← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

ذكر تحزّب قريش على رسول الله ﷺ وأذاهم له ولأصحابه قال ابن إسحاق «١» : لما أيست قريش من أبى طالب، وأنه لا يخذل رسول الله ﷺ ولا يسلمه أبدا، تامروا «٢» بينهم على من فى القبائل من أصحاب رسول الله ﷺ [الذين أسلموا معه «٣» ] ، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فقام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ذلك فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب فإنه تمادى على غيّه وكفره. قال «٤» : ثم اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش؛ إنه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستفد «٥» عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ويردّ قولكم بعضه بعضا؛ قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا: نقول كاهن؛ قال: لا، والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة «٦»

стр. 5497

الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما «١» هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته؛ قالوا: فنقول شاعر؛ قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السّحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده «٢» ؛ قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعدق «٣» ، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين «٤» المرء وأبيه، وبين المرء [وأخيه، وبين المرء «٥» ] وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّبهم أحد إلا حدّروه إياه وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى فى الوليد ابن المغيرة: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) أى خصيما مخالفا (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) . قال ابن هشام: بسر «٦» أى كرّه وجهه، (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) .

стр. 5498

قال ابن إسحاق «١» : وأنزل الله فى النّفر الذين كانوا معه يصنّفون القول فى رسول الله ﷺ ، وفيما جاء به من عند الله: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أى أصنافا (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) . قال ابن إسحاق» : وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها. قال «٣» : ثم ابتدأت قريش فى عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه منهم، فأغروا به ﷺ سفهاءهم، فكذّبوه وآذوه، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مبا لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم «٤» على كفرهم. قال محمد بن إسحاق «٥» : حدّثنى يحيى بن عروة عن الزّبير عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما، قال: قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا «٦» من رسول الله ﷺ فيما كانوا يظهرون «٧» من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثلما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قطّ؛ سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا،

стр. 5499

وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا؛ لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا؛ فبينما هم فى ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك فى وجهه ﷺ ، ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك فى وجهه، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذّبح «١» » . قال: فأخذت كلمته القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدّهم فيه وصاة «٢» قبل ذلك ليرفؤه «٣» بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه القول، انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا دنا منكم وباداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم فى ذلك طلع رسول رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: «نعم، أنا الذى أقول ذلك» . قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع «٤» ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ، ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشا نالوا منه قطّ «٥» .

стр. 5500

قالت أم كلثوم بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق «١» رأسه ممّا جبذوه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر. وخرّج الترمذىّ الحكيم فى «نوادر الأصول» ، من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبى طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله ﷺ ، فأقبل هذا يجأه وهذا يتلتله «٢» ، فاستغاث النبىّ ﷺ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأذا ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم، (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ، والله إنه لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ، فقال علىّ «٣» : والله ليوم أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل كتم إيمانه فأثنى الله عليه فى كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله . قال ابن هشام «٤» : حدّثنى بعض أهل العلم: أن أشدّ مالقى رسول الله ﷺ من قريش: أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلّا كذّبه وآذاه [لا «٥» ] حرّ ولا عبد، فرجع ﷺ إلى منزله فتدثّر من شدّة ما أصابه، فأنزل الله عليه: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) .

стр. 5501

ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق «١» : حدّثنى رجل من أسلم كان «٢» واعية: أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله ﷺ عند الصّفا فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان تسمع ذلك، ثم انصرف أبو جهل عنه عامدا إلى نادى قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه «٣» ، راجعا من قنص له، وكان حمزة أعزّ فتى فى قريش وأشدّه شكيمة، فلما مر بمولاة ابن جدعان قالت له: يا أبا عمارة: لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى جهل ابن هشام؛ وجده ههنا جالسا فآذاه وسبّه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد، فغضب حمزة، فخرج يسعى حتى دخل المسجد فنظر إلى أبى جهل جالسا فى القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها، فشجّه شجّة منكرة، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا «٤» على دينه أقول ما يقول، فردّ ذلك علىّ إن استطعت، فقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا، وتمّ حمزة على إسلامه، وعلى ما بايع «٥» عليه رسول الله ﷺ من قوله؛ فلما أسلم حمزة عرفت

стр. 5502

قريش أن رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن حمزة سمينعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه قبل، قال: وكان إسلام حمزة قبل إسلام عمر ابن الخطاب- رضى الله عنهما- بثلاثة أيام «١» . ذكر مشى عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة إلى رسول الله ﷺ ، وسماعهما القرآن، واعترافهما أنه لا يشبه شيئا من كلامهم، وما أشار [به] عتبة على أشراف قريش فى أمر رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق «٢» : حدّثنى يزيد بن زياد «٣» ، عن محمد بن كعب القرظىّ قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة- وكان سيّدا- قال يوما وهو جالس فى نادى قريش، والنبىّ ﷺ جالس فى المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمّد فأكلّمه وأعرض عليه أمورا، لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفّ عنّا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلّمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يابن أخى، إنّك منّا حيث قد علمت من السّطة فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت «٤» به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى

стр. 5503

من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلّك تقبل منها «١» بعضها، قال: «قل يا أبا الوليد أسمع» ، قال: يابن أخى، إن كنت إنما تريد ممّا جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا «٢» تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطّبّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربّما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يسمع «٣» منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد» ؟ قال: نعم، قال: «فاستمع منى» ، قال: أفعل، قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ «٤» ) . ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما «٥» يستمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السّجدة «٦» فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك» . فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك

стр. 5504

يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى سمعت قولا والله «١» ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشّعر، ولا بالسّحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها بى، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكوننّ لقوله الذى سمعت نبأ [عظيم «٢» ] ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم «٣» ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به؛ فقالوا «٤» : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ «٥» بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشّعر فكلّمه، ثم أتانا ببيان أمره؟ فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علىّ إن كان كذلك، فأتاه عتبة فقال «٦» : يا محمد، أنت خير أم هاشم؟ [أنت خير أم عبد المطّلب «٧» ] ؟ أنت خير أم عبد الله؟ فلم يجبه رسول الله ﷺ ، قال: فبم تشتم آلهتنا، وتضلّل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك، فكنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباه زوّجناك عشر نسوة تختار من أىّ بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغنى بها أنت وعقبك من بعدك، ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلّم؛ فلما فرغ من حديثه قال رسول الله ﷺ :

стр. 5505

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ) «١» حتى بلغ قوله تعالى: (صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) «٢» ، فأمسك عتبة على فى النبىّ ﷺ ، وناشده الرّحم أن يكفّ، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم؛ فقال أبو جهل: يا عتبة، ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب وأقسم بالله لا يكلّم محمّدا أبدا، وقال: لقد علمتم أنّى من أكثر قريش مالا، ولكنى أتيته، وقصّ عليهم القصّة، قال: فأجابنى بشىء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة، قرأ علىّ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم) إلى قوله: (مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فيه، فخفت أن ينزل بكم العذاب. وأما الوليد بن المغيرة فقد روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ «٣» بسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبىّ ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له «٤» ، وأنك كاره له، فقال «٥» :وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّى، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده منّى، ولا بأشعار الجنّ؛ والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا، [و «٦» ] والله إن لقوله الذى يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال:

стр. 5506

لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعنى حتى أفكّر فيه، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره «١» ، فنزل قوله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ... ) «٢» الآيات. وعن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: اقرأ علىّ، فقرأ عليه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) «٣» ، قال: أعد علىّ، فأعاد عليه النبىّ ﷺ فقال: والله إنّ له لحلاوة، وإنّ [عليه لطلاوة «٤» ، وإن] أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر. ذكر اجتماع أشراف قريش إلى رسول الله ﷺ وما عرضوا عليه وما طلبوا منه أن يريهم ويخبرهم به من القصص، وأخبار من سلف وغير ذلك من غيّهم، وما أنزل عليه فى ذلك ممّا سنذكره إن شاء الله تعالى، ويترجم على بعض ما انطوت عليه هذه الترجمة من القصص بما يدل عليها، ويبيّنها من التراجم وإن كانت داخلة فيها. قال محمد بن إسحاق «٥» : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكّة فى قبائل قريش، فى الرجال والنساء. وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم اجتمعت أشراف قريش من كلّ قبيلة، كما روى عن سعيد بن

стр. 5507

جبير وابن عباس، قالا: اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان ابن حرب، والنّضر بن الحارث بن كلدة، وأبو البخترىّ بن هشام، والأسود ابن المطّلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبى أميّة، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج السّهميّان، وأمية ابن خلف، أو من اجتمع منهم، فاجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلّموك، فأتهم؛ فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أن قد بدالهم فيما كلّمهم فيه بداء، وكان حريصا عليهم، يحبّ رشدهم «١» ، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنّا قد بعثنا إليك لنكلّمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت [على قومك «٢» ] ، لقد شتمت الآباء، وعبت الدّين، وسببت «٣» الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقى أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك، وكلّموه بنحو ما كلّمه به عتبة بن ربيعة على ما قدّمناه آنفا. فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما بى [ما «٤» ] تقولون، ما جئت بما جئتكم أطلب به أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنّ الله بعثنى إليكم رسولا وأنزل عليكم «٥» كتابا، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلّغت لكم رسالات ربّى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منّى ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن

стр. 5508

تردّوه علىّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بينى وبينكم» أو كما قال- ﷺ . [قالوا يا محمد «١» ] : فإن كنت غير قابل منّا شيئا ممّا عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقلّ ماء ولا أشدّ عيشا منّا، فسل لنا ربّك الذى بعثك به فليسيّر عنّا هذه الجبال التى ضيقّت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق «٢» لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصىّ بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول: أحقّ هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت لنا ما سألناك عرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال رسول الله ﷺ : «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بينى وبينكم» . قالوا له: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربّك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضّة يغنيك بها عما نراك تبتغى، فإنّك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم؛ فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربّه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا» ،- أو كما قال- «فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظّكم

стр. 5509

فى الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» . قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل، فإنّا لا نؤمن لك إلّا أن تفعل. فقال ﷺ : «ذلك إلى الله، إن شاء يفعله بكم فعل» قالوا: يا محمد، أفما علم ربّك أنّا سنجلس معك ونسألك عمّا سألناك عنه ونطلب، فيتقدّم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك بما هو صانع فى ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منّا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتى بالله والملائكة قبيلا؛ فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة- وهو ابن عمّته- فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل- أو كما قال له- فو الله لا أو من بك أبدا حتى تتّخذ إلى السماء سلّما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتى معك بصكّ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدّقك؛ ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته ممّا كان يطمع به من قومه حين دعوه «١» .

стр. 5510

ذكر قصّة أبى جهل فى الحجر الذى قصد قتل رسول الله ﷺ به، وما شاهده من حماية الله تعالى لنبيّه، وكفايته إيّاه ورجوعه إلى قومه وإخبارهم بما شاهد قال ابن إسحاق: ولمّا قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش، إنّ محمد قد أبى إلّا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسبّ «١» آلهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم؛ قالوا: والله لا نسلمك لشىء أبدا، فامض لما تريد، فلمّا أصبح أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ يصلّى إلى بيت المقدس: وكان إذا صلّى صلّى بين الركن اليمانىّ والحجر الأسود: وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وقام يصلّى وقريش فى أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أتى «٢» نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه لأفعل [به «٣» ] ما قلت لكم البارحة، فلمّا دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل؛ والله ما رأيت مثل هامته

стр. 5511

ولا قصرته «١» ولا أنيابه لفحل قطّ، فهمّ أن يأكلنى. قال رسول الله ﷺ : «ذاك جبريل لو دنا لأخذه» . ومثل هذه القصة أيضا، ما رواه ابن إسحاق قال: قدم رجل من إراش- ويقال إراشة «٢» - بإبل له مكة فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشىّ حتى وقف على ناد من أندية قريش، ورسول الله ﷺ فى ناحية المسجد جالس، فقال الإراشىّ: يا معشر قريش، من رجل يؤدينى «٣» على أبى الحكم بن هشام؛ فإنّى رجل غريب ابن سبيل، وقد غلبنى على حقّى؛ فقال له القوم: أترى ذلك الرجل الجالس؟ - يريدون رسول الله ﷺ وهم يهزءون به- اذهب إليه فهو مؤديك عليه؛ فأقبل الإراشىّ حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم قد غلبنى على حقّ لى قبله، وأنا غريب وابن سبيل، ولقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدينى عليه فأشاروا لى إليك، فخذ [لى «٤» ] حقّى منه يرحمك الله، قال: «انطلق إليه» ، وقام معه ﷺ فلمّا رأوه قام [معه «٥» ] قالوا لرجل ممّن معهم: اتبعه فانظر ماذا يصنع؟ قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: «محمّد فاخرج إلىّ» فخرج وما فى وجهه رائحة «٦» (أى دم) قد انتقع «٧» لونه فقال: أعط هذا الرجل حقّه

стр. 5512

قال: نعم، لا يبرح «١» حتّى أعطيه [الّذى له «٢» ] ، ودخل فخرج إليه بحقّه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ وقال للإراشىّ: الحق بشأنك؛ فأقبل الإراشىّ حتّى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقّى، وجاء الرجل الّذى بعثوه معه فأخبرهم الخبر، قال: ثمّ لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا له: ويلك! والله ما رأينا مثل ما صنعت قطّ! قال: ويحكم! والله ما هو إلّا أن ضرب علىّ بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإنّ فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قطّ، والله لو أبيت لأكلنى. ذكر خبر النّضر بن الحارث، وما قال لقريش، وإرسالهم إيّاه إلى يثرب إلى أحبار يهود وعقبة بن أبى معيط وما عادا به قال: ولمّا رجع أبو جهل إلى قريش، وألقى الحجر من يده وقصّ عليهم ما شاهد قام النضر بن الحارث بن كلدة فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه الشيب- وقد جاءكم بما جاءكم به- قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السّحرة؛ نفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة؛ تخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلّها؛

стр. 5513

هزجه ورجزه. وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، ما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم. قال ابن إسحاق: وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممّن كان يؤذى رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلّم بها أحاديث ملوك الفرس ورستم «١» وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فذكّر فيه بالله وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه فى مجلسه إذا أقام، ثم قال: والله يا معشر قريش أنا أحسن حديثا منه، فهلمّ «٢» فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه، ثم يحدّثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى! قيل: والنضر هذا هو الذى قال [فيما بلغنى «٣» ] : (سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) «٤» ، قال ابن عباس: نزل فيه ثمان آيات من القرآن: قوله تعالى (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) * «٥» ، وكلّ ما ذكر فيه الأساطير من القرآن. قال: فلما قال لهم النضر بن الحارث ما قال بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمّد، وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم

стр. 5514

علم حسن- ليس عندنا- من علم الأنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنّكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقال لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبىّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأوّل، ما كان من أمرهم؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب؛ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الرّوح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فاتّبعوه فإنه نبىّ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا فى الدهر الأوّل قد كانت لهم قصّة عجب؛ وعن رجل كان طوّافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ وأخبرنا عن الرّوح ما هى؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : «أخبركم بما سألتم عنه غدا» ، ولم يستثن بالمشيئة، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله ﷺ فيما يزعمون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله فى ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف «١» أهل مكّة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا «٢» بشىء ممّا سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحى عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة؛ ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف فيها خبر ما سألوا عنه، فيقال: إنه ﷺ قال لجبريل حين جاءه: لقد احتبست عنّى حتى سؤت ظنّا؛ فقال له جبريل:

стр. 5515

(وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) «١» . ذكر ما اشتملت عليه سورة الكهف ممّا سألوه عنه قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله تعالى: افتتح الله السورة بحمده، وذكر نبوّة رسوله ﷺ فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ) يعنى محمدا. قوله: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً) أى معتدلا لا اختلاف فيه. قوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) أى عاجل عقوبته فى الدنيا وعذابا أليما فى الآخرة. قوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) أى دار الخلد لا يموتون فيها، الّذين صدّقوك بما جئت به ممّا كذّبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم من الأعمال. قوله: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) يعنى قريشا فى قولهم: إنّا نعبد الملائكة وهى بنات الله. قوله: (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) الّذين أعظموا فراقهم «٢» . قوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) أى قولهم: إنّ الملائكة بنات الله. قوله: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) أى مهلك نفسك لحزنه ﷺ عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم، أى لا تفعل. قوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أى أيّهم أتبع لأمرى، وأعمل لطاعتى. قوله: (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) «٣» أى الأرض،

стр. 5516

وإنّ ما عليها لفان وزائل، ولكن المرجع إلىّ فأجزى كلّا بفعله، فلا تأس، ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. ثم استقبل القصّة فيما «١» سألوه عنه من شأن الفتية. فقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) ، أى قد كان من آياتى فيما وضعت على العباد من حجتى «٢» ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذى يرقم فيه بخبرهم، وجمعه رقم. ثم قال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) إلى قوله: (لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) أى لم يشركوا بى كما أشركتم [بى «٣» ] ما ليس لكم به علم. قال: والشّطط، الغلوّ «٤» ومجاوزة الحق. قوله: (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) ، أى بحجّة بالغة. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) إلى قوله: (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) . قال ابن هشام: تزاور، تميل، وهو من الزّور، و (تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) ، أى تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. والفجوة: السعة، وجمعها الفجاء. قوله: (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أى فى الحجّة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممّن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم فى صدق نبوّتك بتحقيق الخبر عنهم. قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) إلى قوله (بِالْوَصِيدِ) «٥» الوصيد: الباب. قال عبيد «٦» بن وهب العبسىّ منشدا: بأرض فلاة لا يسدّ وصيدها ... علىّ ومعروفى بها غير منكر

стр. 5517

والوصيد أيضا الفناء، وجمعه وصائد ووصد ووصدان قوله: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) إلى قوله (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) أهل الملك (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) . قوله: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ) إلى قوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) يعنى أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم، فانهم لا علم لهم بهم. قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ) إلى قوله (رَشَداً) أى لا تقولنّ لشىء سألوك عنه كما قلت فى هذا: إنى مخبركم غدا، واستثن بمشيئة الله (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي) لخير مما سألتمونى عنه رشدا، فإنّك لا تدرى ما أنا صانع فى ذلك. قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) أى سيقولون ذلك. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) أى لم يخف عليه شىء مما سألوا عنه، وقال الله ، فيما سألوه عنه من أمر الطّواف، وهو ذو القرنين: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) «١» الآيات، إلى آخر خبره. وقد ذكرنا قصة ذى القرنين فى الباب الأوّل من القسم الرابع من الفنّ الخامس من كتابنا هذا، وهى فى الجزء الثانى عشر «٢» من هذه النسخة، ولا فائدة فى إعادتها. وقال تعالى فيما سألوه عنه من [أمر «٣» ] الرّوح «٤» : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) «٥» روى عن عبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قال

стр. 5518

أحبار يهود: يا محمد، أرأيت قولك: (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) «١» إيّانا تريد أم قومك؟ قال: كلّا. قالوا: فإنّك تتلو فيما جاءك إنّا قد أوتينا التوراة فيها بيان كلّ شىء، فقال رسول الله ﷺ : «إنّها فى علم الله قليل، وعندكم فى ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه» فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) «٢» ، أى أن التوراة فى هذا من علم الله قليل. ذكر ما أنزل على رسول الله ﷺ من القرآن فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال، وتقطّع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى، وما سألوه لنفسه، وما قالوه له بعد ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ فيما سأله قومه لأنفسهم فيما قدّمنا ذكره؛ قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) «٣» ، أى لا أصنع من ذلك إلّا ما شئت. وأنزل عليه فى قولهم: خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه قوله تعالى: (وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) «٤» . (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ) «٥» ، أى من أن تمشى فى الأسواق

стр. 5519

وتلتمس المعاش (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) . وأنزل عليه فى ذلك: (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً) «١» ، أى جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلى ولا يخالفوا لفعلت. وأنزل عليه فيما قال عبد الله بن أميّة: (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «٢» ) ، وأنزل عليه فى قولهم: إنّا قد بلغنا [أنك «٣» ] إنّما يعلّمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدا؛ قوله تعالى: (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ) . «٤» . وأنزل عليه فيما قال أبو جهل وما همز به قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى. أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) «٥» إلى آخر السورة. قال ابن هشام: لنسفعن: لنجذبنّ ولنأخذنّ. والنادى: المجلس الذى يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم، وجمعه أندية. يقول: (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) «٦» أى أهل ناديه، كما قال تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) «٧» أى أهل القرية. وأنزل عليه فيما عرضوه عليه من أموالهم: (قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) «٨»

стр. 5520

ذكر ما كان من عناد قريش بعد ذلك وعقودهم «١» قال: فلمّا جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحقّ، وعرفوا صدقه فيما حدّث، وموقع نبوّته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عمّا سألوه عتوا على الله واستمرّوا فى طغيانهم وعلى كفرهم، فقال قائلهم: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) «٢» فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم. فقال أبو جهل يوما- وهو يهزأ برسول الله وما جاء به من الحقّ-: يا معشر قريش، يزعم محمد أنّما جنود الله الذين يعذبونكم فى النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا [وكثرة «٣» ] ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم. فأنزل الله تعالى فى ذلك: (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) «٤» إلى آخر القصّة. قال: ولمّا قال بعضهم لبعض: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) جعلوا إذا جهر رسول الله ﷺ بالقرآن وهو فى صلاته يتفرّقون عنه، ويأبون أن يسمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلّى استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنّهم قد عرفوا به أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم أن يستمع؛ وإن خفض ﷺ صوته ظنّ الّذى يستمع أنهم لا يستمعون شيئا من قراءته؛ وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه، فأنزل الله تعالى قوله:

стр. 5521

(وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) «١» يقول: لا تجهر بصلاتك فيفرّوا «٢» عنك، ولا تخافت بها، فلا يسمعها من يحبّ أن يسمعها ممّن يسترقها دونهم لعلّه يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به. ذكر أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ روى عن عروة بن الزّبير عن أبيه قال: كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود. قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ «٣» من رجل يسمعهموه. فقال عبد الله بن مسعود: أنا؛ قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعونى، إن الله سمينعنى؛ قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام فى وقت الضّحى وقريش فى أنديتها، ثم قال رافعا صوته: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ) «٤» ثم استقبلها يقرؤها، وتأمّلوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمّ عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمّد؛ فقاموا إليه فجعلوا يضربون فى «٥» وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه، فقالوا: هذا الذى خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله أهون علىّ منهم الآن، وإن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا؛ قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون. والله الموفّق.

стр. 5522

ذكر ما نال أصحاب رسول الله ﷺ من أذى قريش وعذابهم ليفتنوهم عن دينهم قال محمّد بن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذّبونهم بالضّرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكّة إذا اشتد الحرّ؛ من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن «١» من شدّة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يعصمه الله، فكان بلال بن رباح «٢» مولى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما لبعض بنى جمح مولّدا من مولّديهم، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، فكان أميّة بن خلف يخرجه إذا حميت الظّهيرة فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكّة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمّد، وتعبد اللّات والعزّى؛ فيقول- وهو فى ذلك البلاء- أحد أحد، فكان ورقة بن نوفل يمرّ به وهو يعذّب بذلك وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد والله يا بلال؛ ثم يقبل على أميّة بن خلف وهو يصنع به ذلك فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنّه حنانا «٣» ؛ حتى مرّ به أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوما وهم يصنعون به ذلك، فقال لأميّة: ألا تتقى الله فى هذا المسكين، حتّى متى! فقال: أنت أفسدته فأنقذه ممّا ترى. قال: أفعل، عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت؛ قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر

стр. 5523

غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ستّ رقاب؛ وهم عامر بن فهيرة، شهد بدرا وأحدا «١» ، وأمّ عميس «٢» ، وزنّيرة- وكانت روميّة لبنى عبد الدار- فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلّا اللّات والعزّى، وما ينفعان. فردّ الله إليها بصرها؛ وأعتق النهديّة وابنتها، وكانتا لامرأة من بنى عبد الدّار، فمرّ بهما وقد بعثتهما سيّدتهما بطحين لها وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا؛ فقال أبو بكر: حلّ «٣» يا أم فلان؛ فقالت: حلّ أنت؛ أفسدتهما فاعتقهما، قال فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا؛ قال: أخذتهما وهما حرّتان، ارجعا إليها طحينها؛ قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نردّه إليها؛ قال: وذاك إن شئتما. ومرّ بجارية من بنى مؤمّل (حىّ من بنى عدىّ بن كعب) - وكانت مسلمة- وكان عمر يعذّبها لتترك الإسلام، وعمر يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا ملّ قال: إنى أعتذر إليك، لم أتركك إلّا ملالة، فيقول: كذا يفعل الله بك. فآبتاعها فأعتقها؛ فقال أبو قحافة لأبى بكر: يا بنىّ، أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنّك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك؛ فقال أبو بكر: يا أبت إنّى إنما أريد لله ما أريد؛ فيقال: إنّ هذه الآيات أنزلت فيه رضى الله عنه قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) إلى قوله: (وَلَسَوْفَ يَرْضى) «٤» . قال محمد بن إسحاق: وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمّه- وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظّهيرة يعذّبونهم برمضاء مكّة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ ، فيقول: «صبرا آل ياسر موعدكم الجنّة» ،

стр. 5524

فأما أمّه فقتلوها وهى تأبى إلا الإسلام «١» . قال أبو عمر: وهى سميّة، كانت أمة لأبى حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فزوّجها من حليفه ياسر بن عامر بن مالك العبسى، فولدت له عمّارا، فأعتقه أبو حذيفة. وسميّة هذه أوّل شهيدة فى الإسلام. وجاءها أبو جهل بحربة فى قبلها فقتلها، فقال عمّار: يا رسول الله، بلغ منا- أو بلغ منها كلّ مبلغ- فقال رسول الله ﷺ : «صبرا يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذّب أحدا من آل «٢» ياسر بالنار» . قال ابن إسحاق: وكان أبو جهل هو الذى يغرى بهم فى رجال قريش إذا سمع برجل قد أسلم، فإن كان له شرف ومنعة أنّبه وخزّاه: فيقول: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفّهن حلمك ولنفيّلنّ «٣» رأيك، ولنضعنّ شرفك؛ وإن كان تاجرا، قال: والله لنكسدنّ «٤» تجارتك، ولنهلكنّ مالك؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به. وروى عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس رضى الله عنهم: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به فى ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه؛ حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضرّ الذى به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللّات والعزّى إلهان من دون الله، فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمرّ بهم فيقولون له: هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم ممّا يبلغون من جهده. والله المعين.

стр. 5525

ذكر هجرة أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة، وهى الهجرة الأولى قال محمد بن إسحاق: لما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله تعالى ومن عمّه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد- وهى أرض صدق- حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك من خرج منهم مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أوّل هجرة كانت فى الإسلام. قال الواقدىّ: خرجوا متسلّلين سرّا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة «١» منهم الراكب والماشى، ووفّق الله لهم ساعة جاءوا سفينتين للتجّار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم فى نصف رجب من السنة الخامسة من حين تنّبأ رسول الله ﷺ ، وخرجت قريش فى آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوهم. قال ابن إسحاق. كان أوّل من خرج من المسلمين من بنى أمية بن عبد شمس عثمان بن عفان معه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، ومن بنى عبد شمس: أبو حذيفة بن عتبة، معه امرأته سهلة ابنة سهيل، ولدت بأرض الحبشة محمد بن [أبى «٢» ] حذيفة. ومن بنى أسد بن عبد العزّى: الزبير بن العوّام. ومن بنى عبد الدار: مصعب بن عمير بن هاشم. ومن بنى زهرة بن كلاب:

стр. 5526

عبد الرحمن بن عوف. ومن بنى مخزوم: أبو سلمة بن عبد الأسد، معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة. ومن بنى جمح: عثمان بن مظعون بن حبيب. ومن بنى عدىّ بن كعب: عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم؛ ومن بنى عامر بن لؤىّ: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزّى «١» ؛ ومن بنى الحارث ابن فهر: سهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة. قال: هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، وكان عليهم عثمان بن مظعون. وزاد الواقدىّ: حاطب بن عمرو بن عبد شمس، فجعلهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة. قال: فقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار «٢» ، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه. والله أعلم. ذكر رجوع أهل هذه الهجرة إلى مكّة، وما قيل فى سبب رجوعهم قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه: لمّا رأى رسول الله ﷺ من قومه كفّا عنه، جلس خاليا، فتمنّى فقال: ليته لا ينزل علىّ شىء ينفّرهم عنى، وقارب رسول الله صلى الله [عليه وسلم «٣» ] قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا فى ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) «٤» حتى بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) «٥» . ألقى الشيطان على لسانه كلمتين: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» ولما بلغ «الغرانيق العلا» ، وفى أخرى: «والغرانقة «٦» العلا، تلك الشفاعة ترتجى»

стр. 5527

قال الواقدىّ: فتكلّم رسول الله ﷺ بهما «١» ، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد وسجد القوم جميعا، ورفع المغيرة بن الوليد ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. ويقال: إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابا فسجد عليه، ورفعه إلى جبهته- وكان شيخا كبيرا- فرضوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكنّ آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأمّا إذ جعلت لها نصيبا عندك فنحن «٢» معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى «٣» جلس فى البيت فلمّا أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله ﷺ : «قلت على الله ما لم يقل» . فأوحى الله إليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) ، إلى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) . وقال: ففشت تلك السّجدة فى الناس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن أهل مكّة قد سجدوا فأسلموا، حتى إن الوليد ابن المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبىّ ﷺ ، فقال القوم: فمن بقى بمكّة إذا أسلم هؤلاء! قالوا: عشائرنا أحبّ إلينا؛ فخرجوا راجعين، حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة، فسألو لهم عن قريش

стр. 5528

وعن حالهم، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير، فتابعه الملأ، ثم ارتدّ عنها، فعاد يشتم آلهتهم، وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم فى الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا، ندخل فننظر ما فيه قريش، ويحدث عهدا من أراد بأهله، ثم نرجع. قال: فدخلوا مكة، ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيرا، ثم رجع إلى أرض الحبشة. قال الواقدىّ: فكان خروجهم فى شهر رجب سنة خمس (يريد من النبوّة «١» ) ، فأقاموا شعبان ورمضان وقدموا فى شوال من السنة. وحيث ذكرنا هذا الحديث فلنذكر ما جاء فى توهينه. ذكر ما ورد فى توهين هذا الحديث والكلام عليه فى التوهين والتسليم قال القاضى عياض بن موسى بن عياض ﵀، فى كتابه المترجم (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى) ﷺ : اعلم أن لنا فى الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما فى توهين أصله، والثانى [على «٢» ] تسليمه. أمّا المأخذ الأوّل فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة، وآخر يقول قالها فى نادى قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة؛ وآخر يقول: بل حدّث نفسه فسها؛ وآخر يقول: إن الشيطان قالها على

стр. 5529

لسانه، وأن النبى ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى ﷺ قرأها؛ فلما بلغ النبى ﷺ ذلك قال: «والله ما هكذا أنزلت» إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية «١» ، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما فيما أحسب- الشك فى الحديث أن النبى ﷺ كان بمكة- وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا تعلمه يروى عن النبى ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: فقد بين لك أبو بكر ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبّه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه. وأما حديث الكلبىّ فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لقوة ضعفه وكذبه كما أشار البزار إليه، قال: والذى منه فى الصحيح أن النبىّ ﷺ قرأ (وَالنَّجْمِ) وهو بمكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. هذا توهينه من طريق النقل، والله أعلم بالصواب. وأما جهة المعنى: فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذه الرّذيلة. أما من تمنّيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن حتى

стр. 5530

يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبى ﷺ أنّ من القرآن ما ليس منه، حتى ينبّهه جبريل ﵉، وذلك كله ممتنع فى حقّه ﷺ ، أو يقول ذلك النبى ﷺ من قبل نفسه عمدا- وذلك كفر- أو سهوا، وهو معصوم من هذا كله، وقد تقرر بالبرهان والإجماع عصمته ﵇ من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو يتقوّل على الله؛ لا عمدا ولا سهوا «١» ، وقد قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) «٢» الآية، وقال: (إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) «٣» الآية. ووجه ثان، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام «٤» ، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم؛ ولما كان النبى ﷺ ، ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك- وهذا لا يخفى على أدنى متأمل- فكيف بمن رجح حلمه، واتّسع فى باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه؟! ووجه ثالث، أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندى المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبى ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين، وارتداد من فى قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأقل شبهة؛ ولم يحك أحد فى هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصّولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا فى قصة الإسراء وقصة القضية «٥» ، ولا فتنة أعظم من هذه البليّة لو وجدت،

стр. 5531

ولا تشغيب «١» للمعادى حينئذ أشدّ من هذه الحادثة لو أمكنت؛ فما روى عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة؛ فدل على بطلها، واجتثاث أصلها. قال القاضى عياض: ولا شك فى إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفّلى المحدّثين، ليلبّس به على ضعفاء المسلمين. ووجه رابع، ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) الآيتين، وهاتان الآيتان ترددان الخبر الذى رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمونه هذا. ومفهومه أن الله عصمه من أن يفترى، وثبّته حتى لم يركن إليهم قليلا، فكيف كثيرا! وهم يروون فى أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال ﵇: «افتريت على الله وقلت ما لم يقل» ؛ وهذا ضد مفهوم الآية، وهى تضعّف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له!، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كل ما فى القرآن كاد فهو ما لا يكون، قال الله تعالى: (يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) «٢» ، ولم يذهب. قال القاضى القشيرىّ «٣» : ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مرّ بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل ﷺ . وأما المأخذ الثانى- وهو مبنىّ على تسليم الحديث لو صحّ، وقد أعاذنا الله من صحته- فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ذكرها القاضى عياض «٤» وضعّف بعضها، واستحسن بعضا، نذكر منها ما استحسنه وجوّزه إن شاء الله.

стр. 5532

منها ما ذكره القاضى أبو بكر فى أجوبته عن هذا الحديث، قال: لعل النبىّ ﷺ قال ذلك أثناء تلاوته؛ على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار، لقول إبراهيم ﵇: (هذا رَبِّي) «١» على أحد التأويلات، يريد: أهذا ربّى؟! ولقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) «٢» بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين، ثم رجع إلى تلاوته، وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلوّ. قال القاضى عياض: ولا يعترض على هذا بما روى أنه كان فى الصلاة، فقد كان الكلام فيها قبل [غير «٣» ] ممنوع، قال: والذى يظهر ويترجح فى تأويله عند القاضى أبى بكر، وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلا، ويفصّل الآى تفصيلا فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله تعالى، وتحقّقهم من حال النبى ﷺ فى ذمّ الأوثان وعيبها ما عرف منه. وقد حكى موسى بن عقبة فى مغازيه نحو هذا، وقال: إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك فى أسماع المشركين وقلوبهم. قال القاضى عياض: ويكون ما روى من حزن النبى ﷺ لهذه الإشاعة والشبهة، وقد قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ

стр. 5533

وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) «١» الآية، فمعنى (تمنى) تلا، قال الله تعالى: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ) «٢» أى تلاوة، وقوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) «٣» أى يذهبه ويزيل اللبس به، ويحكم آياته، قال: ومما يظهر فى تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه القصة: «والغرانقة العلا» . فإن سلمنا القصة قلنا: لا يبعد أنّ هذا كان قرآنا، والمراد بالغرانقة العلا، وأن شفاعتهنّ لترتجى: الملائكة على هذه الرواية، وبهذا فسر الكلبىّ الغرانقة أنها الملائكة، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله عنهم وردّ عليهم فى هذه السورة بقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى) «٤» ، فأنكر الله كل هذا من قولهم؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوّله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبّس عليهم الشيطان ذلك، وزينه فى قلوبهم، وألقاه إليهم؛ نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما للتلبيس سبيلا، كما نسخ كثيرا من القرآن ورفعت تلاوته. قال: وكان فى إنزال الله تعالى لذلك حكمة، وفى نسخه حكمة، ليضلّ به من يشاء، ويهدى من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين، و (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) «٥» . وقيل: إنّ النبىّ ﷺ لما قرأ هذه السورة [وبلغ إلى ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفار أن يأتى بشىء من ذمّها، فسبقوا

стр. 5534

إلى «١» ] مدحها بتلك الكلمتين؛ ليخلطوا تلاوة النبىّ ﷺ ويشغبوا عليه على عادتهم، وقولهم: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) «٢» ، ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه، وأشاعوا ذلك وأذاعوه، وأنّ النبىّ ﷺ حزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه، فسلّاه الله تعالى بقوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ) * «٣» الآية، وبين للناس الحقّ من ذلك من الباطل، وحفظ القرآن وأحكم آياته، ودفع ما لبّس به العدوّ؛ كما ضمنه الله تعالى من قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) «٤» الآية، هذا ما ورد فى الجواب عن هذا الحديث. فلنرجع إلى تتمة أخباره وسيره ﷺ تسليما كثيرا. ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ومن هاجر إليها من أصحاب رسول الله ﷺ قال الواقدىّ: لما قدم أصحاب النبىّ ﷺ من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم قومهم، ونيطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله ﷺ فى الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله؛ فهجرتنا الأولى، وهذه الآخرة إلى النجاشىّ ولست معنا، فقال ﷺ : أنتم مهاجرون إلى الله وإلىّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله. قال ابن سعد: وكان عدّة من خرج فى هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانون ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية، وسبع غرائب. وقد عدّهم أبو محمد عبد الملك بن هشام حسبما رواه عن محمد بن إسحاق بن يسار- رحمهم الله تعالى-

стр. 5535

فلم يزد على ذلك. وأورد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرىّ ﵀ فى كتاب (الاستيعاب) ؛ فى تراجم جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم؛ أنهم ممن هاجروا إلى أرض الحبشة ممن لم يذكرهم ابن هشام، نحن نذكرهم إن شاء الله تعالى وننبّه عليهم. قال ابن هشام: كان منهم من بنى هاشم بن عبد مناف، جعفر بن أبى طالب معه امرأته أسماء بنت عميس «١» ولدت بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر، ومن بنى أميّة بن عبد شمس عثمان بن عفان رضى الله عنه، معه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة، معه امرأته فاطمة بنت صفوان، وأخوه خالد بن سعيد، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعية، ويقال فيها همينة، ولدت بأرض الحبشة سعد» بن خالد، وآمنة بنت خالد. ومن حلفائهم من بنى أسد بن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب؛ وأخوه عبيد الله ابن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب. وذكر أبو عمر فى ترجمة عبد الله بن جحش أنه هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه أبى أحمد وعبد الله، فعلى هذا يكون أبو أحمد ممن هاجر إلى الحبشة؛ واسمه عبد بن جحش، وكان أعمى، وعدّ أيضا محمد بن عبد الله بن جحش أنه هاجر مع أبيه وكان صغيرا. قال ابن هشام: وقيس بن عبد الله رجل من بنى أسد بن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار [مولاة «٣» ] أبى سفيان بن حرب، ومعيقيب بن أبى فاطمة؛ [وهؤلاء «٤» ] آل سعيد بن العاص.
следующие страницы →