Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
قال ابن إسحق بسنده إلى ابن عباس: فقدم وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله «١» ، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه. قال: وكان ضمام رجلا جلدا «٢» أشعر ذا غديريتين، فأقبل حتّى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال أيّكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ :
«أنا ابن عبد المطلب» . قال: أمحمّد؟ قال: «نعم» . قال: يابن عبد المطلب! إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسئلة، فلا تجد «٣» في نفسك. قال: «لا أجد فى نفسى، فاسأل عما بدا لك» قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: «اللهمّ نعم» قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله امرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللهمّ نعم» . قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلّى هذه الصلاة الخمس؟ قال: «نعم» .
قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزّكاة، والصّيام، والحج وشرائع الإسلام كلّها، ينشده عن كلّ فريضة منها كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنّى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وسأودّى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله ﷺ : «إن صدق ذو العقيصتين «٤» دخل الجنة»
стр. 6162
قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلم به: بئست اللّات والعزّى! فقالوا: مه يا ضمام! اتّق البرص، اتق الجذام، اتّق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا ينفعان ولا يضران، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا، فاستنقذكم «١» به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه، قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم فى حاضره «٢» رجل أو امرأة إلا مسلما.
قال: يقول عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
ذكر وفد أشجع
قال «٣» : وقدمت أشجع على رسول الله ﷺ عام الخندق، وعام الخندق سنة خمس من الهجرة، وهم مائة، رأسهم مسعود «٤» بن رخيلة بن نويرة ابن طريف، فنزلوا شعب سلع «٥» ، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد! لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منّا، ولا أقلّ عددا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك، فجئنا نوادعك، فوادعهم.
ويقال: بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله ﷺ من بنى قريظة، وهم سبعمائة فوادعهم. ثم أسلمو بعد ذلك.
стр. 6163
ذكر وفد خشين
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: قدم أبو ثعلبة الخشنىّ على رسول الله ﷺ وهو يتجهّز إلى خيبر، فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبى ثعلبة، فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم.
ذكر وفد الأشعرين
قالوا: وقدم الأشعرون «١» على رسول الله ﷺ ، وهم خمسون رجلا؛ منهم أبو موسى الأشعرى، ومعهم رجلان من عكّ. وقدموا فى سفن فى البحر، وخرجوا بجدّة، فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون:
غدا نلقى الأحبّة ... محمّدا وحزبه
ثم قدموا فوجدوا رسول الله ﷺ فى سفره بخيبر، فلقوه ﷺ فبايعوه وأسلموا؛ فقال رسول الله ﷺ : «الأشعرون فى الناس كصرّة فيها مسك» «٢» .
ذكر وفد سليم
قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بنى سليم، يقال له قيس ابن نسيبة «٣» ، فسمع كلامه، وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كلّه، ودعاه رسول الله
стр. 6164
صلى الله عليه وسلّم إلى الإسلام، فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: قد سمعت برجمة «١» الروم، وهينمة «٢» فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعونى وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ﷺ ، فلقوه بقديد «٣» وهم سبعمائة. ويقال:
كانوا ألفا. وفيهم العباس بن مرداس السّلمى، وأنس بن عبّاس بن رعل، وراشد بن عبد ربه «٤» ، فأسلموا وقالوا: اجعلنا فى مقدّمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدّم «٥» ، ففعل ذلك بهم. وأعطى رسول الله ﷺ راشدا رهاطا «٦» وفيها عين يقال لها عين الرّسول. قال: وكان راشد يسدن «٧» صنما لبنى سليم، فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه، فقال:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
ثم شدّ عليه فكسره. وأتى النبى ﷺ ، فقال له: «ما اسمك» ؟
قال: غاوى بن عبد العزّى، فقال: «أنت راشد بن عبد ربّه» فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح. فقال رسول الله ﷺ : «خير بنى سليم راشد» وعقد له على قومه.
стр. 6165
وروى محمد بن سعد أيضا، عن هشام بن محمد، قال حدّثنى رجل من بنى سليم من بنى الشّريد، قال: وفد رجل منا يقال له قدد «١» بن عمّار على النبى ﷺ ، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل؛ وأنشأ يقول:
شددت يمينى إذ أتيت محمّدا ... بخير يد شدّت بحجزة مئزر
وذاك امرؤ قاسمته نصف دينه ... وأعطيته كفّ «٢» امرئ غير أعسر
ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، وخلّف فى الحىّ مائة، وأقبل يريد النبىّ ﷺ فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه؛ وهم: عباس بن مرداس وأمّره على ثلاثمائة، وجبّار بن الحكم وأمره على ثلاثمائة، والأخنس بن يزيد وأمّره على ثلاثمائة. وقال: ايتوا هذا الرحل حتى تقضوا العهد الذى فى عنقى ثم مات، فمضوا حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، فقال: «أين الرجل الحسن الوجه، الطويل اللسان، الصادق الأيمان» ؟.
قالوا: يا رسول الله! دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره؛ فقال: «أين تكملة الألف الذين عاهدنى عليهم» ؟. قالوا: خلّف مائة فى الحىّ مخافة حرب «٣» كان بيننا وبين بنى كنانة، قال: «ابعثوا إليها فإنه لا يأتيكم فى عامكم هذا شىء تكرهونه» . فبعثوا إليها فأتته بالهدّة «٤» وعليها المنقع «٥» بن مالك بن أمية، فشهدوا مع رسول الله ﷺ الفتح وحنين. وللمنقع يقول العباس بن مرداس:
القائد المائة التى وفّى بها ... تسع المئين فتمّ ألف أقرع «٦»
стр. 6166
وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة خنساء بنت عمرو بن الشّريد السّلمية الشاعرة- واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رباح بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم- أنها قدمت على رسول الله ﷺ مع قومها من بنى سليم فأسلمت معهم. قال: فذكروا أن رسول الله ﷺ كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول:
«هيه «١» يا خناس» ويومئ «٢» بيده. وشهدت الخنساء القادسيّة مع بنيها الأربعة.
وسنذكر إن شاء الله خبرها معهم يوم القادسية، ووصيتها لهم فى الحرب فى خلافة عمر بن الخطاب، عند ذكرنا لفتح القادسية.
ذكر وفد دوس «٣»
قالوا: لمّا أسلم الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ- كما تقدم- دعا قومه فأسلموا، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت. وفيهم أبو هريرة وعبد الله ابن أزيهر الدّوسىّ، ورسول الله ﷺ بخيبر، فساروا إليه فلقوه هناك، فيقال: إنه قسم لهم من غنائم خيبر، ثم قدموا معه المدينة. فقال الطّفيل ابن عمرو: يا رسول الله! لا تفرّق بينى وبين قومى، فأنزلهم حرّة «٤» الدّجاج، فقال أبو هريرة حين خرج من دار قومه:
стр. 6167
يا طولها من ليلة وغنائها ... على أنّها «١» من بلدة الكفر نجّت
وقال عبد الله بن أزيهر: يا رسول الله! إن لى فى قومى سلطة ومكانا فاجعلنى عليهم، فقال رسول الله ﷺ : «يا أخادوس، إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، فمن صدق الله نجا، ومن آل إلى غير ذلك هلك.
إن أعظم قومك ثوابا أعظمهم صدقا، ويوشك الحقّ أن يغلب الباطل» .
وروى أبو عمر بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: بلغنى أنّ دوسا إنّما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك الأنصارى الخزرجى:
قضينا من تهامة كلّ وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السّيوفا «٢»
نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا
[فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف «٣» ] .
ذكر وفد أسلم
قالوا: قدم عمير بن أفضى فى عصابة من أسلم، فقالوا: لقد آمنا بالله ورسوله، واتّبعنا منهاجك، فاجعل لنا عندك منزلة، تعرف العرب فضيلتنا، فإنّا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنّصر فى الشّدّة والرّخاء، فقال رسول
стр. 6168
الله ﷺ : «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها» . وكتب رسول الله ﷺ لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السّيف «١» والسّهل كتابا؛ فيه ذكر الصدقة والفرائض فى المواشى. وكتب الصّحيفة ثابت ابن قيس، وشهد أبو عبيدة وعمر بن الخطاب رضى الله عنهم.
ذكر وفد جذام
قالوا: قدم رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامىّ «٢» ، ثم أحد بنى الضّبيب على رسول الله ﷺ فى الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدا وأسلم، فكتب له رسول الله ﷺ كتابا؛ فيه: «هذا كتاب من محمد رسول الله، لرفاعة بن زيد إلى قومه، ومن دخل معهم، يدعوهم إلى الله، فمن أقبل ففى حزب الله، ومن أبى فله أمان شهرين» فأجابه قومه وأسلموا. قال ابن إسحق وغيره: وبعث فروة بن عمرو بن النّافرة الجذامىّ، ثم النّفاثىّ إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، واسم رسوله مسعود بن سعد وهو من قومه، فقرأ رسول الله ﷺ كتابه، وقبل هديته، وأجاز رسوله باثنتى عشرة أوقية ونشّ «٣» ، وكتب إلى فروة جواب كتابه. وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان «٤» وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه فحبسوه عندهم؛ فقال: فى محبسه ذلك:
стр. 6169
طرقت سليمى موهنا أصحابى ... والرّوم بين الباب والقروان «١»
صدّ الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفى «٢» وقد أبكانى
لا تكحلنّ العين بعدى إثمدا «٣» ... سلمى ولا تدننّ للإتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنّنى ... وسط الأعزّة لا يحصّ «٤» لسانى
فلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفنّ مكانى
ولقد جمعت أجلّ ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان
قال: فلما أجمعت الرّوم لصلبه على ماء لهم بفلسطين يقال له عفراء «٥» قال:
ألا هل أتى سلمى بأنّ حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرّواحل «٦»
على ناقة لم يضرب الفحل أمّها ... مشذّبة أطرافها بالمناجل
قال: ولما قدّموه ليضربوا عنقه قال:
أبلغ سراة المؤمنين بأنّنى ... سلم لربىّ أعظمى ومقامى
فضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء.
هذا ما تلخص لنا من أخبار من وفد بعد الهجرة وقبل الفتح، فلنذكر من وفد بعد الفتح.
стр. 6170
ذكر من وفد على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة شرّفها الله تعالى وعظمها
ولنبدأ من ذلك ب ذكر وفد ثعلبة ؛ لأنه أوّل وفد كان بعد الفتح. ثم نذكر من وفد فى سنة تسع من الهجرة وما بعدها، ونورده نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد فى طبقاته، إلا أنا نستثنى منهم من قدّمنا ذكره بحكم سابقتهم، وتقدّم إسلامهم.
ذكر وفد ثعلبة
قال أبو عبد الله محمد بن سعد ﵀: لمّا قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة «١» ، فى سنة ثمان من الهجرة، قدم عليه أربعة نفر، وقالوا:
نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرّون بالإسلام، فأمر لهم رسول الله ﷺ بضيافة، وأقاموا أياما ثم جاءوا ليودّعوه فأمر بلالا أن يجيزهم، كما يجيز الوفد، فجاء بنقر «٢» من فضّة فأعطى كل رجل منهم خمس أواق، وقال:
«ليس عندنا دراهم» وانصرفوا إلى بلادهم.
ذكر وفد أسد
قال محمد بن سعد: قدم عشرة رهط من بنى أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ ، فى أوّل سنة تسع من الهجرة، فيهم حضرمىّ بن عامر، وضرار ابن الأزور، فقال حضرمىّ: يا رسول الله! أتيناك نتدرّع الليل البهيم «٣» ، فى سنة
стр. 6171
شهباء «١» ، ولم تبعث إلينا بعثا، فنزل فيهم قوله : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» .
قال: وكان معهم قوم من بنى الزّنية وهم بنو مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان ابن أسد، فقال لهم رسول الله ﷺ : «أنتم بنو الرّشدة» .
وقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبىّ ﵀: إنّ نفرا من بنى أسد، ثم من بنى الحلاف «٣» بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فى سنة جدبة، فأظهروا شهادة أن لا إله إلا الله، ولم يكونوا مؤمنين فى السّر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله ﷺ ، ويقولون: أتتك الرب بأنفسها، على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذّرارىّ- يمنّون على رسول الله ﷺ ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ويريدون الصّدقة، ويقولون:
أعطنا. فأنزل الله فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «٤»
الآيات. وقيل: نزلت فى الأعراب: مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار. وكانوا يقولون: آمنّا بالله؛ ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
أى انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسّبى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
فأخبر تعالى أن حقيقة الأيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذى محلّه القلب.
стр. 6172
ذكر وفد تميم
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: كان رسول الله ﷺ قد بعث بشر بن سفيان. ويقال: النّحّام «١» العدوىّ على صدقات بنى كعب من خزاعة، فجاء وقد حلّ بنو احيهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكرت ذلك بنو تميم، وأبوا وابتدروا القسىّ، وشهروا السّيوف، فقدم المصدّق «٢» على رسول الله ﷺ فأخبره «٣» ؛ فقال: «من لهؤلاء القوم» ؟ فانتدب لهم عيينة بن حصن، فبعثه رسول الله ﷺ فى خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجرىّ ولا أنصارىّ فأغار عليهم، فأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة، فقدم فيهم عدّة من رؤساء بنى تميم، منهم عطارد بن حاجب، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورياح ابن الحارث، وعمرو بن الأهتم، وغيرهم كما ذكرنا ذلك فى الغزوات فى خبر سريّة عيينة. قال ويقال: كانوا تسعين أو ثمانين رجلا.
قال ابن إسحق: والحتات بن يزيد أحد بنى دارم. قال: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارىّ، قالوا: فدخلوا المسجد وقد أذّن بلال بالظهر؛ والناس ينتظرون خروج رسول الله ﷺ ، فعجلوا واستبطئوه، فنادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: يا محمد! اخرج إلينا. فخرج رسول
стр. 6173
الله ﷺ ، وأقام «١» بلال، فصلّى رسول الله ﷺ الظهر، ثم أتوه؛ فقال الأقرع بن حابس: يا محمد، ايذن لى، فو الله إنّ حمدى لزين، وإنّ ذمّى لشين. فقال له رسول الله ﷺ : «كذبت، ذاك الله ﵎» . حكاه ابن سعد.
وحكى محمد بن إسحق أنهم قالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» ، فقام عطارد بن حاجب، فقال:
الحمد لله الذى له علينا الفضل والمنّ؛ وهو أهله الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدّة، فمن مثلنا فى الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولى فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا، وإنّا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا «٢» من الإكثار فيما أعطانا، وإنّا نعرف [بذلك] «٣» ] . أقول هذا «٤» لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس.
فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشّمّاس أخى بنى الحارث ابن الخزرج: «قم فأجب الرجل فى خطبته» . فقام ثابت فقال:
الحمد لله الذى السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شىء قطّ إلا من فضله، وكان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه
стр. 6174
كتابه، وائتمنه على [خلقه «١» ] فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوى رحمه؛ أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله ﷺ ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا.
أقول هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات. والسلام عليكم.
فقام الزّبرقان بن بدر، فقال:
نحن الكرام فلا حىّ يعادلنا ... منّا الملوك وفينا تنصب البيع «٢»
[ويروى: «وفينا يقسم الرّبع» ، بدل «تنصب البيع «٣» » ] . ... وكم قسرنا من الأحياء كلّهم
عند النّهاب وفضل العزّ يتّبع ... ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشّواء إذا لم يؤنس القزع «٤» ... بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كلّ أرض هويّا ثم نصطنع «٥»
[ويروى:
من كلّ أرض هوانا ثم نتّبع «٦» ]
стр. 6175
فننحر الكوم عبطا فى أرومتنا ... للنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا «١»
فلا ترانا إلى حىّ نفاخرهم ... إلّا استقادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا فى ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنّا أبينا ولم يأبى «٢» لنا أحد ... إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
قال محمد بن إسحق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله ﷺ ، فقال حسان: جاءنى رسوله فأخبرنى أنه إنما دعانى لأجيب شاعر بنى تميم، فخرجت إلى رسول الله ﷺ وأنا أقول:
منعنا رسول الله إذ حلّ وسطنا ... على أنف راض من معدّ وراغم
منعناه لمّا حلّ بين بيوتنا ... بأسيافنا من كلّ باغ وظالم
ببيت حريد عزّه وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم «٣»
هل المجد إلّا السّودد «٤» العود والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
قال: فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت فى قوله وقلت على نحو ما قال. قال: ولما فرغ الزّبرقان من إنشاده، قال رسول الله ﷺ لحسّان بن ثابت: «قم فأجب الرجل» فقام حسّان فقال:
стр. 6176
إنّ الذّوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للناس تتّبع «١»
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع «٢»
[ويروى:
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا «٣» ]
قوم إذا جاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا «٤»
سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع «٥»
إن كان فى الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع النّاس ما أوهت أكفّهم ... عند الرّقاع ولا يوهون ما رقعوا «٦»
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالذّرى متعوا «٧»
أعفّة ذكرت فى الوحى عفّتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم طمع «٨»
стр. 6177
لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسّهم من مطمع طبع «١»
إذا نصبنا لحىّ لا ندبّ لهم ... كما يدبّ إلى الوحشيّة الذّرع «٢»
تسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزّعانف من أظفارها خشعوا «٣»
لا يفخرون إذا نالوا عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع «٤»
كأنّهم فى الوغى والموت مكتنع ... أسد بحلية فى أرساغها فدع «٥»
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الذى منعوا «٦»
فإنّ فى حربهم فاترك عداوتهم ... شرّا يخاض عليه السّمّ والسّلع»
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشّيع «٨»
أهدى لهم مدحتى قلب يؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع «٩»
فإنّهم أفضل الأحياء كلّهم ... إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا «١٠»
стр. 6178
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام ﵀: حدّثنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزّبرقان بن بدر لمّا قدم على رسول الله ﷺ فى وفد بنى تميم، قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم «١»
بأنّا فروع الناس فى كلّ موطن ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم «٢»
وأنّا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم «٣»
وأنّ لنا المرباع فى كلّ غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم «٤»
فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:
هل المجد إلّا السّودد العود «٥» والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النّبىّ محمدا ... على أنف راض من معدّ وراغم
بحىّ حريد أصله وثراؤه «٦» ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لمّا حلّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كلّ باغ وظالم
стр. 6179
جعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفىء «١» المغانم
ونحن ضربنا الناس حتّى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصّوارم «٢»
ونحن ولدنا من قريش عظيمها ... ولدنا نبىّ الخير من آل هاشم «٣»
بنى دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم «٤»
هبلتم، علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم «٥»
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا فى المقاسم
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيّا كزىّ الأعاجم «٦»
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ... ردافتنا عند احتضار المواسم «٧»
قالوا: فلما فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى، إنّ هذا الرجل لمؤتّى له «٨» ، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ولهم أحلم منّا. ونزل فى وفد بنى تميم قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«٩» .
стр. 6180
قال محمد بن سعد: وقال رسول الله ﷺ فى قيس بن عاصم:
«هذا سيّد أهل الوبر» وردّ عليهم الأسرى والسّبى، وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفد؛ ثنتى عشرة أوقية ونشّا «١» ، وهى خمسمائة درهم.
قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الأهمّ قد خلّفه القوم فى ظهرهم «٢» ، وكان أصغرهم ستّا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله! إنه قد كان رجل منّا فى رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، فبلغ عمرو بن الأهتم ما قاله قيس فيه؛ فقال:
ظللت مفترش الهلباء «٣» تشتمنى ... عند النبىّ فلم تصدق ولم تصب
إن تنقصونا فإنّ الرّوم «٤» أصلكم ... والرّوم لا تملك البغضاء للعرب
وإنّ سوددنا عود وسوددكم ... مؤخّر عند أصل العجب والذّنب «٥»
وروى أن الزّبر قان فخر يومئذ فقال:
يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظّلم، وهذا يعلم ذلك. وأشار إلى عمرو بن الأهتم. فقال عمرو:
إنه شديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع فى أدانيه. فقال الزّبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد.
стр. 6181
فقال عمرو: أنا أحسدك؟! فو الله إنّك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض فى العشيرة، والله ما كذبت فى الأولى، ولقد صدقت فى الثانية.
فقال رسول الله ﷺ : «إنّ من البيان لسحرا» .
ذكر وفد فزارة واستسقاء رسول الله ﷺ لهم
قال ابن سعد: لمّا رجع رسول الله ﷺ من تبوك، قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا؛ فيهم خارجة بن حصن، والحرّ ابن قيس بن حصن، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاءوا مقرّين بالإسلام.
وسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت «١» مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث «٢» عيالنا، فادع لنا ربك. فصعد رسول الله ﷺ المنبر ودعا، فقال: «اللهمّ اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، فأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا «٣» ، مريئا «٤» مريعا «٥» ، مطبقا «٦» واسعا، عاجلا غير آجل، ناقعا غير ضارّ. اللهمّ اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق. اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» فمطرت، فما رأوا السماء ستّا «٧» ، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فدعا، فقال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا، على الآكام والظّراب «٨» ، وبطون الأودية، ومنابت الشّجر» . قال: فانجابت «٩» السماء عن المدينة انجياب الثوب.
стр. 6182
وفى صحيح البخارىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أصابت الناس سنة «١» على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابى فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، وما فى السماء قزعة «٢» سحاب، قال: فثار «٣» سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد [الغد «٤» ] والذى يليه إلى الجمعة الأخرى. فقام ذلك الأعرابى- أو رجل غيره «٥» - فقال: يا رسول الله، تهدّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا» قال: فما جعل يشير بيديه إلى ناحية من السماء إلّا تفرّجت «٦» ، حتى صارت المدينة فى مثل الجوبة «٧» ، حتى سال الوادى وادى قناة «٨» شهرا. قال: فلم يأت أحد من جهة إلا حدّث بالجود «٩» .
ذكر وفد مرّة
قال: قدم وفد بنى مرّة على رسول الله ﷺ عند مرجعه من تبوك فى سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلا، رأسهم الحارث بن عوف؛ فقالوا:
يا رسول الله، إنّا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من لؤىّ بن غالب. فتبسّم
стр. 6183
رسول الله ﷺ ، ثم قال: «أين تركت أهلك» ؟ قال: بسلاح «١» وما والاها. قال: «كيف تركت البلاد» ؟ قال: والله إنّا لمسنتون «٢» ، فادع الله لنا. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اسقهم الغيث» وأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشرة أواق، عشرة أواق فضّة، وفضّل الحارث بن عوف، أعطاه ثنتى عشرة أوقية. فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت فى اليوم الذى دعا فيه رسول الله ﷺ .
ذكر وفد محارب
قال: قدم وفد محارب على رسول الله ﷺ فى سنة عشر، فى حجّة الوداع، وهم عشرة نفر، منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء؛ فأسلموا وقالوا:
نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد فى تلك المواسم أفظّ ولا أغلظ على رسول الله ﷺ من بنى محارب. قال: ومسح رسول الله ﷺ وجه خزيمة «٣» بن سواء، فصارت له غرّة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهليهم.
ذكر وفد كلاب
قال: قدم وفد كلاب على رسول الله ﷺ فى سنة تسع من الهجرة، وهم ثلاثة عشر رجلا، فيهم لبيد بن ربيعة، وجبّار بن سلمى، فأنزلهم
стр. 6184
دار رملة بنت الحارث، فقالوا: يا رسول الله، إنّ الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله، وبسنّتك التى أمرته، وإنه دعانا إلى الله، فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصّدقة من أغنيائنا فردّها على فقرائنا.
ذكر وفد رؤاس بن كلاب
روى عن أبى نفيع طارق بن علقمة الرؤاسىّ أنه قال: قدم رجل منّا يقال له عمرو بن مالك بن قيس الرّؤاسىّ على النبى ﷺ فأسلم، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نصيب من بنى عقيل بن كعب مثل ما أصابوا منّا، فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك فأصابوا فيهم، ثم خرجوا يسوقون النّعم، فأدركهم فارس من بنى عقيل، يقال له ربيعة بن المنتفق بن عامر ابن عقيل، وهو يقول:
أقسمت لا أطعن إلّا فارسا ... إذا الكماة لبسوا القوانسا «١»
قال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرّجّالة سائر اليوم، فأدرك العقيلىّ رجلا من بنى عبيد بن رؤاس: يقال له المحرّش بن عبد الله بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، فطعنه فى عضده فأخبلها «٢» ، فاعتنق المحرّش فرسته، وقال: يا آل رؤاس! فقال ربيعة: رؤاس خيل أو أناس؟! فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله. قال: ثم خرجنا نسوق النّعم، وأقبل بنو عقيل فى طلبنا حتى انتهينا إلى تربة «٣» ، فقطع ما بيننا وبينهم وادى تربة، فجعل بنو عقيل ينظرون إلينا فلا يصلون
стр. 6185
إلى شىء فمضينا. قال عمرو بن مالك: فأسقط فى يدى، وقلت: قتلت رجلا، وقد أسلمت وبايعت النبى ﷺ ! فشددت يدى فى غلّ إلى عنقى، ثم خرجت أريد النبى ﷺ ، وقد بلغه ذلك، فقال: «لئن أتانى لأضربنّ ما فوق الغلّ من يده» قال: فأطلقت يدى، ثم أتيته فسلّمت عليه فأعرض عنّى فأتيته عن يمينه فأعرض عنّى، فأتيته عن يساره فأعرض عنّى، فأتيته من قبل وجهه، فقلت: يا رسول الله، إن الربّ ليترضّى [فيرضى «١» ] ، فارض عنّى رضى الله عنك. قال: «قد رضيت عنك» .
ذكر وفد عقيل بن كعب
قال محمد بن السّائب: حدّثنا رجل من بنى عقيل بن كعب، عن أشياخ قومه، قالوا: وفد منّا من بنى عقيل بن كعب على رسول الله ﷺ ربيع ابن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرّف بن عبد الله، وأنس بن قيس ابن المنتفق، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم رسول الله ﷺ العقيق عقيق بنى عقيل، وهى أرض فيها عيون ونخل وكتب لهم بذلك كتابا فى أديم أحمر: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرّفا وأنسا؛ أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا» . ولم يعطهم حقّا لمسلم، وكان الكتاب فى يد مطرّف. ووفد عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فأعطاه ماء يقال له النّظيم وبايعه على قومه.
стр. 6186
قال: وقدم عليه أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل، فقرأ رسول الله ﷺ عليه القرآن، وعرض عليه الإسلام، فقال: أما وايم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، فإنّك لتقول قولا لا نحسن مثله، ولكن سوف أضرب بقداحى هذه على ما تدعونى إليه، وعلى دينى الذى أنا عليه، وضرب بالقداح، فخرج على سهم الكفر، ثم أعاد فخرج عليه ثلاث [مرّات «١» ] .
فقال لرسول الله ﷺ : أبى هذا إلّا ما ترى، ثم رجع إلى أخيه عقال «٢» بن خويلد، فقال له: قلّ خيسك. أى قلّ خيرك. فقال: هل لك فى محمد ابن عبد الله؟ يدعو إلى دين الإسلام، ويقرأ القرآن، وقد أعطانى العقيق إن أنا أسلمت، فقال له عقال: أنا والله أخطّك أكثر مما يخطّك محمد، ثم ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق، فأخذ أسفله وما فيه من عين، ثم إنّ عقالا قدم على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، وجعل يقول له: «أتشهد أن محمدا رسول الله» ؟ فيقول: أشهد أن هبيرة بن النّفاضة نعم الفارس يوم قرنى لبان «٣» . ثم قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله» ؟ قال: «أشهد أنّ الصّريح تحت الرّغوة» «٤» ، ثم قال له الثالثة: «أتشهد» ؟ قال: فشهد وأسلم.
стр. 6187
قال: ثم قدم على رسول الله ﷺ الحصين بن المعلّى بن ربيعة ابن عقيل، وذو الجوشن «١» الضّبابىّ فأسلما.
ذكر وفد جعدة
قال محمد بن سعد: وفد على رسول الله ﷺ الرّقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب، فأعطاه ﷺ بالفلج «٢» ضيعة، وكتب له كتابا وهو عندهم.
ذكر وفد قشير بن كعب
قال: وفد على رسول الله ﷺ نفر من بنى قشير، قبل حجة الوداع وبعد حنين، فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم، فأقطعه رسول الله ﷺ قطيعة «٣» ، وكتب له بها كتابا. وفيهم حيدة «٤» بن معاوية ابن قشير، وفيهم قرّة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير فأسلم، فأعطاه رسول الله ﷺ ، وكساه بردا، وأمره أن يتصدّق على قومه؛ أى يلى الصدقة «٥» .
стр. 6188
ذكر وفد بنى البكّاء
قال: وفد ثلاثة نفر من بنى البكّاء على رسول الله ﷺ فى سنة تسع، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله، ومعهم عبد عمرو البكّائى وهو الأصمّ، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وكتب له بمائه الذى أسلم عليه «ذى القصّة «١» » . وكان عبد الرحمن من أصحاب الصّفّة «٢» ، فأنزلهم رسول الله ﷺ بمنزل وضيافة، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم.
وقال معاوية للنبى ﷺ : إنى أتبرك بمسّك وقد كبرت، وابنى هذا برّ بى فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية، وأعطاه أعنزا عفرا «٣» ، وبرّك عليهنّ «٤» ، وكانت السّنة «٥» تصيب بنى البكّاء ولا تصيبهم، وفى ذلك يقول محمد بن بشر بن معاوية:
وأبى الذى مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا نواجل لسن باللّجبات «٦»
يملأن رفد الحىّ كلّ عشيّة ... ويعود ذاك الملء بالغدوات «٧»
بوركن من منح وبورك مانحا ... وعليه منّى ما حييت صلاتى «٨»
стр. 6189
ذكر وفد كنانة وبنى عبد بن عدىّ
قالوا: وفد واثلة بن الأسقع الليثىّ على رسول الله ﷺ بالمدينة، ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك، فصلّى معه الصّبح، فقال: «من أنت؟ وما جاء بك؟ وما حاجتك» ؟ فأخبره عن نسبه، وقال: أتيتك لأومن بالله ورسوله؛ [فقال رسول الله: «١» ] «فبايع على ما أحببت وكرهت» . فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم؛ فقال أبوه: والله لا أكلّمك كلمة أبدا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهّزته، فخرج راجعا إلى رسول الله ﷺ ، فوجده قد سار إلى تبوك.
فقال: من يحملنى عقبة «٢» وله سهمى؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله ﷺ ، وشهد معه تبوك. وبعثه رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فجاء بسهمه «٣» إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله وسوّغه إياه، وقال: إنما حملتك لله تعالى.
قال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عبد بن عدى، وفيهم الحارث بن أهبان، وعويمر بن الأخرم، وحبيب وربيعة ابنا ملّة، ومعهم رهط من قومهم؛ فقالوا: يا محمد، نحن أهل الحرم وساكنوه «٤» ، وأعزّ من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا. وإنا لنحبك ومن أنت منه، فإن أصبت منّا أحدا خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته. فقال: «نعم» فأسلموا.
стр. 6190
ذكر وفد باهلة
قال: وقدم على رسول الله ﷺ مطرّف بن الكاهن الباهلىّ بعد الفتح وافدا لقومه، فأسلم وأخذ لقومه أمانا، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا فيه فرائض الصّدقات.
ثم قدم نهشل بن مالك الوائلىّ من باهلة على رسول الله- ﷺ وافدا لقومه، فأسلم وكتب له رسول الله ﷺ ، ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام. كتبه عثمان بن عفّان.
ذكر وفد هلال بن عامر
قالوا: قدم على رسول الله ﷺ نفر من بنى هلال، فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو بن شعيثة «١» فأسلم؛ فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله. وفيهم قبيصة بن المخارق، فقال: يا رسول الله، إنّى حملت عن قومى حمالة «٢» فأعنّى فيها؛ قال: «هى لك فى الصّدقات إذا جاءت» .
قالوا: ووفد زياد بن عبد الله بن مالك، فلما دخل المدينة، توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبى ﷺ ، وكانت خالة زياد- أمّه عزّة بنت الحارث، وهو يومئذ شاب- فدخل النبىّ ﷺ وهو عندها، فلما رآه غضب ورجع، فقالت: يا رسول الله، هذا ابن أختى، فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد، فصلّى الظهر، ثم أدنى زيادا فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حدرها على طرف أنفه. فكانت بنو هلال تقول: مازلنا نتعرّف البركة فى وجه زياد. قال الشاعر لعلىّ بن زياد:
стр. 6191
يابن الذى مسح النبىّ برأسه ... ودعا له بالخير عند المسجد
أعنى زيادا لا أريد سواءه ... من غائر أو متهم أو منجد «١»
ما زال ذاك النور فى عرنيه ... حتى تبوّأ بيته فى الملحد
ذكر وفد عامر بن صعصعة وخبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس
قال محمد بن سعد: قدم عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر.- قال ابن إسحق: وأربد بن قيس ابن جزء «٢» بن خالد بن جعفر، وجبّار بن سلمى بن مالك بن جعفر-[على رسول الله «٣» ﷺ ]-.- قال ابن سعد- فقال عامر بن الطّفيل: يا محمد، مالى إن أسلمت؟ قال: «لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم» . قال: أتجعل لى الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذلك لك ولا لقومك» قال: أفتجعل لى الوبر ولك المدر؟ «٤» قال: «لا، ولكنّى أجعل لك أعنّة الخيل، فإنك امرؤ فارس» . قال:
أو ليست لى؟! لأملأنها عليك خيلا ورجلا «٥» . ثم ولّيا؛ فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اكفنيهما، اللهمّ واهد بنى عامر وأغن الإسلام عن عامر» - يعنى ابن الطّفيل.
وقال ابن إسحق: قدم عامر بن الطّفيل على رسول الله ﷺ ، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم،
стр. 6192
فقال: والله لقد كنت آليت ألّا أنتهى حتّى تتبع العرب عقبى، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد بن قيس: إذا قدمنا على الرجل فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال عامر بن الطّفيل. يا محمد، خالّنى «١» . قال:
«لا والله حتى تؤمن بالله وحده» ، فجعل يكرر هذا القول ورسول الله ﷺ يعيد عليه مقالته، وهو فى ذلك ينتظر من أربد ما أمره به، فلم يصنع أربد شيئا، وكان آخر ما قال لرسول الله ﷺ : أما والله لأملأنّها عليك خيلا ورجلا، فلما ولّى قال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفنى عامر ابن الطّفيل» فلما خرجوا من عنده قال عامر لأربد: ويلك! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندى على نفسى منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال له أربد: لا أبا لك! لا تعجل علىّ، والله ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره إلا دخلت بينى وبين الرجل، حتى لا أرى غيرك! أفأضربك بالسيف! قال: وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطّفيل الطاعون فى عنقه، فمال إلى بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، غدّة كغدّة البكر، وموت فى بيت سلوليّة «٢» ! قال: ومات فواراه أصحابه، وخرجوا حتى قدموا أرض بنى عامر، فأتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لا شىء، والله لقد
стр. 6193
دعانا إلى عبادة شىء لوددت أنه عندى الآن فأرميه بالنّبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه «١» ، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
وقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبىّ فى هذه القصة، بسند يرفعه إلى عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما، قال: أقبل عامر بن الطّفيل وأربد بن ربيعة يريدان رسول الله ﷺ ، وهو بالمسجد جالس فى نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف «٢» الناس لجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، هذا عامر ابن الطّفيل قد أقبل نحوك، فقال: «دعه فإن يرد الله به خيرا يهده» فأقبل حتى قام عليه. فقال: يا محمد، مالى إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين» . قال: تجعل لى الأمر بعدك؟ قال: «ليس ذلك إلىّ، إنما ذلك إلى الله ، يجعله حيث يشاء» . قال تجعلنى على الوبر وأنت على المدر؟. قال: «لا» . قال: فماذا تجعل لى؟ قال: «أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها» . قال: أو ليس ذلك لى اليوم؟! قم معى أكلّمك. فقام معه رسول الله ﷺ ، وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتنى أكلّمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف؛ فجعل يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه، فدار أربد خلف النبىّ ﷺ ، فاخترط من سيفه شبرا، ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على سلّه، وجعل عامر يومىء إليه، فالتفت رسول الله ﷺ ، فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: «اللهم
стр. 6194
اكفنيهما بما شئت» . فأرسل الله على أربد صاعقة فى يوم صائف فأحرقته، وولّى عامر هاربا، وقال: يا محمد، دعوت ربّك فقتل أربد، والله لأملأنّها عليك خيلا جردا «١» ، وفتيانا مردا «٢» ؛ فقال رسول الله ﷺ :
«يمنعك الله ذلك وأبناء قيلة» يعنى الأوس والخزرج. فنزل عامر بيت امرأة سلوليّة وأنشأ يقول:
تخيّر أبيت اللّعن إن شئت ودّنا ... وإن شئت حربا ذات بأس ومصدق
وإن شئت فتيانا بكفّى أمرهم ... يكبّون كبش العارض المتألّق
فلما أصبح ضمّ عليه سلاحه، وقد تغيّر لونه، وهو يقول:
لعمرى وما عمرى علىّ بهينّ ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر «٣»
وقد علم المزنوق أنّى أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر «٤»
إذا ازورّ من وقع السّنان زجرته ... وأخبرته أنّى امرؤ غير مقصر «٥»
وأخبرته أنّ الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبد عذرا فيعذر «٦»
لقد علمت عليا هوازن أنّنى ... أنا الفارس الحامى حقيقة جعفر
стр. 6195
فجعل يركض فى الصحراء ويقول: ابرز يا ملك الموت! ثم أنشأ يقول:
ألا قرّب المزنوق «١» إذ جدّ ما أرى ... لتعريض يوم شرّه غير حامد
ألا قرّباه إنّ غاية جرينا ... إذا قرب المزنوق بين الصّفائد
بنو عامر قومى إذا ما دعوتهم ... أجابوا ولبىّ منهم كلّ ماجد
ويقول: واللّات لئن أصحر «٢» إلىّ وصاحبه- يعنى ملك الموت- لأنفذتهما برمحى.
قال: فلما رأى الله ذلك منه، أرسل ملكا فلطمه بجناحه، فأرداه فى التراب، وخرجت على ركبته غدّة عظيمة فى الوقت، فعاد إلى بيت السّلوليّة وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت فى بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه حتى مات على ظهره.
قال: فرثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثى؛ فمنها هذه الأبيات:
قضّ اللّبانة لا أبا لك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب «٣»
ذهب الذين يعاش فى أكنافهم ... وبقيت فى خلف كجلد الأجرب «٤»
يتلذّذون ملاذة ومجانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشعب «٥»
فتعدّ عن هذا وقل فى غيره ... واذكر شمائل من أخ لك معجب «٦»
стр. 6196
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب»
من معشر سنّت لهم أباؤهم ... والعزّ لا يأتى بغير تطلّب
يا أربد الخير الكريم جدوده ... أفردتنى أمشى بقرن أعضب «٢»
وقال أيضا فيه:
ما إن تعدّى المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد «٣»
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «٤»
يا عين هبلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم فى كبد «٥»
فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النّجد «٦»
قال: وأنزل الله فى هذه القصّة: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
يعنى رسول الله ﷺ يَحْفَظُونَهُ
يعنى تلك المعقبات مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
. ثم قال تعالى مشيرا لهذين: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «٧» .
стр. 6197
أى ملجإ يلجئون إليه. وقد قيل: والٍ
يلى أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
. قال: خَوْفاً
للمسافر يخاف أذاه ومشقّته. وَطَمَعاً
للمقيم يرجو بركته ومنفعته. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ «١»
قال الحسن: شديد الحقد «٢» .
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: شديد الأخذ. وقد روى الثعلبىّ أيضا، عن إسحق الحنظلىّ، عن ريحان بن سعيد الشّامى، عن عبّاد بن منصور، قال سألت الحسن عن قوله : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الآية.
قال: كان رجل من طواغيت العرب، فبعث إليه النبىّ ﷺ نفرا ليدعوه إلى الله ورسوله أن يؤمن، فقال لهم: أخبرونى عن ربّ محمد هذا الذى تدعونى إليه ما هو؟ وممّ هو؟ من دهب أم فصّة أم حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، وانصرفوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلا أكفر قلبا، ولا أعتى على الله منه! فقال رسول الله ﷺ : «ارجعوا إليه» فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى وأخبث، «٣» فقال رسول الله ﷺ : «ارجعوا إليه» فرجعوا، فبيناهم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول هذه المقالة؛
стр. 6198
إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم، فرعدت وبرقت فرمت بصاعقة فاحترق «١» الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا النبىّ ﷺ فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا لهم: احترق صاحبكم.
قالوا لهم: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى إلى النبىّ ﷺ الساعة:
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الآية. والله أعلم فى أيهما نزلت.
ولنرجع إلى تتمة خبر وفد عامر بن صعصعة.
قال محمد بن سعد فى طبقاته: وكان فى الوفد عبد الله بن الشّخّير، فقال: يا رسول الله، أنت سيدنا، وذو الطّول علينا. قال: «السيّد الله، لا يستهوينّكم الشيطان» .
قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ علقمة بن علاثة بن عوف، وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالسا إلى جنب رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ :
«أوسع لعلقمة» فأوسع له، فجلس إلى جنبه، فقصّ عليه رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، وقرأ عليه قرآنا، فقال: يا محمد، إن ربّك لكريم، وقد آمنت بك، وبايعت على عكرمة بن خصفة أخى قيس، وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه.
وروى ابن سعد عن عون بن أبى جحيفة السّوائىّ عن أبيه قال: قدم وفد بنى عامر وكنت معهم إلى النبى ﷺ ، فوجدناه بالأبطح فى قبّة حمراء، فسلّمنا عليه، فقال: «من أنتم» ؟ قلنا: بنو عامر بن صعصعة. قال:
«مرحبا بكم أنتم منّ وأنا منكم» .
стр. 6199
ذكر وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللّات
كان قدوم وفد ثقيف «١» على رسول الله ﷺ ، وإسلامها فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره «٢» .
قال أبو عبد الله محمد بن إسحق، وأبو محمد عبد الملك بن هشام، وأبو عبد الله محمد بن سعد ﵏، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض: لمّا حاصر رسول الله ﷺ الطائف لم يحضر عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة الحصار، بل كانا بجرش «٣» يتعلّمان صنعة العرّادات «٤» والمنجنيق والدّبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله ﷺ عن الطّائف، فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبّابات واعتدّا للقتال، ثم ألقى الله فى قلب عروة الإسلام، فخرج إلى رسول الله ﷺ يتبع أثره، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ :
«إنّهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبكارهم.
قال: فكرر علىّ رسول الله ﷺ ذلك ثلاثا، فقال: «إن شئت فاخرج» فخرج، وكان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فسار إلى الطائف، فسار خمسا
стр. 6200
فقدم عشاء، فدخل منزله، فجاء قومه يحيّونه بتحيّة الشّرك، فقال: عليكم بتحية أهل الجنة «السّلام» . ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن بالصلاة، فخرجت ثقيف من كل ناحية، فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك- وقيل: بل هو وهب بن جابر رجل من الأحلاف- بسهم فأصاب أكحله «١» فلم يرقأ دمه، فقام أشراف قومه؛ وهم: غيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ابن وهب، ووجوه الأحلاف، فلبسوا السّلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك قال: قد تصدّقت بدمى على صاحبه؛ لأصلح بذلك بينكم، وهى كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ. وقال: ادفنونى مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ ، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله ﷺ خبره فقال فيه: «إنّ مثله فى قومه لكمثل صاحب «يس» دعا قومه إلى الله فقتلوه» .
قالوا: ولحق أبو المليح بن عروة، وقارب بن الأسود بن مسعود برسول الله ﷺ فأسلما، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تولّيا من شئتما» فقالا: نتولّى الله ورسوله؛ فقال رسول الله ﷺ :
«وخالكما أبا سفيان بن حرب» فقالا: وخالنا أبا سفيان.
قال ابن إسحق: ثم أقامت ثقيف بعد ما قتل عروة أشهرا، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. وكان
следующие страницы →