّ يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته، فهو يحملك عليه، ثم دخل. قال: فقال رسول الله ﷺ إن كنت «٣» صدقتنى يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم «٤» . وقد روى حديث إسلام سلمان على غير هذا الوجه، إلا أنه غير مناف له فيما هو مختصّ برسول الله ﷺ . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع. وأما من بشّر به عند مولده ﷺ للقرائن التى كان يتوقّع وقوعها تدل على مولده، فوقعت. فمن ذلك ما روى أن يهوديا قال لعبد المطّلب جدّ رسول الله ﷺ : يا سيد البطحاء إن المولود الذى كنت حدّثتكم عنه قد ولد البارحة، فقال عبد المطلب: لقد ولد لى البارحة غلام، قال اليهودىّ: ما سميته؟ قال: سميته محمدا، قال اليهودىّ: هذه ثلاث يشهدن علىّ بنبوته؛ إحداهن: أن نجمه طلع البارحة، والثانية: أن اسمه محمد، والثالثة: أنه يولد فى صبابة قومه، وأنت يا عبد المطّلب صبابتهم «٥» .

стр. 5430

ومنه ما روى أن حسّان بن ثابت قال: والله إنى لعلى أطمى «١» فارع فى السّحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط صوتا أنفد «٢» منه، وإذا هو «٣» صوت يهودىّ على أطم من آطام اليهود معه شعلة نار، فاجتمع الناس إليه وأنكروا صراخه فقالوا: مالك ويلك! قال حسّان: فسمعته يقول: هذا كوكب أحمر قد طلع، وهو كوكب لا يطلع إلّا بالنبوّة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد، قال حسّان: فجعل الناس يضحكون منه ويعجبون لما أتى به، قال: وكان أبو قيس أحد بنى عدىّ بن النجّار قد ترهّب ولبس المسوح، فقيل له يا أبا قيس! انظر ما قال هذا اليهودى! قال: صدق وإن انتظار أحمد هو الذى صنع به ما صنع، ولعلّى أن أدركه فأومن به، فلما بلغه ظهور النبى ﷺ بمكّة آمن به، وقدم النبىّ ﷺ المدينة وقد نالت السنّ من أبى قيس. وقد أشرنا إلى خبر حسّان هذا عند ذكرنا لمولد رسول الله ﷺ . والأخبار فى هذا الباب كثيرة، فلا نطوّل بسردها. وأما من بشّر به صلى الله عليه بعد مولده فى حال طفوليته وحداثة سنه . فمن ذلك خبر سيف بن ذى يزن ، وقصّته مع عبد المطلب؛ وكان من خبره ما رواه الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ ﵀ فى كتابه المترجم بدلائل النبوّة قال: أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزىّ بنيسابور، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن صالح المعافرىّ، قال: حدثنا أبو يزن الحميرىّ إبراهيم ابن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن، قال:

стр. 5431

حدّثنى عمّى أحمد بن حبيش بن عبد العزيز، قال: حدّثنى أبى عفير، قال: حدّثنى أبى زرعة بن سيف بن ذى يزن، قال: لما ظهر سيف بن ذى يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئته، وتذكّر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش، منهم: عبد المطلّب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله ابن جدعان، وأسد بن عبد العزّى، ووهب بن عبد مناف، وقصىّ بن عبد الدار، فدخل عليه آذنه وهو فى قصر يقال له غمدان، والملك مضمّخ بالعبير، وعليه بردان أخضران، مرتد بأحدهما متّزر بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك، فأخبر بمكانهم فأذن لهم، فدخلوا عليه، فدنا منه عبد المطّلب فاستأذنه فى الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلّم بين يدى الملوك فقد أذنّا لك، فقال: إن الله أحلّك أيها الملك محلا رفيعا شامخا منيعا، وأنبتك نباتا طابت أرومته، وعظمت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، فى أطيب موضع وأكرم معدن؛ وأنت- أبيت اللّعن- ملك العرب الذى عليه الاعتماد، ومعقلها الذى تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يهلك ذكر «١» من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيت الله، أشخصنا إليك الذى أبهجنا من كشفك الكرب الذى فدحنا، فنحن وفد التّهنئة، لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت «٢» أيها المتكلّم؟ فقال: أنا عبد المطّلب بن هاشم، قال: ابن أخينا؟ قال: نعم، قال: ادنه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال:

стр. 5432

مرحبا وأهلا [وأرسلها مثلا «١» ] ، وكان أوّل من تكلّم بها، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا «٢» ، يعطى عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنّهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، ثم أنهضوا إلى دار الضّيافة والوفود، وأجريت عليهم الأنزال «٣» ، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم فى الانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطّلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلّب، إنى مفض إليك من سرّ علمى أمرا لو غيرك يكون لم أبح به، ولكنّى رأيتك معدنه، فأطلعتك عليه «٤» ، فليكن عندك مخبّا «٥» حتى يأذن الله فيه؛ إنى أجد فى الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذى ادّخرناه لأنفسنا، واحتجنّاه «٦» دون غيرنا، خبرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامّة، ولرهطك «٧» كافة، ولك خاصّة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سرّ وبرّ، فما هذا فداك «٨» أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة «٩» ، كانت له الإمامة، ولكم به الزّعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أيّها الملك، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه، لسألته من بشارته إياى «١٠» ما أزداد به سرورا. قال له الملك: هذا حينه الذى يولد فيه أو قد ولد؛ اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جدّه وعمه، قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا

стр. 5433

أنصارا يعزّبهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستفتح «١» بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدخض أو يدحر الشيطان، وتخمد النيران وتكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عز جدّك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك سارّنى بإفصاح؟ فقد أوضح لى بعض الإيضاح، قال له سيف [ابن ذى يزن «٢» ] : والبيت ذى الحجب، والعلامات على النّصب «٣» ، إنك لجدّه يا عبد المطلب غير كذب، قال: فخرّ عبد المطّلب ساجدا، فقال له سيف ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك «٤» ، فهل أحسست بشىء مما ذكرت؟ قال: نعم أيها الملك، إنه كان لى ابن وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، وإنى زوّجته كريمة من كرائم قومى «٥» آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام وسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمّه. قال له ابن ذى يزن: إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك «٦» واحذر عليه اليهود، فإنهم أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست آمن أن تداخلهم النفّاسة، من أن تكون لكم الرياسة، فينصبون له الحبائل، ويبغون «٧» له الغوائل، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم من غير شك «٨» ، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه، لسرت

стр. 5434

بخيلى ورجلى حتى أجىء يثرب دار ملكه «١» ، فإنى أجد فى الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعليت على- حداثة سنّه- أمره، ولأوطأت على أسنان العرب كعبه «٢» ، ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصير بمن معك، ثم دعا بالقوم، وأمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد سود، وعشر إماء سود، وحلّتين من حلل البرود، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة ارطال فضة، ومائة من الإبل، وكرش مملوء عنبرا، ولعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال [له «٣» ] : إذا حال الحول فأتنى بخبره، قال: فمات سيف بن ذى يزن قبل أن يحول عليه الحول، وكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغبطنى رجل منكم بجزيل عطاء الملك، وإن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطنى بما يبقى لى ولعقبى ذكره وفخره، فإذا قيل وما هو؟ قال: سيعلم ما أقول ولو بعد حين. قال البيهقى «٤» وقد روى هذا الحديث أيضا عن الكلبىّ أبى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما. ومن ذلك رؤيا رقيقة بنت أبى صيفىّ وقصة استسقاء عبد المطلب بن هاشم وكان من خبرها ما رواه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى ﵀ بسند عن مخرمة بن نوفل عن أمه رقيقة بنت أبى صيفىّ بن هاشم، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع «٥» ، وأرقّت العظم «٦» ، قالت:

стр. 5435

فبينما أنا نائمة اللهم أو مهوّمة إذا هاتف يصرخ بصوت صحل صيّت يقول: معشر قريش، إن هذا النبى المبعوث منكم قد أظلّكم أيامه، وهذا إبان نجومه، وفى رواية عنها: مبعوث منكم، وهذا إبان مخرجه فحيّهلا بالخير والخصب، وفى رواية بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا عظّاما جسّاما أبيض بضّا، أوطف الأهداب، سهل الخدّين، أشم العرنين، له فخر يكظم عليه، وسنة تهدى إليه، ألا فليخلص هو وولده وليهبط إليه «١» من كل بطن رجل فليشنّوا «٢» من الماء، وليمسّوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن. وفى رواية وليطوفوا بالبيت سبعا، ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل، وليؤمّن القوم [ألا وفيهم الطاهر والطيب لذاته، ألا بعثتم إذا شئتم وعشتم] «٣» ، قالت: فأصبحت- علم الله- مذعورة قد اقشعرّ جلدى، ووله عقلى، واقتصصت رؤياى، فوالحرمة والحرم ما بقى أبطحىّ إلا قال: هذا شيبة الحمد، هذا شيبة، وتتامّت «٤» إليه رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنّوا وطيّبوا «٥» ، واستلموا وطافوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفقوا جنابيه ما يبلغ سعيهم مهلة، حتى إذا استوى بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام قد أيفع أو كرب، فقال عبد المطلب: اللهم سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت معلم، وفى رواية عالم غير معلّم ومسئول غير مبخّل، وهذه عبدّاؤك وإماؤك عذرات «٦» حرمك يشكون إليك سنتهم «٧» أذهبت الخفّ والظلف، اللهم فأمطرن غيثا مغدقا مريعا؛ فوالكعبة ما راموا حتى تفجّرت السماء بمائها، واكتض «٨»

стр. 5436

الوادى بتجيجه، فسمعت شيخان «١» قريش وجلّتها: عبد الله بن جذعان، وحرب ابن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء أى عاش بك أهل البطحاء، وفى ذلك تقول رقيقة: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... لما فقدنا «٢» الحيا واجلّود المطر فجاد بالماء جونىّ له سيل ... دان فعاشت به الأنعام «٣» والشّجر منّا من «٤» الله بالميمون طائره ... وخير من بشّرت يوما به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما فى الأنام له عدل ولا خطر وأما من بشّر به ﷺ قبيل مبعثه ، فمن ذلك خبر اليهودىّ الذى هو من بنى عبد الأشهل. وكان من خبره ما رواه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى بسنده عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان بين أبياتنا يهودىّ، فخرج على نادى قومه بنى عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أنّ بعثا كائن بعد الموت، وذلك قبل مبعث النبى ﷺ ، فقالوا: ويحك يا فلان، وهذا كائن؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون من أعمالهم؟ قال: نعم، والذى يحلف به، لوددت أن حظّى من تلك النار أن توقدوا أعظم تنّور فى داركم فتحمونه، ثم تقذفوننى فيه، ثم تطبقوا علىّ، وأنّى أنجو من النار غدا فقيل له يا فلان، فما علامة ذلك؟ قال: نبى يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكّة

стр. 5437

واليمن. قالوا: فمتى تراه؟ فرمى بطرفه، فرآنى وأنا مضطجع بفناء باب أهلى، وأنا أحدّث القوم [فقال] : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ ، وإنه لحىّ بين أظهرهم فامنا به وصدّقناه، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: يا فلان، ألست الذى قلت ما قلت وأخبرتنا؟ فقال: بلى. ولكن لا أومن به. ومنه خبر إسلام أسيذ «١» وثعلبة ابنى سعية وراشد بن عبيد. روى البيهقى «٢» ﵀ عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بنى قريظة، قال: هل تدرون عمّ كان إسلام أسيد وثعلبة ابنى سعية، وأسد «٣» بن عبيد، نفر من بنى هدل «٤» لم يكونوا من بنى قريظة، ولا النّضير، كانوا فوق ذلك «٥» ؟ فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيّبان، وكنيته أبو عمير، كذا ذكره الواقدى، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلا قطّ لا يصلّى الخمس خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنّا إذا أقحطنا وقلّ علينا المطر نقول: يا بن الهيّبان، اخرج فاستسق لنا، فيقول: لا والله، حتى تقدّموا أمام مخرجكم صدقة؛ فنقول: كم؟ فيقول: صاع من «٦» تمر أو مدّين من شعير

стр. 5438

فنخرجه، ثم «١» يخرج إلى ظاهر حرّتنا ونحن معه، فيستسقى، فو الله ما يقوم من مجلسه حتى يمرّ السّحاب «٢» ؛ قد فعل ذلك غير مرّة ولا مرّتين، ولا ثلاثة، فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر «٣» والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم، قال: إنه إنما أخرجنى [أنى «٤» ] أتوقّع خروج نبىّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره، [وكنت أرجو أن يبعث «٥» ] فاتّبعه، [وقد أظلكم زمانه «٦» ] فلا تسبقنّ إليه إذا خرج يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدّماء، وسبى الذّرارىّ والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات؛ فلما كانت الليلة التى فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية، وكانوا شبابا أحداثا: يا معشر يهود: والله إنه للنّبىّ الذى ذكر لكم ابن الهيّبان، فقالوا: ما هو به، قالوا: بلى والله! إنها لصفته «٧» ، ثم نزلوا فأسلموا، وخلّوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم؛ فلما فتح رسول الله الحصن ردّ ذلك عليهم. ومنه ما روى أن عبد الله بن مسعود كان يحدّث «٨» عن أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنهما، «٩» قال: خرجت إلى اليمن فى تجارة قبل أن يبعث النبى ﷺ ، فنزلت على شيخ من الأزد عالم، قد قرأ الكتب وحوى علما كثيرا، وأتى عليه من

стр. 5439

السن ثلاثمائة وتسعون سنة «١» ، فلما تأملنى قال: أحسبك تيميا «٢» فقلت: نعم، أنا من تيم ابن مرّة؛ أنا عبد الله بن عثمان بن عامر وبن عمرو بن كعب بن سعد «٣» بن تيم بن مرّة، قال: بقيت «٤» لى فيك واحدة، قلت: ما هى؟ قال: اكشف لى عن بطنك، قلت: لا أفعل أو تخبرنى لم ذلك، فقال: إنى لأجد فى العلم الصّحيح الصادق أن نبيّا يبعث بالحرم يعاونه على أمره فتى وكهل، فأما الفتى فخوّاض غمرات، وكشّاف معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخذه اليسرى علامة، ولا «٥» عليك أن ترينى ما خفى علىّ؛ قال أبو بكر رضى الله عنه: فكشفت له عن بطنى، فرأى شامة سوداء فوق سرّتى، فقال: هو أنت وربّ «٦» الكعبة، وإنى متقدّم إليك فى أمر فاحذره، قلت: وما هو؟ قال إياك والميل عن الهدى وتمسّك بالطريقة المثلى، وخف الله فيما أعطاك وخوّلك. قال أبو بكر رضى الله عنه: فقضيت باليمن أربى، ثم أتيت الشيخ لأودّعه، فقال «٧» : أحامل أنت منّى أنباء إلى ذلك النّبىّ؟ قلت «٨» : نعم، فأنشأ يقول:

стр. 5440

ألم تر أنّى قد سئمت معاشرى ... ونفسى وقد أصبحت فى الحىّ راهنا «١» حييت وفى الأيام للمرء عبرة ... ثلاث مئين ثم تسعين آمنا «٢» وصاحبت «٣» أحبارا أنا روا بعلمهم ... غياهب جهل ما ترى فيه طابنا «٤» وكم راهب فوق عنشبيل «٥» قائم ... لقيت وما غادرت فى البحث كاهنا وكلّهم لما تعطّشت قال لى ... بأن نبيّا سوف تلقاه دائنا «٦» بمكة والأوثان فيها عزيزة ... فيركسها حتى تراها كوامنا «٧» فما زلت أدعو الله فى كل حاضر ... حللت به سرّا وجهرا معالنا وقد خمدت منّى شرارة قوّتى ... وألفيت شيخا لا أطيق الشّواجنا «٨» وأنت وربّ البيت تلقى محمدا ... بعامك هذا قد أقام البراهنا فحىّ رسول الله عنّى فإننى ... على دينه أحيا وإن كنت واهنا «٩» فياليتنى أدركته فى شبيبتى ... فكنت له عبدا وإلا العجاهنا «١٠» عليه سلام الله ما ذرّ شارق ... تألّق هنّافا من النور هافنا «١١»

стр. 5441

قال أبو بكر رضى الله عنه: فحفظت وصيته وشعره وقدمت مكة، فجاءنى شيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو البخترىّ، وعقبة بن أبى معيط، ورجالات قريش مسلّمين علىّ، فقلت: هل حدث أمر؟ فقالوا «١» : حدث أمر عظيم؛ هذا محمد بن عبد الله يزعم أنه نبىّ أرسله الله إلى النّاس، ولولا أنت ما انتظرنا به، فإذ جئت فأنت البغية والنّهية «٢» ، قال: فأظهرت لهم تعجّبا وصرفتهم على أحسن شىء «٣» ، وذهبت أسأل عن رسول الله ﷺ ، فقيل لى: هو فى منزل خديجة، فقرعت الباب عليه فخرج إلىّ فقلت: يا محمّد، فقدت من نادى قومك فاتهموك بالغيبة وتركت دين آبائك، فقال يا أبا بكر، إنى رسول الله إليك وإلى الناس كلهم [فآمن بالله «٤» ] ، فقلت وما آيتك؟ قال: الشيخ الذى لقيته باليمن، قلت: وكم من شيخ قد لقيت، وبعت منه واشتريت، وأخذت وأعطيت! قال: الشيخ الذى أخبرك عنى، وأفادك الأبيات، قلت: من أخبرك بهذا يا حبيبى؟ قال: الملك العظيم الذى كان يأتى الأنبياء قبلى، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال أبو بكر رضى الله عنه: فانصرفت وما أحد أشدّ سرورا من رسول الله ﷺ بإسلامى. وأما من ذكر صفة رسول الله ﷺ بعد مبعثه ورؤيته له ، وذكّر قومه بها، وحقّق عندهم أنه هو، لما كان يجد عنده من العلم بصفته ﷺ .

стр. 5442

فمن ذلك ما روى «١» أن صفية بنت حيىّ بن أخطب قالت: كنت أحبّ الناس إلى أبى، وكان عمى أشدّ حبّا لى، فأتيا النبىّ ﷺ بقباء، ثم رجعا من عنده ثقيلين لا يلتفتان نحوى، ولا ينظران إلىّ؛ فسمعت عمّى يقول لأبى: هل تعرفه؟ قال: نعم. قال فماذا عندك فيه؟ قال: عداوته إلى آخر الدّهر، قال عمى لأبى: أنشدك الله أن تطيعنى يأخى فى هذا، ثم اعصنى فيما سواه، هلّم نتبعه، فقال أبى: لا؛ والله لا أراك له عدوّا، فقال عمى: إنك تهلكنا، وتهلك نفسك، إن هذا نبىّ السّيف، وجعل عمى يكلّمه وهو يأبى إلا كلامه الأوّل، قالت صفية: فلما كان الليل، وجدت نسوة من بنى النّضير جالسات يقلن: والله ما أحسن حيىّ ابن أخطب بخلاف أخيه، إنا لنعلم أن هذا نبىّ مذكور فى الكتب، وقالت عجوز منهنّ: سمعت أبى يقول لإخوتى: إن نبيا من العرب يقال له أحمد، مولده بمكة، ودار هجرته يثرب، وهو خير الأنبياء، فإن خرج وأنتم أحياء، فاتّبعوه؛ قالت صفية: وإذا هن كلهنّ يزرين على أبى، ويتعتّبن عليه فعله. ومنه ما قاله كعب بن عمرو لبنى قريظة عند حصارهم. وسنذكر ذلك إن شاء الله فى الغزوات، وقد تقدّم خبر بحيرا، ونسطور، فلا فائدة فى إعادته هنا. وأما من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره ﷺ ، فمن ذلك ما روى أن رجلا أتى النبىّ ﷺ بورقة ورثها عن أبيه عن جدّه، وذكر أن سلفه كانوا يتوارثونها على وجه الدهر، فإذا فيها: «اسم الله وقوله الحق، وقول الظالمين فى تبار، هذا ذكر لأمّة تأتى فى آخر الزّمان، يأتزرون على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحر إلى أعدائهم، فيهم صلاة

стр. 5443

لو كانت فى قوم نوح ما هلكوا فى الطوفان؛ أو فى ثمود ما أهلكوا بالصّيحة» ، قال: فقرئت الورقة على الناس، وأمر رسول الله ﷺ بحفظها. ومنه ما روى أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه نزل بالبليح «١» إلى جانب دير، فأتاه قيّم الدير فقال يا أمير المؤمنين: إنى ورثت عن آبائى كتابا قديما كتبه أصحاب المسيح ﵇؛ فإن شئت قرأته عليك؛ قال: نعم، هات كتابك؛ فجاء بكتاب فإذا فيه: الحمد لله الذى قضى ما قضى؛ وسطّر ما سطّر، إنّه باعث فى الأمّيين رسولا يعلّمهم الكتاب والحكمة، ويدلّهم على سبيل الجنة، لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السّيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحّمادون لله فى كل هبوط ونشر وصعود، تذلل ألسنتهم بالتكبير والتهليل، ينصر دينهم على كل من ناوأه. ومنه ما روى أن أبا ذؤيب الزّاهد قال: دخلت فى سياحتى ديرا فقلت للراهب القيّم عليه: أعندك فائدة؟ قال: نعم. لك يا عربىّ، قلت: هاتها! قال: فأخرج لى ورقة فيها أربعة أسطر، فذكر أنها من الكتب المنزلة؛ ففى السطر الأوّل منها: يقول الجبّار ﵎: أنا الله لا إله إلا أنا وحدى لا شريك لى؛ والسطر الثانى: محمد المختار عبدى ورسولى؛ والسطر الثالث: أمته الحّمادون، أمته الحّمادون، أمّته الحمّادون؛ والسطر الرابع: رعاة الشمس، رعاة الشمس، رعاة الشمس. وأما من أظهر تمثال صورته ﷺ وصور بعض أصحابه رضى الله عنهم ، وذلك مصوّر عندهم فى بيوت فى بيعهم.

стр. 5444

فمن ذلك ما روى عن دحية بن خليفة الكلبىّ رسول الله ﷺ إلى قيصر أنه قال: لقيت قيصر بكتاب رسول الله ﷺ وهو بدمشق، فأدخلت عليه خاليا، فناولته الكتاب فقبّل خاتمه وفضّه وقرأه، ثم وضعه على وسادة أمامه، ثم دعا بطارقته وزعماء دينه فقام فيهم على وسائد بنيت له، ثم خطبهم فقال: هذا كتاب النبىّ الذى بشّر به عيسى المسيح، وأخبر أنه من ولد إسماعيل، قال: فنخروا نخرة عظيمة، وحاصوا فأومى إليهم بيده أن اسكتوا، ثم قال: إنما جرّبتكم لأرى غضبكم لدينكم، ونصركم له، وصرفهم «١» ، ثم استدعانى من الغد فأخلانى، وأنّسنى بحديثه، وأدخلنى بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة، فإذا هى صور الأنبياء المرسلين صلى الله عليهم «٢» وسلم فقال: انظر من صاحبك من هؤلاء، فنظرت فإذا صورة النبىّ ﷺ كأنما ينطق، فقلت: هو هذا، فقال: صدقت، ثم أرانى صورة عن يمينه فقال: من هذا؟ قلت: هذه صورة رجل من قومه اسمه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، فأشار إلى صورة أخرى عن يساره، فقلت: هذه صورة رجل من قومه يقال له عمر رضى الله عنه، فقال: إنا نجد فى الكتاب أن بصاحبيه هذين يتمّ الله أمره. قال دحية: فلما قدمت على النبىّ ﷺ أخبرته، قال: صدق، بأبى بكر وعمر يتمّ الله هذا الأمر بعدى. والله الموفق. ومنه ما روى عن حكيم «٣» بن حزام قال: دخلت الشام للتجارة «٤» قبل أن أسلم، ورسول الله ﷺ بمكّة، فأرسل قيصر إلينا «٥» ، فجئناه ومعنا أميّة بن

стр. 5445

أبى الصّلت الثّقفىّ، فقال: من أى العرب أنتم؟ وما قرابتكم من هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟ فقال حكيم: فقلت أنا ابن عمه، يجمعنى وإياه الأب الخامس، فقال: هل أنتم صادقىّ فيما أريكموه وأسألكم عنه؟ قلنا: نعم، نصدقك أيها الملك، فقال: أنتم ممن اتّبعه أو ممن ردّ عليه؟ قلنا: ممن ردّ عليه ما جاء به وعاداه، ولكنا نصدقك مع هذا، قال: احلفوا لى بآلهتكم لتصدقنّنى فى جميع ما أسألكم عنه وأعرضه عليكم، فحلفنا له وأعطيناه من المواثيق ما أرضاه، فسألنا عن أشياء مما جاء به رسول الله ﷺ فأخبرناه بها، ثم نهض واستنهضنا معه، فأتى كنيسة فى قصره، فأمر بفتحها ودخل ونحن معه، وجاء إلى ستر وأمر بكشفه فإذا صورة رجل، قال: أتعرفون من هذه صورته؟ قلنا: لا. قال: هذه صورة آدم، ثم تتبّع أبوابا يفتحها ويكشف عن صور الأنبياء واحدا بعد واحد، ويقول: هذا صاحبكم «١» ؟ فنقول: لا. حتى فتح بابا وكشف لنا سترا عن صورة محمد ﷺ ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، هذه صورة صاحبنا، فقال: أتدرون منذكم صوّرت؟ قلنا: لا. قال: منذ أكثر من ألف سنة، فإن صاحبكم «٢» نبىّ مرسل فاتّبعوه، ولوددت أنى عنده فأشرب ما يغسل من «٣» قدميه. وقد ورد فى الصحيحين «٤» خبر قيصر مع أبى سفيان لمّا سأله عن رسول الله ﷺ . وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 5446

ومنه ما روى عن جبير بن مطعم «١» أنه قال: لما بعث الله النبى ﷺ : خرجت تاجرا إلى الشام، فأرسل إلىّ عظيم الأساقفة فأتيته فقال: هل تعرف هذا الرجل الذى ظهر بمكة، يزعم أنه نبىّ؟ قال: فقلت هو ابن عمى، فأخذ بيدى وأدخلنى بيتا فيه تماثيل وقال: انظر ترى صورته ههنا؟ فنظرت فلم أرشيئا فأخرجنى من ذلك البيت، وأدخلنى بيتا أكبر منه فيه مثلها، وقال: انظر هل تراه ههنا، فنظرت فإذا صورة النبىّ ﷺ ، وإذا صورة أبى بكر وهو آخذ بعقب النبى ﷺ ، وإذا صورة عمر وهو آخذ بعقب أبى بكر، فقال: هل رأيته؟ فقلت: نعم هوذا، قال: أتعرف الذى أخذ بعقبه؟ قلت: نعم، هو ابن أبى قحافة، قال: وهل تعرف الذى هو آخذ بعقبه؟ قلت نعم، هذا عمر بن الخطاب ابن عمّنا، فقال: أشهد أنه رسول الله، وأن هذا هو الخليفة من بعده، وأن هذا هو الخليفة من بعد هذا. وهذا باب متسع لو استقصيناه لطال، ولو سطرنا ما وقفنا عليه منه لا نبسطت هذه السيرة، وخرجت عن حدّ الاختصار، وفيما أوردناه كفاية. فلنذكر بشائر كهّان العرب والله أعلم. وأما من بشّر به ﷺ من كهّان العرب فقد قدمنا فى الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الثانى من كتابنا هذا أخبار الكهنة، وذكرنا طرفا من إخبارهم برسول الله ﷺ ، مما نستثنيه فى هذا الموضع، ونذكر ما عداه، ولا يشترط الاستيعاب لتعذّره، ولا إثبات جميع ما وقفنا عليه أيضا من ذلك لأنه يوجب البسط والإطالة، بل نذكر من ذلك ما نقف إن شاء الله تعالى عليه مما فيه الكفاية، وإن كانت نبوّة نبيّنا ﷺ أظهر

стр. 5447

وأشهر وأقطع من أن يحتاج فيها إلى ذكر ما ذكرناه، وما نذكره، وإنما نورد ما أوردناه ليقف عليه من لم يتتبع أحواله ﷺ ، ولا طالع سيره، وليعلم أن امره ﷺ لم يفجأ الناس، بل جاءهم على بيّنة واستبصار، وآثار وأخبار، ومعجزات ظهرت، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى. فمن بشائر الكهّان رؤيا ربيعة بن نصر وتأويل سطيح وشقّ لها . قال محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبىّ «١» : كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التّتابعة، فرأى رؤيا هالته [وفظع بها «٢» ] ، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا [عائفا ولا «٣» ] منجّما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرونى بها وبتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها، فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشقّ، فإنه ليس أحد أعلم منهما «٤» ، فإنهما يخبرانه بما سأل عنه. قال ابن هشام: واسم سطيح «٥» : ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدىّ بن مازن بن غسّان «٦» . وشقّ بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس ابن عبقر بن أنمار بن نزار.

стр. 5448

قال ابن إسحاق: فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شقّ، فقال له: إنى رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها فأخبرنى بها، فإنك إن قضيتها أصبت «١» تأويلها، قال: أفعل؛ رأيت حممة «٢» ، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة «٣» ، فأكلت منها كلّ ذات جمجمة «٤» ؛ فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك فى تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرّتين «٥» من حنش، لتهبطنّ أرضكم الحبش، فليملكنّ ما بين أبين «٦» إلى جرش» ، فقال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن، أفى زمانى أم بعده؟ قال: لا. بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين، يمضين من السنين، قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: لا. بل ينقطع لبضع وسبعين «٨» من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، قال: ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم «٩» ذى يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع، قال: ومن يقطعه؟ قال: نبىّ زكىّ، يأتيه الوحى من قبل العلىّ، قال: وممن هذا النبىّ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النّضر، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدّهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأوّلون

стр. 5449

والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقّ ما تخبرنى؟ قال: نعم، والشّفق والغسق، والفلق إذا اتّسق؛ إن ما أنبأتك به لحقّ. ثم قدم عليه شقّ فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتّفقان أم يختلفان؟ فقال «١» : نعم، رأيت حممة «٢» ، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتّففا، وأن قولهما واحد، فقال له الملك: ما أخطأت ياشقّ منها شيئا، فما عندك فى تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضكم السودان، فليغلبنّ على كلّ طفلة «٣» البنان، وليملكنّ ما بين أبين إلى نجران، فقال له الملك: وأبيك ياشقّ، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفى زمانى أم بعده؟ قال: لا. بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان، ويذيقهم أشدّ الهوان، قال: ومن هذا العظيم الشان؟ قال: غلام ليس بدنىّ «٤» ولا مدنّ «٥» يخرج عليهم من بيت ذى يزن، قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتى بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل، يكون الملك فى قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع فيها الأحياء والأموات، ويجمع فيها الناس للميقات، يكون فيه لمن اتّقى الفوز والخيرات، قال: أحقّ ما تقول؟ قال: إى وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إنّ ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض «٦» ، قال: فوقع فى نفس ربيعة بن نصر ما قالا، فجهّز بنيه وأهل بيته

стр. 5450

إلى العراق بما يصلحهم، وكتب إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور، فأسكنهم فى الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النّعمان بن المنذر. ومن ذلك ما روى أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة ، فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنّونه؛ فرفع الحجاب عن الوافدين، فأوسعهم عطاء، واشتدّ سروره بتقريظ الخطباء والشعراء، فبينا هو على ذلك أرى فى المنام رؤيا أخافته وذعرته وهالته فى حال منامه، فلما انتبه أنسيها حتى ما تذكّر منها شيئا، وثبت ارتياعه فى نفسه لها، فانقلب سروره حزنا، فاحتجب عن الوفود حتى أساءوا الظن به، ثم حشد الكهّان، فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول: أخبرنى عما أريد أن أسألك، فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندى، حتى لم يدع كاهنا علمه، فتضاعف قلقه، فقالت له أمّه، وكانت قد تكهّنت: أبيت اللعن! إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه، لأن أتباع الكواهن من الجن ألطف من أتباع الكهّان، فأمر بحشر الكواهن إليه، وسألهن كما سأل الكهّان فلم يجد عند واحدة منهن علم ما أراد علمه، فلما يئس من طلبته سلا عنها؛ ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيّد فأوغل فى الصيد، وانفرد عن أصحابه، فرفعت له أبيات فى ذرى جبل وقد لفحه الهجير، فعدل إلى الأبيات، وقصد بيتا منها كان منفردا عنها، فبرزت إليه منه عجوز فقالت: انزل بالرّحب والسّعة، والأمن والدّعة، والجفنة المدعدعة، والعلبة المترعة، فنزل عن جواده ودخل البيت، فلما احتجب عن الشمس وخفقت عليه الأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرّم الهجير، فجلس يمسح عينيه فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالا وقواما، فقالت له: أبيت اللّعن أيها الملك الهمام! هل لك فى الطعام؟ فاشتدّ إشفاقه، وخاف على نفسه لما رأى أنها قد عرفته، وتصامم عن كلمتها، فقالت له:

стр. 5451

لا حذر، فداك البشر، فجدّك الأكبر، وحظّنا بك الأوفر، ثم قرّبت إليه ثريدا وقديدا وحيسا، وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم سقته لبنا صريفا وضريبا فشرب ما شاء، وجعل يتأمّلها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا، وقلبه هوى، ثم قال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمى عفيراء، قال لها: من الذى دعوته الملك الهمام؟ قالت: مرثد العظيم الشان، الحاشر الكواهن والكهّان، لمعضلة يعلّ بها الجان، قال يا عفيراء: أتعلمين ما تلك المعضلة؟ قالت: أجل أيها الملك الهمام، إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث أحلام، قال: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا؟ قالت: رأيت أعاصير زوابع، بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما أنت سامع، دعاء ذى جرس صادع: هلمّوا إلى المشارع، هلموا إلى المشارع، روىّ جارع، وغرق كارع. قال الملك: أجل هذه رؤياى! فما تأويلها يا عفيراء؟ قالت: الأعاصير «١» الزوابع، ملوك تبابع، والنهر علم واسع، والداعى نبى شافع، والجارع ولىّ له تابع، والكارع عدوّله منازع. قال: يا عفيراء أسلم هذا النبىّ أم حرب؟ قالت: أقسم برافع السماء، ومنزل الماء «٢» من العماء، إنه لمبطل الدماء، ومنطق العقائل نطق الإماء. قال الملك: إلام يدعو يا عفيراء؟ قالت: إلى صلاة وصيام، وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. قال الملك: يا عفيراء، من قومه؟ قالت: مضر بن نزار، ولهم منه نقع مثار، يتجلّى عن ذبح وإسار، قال: يا عفيراء: إذا ذبح قومه فمن أعضاده؟ قالت: أعضاده غطاريف يمانون، طائرهم به ميمون، يعزبهم فيعزّون «٣» ، ويدمّث بهم الحزون، فإلى نصره يعتزون، فأطرق

стр. 5452

الملك يؤامر نفسه فى خطبتها، فقالت: أبيت اللّعن! إن تابعى غيور، ولأمرى صبور، وناكحى مقبور، والكلف بى ثبور. فنهض الملك مبادرا، فجال فى صهوة جواده، وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء. ويشبه ما ذكرناه رؤيا الموبذان وقد تقدّمت فى أخبار الكهان. ومن ذلك ما روى عن لهيب بن مالك اللهبىّ أنه قال: حضرت عند «١» رسول الله ﷺ ، فذكرت الكهانة «٢» فقلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله! نحن أوّل من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند القذف بالنجوم؛ وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خطر بن مالك، وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة، وكان أعلم «٣» كهّاننا، فقلنا له: يا خطر «٤» ، هل عندك علم من هذه النجوم التى يرمى بها؟ فإنا قد فزعنا لها، وقد خفنا سوء عاقبتها، فقال: ائتونى بسحر «٥» ، أخبركم الخبر، بخير أم ضرر «٦» . وأمن أم حذر؛ قال: فانصرفنا عنه يومنا، فلما كان من غد فى وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه يا خطر، فأومأ إلينا أن امسكوا

стр. 5453

فأمسكنا، فانقضّ نجم من السماء عظيم، فصرخ الكاهن: أصابه إصابه «١» ، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويله ما حاله، بلبله بلباله «٢» ، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله؛ ثم أمسك طويلا، ثم قال: يا معشر بنى قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسمت بالكعبة ذات الأركان، والبلد المؤتمن السكان «٣» . قد منع السمع عتاة الجان، بثاقب بكفّ ذى سلطان، من أجل مبعوث عظيم الشان، يبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاضل الفرقان، تبطل به عبادة الأوثان. قال: قلنا يا خطر، إنك لتذكر أمرا عجيبا، فماذا ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومى ما أرى لنفسى ... أن يتبعوا خير نبى الإنس برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث من مكة دار الحمس «٤» بمحكم التنزيل غير اللبس قلنا: يا خطر، وممّ «٥» هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش. ما فى حكمه طيش، ولا فى خلقه هيش «٦» ، يكون فى جيش وأىّ جيش، من آل قحطان وآل ريش «٧» . قال: قلنا بيّن لنا من أىّ قريش هو، قال: والبيت ذى الدّعائم، والرّكن

стр. 5454

والأحائم «١» ، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كلّ ظالم؛ ثم قال: هذا هو البيان، أخبرنى به رئيس الجانّ؛ ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجنّ الخبر؛ ثم سكت «٢» فأغمى عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاث «٣» فقال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «لقد نطق عن مثل نبوّة، وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده» . والله أعلم. ومنه ما روى أن سفيان بن مجاشع بن دارم احتمل ديات دماء كانت من قومه ، فخرج يستعين فيها، فدفع إلى حىّ من تميم، فإذاهم مجتمعون إلى كاهنة تقول: «العزيز من والاه، والذّليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه» ؛ قال سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: «صاحب حلّ وحرم، وهدى وعلم وبطش وحلم، وحرب وسلم، رأس رءوس، ورائض يموس «٤» ، وماحى بوس، وماهد وعوس، «وناعش منعوس «٥» » ؛ قال سفيان: من هو لله أبوك؟ قالت: «نبىّ مؤيدّ، قد آن حين يوجد، ودنا أو ان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود، بكتاب لا يفنّد، اسمه محمد» ؛ قال سفيان: لله أبوك، أعربىّ هو أم عجمىّ؟ قالت: «أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الأفنان، إنه لمن معدّ بن عدنان، فقدك يا سفيان» ؛ فأمسك سفيان عن سؤالها، ثم إن سفيان ولد له غلام فسماه محمدا لما رجاه من أن يكون النبىّ الموصوف. ومنه ما روى أن عمرو بن معديكرب عوتب على ارتداده عن الإسلام فقال: والله ما هو إلا الشّقاء، ولقد علمت أن محمدا رسول الله قبل أن يوحى إليه، قيل: كيف كان ذلك يا أبا ثور؟ قال: حدث بين بنى زبيد تناجش وتظالم، ونما

стр. 5455

إلى أن سفك بعضهم دماء بعض، ففزع حلماؤهم إلى كاهن لهم رجوا أن يكون عنده المخرج مما نزل بهم، فقال الكاهن: «أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الأدراج، والريح ذات العجاج، والبحار ذات الأمواج، والجبال ذات الفجاج، إنّ هذا الإمراج والارتجاج، للقاح ذو نتاج» ؛ قالوا: وما نتاجه؟ قال: «ظهور نبىّ صادق، بكتاب ناطق، وحسام والق «١» » ، قالوا: أين يظهر؟ وإلام يدعو؟ قال: «يظهر بصلاح؛ ويدعو إلى الفلاح، ويعطّل القداح، وينهى عن الرّاح والسّفاح، وعن كل أمر قباح» ؛ قالوا: ممن هو؟ قال: «من ولد الشيخ الأكرم، حافر زمزم، ومطعم الطير الحوّم، والسباع الصوّم» ؛ قالوا: وما اسمه؟ قال: «اسمه محمد، وعزّه سرمد، وخصمه مكمد» . فهذه جملة كافية من أخبار الكهّان. فلنذكر ما نطق به الجانّ من أجواف الأصنام، وما سمع من الهواتف، والله المستعان. وأما من بشّر به ﵊ من الجانّ الذين نطقوا من أجواف الأصنام وما سمع من العتائر. فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى سبب إسلام عمر ، وأنه كان قد ضمن لقريش قتل النبىّ ﷺ ، وخرج لذلك، فمرّ بقوم من خزاعة وقد اعتمدوا صنما لهم يريدون أن يتحاكموا إليه، فقالوا لعمر: ادخل لتشهد الحكم، فدخل معهم، فلما مثلوا بين يدى الصّنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول «٢» : يأيها الناس ذوو الأجسام ... ما أنتم وطائش الأحلام «٣»

стр. 5456

ومسند «١» الحكم إلى الأصنام ... أصبحتم كراتع الأنعام أما ترون ما أرى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهام ... وقد بدا للناظر الشآمى محمد ذو البرّ والإكرام ... أكرمه الرحمن من إمام قد جاء بعد الشّرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام والبرّ والصّلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام فبادروا سبقا إلى الإسلام ... بلا فتور وبلا إحجام قال: فتفرّق القوم عن الصنم ولم يحضره يومئذ أحد إلّا أسلم؛ ثم ذكر ابن عباس انطلاق عمر إلى منزل أخته على ما نذكر ذلك أو نحوه عند ذكرنا إسلام عمر رضى الله عنه. قال: ثم خرج لقصد النبىّ ﷺ ، فلقيه رجال من بنى سليم «٢» قد تنافروا إلى صنم لهم ليحكم بينهم اسمه الضّمار «٣» ، فدعوا عمر إلى الدخول معهم إليه ففعل، فلما وقفوا بين يدى الصّنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول: أودى الضّمار وكان يعبد مرة «٤» ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد إن الذى ورث النبوّة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى سيقول من عبد الضّمار ومثله ... ليت الضّمار ومثله لم يعبد

стр. 5457

أبشر أبا حفص بدين صادق ... تهدى إليه بالكتاب المرشد واصبر أبا حفص قليلا إنه ... يأتيك عن فرق أعزّ بنى عدى لا تعجلنّ فأنت ناصر دينه ... حقّا يقينا باللسان وباليد قال: فعجب القوم منه ونكّسه عمر، وغيّر الله ما فى صدره من عداوة رسول الله ﷺ . ومنه ما روى أن وائل بن حجر وكان ملكا مطاعا «١» ، وكان له صنم من العقيق الأحمر يعبده ويحبّه حبّا شديدا، ولم يكن يكلّم منه، إلا أنه كان يرجو ذلك، فيكثر له السجود، ويعتر له العتائر، فبينا هو نائم فى الظهيرة أيقظه صوت منكر من المخدع الذى فيه الصّنم، فقام من مضجعه وأتاه فسجد أمامه، فإذا قائل «٢» يقول: يا عجبا «٣» لوائل بن حجر ... يخال يدرى وهو ليس يدرى ماذا يرجّى من نحيت صخر ... ليس بذى عرف ولا ذى نكر ولا بذى نفع ولا ذى ضرّ ... لو كان ذا حجر أطاع أمرى «٤» قال وائل: فرفعت رأسى واستويت جالسا، ثم قلت: قد أسمعت أيها الناصح، فماذا «٥» تأمرنى؟ فقال: ارحل إلى يثرب ذات النّخل ... وسر إليها سير مشمعلّ تدن بدين «٦» الصائم المصلّى ... محمد المرسل «٧» خير الرسل

стр. 5458

قال وائل: ثم خرّ الصنم لوجهه فانكسر أنفه، واندقّت عنقه، فقمت إليه فجعلته رفاتا، ثم سرت مسرعا حتى أتيت المدينة؛ وذكر إسلامه بين يدى النبى ﷺ . والله المعين. ومنه خبر مازن الطائى فى سبب إسلامه رواه البيهقى فى دلائل النبوّة بسند قال: كان مازن الطائىّ «١» بأرض عمان بقرية تدعى سمايل «٢» ، وكان يسدن الأصنام لأهله، وكان له صنم يقال له باجر «٣» ، قال مازن: فعترت «٤» ذات يوم عتيرة، والعتيرة: الذبيحة «٥» ، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن: أقبل إلىّ أقبل، تسمع ما لا يجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعدل، عن حرّ نار تشعل، وقودها بالجندل. قال مازن: فقلت والله إن هذا لعجب، ثم عترت بعد عشرة أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا آخر أبين من الأوّل وهو يقول: يا مازن اسمع تسرّ، ظهر خير وبطن شرّ، بعث نبىّ من مضر، بدين الله الكبر «٦» ، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حرّ سقر؛ قال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب، إنه لخير يراد بى؛ وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال «٧» :

стр. 5459

خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله ، يقال له أحمد، قال: فقلت هذا والله نبأ ما سمعت، فثرت «١» إلى الصنم فكسّرته أجذاذا، وشددت راحلتى ورحلت، حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فشرح إلىّ الإسلام فأسلمت، وأنشأت أقول: كسرت باجر أجذاذا وكان لنا ... ربا نطيف به ضلّا بتضلال فالهاشمىّ هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منّى «٢» على بال يا راكبا بلّغن عمرا وإخوته «٣» ... أنى لما قال ربّى باجر قالى قال مازن: فقلت يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر، وبالهلوك «٤» من النساء، وألحّت علينا السنون «٥» فأذهبن الأموال، وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد، ويأتينى بالحيا، ويهب لى ولدا، فقال النبى ﷺ : اللهم أبدله بالطّرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، [وبالخمر ريّا لا إثم فيه، وبالعهر عفّة الفرج «٦» ] وائته بالحيا، وهب له ولدا. قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر «٧» ، ووهب لى حيان بن مازن، وأنشأت أقول:

стр. 5460

إليك رسول الله خبّت مطيّتى ... تجوب الفيافى من عمان إلى العرج لتشفع لى يا خير من وطئ الحصا ... فيغفر لى ربى فأرجع بالفلج «١» إلى معشر خالفت فى الله دينهم ... فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجى «٢» وكنت امرأ بالعهر «٣» والخمر مولعا ... شبابى حتى آذن الجسم بالنّهج «٤» فبدّلنى بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا وحصّن لى فرجى فأصبحت همّى فى جهاد ونيّتى ... فلله ما صومى ولله ما حجّى قال مازن: فلما رجعت إلى قومى أنّبونى وشتمونى، وأمروا شاعرهم فهجانى، فقلت إن هجوتهم فإنما أهجو نفسى، فتركتهم، قال: ثم إن القوم ندموا وكنت القيّم بأمورهم، فقالوا ما عسى أن نصنع به، فجاءنى منهم أزفلة «٥» عظيمة فقالوا: يابن عمّ، عبنا عليك أمرا فنهيناك عنه، فإذ أبيت فنحن تاركوك، ارجع معنا، فرجعت معهم، فأسلموا بعد كلّهم. ومازن هذا هو الذى أقطعه رسول الله ﷺ أرض عمان. ومنه ما روى عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا جلوسا عند صنم لنا، فإذا صائح يصيح من جوفه: اسمعوا إلى العجب، وتوقّعوا حادثا قد اقترب، استراق السمع ذهب، وترمى [الجنّ] بالشهب، لنبىّ من العرب، هاشمىّ النسب،

стр. 5461

مولده بمكّة، ومهاجره يثرب؛ قال: وهذا قبل أن يظهر أمر رسول الله ﷺ . ومنه ما روى عن عبد الله بن ساعدة الهذلى أنه قال: كنا نعبد صنما يقال له سواع، وكانت لى غنم فجربت فسقتها إليه وأدنيتها منه أرجو بركته، فسمعت مناديا من جوف الصّنم يقول: العجب كل العجب، سدلت الحجب، ورميت الجن بالشّهب، وسقطت النّصب، ونزل خير الكتب، على خير العرب؛ قال: فسقت غنمى وعدت إلى أهلى، وقد بغّضت إلىّ الأوثان، فجعلت أنقّب عن الحوادث حتى بلغنى ظهور رسول الله ﷺ ، فأتيته فأسلمت. وسنذكر إن شاء الله تعالى فى خبر إسلام الجن ما هتفوا به فأسلم بسببه من أسلم لمّا سمعوا- ما تقف عليه هناك. وحيث ذكرنا ما ذكرنا من المبشّرات، فلنذكر مبعثه ﷺ . ذكر مبعث رسول الله ﷺ وما بدئ به من النبوّة روى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من النبوّة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة «١» ، لا يرى رسول الله ﷺ رؤيا فى نوم إلا جاءت كفلق الصّبح «٢» ، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده.

стр. 5462

وروى محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبى عن عبد الملك بن عبيد الله «١» بن أبى سفيان ابن العلاء بن حارثة «٢» الثقفىّ، وكان واعية «٣» ، عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوّة؛ كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت «٤» ، ويفضى إلى شعاب «٥» مكّة وبطون «٦» أوديتها، فلا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة؛ فمكث ﷺ كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء فى شهر رمضان. وعن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: بعث الله محمدا ﷺ وله يومئذ أربعون سنة ويوم، فأتاه جبريل ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فى حراء، وهو أوّل موضع نزل فيه القرآن. وحكى أبو عمر بن عبد البرّ أن محمد بن موسى الخوارزمىّ قال: بعث نبينا ﷺ يوم الاثنين لثمان خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. فكان من مولده إلى أن بعثه الله أربعون سنة ويوم.

стр. 5463

وعن عبد الله بن الزبير وغيره: كان رسول الله ﷺ يجاور فى حراء [شهرا «١» ] من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى ﷺ جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به- إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه من كرامته ما أراد، من السنة التى بعثه فيها، وذلك فى شهر رمضان، خرج ﷺ إلى حراء «٢» كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله؛ قال رسول الله ﷺ : جاءنى وأنا نائم بنمط «٣» من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ؛ [قال «٤» ] : قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتّنى «٥» به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ؛ قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتّنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ؛ قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع. فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) . قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى، وهببت من نومى، فكأنّما كتب «٦» فى قلبى كتابا؛ قال: فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسى أنظر [إلى السماء «٧» ] ؛ فإذا جبريل فى صورة رجل صافّ قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا

стр. 5464

جبريل، [قال «١» ] : فوقفت أنظر إليه، فما أتقدّم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى [عنه «٢» ] فى آفاق السماء، فما أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدّم أمامى وما أرجع ورائى حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا [أعلى «٣» ] مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف فى مكانى ذلك؛ ثم انصرف عنى. وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها [مضيفا إليها «٤» ] فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك حتى بلغوا [أعلى «٥» ] مكة ورجعوا إلىّ، فحدّثتها «٦» بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا بن عمّ واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لأرجونّ «٧» أن تكون نبىّ هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى «٨» ، وهو ابن عمها، وكان قد تنصر فى الجاهلية وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدّوس قدّوس، والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو

стр. 5465

يطوف بالكعبة فقال: يا بن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ ؛ فقال له ورقة: والذى نفسى بيده إنك لنبىّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنّه، ولتؤذينّه، ولتخرجنّه، ولتقاتلنّه «١» ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم، لأنصرنّ الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبّل يا فوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. وذكر الإمام العدل سليمان التّيمى فى سيره «٢» أن النبى ﷺ حين أخبر خديجة عن جبريل، ولم تكن سمعت باسمه قطّ، ركبت «٣» إلى بحيرا الرّاهب إلى الشام، قال الزهرىّ هو حبر من يهود تيماء، فسألته عن جبريل، فقال لها: قدّوس قدّوس، يا سيدة نساء قريش، أنّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلى ابن عمّى أخبرنى أنه يأتيه، فقال: قدّوس قدّوس ما علم به إلا نبىّ، فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشياطين لا تجترئ «٤» أن تتمثّل به ولا تتسمّى به. وكان غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس اسمه عدّاس من أهل نينوى «٥» مدينة يونس ﵇، عنده علم من الكتاب أرسلت تسأله عن جبريل فقال: قدّوس [قدّوس «٦» ] أنّى لهذه البلاد بذكر جبريل يا سيدة نساء قريش؟ فأخبرته بقول النبى ﷺ ، فقال عدّاس مثل قول الراهب.
следующие страницы →