← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

سرية زيد بن حارثة إلى الطرف ٢٠٦ سرية زيد بن حارثة إلى حسمى ٢٠٧ سرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى ٢٠٨ سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ٢٠٩ سرية على بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفدك ٢٠٩ سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة ٢١٠ سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام اليهودى بخيبر ٢١١ سرية كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين ٢١٣ سريّة عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة ٢١٤ غزوة الحديبية ٢١٧ تجمع قريش للحرب ٢١٨ بعث رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعى إلى قريش بمكة ٢٢٦ بيعة الرضوان ٢٢٧ ذكر هدنة قريش، وما وقع فيها من الشروط ٢٢٩ رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ونزول سورة الفتح ٢٣٤ خبر أبى بصير بن أسيد بن جارية ٢٤٥ غزوة خيبر ٢٤٨ خبر بنى سهم حين أتوا رسول الله ﷺ ٢٥٥ فتح الوطيح والسلالم من حصون خيبر ٢٥٧

стр. 5742

تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر ٢٥٩ قسم غنائم خيبر ٢٦١ تسمية من قسم لهم رسول الله ﷺ من الكتيبة التى خرجت للخمس، وما أعطاهم منها ٢٦٣ خبر الحجاج بن علاط وما أوصله إلى أهل مكة عن رسول الله ﷺ حتى استوفى أمواله ٢٦٦ انصراف رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى، ونومهم عن صلاة الصبح ٢٦٨ سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ٢٧٠ سرية أبى بكر الصديق إلى بنى كلاب بنجد ٢٧١ سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك ٢٧٢ سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى الميفعة ٢٧٢ سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى يمن وجبار ٢٧٣ سرية ابن أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم ٢٧٤ سرية غالب بن عبد الله الليثى إلى بنى الملوح بالكديد ٢٧٤ سريته إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك ٢٧٦ سرية شجاع بن وهب الأسدى إلى بنى عامر بالسىّ ٢٧٦ سرية كعب بن عمير الغفارى إلى ذات أطلاح ٢٧٧ سرية مؤتة ٢٧٧ تسمية من استشهد من المسلمين يوم مؤتة ٢٨٣ سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ٢٨٣

стр. 5743

سرية أبى عبيدة بن الجرّاح، وهى سريّة الخبط ٢٨٤ سرية أبى قتادة بن ربعى الأنصارى إلى خضرة ٢٨٥ سريته إلى بطن إضم ٢٨٦ غزوة رسول الله ﷺ عام الفتح ٢٨٧ خبر حاطب بن أبى بلتعة فى كتابه إلى أهل مكة، وإعلام الله تعالى نبيه ﷺ بذلك وأخذه الكتاب، وما أنزل الله فى ذلك من القرآن ٢٩١ خروج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة ٢٩٦ خبر أبى سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة مع رسول الله ﷺ ٢٩٧ محبىء العباس بأبى سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ ، وإسلام أبى سفيان، وخبر الفتح ٢٩٩ دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكة صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة ٣٠٢ شعر ضرار بن الخطاب يوم الفتح ٣٠٤ من أمر رسول الله ﷺ بقتلهم يوم فتح مكة وسبب ذلك، ومن قتل منهم، ومن نجا بإسلامه ٣٠٧ إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم ابن مرة بن كعب ٣١٠ إسلام عبد الله بن الزبعرى وشعره فى ذلك ٣١١ دخول رسول الله ﷺ المسجد وطوافه بالبيت، ودخوله الكعبة، وما فعل بالأصنام ٣١٢

стр. 5744

سرية خالد بن الوليد إلى العزّى وهدمها ٣١٤ سرية عمرو بن العاص إلى سواع وكسره ٣١٥ سرية سعد بن زيد الأشهلى إلى مناة ٣١٥ سرية خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يوم الغميصاء ٣١٦ خبر عبد الله بن علقمة مع حبيشة ومقتله ٣١٧ غزوة حنين إلى هوازن وثقيف ٣٢٣ سرية الطفيل بن عمرو الدوسى إلى ذى الكفّين ٣٣٥ مسير رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، وقسم مغانم حنين، وما أعطاه المؤلّفة ٣٣٩ قدوم وفد هوازن على رسول الله ﷺ وإسلامهم وردّ السبابا إليهم ٣٤١ تسمية من بايع رسول الله ﷺ من قريش وغيرها عند قسم مغانم حنين ٣٤٥ مقالة الأنصار فى أمر قسم الفىء، وما أجابهم به رسول الله ﷺ ٣٤٦ استخلاف رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة، ورجوعه إلى المدينة ٣٤٨ سرية عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم ٣٤٨ خبر الوليد بن عقبة بن أبى معيط مع بنى المصطلق ٣٤٩ سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم ٣٥٠

стр. 5745

سرية الضحاك بن سفيان الكلابى إلى بنى كلاب ٣٥٠ سرية علقمة بن مجزّز المدلجى إلى الحبشة ٣٥١ سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الفلس ٣٥٢ سرية عكاشة بن محصن الأسدى إلى الجناب ٣٥٢ غزوة تبوك ٣٥٢ سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك ٣٥٦ خبر مرور رسول الله ﷺ بالحجر وما قاله لأصحابه ٣٥٨ أخبار المنافقين، وما تكلموا به فى غزوة تبوك، وما أنزل الله فيهم من القرآن ٣٥٩ خبر الثلاثة الذين خلّفوا، وما أنزل فيهم وفى المعذّرين من الأعراب ٣٦١ سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن ٣٦٨ سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أرض الشراة ٣٧٠ حجّ رسول الله ﷺ وعمره ٣٧١ خطبته فى حجة الوداع ٣٧٣ عمرة القضاء ٣٧٥

стр. 5746

الجزء السابع عشر [تتمة الفن الخامس في التاريخ] [تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية] [تتمة الباب الأول من القسم الخامس في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه التوفيق والإعانة ذكر غزوات رسول الله ﷺ وما يتصل بذلك من الوقائع التى لم تذكر فى حوادث السنين لتعلقها بالغزوات كانت غزوات رسول الله ﷺ التى حضرها بنفسه سبعا وعشرين غزّاة، كلّها بعد هجرته ﷺ إلى المدينة وهى: غزوة الأبواء، وهى غزوة ودّان، ثم غزوة بواط، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة ذى العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بنى قينقاع، ثم غزوة السّويق، ثم غزوة قرقرة الكدر، وهى غزوة بنى سليم، ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهى غزوة ذى أمر «١» ، ثم غزوة بنى سليم ببحران، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النّضير، ثم غزوة بدر الموعد «٢» ، ثم غزوة ذات الرّقاع، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، ثم غزوة الخندق، وهى غزوة الأحزاب، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان، ثم غزوة الغابة، وهى غزوة ذى قرد، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطّائف، ثم غزوة تبوك، ومنهم من عدّ عمرة القضاء مع الغزوات، وكانت بعد خيبر وقبل الفتح.

стр. 5747

قاتل رسول الله ﷺ من هذه الغزوات فى تسع، وهى: بدر الكبرى، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطّائف؛ وقيل: إنه قاتل فى بنى النّضير، والغابة. وسراياه ﷺ نحو من ستّين سريّة «١» . ذكر أوّل لواء عقده ﷺ كان أوّل لواء عقده رسول الله ﷺ لعمّه حمزة بن عبد المطلب فى شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لواء أبيض، حمله أبو مرثد كنّاز بن الحصين الغنوىّ، حليف حمزة، وبعثه رسول الله ﷺ فى ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض لعير «٢» قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام فى ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف «٣» البحر من ناحية العيص «٤» ، فالتّقوا، وصفّوا للقتال، فمشى مجدىّ بن عمرو الجهنىّ، وكان موادعا للفريقين جميعا، إلى هؤلاء مرة، وإلى هؤلاء مرة، حتى حجز بينهم. ذكر سرية عبيدة بن الحارث بن المطّلب إلى بطن رابغ بعثه رسول الله ﷺ فى شوّال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره فى ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وعقد له لواء أبيض،

стр. 5748

حمله مسطح بن أثاثة بن المطّلب بن عبد مناف. حكاه محمد بن سعد. قال ابن إسحاق: أو ثمانين رجلا من المهاجرين، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرة، فلقى به جمعا عظيما من قريش. قال الشيخ شرف الدين الدمياطىّ ﵀: فلقى أبا سفيان بن حرب، وهو فى مائتين، على ماء يقال له أحياء، من بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة، فكان بينهم الرّمى ولم يسلّوا السيوف ولم يصطفّوا للقتال، وكان سعد بن أبى وقّاص أوّل من رمى بسهم فى سبيل الله، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم «١» ؛ وكان على القوم عكرمة بن أبى جهل. وقال أبو محمد بن هشام: كان عليهم مكرز بن حفص ابن الأخيف. قال ابن إسحاق: وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانىّ حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنىّ حليف بنى نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما جاءا مع القوم ليتوصّلا بهم «٢» . وقدّم ابن إسحاق هذه السّريّة على سرية حمزة. ذكر سريّة سعد بن أبى وقّاص إلى الخرّار «٣» بعثه رسول الله ﷺ فى ذى القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجره فى عشرين رجلا من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهرانىّ، وساروا يتعرضون لعير قريش، وعهد إليه رسول الله ﷺ ألّا يجاوز الخرار. قال سعد: فخرجنا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل، حتى صبّحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرّت بالأمس.

стр. 5749

ذكر غزوة الأبواء «١» وهى غزوة ودّان «٢» وبينهما ستة أميال وهذه الغزوة أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، وكانت فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج فى المهاجرين ليس فيهم أنصارىّ حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش، فلم يلق كيدا. وفى هذه الغزاة وادع مخشىّ بن عمرو الضّمرىّ، وكان سيّدهم فى زمانه، على ألّا يغزو بنى ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا. وكانت غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة. ذكر غزوة بواط غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل على رأسه ثلاثة عشر شهرا من مهاجره «٣» وحمل لواءه سعد «٤» بن أبى وقّاص، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد «٥» بن معاذ. [وقال ابن هشام: استعمل عليها السائب بن عثمان بن مظعون.]

стр. 5750

وخرج فى مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش، فيها أميّة بن خلف الجمحىّ ومائة رجل من قريش وألف وخمسمائة بعير، فبلغ بواطا، وهى من جبال جهينة من ناحية رضوى، وهى قريب من ذى خشب مما يلى طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو من أربعة برد، فلم يلق كيدا، فرجع ﷺ «١» . ذكر غزوة بدر الأولى «٢» غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، لطلب كرز بن جابر الفهرىّ، وحمل لواءه على بن أبى طالب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كرز قد أغار على سرح «٣» المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالجمّاء، فطلبه رسول الله ﷺ حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يلحقه، فرجع إلى المدينة. ذكر غزوة ذى العشيرة العشيرة، بالشين المعجمة، وقيل بالسين المهملة، وقيل: العشيرا بالألف. غزاها رسول الله ﷺ فى جمادى الآخرة، على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومىّ.

стр. 5751

وخرج فى خمسين ومائة، ويقال فى مائتين من المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها «١» ، وخرج يعترض لعير قريش حين ابتدأت إلى الشام، فبلغ ذا العشيرة، وهى لبنى مدلج بناحية ينبع، فوجد العير التى خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهى العير التى خرج أيضا يريدها حين رجعت من الشام، فكانت فيها وقعة بدر الكبرى. وفى هذه الغزاة وادع رسول الله ﷺ بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة. وفيها كنّى رسول الله ﷺ عليا رضى الله عنه أبا تراب «٢» ، وقيل فى غيرها. ذكر سرّية عبد الله بن جحش الأسدى إلى نخلة بعثه رسول الله ﷺ فى شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجره فى اثنى عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان بعيرا. قال ابن إسحاق: وكتب [له «٣» ] رسول الله ﷺ كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ويمضى لما أمره به، ولا يستكره أحدا من أصحابه.

стр. 5752

قال: وكان معه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعكّاشة بن محصن، وعتبة ابن غزوان بن جابر، وسعد بن أبى وقّاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التّميمىّ، وخالد بن البكير أحد بنى سعد بن ليث، وسهيل بن بيضاء. هؤلاء الذين عدّهم ابن إسحاق؛ وكان معهم المقداد بن عمرو، حكاه محمد بن سعد. قال ابن إسحاق: فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت فى كتابى هذا فأمض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم» . فلما نظر عبد الله فى الكتاب قال: سمع وطاعة. ثم ذكر ذلك لأصحابه وقال لهم: قد نهانى رسول الله ﷺ أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشّهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ، فمضوا كلّهم، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضلّ سعد بن أبى وقّاص وعتبة بن غزوان بعيرهما، فتخلّفا فى طلبه، ومضى عبد الله وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما «١» وتجارة من تجارة قريش- قال ابن سعد: وخمرا- وفيها عمرو بن الحضرمىّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم؛ وكان عكّاشة حلق رأسه ليطمئن «٢» القوم؛ فأمنوا. وقال لهم «٣» عثمان: لا بأس عليكم منهم. قال: فسّرحوا ركابهم، وصنعوا طعاما. قال: فتشاور القوم فيهم، وذلك آخر يوم من شهر رجب، فقالوا: والله لئن

стр. 5753

تركتموهم فى هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به، وإن قتلتموهم لتقتلنّهم فى الشهر الحرام. فتردّد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجّعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم؛ فخرج واقد بن عبد الله يقدم المسلمين، فرمى عمرو بن الحضرمىّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل «١» بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ . فلما قدموا عليه قال: ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام. ووقّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا؛ فأسقط «٢» في يد القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم المسلمون فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال «٣» ، وأسروا الرجال؛ وأكثر الناس فى ذلك، فأنزل الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أى إن كنتم قتلتم فى الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم. (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ؛ أى قد كانوا يفتنون المسلمين فى دينهم حتى يردّوهم إلى الكفر بعد إيمانهم، فذاك أكبر عند الله من القتل.

стр. 5754

قال: فلما نزلت الآيات قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش فى فدائهما، فقال: لا. حتى يقدم صاحبانا، يعنى سعد ابن أبى وقّاص، وعتبة بن غزوان، فإنّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله ﷺ . فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فلحق بمكة، فكان بها حتى مات كافرا. قال: فلما تجلّى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا فى الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها اجر المجاهدين؟ فأنزل الله تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، قال: وقسم رسول الله ﷺ الفىء فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسه إلى الله ورسوله. قال ابن هشام: وهى أوّل غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمىّ أول من قتل المسلمون، وعثمان والحكم أول من أسر المسلمون. وفى هذه السريّة سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين. وقال عبد الله بن جحش فى هذه الواقعة، ويقال إنها لأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه؛ والذى صحّحه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش، أبياتا يخاطب بها قريشا: تعدّون قتلا فى الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد صدودكم عمّا يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد

стр. 5755

وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلّا يرى لله فى البيت ساجد فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باع وحاسد سقينا من ابن الحضرمىّ رماحنا ... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القدّ عاند «١» ذكر غزوة بدر الكبرى «٢» ، ويقال فيها بدر القتال، وما يتّصل بها كان سبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ سمع بإقبال أبى سفيان بن حرب من الشام فى العير التى لقريش، وهى التى خرج إليها فى غزوة ذى العشيرة، وكان فيها أموال قريش وتجاراتهم، وفيها منهم ثلاثون أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص بن وائل، فندب رسول الله ﷺ المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقل بعض. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس «٣» الأخبار، ويسأل من لقى من الرّكبان عن أمر رسول الله ﷺ تخوّفا على ما معه؛ فأخبره بعض الركبان: أن

стр. 5756

رسول الله ﷺ قد استنفر أصحابه لقصده، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارىّ؛ فبعثه إلى مكة، وأمره أن يستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها فى أصحابه؛ فأسرع ضمضم إلى مكة. ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب وخروج قريش إلى بدر قال محمد بن إسحاق ﵀ بسنده إلى عبد الله بن عبّاس، وعروة بن الزبير رضى الله عنهم. قالا: ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس، فقالت له: والله لقد رأيت رؤيا أفظعتنى وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ أو مصيبة، فاكتم عنى ما أحدّثك به، قال: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح «١» ، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يا آل غدر «٢» ! لمصارعكم فى ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينماهم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر! لمصارعكم فى ثلاث، ثم مثل به بعيره على

стр. 5757

رأس أبى قبيس «١» فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها مكة «٢» فلا دار منها إلا دخلتها منها فلقة؛ قال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا! وأنت «٣» فاكتميها. ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبه بن ربيعة، وكان صديقا له؛ فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة؛ ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريش. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام فى رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأت إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم؛ فقال لى أبو جهل: يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبيّة؟ قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت: وما رأت؟ فقال: يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبّأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! فقد زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب؛ قال العباس: فو الله ما كان منى إليه كبير إلا أنّى جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال: ثم تفرّقنا. فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم تكن

стр. 5758

عندك غيرة «١» لشىء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان منّى إليه من كبير؛ وأيم الله لأتعرّضنّ له، فإن عاد لأكفينّكنّه. قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنى لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال، فأوقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ «٢» ، فقلت فى نفسى: ما له لعنه الله! أكلّ هذا فرق منى أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره، قد جدع «٣» بعيره وحوّل رحله، وشقّ قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللّطيمة «٤» اللّطيمة! أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث! قال العباس: فشغلنى عنه، وشغله عنّى ما جاء من الأمر. فتجهّز الناس سراعا وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمىّ؟ كلّا! والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إمّا خارج، وإما باعث رجلا مكانه، وأوعبت «٥» قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلّب تخلّف، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت لأبى لهب عليه، فخرج عنه. وروى أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىّ فى كتابه المترجم بالأغانى «٦» بسند يرفعه إلى مصعب بن عبد الله قال:

стр. 5759

قامر أبو لهب العاصى بن هشام فى عشرة من الإبل فقمره «١» ، ثم فى عشرة فقمره، [ثم فى عشرة فقمره «٢» ] ، إلى أن خلعه من ماله فلم يبق له شيئا، فقال له: إنى أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطلب، فهلّم أقامرك يابن عبد المطلب، فأيّنا غلب كان عبد الصاحبه. قال: افعل، ففعل. فقمره أبو لهب، فكره أن يسترقّه فتغضب بنو مخزوم، فمشى إليهم فقال: افتدوه منى بعشرة من الإبل. فقالوا: لا والله ولا بوبرة. فاسترقّه، فكان يرعى له إبله إلى أن خرج المشركون إلى بدر. قال: وقال غير مصعب: فاسترقه واحتبسه قينا «٣» يعمل [الحديد «٤» ] . فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجه أبو لهب عنه لأنه كان عليلا، على أنه إن عاد أعنقه، فقبل العاصى. قال ابن اسحاق: وكان أميّة بن خلف قد أجمع القعود [وكان شيخا «٥» جليلا جسيما ثقيلا] فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس فى المسجد بين قومه بمجمرة «٦» ، فوضعها بين يديه، وقال: يا أبا علىّ، استجمر، فإنما أنت من النساء. فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهّز وخرج مع الناس. قال: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا. فكادوا ينثنون؛ فتبدّى لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك المدلجىّ، وكان من أشراف كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء مما تكرهونه فخرجوا سراعا. هذا ما كان من أمر قريش.

стр. 5760

ذكر خروج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين إلى بدر قال محمد بن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان. وقال محمد بن سعد: خرج يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله، ليصلّى بالناس، ثم ردّ أبا لبابة من الرّوحاء «١» واستعمله على المدينة، وخرج ﷺ فى ثلاثمائة رجل وخمسة عشر رجلا، كان من المهاجرين منهم أربعة وسبعون، وسائرهم من الأنصار بعد أن ردّ من أصحابه من استصغرهم، ولم يكن غزا بالأنصار قبلها. قال محمد بن سعد: وتخلّف من أصحاب رسول الله ﷺ ثمانية لعلّة، ضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم، وأجورهم؛ ثلاثة من المهاجرين: وهم عثمان بن عفان، خلّفه رسول الله ﷺ على امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فأقام عليها حتى ماتت، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، بعثهما يتحسّسان خبر العير، وخمسة من الأنصار، وهم: أبو لبابة بن عبد المنذر، خلّفه على المدينة، وعاصم بن عدىّ، خلّفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب، رده من الرّوحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشىء بلغه عنهم، والحارث بن الصّمة، وخوّات بن جبير، كسرا بالرّوحاء.

стр. 5761

وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله ﷺ ، وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومرثد ابن أبى مرثد الغنوىّ يعتقبون بعيرا. قال محمد بن سعد يرفعه إلى ابن مسعود قال: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة، وعلىّ، زميلى رسول الله ﷺ ، فكان إذا كانت عقبة النبى ﷺ قالا له: اركب يا رسول الله حتى تمشى عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى على المشى منّى، وما أنا أغنى عن الأجر منكما.» قال ابن إسحاق: وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا؛ وكان أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، يعتقبون بعيرا. قال ابن سعد: وكانت الخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد ابن أبى مرثد الغنوىّ. قال ابن إسحاق: وفرس للزّبير بن العوّام. قال: ودفع رسول الله ﷺ اللّواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أبيض، قال: وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب، والأخرى مع الأنصار. قال ابن سعد: وكان لواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله ﷺ على السّاقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار. قال: ولما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 5762

قريبا من الصّفراء» بعث بسبس بن عمرو، وعدىّ بن أبى الزّغباء الجهنيّين إلى بدر يتحسّسان له الأخبار عن أبى سفيان وعيره. ثم ارتحل ﷺ إلى ذفران- واد يسار الصّفراء- وأتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله! فنحن معك فو الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد «٢» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له. ثم قال: أشيروا علىّ أيها الناس- وإنما يريد الأنصار لأنهم عدد الناس- فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل؛ قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذى بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللّقاء،

стр. 5763

لعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فقال ﷺ : «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم» . ثم ارتحل ﷺ من ذفران «١» حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبرانى من أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أخبرتنا أخبرناك. قال: أو ذاك بذاك؟ قال نعم. قال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذى أخبرنى فهم «٢» اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذى ترك به رسول الله ﷺ أصحابه- وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذى به قريش- ثم قال: من أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ : نحن من ماء. ويقال: إن الشيخ سفيان الضّمرىّ. قال: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علىّ بن أبى طالب، والزّبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له عليه الخبر، فأصابوا راوية «٣» لقريش فيها أسلم، غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بنى العاص، فأتوا بهما؛ فسألهما رسول الله ﷺ عن قريش، فقالا: هم وراء هذا الكئيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: كم القوم؟ قالا: كثير؛ قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندرى.

стр. 5764

قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: تسعا، ويوما عشرا؛ فقال رسول الله ﷺ : القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترىّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدىّ بن نوفل، والنّضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت أفلاذ كبدها. قال: وبلغ أبا سفيان الخبر بمقدم رسول الله ﷺ ، وقد ورد ماء بدر، فرجع إلى أصحابه سريعا وصرف وجه عيره عن الطريق، فساحل بها «١» ، وترك بدرا يساره، وانطلق. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة «٢» ، رأى جهيم بن الصّلت بن مخرمة ابن عبد المطلب رؤيا فقال: إنّى فيما يرى النائم، أو إنى «٣» لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان، فعدد رجالا ممّن كان قتل يوم بدر من أشراف قريش، ورأيته ضرب فى لبّة بعيره، ثم أرسله فى العسكر، فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح «٤» من دمه. قال: فبلغت أبا جهل بن هشام فقال: وهذا أيضا نبىّ آخر من بنى عبد المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.

стр. 5765

قال: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا؛ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا؛ وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم فيه سوق فى كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان «١» ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعينا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا. فمضت قريش حتى نزلوا العدوة «٢» القصوى من الوادى، والقلب «٣» ببدر فى العدوة «٤» الدنيا، قال: وبعث الله السماء، وكان الوادى دهسا «٥» ، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير. وقال ابن سعد: كان المسلمون يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على كثيب «٦» أهيل، فمطرت السماء فصار مثل الصّفا «٧» يسعون عليه سعيا. وأنزل الله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ «٨» النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) . قال ابن إسحاق: وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء

стр. 5766

من ماء بدر نزل به، فأتاه الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا رسول الله، هذا المنزل منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله ﷺ : «بل الرأى والحرب والمكيدة» . قال يا رسول الله: فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فنزله، ثم نعوّر «١» ما وراءه من القلب، ثم نبتنى عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أشرت بالرأى» ، فنهض بالناس وسار حتى [إذا «٢» ] أتى أدنى ماء من القوم، نزل عليه؛ ثم أمر بالقلب فعوّرت، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. فقال سعد بن معاذ: يا نبىّ الله، نبتنى لك عريشا «٣» تكون فيه، وتكون عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام ما نحن بأشدّ لك حبّا منهم، ولو ظنّوا أن تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك؛ فأثنى رسول الله ﷺ عليه خيرا، ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش، فمكان فيه. قال: وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلمّا رآها رسول الله ﷺ قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «٤» وفخرها، تحادّك «٥» وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى، اللهم أحنهم «٦» الغداة.»

стр. 5767

قال ابن سعد: كانت قريش تسعمائة وخمسين، وخيلهم مائة فرس، وكان لهم ثلاثة ألوية؛ لواء مع أبى عزيز بن عمير، ولواء مع النّضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبى طلحة. قال ابن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار وغيره، عن أشياخ من الأنصار، قال: لما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحىّ فقالوا: احزر «١» لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلونى حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد؟ قال: فضرب فى الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا «٢» تحمل المنايا، نواضح «٣» يثرب تحمل الموت الناقع «٤» ، قوم ليس معهم [منعة «٥» ] ولا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم خرصا لا يتكلّمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعى؛ والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس؛ فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيّدها، والمطاع فيها، هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمىّ. قال: قد فعلت، علىّ عقله «٦» ؛ فأت ابن الحنظليّة، يعنى أبا جهل بن هشام، قال: فأتيته فقلت: يا أبا الحكم، قد أرسلنى إليك عتبة

стр. 5768

بكذا وكذا، فقال: انتفخ والله سحره «١» حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثارك بعينك، فقم فأنشد خفرتك «٢» ومقتل أخيك. فقام عامر فاكتشف «٣» ثم صرخ: واعمراه! وا عمراه! فحميت الحرب» وحقب «٥» أمر الناس، واستوسقوا «٦» على ما هم عليه من الشر. قال: فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومىّ، وكان رجلا شرسا سيّء الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه، أو أموتنّ دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ «٧» قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، ثم جاء إلى الحوض يريد أن يبرّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله. ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا برز من الصفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه ثلاثة من الأنصار، وهم: عوف ومعوّذ ابنا الحارث، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار؛ قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأخرج لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 5769

عمّه حمزة بن عبد المطلب، وعلىّ بن أبى طالب، وعبيدة بن الحارث، فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فسمّى كل رجل منهم نفسه، قالوا: نعم أكفاء كرام؛ فبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعلىّ فإنهما لم يمهلا مبارزيهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت «١» صاحبه، وكرّ حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا «٢» عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه «٣» إلى أصحابه. قال محمد بن سعد: وفى عبيدة وعتبة نزل قوله تعالى: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) . قال: ثم زحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة. وعدّل رسول الله ﷺ الصّفوف، ورجع إلى العريش، فدخله هو وأبو بكر الصدّيق ليس معه غيره فيه، وهو ﷺ يناشد «٤» ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، وأبو بكر يقول: يا نبىّ الله، بعض مناشدتك ربّك، فإن الله منجزك ما وعدك. وخفق «٥» رسول الله ﷺ خفقة ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع «٦» .

стр. 5770

قال ابن إسحاق: ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، وكان أول قتيل قتل من المسلمين، ثم رمى حارثة بن سراقة، أحد بنى عدىّ بن النجّار، وهو يشرب فى الحوض بسهم، فأصاب نحره، فقتل. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس يحرّضهم، وقال: «والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» ، فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة، وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ «١» ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل. وقال عوف بن الحارث- وهو ابن عفراء- يا رسول الله: ما يضحك «٢» الربّ من عبده؟ قال: غمسه يده فى العدوة حاسرا. فنزع درعا كانت عليه، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل. قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال: شاهت «٣» الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا؛ فكانت الهزيمة على قريش، فقتل الله من صناديد قريش من قتل، وأسر من أسر. قال محمد بن سعد: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لما نزلت: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ، قلت: وأىّ جمع يهزم ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله ﷺ يثب فى الدرع وثبا وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ، فعملت أن الله تعالى سيهزمهم.

стр. 5771

قال: ولمّا وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ [فى العريش «١» ] وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، متوشّح السيف، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ ، يخافون عليه كرّة العدوّ، فرأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: لكأنّى بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؛ قال: أجل: والله يا رسول الله، كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهل الشّرك، فكان الإثخان فى القتل أحبّ إلىّ من استبقاء الرجال. وفى هذا اليوم أنزل الله تعالى الملائكة فقاتلوا مع المسلمين. قال محمد بن سعد: لما صفّ رسول الله ﷺ أصحابه وعبّأهم للحرب، جاءت ريح لم ير مثلها شدّة ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل ﵇ فى ألف من الملائكة مع رسول الله ﷺ ، والثانية ميكائيل ﵇ فى ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله ﷺ ، والثانية ميكائيل ﵇ فى ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ ، والثالثة إسرافيل فى ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ ، وكان سيما الملائكة يومئذ عمائم قد أرخوها بين أكتافهم: خضر وصفر وحمر من نور، والصّوف فى نواصى خيلهم، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: إنّ الملائكة قد سوّمت فسوّموا. فأعلموا بالصوف فى مغافرهم «٢» وقلانسهم. قال: وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق. وقال ابن إسحاق: حدّثنى عبد الله بن أبى بكر أنه حدّث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: حدّثنى رجل من بنى غفار قال:

стр. 5772

أقبلت أنا وابن عمّ لى حتى أصعدنا فى جبل يشرف [بنا «١» ] على بدر [ونحن مشركان «٢» ] ننظر الوقعة على من تكون الدائرة «٣» ، ننتهب مع من ينتهب، فبينما نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم «٤» حيزوم. قال: فأمّا ابن عمى فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه. وأما أنا فكدت أن أهلك، ثم تماسكت. وروى ابن إسحاق عن أبى أسيد مالك بن ربيعة- وكان شهد بدرا- قال- بعد أن ذهب بصره-: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشّعب «٥» الذى خرجت منه الملائكة، لا أشكّ ولا أتمارى «٦» . وعن أبى داوود المازنىّ، قال: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قتله غيرى. وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها فى ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا، وفى حديث آخر عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم. إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: لم تقاتل الملائكة فى يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون.

стр. 5773

قال: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر: أحد أحد. قال ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز وهو [يقاتل «١» و] يقول: ما تنقم الحرب العوان منّى ... بازل عامين حديث سنّى «٢» . لمثل هذا ولدتنى أمّى قال: فلما فرغ رسول الله ﷺ من عدوّه أمر أن يلتمس أبو جهل بن هشام فى القتلى، فمرّ به عبد الله بن مسعود، قال: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلى على عنقه، فقال لى: لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا، ثم قال: أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ فقلت: لله ولرسوله؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدوّ الله أبى جهل؛ فقال: الله «٣» الذى لا إله غيره؟ قلت: نعم والله الذى لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله ﷺ . وعن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا فى القليب، طرحوا فيه إلا أميّة بن خلف فإنه انتفخ فى درعه فملأها فذهبوا ليحرّكوه فتزايل «٤» ، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة، قالت: ولما ألقوا فى القليب، وقف رسول الله ﷺ فقال: «يأهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدنى

стр. 5774

ربى حقا» قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟ فقال لهم: «لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» . وعن أنس رضى الله عنه نحوه، إلا أنّ فيه: فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيّفوا «١» ؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم «٢» ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبونى» . قال ابن إسحاق: وكان الفتية الذين قتلوا ببدر- فنزل فيهم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً) - الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أميّة بن خلف، والعاص ابن منبّه. وذلك أنهم كانوا أسلموا بمكة، فلما هاجر رسول الله ﷺ حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا، ثم خرجوا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا كلّهم. قال: ثم أمر رسول الله ﷺ بما فى العسكر ممّا جمع الناس فجمع، واختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا؛ وقال الذين كفروا يقاتلون العدوّ: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم؛ وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مخافة أن يخالف إليه العدوّ: ما أنتم بأحقّ منّا، لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذا منحنا الله

стр. 5775

أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنّا خفنا على رسول الله ﷺ كرّة العدوّ فقمنا دونه، فما أنتم أحقّ به منا. فأنزل الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) ، نزلت السورة بجملتها فى غزوة بدر. قال: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين والنّفل «١» ، وجعل على النّفل عبد الله بن كعب المازنىّ، فلما خرج رسول الله ﷺ من مضيق الصفراء، نزل على كثيب بين المضيق «٢» وبين النازية «٣» ، يقال له: سير، إلى سرحة «٤» [به «٥» ] وهو من المدينة على ثلاث ليال، فقسم هناك النّفل الذى أفاء الله على المسلمين على السواء. قال ابن سعد: وتنفّل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار، وكان لمنبّه بن الحجّاج، فكان صفيّه يومئذ؛ وأخذ رسول الله ﷺ سهمه مع المسلمين، وفيه جمل أبى جهل بن هشام، وكان مهريّا «٦» ، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة بشيرا إلى المدينة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية. قال ابن سعد يرفعه إلى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت،

стр. 5776

فدعا لهم رسول الله ﷺ حين خرجوا، فقال: «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم» . ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا، وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، فاكتسبوا وشبعوا. وقال يرفعه إلى عكرمة قال: قيل لرسول الله ﷺ لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شىء، فناداه العباس: إنه لا يصلح ذلك لك، قال: لم؟: قال: لأنّ الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، فقد أعطاك ما وعدك. ذكر ورود الخير بمصاب أهل بدر على من بمكة من كفار قريش وهلاك أبى لهب بن عبد المطلب قال ابن إسحاق: كان أوّل من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعىّ، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، وأبو البخترىّ، وجعل يعدّد أشراف قريش، فقال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر،: والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالس فى الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد داخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه [وكان

стр. 5777

ذا مال كثير متفرّق فى قومه «١» ] . وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص ابن هشام بن المغيرة [وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا «٢» ] ، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كتبه «٣» الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوّة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أنحت الأقداح فى حجرة زمزم، فو الله إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ، حتى جلس على طنب «٤» الحجرة، وكان ظهري إلى ظهره، فبينما هو جالس إذ قال الناس «٥» : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقال أبو لهب: هلمّ إلىّ، فعندك لعمرى الخير. قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يابن أخى، أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق «٦» شيئا ولا يقوم لها شىء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة [بيدى «٧» ] ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، فثاورته «٨» فاحتملنى، فضرب بى الأرض، ثم برك على صدرى، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت «٩» رأسه شجّة منكرة، وقالت:

стр. 5778

أتستضعفه أن غاب عنه سيده؟ فقام مولّيا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة «١» فقتلته. وقالت قريش فى قتلى بدر مراثى كثيرة ذكرها ابن هشام وغيره، تركنا إيرادها رغبة فى الاختصار، ولأنه ليس تحت ذلك كبير فائدة فيما نحن بصدده، إلا أنها تشهد بقتل من قتل ممن نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر تسمية من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار مع رسول الله ﷺ كان جميع من شهد بدرا مع رسول الله ﷺ من المسلمين ومن ضرب له فيها بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون «٢» ، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون. فأما من شهد بدرا من المهاجرين، ومن ضرب له بسهمه وأجره، فشهدها من بنى هاشم بن عبد مناف اثنا عشر رجلا، وهم: سيدنا رسول الله ﷺ ، وحمزة بن عبد المطلب، وعلىّ بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة، وأنسة الحبشى، وأبو كبشة الفارسى، موالى رسول الله ﷺ ، وأبو مرثد كنّاز بن حصين، وابنه مرثد، حليفا حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه: الطفيل، والحصين، ومسطح، واسمه عوف بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب «٣» .

стр. 5779

ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف وحلفائهم خمسة عشر رجلا، وهم: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولاه. ومن حلفائهم من بنى أسد ابن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب، وعكّاشة بن محصن، وشجاع بن وهب ابن ربيعة، وأخوه عقبة، ويزيد بن رقيش «١» بن رئاب، وأبو سنان بن محصن ابن حرثان «٢» أخو عكّاشة، وابنه سنان، ومحرز بن نضلة بن عبد الله وربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو. ومن حلفائهم بنى كبير «٣» بن غنم بن دودان بن أسد: ثقف بن عمرو، وأخواه مالك، ومدلج «٤» ، وهم من بنى حجر آل بنى سليم، وأبو مخشى، حليف لهم. ومن بنى نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما: عتبة بن غزوان، وخبّاب مولاه. ومن بنى أسد بن عبد العزّى ثلاثة نفر، وهم: الزبير بن العوّام وحاطب بن أبى بلتعة، وسعد مولاه. ومن بنى عبد الدار رجلان، وهما: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويبط بن سعد بن حريملة، ويقال: ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السّبّاق بن عبد الدار.

стр. 5780

ومن بنى زهرة بن كلاب وحلفائهم تسعة نفر، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقّاص، وأبو وقّاص مالك بن أهيب «١» ، وأخوه عمير بن أبى وقّاص. ومن حلفائهم: المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وعبد الله بن مسعود ابن الحارث، ومسعود بن ربيعة بن عمرو، وذو الشّمالين «٢» عمير بن عبد عمرو بن نضلة، وخبّاب بن الأرتّ. ومن بنى تميم بن مرّة ومواليهم أربعة نفر، وهم: أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، ومواليه، بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وصهيب بن سنان. ومن بنى مخزوم خمسة نفر، وهم: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وشمّاس بن عثمان بن الشّريد، واسم شمّاس عثمان، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبو الأرقم هو عبد مناف بن أسد، وعمّار بن ياسر، ومعتّب بن عوف بن عامر حليف لهم. ومن بنى عدىّ بن كعب وحلفائهم اثنا عشر رجلا، وهم: عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وأخوه زيد، ومهجع مولى عمر، وعمرو بن سراقة بن المعتمر وأخوه عبد الله، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين، حليف لهم، [وعامر «٣» ابن البكير، وأخواه خالد، وإياس، حلفاء بنى عدىّ، وخولىّ بن أبى خولىّ، وأخوه مالك، حليفان لهم- ومنهم من عدّ هلال بن أبى خولى- وعامر بن أبى ربيعة، حليف لهم] .
следующие страницы →