Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
ولا تشغيب «١» للمعادى حينئذ أشدّ من هذه الحادثة لو أمكنت؛ فما روى عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة؛ فدل على بطلها، واجتثاث أصلها.
قال القاضى عياض: ولا شك فى إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفّلى المحدّثين، ليلبّس به على ضعفاء المسلمين.
ووجه رابع، ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ)
الآيتين، وهاتان الآيتان ترددان الخبر الذى رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمونه هذا.
ومفهومه أن الله عصمه من أن يفترى، وثبّته حتى لم يركن إليهم قليلا، فكيف كثيرا! وهم يروون فى أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال ﵇: «افتريت على الله وقلت ما لم يقل» ؛ وهذا ضد مفهوم الآية، وهى تضعّف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له!، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كل ما فى القرآن كاد فهو ما لا يكون، قال الله تعالى:
(يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ)
«٢» ، ولم يذهب. قال القاضى القشيرىّ «٣» : ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مرّ بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل ﷺ .
وأما المأخذ الثانى- وهو مبنىّ على تسليم الحديث لو صحّ، وقد أعاذنا الله من صحته- فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ذكرها القاضى عياض «٤» وضعّف بعضها، واستحسن بعضا، نذكر منها ما استحسنه وجوّزه إن شاء الله.
стр. 5532
منها ما ذكره القاضى أبو بكر فى أجوبته عن هذا الحديث، قال:
لعل النبىّ ﷺ قال ذلك أثناء تلاوته؛ على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار، لقول إبراهيم ﵇: (هذا رَبِّي)
«١» على أحد التأويلات، يريد: أهذا ربّى؟! ولقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا)
«٢» بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين، ثم رجع إلى تلاوته، وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلوّ. قال القاضى عياض: ولا يعترض على هذا بما روى أنه كان فى الصلاة، فقد كان الكلام فيها قبل [غير «٣» ] ممنوع، قال: والذى يظهر ويترجح فى تأويله عند القاضى أبى بكر، وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلا، ويفصّل الآى تفصيلا فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله تعالى، وتحقّقهم من حال النبى ﷺ فى ذمّ الأوثان وعيبها ما عرف منه. وقد حكى موسى بن عقبة فى مغازيه نحو هذا، وقال:
إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك فى أسماع المشركين وقلوبهم.
قال القاضى عياض: ويكون ما روى من حزن النبى ﷺ لهذه الإشاعة والشبهة، وقد قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ
стр. 5533
وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)
«١» الآية، فمعنى (تمنى) تلا، قال الله تعالى: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ)
«٢» أى تلاوة، وقوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ)
«٣» أى يذهبه ويزيل اللبس به، ويحكم آياته، قال: ومما يظهر فى تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه القصة: «والغرانقة العلا» . فإن سلمنا القصة قلنا:
لا يبعد أنّ هذا كان قرآنا، والمراد بالغرانقة العلا، وأن شفاعتهنّ لترتجى:
الملائكة على هذه الرواية، وبهذا فسر الكلبىّ الغرانقة أنها الملائكة، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله عنهم وردّ عليهم فى هذه السورة بقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى)
«٤» ، فأنكر الله كل هذا من قولهم؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوّله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبّس عليهم الشيطان ذلك، وزينه فى قلوبهم، وألقاه إليهم؛ نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما للتلبيس سبيلا، كما نسخ كثيرا من القرآن ورفعت تلاوته. قال: وكان فى إنزال الله تعالى لذلك حكمة، وفى نسخه حكمة، ليضلّ به من يشاء، ويهدى من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين، و (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)
«٥» .
وقيل: إنّ النبىّ ﷺ لما قرأ هذه السورة [وبلغ إلى ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفار أن يأتى بشىء من ذمّها، فسبقوا
стр. 5534
إلى «١» ] مدحها بتلك الكلمتين؛ ليخلطوا تلاوة النبىّ ﷺ ويشغبوا عليه على عادتهم، وقولهم: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)
«٢» ، ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه، وأشاعوا ذلك وأذاعوه، وأنّ النبىّ ﷺ حزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه، فسلّاه الله تعالى بقوله:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ) *
«٣» الآية، وبين للناس الحقّ من ذلك من الباطل، وحفظ القرآن وأحكم آياته، ودفع ما لبّس به العدوّ؛ كما ضمنه الله تعالى من قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)
«٤» الآية، هذا ما ورد فى الجواب عن هذا الحديث.
فلنرجع إلى تتمة أخباره وسيره ﷺ تسليما كثيرا.
ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ومن هاجر إليها من أصحاب رسول الله ﷺ
قال الواقدىّ: لما قدم أصحاب النبىّ ﷺ من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم قومهم، ونيطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله ﷺ فى الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله؛ فهجرتنا الأولى، وهذه الآخرة إلى النجاشىّ ولست معنا، فقال ﷺ : أنتم مهاجرون إلى الله وإلىّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.
قال ابن سعد: وكان عدّة من خرج فى هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانون ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية، وسبع غرائب. وقد عدّهم أبو محمد عبد الملك بن هشام حسبما رواه عن محمد بن إسحاق بن يسار- رحمهم الله تعالى-
стр. 5535
فلم يزد على ذلك. وأورد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرىّ ﵀ فى كتاب (الاستيعاب) ؛ فى تراجم جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم؛ أنهم ممن هاجروا إلى أرض الحبشة ممن لم يذكرهم ابن هشام، نحن نذكرهم إن شاء الله تعالى وننبّه عليهم.
قال ابن هشام: كان منهم من بنى هاشم بن عبد مناف، جعفر بن أبى طالب معه امرأته أسماء بنت عميس «١» ولدت بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر، ومن بنى أميّة بن عبد شمس عثمان بن عفان رضى الله عنه، معه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة، معه امرأته فاطمة بنت صفوان، وأخوه خالد بن سعيد، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعية، ويقال فيها همينة، ولدت بأرض الحبشة سعد»
بن خالد، وآمنة بنت خالد.
ومن حلفائهم من بنى أسد بن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب؛ وأخوه عبيد الله ابن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب. وذكر أبو عمر فى ترجمة عبد الله بن جحش أنه هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه أبى أحمد وعبد الله، فعلى هذا يكون أبو أحمد ممن هاجر إلى الحبشة؛ واسمه عبد بن جحش، وكان أعمى، وعدّ أيضا محمد بن عبد الله بن جحش أنه هاجر مع أبيه وكان صغيرا.
قال ابن هشام: وقيس بن عبد الله رجل من بنى أسد بن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار [مولاة «٣» ] أبى سفيان بن حرب، ومعيقيب بن أبى فاطمة؛ [وهؤلاء «٤» ] آل سعيد بن العاص.
стр. 5536
ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
قال أبو عمر: معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ولدت له هناك محمد بن أبى حذيفة. قال ابن هشام: وأبو موسى الأشعرىّ واسمه عبد الله ابن قيس. قال أبو عمر فى ترجمة عبد الله بن قيس: الصحيح «١» أن أبا موسى رجع بعد قدومه مكة، ومحالفته من حالف من بنى عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلا فى سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشى بأرض الحبشة فوافقوا خروج جعفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان معا: سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه. والله تعالى أعلم بالصواب.
ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان حليف لهم من بنى مازن؛ ومن بنى زمعة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن الحارث مات بالحبشة.
قال أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة خالد بن حزام بن خويلد بن أسد «٢» : إنه هاجر إلى أرض الحبشة فى المرّة الثانية، فنهشته حيّة، فمات فى الطريق قبل وصوله.
والله المستعان وإليه المردّ.
ومن بنى عبد [الدار «٣» ] بن قصىّ مصعب: بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويبط «٤» بن سعد بن حريملة «٥» بن مالك بن عميلة بن السباق ابن عبد الدار، وجهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل بن هاشم بن عبد الدار معه امرأته [أمّ «٦» ] حرملة بنت عبد بن الأسود الخزاعية- ويقال: حريملة- وابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بن جهم؛ وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف؛
стр. 5537
ابن عبد الدار بن قصى أخو مصعب، وفراس بن النضر بن الحارث بن علقمة ابن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار. وقال أبو عمر فى ترجمة أبى بكر «١» : مولى لبنى عبد الدار؛ قال يقال: إنه من الأزد كان ممن عذب فى الله فلم يزل كذلك حتى كانت الهجرة الثانية مع أصحاب رسول الله ﷺ .
ومن بنى زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن أبى وقّاص، وأبو وقاص مالك بن وهيب، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف، معه امرأته رملة بنت أبى عوف، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. قال أبو عمر بن عبد البر:
وطليب بن أزهر بن عبد عوف وأخوه المطلب، هاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة وبها ماتا جميعا.
قال ابن هشام: ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة بن مسعود.
ومن بهراء المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وكان يقال له: المقداد بن الأسود ابن عبد يغوث بن عبد مناف بن زهرة، وذلك أنه كان تبنّاه فى الجاهلية وحالفه.
حكاه ابن إسحاق.
ومن بنى تميم بن مرّة الحارث بن خالد بن صخر، معه امرأته ريطة بنت الحارث ابن جبيلة، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث، وزينب بنت الحارث، وفاطمة بنت الحارث «٢» ، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
ومن بنى مخزوم أبو سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد بن هلال، معه امرأته أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة، ولدت له بأرض الحبشة زينب، وشماسا واسمه عثمان بن عثمان بن الشريد، وهبّار بن سفيان بن عبد الأسد، وأخوه عبد الله بن سفيان، وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة، وسلمة بن هشام بن المغيرة
стр. 5538
وعيّاش بن أبى ربيعة بن المغيرة. ومن حلفائهم معتّب بن عوف بن عامر- وهو الذى يقال له عيهامة- ونسبه أبو عمر فقال: معتب بن عوف بن عمر بن الفضل ابن عفيف بن كليب بن حبشية. قال ابن هشام، ويقال: حبشية بن سلول، وهو الذى يقال له: معتب بن حمراء، وعمّار بن ياسر. ذكره أبو عمر، وشك فيه ابن هشام.
ومن بنى جمح عثمان بن مظعون، وابنه السائب بن عثمان، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون. قال أبو عمر: والسائب بن مظعون ممن هاجر إلى أرض الحبشة، وهو أخو عثمان لأبويه، حكاه عن العدوى. قال ابن هشام: وحاطب ابن الحرث بن معمر، معه امرأته فاطمة بنت المجلّل بن عبد الله، وابناه محمد والحارث، وقيل ولدا هناك، وأخوه حطاب «١» بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار، وقيل: ولدت له ابنه محمدا هناك؛ وسفيان بن معمر بن حبيب معه ابناه: جابر وجنادة، ومعه امرأته أمهما حسنة، وابنها شرحبيل بن حسنة، وهو شرحبيل بن عبد الله أحد بنى الغوث بن مرّ، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب:
هو شرحبيل بن عبد الله من بنى جمح، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب ابن حذافة بن جمح. قال الواقدى: ونبيه بن عثمان بن ربيعة. والله أعلم.
ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص: خنيس بن حذافة، وعبد الله ابن الحارث، وهشام بن العاص بن وائل، وقيس بن حذافة، وأبو قيس بن الحارث ابن قيس، وعبد الله بن حذافة بن قيس، والحارث بن الحارث بن قيس، ومعمر ابن الحارث بن قيس، وبشر بن الحارث بن قيس، وأخ له من أمّه من بنى تميم، يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس، والسائب
стр. 5539
ابن الحارث بن قيس. وقال أبو عمر: وتميم بن الحارث بن قيس، والحارث ابن قيس بن عدىّ، وهو والد بشر والحارث، وعمير بن رئاب بن حذيفة، ومحمية ابن جزء «١» حليف لهم من زبيد.
ومن بنى عدىّ بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة، وعروة بن عبد العزّى، وعدى بن نضلة وابنه النعمان، فمات عدىّ بالحبشة، فورثه ابنه النعمان، وهو أول وارث فى الإسلام، وعامر بن ربيعة حليف لآل الخطاب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة.
ومن بنى عامر بن لؤى أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزّى معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، وسليط بن عمرو بن عبد شمس، وأخوه السكران بن عمرو، معه امرأته سودة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة بن قيس معه امرأته عمرة بنت السعدىّ، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسعد بن خولة حليف لهم من اليمن.
ومن بنى الحارث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وسهيل بن وهب وهو ابن بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة، وعياض بن زهير بن أبى شداد، وعمرو بن الحارث بن زهير، وعثمان بن عبد غنم بن زهير، وسعد بن عبد قيس ابن لقيط بن عامر، والحارث بن عبد قيس بن لقيط. وقال أبو عمر بن عبد البر:
إن عبد الله بن عرفطة بن عدىّ بن أمية بن خدارة بن عوف بن النجار بن الخزرج الأنصارىّ هاجر إلى أرض الحبشة مع جعفر بن أبى طالب، وهو حليف لبنى الحارث بن الخزرج، وذكره ابن منده «٢» أيضا فجميع من هاجر على هذا الحكم
стр. 5540
بما فيه من زيادات ابن عبد البرّ؛ خلا أبناءهم الذين خرجوا معهم صغارا، ومن ولد هناك اثنان وتسعون رجلا، وثمانى عشرة امرأة، والأبناء الصغار سبعة.
والله أعلم.
ذكر إرسال قريش إلى النجاشىّ فى شأن من هاجر إلى الحبشة، وطلبهم منه وإسلامه
عن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشىّ، [أمنّا «١» ] على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشىّ فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشىّ هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، وقالوا لهما:
ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشىّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشىّ هداياه، ثم سلاه أن يسلّمهم إليكما قبل أن يكلّمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشى، ونحن عنده بخير دار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلّما النجاشىّ، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منّا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلّمهم إلينا ولا يكلمهم، فقالوا: نعم، ثم إنهما قدّما هدايا هما إلى النجاشىّ فقبلها، ثم كلّماه فقالا: أيها الملك، إنه قد
стр. 5541
ضوى «١» إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شىء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع إلى كلامهم النجاشىّ، فقالت بطارقته: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، فأسلمهم لهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم، قالت «٢» :
فغضب النجاشىّ وقال: لا ها الله! إذا لا أسلّمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاورونى، ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى؛ حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان فى أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم «٣» ، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب النبى ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه «٤» ، قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا نبيّنا؛ كائنا فى ذلك ما هو كائن، فلما جاءوا وقد دعا النجاشىّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله؛ سألهم فقال: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى؛ ولا فى دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذى كلّمه جعفر بن أبى طالب فقال: أيها الملك، كنّا قوما أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام [ونأكل «٥» ] الميتة، ونأنى الفواحش، ونقتطع «٦» الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوىّ
стр. 5542
منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة [و «١» ] الأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام، فصدقناه، وآمنّا به واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرّمنا [ما «٢» ] حرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك، فقال النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شىء، قال: نعم، قال: فاقرأه علىّ، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص)
«٣» ، قال: فبكى والله النجاشى حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلّت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشىّ: إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلّمهم إليكما، ولا يكادون.
قالت: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينّه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبى ربيعة: لا تفعل فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم
стр. 5543
عبد. قالت: ثم غدا عليه [من «١» ] الغد فقال: يأيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فاسألهم عمّا يقولون فيه، فأرسل إليهم فسألهم عنه. قالت أمّ سلمة: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟، قالوا: نقول والله كما قال الله، وما جاءنا به نبينا؛ كائنا فى ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون فى عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا، نقول هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشىّ بيده إلى الأرض، ثم أخذ منها عودا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ممّا قلت هذا العود. فناخرت «٢» بطارقته من حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، والله أنتم شيوم بأرضى- والشّيوم: الآمنون- من سبّكم غرم، من سبّكم غرم، من سبّكم غرم! وما أحب أن لى دبرا من ذهب، وأنى آذيت رجلا منكم- والدّبر بلسان الحبشة الجبل- ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد علىّ ملكى، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فىّ فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة.
قال الزهرىّ: فحدثت عروة بن الزبير حديث «٣» أمّ سلمة قال: هل تدرى ما قوله:
«ما أخذ الله منّى الرشوة حين ردّ علىّ ملكى. فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فىّ فأطيع الناس فيه» ؟ قلت: لا، قال: فإن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها حدثتنى
стр. 5544
أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشىّ، وكان للنجاشىّ عمّ له من صلبه اثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها:
لو أنا قتلنا أبا النجاشىّ، وملّكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه اثنى عشر رجلا يتوارثون «١» ملكه من بعده، فغدوا على أبى النجاشىّ فقتلوه وملّكوا أخاه، فمكثو على ذلك حينا، ونشأ النجاشىّ مع عمه، وكان لبيبا حازما، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه، قالت:
والله لقد غلب «٢» هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملّكه علينا قتلنا أجمعين، لقد عرف أننا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمّه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنّا قد خفناه على أنفسنا، قال:
ويلكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم! بل أخرجه من دياركم، فخرجوا به إلى السوق؛ فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه فى سفينته وانطلق به حتى إذا كانت العشاء من ذلك اليوم؛ هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، ففزع الحبشة إلى ولده، فاذا هو محمّق ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلّموا والله أن ملككم «٣» الذى لا يقيم أمركم غيره للذى بعتم «٤» غدوة، فان كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه، قال: فخرجوا فى طلبه، فأخذوه من الرجل الذى باعوه له، ثم جاءوا به فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير
стр. 5545
الملّك وملكوه، فجاءهم التاجر الذى باعوه منه، فقال: إما أن تعطونى مالى، وإما أن أكلمه: فى ذلك، قالوا: لا نعطيك شيئا، قال: فإذا والله أكلمه، قالوا: فدونك. فجاء فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم فى السوق بستمائة درهم، فأسلموا إلىّ غلامى، وأخذوا دراهمى، حتى إذا سرت بغلامى؛ أدركونى فأخذوه منّى، ومنعونى دراهمى، فقال لهم النجاشىّ: لتعطنّه دراهمه أو ليضعن غلامه يده فى يده؛ فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه. قالت: فلذلك يقول: «ما أخذ الله منّى الرشوة حين ردّ على ملكى، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فىّ فأطيع الناس فيه» . قال: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته فى دينه، وعدله فى حكمه.
قال ابن إسحاق، وحدثنى جعفر بن محمد عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشىّ: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعلها «١» فى قبائه عند المنكب الأيمن «٢» ، وخرج إلى الحبشة وصفّوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحقّ الناس بكم؟ قالوا: بلى؛ قال: فكيف رأيتم سيرتى فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أنّ عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم فى عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابن الله فقال النجاشىّ ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى بن مريم، لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبى
стр. 5546
صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشىّ صلى عليه، واستغفر له. وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر إسلامه.
ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه
روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنّ النبىّ ﷺ قال:
«اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو أبى جهل «١» بن هشام» . وعن سعيد بن المسيّب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل بن هشام قال: «اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك» فشدّ دينه بعمر، وعنه ﷺ : «اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب» .
قال ابن إسحاق ومحمد بن سعد فى طبقاته: ليس بينهما تناف إلا فى مغايرة بعض الألفاظ، أو زيادة أوردها أحدهما دون الآخر، ونحن نورد ما يتعين إيراده منها.
قالا: خرج عمر بن الخطاب متوشّحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا فى بيت عند الصفا، وهم قريب أربعين: من بين رجال ونساء «٢» ، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبى قحافة، وعلى بن أبى طالب فى رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمنّ خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله النّحّام، وهو رجل من قومه من بنى عدىّ بن كعب كان قد أسلم وهو يخفى إسلامه عن عمر، فقال: أين تريد يا عمرا؟ فقال:
стр. 5547
أريد محمدا، هذا «١» الذى فرّق أمر قريش وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: لقد غرّتك نفسك «٢» يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا! فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذى أنت عليه؛ قال: أفلاك أدلك على العجب يا عمر؟ إنّ ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذى أنت عليه.
قال ابن إسحاق: فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال:
وأىّ أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعند هما خبّاب بن الأرتّ، معه صحيفة فيها: (طه)
يقرئهما إياها، فلما سمعوا حسّ عمر تغيب خبّاب فى مخدع لهم- أو فى بعض البيت- وأخذت فاطمة الصحيفة فجعلتها تحت فخذها «٣» ، فلما دخل عمر قال: ما هذه الهينمة «٤» التى سمعت؟ قالا: ما سمعت شيئا، قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما اتبعتما «٥» محمدا على دينه. فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحقّ فى غير دينك! فوثب عمر على ختنه فبطش به ووطئه وطئا شديدا، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها، فلما فعل ذلك قالا: نعم قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع
стр. 5548
فارعوى «١» ، وقال [لأخته «٢» ] : أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد- وكان عمر كاتبا- فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها «٣» ، قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردّنّها إذا قرأها إليها، فطمعت فى إسلامه وقالت له: يا أخى إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسّها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها (طه)
، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خبّاب بن الأرتّ خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيّه، فإنى سمعته أمس يقول:
«اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» ، فالله الله يا عمر! فقال له عمر: فدلّنى على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو فى بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فنظر من خلل الباب «٤» ، فرآه وهو فزع، فقال:
يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، فقال حمزة: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله ﷺ : «ايذن له» فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه فى الحجرة، فأخذ بحجزته- أو بمجمع ردائه- ثم جبذه جبذة شديدة، وقال: «ما جاء بك يابن الخطاب؟، فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة» . قال أنس بن مالك فى روايته: «حتى ينزل الله بك من الخزى
стр. 5549
ما أنزل بالوليد بن المغيرة» . فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء به من عند الله، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف بها أهل البيت أن عمر قد أسلم.
قال محمد بن سعد بن منيع فى طبقاته: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله ﷺ دار ابن الأرقم بعد أربعين أو نيّف وأربعين من رجال ونساء قد أسلموا قبله.
وقال ابن المسيّب: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة.
وعن عبد الله بن ثعلبة قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة.
ويردّ هذه الأقوال أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة؛ وقد تظافرت الروايات أنّ أهل الهجرة كانوا أكثر من ثمانين رجلا، ولعل إسلامه وقع وفى مكة ممن أسلم هذه العدّة التى ذكرت؛ خلاف من هاجر إلى أرض الحبشة. والله أعلم.
قال ابن إسحاق: حدّثنى نافع «١» عن ابن عمر رضى الله عنهم قال: لما أسلم عمر بن الخطاب قال: أى قريش أنقل للحديث؟ قيل: جميل بن معمر «٢» الجمحىّ، قال: فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر: وغدوت معه أتبع أثره وأنظر ماذا يفعل
стр. 5550
وأنا غلام أعقل «١» كلّ ما رأيت، حتى جاءه، فقال: أعلمت يا جميل أنى أسلمت ودخلت فى دين محمد؟ قال: فو الله ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه، واتبعه عمر واتبعت أبى، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم فى أنديتهم حول الكعبة- ألا إنّ ابن الخطاب قد صبأ «٢» ، فيقول عمر من خلفه: كذبت، ولكنّى أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم.
قال: وطلح- يعنى أعيا- وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله لو قد كنا ثلاثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.
فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلّة حبرة «٣» وقميص موشّى، حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بنى عدىّ بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا! خلّوا عن الرجل، قال: فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه.
قال: فقلت لأبى بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبه، من الرجل الذى زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك، جزاه الله خيرا؟ قال: ذاك العاص ابن وائل السّهمىّ، لا جزاه الله خيرا.
قال عبد الله بن مسعود: ما كنا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا وصلّى عند الكعبة وصلينا معه. وقال: إن إسلام عمر كان فتحا، وإنّ هجرته كانت نصرا، وإنّ إمارته كانت رحمة.
стр. 5551
وعن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعى إلى الله علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتى به.
وكان إسلام عمر فى ذى الحجة من السنة السادسة من النبوّة، وهو ابن ست وعشرين سنة.
ذكر تعاقد قريش على بنى هاشم وبنى المطلب وانحياز بنى هاشم وبنى المطلب إلى أبى طالب ودخولهم فى شعبه
قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل السّير: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا فيه أمنا وقرارا، وأن النجاشىّ قد أكرمهم، ومنع [من لجأ إليه «١» ] منهم، وأنّ عمر قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب، وجعل الإسلام يفشو فى القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب؛ على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوا صحيفة، ثم تعاهدوا وتعاقدوا وتوافقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة فى جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم.
وكان كاتب الصحيفة «٢» منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن
стр. 5552
عبد الدار بن قصىّ، ويقال: عمه بغيض بن عامر، قاله الزبير وابن الكلبىّ؛- ويقال: النضر بن الحارث- فشلّت يده.
قال محمد بن عمر بن واقد: وحصروا بنى هاشم فى شعب «١» أبى طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من نبوّة رسول الله ﷺ ، وانحاز بنو المطلب إلى أبى طالب فى شعبه مع بنى هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش، وظاهر هم على بنى هاشم وبنى المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادّة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشّعب، فمن قريش من سرّه ذلك، ومنهم من ساءه، وقال: انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة! فأقاموا فى الشّعب ثلاث سنين، ثم أطلع الله نبيه ﷺ على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد أكلت ما فيها من جور وظلم، وبقى ما كان فيها من ذكر الله.
قال: فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبى طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته، وخرجوا إلى المسجد، فقال أبو طالب لكفّار قريش:
إن ابن أخى قد أخبرنى- ولم يكذبنى قطّ- أن الله سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقى فيها ما ذكر به الله، فإن كان ابن أخى صادقا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها.
فإذا هى كما قال رسول الله ﷺ ، فسقط فى أيديهم، ونكسوا على رءوسهم. فقال أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر؟! ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة. فقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع
стр. 5553
أرحامنا، واستحل ما يحرم عليه منا. ثم انصرفوا إلى الشّعب. وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببنى هاشم: فيهم مطعم بن عدىّ، وعدى بن قيس، وزمعة ابن الأسود، وأبو البخترىّ بن هشام، وزهير بن أبى أمية. ولبسوا السلاح؛ ثم خرجوا إلى بنى هاشم وبنى المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، وكان خروجهم من الشّعب فى السنة العاشرة من النبوّة، وقيل: كان مكث رسول الله ﷺ وأصحابه فى الشّعب سنتين.
وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام، عن أبى عبد الله محمد بن إسحاق- ﵏ فى سبب نقض الصحيفة غير ما قدّمناه مما حكاه محمد بن سعد عن الواقدىّ.
قال ابن إسحاق بعد أن ذكر من شدّة ما لاقاه أصحاب رسول الله ﷺ فى الشّعب من الضائقة ما ذكر: ثم إنه قام فى نقض الصحيفة- التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب- نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو «١» بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤىّ، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمّه، وكان هشام لبنى هاشم واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان يأتى بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب فى الشعب ليلا، وقد أوقره طعاما، حتى إذا أقبله فم الشّعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه فيدخل الشّعب عليهم، ويأتى به قد أوقره برّا، فيفعل به مثل ذلك.
قال: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة المخزومىّ- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب- فقال: يا زهير، وقد رضيت أنّا نأكل الطعام ونلبس
стр. 5554
الثياب، وننكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبى الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا، قال:
ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ أنا رجل واحد، والله لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها؛ قال: قد وجدت رجلا، قال: من هو؟ قال:
أنا؛ قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدىّ فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إليها منكم سراعا؛ قال:
ويحك، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟
قال: أنا، قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير، قال: ابغنا رابعا، قال: فذهب إلى أبى البخترىّ بن هشام فقال له نحوا مما قال لمطعم، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: فمن هو؟
قال زهير والمطعم وأنا معك، قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود ابن المطلب، فكلّمه وذكر له قرابتهم وحقّهم، فقال: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى له القوم، فاتّعدوا خطم الحجون «١» ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك وتعاقدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها.
وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوّل من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلّة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال:
يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل
стр. 5555
- وكان فى ناحية المسجد-: كذبت، والله لا تشقّ! قال «١» زمعة بن الأسود:
أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت، قال أبو البخترىّ: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقرّ به، قال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها! وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان «٢» - وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد- وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقّها فوجد الأرضة قد أكلتها؛ إلا «باسمك اللهم» .
ثم حكى ابن هشام نحوا ممّا ذكره الواقدىّ من خبرها على ما قدّمناه، وأن أولئك الرهط الذين ذكرناهم صنعوا ما صنعوا مما ذكرناه بعد كلام أبى طالب.
والله تعالى أعلم.
ذكر من عاد من أرض الحبشة ممن هاجر إليها، وكيف دخلوا مكة
قال ابن إسحاق رحمهما الله: وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدّثوا به من إسلامهم كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا. فكان من قدم عليه مكة، منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرا وأحدا، ومن حبس عنه حتى فاته ذلك.
ومن مات منهم بمكة من بنى عبد شمس: عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، معه امرأته سهلة بنت سهيل.
стр. 5556
ومن حلفائهم عبد الله بن حجش بن رئاب.
ومن بنى نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم.
ومن بنى أسد بن عبد العزّى الزبير بن العوّام.
ومن بنى عبد الدار مصعب بن عمير، وسويبط بن سعد.
ومن بنى عبد [بن «١» ] قصىّ طليب بن عمير.
ومن بنى زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن عمرو؛ حليف لهم، وعبد الله بن مسعود؛ حليف لهم.
ومن بنى مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد؛ معه امرأته أمّ سلمة، وشمّاس ابن عثمان، وسلمة بن هشام، حبسه عمه بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق «٢» ، وعيّاش ابن أبى ربيعة بن المغيرة، ومن حلفائهم عمّار بن ياسر «٣» ، ومعتّب بن عوف من خزاعة.
ومن بنى جمح عثمان بن مظعون وابنه السائب بن عثمان، وقدامة وعبد الله ابنا مظعون.
ومن بنى سهم خنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل؛ حبس بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق.
ومن بنى عدىّ بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة.
ومن بنى عامر بن لؤى عبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو.
حبس بعد الهجرة، فلما كان يوم بدر انحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله
стр. 5557
عليه وسلم، وأبو سبرة بن أبى رهم، معه امرأته أمّ كلثوم «١» ، والسّكران بن عمرو معه امرأته سودة بنت زمعة؛ مات بمكة قبل الهجرة. ومن حلفائهم سعد بن خولة.
ومن بنى الحارث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح، وعمرو ابن الحارث بن زهير، وسهيل بن بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال.
فجميع من قدم مكة ثلاثة وثلاثون رجلا، فكان من دخل منهم بجوار عثمان ابن مظعون دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، فلما رأى ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء وهو يغدو ويروح فى أمان من الوليد، قال: والله إنّ غدوّى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشّرك، وأصحابى «٢» وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيبنى لنقص كبير فى نفسى، فمشى إلى الوليد ابن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمّتك، وقد رددت إليك جوارك؛ فقال له: يا بن أخى، لعله آذاك أحد من قومى، قال: لا، ولكنى أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فردّ علىّ جوارى علانية كما أجرتك علانية، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىّ جوارى، قال: صدق، وجدته كريما وفىّ الجوار «٣» ، ولكنى أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان.
وأبو سلمة بن عبد الأسد دخل بجوار من أبى طالب بن عبد المطلب، فمشى إليه رجال من بنى مخزوم فقالوا: يا أبا طالب «٤» ، منعت منا ابن أخيك محمدا؛ فمالك
стр. 5558
ولصاحبنا تمنعه منّا! قال: إنه استجار بى؛ وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون توثّبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهنّ عنه أو لنقومنّ معه فى كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. قال: وأقام بقيتهم بأرض الحبشة إلى سنة سبع من الهجرة، فقدموا بعد فتح خيبر، وقد رأينا أن نذكرهم فى هذا الموضع؛ لتكون أخبارهم متوالية.
ذكر من قدم من أرض الحبشة إلى رسول الله ﷺ وهو بخيبر، ومن قدم بعد ذلك ومن هلك منهم هناك
قال ابن إسحاق: كان من قدم منهم إلى خيبر فى سنة سبع من الهجرة مع جعفر ابن أبى طالب رضى الله عنه فى السفينتين ستة عشر رجلا، وهم من بنى هاشم بن عبد مناف: جعفر بن أبى طالب، معه امرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبد الله؛ ولد بأرض الحبشة.
ومن بنى عبد شمس خالد بن سعيد بن العاص، معه امرأته أمينة بنت خلف، وابناه سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد؛ ولدتهما بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب «١» بن أبى فاطمة، وأبو موسى الأشعرىّ؛ واسمه عبد الله بن قيس.
ومن بنى أسد الأسود «٢» بن نوفل بن خويلد.
стр. 5559
ومن بنى عبد الدار [بن «١» ] قصىّ جهم بن قيس، معه ابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بنت جهم، وكانت معه امرأته أمّ حرملة بنت عبد الأسود؛ هلكت بأرض الحبشة.
ومن بنى زهرة بن كلاب عامر بن أبى وقّاص، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل.
ومن بنى تيم بن مرّة الحارث بن خالد بن صخر، هلكت امرأته ريطة بالحبشة.
ومن بنى جمح عثمان بن ربيعة بن أهبان.
ومن بنى سهم محمية بن الجزء «٢» حليف لهم من بنى زبيد.
ومن بنى عدىّ بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة.
ومن بنى عامر بن لؤىّ أبو حاطب بن عمرو، ومالك بن ربيعة: معه امرأته عمرة بنت السعدىّ.
ومن بنى الحارث بن فهر الحارث بن [عبد «٣» ] قيس بن لقيط، وحمل معهم نساء من نساء من هلك هناك.
هؤلاء الذين قدموا مع جعفر فى السفينتين. وقدم بعد ذلك ستة وعشرون رجلا، وهم:
من بنى أمية قيس بن عبد الله الأسدىّ، أسد خزيمة، حليف لهم.
стр. 5560
ومن بنى أسد يزيد بن زمعة بن الأسود، قتل يوم حنين شهيدا.
ومن بنى عبد الدار: أبو الروم بن عمير، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة.
ومن بنى تيم بن مرة عمرو بن عثمان بن عمرو.
ومن بنى مخزوم هبّار بن سفيان، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبى حذيفة ابن المغيرة.
ومن بنى جمح سفيان بن معمر، وابناه جنادة وجابر، وأمّهما حسنة «١» ، وأخوهما لأبيهما شرحبيل بن حسنة.
ومن بنى سهم قيس بن حذافة بن قيس، وأبو قيس بن الحارث بن قيس، وبشر بن الحارث بن قيس، وأخ له من أمّه من بنى تميم يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس، والسائب بن الحارث بن قيس، وعمير بن رئاب، ابن حذيفة.
ومن بنى عامر بن لؤىّ سليط بن عمرو.
ومن بنى الحارث بن فهر عثمان بن عبد غنم، وسعيد «٢» بن عبد قيس بن لقيط، وعياض بن زهير بن أبى شدّاد.
وهلك بأرض الحبشة ممن هاجر إليها ثمانية، وهم:
من بنى عبد شمس، من حلفائهم عبيد الله بن جحش بن رئاب، تنصّر ومات بأرض الحبشة نصرانيا، وكانت معه امرأته أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، فخلف عليها رسول الله ﷺ .
стр. 5561
ومن بنى أسد عمرو بن أمية بن الحارث.
ومن بنى زهرة بن كلاب المطلب بن أزهر بن عوف، ومعه امرأته رملة بنت أبى عوف، فولدت له هناك عبد الله بن المطلب.
ومن بنى جمح حاطب بن الحارث بن معمر، وكان معه امرأته فاطمة بنت المحلّل «١» بن عبد الله، وابناه محمد والحارث، فقدمت امرأته وابناه مع جعفر ابن أبى طالب رضى الله عنه فى أحد السفينتين، وأخوه خطاب بن الحارث، وكان معه امرأته فكيهة بنت يسار قدمت مع جعفر أيضا.
ومن بنى سهم عبد الله بن الحارث بن قيس.
ومن بنى عدىّ بن كعب عروة بن عبد العزّى بن حرثان، وكان مع عدىّ ابنه النعمان، فقدم مع من قدم من المسلمين.
فهؤلاء الذين ذكرناهم هم الذين ذكرهم ابن إسحاق، وعدّهم أنهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، وحصر عدّتهم كما تقدّم. وأمّا من ذكرنا ممن ذكر أبو عمر يوسف بن عبد البرّ فى كتابه أنهم ممن هاجر إلى أرض الحبشة فلم نقف على تاريخ عودهم فنذكره.
ذكر من أنزل فيه القرآن من مشركى قريش وما أنزل فيهم
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: ولمّا حمى الله تعالى رسوله ﷺ من قريش ومنعه منها، وقام عمه أبو طالب وقومه من بنى هاشم وبنى عبد المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، جعلت قريش يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، والقرآن ينزل فيهم، منهم من سماه الله تعالى، ومنهم من نزل فيه فى عامّة من ذكر الله من الكفار.
стр. 5562
فكان من سمى ممن نزل فيه القرآن أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أمّ جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب، فأنزل الله فيهما قوله: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)
. قال: وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق رسول الله ﷺ .
[قال ابن إسحاق: فذكر لى أن أمّ جميل حمالة الحطب، حين سمعت ما أنزل فيها، وفى زوجها من القرآن أتت رسول الله «١» ] وهو جالس فى المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه وفى يدها فهر «٢» من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت:
يا أبا بكر، أين صاحبك؟ قد بلغنى أنه يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إنى لشاعرة:
مذمّما عصينا ... وأمره أبينا
ودينه قلينا
ثم انصرفت.
قال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتنى، لقد أخذ الله ببصرها عنى.
وأمية بن خلف بن وهب الجمحىّ؛ كان إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)
، السورة كلها.
стр. 5563
قال ابن هشام: الهمزة: الذى يشتم الرجل علانية، ويكسر عينه عليه ويغمز به. واللّمزة: الذى يعيب الناس سرّا ويؤذيهم.
والعاص بن وائل السّهمىّ؛ كان إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد مات انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى فى ذلك قوله: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) .
والكوثر: ماء هو خير من الدنيا وما فيها؛ وقيل: الكوثر: العظيم، وقيل:
الخير الكثير.
وسئل رسول الله ﷺ : ما الكوثر الذى أعطاك الله؟ فقال:
نهر فى الجنة كما بين صنعاء إلى أيلة «١» ، آنيته كعدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا، وأنزل الله فيه قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً)
، إلى قوله: (وَيَأْتِينا فَرْداً)
«٢» ، وكان سبب ذلك أن خبّاب بن الأرتّ صاحب رسول الله ﷺ كان نشأ بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل السّهمىّ سيوفا عملها له؛ حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال: يا خبّاب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضّة أو ثياب أو خدم! قال خباب:
يلى، قال: فأنظرنى إلى يوم القيامة حتى أرجع إلى تلك الدار؛ فأقضيك هنالك حقّك، فو الله لا تكون أنت وأصحابك آثر عند الله منى، ولا أعظم حظّا فى ذلك، فأنزل الله ذلك فيه.
стр. 5564
وأبو جهل بن هشام؛ لقى رسول الله ﷺ فقال له: والله يا محمد لتتركنّ سب آلهتنا أو لنسبنّ إلهك الذى تعبده، فأنزل الله فى ذلك: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)
«١» ، فكفّ رسول الله ﷺ عن سبّ آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله.
ولما ذكر الله شجرة الزّقوم تخويفا لهم قال أبو جهل: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزّقوم التى يخوّفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزّبد، والله لئن استمكنا منها لنزقمنها، فأنزل الله فيه: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)
«٢» ، أى ليس كما يقول.
والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصىّ؛ كان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فدعا فيه إلى الله، وتلا فيه القرآن، وحذّر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية، خلفه فى مجلسه إذا قام فحدّثهم عن رستم وملوك الفرس وإسفنديار، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا منّى، وما حديثه إلا أساطير الأوّلين اكتتبها كما اكتتبتها، فأنزل الله فيه: (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)
«٣» . وأنزل فيه: (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) *
«٤» . ونزل فيه: َيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)
«٥» ، والأفّاك: الكذّاب.
стр. 5565
قال: وجلس رسول الله ﷺ يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النّضر بن الحارث حتى جلس معهما، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ ؛ فعرض له النّضر تكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ)
«١» ، ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزّبعرى السهمىّ حتى جلس، فقال له الوليد بن المغيرة: والله ما قام النّضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد الله بن الزّبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسألوا محمدا: أكلّ ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم، فعجب الوليد ومن كان حضر معه فى المجلس من قول عبد الله، ورأوا أنه قد احتجّ وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «كلّ من أحبّ أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته» ، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ)
«٢» ، أى عيسى بن مريم، وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله.
стр. 5566
ونزل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله قوله تعالى:
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)
، إلى قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)
«١» .
ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ﵇ أنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)
«٢» ، أى يصدّون عن أمرك، ثم ذكر عيسى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ. وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ.
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها)
«٣» ، أى ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: (فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ)
«٤» .
والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفىّ، حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم، وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله ﷺ ويردّ عليه، فأنزل الله فيه: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ)
إلى قوله:
(زَنِيمٍ)
«٥» ، والزّنيم: العديد «٦» للقوم.
والوليد بن المغيرة قال: أينزل على محمد وأترك! وأنا لبيب قريش وسيّدها! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفىّ سيد ثقيف، ونحن «٧» عظيما القريتين! فأنزل
стр. 5567
الله تعالى فيه: (وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
، إلى قوله:
(خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
«١» .
وأبىّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبى معيط- وكانا متصافيين حسنا ما بينهما- فجلس عقبة إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيّا، فأتى عقبة فقال: ألم يبلغنى «٢» أنك جالست محمدا وسمعت منه! ثم قال: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك- واستغلظ من اليمين- إن أنت جلست أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه. ففعل عدوّ الله عقبة بن أبى معيط، فأنزل الله فيهما: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا)
«٣» . ومشى أبىّ بن خلف إلى رسول الله ﷺ [بعظم «٤» ] بال قد ارفتّ «٥» ؛ فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرى «٦» ؟ ثم فته بيده ونفخه فى الريح نحو النبى ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار» ، فأنزل الله تعالى فيه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)
«٧» .
стр. 5568
واعترض رسول الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب ابن أسد، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل- وكانوا ذوى أسنان فى قومهم- فقالوا: يا محمد؛ هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد؛ فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا كنا قد أخذنا بحظّنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم:
(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ)
... السورة.
ودعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبىّ بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس؛ ويرى معك! فأنزل الله تعالى فى ذلك: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)
«١» .
والله المستعان.
ذكر خروج أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه إلى الهجرة وعوده، وجواره وردّه الجوار
قال: وكان أبو بكر رضى الله عنه كما روى الزهرىّ عن عروة عن عائشة رضى الله عنها حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها ما أصابه من الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار من
стр. 5569
مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدّغنّة «١» ، ويقال فيه: الدّغينة- أخو بنى الحارث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنى المصطلق بن خزاعة، تحالفوا جميعا فسمّوا الأحابيش «٢» للحلف- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا علىّ، قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع وأنت فى جوارى. فرجع معه حتى إذا دخل مكة؛ قام ابن الدّغنّة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرضنّ له أحد إلا بخير؛ فكفّوا عنه.
قال: وكان لأبى بكر مسجد على باب داره فى بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا؛ إذا قرأ القرآن استبكى، فتقف عليه الصبيان والعبيد والنساء فيعجبون لما يرون من هيئته، فمشى من قريش إلى ابن الدّغنّة رجال فقالوا: إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرقّ، ونحن نتخوّف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء.
قالت: فمشى ابن الدّغنّة إليه فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت به، وتأذّوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أردّ عليك جوارك، وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علىّ جوارى، قال: قد رددته عليك، فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد ردّ علىّ جوارى فشأنكم بصاحبكم.
стр. 5570
ذكر وفاة أبى طالب بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ ومشى أشراف قريش إليه فى مرضه، وما قالوه وأنزل فيهم
كانت وفاة أبى طالب بعد نقض الصحيفة، وخروج بنى هاشم وبنى المطلب من الشّعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام.
حكاه الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطىّ ﵀ فى مختصر السيرة النبوية.
وقال محمد بن سعد: كان بينهما شهر وخمسة أيام «١» .
قال «٢» محمد بن إسحاق: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله، فمشى إليه أشراف قريش وهم: عقبه بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب فى رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى، وتخوّفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكفّ عنا ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه.
فبعث إليه فجاءه فقال له: يا بن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ : «كلمة «٣» واحدة يملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم» فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال:
«تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه» ، قال: فصفّقوا بأيديهم، وقالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؛ إن أمرك لعجب! ثم قال
следующие страницы →