Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
مولده بمكّة، ومهاجره يثرب؛ قال: وهذا قبل أن يظهر أمر رسول الله ﷺ .
ومنه ما روى عن عبد الله بن ساعدة الهذلى أنه قال:
كنا نعبد صنما يقال له سواع، وكانت لى غنم فجربت فسقتها إليه وأدنيتها منه أرجو بركته، فسمعت مناديا من جوف الصّنم يقول: العجب كل العجب، سدلت الحجب، ورميت الجن بالشّهب، وسقطت النّصب، ونزل خير الكتب، على خير العرب؛ قال: فسقت غنمى وعدت إلى أهلى، وقد بغّضت إلىّ الأوثان، فجعلت أنقّب عن الحوادث حتى بلغنى ظهور رسول الله ﷺ ، فأتيته فأسلمت.
وسنذكر إن شاء الله تعالى فى خبر إسلام الجن ما هتفوا به فأسلم بسببه من أسلم لمّا سمعوا- ما تقف عليه هناك.
وحيث ذكرنا ما ذكرنا من المبشّرات، فلنذكر مبعثه ﷺ .
ذكر مبعث رسول الله ﷺ وما بدئ به من النبوّة
روى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من النبوّة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة «١» ، لا يرى رسول الله ﷺ رؤيا فى نوم إلا جاءت كفلق الصّبح «٢» ، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده.
стр. 5462
وروى محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبى عن عبد الملك بن عبيد الله «١» بن أبى سفيان ابن العلاء بن حارثة «٢» الثقفىّ، وكان واعية «٣» ، عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوّة؛ كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت «٤» ، ويفضى إلى شعاب «٥» مكّة وبطون «٦» أوديتها، فلا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة؛ فمكث ﷺ كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء فى شهر رمضان.
وعن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: بعث الله محمدا ﷺ وله يومئذ أربعون سنة ويوم، فأتاه جبريل ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فى حراء، وهو أوّل موضع نزل فيه القرآن.
وحكى أبو عمر بن عبد البرّ أن محمد بن موسى الخوارزمىّ قال: بعث نبينا ﷺ يوم الاثنين لثمان خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. فكان من مولده إلى أن بعثه الله أربعون سنة ويوم.
стр. 5463
وعن عبد الله بن الزبير وغيره: كان رسول الله ﷺ يجاور فى حراء [شهرا «١» ] من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى ﷺ جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به- إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه من كرامته ما أراد، من السنة التى بعثه فيها، وذلك فى شهر رمضان، خرج ﷺ إلى حراء «٢» كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله؛ قال رسول الله ﷺ : جاءنى وأنا نائم بنمط «٣» من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ؛ [قال «٤» ] : قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتّنى «٥» به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ؛ قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتّنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ؛ قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع. فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)
. قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى، وهببت من نومى، فكأنّما كتب «٦» فى قلبى كتابا؛ قال:
فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسى أنظر [إلى السماء «٧» ] ؛ فإذا جبريل فى صورة رجل صافّ قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا
стр. 5464
جبريل، [قال «١» ] : فوقفت أنظر إليه، فما أتقدّم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى [عنه «٢» ] فى آفاق السماء، فما أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدّم أمامى وما أرجع ورائى حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا [أعلى «٣» ] مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف فى مكانى ذلك؛ ثم انصرف عنى.
وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها [مضيفا إليها «٤» ] فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك حتى بلغوا [أعلى «٥» ] مكة ورجعوا إلىّ، فحدّثتها «٦» بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا بن عمّ واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لأرجونّ «٧» أن تكون نبىّ هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى «٨» ، وهو ابن عمها، وكان قد تنصر فى الجاهلية وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدّوس قدّوس، والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو
стр. 5465
يطوف بالكعبة فقال: يا بن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ ؛ فقال له ورقة: والذى نفسى بيده إنك لنبىّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنّه، ولتؤذينّه، ولتخرجنّه، ولتقاتلنّه «١» ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم، لأنصرنّ الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبّل يا فوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله.
وذكر الإمام العدل سليمان التّيمى فى سيره «٢» أن النبى ﷺ حين أخبر خديجة عن جبريل، ولم تكن سمعت باسمه قطّ، ركبت «٣» إلى بحيرا الرّاهب إلى الشام، قال الزهرىّ هو حبر من يهود تيماء، فسألته عن جبريل، فقال لها: قدّوس قدّوس، يا سيدة نساء قريش، أنّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلى ابن عمّى أخبرنى أنه يأتيه، فقال: قدّوس قدّوس ما علم به إلا نبىّ، فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشياطين لا تجترئ «٤» أن تتمثّل به ولا تتسمّى به.
وكان غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس اسمه عدّاس من أهل نينوى «٥» مدينة يونس ﵇، عنده علم من الكتاب أرسلت تسأله عن جبريل فقال: قدّوس [قدّوس «٦» ] أنّى لهذه البلاد بذكر جبريل يا سيدة نساء قريش؟ فأخبرته بقول النبى ﷺ ، فقال عدّاس مثل قول الراهب.
стр. 5466
وروى البخارىّ- ﵀ فى صحيحه «١» بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : أحيانا يأتينى مثل صلصلة «٢» الجرس وهو أشدّه علىّ، فيفصم «٣» عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلّمنى فأعى ما يقول.
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم «٤» عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا.
وبسنده «٥» عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنّث فيه، وهو التعبّد الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاء الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال:
قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطّنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلنى فقال:
اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال:
زمّلونى زمّلونى، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد
стр. 5467
خشيت على نفسى، فقالت خديجة: كلّا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصّر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانىّ «١» ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى أنزل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجىّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا؛ ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحى.
قال ابن شهاب «٢» : وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارىّ قال وهو يحدّث عن فترة الوحى، فقال فى حديثه: بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصرى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسىّ بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلونى زمّلونى، فأنزل الله: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)
، فحمى الوحى وتتابع.
قال محمد بن إسحاق «٣» :
وحدّثنى إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزّبير أنه حدّث عن خديجة أنها قالت لرسول الله ﷺ : أى ابن عم، أتستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا
стр. 5468
الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرنى به، فجاءه جبريل ﵇ كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة، هذا جبريل قد جاءنى قالت: قم يابن عم فاجلس على فخذى اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاقعد «١» على فخذى ايمنى، قال: فتحوّل فقعد «٢» على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاجلس فى حجرى، فتحوّل فجلس فى حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: نعم:
قال: فحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس فى حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت يابن عمّ: اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك، ما هذا بشيطان.
وكانت خديجة رضى الله عنها أوّل من آمن بالله وبرسوله وصدّق بما جاء به.
وحكى أبو عمر بن عبد البر أن رسول الله ﷺ أسرّ أمره ثلاث سنين ثم أمره الله تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه.
قال: وقال الشعبى: أخبرت أن إسرافيل تراءى له ثلاث سنين. وروى ابن عبد البر بسنده إلى الشعبىّ قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين، ووكّل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ثم وكّل به جبريل ﵇. وفى رواية عنه:
ثم بعث إليه جبريل بالرسالة. وعنه أيضا قال: أنزلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين، فقرن نبوّته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، وكان يعلّمه الكلمة والشىء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوّته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة.
стр. 5469
ذكر فترة الوحى عن النبىّ ﷺ وما أنزل بعد فترته
قال «١» : وفتر الوحى عن رسول الله ﷺ فترة «٢» حتى شقّ ذلك عليه وأحزنه. واختلف فى مدة فترة الوحى، فقال ابن جريح: احتبس عنه الوحى اثنى عشر يوما، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: خمسة عشر يوما، وقيل:
خمسة وعشرين. وقال مقاتل: أربعين يوما. والله أعلم.
روى البخارىّ «٣» ﵀ عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وساق الحديث بنحو ما تقدّم، قال: وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مراراكى يتردّى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل وقال له مثل ذلك. قال: وتكلم المشركون عند فترة الوحى بكلام، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ :
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)
السورة بكمالها؛ وقيل فى سبب نزولها أن رسول الله ﷺ كان ترك قيام الليل ليلتين أو ثلاثا لشكوى «٤» أصابته، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث «٥» ، فأنزل الله تعالى السورة.
стр. 5470
قال القاضى أبو الفضل عياض بن موسى ﵀ فى كتابه المترجم (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى «١» ) : تضمّنت هذه السّورة من كرامة الله تعالى لنبيّه وتنويهه به وتعظيمه إياه ستّة وجوه:
الأوّل- القسم له عما أخبر به من حاله بقوله: (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)
أى وربّ الضحى، وهذا لمن عظم درجات المبّرة.
الثانى- بيان مكانته عنده وحظوته لديه بقوله: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)
أى ما تركك وما أبغضك، وقيل ما أهملك بعد أن اصطفاك.
الثالث- قوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) .
قال ابن إسحاق: أى مالك فى مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك الله من كرامة الدنيا. وقال سهل: أى ما ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك فى الدنيا.
الرابع- قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)
، وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام فى الدّارين والزّيادة.
قال ابن إسحاق «٢» : يرضيه بالفلج فى الدّنيا والثواب فى الآخرة. وقيل: يعطيه الحوض والشفاعة، وروى عن بعض آل النبى «٣» ﷺ أنه قال: «ليس فى القرآن آية أرجى منها. ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمّته النار» .
стр. 5471
الخامس- ما عدّه الله تعالى عليه من نعمه، وقرّره من آلائه قبله فى بقية السورة، من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ولا مال له فأغناه بما آتاه، أو بما جعله فى قلبه من القناعة والغنى، ويتيما فحدب عليه عمّه وآواه إليه، وقيل: آواه إلى الله، وقيل: يتيما لا مثال لك فآواك إليه، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالّا، وأغنى بك عائلا، وآوى بك يتيما، ذكّره بهذه المنن، وأنه- على المعلوم من التفسير- لم يهمله فى حال صغره وعيلته ويتمه، وقبل معرفته به ولا ودّعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه. والله أعلم السادس- أمره بإظهار نعمته عليه، وشكر ما شرّفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)
، فإنّ من شكر النعمة التحدّث بها، وهذا خاصّ له، عامّ لأمته.
وقال ابن إسحاق «١» : أى بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة، فحدّث بها أى اذكرها وادع إليها. قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوّة سرّا «٢» إلى من يطمئنّ إليه من أهله.
قال: ثم فرضت الصلاة عليه ﷺ . والله الموفّق لطاعته.
ذكر فرض الصلاة على رسول الله ﷺ
روى عن عائشة أمّ المؤمنين- رضى الله عنها- أنها قالت «٣» : افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أوّل ما افترضت ركعتين «٤» ركعتين كلّ صلاة، ثم إن الله تعالى أتمّها فى الحضر أربعا، وأقرها فى السّفر على فرضها الأوّل ركعتين.
قال محمد بن إسحاق:
стр. 5472
وحدّثنى بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه فى ناحية الوادى، فانفجرت منه عين فتوضّأ جبريل «١» ورسول الله ﷺ ينظر [إليه «٢» ] ليريه كيف الطّهور للصلاة، ثم توضّأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل توضّأ، ثم قام به جبريل فصلّى به، وصلى رسول الله ﷺ بصلاته، ثم انصرف جبريل «٣» ، فجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة فتوضّأ لها ليريها كيف الطّهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضّأت كما توضّأ [لها «٤» ] رسول الله ﷺ ، ثم صلّى بها كما صلى به جبريل، فصلّت بصلاته «٥» .
وعن عبد الله بن عباس «٦» رضى الله عنهما قال: «لما فرضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل فصلّى به الظّهر حين مالت الشمس، ثم صلّى به العصر حين كان ظلّه مثله، ثم صلّى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشّفق، ثم صلّى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاء فصلّى به الظهر من غد حين «٧» كان ظلّه مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظلّه مثليه، ثم صلّى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث اللّيل الأوّل، ثم صلّى به الصبح مسفرا غير مشرق، ثم قال: يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس «٨» » .
стр. 5473
ذكر أوّل من أسلم وآمن بالله تعالى وبرسوله ﷺ وصدّق بما جاء به من عند الله
قد تقدّم أن أوّل من آمن خديجة رضى الله عنها، وذهب محمد بن إسحاق «١» إلى أن أوّل من آمن برسول الله ﷺ وصلّى وصدّق بما جاء به «٢» من الله تعالى علىّ بن أبى طالب، ثم زيد بن حارثة «٣» مولى رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر الصدّيق «٤» رضى الله عنهم. وسنذكر إن شاء الله إسلام كل واحد منهم.
أما إسلام أبى بكر الصديق رضى الله عنه فالذى عليه الأكثرون أنه أوّل من أسلم من الذكور، وقد روى أبو الفرج بن الجوزىّ ﵀ فى كتابه المترجم (بصفة الصفوة «٥» ) عن ابن عبّاس، وحسّان بن ثابت، وأسماء بنت أبى بكر، وإبراهيم النّخعىّ، قالوا كلّهم: أوّل من أسلم أبو بكر، قال: وقال يوسف بن يعقوب بن الماجشون:
أدركت أبى ومشيختنا محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وصالح ابن كيسان، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد الأخنسى، وهم لا يشكّون أن أوّل القوم [إسلاما «٦» ] أبو بكر.
وروى أبو الفرج «٧» بسنده عن ابن عباس أنه قال: «أوّل من صلى أبو بكر رضى الله عنه» ، ثم تمثّل بأبيات حسّان بن ثابت:
إذا تذكّرت شجوا من أخى ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبىّ، وأولاها بما حملا
الثانى التالى المحمود مشهده ... وأوّل الناس حقا صدّق الرسلا
والله يهدى من يشاء.
стр. 5474
وأما إسلام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه
- فقد اختلف فى سنّه حال إسلامه؛ فقيل: أسلم وهو ابن عشر سنين «١» ، وقيل: تسع سنين، وقيل اثنتى عشرة سنة، وقيل أكثر من ذلك إلى عشرين سنة، وهو بعيد، لأنه آمن فى ابتداء الأمر وظهور النبوّة. والله أعلم.
وكان من حديث إسلامه ما رواه محمد بن إسحاق «٢» عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبى الحجّاج، قال: كان من نعمة الله على علىّ بن أبى طالب ومما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﷺ لعمّه العباس، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عبّاس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفّف [عنه «٣» ] من عياله؛ آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت «٤» رجلا فنكفلهما «٥» عنه، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى لقيا «٦» أبا طالب، فقالا [له] : إنا نريد «٧» أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما [أبو طالب «٨» ] : إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما؛ ويقال قال: عقيلا وطالبا؛ فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العبّاس
стр. 5475
جعفرا [فضمّه إليه «١» ] ، فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا فاتّبعه علىّ وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم «٢» .
قال ابن إسحاق:
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة وخرج معه علىّ بن أبى طالب مستخفيا من عمه أبى طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصلّيان الصلوات فيها «٣» ، فإذا أمسيا رجعا؛ فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصلّيان، فقال لرسول الله ﷺ : يابن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟ قال: أى عمّ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم «٤» ، بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عمّ أحقّ من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحقّ من أجابنى إليه، وأعاننى عليه، أو كما قال. فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى والله «٥» لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شىء تكرهه ما بقيت.
وذكروا أنه قال لابنه علىّ: أى بنىّ ما هذا الدين الذى أنت عليه؟ فقال:
يا أبت، آمنت برسول الله ﷺ وصدّقته بما جاء به، وصليت معه لله واتّبعته. فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
стр. 5476
وأما إسلام زيد بن حارثة «١» رضى الله عنه
- فقال «٢» محمد بن إسحاق:
ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزّى بن امرئ القيس الكلبى مولى رسول الله ﷺ ، وقد نسبه ابن الكلبىّ فقال: زيد ابن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزّى بن يزيد «٣» بن امرئ القيس بن عامر ابن النّعمان بن عبدودّ بن امرئ القيس بن نعمان بن عمران بن عبد عوف بن عوف ابن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمر ابن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
قال أبو عمر «٤» : وربّما اختلفوا فى الأسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شىء فيها «٥» . قال «٦» : ولم يتابع ابن إسحاق على قوله «٧» «شرحبيل» وإنما «شراحيل» .
وقال ابن الكلبى: وأمّ زيد سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت، من بنى معن من طيئ «٨» .
стр. 5477
قال ابن إسحاق «١» : وصلّى زيد بعد علىّ بن أبى طالب. قال أبو محمد عبد الملك ابن هشام: وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق منه «٢» زيد بن حارثة، وصيف، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهى يومئذ عند رسول الله ﷺ ، فقال لها: اختارى يا عمّة، أىّ هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدا، فأخذته، فرآه رسول الله ﷺ عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ وتبنّاه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا وبكى عليه حين فقده، ثم قدم عليه وهو عند رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «إن شئت فأقم عندى، وإن شئت فانطلق مع أبيك» ؛ قال: بل أقيم عندك؛ فلم يزل عند رسول الله ﷺ حتى بعثه الله، فصدّقه وأسلم وصلّى معه، فلما أنزل الله : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ)
قال: أنا زيد ابن حارثة. وقد روى أبو عمر وغيره أن حارثة لما فقد ابنه زيدا قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحىّ يرجّى «٣» أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض «٤» أم غالك الجبل
فياليت شعرى هل لك الدهر رجعة «٥» ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل «٦»
стр. 5478
تذكّرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطّفل «١»
وإن هبّت الأرواح هيّجن ذكره ... فيا طول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التّطواف أو تسأم الإبل
حياتى أو تأتى علىّ منّيتى ... وكلّ امرئ «٢» فان وإن غرّه الأمل
سأوصى به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصى يزيدا ثم من بعده جبل «٣»
يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد، ويزيد أخا زيد لأمّه، وهو يزيد بن كعب ابن شراحيل.
قال: فحجّ «٤» ناس من كلب «٥» فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، وقال لهم: أبلغوا أهلى «٦» هذه الأبيات، فإنى أعلم أنهم قد جزعوا علىّ، فقال:
أحنّ إلى قومى وإن كنت نائيا ... فإنّى قعيد البيت عند المشاعر
فكفّوا من الوجد الذى قد شجاكم ... ولا تعملوا فى الأرض نصّ الأباعر
فإنّى بحمد الله فى خير أسرة ... كرام معدّ كابرا بعد كابر
فانطلق الكلبيّون فأعلموا أباه، فقال: ابنى ورب الكعبة، فوصفوا له موضعه وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكّة «٧» ، فسألا عن النبى ﷺ ، فقيل: هو فى المسجد، فدخلا عليه فقالا: يابن عبد المطّلب،
стр. 5479
يابن هاشم، يابن سيّد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكّون العانى، وتطعمون الأسير، جئناك فى ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا فى فدائه؛ قال: ومن هو؟
قالا: زيد «١» بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : «فهلّا غير ذلك» ؟ قالوا: وما هو؟ قال: «ادعوه فأخيّره «٢» ، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارنى فهو لى، فو الله ما أنا بالذى أختار على من اختارنى أحدا» . قالوا «٣» : قد زدتنا على النّصف وأحسنت إلينا، فدعاه «٤» فقال: «هل تعرف هؤلاء» ؟ قال: نعم، قال «من هذا «٥» » ؟ قال: أبى، وهذا عمى، قال: «فأنا من قد علمت «٦» ، وقد رأيت صحبتى لك، فاخترنى أو اخترهما» ، فقال زيد: ما أنا بالذى «٧» أختار عليك أحدا، أنت منى مكان الأب والعمّ، فقالا:
ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرّيّة، وعلى أبيك وعمك وأهل «٨» بيتك؟ قال:
نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا معشر من حضر، اشهدوا أنّ زيدا ابنى يرثنى وأرثه» . فلما رأى ذلك أبوه وعمّه طابت نفوسهما وانصرفا.
ودعى زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام، فنزلت: (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ)
، فدعى يومئذ زيد بن حارثة، ودعى الأدعياء إلى آبائهم. والله أعلم.
стр. 5480
ذكر من أسلم بدعاء أبى بكر الصدّيق- رضوان الله عليهم -
قال محمد بن إسحاق «١» :
لما أسلم أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه أظهر إسلامه، ودعا إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، وكان أبو بكر رجلا مألفا «٢» لقومه محببّا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشرّ، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.
فجعل يدعو إلى الإسلام «٣» من وثق به من قومه ممّن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه رضى الله عنه، عثمان بن عفّان «٤» ، والزّبير بن العوّام «٥» ، وعبد الرحمن بن عوف «٦» ، وسعد بن أبى وقّاص «٧» ، وطلحة بن عبيد الله، فجاء «٨» بهم إلى رسول الله ﷺ حتى استجابوا «٩» له، فأسلموا وصلّوا، فكان رسول الله ﷺ يقول: «ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت عنده كبوة «١٠» ونظر وتردّد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم «١١» عنه حين ذكرته له وما تردّد فيه» .
стр. 5481
قال ابن إسحاق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام الناس فصلّوا وصدّقوا بما جاء من الله.
ثم أسلم أبو عبيدة، واسمه عامر بن عبد الله بن الجرّاح «١» ، وأبو سلمة، واسمه عبد الله بن عبد الأسد «٢» ، والأرقم بن أبى الأرقم، واسم أبى الأرقم عبد مناف بن أسد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم «٣» ، وعثمان بن مظعون «٤» ، وأخواه قدامة «٥» ، وعبد الله «٦» ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤىّ «٧» ، وسعيد بن زيد «٨» ، وامرأته فاطمة»
بنة الخطّاب أخت عمر،
стр. 5482
وأسماء «١» وعائشة «٢» بنتا أبى بكر، وكانت عائشة صغيرة، وخبّاب بن الأرتّ «٣» حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقّاص «٤» أخو سعد، وعبد الله بن مسعود «٥» ، ومسعود بن القارى، وهو مسعود بن ربيعة، [أو الربيع «٦» ] ، وسليط بن عمرو ابن عبد شمس «٧» ، وعيّاش بن أبى ربيعة بن المغيرة «٨» ، وامرأته أسماء بنت سلامة ابن مخرّبة التميمية «٩» ، وخنيس بن حذافة بن قيس «١٠» ، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب «١١» ، وعبد الله بن جحش «١٢» وأخوه أبو أحمد بن جحش «١٣» حليفا بنى أمية،
стр. 5483
وجعفر بن أبى طالب «١» ، وامر أنه أسماء بنت عميس «٢» ، وحاطب بن الحارث بن معمر، وامرأته فاطمة بنت المجلّل بن عبد الله «٣» ، وأخوه خطّاب بن الحارث، وامرأته فكيهة بنت يسار «٤» ، ومعمر بن الحارث بن معمر «٥» ، والسائب بن عثمان بن مظعون «٦» ، والمطّلب ابن أزهر بن عبد عوف «٧» ، وامرأته رملة بنت أبى عوف بن صيرة، والنّحام واسمه نعيم بن عبد الله «٨» ، وعامر بن فهيرة «٩» مولى أبى بكر الصدّيق، وخالد بن سعيد بن العاص ابن أميّة «١٠» ؛ وقد روى أن خالد بن سعيد كان خامس من أسلم، وأن إسلامه كان بعد سعد بن أبى وقّاص، حكاه أبو عمر «١١» ، وامرأته أمينة «١٢» بنت خلف بن أسعد، وحاطب
стр. 5484
ابن عمرو بن عبد شمس «١» ، وأبو حذيفة واسمه مهشم «٢» بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف؛ ويقال فى اسمه هشيم؛ ويقال هاشم، وواقد «٣» بن عبد الله بن عبد مناف ابن عرين «٤» بن ثعلبة، وخالد «٥» ، وعامر «٦» ، وعاقل «٧» ، وإياس «٨» ، بنو البكير بن عبد ياليل وعمّار «٩» بن ياسر حليف بنى مخزوم، وصهيب «١٠» بن سنان.
قال ابن إسحاق «١١» :
ثم دخل الناس [فى الإسلام «١٢» ] أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام [بمكّة وتحدّث «١٣» به] .
ولنذكر من كانت له سابقة فى الإسلام غير من ذكرنا والله الموفّق للصواب.
стр. 5485
ذكر تسمية من كانت لهم سابقة فى الإسلام من العرب من غير قريش
كانت لجماعة سابقة إسلام، وهم من غير قريش، فرأينا أن نذكرهم فى هذا الموضع لسابقتهم فى الإسلام.
منهم أبو ذرّ «١» جندب بن جنادة الغفارىّ، واختلف فى اسمه اختلافا كثيرا، والمشهور ما ذكرناه، واختلف أيضا فيما بعد جنادة، فقيل جنادة بن قيس بن عمرو ابن صعير بن حرام بن غفار، وقيل جنادة بن صعير بن عبيد بن حرام بن غفار، ويقال جنادة بن سفيان بن عبيد بن [صعير «٢» بن] حرام بن غفار؛ أسلم أبو ذرّ بعد ثلاثة، وقيل: بعد أربعة، فكان خامسا، وله فى سبب إسلامه حديث حسن، نذكره إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لأخبار وفود العرب على رسول الله ﷺ فى وفد غفار على ما تقف عليه، وهو فى السّفر السادس عشر من كتابنا هذا.
وأسلم بسبب إسلامه أخوه أنيس «٣» بن جنادة وأمّهما رملة بنت الوقيعة الغفاريّة «٤» .
ومنهم عمرو بن عبسة «٥» بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتّاب بن امرئ القيس ابن بهثة بن سليم، يكنى أبا نجيح، ويقال أبو شعيب. قال أبو عمر بن عبد البر «٦» :
روينا عنه من وجوه أنه قال: ألقى فى روعى أن عبادة الأوثان باطل، فسمعنى رجل وأنا أتكلم بذلك، فقال: يا عمرو، إن بمكة رجلا يقول كما تقول، قال: فأقبلت إلى مكة
стр. 5486
أوّل ما بعث النبى ﷺ وهو مستخف «١» ، فقيل لى: إنك لا تقدر عليه إلا باللّيل حين يطوف، فقمت بين يدى الكعبة فما شعرت إلا بصوته يهلّل، فخرجت إليه فقلت من أنت؟ قال: أنا نبىّ الله، فقلت وما نبىّ الله؟ قال: رسول الله، قلت وبم أرسلك؟
قال: بأن يعبد «٢» الله وحده ولا يشرك به شىء، وتكسر الأوثان وتحقن الدماء، [وتوصل الأرحام] «٣» ، قلت: ومن معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد، يعنى أبا بكر وبلالا، فقلت: ابسط يدك أبايعك، فبايعته على الإسلام. قال: فلقد رأيتنى وأنا ربع «٤» الإسلام، قال: قلت أقيم معك يا رسول الله؟ قال: «لا. ولكن الحق بقومك فإذا سمعت أنى قد خرجت فاتبعنى» ، قال: فلحقت بقومى، فمكثت دهر امنتظرا «٥» خبره حتى أتت رفقة من يثرب فسألتهم الخبر «٦» ، فقالوا: خرج محمد بن مكة إلى المدينة. قال: فارتحلت فأتيته فقلت: أتعرفنى؟
قال: «نعم، أنت الرجل الذى أتيتنا بمكّة» . وروى أبو «٧» عمر أيضا بسنده إلى أبى أمامة الباهلى أنه حدث عن عمرو بن عبسة «٨» قال: «رغبت عن آلهة قومى فى الجاهلية ورأيت أنها آلهة باطلة «٩» ؛ يعبدون الحجارة، وهى لا «١٠» تضرّ ولا تنفع، قال: فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين، فقال: يخرج رجل من مكّة يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، وهو يأتى بأفضل الدين، فإذا سمعت به فاتّبعه، فلم يكن لى همّ
стр. 5487
إلا مكّة أسأل هل حدث فيها حدث «١» ؟ فيقولون: لا. فأنصرف إلى أهلى، وأهلى من الطريق غير بعيد، فأعترض الركبان خارجين من مكة فأسألهم هل حدث فيها حدث؟
فيقولون: لا. فإنى لقاعد على الطريق يوما «٢» إذ مرّ بى راكب فقلت من أين أنت «٣» ؟
قال: من مكّة، قلت: هل فيها من خبر؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها، قلت: صاحبى الذى أريد، فشددت راحلتى، وجئت مكة، ونزلت منزلى الذى كنت أنزل فيه، فسألت عنه، فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا إلبا عليه، فتلطّفت حتى دخلت عليه، فسلّمت ثم قلت: من أنت؟ قال:
«نبىّ الله «٤» » ، قلت: وما النبى؟ قال: «رسول الله» ، قلت: من أرسلك؟ قال: «الله» ، قلت بم أرسلك؟ قال: «أن توصل الارحام، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وتكسر الأوثان، ويعبد الله وحده لا يشرك به شىء» . فقلت: نعم ما أرسلت به؛ أشهدك أنى قد آمنت بك وصدّقتك، أمكث معك أم ما تأمرنى «٥» ؟. قال: «قد رأيت كراهة الناس لما جئت به، فامكث فى أهلك، فإذا سمعت أنى خرجت مخرجا فاتّبعنى» . فلما سمعت «٦» به خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه فقلت:
يا نبىّ الله، هل تعرفنى؟ قال: «نعم، أنت السّلمىّ الذى جئتنى بمكّة فقلت لى كذا، وقلت لك كذا «٧» » .
стр. 5488
ومنهم عتبة «١» بن غزوان بن جابر، ويقال عتبة بن غزوان بن الحارث بن جابر ابن وهب»
بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن [الحارث بن «٣» ] مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس «٤» عيلان بن مضر بن نزار المازنى حليف لبنى نوفل بن عبد مناف «٥» ، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا غزوان، كان إسلامه بعد ستّة رجال، فهو سابع سبعة [فى إسلامه، وقد قال ذلك فى خطبته بالبصرة: «لقد رأيتنى مع رسول الله ﷺ وآله سابع سبعة «٦» ] ما لنا طعام إلا ورق الشّجر حتى قرحت أشداقنا» . رضى الله عنهم أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.
ذكر دعاء رسول الله ﷺ الناس إلى الإسلام
قال محمد بن إسحاق «٧» :
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا فى الشّعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقّاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبى وقّاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى «٨» بعير، فشجّه «٩» ، فكان أول دم هريق فى الإسلام.
стр. 5489
ثم أمر «١» الله تعالى رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء «٢» به من عند الله وأن ينادى الناس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله تعالى، فكان يدعو «٣» ثلاث سنين مستخفيا، إلى أن أمر الله بإظهار الدعاء.
قال محمد بن سعد «٤» : قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
هو رسول الله ﷺ .
وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى «٥» : لما أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يعلم الناس نزول الوحى عليه، ويدعوهم إلى الإيمان به، كبر ذلك عليه، فنزل قوله : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
، قالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبّة، فقال [لهم «٦» ] : «أيها الناس، انصرفوا فقد عصمنى الله» ؛ قيل: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك، فبلّغ عند ذلك الرسالة.
وعن الزهرىّ «٧» ، قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام سرا وجهرا، فاستجاب لله تعالى من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن بالله؛ وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مرّ عليهم فى مجالسهم يشيرون إليه: إنّ غلام بنى عبد المطلب ليكلّم من السماء، فكان ذلك حتى عاب الله آلهتهم التى يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فعند ذلك عادوا رسول الله ﷺ وناكروه؛ وأجمعوا علاقة «٨» .
стр. 5490
قال ابن عباس «١» رضى الله عنه: لما أنزل الله على رسوله ﷺ :
(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
صعد رسول الله ﷺ على الصّفا فقال:
«يا معشر قريش» ، فقالت قريش: محمد على الصّفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا:
مالك يا محمد؟ فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقوننى» ؟
قالوا: نعم، أنت عندنا غير متّهم، وما جرّبنا عليك كذبا قط، قال: «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد يا بنى عبد المطلب يا بنى عبد مناف يا بنى زهرة» ، حتى عدّد الأفخاد من قريش «إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، وإنى لا أملك لكم من الدّنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله» قال: فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ)
السورة كلّها. قال الواقدى «٢» : لما أظهر رسول الله ﷺ الإسلام ومن معه، وفشا أمره بمكّة، ودعا بعضهم بعضا، فكان أبو بكر يدعو ناحية سرّا، وكان سعيد بن زيد مثله «٣» ، وعثمان مثل ذلك، [وكان عمر يدعو علانية وحمزة ابن عبد المطلب «٤» ] وأبو عبيدة بن الجرّاح؛ فغضبت قريش من ذلك، وظهر منهم لرسول الله ﷺ الحسد والبغى، وأشخص به «٥» منهم رجال فبادوه، وتستّر آخرون وهم على ذلك الرّأى، إلا أنهم ينزّهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله ﷺ .
стр. 5491
ذكر أعداء رسول الله ﷺ الذين جاهروا بالعداوة
قالوا: كان «١» أهل العداوة والمباداة لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين يطلبون الجدل والخصومة: أبو جهل بن هشام، وأبو لهب بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس بن عدىّ، والوليد بن المغيرة، [وأمية وأبىّ ابنا خلف، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة «٢» ] ، والعاص بن وائل، والنّضر ابن الحارث، ومنبّه بن الحجاج، وزهير بن أبى أمية، والسائب بن صيفىّ [بن عابد «٣» ] ، والأسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هشام «٤» ، وعقبة بن أبى معيط، وأبو الأصدى «٥» ، وهو الذى نطحته الأروى، والحكم ابن أبى العاص، وعدىّ بن الحمراء؛ وذلك أنهم كانوا جيرانه؛ والذين «٦» كانت تنتهى عداوة رسول الله ﷺ إليهم: أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة ابن أبى معيط؛ وكان عتبة «٧» وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهل عداوة، ولكنهم لم يشخصوا بالنبى ﷺ ؛ كانوا كنحو قريش، ولم يسلم من هؤلاء إلا أبو سفيان والحكم بن أبى العاص.
стр. 5492
ذكر دخول قريش على أبى طالب فى أمر رسول الله ﷺ وما كان بينهم من المحاورات
قال محمد بن إسحاق «١» :
لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم «٢» من شىء أنكروه عليه، ورأوا أن عمّه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم «٣» يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب، وهم: عقبة وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس، وأبو سفيان صخر بن حرب، وأبو البخترىّ العاص بن هشام، والأسود بن المطّلب بن أسد، وأبو جهل عمرو بن هشام، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج ابن عامر، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّى بيننا وبينه، فإنك على سبيل «٤» ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى»
الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرّجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، فتذامروا «٦» فيه، وحضّ بعضهم بعضا عليه،
стр. 5493
ثم مشوا إلى أبى طالب مرّة أخرى فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإيّاك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين؛ ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه.
فبعث أبو طالب إلى رسول الله ﷺ فقال: يابن أخى، إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا، فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق؛ قال: فظنّ رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه «١» فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال «٢» له: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشّمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» ؛ ثم استعبر رسول الله ﷺ «٣» وقام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخى، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يابن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا.
قال «٤» : ثم إن قريشا لما عرفوا «٥» أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم فى ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد «٦» فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتّخذه ولدا فهو لك خير، وأسلم لنا ابن أخيك هذا
стр. 5494
الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجل برجل «١» ، قال «٢» : والله لبئس ما تسوموننى، أتعطوننى «٣» ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابنى تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا، فقال له المطعم «٤» بن عدىّ ابن نوفل بن عبد مناف بن قصىّ: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا؛ فقال له أبو طالب: والله ما أنصفونى، ولكنك «٥» أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك، فحقب «٦» الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا.
قال الواقدى «٧» :
لما أجابهم أبو طالب بما قدّمناه من أنهم ما أنصفوه قالوا له: فأرسل إليه فلنعطه النّصف، فأرسل إليه أبو طالب، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: يابن أخى، هؤلاء عمومتك، وأشراف قومك، وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله ﷺ : «قولوا أسمع» قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله ﷺ :
«أرأيتكم «٨» إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطىّ كلمة إن أنتم تكلّمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم» ؟ فقال أبو جهل: إنّ هذه لكلمة مربحة، نعم، وأبيك
стр. 5495
لنقولنّها وعشر أمثالها، قال: «قولوا لا إله إلا الله» ، فاشمأزّوا ونفروا منها وغضبوا، وقاموا وهم يقولون: (وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ)
، ويقال:
إن الذى تكلّم بها عقبة بن أبى معيط، وقالوا: لا نعود إليه أبدا، وما خير من أن نغتال محمدا «١» . فلما كان من تلك «٢» الليلة، قعد رسول الله ﷺ ، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانا من بنى هاشم وبنى المطّلب، ثم قال: ليأخذ كلّ واحد حديدة صارمة، ثم ليتبعنى إذا دخلت المسجد فليجلس كلّ فتى منكم إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظليّة، يعنى أبا جهل، فإنه لم يغب عن شرّ إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة، فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد، أحسست «٣» ، ابن أخى؟ قال: نعم، كنت معه آنفا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتى أبدا حتى أراه، فخرج زيد مسرعا حتى أتى رسول الله ﷺ وهو فى بيت عند الصّفا، ومعه أصحابه يتحدّثون؛ فأخبره الخبر، فجاء رسول الله ﷺ إلى أبى طالب، فقال: يابن أخى، أين كنت؟ أكنت فى خير؟ قال: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله ﷺ فأخذ بيده فوقف على أندية قريش ومعه الفتيان الهاشميّون والمطّلبيّون، فقال: يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان:
اكشفوا عما فى أيديكم، فكشفوا فإذا كلّ رجل معه حديدة صارمة، فقال:
والله لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم، وكان أشدّهم انكسارا أبو جهل.
стр. 5496
ذكر تحزّب قريش على رسول الله ﷺ وأذاهم له ولأصحابه
قال ابن إسحاق «١» :
لما أيست قريش من أبى طالب، وأنه لا يخذل رسول الله ﷺ ولا يسلمه أبدا، تامروا «٢» بينهم على من فى القبائل من أصحاب رسول الله ﷺ [الذين أسلموا معه «٣» ] ، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فقام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ذلك فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب فإنه تمادى على غيّه وكفره.
قال «٤» : ثم اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش؛ إنه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستفد «٥» عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ويردّ قولكم بعضه بعضا؛ قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا:
نقول كاهن؛ قال: لا، والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة «٦»
стр. 5497
الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما «١» هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته؛ قالوا: فنقول شاعر؛ قال:
ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السّحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده «٢» ؛ قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعدق «٣» ، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين «٤» المرء وأبيه، وبين المرء [وأخيه، وبين المرء «٥» ] وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّبهم أحد إلا حدّروه إياه وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى فى الوليد ابن المغيرة: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً)
أى خصيما مخالفا (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ)
. قال ابن هشام: بسر «٦» أى كرّه وجهه، (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) .
стр. 5498
قال ابن إسحاق «١» :
وأنزل الله فى النّفر الذين كانوا معه يصنّفون القول فى رسول الله ﷺ ، وفيما جاء به من عند الله: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)
أى أصنافا (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) .
قال ابن إسحاق»
:
وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها. قال «٣» : ثم ابتدأت قريش فى عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه منهم، فأغروا به ﷺ سفهاءهم، فكذّبوه وآذوه، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مبا لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم «٤» على كفرهم.
قال محمد بن إسحاق «٥» :
حدّثنى يحيى بن عروة عن الزّبير عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما، قال: قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا «٦» من رسول الله ﷺ فيما كانوا يظهرون «٧» من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا:
ما رأينا مثلما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قطّ؛ سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا،
стр. 5499
وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا؛ لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا؛ فبينما هم فى ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك فى وجهه ﷺ ، ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك فى وجهه، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذّبح «١» » . قال: فأخذت كلمته القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدّهم فيه وصاة «٢» قبل ذلك ليرفؤه «٣» بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه القول، انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا دنا منكم وباداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم فى ذلك طلع رسول رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون:
أنت الذى تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: «نعم، أنا الذى أقول ذلك» . قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع «٤» ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)
، ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشا نالوا منه قطّ «٥» .
стр. 5500
قالت أم كلثوم بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق «١» رأسه ممّا جبذوه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر.
وخرّج الترمذىّ الحكيم فى «نوادر الأصول» ، من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبى طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله ﷺ ، فأقبل هذا يجأه وهذا يتلتله «٢» ، فاستغاث النبىّ ﷺ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأذا ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم، (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)
، والله إنه لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ، فقال علىّ «٣» :
والله ليوم أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل كتم إيمانه فأثنى الله عليه فى كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله .
قال ابن هشام «٤» :
حدّثنى بعض أهل العلم: أن أشدّ مالقى رسول الله ﷺ من قريش: أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلّا كذّبه وآذاه [لا «٥» ] حرّ ولا عبد، فرجع ﷺ إلى منزله فتدثّر من شدّة ما أصابه، فأنزل الله عليه: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) .
следующие страницы →