Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
ونزل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله قوله تعالى:
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)
، إلى قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)
«١» .
ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ﵇ أنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)
«٢» ، أى يصدّون عن أمرك، ثم ذكر عيسى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ. وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ.
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها)
«٣» ، أى ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: (فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ)
«٤» .
والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفىّ، حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم، وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله ﷺ ويردّ عليه، فأنزل الله فيه: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ)
إلى قوله:
(زَنِيمٍ)
«٥» ، والزّنيم: العديد «٦» للقوم.
والوليد بن المغيرة قال: أينزل على محمد وأترك! وأنا لبيب قريش وسيّدها! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفىّ سيد ثقيف، ونحن «٧» عظيما القريتين! فأنزل
стр. 5567
الله تعالى فيه: (وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
، إلى قوله:
(خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
«١» .
وأبىّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبى معيط- وكانا متصافيين حسنا ما بينهما- فجلس عقبة إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيّا، فأتى عقبة فقال: ألم يبلغنى «٢» أنك جالست محمدا وسمعت منه! ثم قال: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك- واستغلظ من اليمين- إن أنت جلست أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه. ففعل عدوّ الله عقبة بن أبى معيط، فأنزل الله فيهما: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا)
«٣» . ومشى أبىّ بن خلف إلى رسول الله ﷺ [بعظم «٤» ] بال قد ارفتّ «٥» ؛ فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرى «٦» ؟ ثم فته بيده ونفخه فى الريح نحو النبى ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار» ، فأنزل الله تعالى فيه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)
«٧» .
стр. 5568
واعترض رسول الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب ابن أسد، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل- وكانوا ذوى أسنان فى قومهم- فقالوا: يا محمد؛ هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد؛ فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا كنا قد أخذنا بحظّنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم:
(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ)
... السورة.
ودعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبىّ بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس؛ ويرى معك! فأنزل الله تعالى فى ذلك: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)
«١» .
والله المستعان.
ذكر خروج أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه إلى الهجرة وعوده، وجواره وردّه الجوار
قال: وكان أبو بكر رضى الله عنه كما روى الزهرىّ عن عروة عن عائشة رضى الله عنها حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها ما أصابه من الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار من
стр. 5569
مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدّغنّة «١» ، ويقال فيه: الدّغينة- أخو بنى الحارث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنى المصطلق بن خزاعة، تحالفوا جميعا فسمّوا الأحابيش «٢» للحلف- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا علىّ، قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع وأنت فى جوارى. فرجع معه حتى إذا دخل مكة؛ قام ابن الدّغنّة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرضنّ له أحد إلا بخير؛ فكفّوا عنه.
قال: وكان لأبى بكر مسجد على باب داره فى بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا؛ إذا قرأ القرآن استبكى، فتقف عليه الصبيان والعبيد والنساء فيعجبون لما يرون من هيئته، فمشى من قريش إلى ابن الدّغنّة رجال فقالوا: إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرقّ، ونحن نتخوّف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء.
قالت: فمشى ابن الدّغنّة إليه فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت به، وتأذّوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أردّ عليك جوارك، وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علىّ جوارى، قال: قد رددته عليك، فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد ردّ علىّ جوارى فشأنكم بصاحبكم.
стр. 5570
ذكر وفاة أبى طالب بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ ومشى أشراف قريش إليه فى مرضه، وما قالوه وأنزل فيهم
كانت وفاة أبى طالب بعد نقض الصحيفة، وخروج بنى هاشم وبنى المطلب من الشّعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام.
حكاه الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطىّ ﵀ فى مختصر السيرة النبوية.
وقال محمد بن سعد: كان بينهما شهر وخمسة أيام «١» .
قال «٢» محمد بن إسحاق: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله، فمشى إليه أشراف قريش وهم: عقبه بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب فى رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى، وتخوّفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكفّ عنا ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه.
فبعث إليه فجاءه فقال له: يا بن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ : «كلمة «٣» واحدة يملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم» فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال:
«تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه» ، قال: فصفّقوا بأيديهم، وقالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؛ إن أمرك لعجب! ثم قال
стр. 5571
بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل يعطيكم شيئا مما تريدون؛ فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرّقوا. فقال أبو طالب: والله ما رأيتك سألتهم شططا.
قال: فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله ﷺ فيه «١» ، فجعل يقول له: «يا عمّ فأنت فقلها؛ أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة» ، قال: يا بن أخى لولا مخافة السّبّة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظنّ قريش أنى قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها.
قال ابن عباس: فلما تقارب من أبى طالب الموت، نظر العباس إليه يحرّك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا بن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها، فقال رسول الله ﷺ : «لم أسمع» ، ثم هلك أبو طالب.
والذى ورد فى الصحيح: أن آخر ما سمع من أبى طالب؛ هو على دين عبد المطلب.
قال ابن إسحاق: وأنزل الله فى الرهط الذين اجتمعوا إلى أبى طالب وقالوا ما قالوا، قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ)
«٢» . قال: يريدون بالملّة الآخرة النصارى؛ لقولهم: (إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ)
«٣» .
стр. 5572
ذكر وفاة خديجة بنت خويلد زوج النبىّ ﷺ ورضى الله عنها
كانت وفاة خديجة رضى الله عنها بعد وفاة أبى طالب كما تقدّم، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على ما صححه الشيخ شرف الدين الدمياطىّ ﵀ فى مختصر السيرة النبويّة، قال:
وبقيت عند رسول الله ﷺ قبل الوحى خمس عشرة سنة، وبعده تسع سنين وثمانية أشهر، وهى أوّل من أسلم من النساء بلا خلاف، ولعلها أوّل من أسلم من الناس، وكانت لرسول الله ﷺ وزير صدق. روى أن آدم ﵇ قال: «إنى لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتى فضل علىّ باثنين؛ كانت زوجته عونا له، وكانت زوجتى عونا علىّ، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، وكفر شيطانى» . وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أبشر خديجة ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» ، قالوا:
والقصب هاهنا: اللؤلؤ. ودفنت خديجة بالحجون، ولم تكن شرعت الصلاة على الميت بعد. والله أعلم.
ذكر خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف، وعوده إلى مكة
قال: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ مالم تكن تناله فى حياة عمه.
قال محمد بن سعد «١» : فبلغ ذلك أبا لهب، فجاءه فقال: يا محمد، امض لما أردت وما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيّا فاصنعه، لا واللّات، لا يوصل إليك
стр. 5573
حتى أموت. قال: وسبّ ابن الغيطلة النبىّ ﷺ ، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى وهو يصيح: يا معشر قريش، صبأ أبو عتبة، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبى لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكنى أمنع ابن أخى أن يضام، حتى يمضى لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرّحم، فلبث رسول الله ﷺ كذلك أياما يذهب ويأتى، ولا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إلى أن جاء عقبة بن أبى معيط، وأبو جهل ابن هشام إلى أبى لهب فقالا: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقالا «١» له:
يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال: «مع قومه» ، فخرج أبو لهب إليهما فقال:
قد سألته فقال: «مع قومه» ، فقالا: يزعم أنه فى النار، فقالا: يا محمد، أيدخل عبد المطلب النار؟، فقال: «نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار» . فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدوّا أبدا، وأنت تزعم أن عبد المطلب فى النار، فاشتدّ عليه هو وسائر قريش، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف.
قال محمد بن سعد: خرج ومعه زيد بن حارثة، وذلك فى ليال بقين من شوّال سنة عشر من حين النبوّة، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلّمه، فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم، فقالوا: يا محمد، أخرج من بلدنا والحق بمجابك «٢» من الأرض. وأغروا به سفهاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى إن رجلى رسول الله ﷺ لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه.
حتى لقد شجّ فى رأسه شجاجا، فانصرف رسول الله ﷺ من الطائف راجعا إلى مكة وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة.
стр. 5574
وقال ابن إسحاق «١» : لما أغروا به سفهاءهم؛ لجأ رسول الله ﷺ إلى حائط «٢» لعتبة وشيبة ابنى ربيعة، فجلس فى ظل حبلة «٣» ، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقى من سفهاء أهل الطائف، فتحركت له رحمتهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه فى هذا الطبق، ثم اذهب إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل حتى وضعه بين يديه ﷺ ، وقال له: كلّ، فقال رسول الله ﷺ :
«بسم الله» فأكل، فنظر عدّاس إليه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له ﷺ : «ومن أهل أىّ البلاد أنت يا عدّاس؟
وما دينك» ؟. قال: نصرانىّ، وأنا رجل من أهل نينوى «٤» ، فقال له: «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى» ؟ فقال عدّاس: وما يدريك ما يونس؟ قال:
«ذاك أخى، كان نبيا وأنا نبىّ» ، فأقبل عدّاس على رسول الله ﷺ يقبّل رأسه وقدميه ويديه، فقال أحد ابنى ربيعة لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عدّاس قالا له: ويلك! ما لك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه! قال: يا سيدى، ما فى الأرض شىء خير من هذا العبد، لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبىّ، قالا: ويحك يا عدّاس! لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
قال: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة «٥» أتاه جنّ نصيبين «٦» ، على ما نذكر ذلك إن شاء
стр. 5575
الله فى أخبار الوفود على رسول الله ﷺ على ما تقف عليه هناك، وهو فى آخر وفادات العرب.
قال: وأقام رسول الله ﷺ بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة:
كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه» ، ثم انتهى إلى حراء، فأرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدىّ يقول: «أدخل فى جوارك» ؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: تلبّسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت؛ فإنى قد أجرت محمدا، فدخل رسول الله ﷺ ، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مطعم بن عدىّ على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إنى قد أجرت محمدا؛ فلا يهجه أحد منكم، فانتهى ﷺ إلى الرّكن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم وولده مطيفون به، فلذلك قال حسان بن ثابت الأنصارىّ فى رثائه لمطعم من قصيدته:
فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا ... من الناس، أبقى مجده اليوم مطعما «١»
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبّى مهلّ وأحرما
وحكى محمد بن إسحاق: أن رسول الله ﷺ بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف؛ والحليف لا يجير؛ فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال:
إن بنى عامر «٢» لا تجير على بنى كعب، فبعث إلى المطعم بن عدىّ فأجابه.
стр. 5576
ذكر خبر الإسراء برسول الله ﷺ من مكة إلى البيت المقدس، وخبر المعراج به ﷺ
إلى السموات العلا، وإلى سدرة المنتهى، وما شاهد فى ذلك من الكرامة والاصطفاء والمناجاة، وفرض الصلاة، وغير ذلك مما يراه من آيات ربّه الكبرى، ﷺ وخبر الإسراء برسول الله ﷺ صحيح متفق على صحته بنص الكتاب والأحاديث الصحيحة. أما الكتاب العزيز، فقد قال الله :
(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
«١» . وقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى.
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)
«٢» .
وأما الأحاديث الواردة فى ذلك فسنذكرها إن شاء الله تعالى.
وكان الإسراء برسول الله ﷺ ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وقد أتت عليه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر.
стр. 5577
وقال ابن سعد فى طبقاته عن عائشة وأمّ هانئ وابن عباس قالوا: أسرى برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة من شعب أبى طالب [إلى بيت المقدس «١» ] . والله أعلم.
والأحاديث الصحيحة بصحة الإسراء قد جاءت من طرق كثيرة، وقد رأينا أن نبدأ منها بأكملها وأجمعها، وهو حديث ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه، ثم نذكر زيادات عن غيره يتعين ذكرها.
أما حديث ثابت البنانىّ «٢» فهو مما رويناه بإسناد متصل عن مسلم بن الحجاج، قال حدّثنا شيبان بن فرّوخ، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال حدّثنا ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه» . قال: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السّماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بآدم ﷺ ، فرحّب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابنى الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما وسلم، فرحّبا بى ودعوا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة،
стр. 5578
وذكر مثل الأوّل ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ ، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإدريس فرحّب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون «١» فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بى إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بى إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها «٢» كالقلال» . قال: «فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلىّ ما أوحى، ففرض علىّ خمسين صلاة فى كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا يطيقون ذلك «٣» ، فإنى قد بلوت بنى إسرائيل» .
قال: «فرجعت إلى ربى فقلت: يا رب خفف عن أمّتى، فحطّ عنى خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عنى خمسا» ، قال «٤» : إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: «فلم أزل أراجع بين ربى تعالى، وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنهنّ خمس صلوات، كل يوم وليلة بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها
стр. 5579
كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» . قال: «فنزلت «١» حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال رسول الله ﷺ : «فقلت: قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه» .
وروى يونس عن ابن شهاب عن أنس قال: كان أبو ذرّ يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج سقف بيتى «٢» ، فنزل جبريل ففرج صدرى ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها فى صدرى ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء» . فذكر القصة.
وروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة الحديث بمثله، وفيه تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وخلاف فى ترتيب الأنبياء والسموات؛ وحديث ثابت عن أنس أتقن وأجود. وهذان الحديثان يدلان على أن رسول الله ﷺ شقّ جوفه عند الإسراء، وقد تقدم الخبر أنه شقّ جوفه وهو عند ظئره فى حال طفوليته، فيكون على هذا شقّ جوفه مرتين. والله أعلم بالصواب.
ونقل عن الشيخ عبد القادر محمد بن أبى الحسن الصعبىّ فى مختصر السيرة له قال: روى أبو داود الطيالسىّ فى مسنده «٣» ، قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال أخبرنى أبو عمران الجونىّ عن رجل عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ اعتكف هو وخديجة شهرا، فوافق ذلك رمضان، فخرج رسول الله ﷺ ، وسمع: السلام عليكم، قالت: فظننت أنه فجئه الحقّ «٤» ، فقال:
стр. 5580
«أبشروا فإن السلام خير» ، ثم رأى يوما آخر جبريل ﵇ على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال: فبهتّ منه، قالت «١» : فانطلق يريد أهله، فإذا هو بجبريل ﵇ بينه وبين الباب، قال: «فكلمنى حتى أنست به ثم وعدنى موعدا، فجئت لموعده، واحتبس علىّ جبريل، فلما أراد أن يرجع إذا هو وميكائيل ﵉، فهبط جبريل ﵇ إلى الأرض، وبقى ميكائيل بين السماء والأرض» ، قال: «فأخذنى فسلقنى لحلاوة القفا «٢» ، وشقّ عن بطنى، فأخرج منه ما شاء الله، ثم غسله فى طست من ذهب ثم أعاده، ثم كفانى كما يكفأ الإناء، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مسّ الخاتم، ثم قال لى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)
ولم أقرأ كتابا قط، فأخذ بحلقى حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ)
إلى قوله: (ما لَمْ يَعْلَمْ)
» . قال: «فما نسيت بعد، فوزننى برجل فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، ثم وزننى بمائة، فقال ميكائيل:
تبعته أمته وربّ الكعبة» . قال: «ثم جئت إلى منزلى، فما يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول الله» .
فيدل هذا الحديث على أنه شقّ جوفه أيضا عند الوحى، فيكون شقّ جوفه ثلاث مرات؛ مرة وهو عند ظئرة، ومرة عند الوحى فى أول النبوة، كما يقتضى هذا الحديث، ومرة ثالثة عند الإسراء؛ كما روى عن أبى ذرّ، ومالك بن صعصعة.
والله أعلم.
стр. 5581
وإنما أوردنا حديث الطيالسىّ فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، لأن موضعه يصلح أن يكون عند ذكر حديث المبعث، وقد أثبتنا هناك الأحاديث الصحيحة؛ فلنرجع إلى ما نحن فيه من حديث الإسراء.
وأمّا ما ورد فى الأحاديث الأخر من الروايات التى يتعين ذكرها:
فمنها حديث ابن شهاب وفيه قول كل نبىّ: «مرحبا بالنبىّ الصالح، والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له: والابن الصالح» .
وفيه من طريق ابن عباس رضى الله عنهما: «ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» .
وعن أنس: «ثم انطلق بى حتى أتيت سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لم أدر ما هى» ، قال: «ثم أدخلت الجنة» «١» .
وفى حديث مالك بن صعصعة: «فلما جاوزته- يعنى موسى- بكى، فنودى ما يبكيك؟ قال: ربّ، هذا غلام بعثته بعدى، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى» .
وفى حديث أبى هريرة: «وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلّم عليه، فالتفت «٢» فبدأنى بالسلام» .
وفى حديث أبى هريرة: «ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة وصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة، قالوا: يا جبريل من هذا
стр. 5582
معك؟، قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قالوا: حيّاه من أخ وخليفة! فنعم الأخ ونعم الخليفة! ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم» . وذكر كلام كل واحد منهم؛ وهم إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان. ثم ذكر كلام النبى ﷺ ، فقال: وإن محمدا ﷺ أثنى على ربه، فقال: «كلكم أثنى على ربه، وأنا أثنى على ربى؛ الحمد لله الذى أرسلنى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علىّ الفرقان فيه تبيان كل شىء، وجعل أمتى خير أمة، وجعل أمتى أمة وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لى صدرى، ووضع عنى وزرى، ورفع لى ذكرى، وجعلنى فاتحا وخاتما» . فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد.
ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء؛ نحو ما تقدم.
وفى حديث ابن مسعود: «وانتهى بى إلى سدرة المنتهى، وهى فى السماء السادسة؛ إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهى ما يهبط «١» من فوقها فيقبض [منها «٢» ] » . قال تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى)
، قال: فراش من ذهب.
وفى رواية أبى هريرة رضى الله عنه، من طريق الربيع بن أنس: «فقيل لى:
هذه سدرة المنتهى، ينتهى إليها كل أحد من أمتك خلا «٣» على سبيلك» . وهى السّدرة المنتهى يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيرّ طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى. وهى شجرة يسير الراكب فى ظلها سبعين عاما، وإن ورقة منها مظلّة الخلق. فغشيها نور، وغشيتها الملائكة.
стр. 5583
قال: فهو قوله تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى)
؛ فقال ﵎ له:
«سل» ، فقال: «إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلّمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخّرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما؛ سخّرت له الجنّ والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلّمت عيسى التوارة والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص، وأعذته وأمّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل» .
فقال «١» له ربّه: «قد اتخذتك حبيبا» فهو مكتوب فى التوراة: «محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك «٢» إلى الناس كافة، وجعلت أمتك [هم «٣» ] الأوّلون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجعلتك أوّل النبّيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثانى ولم أعطها نبيّا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشى، لم أعطها نبيّا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما» .
وفى الرواية «٤» الأخرى، قال: فأعطى رسول الله ﷺ ثلاثا:
أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمّته المقحمات «٥» .
وقال: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)
؛ الآيتين. قيل: رأى جبريل فى صورته له ستمائة جناح. وفى حديث شريك: «أنه رأى موسى فى السابعة» قال: بتفضيل
стр. 5584
كلام الله، قال: «ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع علىّ أحد» .
وقد روى عن أنس أنه ﷺ صلّى بالأنبياء ببيت المقدس. وعنه قال قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل علىّ جبريل ﵇ فوكز بين كتفىّ، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكرى الطائر، فقعد فى واحدة، وقعدت فى الأخرى فنمت «١» حتى سدّت الخافقين، ولو شئت لمسست السماء، وأنا أقلّب طرفى، ونظرت جبريل كأنه حلس «٢» لا طئ «٣» ، فعرفت فضل علمه بالله علىّ؛ وفتح لى باب السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دونى الحجاب وفرجه الدرّ والياقوت، ثم أوحى الله إلىّ ما شاء أن يوحى» .
وذكر البزّار عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: لمّا أراد الله أن يعلّم رسوله الأذان جاءه جبريل بداية يقال لها البراق، فذهب يركبها، فاستصعبت عليه، فقال لها جبريل: أسكنى، فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد ﷺ ؛ فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذى يلى الرحمن تعالى، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك [من «٤» ] الحجاب، فقال رسول الله ﷺ : «يا جبريل، من هذا؟» . قال: والذى بعثك بالحقّ إنى لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدى؛ أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن
стр. 5585
لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب: «صدق عبدى، أنا لا إله إلا أنا» . وذكر مثل هذه فى بقيّة الأذان، إلا أنه لم يذكر جوابا عن قوله: حىّ على الصلاة، حىّ على الفلاح، وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد فقدّمه، فأمّ أهل السماء فيهم آدم ونوح «١» .
قال القاضى عياض بن موسى ﵀: ما فى هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو فى حقّ المخلوق لا فى حقّ الخالق، فهم المحجوبون، والبارى جل اسمه منزّه عما يحجبه؛ إذ الحجب إنما تحيط بمقدّر محسوس «٢» ، ولكنّ حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، كقوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)
«٣» . قال: فقوله فى هذا الحديث: «الحجاب» يجب أن يقال: إنه حجاب حجب به من ورائه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته، وعجائب ملكوته وجبروته. ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذى خرج من ورائه: إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه، فدلّ [على «٤» ] أن هذا الحجاب لم يختص بالذات.
ويدل عليه قول كعب فى تفسيره: سدرة المنتهى، قال: إليها ينتهى علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم.
قال: وأما قوله «الذى يلى الرحمن» ، فيحمل على حذف المضاف [أى «٥» ] الذى يلى عرش الرحمن، أو أمرا ما من عظيم آياته، أو مبادئ حقائق معارفه مما هو أعلم به، كما قال تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)
«٦» أى أهلها.
стр. 5586
وقوله: «فقيل من وراء الحجاب، صدق عبدى، أنا أكبر» فظاهره أنه سمع فى هذا الموطن كلام الله ولكن من وراء حجاب، كما قال تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ)
«١» [أى «٢» ] وهو لا يراه؛ حجب بصره عن رؤيته، فإن صحّ القول بأنّ محمدا ﷺ رأى ربه فيحتمل أنه فى غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه. والله أعلم بالصواب.
ذكر من قال: إن الإسراء كان بالجسد وفى اليقظة
قد اختلف العلماء على ثلاث مقالات؛ فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام. وذهبت طائفة إلى أنّ الإسراء كان بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح. والذى عليه الأكثرون- وقال به معظم السلف- أنه إسراء بالجسد، وفى اليقظة.
قال القاضى عياض بن موسى بن عياض: وهذا هو الحق، وهو قول ابن عبّاس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبو هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبى حبّة البدرىّ، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج؛ وهو قول الطبرىّ، وابن حنبل، وغيرهما، وقد أبطلوا حجج من قال خلاف ذلك بأدلّة يطول علينا شرحها.
قال القاضى عياض: والحقّ [من هذا «٣» ] والصحيح إن شاء الله أنه إسراء بالجسد والروح فى القصة كلها، وعليه تدل الآية، وصحيح الأخبار والاعتبار-
стр. 5587
ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل [إلا «١» ] عند الاستحالة، وليس فى الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده، ولم يقل:
(بِعَبْدِهِ)
- وقوله «٢» : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى)
. ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما استبعده الكفّار ولا كذّبوه فيه، ولا ارتدّ به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أنّ خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر فى الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس فى رواية أنس، أو فى السماء على ما روى غيره، وذكر مجىء جبريل له بالبراق، وخبر المعراج واستفتاح السماء، فيقال «٣» :
ومن معك؟ فيقول: محمد، ولقائه الأنبياء فيها، وخبرهم معه، وترحيبهم به، وشأنه فى فرض الصلاة ومراجعته مع موسى فى ذلك، وفى بعض هذه الأخبار:
«فأخذ- يعنى جبريل- بيدى، فعرج بى إلى السماء» إلى قوله: «ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صوت «٤» الأقلام؛ وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره» .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: هى رؤيا عين رآها النبى ﷺ لا رؤيا منام، والآى فى ذلك كثيرة، والأدلة واضحة، فلا نطوّل بسردها، وفيما أوردناه منها فيما قدّمنا ذكره كفاية. والله أعلم.
стр. 5588
ذكر ما ورد فى رؤية رسول الله ﷺ ربّه ﵎، ومناجاته له، وكلامه ودنوّه وقربه من ربّه ، ومن جوّز ذلك ومن منعه، وما قيل فى مشكل حديث الدّنوّ والقرب
أما الرؤية فقد اختلف السلف فى رؤيته ﷺ لربّه ، فأنكرته عائشة.
روى عن مسروق أنه قال لعائشة رضى الله عنها: يا أمّ المؤمنين، هل رأى محمد ربّه؟ فقالت: لقد قف «١» شعرى مما قلت؛ ثلاث من حدّثك بهنّ فقد كذب، [من حدّثك أن محمدا رأى ربّه فقد كذب «٢» ] ثم قرأت (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ)
«٣» الآية [ثم ذكر الحديث «٤» ] . وقالت جماعة بقول عائشة، وهو المشهور عن ابن مسعود.
ومثله عن أبى هريرة: إنما رأى جبريل، واختلف عنه. وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته فى الدنيا [جماعة «٥» ] من المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه رآه بعينه. وروى عطاء عنه: رآه بقلبه، وعن أبى العالية [عنه «٦» ] رآه بفؤاده مرتين.
وذكر ابن إسحاق: أن ابن عمر رضى الله عنهما أرسل إلى ابن عباس رضى الله عنهما يسأله: هل رأى محمد ربّه؟ قال: نعم، والأشهر [عنه «٧» ] أنه رأى ربه بعينيه. وقال: إن الله اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلّة، ومحمدا بالرؤية.
стр. 5589
وحجته قوله: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) .
وقال الماوردىّ: قيل إنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد، فرآه محمّد مرتين، وكلّمه موسى مرتين.
وحكى أبو الفتح الرازىّ، وأبو الليث السّمرقندىّ ذكرها «١» عن كعب. وروى عبد الله بن الحارث، قال: اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: أمّا نحن بنى هاشم فنقول: إنّ محمدا قد رأى ربه مرتين، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، وقال: إنّ الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلمه موسى، ورآه محمد بقلبه.
وحكى السّمرقندىّ عن محمد بن كعب القرظىّ، وربيع بن أنس: أن النبىّ ﷺ قال: «رأيت ربى» - وذكر كلمة- فقال: «يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى» . الحديث.
وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه، وحكاه أبو عمر الطّلمنكىّ عن عكرمة، وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود، وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم.
وحكى النقّاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس، بعينه رآه رآه، حتى انقطع نفس أحمد.
وقد اختلف فى تأويل الآية عن ابن عباس وعكرمة والحسن وابن مسعود، فحكى عن ابن مسعود، وعكرمة: رآه بقلبه.
وعن الحسن وابن مسعود: رأى جبريل. وعن ابن عطاء فى قوله تعالى:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)
«٢» ، قال: شرح صدره للرؤية، وشرح صدر موسى للكلام.
стр. 5590
وقال أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعرىّ وجماعة من أصحابه: إنه رأى الله ببصره وعينى «١» رأسه وقال: كل آية أوتيها نبىّ من الأنبياء ﵈ فقد أوتى مثلها نبيّنا، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية.
قال القاضى أبو الفضل عياض بن موسى ﵀: والحق الذى لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى فى الدنيا جائزة عقلا، وليس فى العقل ما يحيلها، والدليل على جوازها فى الدنيا سؤال موسى ﵇ لها، ومحال أن يجهل نبىّ ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذى لا يعلمه إلا من علّمه الله، فقال له الله تعالى: (لَنْ تَرانِي)
أى لن تطيق ولا تحتمل رؤيتى، ثم ضرب له مثالا بما هو أقوى من نبيّه موسى وأثبت وهو الجبل. قال: وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته فى الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس فى الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة.
قال: ولا حجة لمن يستدلّ على منعها بقوله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ)
لاختلاف التأويلات فى الآية، وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية، وعدم استحالتها على الجملة. وقد قيل: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ)
، أى لا تحيط به، وهو قول ابن عباس، وقد قيل: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ)
. وإنما يدركه المبصرون.
قال: وكل هذه التأويلات لا تقتضى منع الرؤية ولا استحالتها، وحيث تتطرّق التأويلات وتتسلط الاحتمالات، فليس للقطع سبيل، وكذلك وجوب الرؤية لنبينا ﷺ ، والقول بأنه رآه بعينه. فليس فيه قاطع أيضا ولا نصّ، إذ المعوّل فيه على آيتى النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبىّ ﷺ بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 5591
وأما المناجاة والكلام والقرب والدنوّ وما جاء من الكلام على مشكل هذا الحديث؛ فقد اختلف فى الوحى إلى رسول الله ﷺ ليلة الإسراء بقوله: (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
، وهل كان ذلك الوحى بواسطة أو بغير واسطة؟ فأكثر المفسرين على أن الموحى الله إلى جبريل، وجبريل إلى رسول الله ﷺ . [فذكر عن «١» ] جعفر بن محمد الصادق، قال: أوحى الله إليه بلا واسطة. ونحوه عن الواسطى، وإليه ذهب بعض المتكلمين وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس، وأنكره آخرون. وحكى النقاش عن ابن عباس عنه ﵇ فى قوله تعالى: (دَنا فَتَدَلَّى)
، قال: «فارقنى جبريل، وانقطعت الأصوات عنى فسمعت كلام ربى، وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد، ادن ادن» . وقد تقدم ذكر حديث الأذان، وقول الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدى، أنا أكبر، أنا أكبر.
وقد احتجوا بقوله تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ)
«٢» ، فقالوا: هى ثلاثة أقسام؛ من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، وأكثر أحوال نبينا ﷺ ، الثالث قوله: (وَحْياً)
. قالوا: ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة، وقد قيل: الوحى هنا ما يلقيه فى قلب النبىّ ﷺ دون واسطة، وكلام الله تعالى لمحمد ﷺ ومن اختصه من أنبيائه جائز غير ممتنع.
وأما قوله تعالى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى)
فأكثر المفسرين أن الدنوّ والتدلّى منقسم ما بين محمد وجبريل ﵉، أو مختص
стр. 5592
بأحدهما من الاخر، أو من سدرة المنتهى. وقال ابن عباس: هو محمد دنا فتدلى من من ربه. وقيل: معنى دنا قرب، وتدلّى: زاد فى الفرب، وقيل: هما بمعنى واحد أى قرب. وحكى مكىّ والماوردىّ عن ابن عباس، هو الربّ دنا من محمد فتدلى إليه، أى أمره وحكمه. وحكى النقاش عن الحسن، قال: دنا من عبده محمد ﷺ ، فقرب منه فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته.
قال وقال ابن عباس: هو مقدّم ومؤخر، تدلّى الرفرف «١» لمحمد ﷺ ليلة المعراج، فجلس عليه، ثم رفع فدنا من ربه. وفى الصحيح عن أنس بن مالك:
«عرج بى جبريل إلى سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه بما شاء، وأوحى إليه خمسين صلاة» . الحديث.
وعن محمد بن كعب: هو محمد دنا من ربه، فكان قاب قوسين. وقال جعفر ابن محمد: أدناه ربه منه، حتى كان منه كقاب قوسين، قال جعفر: والدنوّ من الله لا حدّ له، ومن العباد بالحدود. وقال أيضا: انقطعت الكيفية عن الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوّه، ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه، وزال عن قلبه الشك والارتياب! وقد تكلموا على مشكل هذا الحديث، فقال القاضى عياض ﵀: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنوّ والقرب هنا من الله وإلى الله فليس بدنوّ مكان ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا «٢» عن جعفر الصادق ليس بدنوّ حدّ، وإنما دنوّ النبىّ ﷺ من ربه، وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مسرة وتأنيس، وبسط
стр. 5593
وإكرام، ويتأوّل فيه ما يتأوّل فى قوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» على أحد الوجوه، نزول إفضال وإجمال، وقبول وإحسان. وقال الواسطى: من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثمّ مسافة، بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلّى بعدا، يعنى عن درك حقيقته، إذ لا دنوّ للحقّ ولا بعد.
وقوله: (قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى)
، فمن جعل الضمير عائدا إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحلّ، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد ﷺ ، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحفّى، وإنافة المنزلة والمرتبة من الله له، ويتأوّل [فيه «١» ] ما يتأوّل فى قوله: «من تقرّب منى شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن أتانى يمشى أتيته هرولة» ، قرب بالإجابة والقبول، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول.
وقد أخذ الكلام فى هذا المعنى حقّه، فلنذكر ما كان بعد الإسراء [من «٢» ] الأخبار.
ذكر ما كان بعد الإسراء من إنكار قريش لذلك وما أخبرهم رسول الله ﷺ ، من وصفه لهم البيت المقدّس، وإخباره لهم بخبر عيرهم، وارتداد من ارتدّ
روى الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقى بسنده عن شدّاد بن أوس رضى الله عنه، قال: قلنا يا رسول الله كيف أسرى بك؟ فذكر نحو ما تقدّم من خبر الإسراء، وفيه زيادة ونقص، قال: وفيه أن جبريل ﵇ أنزله فصلى بيثرب، ثم صلى
стр. 5594
بمدين عند شجرة موسى ﵇، ثم صلى ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم ﵇، ثم صلى فى المسجد الأقصى، وأنه ﷺ مرّ بعير لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيرا قد جمعه فلان، قال: «فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد» . قال: «ثم أتيت أصحابى قبل الصبح بمكة، فأتانى أبو بكر فقال:
يا رسول الله، أين كنت الليلة فقد التمستك فى مظانّك؟ فقلت «١» : علمت أنّى أتيت بيت المقدس الليلة؟. فقال: يا رسول الله، مسيرة شهر! فصفه لى، قال: «ففتح لى صراط كأنى أنظر إليه، لا يسألنى عن شىء إلا أنبأته عنه» . فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبى كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، فقال: «إن من آية ما أقول لكم أنى مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا، ينزلون بكذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم «٢» عليه مسح «٣» أسود، وغرارتان سوداوان» وإنهم أشرفوا ينظرون. فأقبلت العير نصف النهار على ما وصف لهم ﷺ .
وفى رواية يونس بن بكير فى زيادة المغازى: أنه ﷺ لما أخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى يجىء؟ قال: «يوم الأربعاء» . فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله ﷺ ، فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس.
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتنى فى الحجر وقريش تسألنى عن مسراى، فسألونى عن أشياء
стр. 5595
من بيت المقدس، لم أثبتها «١» فكربت كربا ما كربت مثله قطّ، فرفعه الله لى أنظر إليه ما يسألونى عن شىء إلا أنبأتهم به» .
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لما أسرى برسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح الناس يتحدّثون بذلك، فارتد ناس ممن آمنوا به وصدّقوه، وسعوا إلى أبى بكر فقالوا: هل لك فى صاحبك؟ يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل الصبح! قال: نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة، فلذلك سمى أبو بكر رضى الله عنه الصدّيق.
ذكر دعاء رسول الله ﷺ قبائل العرب فى المواسم
قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه إلى غير واحد، قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث سنين من أوّل نبوّته يدعو مستخفيا، ثم أعلن فى الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين؛ يوافى المواسم كل عام يتبع الحاجّ فى منازلهم بعكاظ ومجنّة، وذى المجاز «٢» يدعوهم؛ حتى بلّغ رسالة ربه تعالى، وأبو لهب يمشى وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، فيقول: «اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا» ، قال الواقدىّ:
فكان من سمّى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة «٣» ، وفزارة،
стр. 5596
وغسّان «١» ، ومرّة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وبنو البكّاء، وكندة، وكلب «٢» ، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
قال محمد بن إسحاق: حدّثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال:
سمعت ربيعة بن عبّاد يحدّث «٣» أبى قال: إنّى لغلام شابّ مع أبى بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: «يا بنى فلان، إنى رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما يعبد من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى وتصدّقونى وتمنعونى حتى أبين عن الله ما بعثنى به» ، قال: وخلفه رجل أحول وضىء له غديرتان، عليه حلّة عدنيّة، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بنى فلان؛ إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزّى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجنّ من بنى مالك بن أقيش؛ «٤» إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، قال: فقلت لأبى: يا أبت من هذا الرجل [الذى «٥» ] يتبعه ويردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.
قال ابن إسحاق: حدّثنى الزهرىّ أنه ﷺ أتى بنى عامر ابن صعصعة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب،
стр. 5597
ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له:
أفنهدف «١» نحورنا [للعرب دونك «٢» ] ؛ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه، فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السنّ، حتى لا يقدر أن يوافى معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدّثوه بما يكون فى ذلك الموسم، فلما قدموا عليه فى ذلك العام، سألهم عما كان فى موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش؛ ثم أحد بنى عبد المطلب، يزعم أنه نبىّ يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بنى عامر، هل لها من تلاف! هل لذناباها من مطلب «٣» ! والذى نفس فلان بيده، ما تقوّلها إسماعيلىّ قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.
قال: وحدّثنى عاصم بن عمر «٤» عن قتادة الأنصارى عن أشياخ من قومه قالوا:
قدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو بن عوف [مكة «٥» ] حاجا أو معتمرا؛ وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم: الكامل لجلده وشرفه ونسبه وشعره، فتصدّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى، فقال له رسول الله ﷺ :
وما الذى معك؟ قال: مجلة «٦» لقمان (يعنى حكمة لقمان) فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها علىّ؛ فعرضها عليه، فقال: «إن هذا لكلام حسن،
стр. 5598
لكن الذى معى أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله علىّ هو هدى ونور» . فتلا رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا لقول حسن؛ ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتله الخزرج، قال: فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل بعاث «١» .
قال ابن إسحاق أيضا: وحدّثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ عن محمود بن لبيد، قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من بنى الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ ، وأتاهم فجلس إليهم فقال: «هل لكم فى خير مما جئتم له» ؟، فقالوا: وما ذلك؟ قال: «أنا رسول الله، بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علىّ الكتاب» . قال: ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال لهم إياس بن معاذ- وكان غلاما حدثا-: أى قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من [تراب «٢» ] البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ؛ وقال: دعنا منك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ ، وانصرفوا إلى المدينة، فكان وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس ابن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرنى من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكّون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام فى ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع. والله أعلم.
стр. 5599
ذكر خبر مفروق بن عمرو وأصحابه وما أجابوا به رسول الله ﷺ عند دعائه قبائل العرب
روى الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى بسنده عن عبد الله بن عباس، قال: حدّثنى «١» علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم من فيه، قال: لما أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر رضى الله عنه، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدّم أبو بكر، وكان مقدّما فى كل خير، وكان رجلا نسابة، فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا من ربيعة، قال: وأى ربيعة أنتم؟ من هامها «٢» أم من لهازمها؟ فقالوا: بل من الهامة العظمى، [فقال أبو بكر: وأىّ هامتها العظمى «٣» ] أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر، قال: منكم عوف الذى يقال «٤» [له] : «لا حرّ بوادى عوف» ؟ قالوا:
لا، قال: فمنكم جسّاس بن مرّة، حامى الذمار، ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال:
فمنكم بسطام بن قيس، أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحوفزان «٥» قاتل الملوك، وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف «٦» صاحب العمامة الفردة، قالوا: لا؛ قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا.
стр. 5600
قال فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم من ذهل الأصغر. قال: فقام إليه غلام من بنى شيبان يقال له دغفل حين بقل «١» وجهه، فقال:
إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا نعرفه أو نحمله
يا هذا، إنك قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئا، فمن الرجل؟ قال أبو بكر:
أنا من قريش، فقال الفتى: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة، فمن أىّ القرشيين أنت؟
قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت والله الرّامى من سواء الثّغرة، أمنكم قصىّ الذى جمع القبائل من فهر؟ فكان يدعى فى قريش مجمعا؟ قال: لا، قال: فمنكم هاشم الذى هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف «٢» ؟ قال: لا، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذى كأنّ وجهه القمر يضىء فى الليلة الداجية؟ قال: لا، قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال:
لا، قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: لا، قال: فمن أهل الرّفادة أنت؟ قال:
لا، واجتذب أبو بكر زمام ناقته راجعا إلى رسول الله ﷺ ، فقال الغلام:
صادف درّ السيل درءا «٣» يدفعه ... يهيضه حينا وحينا يصرعه
стр. 5601
أما والله لو شئت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله ﷺ ، قال علىّ: فقلت: يا أبا بكر؛ لقد وقعت من الأعراب على باقعة «١» ، قال: أجل يا أبا الحسن، «ما من طامّة إلا وفوقها طامّة» ، و «البلاء موكل بالمنطق» .
قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدّم أبو بكر فسلم وقال:
ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال: بأبى وأمى هؤلاء غرر الناس! وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق قد غلبهم جمالا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه «٢» ، وكان أدنى القوم مجلسا، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جدّ؛ فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشدّ ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللّقاح «٣» ، والنصر من عند الله، يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلّك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله ﷺ ، ألا هو ذا، قال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك، وإلام تدعو يا أخا قريش؟
فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلّه بثوبه، فقال رسول الله ﷺ : «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
стр. 5602
وأن محمدا عبده ورسوله، وإلى أن تأوونى وتنصرونى، فإنّ قريشا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنىّ الحميد» .
فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ فو الله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلا رسول الله ﷺ : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
إلى قوله: (وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
«١» ، فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟
فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، قال: فتلا عليه رسول الله ﷺ :
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ)
، إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
، «٢» فقال مفروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك «٣» قوم كذبوك وظاهروا «٤» عليك- وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانئ بن قبيصة فقال:
وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا. قال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أوّل ولا آخر، إنه زلل فى الرأى، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزلّة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر فى العاقبة، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنّى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنّى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة فى تركنا ديننا، ومشايعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صيرين «٥» : اليمامة والسّمامة، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذان الصّيران» ؟. فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأمّا ما كان من أنهار كسرى؛ فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره
стр. 5603
غير مقبول، وأما ما كان مما يلى مياه العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا؛ أنا لا نحدث حدثا، ولا نأوى محدثا، فإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نأويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ : «ما أسأتم فى الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلّا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثّكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبّحون الله وتقدّسونه» ؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك، قال: فتلا رسول الله ﷺ : (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً)
«١» ) ، ثم نهض قابضا على يد أبى بكر وهو يقول: «يا أبا بكر، أيّة أخلاق فى الجاهلية ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم من بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم» ، قال: فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ ، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ قد سرّ بما كان من أبى بكر، ومعرفته بأنسابهم.
ذكر بيعة العقبة الأولى
قال محمد بن إسحاق: فلما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ [فى «٢» ] الموسم الذى لقى فيه الأنصار «٣» ، فعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: «من أنتم» ؟ قالوا:
стр. 5604
نفر من الخزرج، قال: «أمن موالى يهود» ؟ قالوا: نعم، قال «١» : «أفلا تجلسون أكلمكم» ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض [عليهم «٢» ] الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان يهود معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم؛ فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: إن نبيّا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلّموا والله أنه للنّبىّ الذى توعّد «٣» به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فتقدم عليهم فتدعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدّقوا.
قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى «٤» : فاختلف علينا فى أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب. فذكروا الرجل بعينه، وذكروا الرجلين، وذكروا أنه لم يكن أحد أوّل من الستة. وذكرهم.
وقال محمد بن عمر بن واقد: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم، وهو المجمع عليه، وهم من بنى النجّار: أسعد بن زرارة بن عدس، وعوف بن الحارث [وهو «٥» ] ابن عفراء. ومن بنى زريق: رافع بن مالك. ومن بنى سلمة بن سعد: قطبة
стр. 5605
ابن عامر بن حديدة. ومن بنى حرام بن كعب: عقبة بن عامر بن نابى. ومن بنى عبيد بن عدى بن ساعدة: جابر بن عبد الله؛ ولم يذكر ابن إسحاق غيرهم.
قال: ثم قدموا المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأسلم من أسلم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر رسول الله ﷺ .
قال الواقدى: وأوّل مسجد قرئ به القرآن بالمدينة مسجد بنى زريق.
والله أعلم.
ذكر بيعة العقبة الثانية (وقد ترجم عليها بعضهم بالأولى)
قال: فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا.
قال محمد بن سعد: ليس [فيهم «١» ] عندنا خلاف، فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، وكان من هؤلاء خمسة ممّن حضر البيعة الأولى من الستة المجمع عليهم، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر بن حديدة، ومنهم من وقع الاختلاف فيه:
هل شهد البيعة الأولى أو لم يشهدها؟ وهم ستة نفر: معاذ بن الحارث [وهو «٢» ] ابن عفراء، أخو عوف، وذكوان بن [عبد «٣» ] قيس بن خلدة، وعبادة بن الصامت ابن قيس، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس.
وممن لم يشهد البيعة الأولى بلا خلاف: العباس بن عبادة بن نضلة.
следующие страницы →